الحصون — مكتبة مبرة الآل والأصحاب الرقمية — النص الموثّق والمصدر المصوّر
أحاديث الصحيحين المنتقدة الخاصة بالأنبياء عليهم السلامالقراءة المتصلة
صفحة 3
حجم النص28

الصفحة الحالية: 3

الشنطي، أسامة محمد زهير.

أحاديث الصحيحين المنتقدة الخاصة بالأنبياء عليهم السلام/ أسامة محمد زهير الشنطي - ط1- الكويت - مبرة الآل والأصحاب، 2015

500ص؛ 21 سم.- (مرويات تحت المجهر؛ 3)

1-الحديث الصحيح2- الحديث - تخريج أ. العنوان ب-السلسلة

رقم الإيداع: 141/2015

ردمك: 6-23-64-99966-978

حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب

إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة

الطبعة الأولى

1436هـ / 2015م

هاتف: 22560203 - 22552340 فاكس: 22560346

ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت

E-mail: almabarrh@gmail.com

www.almabarrah.net

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة

صفحة 4 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِۦ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ(1) ﴾ ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمُ ٱلَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَٰحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَآءً وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِى تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلْأَرْحَامَ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(2) ﴾ ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَقُولُوا۟ قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَٰلَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾(3)(4) )( .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أما بعد،

فقد ذكر علماؤنا الأجلاء أن للتصنيف مقاصد سبعة، لعلّ أول من ذكرها الإمام ابن حزم رحمه الله حيث يقول: والأنواع التي ذكرنا سبعة لا ثامن لها: وهي إما شيء لم يسبق إلى استخراجه فيستخرجه؛ وإما شيء ناقص فيتممه؛ وإما شيء مخطأ فيصححه؛ وإما شيء مستغلق فيشرحه؛ وإما شيء طويل فيختصره؛ دون أن يحذف منه شيئاً يخل حذفه إياه بغرضه؛ وإما شيء مفترق فيجمعه؛ وإما شيء منثور فيرتبه(5) .

وكتابي هذا يصلح للإدراج في القسم الثالث، وهو تصحيحٌ لخطأٍ أو أخطاء تتابع على إيرادها أناسٌ ينتمون إلى مدرسة معيّنة، يُنكرون من خلالها أحاديث صحيحة، رويت في أصح كتب السنة النبوية المشرَّفة.

وهذه الشُّبه لم تمت بموت أصحابها، ولم تدفن معهم في قبورهم، بل كلّما خبا أوارها، وخَفَت سعارها، وكادت أن تتلاشى من مجتمعات المسلمين، حرص أقوامٌ منهم على إعادة بثها والترويج لها، بدعوى ظاهرها فيه الرحمة، وباطنها من قبلها العذاب، يزعمون من خلال إيرادها ذبّ الشين والعيب والمؤاخذة عن دين الله عز وجل، وغفلوا أو تغافلوا عن أن هذه الأمة المرحومة التي هي خير أمم الأرض قاطبة، قد تلّقت هذه النصوص بكل قَبول، وعملت على تدوينها والتحديث بها، وتعلُّمها وتعليمها، وكيف لا يكون ذلك، وقد

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نُقلت إلينا بأصحِّ الأسانيد، التي لا يشكِّك في ثبوتها إلا أجنبيٌّ عن صنعة الحديث، بل عن مقاصد الشريعة قاطبة.

هذا، مع امتلاء كتب أولئك المغرضين بخرافات وأكاذيب وأساطير تضاهي - بل تفوق - أساطير الأولين، دوّنت في كتبهم، وتناقلها القوم على مرِّ العصور، مسلِّمين لما فيها، معتقدين بصحتها، محتجِّين بها، مع كونها لا تقوم إلا على سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً.

وكان الأولى بهم - لو كانوا يعقلون -، أن يشغلوا أنفسهم بتنقيح ما جاء في كتبهم من هذه الأكاذيب، فإن لم يفعلوا ذلك، واقتنعوا بما خطّته أيديهم ممّا نسبوه إلى الشريعة -وهي منهم براء- وأقنعوا أنفسهم بإمكانية الاحتجاج بهذه النصوص عند وقوفهم بين يدي الله، وسؤالهم عمّا قدّمت أيديهم، فلا أقلَّ من أن يكفّوا أذاهم عن الآخرين، ويمسكوا أقلامهم عن الكتابة فيما لا يحسنون، ثم ينتفعوا بما جاء في كتب علمائنا الأجلاء، ويعيدوا النظر فيما ورثوه من تلك الخرافات، بعد طلبهم الدائم الهداية ممن قلوب العباد بين أصابعه سبحانه وتعالى، يقلّبها كيف يشاء.

ولمّا لم يفعلوا شيئاً مما ذكرت، فلا هم أشغلوا أنفسهم بإصلاح عوارهم، وستر عوراتهم، ولا هم كفّوا أذاهم عن أئمة المسلمين، وبطبيعة الحال، لم ينتفعوا من كتبهم، وما دوّنوه فيها من خيرٍ عظيم، بل حالوا بين هذه الكتب الكريمة، وبين أتباعهم المضلَّلين، وجعلوا طريق النجاة لا يكون إلا بهم ومن خلالهم، فكان حالهم كحال

فرعون إذ نادى في قومه قائلاً: مَآ أُرِيكُمْ إِلَّا مَآ أَرَىٰ وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ ٱلرَّشَادِ﴾(6)

أقول: لما كان هذا حالهم، تتابع أئمة المسلمين على مرِّ العصور، على فضح أحوال أولئك القوم، وهتك أستارهم وكشف خزيهم المتوارث بينهم، بدفع ما أوردوه من شبه على دين الله عز وجل، وإظهار للحقائق، ذبّاً عن هذه الشريعة الغرّاء، وصيانةً لسنة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم من ولوغ أعدائها فيها.

وكان من تمام حفظ الله عز وجلّ لهذا الدين، أنه كلما ظهرت شبهة من شبه المغرضين، يسّر الله لها من يقوم بردّها من علمائنا الأجلاء، ولا يقصـر الأمر على ردّها، بل ويتعدى ذلك لبيان وجه الحقِّ فيها، مما كان له أكبر الأثر في إصلاح قلوب كثير من الناس، وترسيخ الإيمان في نفوسهم، فكان ذلك صورة من صور عقاب الله عز وجل لأولئك المغرضين، الذين أرادوا شيئاً وأراد الله سبحانه وتعالى بفضله ومنّته وكامل حكمته شيئاً أخر.

ومن أمثلة نصر الله عز وجل لأوليائه على أعدائه، وما يتضمّن هذا النصر من هدم لكثير من المعتقدات الباطلة، وإظهارٍ لشـرع الله سبحانه وتعالى، ما جرى من خير عميم جرّاء تأليف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه العظيم: منهاج السنة النبوية، حيث هدم فيه شيخُ الإسلام بنيان من يلقّب عند أتباعه بالعلامة الحلِّي، وكان الحلِّي هذا قد جلب الشؤم على نفسه حينما ألّف كتاباً صغيراً، عنون له بمنهاج الكرامة، كان

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سبباً في ضلال أحد السلاطين في زمانه، فطُلب من شيخ الإسلام ابن تيمية أن ينقض ما جاء فيه، فقال بعد أن ذكر مقدّمة بيّن فيها أصول ضلال القوم: فأخبرتهم أن هذا الكتاب، وإن كان من أعلى ما يقولونه في باب الحجة والدليل، فالقوم من أضل الناس عن سواء السبيل، فإن الأدلة إما نقلية، وإما عقلية، والقوم من أضل الناس في المنقول، والمعقول في المذاهب والتقرير، وهم من أشبه الناس بمن قال الله فيهم: وَقَالُوا۟ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِىٓ أَصْحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ﴾(7) والقوم من أكذب الناس في النقليات، ومن أجهل الناس في العقليات، يصدقون من المنقول بما يعلم العلماء بالاضطرار أنه من الأباطيل، ويكذبون بالمعلوم من الاضطرار المتواتر أعظم تواتر في الأمة جيلا بعد جيل، ولا يميزون في نقلة العلم، ورواة الأحاديث والأخبار بين المعروف بالكذب، أو الغلط، أو الجهل بما ينقل، وبين العدل الحافظ الضابط المعروف بالعلم بالآثار، وعمدتهم في نفس الأمر على التقليد، وإن ظنوا إقامته بالبرهانيات، فتارة يتبعون المعتزلة، والقدرية، وتارة يتبعون المجسمة، والجبرية، وهم من أجهل هذه الطوائف بالنظريات، ولهذا كانوا عند عامة أهل العلم والدين من أجهل الطوائف الداخلين في المسلمين...إلى أخر كلامه رحمه الله(8)

قلت: والناظر في كتب القوم ومطوّلاتهم يعلم علم اليقين أن شيخ الإسلام كان من أعلم الناس بهم، ويرى صدق ما قاله شيخ الإٍسلام عياناً،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويعجب أشد العجب من تعطيل أتباعهم لعقولهم، وانسياقهم وراء ما دوّنه علماؤهم في كتبهم، مع وضوح الوضع والدّسِّ الكثير المنسوب إلى أئمتهم، في طول كتبهم وعرضها.

وعوداً على موضوع كتابي هذا، فقد أقمته على ردِّ شبه من القوم أنفسهم، تطاولوا فيها على سنة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم ، تحت ستار ردِّ أحاديث جاءت من طريق الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه ، بدعوى الذبِّ عن دين الله عز وجل بزعمهم، وهم في حقيقة أمرهم معاول هدمٍ تسعى لتحطيم سنة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم التي نُقلت إلينا عن طريق صحابته الأجلاء رضي الله عنهم.

وهذه الشبه في حقيقة حالها، لا ينتهي كيدُها إلى الحطِّ من مقام الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه ، بل، يمتد شرُّها وشررها إلى سائر الصحابة رضي الله عنهم، إلا من أوحى إليهم الشيطان باستثنائهم، ذلكم، أن أبا هريرة رضي الله عنه إنما هو فرد من أفراد صحابة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم ، وهؤلاء الصحابة هم أنفسهم الذين اتخذهم أصحاب هذه الشبه غرضاً لتهمهم الجائرة، وافتراءاتهم الفاجرة.

بل إن أذاهم يطال غير الصحابة، يطال كلَّ من اعتقد بصحة ما رواه صحابة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لنا، كالعلماء المبجَّلين الذين دوّنوا حديث الصحابة في كتبهم، ثم الذين تناقلوا هذه الأحاديث عن طريق روايتها وسماعها وإسماعها، ثم الذين قاموا بشرحها، وتعلُّمها وتعليمها، وهكذا، حتى يصل الأمر إلى جمهور أمة الإسلام الذين اعتقدوا بصحة هذه المرويات الشريفة.

وهذا التسلسل أراه من الوضوح بمكان، بحيث لا يخفى على

أحدٍ ممّن أعمل عقله في فهم مجريات الأمور، لكن، ما قد يخفى على البعض، هو أن هذه الشبه، تطال أيضاً بوجه أو بآخر كتابَ الله عز وجل، ذلكم، أن من سوء حظ القوم، وتمام خذلانهم، أن جُلَّ هذه الأحاديث المنتقدة بزعمهم إن لم يكن كلّها، لها ما يعضدها، ويؤيد معناها، ويثبت أصلها وكثيراً من تفاصيلها في كتاب الله العزيز الذي لَّا يَأْتِيهِ ٱلْبَٰطِلُ مِنۢ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِۦ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾(9)

ووجه وصول أذاهم إلى كتاب الله عز وجل، أن نقدهم لهذه الأحاديث، لم يكن من جهة الإِسناد، فهم من أجهل الناس بعلم الأسانيد، بل انصب جهدهم – لا بل جهلهم - على إبطال متونها، وأجلبوا على هذا بخيلهم ورجلهم كلّ ما استطاعوا من شبه لإبطال هذه الأحاديث.

وإنكارهم لهذه الأحاديث من حيث متونها، يظهر حقيقة موقفهم من كتاب الله عز وجل، الذي أخبرنا عن مثل ما جاء في هذه الأحاديث الشريفة في كتابه العظيم، وهذا أمر لازمٌ لكلِّ أصحاب الشبه الذين تجرؤوا على ردِّ سنة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا أيضاً من تمام ذبِّ الله عن دينه الحنيف، حيث يظهر حقيقة ما يبطنه هؤلاء.

وعلى ما سبق، فإن كتابي هذا يقوم على ردِّ شبه لها متعلِّقات عدة، فهو أولاً: يصبُّ في الدفاع عن كتاب الله، ثم عن صحابة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ثانياً، ثم عن أئمة الإسلام ثالثاً، ولئن كان كتاب الله عز وجل محفوظاً بحفظ الله عز وجل، وصحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تبوأوا مكانة سامقة لا يصل إليهم أذى القوم، بل يكون هذا زيادة في رصيد حسناتهم بإذن الله عز وجل، وكذا أئمة الإسلام الذين حفظ الله بهم الدين، وهم بذلك لا يحتاجون إلى دفاع عنهم، فلا أقلَّ من أن يكون الذبُّ عنهم باباً من أبواب الخير، وسبباً من أسباب نيل الحسنات، والتي أطمع من خلالها أن يهدم الله بها ذنوبي، ويكفِّر عني ما اقترفته يداي من سوء، بل إن سعة فضل الله سبحانه وتعالى تُطمعني فيما هو أكثر من ذلك؛ في رجاء القرب من نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام وعلمائنا الأجلاء، وقد فتح لنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم باب الأمل والرجاء بقوله صلى الله عليه وآله وسلم والمرء مع من أحب(10)

وقد ذكرت في كتابي هذا عشـرة من الأحاديث الشريفة المخرجّة في أصحِّ الكتب بعد كتاب الله عز وجل، فغالبها في الصحيحين، وبعضها قد انفرد بإخراجه البخاري، شغّب عليها من سيأتي ذكرهم في أثناء الكتاب، وراج تشغيبهم عند كثير من أتباعهم، وتناقلوه على مرِّ العصور، وورثه المتأخرون منهم عن متقدميهم، فكان بئس الميراثُ ميراثَهم.

والناظر في كتابنا هذا سيقف على كثير من الحقائق المتعلِّقة بأصول هذه الشبهات، وبيان مكانة أصحابها، وسطو بعضهم على أفكار بعض دون عزو أو أدنى إشارة، وحرصهم على الطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وعلماء المسلمين.

ومن أبرز علمائهم المقصودين بالرد في كتابي هذا: عبد الحسين

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

شرف الدين، ولعله أشهرهم، ولعلّ كتبه هي أكثر الكتب تداولاً بين أتباعهم، وقد فضح نفسه حينما أفرد كتاباً انتقص فيه من الصحابي الجليل أبـي هريرة رضي الله عنه وضمّن هذا الكتاب أكثر هذه الشبه المعروضة هنا، وكنت أريد أن أذكر شيئاً من ترجمته، ليقف القارئ على شيءٍ من ألقاب الفخامة والجلالة التي يُضفيها عليه أتباعه، إلا أني رأيت أن الأمر لا يستحق أكثر من التعريف به في هامش يأتي معنا، ومع ذلك، فلا أقلَّ من أن أنبِّه في هذه المقدِّمة على أمر يتعلَّق بأشهر كتبه وهو الذي سمّاه بالمراجعات، حيث أقام عبد الحسين كتابه هذا على مجرَّد ادعاء، لم يستطع هو ولا أتباعه أن يثبتوا صحته إلى يومنا هذا، وذلك الادعاء هو زعمه في هذا الكتاب أن مناظرات عن طريق مراسلات قامت بينه وبين شيخ الأزهر سليم البشـري(11) رحمه الله، كانت الغلبة فيها دائماً لعبد الحسين، وهذه الدعوى وحدها كافية في إسقاط الثقة بكتابه، فلا دليل على حصول ذلك إلاّ دعواه، وهل يقبل من أمثال عبد الحسين ما هو أقل من ذلك، حتى يقبل منه مثل هذه الدعوى العريضة؟(12) ولا أدري والله كيف راج هذا الكتاب عند أتباعه واعتقدوا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

صحة ما جاء فيه، وهو قائم على مجرَّد دعوى لا زمام لها ولا خطام.

والذي أراه أن هذا الكتاب في أحسن أحواله، لا يعدو أن يكون رواية أدبية من نسج خيال صاحبها، فإن كان أتباعه يقرؤونه على هذا الأساس، فلهم ذلك، ومع ذلك، فإني أرى أن الوقت أثمن من أن يضيع بقراءة رواية خيالية.

خطة البحث:

هذا، وقد قسَّمت كتابي هذا إلى مقدمة وعشرة مباحث وخاتمة وفهارس:

أما المقدِّمة، فهي التي بين يديك، وأما المباحث العشـرة، فهي بعدد الأحاديث التي قام عليها هذا الكتاب، وهي كالتالي:

أولاً: حديث الشفاعة الطويل.

ثانياً: حديث شكِّ إبراهيم وما جاء فيه من ذكرٍ للوط ويوسف عليهم السلام.

ثالثا: طلب إبراهيم عليه السلام الشفاعة لأبيه.

رابعاً: حديث فرار الحجر بثوب موسى عليه السلام.

خامساً: ضرب موسى عليه السلام لملك الموت.

سادساً: حرق نبيٍّ من أنبياء الله عليهم السلام قرية النمل.

سابعاً: قراءة داود عليه السلام القرآن قبل أن تسرج دوابه.

ثامناً: الخلاف بين داود وسليمان عليه السلام في الحكم على المرأتين.

تاسعاً: طواف سليمان عليه السلام على نسائه في ليلة واحدة.

عاشراً: اغتسال أيوب عليه السلام عرياناً، وتساقط الجراد من الذهب عليه.

وفي داخل كلِّ مبحث خمسة مطالب هي كالآتي:

المطلب الأول: ذكر الحديث.

المطلب الثاني: تخريج الحديث.

المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.

المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.

المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث

الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.

ثم الخاتمة، ويليها ذكر أهم النتائج، ثم الفهارس وهي كما يلي:

فهرس الآيات. فهرس الأحاديث. فهرس الآثار. فهرس غريب الأحاديث. الفهرس العام.

منهجي في البحث:

أحرص على ذكر الشبهة كاملة من مصدرها الأصيل، وأبدأ بالأقدم ثم الذي يليه، إن كان زاد عليه شيئاً، وإلا أكتفى بذكر من وافقه عليها، ومقصودي من ذكر الشبهة كاملة مع بُغضي لها هو حرصي على إغلاق الباب أمام كلِّ من أراد أن يجد مدخلاً للانتصار للباطل؛ كزعمهم أن الشبهة عُرضت مبتورة، أو أن الجواب لم يتناول كلَّ ما جاء في الشبهة؛ ولهذا سيرى القارئ المنصف أني حرصت على الجواب على الشبهة بأكملها، مع تفاهة كثيرٍ مما يُعرض في هذه الشبه، فإن أعرضت عن شيءٍ أشرت إلى سبب إعراضي، ولا يكون إعراضي إلا لشدة سماجة ما جاء في بعض هذه الشبه. في أثناء ردِّي للشبهة قد أكرر بعض جوانب الرد، لكن في فقرات مختلفة، بل وبطرائق مختلفة، وما ذلك إلا لحاجة الكلام إلى

ذكر شيءٍ مما مضى، وقد يكون المكرّر جزءاً مما مرّ معنا. فرّقت بعض المباحث الأساسية في الكتاب في المكان المناسب لها، كمسألة العصمة التي يقوم عليها صلب هذه الشبه، حيث لم أفردها في مبحث مستقل أتناول ما قيل فيها من قبل أهل العلم، وأدلة كلِّ فريق، بل تكلّمت عليها وعلى متعلِّقاتها في غير ما حديث، ومقصودي من هذا هو تجاوز التنظير إلى التطبيق العملي المتعلّق بهذه الشبه، وقد ظهر لي أن دمجها في ردِّ الشبهة وعدم إفرادها، أنفع للكاتب والقارئ الموافقِ والمخالفِ وأما غرضي من ذكر ما ترجم به العلماء الذين خرّجوا هذه الأحاديث في كتبهم، فلبيان الفرق بين الفريقين، أعني من طلبوا الهدى والتوفيق من الله، فشـرح الله صدروهم، وأنار بصائرهم، وهداهم لما اختلف فيه من الحق بإذنه، وبين من ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، الذين تنكَّبوا طريق الهداية، وساروا في طرق الغواية، فزاغوا عن الحقِّ فأزاغ الله قلوبهم، وصرفهم عن آياته، وسيتبيّن للقارئ المنصف كيف ينظر الفريق الأول بنور الله، وسيرى كيف أن الله عز وجل الذي أنزل كتابه، ونشـر سنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أيّد هذا الدين بهؤلاء العلماء الفضلاء، وسخّرهم لخدمته، فقاموا بهذا الواجب حقَّ القيام، وحرصوا على حفظ سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإيصالها لمن بعدهم كما نُقلت إليهم، مع الفهم السديد، والفقه الرشيد، فجزاهم الله خير الجزاء على ما قاموا به، وضاعف لهم

الأجر والمثوبة، وجمعنا وإياهم في مستقر رحمته مع النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. ومما يجدر التنبيه عليه، هو أنني ومع التزامي بالسير على هذا الترتيب المتعلِّق بالمطالب داخل المباحث، والمذكور في خطة البحث، إلا أنني في المطلب المتعلِّق بذكر الشبه والردّ عليها، لم ألتزم طريقة واحدة في عرض الرد، إذ قد أبدأ بسرد أقوال أهل العلم الشارحين لهذا الحديث، ومنه يكون الردّ مع ذكر ما يلزم ذكره من تعليقات، وقد أبدأ بردي على الشبه مباشرة، ثم أذكر ما وقفت عليه من كلام أهل العلم، وقد أضمّن كلامي ما قاله العلماء في تناولهم لكل حديث، وإنما سلكت هذا المسلك لأمور عدة:

تماشياً مع عناصر الشبه. دفع الملل الناتج من سلوك الطرق الرتيبة المتكررة. ترجيحي لصواب إحدى الطرق على الأخرى في كلِّ حديث.

إلى غير ذلك مما قد يظهر ويخفى.

وأختم بالتنبيه إلى أني لم أفرد حديث كذبات إبراهيم والشبه المتعلّقة به في مبحث مستقل، وذلك لاندراج معناه في حديث الشفاعة الطويل، وفيه تمّت الإجابة على الشبه المتعلِّقة به.

والحمد لله رب العالمين.

الحديث الأول: حديث الشفاعة الطويل

المطلب الأول: ذكر الحديث.

المطلب الثاني: تخريج الحديث.

المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.

المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.

المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.

المطلب الأول: ذكر الحديث

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله

صلى الله عليه وآله وسلم أُتي بلحم فرُفع إليه الذراع، وكانت تعجبه فنهش منها نهشة، ثم قال: «أنا سيد الناس يوم القيامة، وهل تدرون ممَّ ذلك؟ يجمع الله الناس الأولين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ، يسمعهم الداعي وينفذهم البصـر، وتدنو الشمس، فيبلغ الناس من الغمِّ والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس: ألا ترون ما قد بلغكم، ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: عليكم بآدم، فيأتون آدم عليه الصلاة والسلام فيقولون له: أنت أبو البشـر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح، فيأتون نوحاً فيقولون: يا نوح، إنك أنت أولُّ الرسل(13) إلى أهل الأرض، وقد سمَّاك الله عبداً

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

شكوراً، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي عز وجل قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى إبراهيم، فيأتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبيُّ الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه، فيقول لهم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد كنت كذبت ثلاث كذبات

فذكرهن أبو حيان(14) في الحديث نفسـي نفسـي نفسـي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى، فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله، فضَّلك الله برسالته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني قد قتلت نفساً لم أومر بقتلها، نفسي نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى عيسى ابن مريم، فيأتون عيسى، فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وكلَّمتَ الناس في المهد صبياً، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله قط، ولن يغضب بعده مثله، ولم يذكر ذنباً، نفسـي نفسـي نفسـي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمد، فيأتون محمداً فيقولون: يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجداً لربي عز وجل، ثم يفتح الله عليَّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً، لم يفتحه على أحد قبلي، ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك سل تُعطَه، واشفع تشفع فأرفع رأسي، فأقول: أمتي يا رب، أمتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد أدخِل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب، ثم قال: والذي نفسي بيده،

إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة، كما بين مكة وحمير(15) - أو كما بين مكة وبصرى - ». واللفظ للبخاري، ومن وافقه كما سيأتي في التخريج.

المطلب الثاني: تخريج

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحديث

أخرج الحديث كلٌّ من: أحمد (9623) وابن أبي شيبة (31674)- ومن طريقه البيهقي في الدلائل (5/476) -، والبخاري (4712) ومسلم (194) والترمذي (2434) والنسائي في الكبرى (11222)، وهناد بن السـري في الزهد (183) وابن أبي عاصم في السنة (194) وابن خزيمة (2/592) وأبي عوانة (437) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (270) وابن منده في الإيمان (881) وأبي نعيم في المستخرج (483) من طرق عن أبي حيان عن أبي زرعة عن أبي هريرة باللفظ السابق، إلا ما جاء عند النسائي والمروزي من عدم الإشارة إلى كذبات إبراهيم عليه الصلاة والسلام .

وروي من طريق أخرى عن أبي هريرة، حيث رواه كلٌّ من: إسحاق بن راهويه في مسنده (184) ومسلم (194) والبزار (9801) وابن أبي الدنيا في الأهوال (154) وابن حبان (6465) والمروزي في تعظيم قدر الصلاة (271) من طريق جرير بن عبد الحميد عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً، باختلاف يسير في الألفاظ، فقد جاء في هذه الطريق أن كلَّ نبي من الأنبياء المذكورين

يقول بعد أن يذكر عذره: فأخاف أن يطرحني في النار.

وكذا جاءت تسمية كذبات إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، حيث قال مسلم بعد أن أسند الحديث من هذه الطريق: وساق الحديث بمعنى حديث أبي حيّان عن أبي زرعة، وزاد في قصة إبراهيم فقال: وذكر قوله في الكوكب: ﴿ هَٰذَا رَبِّى﴾(16) ، وقوله لآلهتهم: ﴿ بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا(17) ﴾ ، وقوله: ﴿ إِنِّى سَقِيمٌ(18) ﴾ .

شواهد الحديث:

قد روى نحو هذا الحديث غير واحد من الصحابة الكرام، فرواه أنس رضي الله عنه كما في صحيح البخاري (4476) ومسلم (193) وفيه: أن آدم عليه الصلاة والسلام يذكر ذنبه فيستحي، ونوح عليه الصلاة والسلام يذكر سؤال ربه ما ليس له به علم فيستحي، وأما إبراهيم عليه الصلاة والسلام فيقول: لست هناك، ولم يأت فيه ذكر ذنب له عليه الصلاة والسلام ، وأما موسى عليه الصلاة والسلام فيذكر قتله للنفس. هذا ما جاء عند البخاري، وأما عند مسلم فقد عبّر الراوي – وهو أبو كامل الجحدري كما بيّن مسلم – بقوله عند ذكر كلِّ نبي من أنبياء الله عليهم السلام بقوله: يذكر خطيئته التي أصاب.

هذا بالنسبة لرواية أنس رضي الله عنه المخرّجة في الصحيحين.

وكذا روي نحو هذا الحديث عن أبي بكر رضي الله عنه عند أحمد (15)، وفيه أن كلَّ نبي من الأنبياء عليهم السلام، إذا جاءه الناس يطلبون شفاعته يقول:

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ليس ذاكم عندي.

وروي الحديث أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما، كما عند أحمد (1546) وفيه أن آدم عليه الصلاة والسلام قال: لست هناكم، قد أخرجت من الجنة بخطيئتي، وإنه لا يهمني إلا نفسـي. ويقول نوح عليه الصلاة والسلام : لست هناكم، إني دعوت بدعوة أغرقت أهل الأرض، وإنه لا يهمني إلا نفسـي. ويقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : لست هناكم، إني كذبت في الإسلام ثلاث كذبات، والله إن حاول بهنَّ إلا عن دين الله، قوله: ﴿ إِنِّى سَقِيمٌ(19) ﴾ وقوله: ﴿ بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا۟ يَنطِقُونَ(20) ﴾ وقوله لامرأته حين أتى على الملك: أختي. ثم قال إبراهيم: وإنه لا يهمني اليوم إلا نفسي.

وفي الحديث أيضاً يقول موسى عليه الصلاة والسلام : لست هناكم، إني قتلت نفساً بغير نفس، وإنه لا يهمني اليوم إلا نفسي.

وفيه أيضاً قول عيسى عليه الصلاة والسلام : لست هناكم، إني اتُخذت إلها من دون الله، وإنه لا يهمني اليوم إلا نفسي.

لكن الإسناد ضعيف، لحال راويه علي بن زيد بن جدعان.

وروي الحديث أيضاً عن ابن عمر رضي الله عنهما، وروايته عند البخاري (1475) لكنها مختصرة، حيث قال فيه: فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم .

وروي أيضاً عن أبي سعيد رضي الله عنه عند الترمذي (3148) بنحو ما

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

جاء في حديث ابن عباس المذكور آنفاً، وفي إسناد أبي سعيد أيضاً: علي بن زيد بن جدعان، ومضى قريباً أن وجوده يضعف الإسناد.

ورواه ابن المبارك في الزهد (2/111) والطبراني في الكبير (17/320) من طريق عبد الرحمن بن زياد، عن دخين الحجري، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه ، وليس فيه ذكر ذنب لواحد من أنبياء الله عليهم السلام.

وهو ضعيف، لحال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وهو الإفريقي، وبه ضعّفه الهيثمي في المجمع (10/376)، وجاء في مطبوعة المعجم الكبير (ابن نعيم) بدلاً من (ابن أنعم)، وهو تصحيف، والله أعلم.

وروي أيضاً عند ابن أبي شيبة (6/308) عن سلمان رضي الله عنه موقوفاً، وفيه قول كلِّ واحدٍ من الأنبياء عليهم السلام: لست هناك، ولست بذاك.

المطلب الثالث: غريب الحديث مع شرح مختصر للحديث الشريف

يحتوي هذا الحديث الشـريف على بعض الكلمات التي تحتاج لشـيءٍ من التوضيحٍ، وهذه الكلمات هي الآتية:

(الذراع): الذال والراء والعين أصل واحد يدل على امتداد وتحرك إلى قُدُم، ثم ترجع الفروع إلى هذا الأصل، فذراع الإنسان، معروفة(21) ، وذراع اليد يذكّر ويؤنث(22) ، كما قال الجوهري، بينما نقل غيرُه الخلافَ في تذكيرها، فقال الفيّومي في تعريف الذراع: هي اليد من كل حيوان، لكنها من الإنسان من المرفق إلى أطراف الأصابع، وذراع القياس أنثى في الأكثر، ولفظ ابن السكيت: الذراع أنثى، وبعض العرب يذكر(23) .

ولكون الأكثر على تأنيثها، قال ابن التين: والصواب: رُفعت، وكذا في الأصول: رُفعت، إلا أنه جاء في المؤنث الذي لا فرج له: أنه يجوز تذكيره، والذراع مؤنثة، ولذلك قال: «وكانت تعجبه»، قال: وهذا على ما

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

في بعض النسخ بضم الذراع، وأما بنصبها فبيِّن، ويكون رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم هو رافعها(24)

ونقل ذلك عنه أيضاً: القسطلاني فقال في ضبط ما جاء في الحديث: بضم الراء مبنيًّا للمفعول، قال السفاقُسي(25) : الصواب «رُفعت» لأن الذراع مؤنثة. قال في المصابيح: وهذا خبط، لأن هذا إسناد إلى ظاهر غير الحقيقي، فيجوز التأنيث وعدمه، بل أقول: لو كان التأنيث هنا حقيقيًّا لم يجب اقتران الفعل بعلامة التأنيث، لوجود الفاصل كقولك: قام في الدار هند(26) .اهـ.

(نهش): النهش بالفم كالنهس، إلا أن النهش تناول من بعيد، كنهش الحية، والنهس: القبض على اللحم ونتفه(27) وقال الزمخشـري:

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفُرِّق بَين النهس والنهش، فَقيل: النهس بأطراف الأسنان، والنهش بالأضراس(28)

قلت: وعبارة ابن الأثير أوضح، حيث قال: والنهس: أخذ اللحم بأطراف الأسنان، والنهش: الأخذ بجميعها(29) .

وقد اختُلف في ضبط ما جاء في الحديث الشـريف، هل هو بالشين المعجمة، أم بالسين المهملة، فقال الحافظ ابن حجر: بالمهملة، وقيل: بالمعجمة، وقيل: النهس الأكل من اللحم وأخذه بأطراف الأسنان، وبالمعجمة بالأضراس، وقال الخطابي(30) : بالمهملة أبلغ من المعجمة(31) . اهـ.

وقال البدر العيني: أكثر الرواة على إهمالها، وفي رواية ابن ماهان وأبي ذر بالإعجام، وكلاهما صحيح، فالنهس بالمهملة الأخذ بأطراف الأسنان، وبالمعجمة الأخذ بالأضراس، وقال القزاز: النهس أخذ اللحم بالأسنان بالفم، وقيل: هو القبض على اللحم ونثره عند أكله. وقال الأصمعي: هما واحد، وهو: أخذ اللحم بالفم، وخالفه أبو زيد فذكر ما ذكرناه(32)

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

.اهـ.

(ينفذهم): قال الحافظ ابن حجر: «ينفذهم البصـر» بفتح أوله وضم الفاء من الثلاثي، أي: يخرقهم، وبضم أوله وكسر الفاء من الرباعي، أي: يحيط بهم، والذال معجمة في الرواية، وقال أبو حاتم السجستاني: أصحاب الحديث يقولونه بالمعجمة، وإنما هو بالمهملة، ومعناه: يبلغ أولهم وآخرهم(33) ، وأجيب: بأن المعنى يحيط بهم الرائي، لا يخفى عليه منهم شيء لاستواء الأرض، فلا يكون فيها ما يستتر به أحد من الرائي، وهذا أولى من قول أبي عبيدة: يأتي عليهم بصر الرحمن. إذ رؤية الله تعالى محيطة بجميعهم في كل حال، سواء الصعيد المستوي وغيره، ويقال: نفذه البصـر إذا بلغه وجاوزه، والنفاذ الجواز والخلوص من الشيء، ومنه نفذ السهم إذا خرق الرمية وخرج منها(34) .اهـ.

وقال العيني: قوله: «فيبصـرهم الناظر» أي: يحيط بهم بصـر الناظر، لا يخفى عليه منهم شيء لاستواء الأرض وعدم الحجاب، ويروى: «فينفذهم البصر» بفتح الياء وبالذال المعجمة على الأكثرين، ويُروى بضم الياء، وقال أبو عبيدة: معناه ينفذهم بصر الرحمن حتى يأتي عليهم كلهم.

قلت والكلام ما زال للعيني هو كناية عن استيعابهم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بالعلم، والله لا يخفى عليه شيء، والصواب قول من قال: فيبصرهم الناظر من الخلق، وعن أبي حاتم: إنما هو بدال مهملة، أي: يبلغ أولهم وآخرهم. وقال ابن الأثير: والصحيح فتح الياء مع الإعجام(35) قوله: «ويسمعهم» بضم الياء من الإسماع(36)

(شفع): أصل صحيح يدل على مقارنة الشيئين، من ذلك الشفع خلاف الوتر، تقول: كان فرداً فشفعته(37) ، وهي مشتقة من الزيادة، لأن الشفيع يضم المبيع إلى ملكه فيشفعه به، كأنه كان واحداً وتراً فصار زوجاً شفعاً(38) ، والشفيع: صاحب الشفعة وصاحب الشفاعة(39) ، واستشفعت به: طلبت الشفاعة(40) .

قلت: وقد ذكر علماؤنا الأجلاء أن لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم تسع شفاعات، في مقدمتها هذه الشفاعة المذكورة في هذا الحديث، فهي أعظم شفاعاته صلى الله عليه وآله وسلم(41) .

(مصـراع): الصاد والراء والعين أصل واحد يدل على سقوط شيء

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إلى الأرض عن مراس اثنين، ثم يحمل على ذلك ويشتق منه... وأما المحمول على هذا فقولهم: هما صرعان، يقال: إن معنى ذلك أنهما يقعان معاً، وهذا مثل وتشبيه، وكذلك مصراعا الباب مأخوذان من هذا، أي هما متساويان يقعان معا(42) والمصاريع: الأبواب، واحدها مصـراع، ولا يكون الباب مصـراعاً حتى يكون اثنين(43) وتقول: هذه أبواب مصاريع، إذا كانت أزواجاً، وكل واحد مصراع(44)

شرح مختصر للحديث:

يخبرنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم عن حالة عصيبة تقع للناس يوم القيامة، في مرحلة من مراحل الحشر، ومن شدة صعوبتها يفزع المؤمنون إلى أنبياء الله عليهم السلام، لطلب الشفاعة منهم إلى ربهم سبحانه وتعالى، أن يكشف ما وقع عليهم من شدة وبأس، فيبدؤون بأبي الأنبياء آدم عليه الصلاة والسلام فيسألون الشفاعة لهم عند ربهم، فيعتذر عليه الصلاة والسلام بذنب كان قد عمله، ويطلب النجاة لنفسه، بعد أن يرشدهم إلى نوح عليه الصلاة والسلام فإذا أتوا نوحاً عليه الصلاة والسلام اعتذر لهم بعذر رآه عليه الصلاة والسلام مانعاً له من طلب الشفاعة، ولكنه يرشدهم إلى أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإذا حاله كحالهما عليهم السلام، يطلب النجاة لنفسه، ويذكر ما يراه مانعاً من هذا المقام

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المحمود، فينتقل الناس بعده إلى موسى عليه الصلاة والسلام ومنه إلى عيسى عليه الصلاة والسلام كلّهم يعتذر بأمر يمنعه من المضي قُدُماً في طلب الشفاعة من رب العالمين، إلى أن ينتهي بهم المطاف إلى نبيِّنا صلى الله عليه وآله وسلم الذي يسارع بتحمِّل هذا الأمر العظيم، ويفزع إلى الله عز وجل بالمحامد وأحسن الثناء عليه، طالباً الشفاعة له في هؤلاء وغيرهم مما ضاق بهم الحال، واشتد عليهم الأمر، فيجيب الله سبحانه دعوته، ويقرُّ عينه، ويعطيه هذه المنزلة الرفيعة، التي ما أعطاها لأحدٍ غيره من البشـر، ويظهر بذلك فضل نبينا صلى الله عليه وآله وسلم على سائر خلق الله سبحانه وتعالى.

والحمد لله رب العالمين.

المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها

بعد أن ذكر ابن طاوس(45) هذا الحديث الطويل في كتابه الطرائف، بدأ بذكر ما بدا له من شبهات حوله، مورداً لها على لسان من أطلق عليه اسم (عبد المحمود)، حيث قال عبد المحمود: كيف جاز لهؤلاء الأربعة المذاهب أن يذكروا عن نبيِّهم مثل هذه ويصحِّحوه؟ وقد ذكروا عنه أنه ما كان يُقَبِّح ذِكر أحد من رعيته وأمته ويستر على الخلائق بجهده، فكيف صدَّقوا عنه أنه يقول ذلك عن إبراهيم خليل الله ورسوله وجد محمد «ص»، والذي أحال في كتابهم الإسلام إليه، فقال ﴿ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ﴾(46) ، ويقولون في توجُّههم: على ملة إبراهيم، وقال في كتابهم ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ(47) ﴾ .

ومع ذلك تراهم قد بلغوا من الجهل إلى أن يقولوا على الله أنه أمرهم باتباع ملة إبراهيم والتأسِّي به فيما لفَّقوه عليه من الكذب، أتُراهم لو سمعوا أحداً يقول عن أبي بكر وعمر أو أحد الصحابة أنه كذب

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثلاث كذبات، أما كانوا يكذِّبون الحديث في ذلك؟ ويقدحون في القائل؟ ويسقطون رواية من يرويه؟

فكيف استجازوا أن يصحِّحوا عن الأنبياء ما يكذبونه عن بعض الصحابة؟ إنَّ هذا من تناقضهم الهائل، واختلافهم الباطل(48) .اهـ ما جاء في كتاب الطرائف.

وقد التقط عبد الحسين(49) هذه الشبه كعادته، ودمجها مع غيرها من الشبه التي أنشأها، وقام بعرضها بأسلوبه المعهود، قائلاً: وفيه من التسوُّر على مقام أولى العزم من أنبياء الله وأصفيائه ما تَبْرأ منه السنن، وتتنزه عن خطله، فإن للسنن المقدسة سنن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في تعظيم الأنبياء غاية، تملأ الصدور هيبة وإجلالاً، وتعنوا لها الجباه بخوعاً، وقد ملأت مسامع الدهر بحمدهم، ونظمت حاشيتي البر والبحر بمجدهم، فكل ما عرفته الأمم لهم من جلالة

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تخشع أمامها العيون، ومهابة تتطامن لديها المفارق، وعظمة تتصاغر عندها الهمم، وينخفض لها جناح الضعة، فإنما هو من آثاره صلى الله عليه وآله وسلم ولولا فرقانه العظيم، وقرآنه الحكيم، وسنته المعصومة ما عرفهم ممن تأخر عنهم أحد، إذ ليس غير الكتاب والسنة في أيدي الناس برهان قاطع ولا حجة بالغة، بل لا خبر مسند ولا رواية تليق بالعقول، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حفظ بسنته وكتاب ربه عز وجل خصائص الأنبياء وسننهم، وخلَّد مجدهم وحمدهم، ومثل إخلاصهم لله بالعبادة، وإخلاصهم للعباد بالنصح والإرشاد والإفادة، كما حفظ بهما تاريخ الأمم الماضية، والقرون الخالية، وتمَّم بهما مكارم الأخلاق، ومحامد الصفات والآداب، وشرع بهما عن الله تعالى تلك الأنظمة الحكيمة، والقوانين القويمة، شرائع تضمن للبشـر كافة سعادة الدنيا والآخرة، وجمع فيهما العلم والحكمة والسياسة وشرف المعاش والمعاد، وحفظ بهما لغة الضاد إلى يوم التناد.

فحديث أبي هريرة هذا بهرائه وهذره أجنبيٌّ عن كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مباين سننه كلّ المباينة، ومعاذ الله أن ينسب إلى أنبياء الله ما اشتمل عليه هذا الحديث الغث التفه، وحاشا آدم من المعصية بارتكاب المحرَّم الذي يوجب غضب الله، وإنما كان منهيًّا عن الشجرة نهي تنبيه وإرشاد، وتقدَّس نوحٌ من الدعاء إلا على أعداء الله تقرُّباً إليه عز سلطانه؟ وتنزَّه إبراهيم عن الكذب، وعن كل قول أو فعل يغضب الله عز وجل أو يخالف الحكمة، ومعاذ الله أن يقتل موسى نفساً

يغضب الله لقتلها، وإنما يقتل من لا حرمة له عند الله تعالى، ولا وزن له عند أولي الألباب، وتعالى الله عن أن يعاملهم إلا بالحسنى، كما قال عز من قائل: هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَٰنُ﴾(50) وأنبياء الله أجلُّ من أن يتوهموا بربهم تبارك وتعالى أنه قد غضب عليهم غضباً لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، ويمتنع على رسول الله أن يذكرهم إلا بما هم أهله.

ثم كيف يتسنَّى لأهل المحشر أن يشتوروا ويأتمروا؟ وهم بحيث: ﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ(51) ﴾ ، ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ(52) ﴾ .

وأنَّى لهم بالوصول إلى الأنبياء في ذلك الموقف، والأنبياء يومئذ على الأعراف، وهل يصل أهل الأرض إلى السماء؟ وما الذي منعهم من التوسل توّاً برسول الله؟ فإنه صلى الله عليه وآله وسلم صاحب المقام المحمود، والجاه العظيم، والشفاعة المقبولة، لا يجهله يومئذ أحدٌ من الناس، ولو لم يُرجعهم إليه آدم ولا نوح ولا إبراهيم ولا موسى؟ وهلاَّ أراحوا أولئك المساكين بدلالتهم من أول الامر على وليِّ الأمر في ذلك الحشـر؟! أكانوا يجهلون مقامَه المحمود في اليوم الموعود، أم كانوا يؤثرون عناء أولئك المؤمنين المستغيثين.

ولنا

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أن نسأل أبا هريرة عن هؤلاء المساكين: أمن أمَّة محمد هم؟ أم من أمَّة غيره؟ فإن كانوا من أمَّته فما الذي صرفهم عنه إلى غيره؟ وإن كانوا من أمَّة غيره فمن الطبيعي له أن لا يحبط مساعيهم، ولا يخيِّب آمالهم فكيف اختص أمته بالشفاعة دونهم؟ ومع ما فُطر عليه من الرحمة الواسعة، ومع ما آتاه الله يومئذ من الشفاعة والوسيلة، معاذ الله أن يخيبِّهم، وهو أمل الراغب الراجي، وأمن الخائف اللاجئ، يجيب لسان العافي بلسان نداه، ويروي صدى اللهيف قبل رجع صداه، صلى الله عليه وآله وسلم(53) اهـ كلام عبد الحسين.

ثم سار على طريق من سبقه: جعفر السبحاني(54) ، فقال بعد أن ذكر هذا الحديث الشريف: وفي الحديث نظر:

أوّلاً: إنّ الأنبياء لا سيما أُولو العزم منهم معصومون عن العصيان قبل البعثة وبعدها، فما معنى ما جاء فيه: «أنّه سبحانه غضب على آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله»؟!

ثانياً: إنّ آدم وإن خالف نهيَه سبحانه عن أكل ثمر الشجرة، ولكن النهي لم يكن نهياً مولوياً مورِثاً للعقاب، بل كان نهياً إرشادياً إلى ما يترتب على المخالفة من المضاعفات كالخروج من

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الجنة، كما هو ظاهرٌ من قوله سبحانه: ﴿فَقُلْنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ ٱلْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰٓ إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَىٰ وَأَنَّكَ لَا تَظْمَؤُا۟ فِيهَا وَلَا تَضْحَىٰ(55) فالآيات صريحة في أنّ النهي عن الأكل كان إرشادياً إلى ما يترتب على المخالفة من الشقاء، المفسَّر في الآية بالابتلاء بالعُري والظمأ والجوع، ولو افترضنا أنّ النهي كان مولوياً تلازم مخالفتُه العصيان، فقد تاب اللّه عليه، في الحياة الدنيا حيث قال: فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ﴾(56) فصار كمن لا ذنب له، فما وجه الغضب عليه؟ ونظيره كليم اللّه، فقد غفر اللّه له، قال سبحانه: قَالَ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُۥٓ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ﴾(57) أفيصحُّ بعد ذلك غضب اللّه عليه وعلى أبيه آدم يوم القيامة؟

ثالثاً: ثمّ إنّه لم يذكر الذنب الذي صدر من شيخ الأنبياء نوح والمسيح ابن مريم، مع أنّه أشار في حقّ غيرهما إلى العثرة التي ابتلوا بها.

رابعاً: إنّ الكذبات الثلاث التي كذب بها إبراهيم لم تكن - في الواقع - كذباً، وسنحيل توضيحه إلى دراسة أحاديث أبي سعيد الخدري.

إنّ الرواية تحطُّ من شأن الأنبياء العظام الذين هم في الذروة والسنام من الفضائل والمكارم، وقد وصفهم سبحانه بقوله:

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ(58) فكيف يغضب عليهم الربّ؟

خامساً: ثمّ كيف يتسنَّى لأهل المحشر أن يأتمروا ويتفحَّصوا عن الأنبياء واحداً تلو الآخر على الترتيب المذكور في الرواية، مع أنّ هول المحشر يمنع عن الائتمار والاستشارة؟ وهذا هو الذكر الحكيم يصفه بقوله: ﴿ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَٰرَىٰ وَمَا هُم بِسُكَٰرَىٰ وَلَٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾(59) .

سادساً: إنّ هؤلاء الذين رجعوا إلى أنبيائه سبحانه: إمّا أن يكونوا من أُمّتهم أو من أُمّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم ، فإن كانوا من أُمّة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم فما الذي دعاهم إلى أن يسألوا آدم فنوحاً فإبراهيم فموسى فعيسى فمحمداً صلى الله عليه وآله وسلم ؟ وإن كانوا من غيرهم، فلماذا خيّبهم سبحانه من شفاعة نبينا إذا كانت فيهم قابلية للشفاعة؟ كما هو الظاهر من آخر الرواية بأنّه لا يشفع إلاّ لأُمّته، حيث يخاطبه سبحانه بقوله: يا محمد ارفع رأسك سل تُعْطَه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فأقول: أُمّتي يا ربّ، أُمّتي يا ربّ، فيقول: يا محمّد أدخل من أُمّتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنّة، وهم شركاء الناس... الخ(60) .اهـ كلام جعفر السبحاني.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تلخيص ما مضى:

وبعد ما مضـى معنا من شبه المذكورين الثلاثة، ألخِّص ما جاء في كلامهم، فأقول: أمَّا إشكال ابن طاووس الذي أورده على لسان عبد المحمود فخلاصته: أن هذا الحديث يظهر عيوب الأنبياء المذكورين، مع كون شريعتنا تنهى عن الغيبة والقدح بالآخرين.

وقد أُمرنا بالاقتداء بالأنبياء عليهم السلام، خاصة بإبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فكيف يُنسب له هذا الشين؟

وهل يُقبل مثل هذا لو قيل في حق أبي بكر أو عمر أو أحد الصحابة؟

وقبل أن انتقل إلى تلخيص وعرض ما جاء في كلام عبد الحسين، والجواب عليه، أقول في الردِّ على هذه الشبه: إن الله سبحانه وتعالى قد ذكر في كتابه الكريم، كلَّ ما جاء هنا في هذا الحديث الشريف، مما يتعلَّق بما عُدَّ ذنوباً لأنبياء الله عليهم السلام، لم يزد الحديث الشريف على ذلك شيئاً، فإن عُدَّ ما جاء في الحديث الشريف إظهاراً لعيوبهم عليه الصلاة والسلام وقدحاً بهم، فماذا يسمَّى ما جاء في كتاب الله عز وجل؟ وهل يجرؤ مسلم على التزام هذا اللازم، ويعمِّم هذا القول على كتاب الله عز وجل؟ لا أظن أن أحداً ممّن ينتمي إلى ملّة الإسلام، يقول بهذا.

وأما عن موقفنا نحن من مثل هذا الحديث لو كان قد قيل في حقِّ أبي بكر وعمر، أي من نسبة الكذب إليهما، فنقول: إن الشأن في إثبات أيِّ خبرٍ أو ردِّه هو صحته، فنحن لم نقل بما جاء في الحديث الشـريف، إلا لاجتماع أولئك الأكابر على روايته في كتبهم، وفي مقدّمهم الشيخان البخاري ومسلم، وإخراجهما للحديث من طريق الصحابي نفسه، يجعل الحديث متفقاً عليه، كما هو معروف عند أهل العلم، وهو بهذا يكون في أعلى درجات الصحة، فكيف، إذا رواه غيرهما من أئمة الحديث كالإمام أحمد والترمذيِّ والنسائيِّ وابن خزيمة وغيرهم ممّا مر معنا ذكرهم في الفرع المتعلق بتخريج الحديث وذكر شواهده؟ بل، كيف لا يبلغ هذا الحديث أعلى درجات الصحة وقد رُوي عن غير واحد من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، فبجانب أبي هريرة رضي الله عنه ، نرى أنس بن مالك رضي الله عنه ، وحديثه عند الشيخين أيضاً، والطرق إليه من أحسن الطرق، بل روي الحديث عن غيرهما من الصحابة كأبي بكر الصديق، وأبي سعيد الخدري، على التفصيل السابق في الحكم على طرقهما.

وعلى هذا أكرِّر ما قلته آنفاً: إن الشأن كلَّ الشأن في الموقف من أي حديث يروى عن النبي عليه الصلاة والسلام هو النظر في صحته، وذلك باتباع الطرق المعتمدة عند أئمة الحديث، ومنها وعلى رأسها النظر في الإسناد، فإن صحَّ الإسناد، فلا بدَّ من القول به، وإن خولف بغيره، اتُّبعت طرق أئمة العلم في التعامل مع ما يسمّى مختلف الحديث

وكلامهم منثور في مظانه من كتب المصطلح والأصول.

وعوداً على سؤال عبد المحمود الافتراضي، نقول بكامل الاطمئنان: إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على ما أوتوا من فضل وخير لا يدركه أحدٌ ممن جاء بعدهم- فهم الذين اختارهم الله عز وجل لصحبة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم - لا تصل منزلتهم عندنا وعند كلِّ مسلم إلى منزلة أيِّ نبي من أنبياء الله عز وجل، ولا يُعلم عن أحدٍ من الصحابة – مهما علا شأنه، ولو كان الصديق رضي الله عنه ! - أنه ادعى هذا لنفسه، - وحاشاهم -، وما ادعاها لهم أحدٌ من أئمة الإسلام، وما عُرفت المفاضلة بين أحد من هذه الأمة مهما بلغ من الفضل وبين أحدٍ من أنبياء الله عز وجل، إلا عند بعض من اختلت عقولهم من متبِّعي الطرق المبتدعة، الذين رفعوا من سمّوه ولياً فوق مرتبة النبي، وهو هراءٌ لا وزن له ولا قيمة، وينطوي على زندقة وإلحاد، نسأل الله السلامة، نعم، سيأتي معنا ذكر خبر غريب عجيب، فيه تقديم عليٍّ رضي الله عنه على نبي الله عز وجلّ داود عليه الصلاة والسلام ، وهو مرويٌّ في كتب القوم، الذين أغمضوا أعينهم عنه، وسارعوا بنقد هذا الحديث الشـريف المروي بأصحِّ الطرق وأحسنها!

بل، سيأتي معنا خبر آخر فيه عقاب الله عز وجل لنبيه يونس عليه الصلاة والسلام ، لعدم إقراره بولاية أهل البيت! وهو عبارة عن قصة خرافية، يحتار المرء حين يقرؤها ويتساءل: هل يقول بها رجلٌ يصنِّف نفسه من العقلاء؟!

ولذا، نقول: لو صحّ عندنا أن أحداً من صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد كذب، لقلنا بهذا الخبر، وما كتمناه، سواء كان هذا المنسوب للكذب أبا بكر الصديق أو عمر بن الخطاب أو عثمان بن عفان أو عليَّ بن أبي طالب أو سعد بن أبي وقاص أو عبد الرحمن بن عوف أو طلحة بن عبيد الله أو الزبير بن العوام أو أمين هذه الأمة أبا عبيدة بن الجراح أو سعيد بن زيد، وهم العشرة المبشرون بالجنة رضي الله عنهم وعن سائر الصحابة، ولكن، إذا لم ينقل ذلك عندنا لا بخبر صحيح ولا بخبر ضعيف، أيليق بنا أن نفترض هذه الافتراضات السخيفة في مقابل حديث صحيح لا يماري في إسناده إلا من كان متطفِّلاً على هذه الصنعة؟

النظر في كلام عبد الحسين:

ثم بعد ذلك، دعونا ننتقل لنقف مع كلام عبد الحسين، لنجد أنه في سياق حديثه قد أكثر من استخدام الأسلوب الإنشائي، وأطال في ذلك، كأنه نسي مقصده من كتابه، وكلُّ ذلك قبل أن يبدأ بإلقاء شبهه، ثم جعل يجيب عن الآيات الكريمات التي تماثل ما جاء في الحديث الشريف من حيث المعنى، وتمحّل وتكلّف في تقرير مراده، فآدم عليه الصلاة والسلام عنده إنما خالف ما نُهي عنه نهي تنبيه وإرشاد، ونوحٌ عليه الصلاة والسلام إنما دعا على أعداء الله، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام منزّهٌ عن كلِّ ما نُسب إليه في هذا الحديث، وموسى عليه الصلاة والسلام إنما قتل نفساً لا حرمة لها عند الله عز وجل، ولا أدري حقيقة -من أين له الجزم بأكثر ما

قاله؟ إنما سبيل مبتغي الحقِّ أن يذكروا ما عندهم على سبيل الاحتمال، خاصة فيما يتعلّق بمثل هذه الأمور التي سبقتنا، ولم يأتنا نبؤها إلا عن طريق الوحي، فنحن إنما علمنا بارتكاب آدم عليه الصلاة والسلام لما حُظر عنه من آيات متعدِّدة في كتاب الله، أوضحها في تسمية ما فعله عليه الصلاة والسلام معصية، قوله تعالى: وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ(61) ثم علمنا أن هذه المعصية لم تطُل، ومن باب أولى لم تدم، بل غفرها الله سبحانه وتعالى، فقال في كتابه العزيز: ثُمَّ ٱجْتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ(62) لكنَّنا ما علمنا ما أخبرنا به عبد الحسين من أن مخالفة آدم كانت لنهي تنبيه وإرشاد، لأن الله لم يخبرنا عن ذلك، فمن أين لعبد الحسين ما قاله؟ وقد سمّى الله عز وجل فعله: معصية؟ وما الذي ينبغي للمسلم العاقل الرشيد أن يفعله، أيصدِّق ما جاء في كتاب الله، أم ما جاء في تأويل عبد الحسين؟ لا أظن الإجابة تخفى على أحد.

وقد كرّر عبد الحسين افتئاته على نصوص الشارع مرّات ومرّات، سواء في هذا الحديث أو في غيره، فقد تنبّأ أن القتيل في خبر موسى لم يكن ذا حرمة، ولا أدري لماذا؟ ألمجرد كفره واتباعه أمر فرعون(63) ولو كان ذلك كذلك، لما سارع موسى عليه الصلاة والسلام بطلب المغفرة من ربِّ السموات والأرض، والتي منَّ الله عز وجل به عليه، بل لو كان

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأمر كذلك لما وسع موسى إلا الإمعان في قتل كلِّ من كان ينتمي إلى ملة الأقباط، ولعُدَّ فعله تطهيراً للأرض ممن لا حرمة لهم(64) ثم لم يكتف عبد الحسين بذلك، بل ادَّعى أن الأنبياء عليهم السلام يكونون في مكان يوم القيامة لا يصله أحدٌ غيرهم، ألا وهو الأعراف، ولقد تعّجبت كثيراً من هذا، حيث يعدُّ هذا من أغرب ما خطَّت يدا عبد الحسين، فمن أين اطّلع على هذا، أطلع الغيب؟ أم أن وحي السماء لم ينقطع بعد موت نبينا عليه الصلاة

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والسلام(65)

وقد استشكل عبد الحسين تشاورَ الناس في ذلك اليوم الرهيب الذي يشيب من هوله الولدان، ونسي أو تناسى أن ظروفاً أقسى من ذلك ستطال من قُضـي عليهم بالخلود في نار جهنم، وهم مع ذلك يتكلّمون فيها ويترّادون الأقوال فيما بينهم(66) ويعرف بعضهم بعضاً(67) بل ويأكلون ويشـربون(68) ألم يقرأ عبد الحسين ما جاء في ذلك في كتاب الله عز وجل، من جواب أهل النار لسؤال أهل الجنة؟

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومن مناداة أهل النار لأهل الجنة؟ ومن مناداتهم أيضاً لخازن جهنم؟ ومن اعترافهم على أنفسهم بشقوتهم(69) فأيُّ الحالين أشدُّ؟ حال من كان في عرصات يوم القيامة، يبحث عمّن يريحه من عناء هذا اليوم الطويل، أم حال من قضي عليه بالخلود في نار جهنم، فأحاطت به النار بلهيبها وسمومها؟ نسأل الله العافية.

أم أن شره عبد الحسين على حشد ما استطاع من شبه، أعماه عن النظر في كتاب الله عز وجل، فقال ما قال؟ ويبقى الاحتمال الأسوأ وهو القول: بأن عبد الحسين ليس مقتنعاً بكل ما جاء في تلك الآيات، كما لم يقتنع بما جاء في الحديث الشريف، والله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويوم تبلى السرائر سيظهر ما كان دفيناً، فنسأل الله الثبات.

وقد سلخ هذه الشبهةَ السبحانيُّ وألصقها في كتابه من غير عزو لعبد الحسين، كعادته، بل وعادة كثير من القوم، ولم يتنبَّه إلى ضعف الاستدلال بها، فإذا كان عبد الحسين لم يتفطّن لما جاء في كتاب الله تعالى مما هو أوضح معنى من هذا الذي جاء في الحديث، فلا أقلّ من أن يتنبّه السبحاني لهذا الخطأ الفادح، وينبّه عليه، أو على الأقل يعرض عنه، لكنه لم يفعل شيئاً من ذلك، بل فعل الأسوأ، ونادى على نفسه وسلفه عبد الحسين، بضعف الاطلاع على كتاب الله، وسوء التعامل معه، ومن استعظم هذا من أتباعهما، فعليه أن يجيب عن سبب

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إعراضهما عن تلك الآيات الكريمات، وعدم القول بدلالاتها، وإلا، فسيظهر مباشرة أمامه الاحتمال الأسوأ الذي سبقت الإشارة إليه، وهو: عدم إيمان كلٍّ من عبد الحسين والسبحاني بما دلّت عليه الآيات الكريمات في كتاب الله المحكم، فليختر من اختار الدفاع عنهما أيَّ هذه الوجوه المذكورة هنا.

وقبل الإجابة عن تساؤله الساذج الذي طرحه عبد الحسين على أبي هريرة رضي الله عنه ، في كون هؤلاء المستغيثين، هل هم من أمّة محمد عليه الصلاة والسلام ، أم من الأمم السابقة؟

أتساءل فأقول: ما الذي جعل عبد الحسين يخصُّ أبا هريرة بالسؤال؟ والحديث كما مرّ معنا لم يتفرّد بروايته أبو هريرة، أهو الجهل بموارد سنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ؟ أم هو التَّعامي عن الحق؟ أم هو الكذب الصراح الذي يفضح أصحابه؟ أم هو البغض الشديد لسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وحامليها؟ وكلّها احتمالات قوية يتأهل لها عبد الحسين وأمثاله، وقد يجتمع في حقِّه أكثر من احتمال من هذه الاحتمالات، والله أعلم.

أما عن سؤاله الساذج، فالمتبادر المباشر لذهن القارئ أن هؤلاء المستغيثين هم من الموحدِّين لله رب العالمين، ويظهر ذلك جليّاً من مخاطبتهم لأنبياء الله عليهم السلام، ومعرفتهم لفضلهم وحقِّهم، بل واطلاعهم على بعض التفاصيل الخاصة في حياتهم عليهم السلام، كقولهم لآدم عليه الصلاة والسلام بأن الله سبحانه وتعالى خلقه بيده، وأنه سبحانه علّمه أسماء

كلِّ شيء(70) ويظهر توحيدهم جليّاً خالصاً عند إنزالهم لعيسى عليه الصلاة والسلام منزلته الحقيقية، فهو عندهم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، وإذا كان هذا الأمر واضحاً جليّاً، فهم على دين التوحيد، الذي هو دين الإسلام، إذ أن ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ﴾(71) والله سبحانه وتعالى هو الذي قال لنا في كتابه العزيز:﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِۦٓ إِبْرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰٓ أَنْ أَقِيمُوا۟ ٱلدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا۟ فِيهِ﴾(72) وهذا ما وضّحته رواية أنس رضي الله عنه للحديث، حيث جاء فيه: يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا(73) وفي الرواية الأخرى: فيقوم المؤمنون حتى تزلف لهم الجنة، فيأتون آدم، فيقولون: يا أبانا(74) الحديث.

ثم إذا تقرّر ذلك، لا يضرُّنا بعد ذلك إذ لم نعلم التفاصيل المتعلِّقة بهم، ومن أي الأمم كانوا، أكانوا من أمة نبيٍّ واحد، أم كانوا خليطاً من الأمم، التي آمنت بالله ورسله؟ وإن كان هذا هو المتبادر أيضاً، فهم على دين واحد، لكن كما أسلفت، لا يضرُّنا عدم معرفة ذلك، بل ولا يلزمنا، ولو كان لازماً لذُكر لنا.

وأما إعراضهم ابتداءً عن الاستغاثة بنبينا صلى الله عليه وآله وسلم ولجوؤهم إلى

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

غيره، فلا نكارة فيه عند من أرشده الله، فهم في تسلسلهم في طلب حاجتهم، قد سلكوا الطريق البدهي(75) الذي حضّت عليه شريعتنا، فبدأوا بالأكبر، ثم الذي يليه(76) وهذا موافق لهدي نبيِّنا صلى الله عليه وآله وسلم القائل: كبِّر كبِّر(77) فهم لجأوا أولاً إلى أبي البشـر آدم عليه الصلاة والسلام ثم إلى أبيهم بعد أبيهم نوحٍ عليه الصلاة والسلام ثم إلى أبي الأنبياء إبراهيم عليه الصلاة والسلام وهكذا، حتى وصلوا إلى نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فقضـى الله حاجتهم على يديه صلى الله عليه وآله وسلم

ولو طلب أصحاب هذه الشبهات الهدى لهداهم الله، ولظهر لهم كمال المعنى وجماله في هذا التسلسل في طلب الحاجات، فما كان ليظهر فضل نبينا عليه الصلاة والسلام على سائر الأنبياء الكرام عليهم السلام في ذلك الموقف الرهيب، إلا بهذا الترتيب(78) فبعد أن يعترفوا جميعاً عليهم السلام، بأن

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هذه المكانة ليست لهم، وليسوا هم أصحابها(79) ويجهر كلٌّ منهم عليهم الصلاة والسلام بطلب النجاة لنفسه في هذا اليوم العظيم، يقوم لها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في هذا المقام العظيم المحمود، ويظهر شفاعته التي كان قد ادَّخرها لهذه اللحظة قائلاً: أنا لها، أنا لها، فيكتب الله على يديه الخير العظيم، وينجِّي الله به خلائق كثيرة من عذابه وجحيمه، ويظهر فضله ورأفته ورحمته صلى الله عليه وآله وسلم بأمته التي وحدّت ربَّها وآمنت بأنبيائه عليهم السلام، وليس المقصود بأمته هنا الذين آمنوا بدعوته خاصة، بل والذين سبقوا دعوته ممّن آمن برسل الله قبله، فكلّهم سينالهم حظٌّ من شفاعته صلى الله عليه وآله وسلم بإذن ربه في ذلك اليوم العصيب، نسأل الله أن يصرف عنّا شرّه.

ومن قبيح ما جاء في كلام عبد الحسين ووافقه عليه السبحاني

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أنهما ادعيا أن غضب الله عز وجل يوم القيامة إنما يكون على أنبيائه عليهم السلام- وحاشاهم من هذا الافتراء ولم يوضح أحدٌ منهما كيف فهم هذا الفهم السقيم، الذي لا يخطر على قلب مسلم، فالأنبياء عليهم السلام يخبرون عن شدّة غضب الله عز وجل في يوم القيامة، ولم يتطرّق أحدٌ منهم إلى أن هذا الغضب إنما هو عليهم، وإنما هو غضب عام منه سبحانه وتعالى يناسب حال ذلك اليوم العصيب، وهل يقول مسلم إن غضب الله في ذلك اليوم إنما يكون على أنبيائه خاصة، الذين هم صفوة خلقه، سبحانك هذا بهتان عظيم.

وبعد ما مضى، دعونا ننظر في معنى هذا الحديث الشريف، ونرى بعين الإنصاف، هل يوجد فيه ما يدعو إلى ردِّه وعدم القول به؟

فنقول معتمدين على الواحد القهار: إن هذا الحديث يحكي لنا مرحلة من مراحل يوم القيامة، الذي ستطول مدته إلى ما لا يعلم قدره إلا الله عز وجل(80) يظهر فيه الخلق كلّهم عجزهم وفقرهم وخوفهم الشديد

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من رب العالمين، وعلى رؤوس هؤلاء الخلائق أنبياء الله عز وجل وصفوته من خلقه، وقد ذُكر منهم في هذا الحديث ستة، أولّهم في الذكر آدم وآخرهم نبينا محمد عليه وعلى سائر أنبياء الله الصلاة والسلام، وكان الداعي لذكرهم في هذا الحديث بيان السبب الذي من أجله لم يستطع أحدٌ منهم التوسُّط للخلق عند ربِّهم لكي يهوِّن عليهم شدائد يوم القيامة، فجهر كلُّ واحد منهم بسببه، فآدم عليه الصلاة والسلام ذكر أكله من الشجرة التي نُهي عنها، ونوحٌ عليه الصلاة والسلام ذكر دعوته على قومه بالهلاك، وهذا مع كونه ليس ذنباً يؤاخذ عليه، ولكنه يعني أن دعوته المستجابة قد استنفذها، فلم يعُد له غيرُها، أو على أقلِّ تقدير، لا يضمن الإجابة إذا دعا ربه مرّة أخرى، في مقامٍ اشتد على الناس ما هم فيه، فوجهّهم عليه الصلاة والسلام إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام معلِّلاً ذلك بأنه خليل الله عز وجل(81) ومثله يُظنُّ به ألاّ يردُّ، لكنَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام يذكر أمراً قد فعله في حياته، عدّه كذباً، مع أنه كان في الدفاع عن دين الله(82) لكن لأنَّ الموقف شديد، فكان من تمام أدبه عليه الصلاة والسلام أن يكون خالياً عن كلِّ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ما يؤخذ عليه في هذا المقام العظيم(83) فأحال الأمر إلى غيره، إلى كليم الله(84) موسى عليه الصلاة والسلام الذي ما إن جاءته الخلائق يدعونه إلى

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مقام الشفاعة حتى ذكر قتله لرجل لم يؤمر بقتله، ومع كونه قد غُفر له بنص كتاب ربِّنا، إلا أن المقام عظيم، لا بُدّ للواقف فيه بين يدي ربِّه من أجل الشفاعة أن يكون خالياً من كلِّ مؤاخذة، ثم بعد ذلك، لم يبق إلا عيسى ونبيُّنا صلى الله عليهما وسلم، فابتدأ الناس برسول الله وكلمته عيسى عليه الصلاة والسلام لتقدُّمه زماناً على نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم وبسبب ما أجرى الله على يديه من معجزات(85) فلم ير عليه الصلاة والسلام هذا الأمر له، بل أحال الناس مباشرة إلى نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم صاحب المقام المحمود، هذا، مع أن عيسى عليه الصلاة والسلام لا يذكر ذنباً له(86) لكن الأمر في هذا الموقف الشديد هو لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم الذي يسارع في قبول الشفاعة،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويأتي حتى يسجد بين يدي ربه، ويثني على ربِّه بأحسن الثناء، ويبدأ بطلب الشفاعة للمؤمنين، ولا يزال كذلك حتى ينتهي الحال بأن يرضيه الله سبحانه وتعالى، ويدخل برحمته سبحانه وتعالى من أتباع نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ما لا يحصي عددَهم إلا الله سبحانه وتعالى(87)

وإذا نظرنا في كتاب الله عز وجل، وجدنا أن هذا الحديث لم يزد على شيءٍ مما ذُكر فيه، مما يتعلّق بما صدر من الأنبياء، وأوخذوا عليه، فآدم عليه الصلاة والسلام أكل من شجرة قد نُهي عنها، فكان نتيجة فعله أن نزل من الجنة التي كان يسكنها، وقضى الله عز وجل عليه بأن يسكن هو وذريته الأرض، بعضهم لبعض عدو، إلى أن يرث الله عز وجل

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأرض ومن عليها، ومضى معنا أن الله عز وجل سمّى فعل آدم عليه الصلاة والسلام معصية، واعترف آدم عليه الصلاة والسلام بذلك حينما قال: رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ﴾(88) لكن الله سبحانه وتعالى اجتباه وغفر له ذنبه، وأتمّ عليه نعمته، وهذا يوافق تماماً ما جاء في الحديث من اعتراف آدم عليه الصلاة والسلام بأكله من تلك الشجرة التي نُهي عنها، ومع كونه غُفر له ذنبه إلا أن تمام استحيائه من ربه منعه من الوقوف بين يديه في هذه الشفاعة العظيمة، ولو تنزّلنا وسلّمنا أن ما صدر من آدم عليه الصلاة والسلام هو مجرد مخالفة لنهي ورد إليه بطريق التنبيه والإرشاد، لوجدنا أن النتيجة واحدة، فمن فعل ما نُهي عنه يعد مخالفاً لهذا النهي، سواءً كان النهيُ على وجه الإرشاد أم على وجه التحريم، لكن، هل يقول عاقل: بأن فعل خلاف الأولى يستوجب هذه العقوبة العظيمة التي لم تقتصر على آدم فقط، بل طالت كلَّ من وُجد من ذريَّته إلى يوم يبعثون؟ وهل يناسب هذا القول عدل الله سبحانه وتعالى، الذي حرّم الظلم على نفسه وجعله محرّماً بين الناس(89)

وأما نوحٌ عليه الصلاة والسلام فهو فعلاً قد دعا على قومه، كما في كتاب الله عز وجل، قائلاً رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى ٱلْأَرْضِ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ دَيَّارًا(90) وقد بيّن لنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن لكلِّ نبيٍّ دعوة مستجابة، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ادَّخر دعوته لأمته يوم القيامة(91) وهذا ما حصل، فإذا كان نوحٌ عليه الصلاة والسلام قد تقرّر عنده هذا الأمر، وكان قد دعا بدعوته المستجابة على قومه، فلا عيب عليه عليه الصلاة والسلام إن كان قد اعتذر بهذا أمام الخلائق، وأرجع الأمر إلى غيره، وقد جاء في بعض الروايات أنه اعتذر بسؤاله ربه سبحانه وتعالى عن ابنه، الذي ظنّه من الناجين لوعد الله عز وجل له، بأنه سينجِّيه وأهلَه أجمعين(92) فبيّن الله له أنه ليس من أهله الناجين، وأنه لا ينبغي له أن يسأله ما ليس له به علم، فاستغفر نوحٌ ربه وأناب إليه، وقد وفَّق الحافظ ابن حجر بما ورد في الروايتين بقوله رحمه الله: ويُجمع بينه وبين الأول بأنه اعتذر بأمرين، أحدهما: نهي الله تعالى له أن يسأل ما ليس له به علم، فخشي أن تكون شفاعته لأهل الموقف من ذلك، ثانيهما: أن له دعوة واحدة محقَّقة الإجابة، وقد استوفاها بدعائه

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

على أهل الأرض، فخشـي أن يطلب فلا يجاب، وقال بعض الشُّراح: كان الله وعد نوحا أن ينجِّيَه وأهلَه، فلما غرق ابنه ذكر لربه ما وعده، فقيل له: المراد من أهلك من آمن وعمل صالحاً، فخرج ابنك منهم، فلا تسأل ما ليس لك به علم(93) .اهـ كلام الحافظ رحمه الله.

وأيَّاً كان الأمر، فإن نوحاً عليه الصلاة والسلام قد اعتذر في الحديث بعذر، رآه حائلاً بينه وبين طلب الشفاعة، وهذا العذر سواء كان دعاءه على قومه، أو سؤاله عن مصير ولده، فكلاهما موجود في كتاب الله، والحديث لم يأت بجديد فيما يتعلّق بنوحٍ عليه الصلاة والسلام ، سوى طلبه النجاة لنفسه في ذلك اليوم العظيم، وهو مما لا ينكر على نوحٍ ولا على غيره من الأنبياء عليهم السلام، فربُّنا سبحانه وتعالى وصف لنا هول ذلك اليوم، وبيّن لنا كيف يستأثر كلُّ واحد بحسناته، فقال سبحانه: ﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِۦ وَأَبِيهِ وَصَٰحِبَتِهِۦ وَبَنِيهِ لِكُلِّ ٱمْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ(94) ﴾ ، والأنبياء عليهم السلام داخلون في عموم هذه الآية، ولولا أنَّ الله عز وجل جعل الشفاعة الكبرى لنبيه محمدٍّ صلى الله عليه وآله وسلم لما طلبها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا تصدَّر لها.

وأما إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقد ذكر ثلاث كذبات له، اثنتين منها في ذات الله، كما صحّ عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم والثالثة متعلِّقة بزوجه سارة رضي الله عنها، وهذا التفصيل لم يأت بتمامه في القرآن، بل جاء منه ما يتعلَّق باثنتين من هذه الكذبات، الأولى قوله عليه الصلاة والسلام إِنِّى سَقِيمٌ(95)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والثانية قوله: بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا(96) بل جاء أيضاً في بعض روايات هذا الحديث، أن الراوي عدَّ من ضمن الكذبات قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن الكوكب بأنه ربّه، فإن لم يُعدُّ هذا وهماً من الراوي، فالحديث موافق تماماً لكتاب الله عز وجل، وإن عُدَّ وهماً، وهو الصواب والله أعلم(97) فقد زاد الحديث ما يتعلَّق بالكذبة الثالثة، وهو وصف إبراهيم لزوجه سارة بأنها أخته في الله، وذلك أمام النمروذ، وقبل الجواب عن هذه الثالثة، أقول: لا بد لمن نفى ما سمِّي كذباً عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يقوم بتوجيه هاتين الآيتين، الأولى في ادعاء إبراهيم عليه الصلاة والسلام السقم، والثاني في نسبة إبراهيم عليه الصلاة والسلام تحطيم الأصنام إلى كبيرها، مع أن الذي حطّمها هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام

ومهما حاول وصاول، وماحل وجادل من أنكر نسبة الكذب إلى إبراهيم، فإنه سيصل إلى نتيجة لا مفرّ منها وهي أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان قد أخبر بشيءٍ على خلاف الواقع، فقوله: إني سقيم، أَوْهم من سمعه، بأنه مريضٌ مرضاً جسدياً في تلك اللحظة، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، هو خلاف الواقع، إذ أن الواقع هو أن الذي حطّمهم هو إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقبل أن ننتقل إلى الفقرة الأخرى المرتبطة بهذا الجزء من الحديث، دعونا نقف على نصّين منقولين عن جعفر الصادق في توجيه هاتين الآيتين، وما يحتويان عليه من اختلاف بيِّن فيما نُسب إليه، وأولها ما جاء في الكافي من أن الحسن الصيقل قال له: قد

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

روينا عن أبي جعفر في قول يوسف: أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَٰرِقُونَ﴾(98) فقال: والله ما سرقوا وما كذب.

وقال إبراهيم: ﴿ بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا۟ يَنطِقُونَ﴾(99) فقال: والله ما فعلوا وما كذب، قال: فقال أبو عبد الله: ما عندكم فيها يا صيقل؟ قال: فقلت: ما عندنا فيها إلا التسليم. قال: فقلت: إن الله أحبّ اثنين، وأبغض اثنين: أحب الخطَر بين الصفَّين، وأحبَّ الكذب في الإصلاح، وأبغض الخطَر في الطرقات، وأبغض الكذب في غير الإصلاح، إن إبراهيم ( ع) إنما قال: بل فعله كبيرهم هذا. إرادة الإصلاح، ودلالة على أنهم لا يفعلون، وقال يوسف (ع): إرادة الإصلاح(100) .اهـ.

قلت: والنص الثاني هو ما جاء في معاني الأخبار لابن بابويه القمي بإسناده قال: عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام قال: سألته عن قول الله عز وجل في قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام : ﴿ بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا۟ يَنطِقُونَ﴾(101) قال: ما فعله كبيرهم وما كذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فقلت: فكيف ذاك؟ قال: إنما قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام : ﴿ فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا۟ يَنطِقُونَ(102) ﴾ إن نطقوا فكبيرهم فعل، وإن لم ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئاً، فما نطقوا وما كذب إبراهيم عليه الصلاة والسلام .

فقلت: قوله عز وجل في يوسف: أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَٰرِقُونَ(103)

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال: إنهم سرقوا يوسف من أبيه، ألا ترى أنه قال لهم حين قال: مَّاذَا تَفْقِدُونَ قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ(104) ولم يقل: سرقتم صواع الملك؟ إنما عنى سرقتم يوسف من أبيه. فقلت: قوله: إِنِّى سَقِيمٌ(105) قال: ما كان إبراهيم سقيماً وما كذب، إنما عنى سقيماً في دينه مرتاداً، وقد روي أنه عنى بقوله: سقيم أي: سأسقم، وكل ميت سقيم، وقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّكَ مَيِّتٌ(106) بمعنى أنك ستموت.

وقد روي أنه عنى: أني سقيم بما يفعل بالحسين بن علي عليه السلام(107) .اهـ.

قلت: ولا يهمُّنا كثيراً التنبيه على الاختلاف الوارد في الخبرين، بقدر ما يهمُّنا لفت انتباه القرَّاء إلى أن جعفراً في النص الأول قد سمّى ما صدر من إبراهيم عليه الصلاة والسلام كذباً، وكذا ما كان من يوسف عليه الصلاة والسلام – وإن سمّاه كذباً من أجل الإصلاح -، وهو عين ما ورد في الحديث في حقِّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فعلى هذا يقال لمن أنكر حديثنا هذا: علام شدَّدتم النكير على روايته، ونسبتم راويه أبا هريرة لكل سوء، وأغمضتم عيونكم وغلّفتم قلوبكم، عما ورد في كتاب هو من أصحِّ كتبكم، إن لم يكن أصحّها على الإطلاق؟

وأما الخبر الثاني، ففيه تكلُّفٌ واضحٌ منسوب إلى جعفر الصادق، وأغرب ما فيه ما خُتم به الخبر؛ من كون إبراهيم عليه الصلاة والسلام سيصاب

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بالسقم لما سيصيب الحسين رضي الله عنه بعد!

ونحن إذا نظرنا إلى الخبر المروي عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الكذبات الثلاث، وجدنا أن أقواله الثلاثة هي من قبيل المعاريض التي يجد فيها قائلها مندوحة عن الكذب، ففي القولين الأولين أراد إبراهيم عليه الصلاة والسلام إرشاد قومه إلى ما فيه الخير لهم، وذلك ببيان أن هذه الأصنام التي يعبدونها من دون الله عز وجل، لا تجلب لنفسها نفعاً ولا تدفع عن نفسها ضرّاً، ومن باب أولى هي كذلك فيما يتعلَّق بعُبَّادها، فأراد إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يحطِّمها لبيان ذلك، ولن يستطيع أن يفعل ذلك وقومه معه في أرضه، فأراد أن يخرجهم من هذه الأرض بتخويفهم أنه يحمل مرضاً معدياً، فقال ما قال، وفهموا منه ما أراد إفهامهم إياه، ﴿ فَتَوَلَّوْا۟ عَنْهُ مُدْبِرِينَ(108) ﴾ وهو في حقيقة الأمر لم يخبرهم أنه سقيم في تلك الساعة، بل قوله محتملٌ لكون المرض نزل به في ذلك الوقت، أو أن المرض آتيه لا محالة، إن عاجلاً أو آجلاً، لكن سياق عرضه للخبر جعلهم يعتقدون مرضه في ذلك الوقت بالذات، وهذا بالنسبة للقول الأول.

وأما القول الثاني وهو إلصاقه تحطيم الأصنام بكبيرهم، فهو تطبيق عملي منه عليه الصلاة والسلام لبيان عدم قدرة هذه الأصنام على فعل شيء، فهم بعد أن رأوا أصنامهم قد حُطِّمت علموا مباشرة أن هذا التحطيم لا بد أن يكون بفعل فاعل، وكانت هذه الخطوة الأولى لإزالة ما رسخ في قلوبهم من أن هذه الأصنام تجلب الخير وتدفع الشـر، إذ لو كانت بهذه المنزلة،

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لما استطاع أحدٌ أن يكيدها بشيء، فلما رأوها محطّمة تزلزل ما كانوا يعتقدونه في حقِّها، فأراد إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يقتلع من قلوبهم كلَّ أثر من آثار اعتقادهم بأصنامهم، فأرجع أمر تحطيمهم لأكبر أصنامهم، والذي فيما يبدو كانوا يخصّونه بمزيد تعظيم، فلما وقفوا أمامه علموا وتيَّقنوا أنه لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنه ولا عنهم شيئاً، وأبصروا بعين اليقين أن هذه الآلهة التي اتخذوها من دون الله لَّا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَوٰةً وَلَا نُشُورًا﴾(109)(110)

لكنَّ كبرَهم وكفرَهم دفعهم إلى دفع الحقِّ، والإعراض عنه، فنُكسوا على رؤوسهم وقالوا قولتهم المشؤومة: لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ(111) فأقام عليهم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إبراهيم الحجة الواضحة البيّنة بقوله عليه الصلاة والسلام أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْـًٔا وَلَا يَضُرُّكُمْ أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾(112)

وأما مقولته الثالثة، فهي المتعلِّقة بقوله عن زوجه سارة أنها أخته في الإسلام، فلا حرج ابتداءً في هذه الكلمة، فالمؤمنون إخوة، وإنما أراد إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يدفع عنهما الضُّـرَّ بذلك، فكان ما أراده إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وكبت الله عز وجل ذلك الجبّار، وكفَّ يده عن سارة وأخدمها هاجر، والتي أصبحت فيما بعد أُمًّا لإسماعيل عليه الصلاة والسلام .

وقد تقرّر عند العقلاء أن الشرَّ يُدفع بشـرٍّ أقلّ منه، فإن كان هذا القول شرّاً، بل لو كان كذباً محضاً فهو أخفُّ بكلِّ حالٍ من الأحوال من الشـرِّ الثاني المتعلِّق بتسلِّط الجبار على سارة رضي الله عنها، أو على إبراهيم عليه الصلاة والسلام(113) فكيف إذا كان مما يحتمله الكلام، ويندرج تحت ما

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يسمى بالمعاريض، وعلى هذا فقد كان ما قاله إبراهيم صحيحاً في نفسه عن زوجه سارة، فهي أخته في الدين، وعرّض بذلك على الجبار الذي فهم أنها أخته في النسب، وردّ الله كيده، وكفَّ بأسه(114)

ويبقى السؤال: لم سمّى نبيُّنا صلى الله عليه وآله وسلم هذه الأقوال كذبات؟

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وللجواب على هذا دعونا نقف على شيءٍ من أقوال أهل العلم في ذلك لنرى كيف وجّهوا هذا الحديث، وممّن كان له كلام جيد بيّن في هذه المسألة: الإمام المازري، إذ يقول في شرحه لهذا الحديث: أمّا الأنبياء عليهم السلام فمعصومون من الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله سبحانه، قلّ ذلك أو جلَّ، لأن المعجزة تدلُّ على صدقهم في ذلك، وأما ما لا يتعلَّق بالبلاغ ويعدُّ من الصغائر كالكذبة الواحدة في شيءٍ من أمور الدنيا، فيجري على الخلاف في عصمتهم من الصغائر، وقد تقدّم الكلام عليه، وقد وصف صلى الله عليه وآله وسلم أن اثنتين من كذبات إبراهيم عليه الصلاة والسلام كانت في ذات الله سبحانه، والكذب إنما يترك لله، فإذا كان إنما يفعل لله انقلب حكمه في بعض المواضع على حسب ما ورد في الشريعة، والقصد بهذا التقييد منه صلى الله عليه وآله وسلم نفي مذمّة الكذب عنه لجلالة قدره في الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم أجمعين.

وقد تأوّل بعض الناس والكلام ما زال للمازري كلماته هؤلاء حتى تخرج عن كونها كذباً، ولا معنى لأن يتحاشى العلماء مما لم يتحاش منه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولكن قد يقال: إن المراد بتسميتها كذباً على ظاهرها عندكم في مقتضى إطلاقكم عند استعمالكم اللفظ على حقيقته، ألا تراه يحكي عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قال لسارة: أخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام. ومن سمى المسلمة أختاً له قاصداً أخوة الإسلام فليس بكاذب، لكنه صلى الله عليه وآله وسلم إنما أطلق الكذب لما قلناه من أن الأخت في الحقيقة المشاركة في النسب، وأما

المشاركة في الدين فأخت على المجاز، وأراد أنها كذبة على مقتضى حقيقة اللفظة في اللغة، وعلى أن قوله: إنها أختي. قد يكون في ذات الله إذا أراد بها كفّ الظلم وصيانة الحريم، لكن لما كان له منفعة ميّزها صلى الله عليه وآله وسلم عن الأوليين اللتين لا منفعة له فيهما، هذا الذي يظهر لي في تأويل هذا الحديث(115) .اهـ كلام المازري رحمه الله.

قلت: وقد نقل القاضي عياض ما سبق، ثم أتبعه بتقرير استحالة وقوع الكذب من الأنبياء عليهم السلام، صغيرِه وكبيرِه، ثم عرض بعد ذلك للجواب عن الآيتين الكريمتين، فذكر ما قيل في توجيه الأولى من كون إبراهيم عليه الصلاة والسلام كسائر بني آدم عرضة للسقم، أو أن قلبَه سقيمٌ من شركهم، وغير ذلك من التوجيهات، ثم عرض للآية الثانية، وحملها على أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام علّق خبره بشرط نطقهم، إلى أن قال: وهذا كله ليس بكذب، وخارجٌ عن حد الكذب في حقِّ المخبر، داخلٌ في باب المعاريض التي جعلها الشرع مندوحة عن الكذب عند الضـرائر، ولكن سمَّاها النبي صلى الله عليه وآله وسلم كذبات؛ لأنه أتى بها لمن خاطبه على ظاهرها ومعتقده خلاف ذلك، فلما كان في حَقَّي المخبر والخبر ظاهرها بخلاف باطنها جاءت في صورة الكذب، وإن لم يكن كذباً في الباطن، وهذه على صورة المعاريض، ولما جاءت بهذه الصورة سمّاها النبي محمد وإبراهيم عليه السلام كذبات، أشفق إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم من المؤاخذة بها يوم القيامة في الحديث المعروف في الشفاعة.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثم تابع القاضي عياض قائلاً: قال أهل العلم: وهذا أصل في جواز المعاريض، قالوا: والمعاريض شيء يتخلَّص به الرجل من المكروه إلى الجائز، ومن الحرام إلى الحلال، ومن دفع ما يضـره، وإنما يكره له التحيُّل في حق فيبطله، أو باطل فيموه به(116) .اهـ كلامه رحمه الله.

قلت: وكلامه رحمه الله جيِّد في تقرير ما يتعلّق بالمعاريض، وسواءٌ صحّ تأويله المتعلِّق بالآيتين، أم كان هناك ما هو أولى من هذا التأويل من أقوال أهل العلم، فالمراد الأهم من كلامه هنا هو توجيه إطلاق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإبراهيم عليه الصلاة والسلام اسم الكذب على هذه المقولات الثلاث، وقد حصل ووضح الأمر، ولا غضاضة فيه، وقد مضى نحوه فيما نسب إلى جعفر الصادق عند الكليني في الكافي.

وإذا تقرّر ذلك، فقد بقي من الحديث ما يتعلّق بذنب موسى عليه الصلاة والسلام وهو قتله للقبطيِّ، وقد ورد في كتاب الله عز وجل ما يؤكد أن قتل موسى عليه الصلاة والسلام له لم يكن بأمر من الله عز وجل، وهذا ما استدعى مسارعته عليه الصلاة والسلام لِطَلب العفو والمغفرة من ربّه سبحانه وتعالى، حيث قال: رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُۥٓ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ(117) فلما منّ الله عز وجل عليه بالمغفرة سارع قائلاً: رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ(118) فهل يستغفر موسى عليه الصلاة والسلام من قتل من لا حرمة له عند الله عز وجل كما

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قرّر ذلك عبد الحسين؟ وهل هذا إلا مكابرة منه، ودفع بالصدر لهذا النص القرآني الكريم؟ وهل ما جاء في الحديث الشـريف ينافي ما جاء في كتاب الله عز وجل؟ كلا، وإنما زاد عليه ما يبيِّن كمال استحياء موسى عليه الصلاة والسلام من ربه، أنه لن يقف هذا الموقف العظيم، وقد فَرَط منه في حياته قتل نفسٍ محرّمة، وإن كان قد غُفر له ذنبه هذا.

وأما ما يتعلّق بعيسى عليه الصلاة والسلام فهو وإن لم يذكر ذنباً له، لكنه علم بما علّمه الله عز وجل أن صاحب المقام المحمود لن يكون هو، بل هذه الكرامة قد ادَّخرها الله عز وجل لسيد ولد آدم نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فما كان من عيسى عليه الصلاة والسلام إلا أن أرجع الأمر لأهله، وليس فيما مضى حطٌّ من حال نبيٍّ من أنبياء الله عز وجل، لا فيما اعتذروا به مما صدر منهم في حياتهم، ولا في تخصيص النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بهذا المقام المحمود، ولا أظن أحداً من المخالفين ينظر إلى هذا الأمر الأخير بكونه حطّاً من مكانة الأنبياء عليه الصلاة والسلام وأنَّى لهم ذلك، وهم يروون في كتبهم ما لا ينقضي منه العجب، حيث يقدِّمون عليّاً رضي الله عنه على داود عليه الصلاة والسلام في كونه خليفة الله في أرضه، وذلك في الخبر الذي رواه المفيد(119) والطوسي(120) عن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: أين خليفة الله في أرضه؟ فيقوم داود النبي عليه الصلاة والسلام فيأتي النداء من عند الله عز وجل: لسنا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إياك أردنا وإن كنت لله خليفة، ثم ينادي ثانية: أين خليفة الله في أرضه؟ فيقوم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام فيأتي النداء من قبل الله عز وجل: يا معشر الخلائق، هذا علي بن أبي طالب خليفة الله في أرضه وحجَّتُه على عباده، فمن تعلق بحبله في دار الدنيا فليتعلق بحبله في هذا اليوم ليستضيء بنوره، وليتبعه إلى الدرجات العلى من الجنان، قال: فيقوم أناسٌ قد تعلَّقوا بحبله في الدنيا فيتبعونه إلى الجنة...ثم ذكر تتمة الخبر.

قلت: فأيُّ الخبرين أشدُّ في وصف الأنبياء عليهم السلام بالتأخير، آلخبر الذي فيه أنهم أُخرُّوا من أجل أن يتقدَّمهم نبيُّنا صلى الله عليه وآله وسلم للشفاعة الكبرى، أم هذا الخبر الذي يؤخَّر فيه نبيٌّ من أنبياء الله عز وجل، ويقدَّم عليه صحابيٌّ جليلٌ من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ؟

وأختم فأقول: وأما التمسّح بادعاء عصمة الأنبياء عليهم السلام لردِّ كلّ ما ورد في تقرير ما يخالف ذلك، فلا أظن من يروي الخبر الآتي له وجه مقبول في القول بها، وهو ما رواه ابن شهر آشوب من حديث أبي حمزة الثمالي: أنه دخل عبد الله بن عمر على زين العابدين، وقال: يا ابن الحسين، أنت الذي تقول: إن يونس بن متى إنما لقي من الحوت ما لقي؛ لأنه عرضت عليه ولاية جدي فتوقَّف عندها؟ قال: بلى ثكلتك أمك، قال: فأرني آية ذلك إن كنت من الصادقين، فأمر بشدِّ عينيه بعصابة وعينيَّ بعصابة، ثم أمر بعد ساعة بفتح أعيننا فإذا نحن على شاطئ البحر تضرب أمواجه، فقال ابن عمر: يا سيدي دمي

في رقبتك، الله الله في نفسي، فقال: هيه، وأريه إن كنت من الصادقين، ثم قال: يا أيتها الحوت، قال: فأطلع الحوت رأسه من البحر مثل الجبل العظيم، وهو يقول: لبيك لبيك يا ولي الله، فقال: من أنت؟ قال: أنا حوت يونس يا سيدي، قال: أنبئنا بالخبر، قال: يا سيدي إن الله تعالى لم يبعث نبياً من آدم إلى أن صار جدّك محمد إلا وقد عرض عليه ولايتكم أهل البيت، فمن قبلها من الأنبياء سلم وتخلص، ومن توقف عنها وتتعتع في حملها لقي ما لقي آدم من المعصية، وما لقي نوح من الغرق، وما لقى إبراهيم من النار، وما لقى يوسف من الجب، وما لقى أيوب من البلاء، وما لقى داود من الخطيئة، إلى أن بعث الله يونس فأوحى الله إليه: أن يا يونس تولَّ أمير المؤمنين عليّاً والأئمةَ الراشدين من صلبه، في كلام له قال: فكيف أتولى من لم أره ولم أعرفه، وذهب مغتاظاً، فأوحى الله تعالى إليَّ أن التقمي يونس ولا توهني له عظماً، فمكث في بطني أربعين صباحاً يطوف مع البحار في ظلمات مئات، ينادي: أنه لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، قد قبلت ولاية علي بن أبي طالب والأئمة الراشدين من ولده، فلما آمن بولايتكم أمرني ربي فقذفته على ساحل البحر، فقال زين العابدين: ارجع أيها الحوت إلى وكرك، واستوى الماء(121)

قلت: هذا هو الخبر الذي أشرت إليه في بداية تعليقي على كلام أصحاب الشبه، وغرابة ما جاء فيه تكفي في بيان حال من يعتقد بصحته!

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأما القائلون بعصمة أنبياء الله عليهم السلام من أئمتنا، فهم ساروا في طريق مطَّرد غير متناقض، والتزموا لوازم قولهم هذا في سائر النصوص الشرعية، وسواءٌ أصابوا في ذلك أم أخطأوا، فيبقى عملهم قائماً على علم نافع واطلاع واسع، وهذه وقفة سريعة لعرض ما قيل في عصمة الأنبياء يجلِّيها لنا الإمام القرطبي شارح صحيح مسلم، إذ يقول بعد نقله الخلاف في جواز وقوع المعاصي من الأنبياء عليهم السلام، وبيانه أن الذي ينبغي أن يقال بأنهم معصومون مما يناقض مدلول المعجزة عقلاً كالكفر بالله تعالى، والكذب عليه، والتحريف في التبليغ والخطأ فيه، ومعصومون كذلك من الكبائر ومن الصغائر التي تزري بفاعلها، وتسقط مروءته، إلى أن وصل إلى الصغائر المعروفة والتي لا تزري بصاحبها، فقال رحمه الله: واختلف أئمتنا في وقوع الصغائر منهم، فمن قائل بالوقوع، ومن قائل: بمنع ذلك، والقول الوسط في ذلك: أن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم، ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم، وتنصّلوا منها، واستغفروا وتابوا، وكلُّ ذلك ورد في مواضع كثيرة لا تقبل التأويلات بجملتها، وإن قبل ذلك آحادها، لكن الذي ينبغي أن يقال: إن الذي أضيف إليهم من الذنوب ليس من قبيل الكبائر، ولا ممّا يزري بمناصبهم على ما تقدّم، ولا كثر منهم وقوع ذلك، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم وعوتبوا عليها، يخفُّ أمرُها بالنسبة إلى غيرهم، وإنما عدِّدت عليهم، وعوتبوا عليها بالنسبة إلى مناصبهم وإلى علوِّ أقدارهم، إذ قد يؤاخَذ الوزير بما يثاب عليه السائس، ولقد أحسن الجنيد حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين،

فهم وإن كانوا قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم، فلم يُخلَّ ذلك بمناصبهم، ولا قدح ذلك في رتبتهم، بل قد تلافاهم، واجتباهم، وهداهم، ومدحهم، وزكّاهم، واختارهم، واصطفاهم، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين إلى يوم الدين، والكلام على هذه المسألة تفصيلاً يستدعي تطويلاً، وفيما ذكرناه كفاية، والله الموفِّق للهداية(122)

قلت: ولما كان أصلُ شبهة رادِّي أحاديث كتابنا تقوم على ادعاء عصمة الأنبياء عليهم السلام مطلقاً، فقد فرّقت الكلام على متعلِّقات هذه المسألة في غير موطن من هذا الكتاب، بحسب الحاجة إليه –كما أشرت إلى ذلك في المقدِّمة - ولذا، سيأتي معنا مزيد بيان حول ما يتعلَّق بعصمة أنبياء الله عليهم السلام، والحمد لله رب العالمين.

رواية الشيعة لهذا الحديث في كتبهم:

وقبل أن أنتقل للمطلب الأخير المتعلّق بالتراجم والفوائد المستنبطة من هذا الحديث الشريف، أبيّن أن من تمام خذلان الله عز وجل لأهل الأهواء، أنهم ينكرون شيئاً هم يقولون فيه، فحديثنا هذا الذي شنَّعوا فيه على أئمة الإسلام بزعم أنه يطعن في أنبياء الله عليهم السلام، وينافي ما استقر من القول بعصمتهم، قد رووه في كتبهم، وعن جعفر الصادق رحمه الله، وذلك فيما أخرجه العياشيُّ في تفسيره عن خيثمة الجعفي قال:

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كنت عند جعفر بن محمد عليه الصلاة والسلام أنا ومفضل بن عمر ليلاً، ليس عنده أحد غيرنا، فقال له مفضل الجعفي: جعلت فداك حدثنا حديثا نسر به، قال: نعم، إذا كان يوم القيمة حشر الله الخلايق في صعيد واحد حفاةً عراةً غرلاً، قال: فقلت: جعلت فداك ما الغرل؟ قال: كما خلقوا أول مرة، فيقفون حتى يلجمهم العرق، فيقولون: ليت الله يحكم بيننا؟ ولو إلى النار، يرون أن في النار راحة فيما هم فيه، ثم يأتون آدم فيقولون: أنت أبونا وأنت نبيٌّ، فسل ربك يحكم بيننا ولو إلى النار، فيقول آدم: لست بصاحبكم، خلقني ربى بيده، وحملني على عرشه، وأسجد لي ملائكة، ثم أمرني فعصيته، ولكني أدلكم على ابني الصديق، الذي مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم، كلما كذبوا أشتد تصديقه: نوح، قال: فيأتون نوحاً فيقولون: سل ربك حتى يحكم بيننا ولو إلى النار، قال: فيقول: لست بصاحبكم، إني قلت: إن ابني من أهلي، ولكن أدلكم إلى من اتخذه الله خليلاً في دار الدنيا، ائتوا إبراهيم، قال: فيأتون إبراهيم فيقول: لست بصاحبكم، إني قلت إنى سقيم، ولكني أدلكم على من كلَّمه الله تكليماً: موسى، قال: فيأتون موسى فيقولون له، فيقول: لست بصاحبكم، إني قتلت نفساً، ولكني أدلكم على من كان يخلق بإذن الله، ويبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله: عيسى، فيأتونه فيقول: لست بصاحبكم ولكني أدلكم على من بشرتكم به في دار الدنيا: أحمد، ثم قال أبو عبد الله: ما من نبي من ولد آدم إلى محمد صلوات الله عليهم إلا وهم تحت لواء محمد صلى الله عليه وآله وسلم قال: فيأتونه ثم قال فيقولون: يا محمد سل ربك يحكم بيننا

ولو إلى النار، قال: فيقول: نعم أنا صاحبكم فيأتي دار الرحمن وهي عدن، وإن بابها سعته بعد ما بين المشرق والمغرب...فيذكر تتمة الحديث(123)

وأقول بعد ذلك: هل هنالك فرقٌ بين ما رواه أئمة الحديث في كتبهم فيما يتعلَّق بحديث الشفاعة الطويل، وبين ما رواه العياشي واعتمده المذكورون من علمائهم؟

فإذا كان الجواب: بلا، أي لا يوجد فرق بين الروايتين، وهو الجواب الذي لا جواب غيره، فيقال: ما الذي دعا عبد الحسين ومن سبقه ومن لحقه إلى طرح شبههم بهذه الطريقة الفجّة، وإلصاق التهم إلى أبي هريرة رضي الله عنه بأنه هو الواضع لهذا الحديث، ولو قال قائل بأن السبب الذي من أجله شتم عبد الحسين أبا هريرة رضي الله عنه ، قد توفّر في راوي هذا الحديث وهو جعفر الصادق، ولهذا يلزمه إما أن يعمّم شتمه لهما، أو أن يكون كاذباً مفترياً على أبي هريرة، لما استطاع أتباع عبد الحسين أن يجدوا له عن ذلك مصرفاً.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المطلب الخامس: ذكر ما ترجم به المحدِّثون المخرِّجون لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه

وحتى نقف مع القارئ الكريم على بعض الفوائد المتعلِّقة بهذا الحديث، سنعرض أولاً لما ترجم به أئمة الحديث الذين أخرجوا هذا الحديث في كتبهم، لما في تراجمهم من فقه وفهم أرادوا أن يرشدوا طلبة العلم إليه، ثم نعرض بعد ذلك لبعض ما قاله علماؤنا الأجلاء في هذا الحديث، وما استنبطوه منه من فوائد جليلة عظيمة:

ما ترجم به المحدِّثون:

ترجم ابن أبي شيبة في مصنفه لهذا الحديث بقوله: باب ما أعطى الله تعالى محمداً صلى الله عليه وآله وسلم(124) .

وأما البخاري فقد قال في الموطن الأول: باب قول الله: ﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا(125)(126) ﴾ )( .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفي الكتاب نفسه من صحيحه قال: باب ﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُۥ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا(127)(128) ﴾ )( .

وبوّب عليه أيضاً: باب قول الله تعالى: ﴿ إِنَّآ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِۦٓ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(129)(130) ﴾ )( .

وأما في صحيح مسلم، فقد ترجم شراحه لهذا الحديث بالقول: باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها(131) .

ثم الترمذي الذي أخرج هذا الحديث في موطنين من كتابه، قال في الأول منهما: باب ما جاء في الشفاعة(132) .

وقال في الثاني: باب: ومن سورة بني إسرائيل(133) .

وبقي من أصحاب الكتب الستة: الإمام النسائي الذي أخرج هذا الحديث في سننه الكبرى، مترجماً له بقوله: باب قوله تعالى: ﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُۥ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا(134)(135) ﴾ )( .

وأما أبو عوانة فقد قال في مستخرجه: باب في صفة الشفاعة، وأن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم سيد الناس يوم القيامة، وأن آدم خلقه

حواشي هذه الصفحة9 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الله بيده(136)

ثم نأتي إلى محمد بن نصر المروزي فنراه أدرج هذا الحديث تحت عنوان: أحاديث الشفاعة(137) .

وبوّب هناد بن السري: باب الشفاعة(138) .

وابن أبي الدنيا: باب ذكر البعث والنشور(139) .

وبوّب ابن حبان: ذِكر العلة التي من أجلها لا يشفع الأنبياء للناس يوم القيامة في الوقت الذي ذكرناه(140) .

ونختم بما ترجم به البيهقي في كتاب الدلائل، حيث قال: باب ما جاء في تحدث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنعمة ربه عز وجل، لقوله تعالى ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ(141) ﴾ وما جاء في خصائصه على طريق الاختصار(142) .

بعض الفوائد المستنبطة من هذا الحديث:

وبعد ما مرّ معنا من تراجم أئمة الحديث في كتبهم، دعونا نقف على شيء من الفوائد المستنبطة من هذا الحديث الشريف، ونذكر ذلك على هيئة نقاط، مع عزو الأقوال إلى قائليها في الهامش:

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ففي هذا الحديث: محبته صلى الله عليه وآله وسلم في الذراع وإعجابه بها لنُضج لحمها وسرعة استمرائه، مع زيادة لذته وحلاوة مذاقه على سائر لحم الشاة، وبعده من مواقع الأذى الذي كان يتقِّيه صلى الله عليه وآله وسلم(143) فيه تنبيهُ العالم للطالب على موضع السؤال وبَسْطه للسؤال إذا انقبض(144) تعظيمُ القوم العالِمَ أن يسألوه عن كل شيء(145) قيل في سبب تأخيره صلى الله عليه وآله وسلم للدعوة الثالثة إلى ذلك اليوم المهول أنه: «لما انقسم من يحتاج إلى مغفرته تعالى من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى مُفَرِّط ومُفْرِط، استغفر صلى الله عليه وآله وسلم مرة للمقتصد المُفَرِّط في الطاعة، وأخرى للظالم المُفْرِط في المعصية، وأخَّر الثالثة لاحتياج جميع الأولين والآخرين يومئذ إليها»(146) وفي هذا الحديث بيان كمال شفقة النبي صلى الله عليه وآله وسلم على أمته ورأفته بهم واعتنائه بالنظر في مصالحهم المهمة، فأخَّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجاتهم(147) وفيه تفضيله صلى الله عليه

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وآله وسلم على جميع المخلوقين من الرسل والآدميين والملائكة فإن هذا الأمر العظيم وهي الشفاعة العظمى لا يقدر على الإقدام عليه غيره صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم أجمعين والله أعلم(148) فيه تفضيل الأنبياء المذكورين فيه على من لم يذكر فيه، لتأهُّلهم لذلك المقام العظيم دون من سواهم، وقد قيل: إنما اختص المذكورون بذلك لمزايا أخرى لا تتعلق بالتفضيل، فآدم لكونه والد الجميع، ونوح لكونه الأب الثاني، وإبراهيم للأمر باتباع ملته، وموسى لأنه أكثر الأنبياء تبعاً، وعيسى لأنه أولى الناس بنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما ثبت في الحديث الصحيح(149) ويحتمل أن يكونوا اختصوا بذلك لأنهم أصحاب شرائع عُمل بها من بين من ذكر أولاً ومن بعده(150) أن من طلب من كبير أمراً مهمّاً أن يقدِّم بين يدي سؤاله وصف المسئول بأحسن صفاته، وأشرف مزاياه، ليكون ذلك أدعى لإجابته لسؤاله(151) فيه

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أن المسؤول إذا لم يقدر على تحصيل ما سُئل يعتذر بما يقبل منه، ويدلُّ على من يظنُّ أنه يكمل في القيام بذلك، فالدال على الخير كفاعله، وأنه يُثني على المدلول عليه بأوصافه المقتضية لأهليته، ويكون أدعى لقبول عذره في الامتناع(152) وفيه استعمال ظرف المكان في الزمان، لقوله «لست هناكم» لأن هنا ظرف مكان فاستعملت في ظرف الزمان، لأن المعنى لست في ذلك المقام كذا قاله بعض الأئمة، وفيه نظر، وإنما هو ظرف مكان على بابه؛ لكنه المعنوي لا الحسّـِي، مع أنه يمكن حمله على الحسّـِي، لما تقدم من أنه صلى الله عليه وآله وسلم يباشر السؤال بعد أن يستأذن في دخول الجنة، وعلى قول من يفسِّر المقام المحمود بالقعود على العرش يتحقَّق ذلك أيضاً(153) فيه العمل بالعام قبل البحث عن المخصِّص أخذاً من قصة نوح في طلبه نجاة ابنه، وقد يتمسَّك به من يرى بعكسه(154) وفيه أن الناس يوم القيامة يستصحبون حالهم في الدنيا من التوسُّل إلى الله تعالى في حوائجهم بأنبيائهم، والباعث على ذلك الإلهام كما

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تقدم في صدر الحديث(155) وفيه أنهم يستشير بعضهم بعضاً ويُجمعون على الشيء المطلوب، وأنَّهم يُغَطَّى عنهم بعض ما علموه في الدنيا، لأن في السائلين من سمع هذا الحديث، ومع ذلك فلا يستحضـر أحدٌ منهم أن ذلك المقام يختص به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم إذ لو استحضروا ذلك لسألوه من أول وهلة، ولما احتاجوا إلى التردُّد من نبيٍّ إلى نبيٍّ، ولعل الله تعالى أنساهم ذلك للحكمة التي تترتب عليه، من إظهار فضل نبينا صلى الله عليه وآله وسلم كما تقدم تقريره(156)

آخر الكلام على هذا الحديث الشريف

والحمد لله رب العالمين.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحديث الثاني: الحديث المتعلّق بالأنبياء الثلاثة إبراهيم ولوط ويوسف عليهم السلام

المطلب الأول: ذكر الحديث. المطلب الثاني: تخريج الحديث. المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له. المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها. المطلب الخامس: ذكر ما ترجم به المحدِّثون المخرِّجون لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.

المطلب الأول: ذكر الحديث

عن أبي هريرة رضي الله عنه

أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾(157) ويرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركن شديد، ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف، لأجبت الداعي».

المطلب الثاني: تخريج الحديث

روي هذا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحديث عن أبي هريرة وأنس بن مالك وعثامة بن قيس البجلي، أما أبو هريرة رضي الله عنه فقد روي عنه من طرق:

فقد روي عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن مقرونين:

رواه من هذه الطريق كلٌّ من: أحمد (8328) والبخاري (4537) و(4694) ومسلم (151) وأبو عوانة (231) والطحاوي في المشكل (326-327)، وابن حبان في الصحيح (6208)، وابن منده في كتاب الإيمان (368) و(369) من طرق عن يونس بن يزيد عن الزهري عنهما عن أبي هريرة رضي الله عنه به.

وروي عن سعيد بن المسيب وأبي عبيد مقرونين أيضاً:

رواه من هذه الطريق كلٌّ من: البخاري (3387) و(6992) والنسائي في الكبرى (10984-11189) وأبي عوانة (232) والطحاوي في المشكل (329)، وابن منده في الإيمان (370-371)

من طرق عن جويرية بن أسماء عن مالك عن الزهري عنهما عن أبي هريرة رضي الله عنه به.

وروي عن أبي سلمة لوحده عن أبي هريرة رضي الله عنه :

رواه من هذه الطريق كلٌّ من: أحمد (8391-8987-9380-10903)، والبخاري في الأدب المفرد (605-896) والترمذي (3116) والنسائي في الكبرى (11190) وأبي يعلى (5932) وابن أبي حاتم في تفسيره (11076-11611-11634) والطحاوي (330) وابن حبان (6206-6207) والحاكم (4054) من طرق عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة به.

وروي عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه :

رواه من هذه الطريق كلٌ من: سعيد بن منصور في سننه (1097) وأحمد في المسند (8279) والبخاري (3375) ومسلم (151) من طرق عن أبي الزناد عنه به.

ورواه الطبراني في الأوسط (8813) من طريق عمرو بن الحارث عن الأعرج به، وقال: لم يرو هذه الأحاديث عن عمرو بن الحارث إلا بكر بن مضر، ولا عن بكر إلا عبد الرحمن، تفرد به: المقدام.

وروي من طريق أبي يونس عن أبي هريرة رضي الله عنه :

أخرجها: أحمد في مسنده (8605) عن حسن عن ابن لهيعة عنه به.

رواية أنس بن مالك لهذا الحديث:

أخرجها ابن الأعرابي في معجمه (1849): حدثنا عباس، نا ابن أبي أويس، نا أبي، عن الزهري، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : نحن أحق بالشك من إبراهيم، إذ قال: ﴿ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾(158) ويرحم الله يوسف، لو لبثت في السجن , يعني ما لبث يوسف، ثم أتاني الداعي لأجبت، ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد، وما بعث الله نبيا من بعده إلا في ثروة من قومه.

رواية عثامة بن قيس البجلي لهذا الحديث:

أخرجها الطبراني في مسند الشاميين (2530) قال: حدثنا عمرو بن إسحاق، ثنا أبو علقمة، أن أباه، حدثه، عن نصـر بن علقمة، عن أخيه محفوظ، عن ابن عائذ، أخبرني بلال بن أبي بلال، أن عثامة بن قيس البجلي، من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «نحن أحق بالشك من إبراهيم، ويغفر الله للوط، لقد كان يأوي إلى ركن شديد».

وعن الطبراني أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة (5613).

الصناعة الحديثية:

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ذكر بعض أهل العلم أن الإمام البخاري، قد تصرَّف في تخريجه للحديث، فحذف كلمة منه، ألا وهي لفظة «الشك»، فقال شيخ الإسلام: وقد ترك البخاري ذكر قوله: «بالشك»، لما خاف فيها من توهم بعض الناس(159) .

قلت: فهنا نرى شيخ الإسلام قد صرّح بأن الحذف إنما هو من البخاري رحمه الله، وعلّل ذلك بخوفه من توهُّم بعض الناس في هذه العبارة ما لا يليق بنبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، بينما نرى غير شيخ الإسلام، وإن أثبت الحذف، لكنه لم يعلِّقه بالإمام البخاري، وذلك كابن العربي المالكي على سبيل المثال، حيث عرض لهذا قائلاً: هذا حديث صحيح خرجه الأئمة من كل صنف، واجتنب بعضهم لفظة «الشك»، فقالوا: نحن أحق بإبراهيم استعظاماً لذكرها، وهي عبادة(160) لا يستعظم ما يذكره النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن نفسه، إلَّا أن يكون لم يصح عنده فله في ذلك أبلغ العذر(161) .

وأما الحافظ ابن حجر، فقد أثبت سقوط هذه اللفظة من بعض روايات الصحيح، لا جميعها، فقال رحمه الله: سقط لفظ الشك من بعض الروايات(162) .أهـ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قلت: ولم يَذكر سبب السقط، وهل قام أحد الرواة بحذفها، وعلى التسليم بأن الحذف هو من الإمام البخاري رحمه الله، فلا ضير في هذا الصنيع، وهو جادة مطروقة عند المحدِّثين، ومن صوره ما صنعه الإمام أبو داود عندما روى حديثاً فيه وعيدٌ كاد أن يقع على فاطمة رضي الله عنها، فاكتفى أبو داود بالإشارة إليه دون ذكره، حتى لا يتجرأ عليها بعض الناس رضي الله عنها، وهذا الحديث هو ما أخرجه رحمه الله في سننه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قبرنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يعني ميتاً-، فلما فرغنا انصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وانصرفنا معه، فلما حاذى بابه وقف فإذا نحن بامرأة مقبلة، قال: أظنه عرفها، فلما ذهبت إذا هي فاطمة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟» قالت: أتيت يا رسول الله أهل هذا البيت فرحمت إليهم ميتهم، أو عزيتهم به، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «فلعلك بلغت معهم الكدى» قالت: معاذ الله! وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر، قال: «لو بلغت معهم الكدى» فذكر تشديداً في ذلك.

فسألت ربيعة عن الكدى، فقال؟ القبور فيما أحسب(163) .

فجملة (فذكر تشديداً في ذلك) هي من قول أبي داود، والله أعلم، لكون الحديث جاء تاماً عند غيره، وبالإسناد نفسه، حيث جاء عند أحمد في مسنده، وفيه قوله عليه الصلاة والسلام والذي نفسي بيده،

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة، حتى يراها جد أبيك(164)

وعند ابن حبان: لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جدك أبو أبيك(165) .

قلت: وعليه، فلا ضير إن كان الإمام البخاري هو الذي حذف كلمة الشك، لما قد تسببه من إشكال عند بعض غير أهل الاختصاص، والله أعلم.

المطلب الثالث: شرح مختصر للحديث

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هذا الحديث الكريم على اختصار ألفاظه، تناول جوانب ثلاثة من حياة ثلاثة من أنبياء الله الكرام عليهم السلام، فأولُّهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام الذي سأل ربه سبحانه وتعالى أن يريه كيف يحيي الموتى، وذلك ليطمئن قلبه، فأراه الله عز وجل ذلك في صورة غريبة، قصّها لنا ربنا في كتابه الكريم، ولم تذكر في حديثنا هذا، فبيّن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن هذا الطلب لو كان شكّاً من إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، لكان نبيُّنا صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالشك منه(166) ، وهذا لبيان استقرار الإيمان في قلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فهو الذي وصفه الله عز وجل بكونه ﴿ قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ﴾(167) وأما الشق الثاني من الحديث فهو المتعلِّق بلوطٍ عليه الصلاة والسلام ، وعرض شيءٍ مما حصل معه حينما أحاط المشركون ببيته، وأرادوا ضيفه بسوء، فبيّن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن رعاية الله عز وجل كانت مرافقة له على الدوام، لم تتخلَّف عنه البتة.

وأما الشق الثالث من الحديث الشريف، فهو المتعلِّق بيوسف عليه الصلاة والسلام حينما رفض الخروج من السجن إلاّ بعد أن تظهر براءته للملأ،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفيه تعليق النبي صلى الله عليه وآله وسلم على فعله هذا، وسيأتي معنا في أثناء البحث توضيح متعلِّقات المسائل الثلاثة.

والحمد لله رب العالمين.

المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها

قال صاحب كتاب الطرائف مستهجناً ما ورد في هذا الحديث: وكيف يجوز لأهل الملة أن يصحِّحوا عن نبيِّهم قدحه في الأنبياء وتقبيحه لذكرهم؟ وكيف يجوز تصديق من يروي مثل ذلك عنه؟ وكيف يجوز لعاقل أن يقتدي بقوم هذه صفاتهم أو يثق برواياتهم(168) .

وقال ابن المطهِّر الحلِّي بعد أن ذكر متن الحديث: كيف يجوز لهؤلاء الاجتراء على النبي بالشك في العقيدة(169) ؟

وقال المظفر في كتابه دلائل الصدق في معرض ردّه على كلام الفضل بن روزبهان(170) لا ريب بتواضع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مع المؤمنين

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فضلا عن النبيّين، لكن لا وجه للتواضع المدّعى مع إبراهيم ويوسف، إذ لا يصحّ تواضع الشخص بإثباته لنفسه أمراً قبيحاً، كقول الشخص: أنا فاسق، أو نحوه.

وقول النبيّ: «نحن أحقّ بالشكّ من إبراهيم»، فإنّ الشكّ في الصانع والحشر أعظم الأمور نقصاً ومباينةً لمن هو في محلّ الدعوة إلى الإقرار بالصانع والحشر.

وقريب منه قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم : «لو لبثت في السجن طول لبث يوسف لأجبت الداعي»، فإنّه دالّ على قلَّة صبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وحكمته بالنسبة إلى يوسف، وهو لا يلائم دعوته إلى مكارم الأخلاق والصبر الكامل والتسليم.

فإنّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا جعل نفسه أدنى صبراً من يوسف الذي توسّل غفلة إلى خلاصه من السجن بمخلوق، فقال: ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ(171) لما ناسب طلبه من الناس الصبر الأعلى، والتسليم لأمر

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

اللَّه في كلّ شيء، والاستعانة باللَّه لا بغيره في كلّ أمر.

إلى أن قال المظفر: وأمّا قوله: «وقد ذكر في هذا الحديث فضائل الأنبياء».. ففيه: إنّا لا نعرف فضيلة ذكرت فيه لإبراهيم ولوط..

أمّا لإبراهيم؛ فلأنّه لم يشتمل بالنسبة إليه إلَّا على إثبات الشكّ له في الحشر، ولا أقلّ من دلالته على أنّه ضعيف اليقين، وذلك مباين للنبوّة، ومناف لقوله تعالى ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُۥ مِن قَبْلُ(172) ﴾ وقوله تعالى: ﴿ وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ(173) ﴾ والحقّ أنّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يطلب الاطمئنان بالحشر، بل بغيره، أو طلب الاطمئنان بالحشر لقومه بأن يكون خطابه مع اللَّه مجاراة لهم لطلبهم له، كقول موسى: ﴿ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾(174) .

وأمّا عدم اشتماله على فضيلة للوط؛ فلأنّ قول النبيّ: «ويرحم اللَّه لوطا، لقد كان يأوي إلى ركن شديد»، ظاهر في التعريض بلوط، حيث قال: ﴿ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ(175) ﴾ ، فإنّ قول لوط يدلّ على أنّه لم يأو إلى ركن شديد، لمكان «لو»، فعرّض به النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم بأنّه كاذب، لأنّه آوى، أو بأنّه ضعيف القلب لا يرى الركن الشديد ركناً شديداً، وكلاهما ذمّ لا فضيلة!

ومن المضحك أنّ الخصم استدلّ على إيوائه إلى ركن شديد بقوله في الآية: ﴿ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ(176) ﴾ مع أنّ معناها: «لو آوي»!

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأيّ عيب يريد الخصم أن يشتمل عليه الحديث أكثر من الضعف الذي زعمه، وهو مناف للإمامة فضلا عن النبوّة؟! حتّى إنّ الخصم بنفسه حكم في مبحث الإمامة بأنّه يشترط في الإمام أن يكون شجاعاً قويّ القلب، فكيف يجوز إثبات الضعف للنبيّ؟! وكيف يصحّ الحديث الدالّ على ذلك؟!

والحقّ أنّ ذلك القول من لوط عليه الصلاة والسلام لم يكن عن ضعف منه، وإنّما قاله لأنّ نظر الناس إلى القوّة التي يشاهدونها لا إلى اللَّه تعالى، فخاطبهم على حسب عقولهم، أو لأنّه قال ذلك استفزازاً لعشيرته واستنصاراً بهم على الحقّ(177) .اهـ

وقام بالردِّ أيضاً على الفضل بن روزبهان: المرعشي، وذكر كلاماً طويلاً، تعقّب فيه ما نقل عن المزني في تنزيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام عن الشك، وما نقله الزركشي عن بعض أهل اللغة في توجيه صيغة (أفعل) هنا، وسيأتي ذكر هذين الجزأين من كلامه في الموطن المناسب، وأذكر باقي تعقيبه هنا، وهو قوله: وأما ما ذكره(178) من أن في الجملة الثالثة وصف يوسف (ع) بالصبر والتثبت في الأمور...إلخ، فمدفوع بأنه مع ذلك يتضمن إظهار النبي (ع) عدم صبره على ذلك في سبيل الله، وأنه لو كان في مقام يوسف لأجاب دعوة زليخا، وهذا هو محطُّ التشنيع الذي ينبغي براءة النبي (ص) عنه، وهذا ما أراده المصنِّف قدس

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سره، وأما الجملة الثانية فهي وإن كانت في نفسها ظاهرة فيما ذكره الناصب، لكن مجموع ما ذكره من الجمل الثلاثة حديث واحد مذكور في صحيح البخاري، والأولى والثالثة صريحتان في الشك وعدم الصبر، فيلزم أن تكون الثانية أيضاً واقعة على ما يناسبه سياقهما بأن فهم النبي (ص) منها أن الباعث للوط (ع) على الالتجاء لركن شديد ضعف اعتقاده، وفتور اعتماده واتكاله على الله تعالى، ولهذا أوَّله القسطلاني بأن المعنى: لو أراد لآوى إليه، ولكن آوى إلى الله(179) .اهـ.

وتكلّم عبد الحسين عن هذا الحديث في موطنين من كتابه، وجاء كلامه في الموطن الأول مختصراً حيث قال: كأن أبا هريرة لم يجد سبيلاً إلى تفضيل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا بالغضِّ من سلفه أولى العزم عليهم السلام، وحديثه المتضمِّن نسبة الشك إلى خليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام إذ قال: رب أرني كيف تحيي الموتى، في كلام جعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أحقَّ بالشك من إبراهيم، وجعل يوسف أفضل من النبي بالصبر والأناة، ولم يسلم فيه لوط من التفنيد، إذ قال: أو آوي إلى ركن شديد(180) .اهـ.

وقال في الموطن الثاني تحت عنوان: شك الأنبياء، والتنديد بلوط، وتفضيل يوسف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بصبره، وبعد ذكره للحديث: وهذا الحديث ممتنع من وجوه:

(إحداها): أنه أثبت الشك

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لخليل الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام وقد قال الله عز من قائل وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُۥ مِن قَبْلُ(181) وقال جل سلطانه وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ ٱلْمُوقِنِينَ﴾(182) والإيقان أسمى مراتب العلم، والموقن بالشيء لا يمكن أن يكون شاكاً فيه، والعقل بمجرده يحيل وقوع الشك من الأنبياء عليهم السلام كافة، وهذا من الأمور المسلّمة، أما قوله تعالى وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾(183) فظاهر في أن إبراهيم «ع» إنما سأل ربه عن كيفية الإحياء لا عن الإحياء نفسه، وهذا لا يتأتى إلا إذا كان نفس الإحياء محققاً معلوماً لدى إبراهيم، وبعبارة أوضح: الاستفهام بكيف إنما هو سؤال عن حال شيء موجود معلوم الوجود لدى السائل والمسؤول، نحو: كيف زيد، يعنى أصحيحٌ هو مثلاً أم مريض؟ وكيف فعل زيدٌ؟ أي: إحساناً فَعل مثلاً أم قبيحاً؟ وكيف وقعت القضية؟ أو كيف تقع؟ يعني: أعلى ما نريد مثلاً أم على خلاف ما نريد؟ وعلى هذا فقوله: أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ(184) إنما هو طلب لأن يريه كيفية ما قد علمه، وتقرر لديه من إحياء الموتى، لكن لما كان مثل هذا الطلب قد يكون ناشئاً عن الشك في القدرة على الإحياء، وربما يتوهَّم من يبلغه هذا الطلب ممن لا يعرف مقام إبراهيم أنه «ع» قد شك في القدرة، أراد الله تعالى بسبب ذلك أن يرفع هذا التوهُّم ببيان منشأ طلبه، فقال له: أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ﴾(185) أي: أنا مؤمن بالقدرة، ولكني إنما طلبت ذلك ليطمئن قلبي، بسبب رؤية الكيفية التي تحيي بها الموتى بعد تفرق أجزائها في

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مضامين القبور، وأوجار الطيور، وبطون السباع، ومطارح المهالك من البر والبحر، وكأنَّ قلبه عليه الصلاة والسلام قد ولع برؤية الكيفية؛ فقال: ليطمئن قلبي، أي لتبرد غلة شوقه برؤيتها، هذا هو المراد من الآية الكريمة، ومن نسب الشك إليه صلوات الله وسلامه عليه فقد ضل ضلالاً مبيناً.

(ثانيها): أن الظاهر من قوله: «نحن أولى بالشك من إبراهيم» ثبوت الشكِّ لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولسائر الأنبياء، وأنهم جميعا أولى به من إبراهيم، ولو فرض عدم إرادة الأنبياء جميعا فإرادة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مما لابد منها، والحديث نصٌ صريحٌ في أنه أولى بالشك - سبحانك هذا بهتان عظيم - قد انعقد الإجماع على بطلانه، وتصافق العقل والنقل على امتناعه، وما ندري والله لم كان صلى الله عليه وآله وسلم أولى بالشك من إبراهيم «ع» مع ما آتاه الله مما لم يؤت إبراهيم وغيره من الأنبياء والمرسلين والملائكة المقربين، ووصيُّه أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام إنما كان الباب من مدينة علمه، وإنما هو منه بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس بنبي، وقد قال «ع»: لو كُشف لي الغطاء ما ازددت يقيناً. فما الظن بسيد المرسلين، وخاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم أجمعين؟

(ثالثها) إن قوله: «ويرحم الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد» تنديدٌ بلوط وردٌ عليه، وتهمةٌ له بما لا يليق بمنزلته من الله عز وجل، وحاشاه أن يكون قليل الثقة بالله، وانما أراد أن يستفز عشيرته وذويه، ويستظهر بفصيلته التي تؤويه نصحاً منه لله عز وجل في أمر عباده بالمعروف

ونهيهم عن المنكر، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يندِّد بلوط، أو يفنِّد قوله، ومعاذ الله أن يظنَّ به إلا ما هو أهله، ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم أنذر بكثرة الكذابة عليه.

(رابعاً): إن قوله: «ولو لبثت في السجن طول ما لبث يوسف لأجبت الداعي» ظاهر في تفضيل يوسف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا خلاف ما أجمعت عليه الأمة، وتواترت به الصحاح الصريحة، وثبت بحكم الضرورة بين المسلمين.

فإن قلت: إنما كان هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تواضعاً ليوسف، وإعجاباً بحزمه وصبره وحكمته في إثبات برائته، حتى حصحص الحق قبل خروجه من السجن.

قلنا: لا يجوز مثل هذا الكلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولو كان على سبيل التواضع، لاشتماله على خبر غير مطابق للواقع، لأنه لو ابتلي بما ابتلي به يوسف لكان أصبر من يوسف، وأولى منه بالحزم والحكمة، وبكل ما يتحصحص به الحق، وهيهات أن يجيب الداعي بمجرد أن يدعوه إلى الخروج؛ فتفوته الحكمة التي آثرها يوسف، إذ قال لرسول الملك حين أخلى سبيله: ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ(186) أي صاحبك فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ(187) قال يعني الملك مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ قُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوٓءٍ قَالَتِ ٱمْرَأَتُ ٱلْعَزِيزِ ٱلْـَٰٔنَ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حَصْحَصَ ٱلْحَقُّ أَنَا۠ رَٰوَدتُّهُۥ عَن نَّفْسِهِۦ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ﴾(188) فما خرج من السجن حتى تجلَّت براءته كالشمس الضاحية ليس دونها سحاب، ولئن أخذ يوسف بالحزم، فلم يسرع بالخروج من السجن حتى تم له ما أراد، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد مثَّل الصبر والأناة، والحلم والحزم والعزم، والحكمة والعصمة في كل أفعاله وأقواله، وهو الذي لو وضعوا الشمس في يمينه والقمر في شماله على أن يترك الأمر ما تركه، وكان الأولى أن يقول أبو هريرة في هذا المقام: ولو لبث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السجن أضعاف أضعاف ما لبث فيه يوسف، ما توسَّل إلى خروجه منه بما توسَّل إليه يوسف، إذ قال للذي ظن أنه ناج من صاحبي السجن: ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ(189) أي صفني عند الملك بصفاتي، وقصَّ عليه قصتي لعله يرحمني ويتداركني من هذه الورطة فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ(190) أي: أن الشيطان أنسى الرجل أن يذكر يوسف لربه، أعني الملك فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ(191) وكان نسيان الرجل ولبث يوسف في السجن بضع سنين إنما كانا تنبيهاً له إلى أنه قد فعل غير الأولى، إذ كان الأولى به أن لا يتوسَّل إلى رحمة الله بغير الله عز وجل، كما هو المأثور عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد مُني صلى الله عليه وآله وسلم بما هو أعظم محنة من سجن يوسف، وابتلي بما هو أكثر ضرراً وأكبر خطراً من كل ما قاساه آل يعقوب عليه الصلاة والسلام فما وهن ولا استكان ولا

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

استعان إلا بالله، وقد حوصر وجميع عشيرته في الشعب سنين، فكانوا في منتهى الضائقة، وأوذي في نفسه وعشيرته والمؤمنين به بما لم يؤذ به نبيٌّ قبله، وأجلبوا عليه بما لديهم من حول وطول، فاتلُ إن شئت: وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾(192) واقرأ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ثَانِىَ ٱثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِى ٱلْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحْزَنْ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا(193) وأمعن في قوله عز اسمه وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ(194) وتدبر قوله عز سلطانه إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍ وَٱلرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِىٓ أُخْرَىٰكُمْ فَأَثَٰبَكُمْ غَمًّۢا(195) بِغَمٍّ وأنعم النظر في قوله عن الأحزاب إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ ٱلْأَبْصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلْقُلُوبُ ٱلْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ هُنَالِكَ ٱبْتُلِىَ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا۟ زِلْزَالًا(196) شَدِيدًا﴾ وأوغل في البحث عن وقعة هوازن وحسبك منها قال تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ ٱلْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ثُمَّ أَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَىٰ رَسُولِهِۦ وَعَلَى(197) ٱلْمُؤْمِنِينَ﴾ إلى كثير من مواقفه الكريمة التي خاض فيها الأهوال فكان فيها أرسى من الجبال، يتلقى شدائدها برحب صدره، وثبات جنانه، فتنزل منه في بال واسع، وخلق وادع، لم يتوسل

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

في الخروج من عسـر إلى يسـر إلا بالله وحده، ولم يتذرع إلى شيء ما من شؤونه إلا بالصبر والتوكل على الله تعالى، فأين من عزائمه في صبره وحلمه وحكمه عزائم يوسف ويعقوب؟ وإسحاق وإبراهيم وسائر النبيين والمرسلين؟ صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم أجمعين(198) .اهـ كلام عبد الحسين بطوله.

وقال الميلاني: وذلك كمسألة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ، وما نسبوه إليه من وقوع الشكّ بحسب ما يتبادر إلى الأذهان، وما نظروا في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : نحن أولى بالشكّ من إبراهيم، وذلك أنّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يشكّ في إحياء الله تعالى الموتى، معاذ الله أن يشكّ نبيّ في مثل ذلك، وإنّما كان يعلم أنّ لإحياء الموتى طرقاً ووجوهاً متعدّدة، لم يدر بأيّ وجه منها يكون إحياء الله تعالى للموتى، وهو مجبول على طلب الزيادة من العلم، فعيّن الله تعالى وجهاً من تلك الوجوه فسكّن ما كان عنده، وعلم حينئذ كيف يحيي الموتى، فما كان السّؤال إلاّ عن معرفة الكيف لا غير(199) .اهـ كلام الميلاني.

أقول: وبعد عرض ما سبق من أقوالهم على طولها، وقصرها، واختصار في بعضها، سأقوم بذكر خلاصة هذه الشبه على هيئة نقاط، وأجيب عليها بحول الله، وهي كالآتي:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كيف يقدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأنبياء عليهم السلام؟ كيف يقتدى بمن كان هذا حالهم؟ كيف يشك نبي من الأنبياء عليهم السلام، خاصة إبراهيم الذي أعطاه الله عز وجل رشده من قبل، وبيّن بأنه أراه ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين؟ هذا الحديث دالٌّ على قلّة صبر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لا يجوز أن يعدُّ هذا من قبيل التواضع، لأن المتواضع لا ينسب لنفسه القبيح، وكذا: لعدم مطابقة هذا الخبر للواقع. ليس في هذا الحديث إثبات فضل لإبراهيم ولا للوط عليه السلام. إن في هذا الحديث تكذيباً للوط عليه الصلاة والسلام لأنه كان يأوي لركن شديد، أو إثبات ضعف قلبه لأنه لم ير الذي يأوي إليه ركناً شديداً. أن نبي الله لا بد أن يكون شجاع القلب. في هذا الحديث إثبات الشك بالأنبياء كلهم أو على أقل تقدير لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن قول نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في إجابة الداعي يعني إجابته لزليخا. في هذا الحديث تفضيلاً ليوسف عليه الصلاة والسلام على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وهو خلاف الإجماع.

في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ابتلي بأشدِّ مما ابتلي به آل يعقوب كلهم، ومع ذا، فلم يظهر منه جزعٌ ولا قلة صبر، فكيف يظهر هذا الحديث بأنه صلى الله عليه وآله وسلم كان أقل صبراً من يوسف عليه الصلاة والسلام

الجواب على هذه الشبه:

قلت: قبل أن أشرع بالإجابة أبيّن بأن أغلب هذه الشبه إنما هي من قول المظفر، وأما المرعشـي وبعده عبد الحسين، فلم يزيدا على كلامه سوى زخرف القول غروراً.

ثم بالنظر إلى أقوال أهل العلم الشارحين لهذا الحديث، يتجلىَّ وجه الصواب في توجيه هذا الحديث، وتتساقط الشبه تلقائياً بفضل الله وحوله وقوته، وما بقي من شبه لم يقف عليها أهل العلم، سنقوم بالجواب عليها بحول الله وقوته، وأما بالنسبة لنقل أقوال أهل العلم، فسأحاول أن أتسلسل بحسب تواريخ الوفاة في ذكر أقوال أهل العلم، أولاً فأول، وأولّ من وقفت على قوله من العلماء المتقدِّمين هو الإمام المزني صاحب الإمام الشافعي، إذ يقول في توجيه هذا الحديث: لم يشكَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا إبراهيم في أن الله قادر على أن يحيي الموتى، وإنما شكَّا في أنه هل يجيبهما إلى ما سألا(200) .

ونُقل عن

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المزني أيضاً أنه قال ما معناه: إن الشك مستحيل في حق إبراهيم، فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرِّقاً إلى الأنبياء لكنت أنا أحق به من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشك فاعلموا أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يشك(201)

ومن المتقدّمين زماناً الذين قاموا بتوجيه الحديث أيضاً، ردّاً على من أورد عليه الشبه: أبو محمد ابن قتيبة رحمه الله، حيث نقل شبهة الذين اعترضوا على الحديث بقولهم بعد ذكرهم للحديث: وهذا طعن على إبراهيم، وطعن على لوط، وطعن على نفسه عليهم السلام.

ثم أجاب ابن قتيبة بقوله: ونحن نقول: إنه ليس فيه شيء مما

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ذكروا، بحمد الله تعالى ونعمته، فأما قوله: «أنا أحق بالشك من أبي إبراهيم عليه الصلاة والسلام فإنه لما نزل عليه: وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾(202) قال قوم سمعوا الآية: شك إبراهيم صلى الله عليه وآله وسلم ولم يشك نبينا صلى الله عليه وآله وسلم(203) .اهـ.

وأفاض ابن بطال في شرح كلام ابن قتيبة، وبيّن بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم إنما قال ذلك على سبيل التواضع، وتقديماً لإبراهيم عليه الصلاة والسلام على نفسه، كما تواضع في قوله صلى الله عليه وآله وسلم لا تفضلوني على يونس بن متى، وقد نقل ابن بطال ما سبق عن ابن قتيبة، وحمل تبرير إبراهيم عليه الصلاة والسلام بإرادته اطمئنان قلبه على يقين البصر، الذي هو أعلى من يقين السمع، مؤيّداً ذلك بقوله صلى الله عليه وآله وسلم ليس الخبر كالمعاينة(204) وبكون موسى عليه الصلاة والسلام إنما ألقى الألواح حينما عاين عبادة قومه للعجل، لا عندما أعلمه الله بذلك، ثم ذكر ابن بطال عن غير ابن قتيبة تنزيلهم سؤال إبراهيم على إرادة علم الكيفية، لا على الشك في أصل الأمر، وأن طلب

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مثل هذا لا يقدح بالإيمان(205)

وهذا الوجه الثاني الذي ذكره ابن بطال زاده ابن العربي إشباعاً وتوضيحاً، فبعد أن بيّن معنى الشك وكونه تجويز أمرين في القلب لا مزية لأحدهما على الآخر، وهذا يستحيل أن يوجد من الأنبياء عليهم السلام في حق ما يجب لله سبحانه وتعالى وما يستحيل، وكذلك، لا يقع فيما يتعلّق بالموقف من إحياء الله عز وجل للموتى، وإنما يقع في كيفية هذه الإعادة، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام إنما طلب من الله عز وجل ذلك بحكم الإدلال، فأجابه الله عز وجل لذلك، ثم ختم ابن العربي بقوله: وكلُّ أحد إلى يوم القيامة من المؤمنين الموقنين عالم بالإعادة، شاك في الكيفية(206) .اهـ.

قلت: وفرّق بعض أهل العلم بين العلوم الضرورية والنظرية، بأن الأول منهما لا يقع فيه شك، والثاني قد يطرأ عليه ذلك، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام إنما «سأل زيادة في الطمأنينة وسكون النفس، حتى تنتفي الشكوك أصلاً، أو يكون المراد من نبينا صلى الله عليه وآله وسلم : إنما نحن أحق بالسؤال في هذا منه على جهة الإشفاق أيضاً، أو يكون المراد بذلك أمته صلى الله عليه وآله وسلم ، ليحضَّهم على الابتهال إلى الله عز وجل بالتعوِّذ من نزغات الشيطان في عقائد الدين»(207) .

هذا ما قاله المازري

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

في شرحه على صحيح مسلم، وكان المازري قد جعل هذا التوجيه هو الثاني للحديث، وأما التوجيه الأول، ونقله عن غيره فمفاده أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام إنما سأل ربه ذلك ليرى منزلته عنده سبحانه وتعالى، وليعلم هل يستجاب دعاؤه عند ربه، وأصحاب هذا القول حملوا قوله تعالى: أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾(208) على أن المراد بقربك مني وتفضيلك لدي، «فيكون التقدير لو ثبت حمل الآية على هذا المعنى: نحن أولى أن نختبر حالنا عند الله من إبراهيم على جهة الإشفاق منه صلى الله عليه وآله وسلم والتواضع لله سبحانه»(209)

وجاء القاضي عياض رحمه الله فنقل كلام شيخه المازري السابق عنه بنصه، ثم قال: في هذا الحديث تأويلات، منها الوجهان اللذان ذكر – أي المازري -.

وثالث: أنه إنما سأل مشاهدة الإحياء واطمئنان القلب بمشاهدة ذلك، وترك منازعته هذه الأمنية، فيحصل له العلم أولاً بالجواز والوقوع، والثاني بالمشاهدة والكيفية.

ووجه رابع: أنه لما احتج على المشـركين بأنَّ ربه يحيى ويميت، طلب ذلك من ربه ليصحح احتجاجه عياناً.

ووجه خامس: أنه سؤال على طريق الأدب، والمراد: أقدرني على إحياء الموتى ليطمئن قلبي بهذه الأمنية.

ووجه سادس:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهو أنه أرى من نفسه الشك وما شك، لكن ليجاوب فيزداد قربة. وهذا هو تكلُّف في اللفظ والمعنى.اهـ كلام القاضي عياض رحمه الله.

قلت: وبعض هذه الأوجه التي ذكرها القاضي عياض، لا تستقيم مع المتبادر للأذهان من قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وبعضها متداخل، كالثالث والخامس، وأضعفها فيما يبدو السادس، وهو الذي صرّح بتضعيفه القاضي عياض، والله أعلم(210) . ثم ذكر القاضي ما سبق من توجيه الأئمة المتقدمين من أن الشك لم يقع من أحدٍ منهما، لا من إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولا من نبينا صلى الله عليه وآله وسلم(211) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهذا الوجه الأخير هو الذي اقتصر عليه ابن قرقول في مطالعه(212) ، بينما نقله الطيبي عن غيره من شراح المشكاة، مع جزمه أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام إنما أراد زيادة علم، لا دفع شكٍّ بسؤاله ربه سبحانه وتعالى، ثم ذكر الطيبي قول من حمل ما جاء في خبر إبراهيم عليه الصلاة والسلام على التفريق بين المعاينة والسماع، وقد مرّ معنا(213) .

وهذا الجزم الذي جاء في شرح المشكاة، كان ابن الجوزي قد ذكره في شرحه لهذا الحديث، حملاً منه أن هذا الحديث جاء لنفي الشك عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، لا على إثباته، وأن طلبه إنما كان من أجل زيادة اليقين، ثم ذكر ابن الجوزي توجيهَ ابن الأنباري لخبر إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن الشك إنما كان في هل يستجاب دعاؤه أم لا؟ ونبيُّنا صلى الله عليه وآله وسلم أولى بأن يسأل مثل هذا السؤال الذي يشك السائل في إجابة ربه فيه(214) .

وأما الحافظ ابن حجر رحمه الله وهو المعروف بالاستقصاء في جمع الأقوال، فذكر عدداً من الأقوال لا تخرج بمجملها عما مرّ معنا من نفي وقوع الشك من إبراهيم عليه الصلاة والسلام وكذا من نبيِّنا صلى الله عليه وآله وسلم لكن بعد أن ذكر قولاً تبنَّاه

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الطبري وفيه إثبات وقوع شيء من الشك من إبراهيم عليه الصلاة والسلام وذكر أيضاً من ردّه من أهل العلم، ودعونا نقف على قول الطبري ومعتمده في ذلك، قبل أن نذكر ما نوقش به، وذلك لأن قول الطبري يأتي في الجهة المقابلة لقول من نفى وقوع الشك من إبراهيم عليه الصلاة والسلام حيث ذكر الطبري أولاً في تفسيره أقوالاً ثلاثة، كلَّها قد مرّت معنا، وهي السؤال عن الكيفية، والثاني أن السؤال كان عقب مناظرته لنمرود، وقال الطبري معقِّباً: وهذان القولان متقاربا المعنى، ثم ذكر القول الثالث وهو أن سؤال إبراهيم عليه الصلاة والسلام جاء عقب بشرى الله له بأنه اتخذه خليلاً، فأراد إبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يرى علامةً عاجلةً تدلُّ على ذلك، ثم قال الطبري رحمه الله: وقال آخرون: قال ذلك لربه لأنه شك في قدرة الله على إحياء الموتى، ثم أسند الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: ما في القرآن آية أرجى عندي منها.

وأسند أيضاً عن ابن جريج، أنه سأل عطاء عن تفسير هذه الآية، فقال له عطاء: دخل قلبَ إبراهيم بعضُ ما يدخل قلوبَ الناس، فقال ﴿ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾(215) ، قال: ﴿ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ(216) ﴾ ليريه.

ثم قال الطبري: وأولى هذه الأقوال بتأويل الآية، ما صحَّ به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قاله، وهو قوله: «نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم، قال: رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾(217) وأن تكون مسألته ربَّه ما سأله أن يُريه من إحياء الموتى؛ لعارض من الشيطان عرضَ في قلبه، كالذي ذكرنا عن ابن زيد آنفا» من أن إبراهيم لما رأى الحوت الذي بعضه في البر وبعضه في البحر، قد

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تعاوره دواب البر ودواب البحر وطير الهواء، ألقى الشيطان في نفسه فقال: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فسأل إبراهيم حينئذ ربَّه أن يريه كيف يحيي الموتى ليعاين ذلك عياناً، فلا يقدر بعد ذلك الشيطان أن يلقي في قلبه مثل الذي ألقى فيه عند رؤيته ما رأى من ذلك، فقال له ربه: أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾(218) يقول: أولم تصدق يا إبراهيم بأنِّي على ذلك قادر؟ قال: بلى يا رب، لكن سألتك أن تريني ذلك ليطمئن قلبي، فلا يقدر الشيطان أن يلقي في قلبي مثل الذي فعل عند رؤيتي هذا الحوت» حدثني بذلك، يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، عن ابن زيد.

ثم قال الطبري: ومعنى قوله: ﴿ لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾(219) ليسكن ويهدأ باليقين الذي يستيقنه، وهذا التأويل الذي قلناه في ذلك هو تأويل الذين وجَّهوا معنى قوله: ﴿ لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾(220) إلى أنه: ليزداد إيمانًا، أو إلى أنه: ليوقن.

ثم أسند الطبري عن سعيد بن جبير قوله في تفسير الآية: ليوفق(221) ، وقوله: ليزداد يقيني، وعن الضحاك: ليزداد يقيناً، وعن قتادة: ليزداد يقيناً إلى يقينه، ونحوه عن معمر والربيع، وعن مجاهد وإبراهيم: لأزداد إيماناً مع إيماني(222) .

قلت: وقول الطبري

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هذا أنكره ابن عطية قائلاً: وما ترجم به الطبري عندي مردود، وما أدخل تحت الترجمة متأوَّل، فأما قول ابن عباس: «هي أرجى آية» فمن حيث فيها الإدلال على الله تعالى وسؤال الإحياء في الدنيا، وليست مظنة ذلك، ويجوز أن يقول: هي أرجى آية لقوله أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾(223) أي إن الإيمان كاف لا يحتاج بعده إلى تنقير وبحث، وأما قول عطاء بن أبي رباح: دخل قلب إبراهيم بعض ما يدخل قلوب الناس فمعناه من حبِّ المعاينة، وذلك أن النفوس مستشرفة إلى رؤية ما أخبرت به، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام «ليس الخبر كالمعاينة»، وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام «نحن أحق بالشك من إبراهيم» فمعناه: أنه لو كان شكٌ لكنا نحن أحق به، ونحن لا نشكُّ، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام أحرى أن لا يشكُّ، فالحديث مبنيٌّ على نفي الشكِّ عن إبراهيم، والذي روي فيه عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «ذلك محض الإيمان» إنما هو في الخواطر الجارية التي لا تثبت، وأما الشكُّ فهو توقُّفٌ بين أمرين لا مزيَّة لأحدهما على الآخر، وذلك هو المنفيُّ عن الخليل عليه الصلاة والسلام وإحياء الموتى إنما يثبت بالسمع، وقد كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام أعلمَ به، يدلُّك على ذلك قوله: رَبِّىَ ٱلَّذِى يُحْىِۦ وَيُمِيتُ(224) فالشكُّ يبعد على من ثبتت قدمه في الإيمان فقط، فكيف بمرتبة النبوءة والخلة، والأنبياء معصومون من الكبائر ومن الصغائر التي فيها رذيلةٌ إجماعا(225) .اهـ كلام ابن عطية رحمه الله.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد نقل القرطبيُّ كلام ابن عطية بطوله ثم قال: هذا ما ذكره ابن عطية، وهو بالغ، ولا يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم مثل هذا الشكّ فإنه كفر، والأنبياء متفقون على الإيمان بالبعث(226) .اهـ كلام القرطبي رحمه الله.

قلت: والذي يبدو لي أن ابن عطية قد نفى شيئاً لم يثبته الطبري، بل لم يقل به أحد من السلف، فالذي أثبته الطبري هو وقوع شيءٍ من الوسواس في قلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وهذا الوسواس يعرض للبشـر جميعهم، وسيأتي معنا أمثلةٌ لهذا، لكن هذا الوسواس لم يستقرَّ في قلبه، وطلب من الله عز وجل أن يريه كيفية إحياء الموتى ليزول أصلُ هذا الوسواس وأثرُه، وهذا له تعلّق بمسألة زيادة الإيمان ونقصانه، فمن يُثبت هذا لا يضيره القول بأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان أكثر اطمئناناً بعد أن رأى إحياء الموتى، وهذا عين ما قاله السلف المشار إلى أقوالهم عند الطبري، وقول ابن عباس بأن هذه الآية هي أرجى آيات كتاب الله يوافق طبع البشـر وما يعرض لهم من وساوس الشياطين، ولهذا فرح بها ابن عباس ورأى فيها فرجاً ورجاءً لمن عرض له مثل ذلك، وتعليل ذلك: بأن الله عز وجل لم يؤاخذ إبراهيم عليه الصلاة والسلام على ذلك، وهو أكمل أو من أكمل الناس إيماناً، فكيف بمن هم دونه؟!

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأما استقرار هذا الوسواس في قلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام فهو الذي لا تليق نسبته له، وهو الذي نفاه ابن عطية، مع كونه لم يأت في كلام الطبري رحمه الله، بل سارع إبراهيم عليه الصلاة والسلام في الطلب من ربه ما يزيل عنه هذا الوسواس، وهو ما يوافق قوله تعالى: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَٰٓئِفٌ مِّنَ ٱلشَّيْطَٰنِ تَذَكَّرُوا۟ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ(227)(228) ﴾ )( فما هو هذا الطائف الذي قد يعرض للمتقين؟ أليس هو من جنس ما عرض لإبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فلجأ إلى الله عز وجل ليزيله عنه؟

وترجيح الطبري هذا الذي بناه على قول السلف، قد قال بنحوه غير واحد من أهل العلم، كشيخ الإسلام ابن تيمية، إذ يقول: واليقين في القلب له مراتب، ومنه ما هو عفو يعفى عن صاحبه، ومنه ما يكون يقترن به صريح الإيمان، ثم ذكر شيخ الإسلام حديث الباب الوارد في شك إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى أن قال: ومعلوم أن إبراهيم كان مؤمناً كما أخبر الله عنه بقوله: قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ(229) ولكن طلب طمأنينة قلبه كما قال: وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾(230) فالتفاوت بين الإيمان والاطمئنان سماه النبي صلى الله عليه وآله وسلم شكاًّ لذلك بإحياء الموتى، كذلك الوعد بالنصر في الدنيا: يكون الشخص مؤمناً بذلك؛ ولكن قد يضطرب قلبه فلا يطمئن، فيكون فوات الاطمئنان ظنّاً أنه قد كُذب،

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فالشكُّ مظنة أنه يكون من باب واحد، وهذه الأمور لا تقدح في الإيمان الواجب وإن كان فيها ما هو ذنبٌ؛ فالأنبياء عليهم السلام معصومون من الإقرار على ذلك، كما في أفعالهم، على ما عرف من أصول السنة والحديث(231) .اهـ كلام شيخ الإسلام رحمه الله.

وقال ابن الوزير: واليقين التام، وانتفاء الوسواس؛ هو الغالب على أنبياء الله -سبحانه- وأوليائه، وحصوله موهبة من الله تعالى، تقف على أسباب يوفَّقون لعملها، كالثواب المتوقف على العمل سواء، ويندر خلاف ذلك منهم، لحكمة الله تعالى، لو لم يكن إلا لتأسِّي المؤمنين بهم، وعدم انكسار نفوسهم، كما ورد في الصحيح: «نحن أحق بالشك من إبراهيم». ومعنى الشك هنا: هو الوسواس الذي لا يدخل دفعه تحت القدرة، وليس معناه الشك المستوي الطرفين قطعاً، وقد جاء مثل ذلك في موسى الكليم - عليه الصلاة والسلام -، في قوله تعالى: ﴿ فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ(232)(233) ﴾ )( .اهـ كلام ابن الوزير رحمه الله.

قلت: والناظر في كتاب الله عز وجل يرى أن ما وقع لإبراهيم عليه الصلاة والسلام قد وقع مثله أو ما هو أشدُّ منه؛ لغيره من أنبياء الله عليهم السلام، ومن ذلك ما أخبرنا به ربُّنا سبحانه وتعالى عن يونس عليه الصلاة والسلام بقوله سبحانه وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ(234)

وقول زكريا عليه الصلاة والسلام لما بُشِّر بيحيى عليه الصلاة والسلام : ﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌ(235) ﴾ وقول امرأة إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما بشِّرت بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب: ﴿ قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِى شَيْخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَىْءٌ عَجِيبٌ(236) ﴾ .

بل إن تعجُّب زكريا عليه الصلاة والسلام ، هو أشدُّ مما بدر من إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، إذ أن زكريا عليه الصلاة والسلام تعجّب من إمكانية أن يرزق ولداً وهو في هذه السن الكبيرة، وهذا لا يساوي غرابة إحياء الموتى، ومع ذلك، فما عُدَّ هذا القول كبيرة من الكبائر ينزَّه الأنبياء عليهم السلام عنها، كلا، بل سأل زكريا عليه الصلاة والسلام سؤالاً أجابه الله عليه من غير إنكار عليه، وقُل مثل ذلك في تعجُّب امرأة إبراهيم عليه الصلاة والسلام عندما بُشِّرا بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب، وكان هذا بحضرة إبراهيم والملائكة عليهم السلام، الذين ما كان منهم إلا أن دعوا بالرحمة والبركة على إبراهيم وأهله قائلين: ﴿ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ رَحْمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيْكُمْ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ إِنَّهُۥ حَمِيدٌ مَّجِيدٌ(237) ﴾ .

فهل ما بدر من زكريا عليه الصلاة والسلام وامرأة إبراهيم يرفع عنهما الإيمان، وهل اعتبر هذا كفراً منهما؟ حاشا وكلا، بل هو ما يوافق الجبلة البشرية التي مهما بلغت درجتها في الإيمان، لا تطمئن غاية الاطمئنان إلا برؤية ما وعدت به.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والناظر في حال الأنبياء عليهم السلام وسِيَرهم يرى كمال بشريتهم، فهم يأكلون ويشربون ويفرحون ويحزنون ويحبُّون ويبغضون، ويخافون، وقد يقع منهم ما ينافي الصبر أحياناً، وقد يقع منهم ما ينقص الطمأنينة، كما حصل هنا، ولو استطاع الناقد أن يأول هذا الحديث، فكيف سيُأوِّل قول الله عز وجل حينما وصف حال الرسول ومن معه وهم ينتظرون النصر الذي قد طال قدومه، فقال سبحانه: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ ٱلْبَأْسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ أَلَآ إِنَّ نَصْرَ ٱللَّهِ قَرِيبٌ(238) ﴾ فظاهر هذه الآية الكريمة فيه أن الرسول ومن معه قد استطالوا قدوم النصر، حتى تساءلوا متى يكون هذا؟

وماذا سيفعل هذا المتأوّل في توجيه قول الله في خواتيم سورة يوسف: حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّىَ مَن نَّشَآءُ﴾(239) ومعلوم أن كُذِبُوا۟(240) قُرئت بوجهين صحيحين: بتخفيف الذَّال وتشديدها مع ضم الكاف في كلا القراءتين، وقراءة التشديد معناها واضح، وتكون (وظنُّوا) هنا بمعنى تيَّقنوا، أي تيقنوا بتكذيب أقوامهم لهم، لكن يبقى الإشكال قائماً في قراءة تخفيف الذال، حيث يوحي ظاهرها أن الظنَّ وقع من الرسل في أنهم كُذبوا ما وعدوا به، وهو معنى شديد جعل مثل أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تردّه ولا تثبت صحته، كما في صحيح البخاري(241) ومع ذلك، فما

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

خفي عليها رضي الله عنها، قد ظهر لغيرها من بعض الصحابة والتابعين الأجلاء، فأمضوه على ظاهره الذي يناسب حال البشر، بل علّلوه بذلك، فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في تأويل هذه الآية: كانوا بشراً ضعفوا ويئسوا، وقال ابن مسعود لمسروق لما سأله عن معنى هذه الآية: هو الذي تكره، ولما سأل أبو بشر سعيد بن جبير قائلاً: كُذِبُوا۟(242) قال: نعم، ألم يكونوا بشراً(243)

وقد أفاض شيخ الإسلام في تفسير المراد بهذا المعنى في الآية الكريمة، وكان من ضمن ما قاله بعد أن عرض لإنكار عائشة رضي الله عنها لهذا المعنى: ولكن القراءة الأخرى ثابتة لا يمكن إنكارها، وقد تأوَّلها ابن عباس وظاهر الكلام معه، والآية التي تليها إنما فيها استبطاء النصر، وهو قولهم: ﴿ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾(244) فإن هذه كلمة تبطئ لطلب التعجيل، وقوله: ﴿ وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟﴾(245) قد يكون مثل قوله: ﴿ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَٰنُ(246) ﴾ .

ثم بيَّن شيخ الإسلام رحمه الله

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أن الظنَّ يطلق في الشرع ويراد به الراجح أحياناً، وفي أحيان أخرى يراد به المرجوح، بخلاف من حصر الظن بالراجح والشك بالمرجوح، واستدل على ذلك ببعض النصوص.

ثم ذكر احتمال أن يكون ما بدر هنا من الرسل إنما هو من حديث النفس المعفوِّ عنه، وقد يكون من باب الوسوسة التي هي من صريح الإيمان، إلى أن قال شيخ الإسلام: فهذه الأمور التي هي تعرض ثلاثة أقسام: منها ما هو ذنب يضعف به الإيمان وإن كان لا يزيله، واليقين في القلب له مراتب، ومنه ما هو عفو يعفى عن صاحبه، ومنه ما يكون يقترن به صريح الإيمان. ثم ذكر شيخ الإسلام ما قد مرّ معنا من كلامه في التفريق بين الإيمان والاطمئنان، إلى أن بيّن رحمه الله أن في قصِّ هذه الأمور عبرة للمؤمنين أتباع الأنبياء، الذي سيتعرضون لما تعرّض له أنبياء الله عليهم السلام، ولا بد أن يرتاب البعض، ويذنب البعض، فيتم لهم التأسِّي بحال الأنبياء عليهم السلام، وما بدر منهم في مراحل دعوتهم.

وبيّن شيخ الإسلام كذلك بأن المتبوع لو كان معصوماً دائماً، لقال التابع: أنا لست من جنسه فإنه لا يذكر بذنب، فإذا أذنب استيأس من المتابعة والاقتداء؛ لما أتى به من الذنب الذي يفسد المتابعة على القول بالعصمة، بخلاف ما إذا قيل: إن ذلك مجبور بالتوبة، فإنه تصح معه المتابعة، كما قيل: أول من أذنب وأجرم، ثم تاب وندم آدم أبو البشر، ومن أشبه أباه ما ظلم(247) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهذا الذي قاله شيخ الإسلام ظاهرٌ وبيّنٌ، وهو من تمام رحمة الله بخلقه إذ أرشدهم إلى ما فيه هداهم وثباتهم، إذ كان من مقاصد وقوع الأنبياء عليهم السلام في بعض المؤاخذات، فتح باب الإعذار لغيرهم من أتباعهم، وما أجمل ما ذكره ابن الوزير رحمه الله في تقرير هذه المسألة، ومضى معنا جزءٌ من كلامه في بيان مصلحة وقوع مثل هذا من الأنبياء عليهم السلام، وما في ذلك من مصلحة تأسي المومنين بهم، وعدم انكسار نفوسهم، إلى أن قال رحمه الله: ومعنى الشك هنا: هو الوسواس الذي لا يدخل دفعه تحت القدرة، وليس معناه الشك المستوي الطرفين قطعا. وقد جاء مثل ذلك في موسى الكليم عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى:

فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ(248) ثم قال ابن الوزير: فيا من جَرْحُ وَسواسه لا يُؤسى، أما يعزِّيك: فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ(249) ويا من يداوي بالكلام قلبه الكليم، لا تعدل عن المرهم الذي صنعه الحكيم، لخليله إبراهيم، وهو النظر في المعجزات، المعلوم حدوثها، وأنه لا بد لها من محدِث مختار؛ بالعلوم الضروريات، عند النظر بالفطرة الأولى، والإخبات، والخلوص من شوائب العادات، فإن تعذَّر ذلك بهذه الطريقة، وما قدمناه من النظر في كتاب الله، وقرائن أحوال أنبياء الله -فليس لليقين- بعد ذلك- إلا اللجوء والتضرع إلى الله أن يهبه من عنده، ويشرح له صدر عبده، وإن طال في ذلك الطلب، وقُوسِي النَّصَب، فإن مراماً طلبه الكليمُ والخليلُ، لجدير بالطلب الطويل:

مـــرامٌ شـــــطَّ مــــــــــــــــرمـــــــــــــــــى العــــــــــــــقــــل فيهفـــــــــــــــــــــــــدون مــــــــــــــــــــــــــــــــــــــداه بِـــيـــــــــــــدٌ لا تــــــبيد

بل الدعاء، والتضـرع، والخضوع مقدَّم: على النظر في المعجزات، وقرائن الأحوال والأمارات، وكفى في ذلك إماماً بالخليل - عليه الصلاة والسلام - فإنه حين طلب الطمأنينة؛ رجع إلى مولاه وتـضرَّع إليه ودعاه، وقد أفردت في ذلك مصنَّفاً، سميته: ترجيح دلائل القرآن على دلائل اليونان(250) .اهـ كلامه بطوله رحمه الله.

قلت:

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولا يظنُّ بأن ما سبق من كلام شيخ الإسلام هو شيء تفرّد به بين العلماء المحقِّقين، أو من قبيل اختياراته التي ادُّعي عليه بأنه لم يسبق إليها، ولا قائل بها من أهل العلم، وكذا يقال بالنسبة لابن الوزير، كلا، لأننا نرى من أئمة الاعتزال من قال بهذا القول، ألا وهو الزمخشـريُّ، حيث قال في تفسيره لهذه الآية الكريمة: (حتَّى) متعلِّقة بمحذوف دلّ عليه الكلام، كأنه قيل: وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا(251) فتراخى نصـرهم حتى استيأسوا عن النصـر وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا۟(252) أي كذبتهم أنفسهم حين حدّثتهم بأنهم ينصرون، أو رجاؤهم لقولهم: رجاء صادق، ورجاء كاذب، والمعنى أنّ مدّة التكذيب والعداوة من الكفار وانتظار النصر من الله وتأميله؛ قد تطاولت عليهم وتمادت، حتى استشعروا القنوط وتوهَّموا أن لا نصر لهم في الدنيا، فجاءهم نصرنا فجأة من غير احتساب.

وعن ابن عباس رضى الله عنهما: وظنُّوا حين ضعفوا وغُلبوا أنهم قد أُخلفوا ما وعدهم الله من النصر، وقال: كانوا بشراً، وتلا قوله وَزُلْزِلُوا۟ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصْرُ ٱللَّهِ﴾(253) فإن صحَّ هذا عن ابن عباس، فقد أراد بالظنّ: ما يخطر بالبال ويهجس في القلب؛ من شبه الوسوسة وحديث النفس على ما عليه البشرية، وأمّا الظن الذي هو ترجّح أحد الجائزين على الآخر، فغير جائز على رجل من المسلمين، فما بال رسل الله الذين هم أعرف الناس بربِّهم، وأنه متعال عن خُلف الميعاد، منزَّهٌ عن كل قبيح؟ وقيل: وظنَّ المرسَل إليهم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أنّ الرسل قد كذبوا، أي: أُخلفوا، أو: وظنّ المرسَل إليهم أنهم كُذبوا من جهة الرسل، أي: كذبتهم الرسل في أنهم ينصرون عليهم، ولم يصدّقوهم فيه(254) .اهـ كلام الزمخشري.

قلت: وكلُّ ذلك من تمام بشريتهم عليهم السلام، ومفاصلتهم لما عليه الملائكة عليهم السلام، من عدم وقوع شيء من ذلك منهم، فلا خوف ولا حزن ولا نوم ولا أكل ولا شرب ولا غير ذلك، ولو تأمّلنا في حالة خوف موسى عليه الصلاة والسلام حينما ألقى السحرة عصيَّهم وخُيِّل إليه من سحرهم أنها تسعى، لوجدنا خوفه يوافق تمام بشريته عليه الصلاة والسلام ، ولو افترضنا جدلاً - ولتمام توضيح الفكرة - أن الذي كان في هذا الموقف مَلك من الملائكة، وليس موسى عليه الصلاة والسلام ، أكان سيصدر منه ما صدر من موسى عليه الصلاة والسلام ؟ الظاهر أن الجواب سيكون: لا، وتعليل ذلك يكون بسبب اختلاف حال البشر عن حال الملائكة، ويؤكد هذا ما حصل عند اجتماع البشر مع الملائكة في قصة لوط عليه الصلاة والسلام ، حيث خاف البشر؛ وثبتت الملائكة، وثبتوا لوطاً عليه الصلاة والسلام ، فلوطاً تمنّى أن يكون له ركن شديد يأوي إليه، أو لو كان عنده قوة يدفع بها شرَّ قومه، فثبتَّته الملائكة الذين كانوا يملكون هذه القوة، مع تأييد الله عز وجل لهم، وهو الرُّكن الشديد سبحانه وتعالى.

وعلى هذا القول يوجّه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأنه أولى بالشكِّ من إبراهيم على ظاهره، أي: إذا كان إبراهيم عليه الصلاة والسلام على ما أوتي من

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يقين وعلوِّ منزلة عند الله قد وقع منه هذا الوسواس اليسير، فغيره أولى بأن يقع له مثل ذلك، والكلُّ في هذا معذور، إذ هو من الأمور التي جُبل عليها البشر، والله تعالى أعلى وأعلم.

وأما على الأوجه السابقة النافية لوقوع الشك أصلاً من إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، فيكون قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضاً واضحاً، في نفي الشك عنهما كليهما، وقد اعتضد من قال بهذا القول بما جاء عن «بعض علماء العربية أن أفعل ربما جاءت لنفي المعنى عن الشيئين، نحو قوله تعالى: ﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ(255) ﴾ أي لا خير في الفريقين، ونحو قول القائل: الشيطان خير من فلان، أي: لا خير فيهما، فعلى هذا فمعنى قوله: «نحن أحق بالشك من إبراهيم: «لا شك عندنا جميعا»(256) .

وعلى كلا القولين، يتضح معنى الحديث الشريف، ومراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم بما قاله في حق إبراهيم عليه الصلاة والسلام وبه يتم الإجابة على

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كثير من الشبه الواردة السابق ذكرها، كالتعجُّب من الاقتداء بمن كان هذا حالهم، أو التعجُّب من وقوع الشك من إبراهيم، وتجويز وقوع ذلك من غيره من الأنبياء عليهم السلام.

ومن خلال ما مضى ننتقل إلى الجواب عن الشبهة الثانية المتعلِّقة بقوله صلى الله عليه وآله وسلم : ويرحم الله لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركن شديد.

ومفاد هذه الشبهة أن في قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم حطّاً من شأن لوط عليه الصلاة والسلام وتنديداً به، لما فيه من إظهار قلّة ثقته بالله عز وجل – كذا زعموا -.

ودعونا ننظر في أقوال أهل العلم الذين قاموا بشرح هذا الحديث، لنرى، هل منهم من وجّه الحديث بهذا التوجيه السقيم، ثم تجرّأ بعد ذلك على ردِّه، بدعوى مخالفته لقواعد الشريعة، أم أن الله أرشدهم للفهم السديد؟

وقد مرّ معنا توجيه ابن قتيبة للجزء الأول من الحديث المتعلِّق بإبراهيم عليه الصلاة والسلام ولنذكر الآن ما قاله بالنسبة للوط عليه الصلاة والسلام فهو من تمام جوابه السابق، قال رحمه الله: وأما قوله: «رحم الله لوطاً إن كان ليأوي إلى ركن شديد» فإنه أراد قوله لقومه: لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾(257) يريد سهوه في هذا الوقت الذي ضاق فيه صدره، واشتد جزعه بما دهمه من قومه، حتى قال: أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ(258) وهو يأوي إلى الله تعالى أشدِّ الأركان، قالوا: فما بعث

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الله نبياً بعد لوط؛ إلا في ثروة من قومه(259)

فنحن نرى هنا أن ابن قتيبة رحمه الله أجرى الحديث على ظاهره، وبيّن أن مؤاخذةً وقعت على لوط عليه الصلاة والسلام لذهوله أو لسهوه كما عبّر ابن قتيبة عن الالتجاء إلى الله عز وجل في هذا الظرف العصيب، وممّن مال إلى نحو هذا القول: محيى السنة البغوي، وقوله هو نص قول ابن قتيبة(260) ومِن قَبْل البغويِّ، قال بهذا القول الإمامُ الطحاويُّ، إلا أنه لم يتطرَّق لنسبة السهو أو الذهول للوط عليه الصلاة والسلام بل قال بعد أن نقل ترحّم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على لوط لكونه كان يأوي إلى ركن شديد: أي: قوله لقومه: لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً(261) أي كقوَّة أهل الدنيا، أي ينتصف بها بعضهم من بعض، أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ(262) أي: من أركان الدنيا التي كانوا يؤذونه بمثلها، وله مع ذلك الرُّكن الشديد من الله تعالى الذي لا ركن مثله، إلى أن قال الطحاوي: وقد وجدنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وجهاً يدلُّ على أن سبب قول لوط هذا كان من أجله، ثم أسند الطحاوي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: «رحمة الله على لوط، إن كان ليأوي إلى ركن شديد، لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، وما بعث الله تعالى من بعده من نبي إلا في ثروة من قومه»(263) ثم قال الطحاويُّ: فدلَّ ذلك أن قول لوط هذا كان لأنه لم

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يكن في ثروة من قومه، يكونون له ركناً يأوي إليهم(264)

وقريب مما مضـى قول ابن العربي المالكي حيث قال في توجيه هذه الجملة: فإن لوطاً سأل الله تعالى على ما علم من عادته وسننه في ربط الأسباب بالمسببات، وهو مقام توحيد عظيم، فأراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من لوطٍ أن يقوم في مقام أشرف منه، وهو التعلُّق بالقدرة إذا رأى الغلبة، كما فعل صلى الله عليه وآله وسلم يوم الطائف حين ضاقت عليه الأرض بما رحبت فقال: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي- الحديث إلى قوله- ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العلي العظيم)(265) .

وعبارة القاضي عياض كانت من أوضح العبارات في بيان مراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال رحمه الله بعد أن

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نقل عن المازري قوله إن الركن الشديد هو الباري عز وجل لأنه الكافي في الحقيقة(266) قال القاضي عياض: كأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انتقد عليه قوله هذا، وطلب رحمة الله له من هذا القول، إذ أراد لوطٌ بالركن عشيرته ليمنعوه من قومه، ويحموا أضيافه عن مرادهم السوء بهم، وأن ضيق صدره بذلك وحَرجَه لما لقي منهم أنساه اللَّجَأ إلى ربه والاعتصام به، وحمله على سنة الله في خلقه وعادته من اعتصام بعضهم ببعض، والله تعالى أشد الأركان وأقواها وأمنعُها(267)

وأوضح منه ما جاء في كلام البيضاوي، حيث عدّ ما صدر من النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حقِّ لوط عليه الصلاة والسلام إنما هو «استعظام لما قاله واستغراب لما بدر منه، حيثما أجهده قومه، فقال: ﴿ أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ(268) ﴾ ، إذ لا ركن أشدّ من الركن الذي كان يأوي إليه، وهو عصمة الله تعالى وحفظه»(269) .

واعتمد الطيبي ما جاء في كلام البيضاوي، وافتتح قوله ببيان أن ما جاء من ترحُّم النبي صلى الله عليه وآله وسلم على لوط إنما هو: «تمهيد وتقدمة للخطاب المزعج، كما في قوله تعالى: ﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ(270) ﴾ ثم نقل الطيبيُّ قول البيضاوي السابق(271) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال ابن مَلَك بعد أن ذكر قول لوطٍ عليه الصلاة والسلام لقومه، وإرادته أن ينضم إلى عشيرة منيعة تدفع عنه أذى قومه: فدعا له النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بالمغفرة، لأنه استغرب هذا القول وعدّه نادرة، إذ لا ركن أشدّ من ضمان الله وكلامه له، فلما رأى الملَك ما به من الاحتراق، قالوا له: يا لوط إنَّ ركنك لشديد، إنا رسل ربك(272) .

قلت: ومع ذا، فما اتفق شرّاح مصابيح السنة أو مشكاتها على هذا التوجيه، ومن باب أولى، لم يتفق علماء الأمة عليه، وقبل أن نذكر قول العلماء، نذكر ما عقّب به مُلا علي قاري على ما سبق من كلام كلٍّ من البيضاوي والطيبي وابن ملك، حيث قال بعد أن نقل أقوالهم: وعندي أن أخذ هذا المعنى من هذا المبنى ليس من طريق الأدب في الإنباء عن الأنبياء، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم إذا كان ينهى عن غيبة أفراد العامة حيّاً وميتاً، فكيف يتصور أن يذكر في حق نبيٍّ مرسل ما يكون مُوهماً لنقص مرتبته، أو تنزُّلا عن علو همته؟

ثم قام ملا علي قاري بتوجيه الحديث فقال: فالمعنى - والله تعالى أعلم - أنه كان بمقتضـى الجبلة البشـرية في بعض الأمور الضـرورية، يميل إلى الاستعانة بالعشيرة القوية، فيجوز لنا مثل ذلك المحال، فإنا مأمورون بمتابعة أرباب الكمال في التعلُّق بالأسباب مع الاعتماد على رب الأرباب، والله تعالى أعلم بالصواب.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثم ذكر القاري الحديث السابق الذي مرّ معنا في كلام الطحاوي ثم عقّب قائلاً: ومنه قوله تعالى حكاية عن قوم شعيب عليه الصلاة والسلام : ﴿ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَٰكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ(273) ﴾ وكذلك نبيُّنا صلى الله عليه وآله وسلم كان معظَّماً ومحميّاً ومكرَّماً لقربه من أبي طالب وغيره، وإليه الإيماء في قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَـَٔاوَىٰ(274)(275) ﴾ )( .

ومن العلماء المتقدِّمين الذي نفى المؤاخذة عن لوط عليه الصلاة والسلام الإمامُ ابن حزم الظاهري، حيث لم ير تعارضاً بين ما صدر من لوط عليه الصلاة والسلام وما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعلّل ذلك بقوله: لأن لوطاً عليه الصلاة والسلام إنما أراد منعة عاجلة، يمنع بها قومَه ممَّا هم عليه من الفواحش، من قرابةٍ أو عشيرة، أو أتباع مؤمنين، وما جهل قطُّ لوطٌ عليه الصلاة والسلام أنه يأوي من ربه تعالى إلى أمنع قوة وأشد ركن، ولا جناح على لوط عليه الصلاة والسلام في طلب قوة من الناس، فقد قال تعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ(276) فهذا الذي طلب لوط عليه الصلاة والسلام وقد طلب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأنصار والمهاجرين منعه حتى يبلغ كلام ربه تعالى، فكيف ينكر على لوط أمراً هو فعله عليه الصلاة والسلام تالله ما أنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإنما أخبر عليه الصلاة والسلام أن لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد، يعني مِن نصـر الله له بالملائكة، ولم يكن لوطٌ علم بذلك، ومن اعتقد أن لوطاً

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كان يعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد فقد كفر، إذ نسب إلى نبي من الأنبياء هذا الكفر، وهذا أيضاً ظنٌّ سخيفٌ، إذ مِن الممتنع أن يظنَّ بربٍّ أراه المعجزات وهو دائباً يدعو إليه هذا الظنَّ، وأما قوله عليه الصلاة والسلام هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ(277) فإنما أراد التزويج والوطء في المكان المباح، فصحَّ ما قلنا، إذ من المُحال أن يدعوهم إلى منكر، وهو ينهاهم عن المنكر(278) .اهـ كلام ابن حزم رحمه الله.

وأما ابن بطال، فقد نقل قول ابن قتيبة السابق، والذي جاء فيه نسبة السهو للوطٍ عليه الصلاة والسلام ، ثم نقل ابن بطال عن غيره قوله: ولا يخرج هذا لوطًا من صفات المتوكلين على الله، الواثقين بتأييده ونصره، لكنَّ لوطًا عليه الصلاة والسلام أثار منه الغضب في ذات الله ما يثير من البشـر، فكان ظاهر قول لوط كأنه خارج عن التوكُّل، وإن كان مقصده مقصد المتوكلين، فنبَّه النبيُّ على ظاهر قول لوط تنبيه على ظاهر قول إبراهيم، وإن كان مقصده غير الشكِّ، لأنهم كانوا صفوة الله المخصوصين بغاية الكرامة ونهاية القربة، لا يُقنع منهم إلا بظاهرٍ مطابق للباطن بعيد عن الشبهة؛ إذ العتاب والحجة من الله على قدر ما يصنع فيهم(279) .

وقال ابن الجوزي: فأما قصة لوط؛ فإن لوطاً لم يغفل عن الله عز وجل، ولم يترك التوكُّل عليه، وإنما ذكر السبب، وذكرُه للسبب وحده

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يتخايل منه السامع نسيانه لله، فأراد منه نبيُّنا عليه الصلاة والسلام ألا نقول ما يوهم هذا(280) .اهـ كلام ابن الجوزي رحمه الله.

واعتبر النوويُّ ما صدر من لوط عليه الصلاة والسلام ، إنما قصد به إظهارَ العذر عند أضيافه، وأنه بذل ما في وسعه لإكرامهم والدفع عنهم، ولم يقصد الإعراض عن الاعتماد على الله عز وجل، ثم جوَّز النووي أن يكون ما صدر من لوطٍ عليه الصلاة والسلام إنما كان على سبيل نسيان الالتجاء إلى الله تعالى في حماية ضيوفه، وجوَّز النوويُّ أيضاً أن يكون لوطٌ قد التجأ فيما بينه وبين الله تعالى، وأظهر للأضياف التألُّم وضيق الصدر، والله أعلم(281) .

قلت: ولتحليل ما مضى نقول: إن الذين حملوا ترحُّم النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم على لوط عليه الصلاة والسلام إنما هو من قبيل المؤاخذة أو من مقدماتها، إنما نظروا إلى ظاهر ما جاء في الحديث الشريف، مع تنزيله على الآية الكريمة الواردة معنا، ورأوا أن لوطاً عليه الصلاة والسلام إنما قال ما قال في ظل ذلك الظرف العصيب، الذي أوصله إلى درجة من الغضب والضيق والحرج والخوف على أضيافه أن ينالهم سوءٌ من القوم الفاسقين، وهذا الظرف العصيب كما أوصله إلى تلك الحالة، أنساه أيضاً الركن الشديد الدائم في نصرته وتأييده ودفع الضرِّ عنه ألا وهو الله رب العالمين.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فلما صدر منه ذلك، بيّن له الملائكة الذين جاؤوه في صورة بشر، بأنهم رسل الله إليه، وأن قومه الفاسقين لن يصلوا إليه، فالله عز وجل سَيَكُفُّ بأس الذين كفروا، والله أشد بأساً وأشد تنكيلاً.

وما نرى في هذا التوجيه أيَّة غضاضة من مقام لوط عليه الصلاة والسلام ، بل هو من تمام بشريته، وقد سبق لنا تقرير هذا الأمر المتعلِّق بكافة الأنبياء عليهم السلام عند حديثنا عمّا يتعلّق بشك إبراهيم عليه الصلاة والسلام .

وقبل أن أذكر ما يؤيِّد هذا، أُبيّن أنّ من العجب الذي لا يكاد ينقضي، أن عبد الحسين الذي أقام الدنيا من أجل ردِّ هذا الحديث، وأجلب بخيله ورَجِله من أجل تأييد شبهته المتهافتة، كان قد استدل على وهاء هذا الحديث بزعمه على ما قاله النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حقِّ يوسف عليه الصلاة والسلام وأنه لو كان مكانه لأجاب الداعي، وسيأتي توجيه مراده صلى الله عليه وآله وسلم فجنّ جنون عبد الحسين، وقال بتحكُّم وتكلّف: وكان الأولى أن يقول أبو هريرة في هذا المقام: ولو لبث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في السجن أضعاف أضعاف ما لبث فيه يوسف، ما توسَّل إلى خروجه منه بما توسَّل إليه يوسف، إذ قال للذي ظن أنه ناج من صاحبي السجن: ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ(282) أي صفني عند الملك بصفاتي، وقصَّ عليه قصتي لعله يرحمني ويتداركني من هذه فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ(283) أي إن الشيطان أنسى الرجل أن يذكر يوسف لربه، أعني الملك فَلَبِثَ(284) وكان نسيان الرجل ولبث يوسف في السجن بضع سنين إنما كانا تنبيهاً

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

له إلى أنه قد فعل غير الأولى، إذ كان الأولى به أن لا يتوسل إلى رحمة الله بغير الله عز وجل. اهـ كلامه.

فنحن نرى هنا أن عبد الحسين قد أثبت ما كان قد أنكره مما جاء في هذا الحديث، فهو استعظم أن يُنسب لوطٌ عليه الصلاة والسلام لمثل هذا الأمر، ولم يتحرّج في مقابل هذا من نسبة يوسف عليه الصلاة والسلام إلى هذا الفعل، وكلُّ هذا من أجل ردِّه للحديث، فادعى بأن يوسف فعل غير الأولى، وهو أنه لم يلجأ إلى الله في تلك الحالة، وطلب منه أن يُخرجه من السجن، وإنما طلب ذلك من ذاك الرجل ، والسؤال المتبادر إلى الذهن: ما الفرق بين الحالتين، أعني: حالتي لوط ويوسف عليه السلام، فكلاهما وَهَل للحظة عن اللجوء إلى الله عز وجل مسبِّب الأسباب، الذي بيده ملكوت كلِّ شيء، ولجآ - إن صحّ التعبير - إلى غيره؟

ولا بُدَّ للمنصف أن يصرِّح بعدم وجود فرق مؤثِّر بين الحالتين، بل إن الناظر المتأمِّل يرى عذر لوط عليه الصلاة والسلام أوضح من عذر يوسف عليه الصلاة والسلام فيوسف في تلك اللحظة لم يكن يخشى ما يخشاه لوط عليه الصلاة والسلام من هجوم الفساق على بيته وتمكُّنهم من ضيوفه، بل كان يوسف عليه الصلاة والسلام في سجن قد اعتاد المكوث فيه برهة من الزمن، ويمكنه أن يفكِّر مليّاً قبل أن يطلب طلبَه من صاحبه الذي سيفارقه بعد حين، ففكّر يوسف عليه الصلاة والسلام ورأى أن لا ضير في طلب حاجته منه، أمَّا لوطٌ عليه الصلاة والسلام فلم يكن يملك الوقت الكافي الذي يمكنُّه من كلِّ ذلك، بل فوجئ بإحاطة أولئك الفاسقين لبيته، وإصرارهم في طلبهم

منه أن يُخرج لهم ضيوفه، فقال ما قال عليه الصلاة والسلام

وهذا كلّه يدعو إلى تمام العجب من حال عبد الحسين، ويظهر بوضوح تام تمام تخبُّطه في سياقه للشبهات، وأن وراء ذلك كلّه حقداً دفيناً على أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فنعوذ بالله من الهوى(285) .

وكل ما مضى من بيان حال عبد الحسين، إنما ينسحب على سَلَفِه المظفَّر، فهو الذي سبقه بمثل هذه المقولة في حقِّ يوسف عليه الصلاة والسلام ، وفرّق بين متماثلين، فأثبت شيئاً وأنكر مثله، ولله في خلقه شؤون، وللتذكير بقول المظفَّر، وحتى يتضح تلاعب الهوى بأصحابه، فهذا هو نصُّ قوله: فإنّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا جعل نفسه أدنى صبراً من يوسف الذي توسّل غفلة إلى خلاصه من السجن بمخلوق ، فقال ﴿ ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ(286) ﴾ ، لما ناسب طلبه من الناس الصبر الأعلى، والتسليم لأمر اللَّه في كلّ شيء، والاستعانة باللَّه لا بغيره في كلّ أمر.اهـ كلام المظفر.

قلت: وعوداً على ما حصل من لوطٍ عليه الصلاة والسلام نرى أن ما أصابه من وَهل إن صحّ التعبير هو نظير ما أصاب موسى عليه الصلاة والسلام

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حينما أوجس في نفسه خيفة بعدما خُيّل له أن عصـيّ السحرة قد أصبحت حياتٍ تسعى، فكلٌّ منهما عليه السلام قد وهَل للحظة يسيرة عن تأييد الله عز وجل، وكلٌّ منهما رجع إلى كمال الاطمئنان بتثبيت ربِّه له، سواء في قوله تعالى لموسى قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْأَعْلَىٰ وَأَلْقِ مَا فِى يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوٓا۟ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَيْدُ سَٰحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيْثُ أَتَىٰ(287) أو في قول الملائكة للوط عليه الصلاة والسلام إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ﴾(288)

بل إن الناظر في الحالين، يرى أن العذر للوط عليه الصلاة والسلام أوضح وأظهر، فموسى عليه الصلاة والسلام قد أوجس في نفسه خيفة، مع أن الله عز وجل كان قد طمأنه وأخاه هارون عليه السلام بقوله لهما: ﴿ لَا تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ(289) ﴾ ، وأما لوطٌ فلم يسبق له شيءٌ كهذا، ولو في وقت قريب على أقل تقدير، وذلك بحسب نصوص الشريعة التي وصلتنا، ولم يكن عليه الصلاة والسلام على علم أيضاً بأن نصر الله عز وجل له بات قريباً، وما بين أن يُهلك الله قومه وينجيه من فسقهم وفجورهم إلا طلوع الصبح، فصدر منه ما صدر عليه الصلاة والسلام ، وقال نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في حقِّه ما قاله، والحمد لله رب العالمين.

وقد سبق معنا أن من تمام رحمة الله بنا أن أرسل لنا رسلاً منا، يأكلون مما نأكل منه ويشـربون مما نشـرب، ويعرض لهم ما يعرض لنا، إلا أنَّ الله سبحانه وتعالى لا يُقرُّهم على خطأ، ووقوع هذه الأمور منهم، لو لم يكن فيها من الحِكم إلا التوسعة على أتباعهم، لكان في

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ذلك الخير العظيم، كيف وفي ذلك من الحكم الظاهرة والخفيَّة ما لا يَقدر قدْرَها إلا الله سبحانه وتعالى، الذي استقل بالكمال وحده سبحانه وتعالى.

وسواءٌ عُدَّ ما صدر من لوط عليه الصلاة والسلام سهواً أو وهَلاً أو نسياناً أو عدم تمام صبر منه عليه الصلاة والسلام ، فستجد في سيرة أنبياء الله وهم أكمل الخلق، ما يشابه هذا ولو من وجه من الوجوه، ولو عرّجنا قليلاً على ما يتعلّق بالصبر، لوجدنا أن موسى عليه الصلاة والسلام كليم الله لم يصبر على ما بدر من الخضر مما ظاهره يستدعي المؤاخذة، بل سارع بالإنكار عليه في مرات ثلاث، كلُّ هذا، بعد أن كان قد وافق على شرط الخضر عليه بأن لا يسأله عن شيء حتى يحدث له منه ذكراً، ومع ذلك، فقد أنكر عليه أول مرَّة واعتذر عليه الصلاة والسلام بقوله: ﴿ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا(290) ﴾ ، وأنكر عليه المرة الثانية، فاعتذر قائلاً: ﴿ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍۭ بَعْدَهَا فَلَا تُصَٰحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًا(291) ﴾ ثم أنكر عليه الثالثة، وبها تمّت المفارقة بينهما بعد أن بيّن له الخضر أوجه ما فعل، وأنه لم يكون إلا بوحي من رب العالمين.

والمقصود مما مضى بيان أن موسى عليه الصلاة والسلام كليم الله، نسي ما كان قد اتفق عليه مع الخضر، ولم يصبر ثلاث مرات على ما صدر من الخضر، الذي اعتبر اعتراضاته هذه قلّة صبر منه، قائلاً له: ﴿ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا(292) ﴾ .

والناظر إلى هذه النصوص بتجرُّد ودون مقدمات سابقة مقرّرة مِن

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قِبل من أخضعوا النصوص لأحكام عقولهم، يرى الانسجام الكامل والتوافق التام مع طبيعة البشر كافة.

وأما الطرف الآخر الذي أنكر أن يصدر هذا من نبي الله لوط عليه الصلاة والسلام ، فقد جنح إلى تأويلات رأوها سائغة، ورآها غيرُهم متكلَّفة، ومع ذلك، فهي متوافقة مع ما عندهم من معتقدات متعلِّقة بمسألة عصمة الأنبياء عليهم السلام.

ومع كون القولين متخالفين، إلا أننا نرى كلا الفريقين قد سلك طريقاً في التعامل مع هذا الحديث، وغيره من الأحاديث التي يقع فيها نوع إشكال، فمنهم من أجرى النصَّ على ظاهره، ومنهم من تأوّله، لكننا لم نر فريقاً ثالثاً ينتمي إلى فئة العلماء الأجلَّاء سارع إلى إنكار هذا الحديث، بل انحصر خلافهم فيما مضـى، بين إثبات ظاهر الحديث أو تأويله، فمن وفّق منهم لإصابة كبد الحقيقة، فقد نال الأجرين، ومن أخطأها فقد نال أجراً واحداً، فرحم الله علماء المسلمين، وأجزل لهم المثوبة العظيمة.

وقبل أن أنتقل إلى الجزء الثالث المتبقي من الحديث، والمتعلِّق بيوسف عليه الصلاة والسلام أنبِّه إلى أن ما سبق من تقرير الإمام ابن حزم أن من اعتقد أن لوطاً عليه الصلاة والسلام كان يعتقد أنه ليس له من الله ركن شديد فقد كفر، فهو صواب، وهو لا ينطبق بحالٍ من الأحوال على أصحاب القول الأول الذين أثبتوا ظاهر الحديث، وجعلوه من قبيل المؤاخذة على لوط عليه الصلاة والسلام فلا أحد منهم يعتقد أن ما صدر من لوط عليه الصلاة والسلام

كان على سبيل الاعتقاد، بل كلّهم قرَّر أنه من قبيل السهو أو الوهل أو ما شابه ذلك، والكلُّ من الطرفين متفقٌ على أن من جعله اعتقاداً للوط عليه الصلاة والسلام فإنه كافر بالله العظيم، ومع أن هذا الأمر يعد من البدهيات، إلا أنني عرّجت عليه حتى لا يقول قائل أو يتمن متمنٍّ بأن كلام ابن حزم يتنزَّل على أصحاب المقولة الأولى، وذلك ليؤيّد باطله في رد الحديث وتكذيب صحابيه.

وأما زعم ملا علي القاري أن في إثبات هذا الحديث على ظاهره تقريراً لجواز الغيبة التي نهى عنها نبيُّنا صلى الله عليه وآله وسلم ، فليس له وجه ظاهر، ويلزم من هذا أن لا يُذكر أحدٌ بأيِّ صورة من صور المؤاخذة، للتحذير من هذا الأمر المؤاخذ عليه، أو للتنبيه على مخالفته للأولى المناسب لفضله، وهل كلُّ ما ورد في مثل يكون غيبة؟ ولو سلمنا، فماذا سيفعل من قال بهذا بآيات كتاب الله، التي نصّت في غير موضع على بعض المؤاخذات التي وقع فيها بعض الأنبياء الأجلاء عليهم السلام، وقد تكرّر ذكرُها في غير ما موطن من كتابنا هذا، وهل يعدُّ هذا غيبة لهم، أو تقنين لجواز الاغتياب اعتماداً على مثل هذه النصوص؟ لا أظن أن أحداً سيقول بهذا، وإنما عرضت لهذا القول من القاري، لأني رأيت عبد الحسين يتكئ عليه في ضمن ما اتكأ عليه لردِّ هذا الحديث الشريف، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

وقبل أن أنتقل إلى الجزء الثالث، أحبُّ أن أذكر للقارئ الكريم بعض ما وجد في كتب أئمة عبد الحسين مما يتوافق مع ما سبق من

توجيه، كقول أبي جعفر: رحم الله لوطاً، لو يدري من معه في الحجرة لعلم أنه منصور حيث يقول: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد(293)

وعن أبي عبد الله: فقال لهم: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد، فقال جبريل: لو يعلم أي قوة له(294) .

وأغرب ما نُقل في ذلك نسبتهم إلى جعفر الصادق أنه قال: ما كان قول لوطٍ لقومه: لو أن لي بكم قوةً أو آوي إلى ركن شديد، إلا تمنِّياً لقوة القائم عليه السلام، ولا ذكر إلا شدة أصحابه وإن الرجل منهم ليعطى قوة أربعين رجلاً، وإن قلبه لأشد من زبر الحديد، ولو مروا بجبال الحديد لقلعوها، ولا يكفون سيوفهم حتى يرضى الله عز وجل(295) .

وهذه النقولات الثلاثة تثبت ما أنكره عبد الحسين من رواية أبي هريرة، بل تثبت ما هو أبعد من ذلك، حيث جاء فيها تفسير قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حقِّ لوط عليه السلام، وهوما استعظمه عبد الحسين وحرص على إبطاله بطرقه الملتوية، والسؤال الذي ينبغي أن يسأل هنا، هو: لم لم يذكر عبد الحسين هذه الروايات؟ هل لجهله بورودها في أصحِّ كتب علمائه؟ أم علم بها وكتمها، لكي يتم له ما أراد من طعنٍ في هذا الحديث الشريف؟ أم أن الله أعمى بصره عنها ليكشف ما بقي مستوراً

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من سوء حاله؟ ولا شك أن من تعرّض لمقام الصحابة الكرام رضي الله عنهم بالانتقاص فلا بد أن يلحقه خزيٌ في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى، وفي الحديث القدسي يقول الله جل جلاله: من عادى لي وليّاً فقد آذنته بالحرب(296)

وبقي من الحديث الشـريف، الجزء الثالث والمتعلّق بيوسف عليه الصلاة والسلام ، وإجابته للداعي، وملخّص الشبه المتعلِّقة به:

أن في هذا الحديث تفضيلاً ليوسف عليه الصلاة والسلام على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وهو خلاف الإجماع. وأن في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يثبت أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد ابتلي بأشد مما ابتلي به آل يعقوب كلهم.

وقد مرّ معنا قريباً ما جاء عن عبد الحسين من إيقاعه اللوم على يوسف عليه الصلاة والسلام لطلبه من صاحبه في السجن أن يذكر براءته لسيِّده، معتبراً – أي عبد الحسين – أن يوسف عليه الصلاة والسلام قد فعل غير الأولى، فلتكن أيها القارئ على ذُكر من ذلك.

ثم لننظر في توجيهات أهل العلم، لهذه الجملة الأخيرة من هذا الحديث الشـريف، لنجد أن كلمة شرّاح الحديث تكاد تُطبق على أن ما ذُكر في هذا الحديث هو إظهارٌ لفضل يوسف عليه الصلاة والسلام وشدة صبره، وحرصه على إظهار براءته قبل أن يخرج من السجن، حتى لا يبقى لأحدٍ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عليه مأخذ من المآخذ، فيخرج على أنه بريء ظُلم في حبسه، لا على أنه ارتكب ذنباً ثم عفي عنه(297) ولهذا مدح النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم شدة صبره مقابل إظهار براءته، وفُهم من هذا أن يوسف عليه الصلاة والسلام أخذ بالعزيمة، وفي مقابل العزيمة تكون الرخصة، وهي التي ذكرها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وبيّن أنه لو كان مكان يوسف عليه الصلاة والسلام لسارع إلى الخروج من السجن، وفي كلا الفعلين خيرٌ، فحِرْص يوسف عليه الصلاة والسلام على إظهار براءته لم يره النبي صلى الله عليه وآله وسلم مانعاً من خروجه، ولعله رأى بأن هذا الأمر مقدورٌ عليه بعد الخروج من السجن، فقال ما قاله صلى الله عليه وآله وسلم(298) ولا يعني هذا بحال من الأحوال رفع أحد النبيين عليهما الصلاة والسلام، وخفض الآخر، كلاَّ، وما سمعنا أن الآخذ بالرخصة يكون أقلَّ منزلة من الآخذ بالعزيمة، أو بعكس ذلك، وما دندن به عبد الحسين لردِّ هذا الحديث من أن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قد عانى ولاقى من الابتلاءات والمصاعب أكثر مما لاقى آل يعقوب بأكملهم، لا يُفهم منه ردُّ هذا الحديث، بل يُفهم منه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال هذه المقولة

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تواضعاً منه صلى الله عليه وآله وسلم وهو ما فهمه أكثر أهل العلم، الذين ينظرون بنور الله عز وجل، ودعونا ننقل شيئاً من كلامهم الماتع المقنع في شرحهم لهذا الجزء من الحديث، ولنبدأ بابن قتيبة لتقدُّم وفاته حيث نراه يقول: وأما قوله: «لو دعيت إلى ما دعي إليه يوسف لأجبت»، يعني حين دُعي للإطلاق من الحبس، بعد الغمِّ الطويل، فقال للرسول: ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ(299) ولم يخرج من الحبس في وقته يصفه بالأناة والصبر، وقال: «لو كنت مكانه، ثم دعيت إلى ما دعي إليه من الخروج إلى الحبس، لأجبت، ولم أتلبث»، وهذا أيضاً جنس من تواضعه، لا أنه كان عليه، لو كان مكان يوسف فبادر وخرج، أو على يوسف، لو خرج من الحبس مع الرسول، نقصٌ ولا إثم، وإنما أراد أنه لم يكن يستثقل محنة الله عز وجل له فيبادر ويتعجل، ولكنه كان صابراً محتسباً(300)

وقال ابن حبان: «لأجبت الداعي»، لفظةُ إخبار عن شيء، مرادُها مدح من وقع عليه خطاب الخبر في الماضي(301) .

وبيَّن المازري أن هذا الحديث فيه: تنبيه على فضل يوسف عليه الصلاة والسلام وصبره على المصائب(302) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ونقل القاضي عياض عنه ذلك، ثم واصل قائلاً: الداعي هاهنا رسول الملك ليأتيه به(303) ، فقال له يوسف: ﴿ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ(304) ﴾ الآية، ولم يخِفَّ للخروج من السجن الطويل والراحة من البليَّة العظيمة لأول ما أمكنه حتى تثبَّت وتوقَّر، وراسل الملك في كشف الأمر الذى سُجن بسببه، ومكاشفة النسوة الحاضرات له وتظهر براءته، ويلقى الملِك غير مرتاب ولا خجِل مما عساه يقع بقلبه مما رُفع عنه، فنبَّه النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم على فضيلة يوسف عليه الصلاة والسلام وقوة نفسه وتوقُّره، وصدق نظره للعواقب، وجودة صبره، وأخبر عن نفسه هو بما أخبر على طريق التواضع والأنافة بمنزلة يوسف، وأنه عليه الصلاة والسلام كان يُغلِّبُ الراحة من المحنة أولاً على غير ذلك، ولا يُظَنُّ أن إجابة الداعي هنا هي مراودة المرأة ودعاؤها يوسف لما دعته له(305) .

وقال الحافظ ابن حجر في شرحه لهذا الجزء من الحديث: وإنما قاله صلى الله عليه وآله وسلم تواضعاً، والتواضع لا يحطّ مرتبة الكبير، بل يزيده رفعة وجلالاً، وقيل: هو من جنس قوله: لا تفضلوني على يونس، وقد قيل:

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إنه قاله قبل أن يعلم أنه أفضل من الجميع(306) .اهـ.

قلت: وأما قول المظفّر: لكن لا وجه للتواضع المدّعى مع إبراهيم ويوسف، إذ لا يصحّ تواضع الشخص بإثباته لنفسه أمراً قبيحاً، كقول الشخص: أنا فاسق، أو نحوه.اهـ. فيقال في الردِّ عليه: ومن قال بأن ما جاء في حقِّ إبراهيم ويوسف عليه السلام يُعدُّ فسقاً؟ وهل بمجرد الدعوى يثبت القول؟ وحاشا لنبينا عليه الصلاة والسلام ولسائر الأنبياء عليهم السلام أن يُنسَبوا إلى فسق، ولكن: ﴿ مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُۥ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ(307) ﴾ .

ومن تمام فضح الله لأعدائه وأعداء أوليائه، أن كلَّ ما أنكروه من رواية أبي هريرة لهذا الحديث، إنما روي في كتبهم، ولم ينكره علماؤهم، فهذا العياشي يروي في تفسيره: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: لو كنت بمنزلة يوسف حين أرسل إليه الملك يسئله عن رؤياه ما حدثته حتى اشترط عليه أن يخرجني من السجن وعجبت لصبره عن شأن امرأة الملك حتى أظهر الله عذره(308) .

وهذا الطبرسي يقول في تفسيره: وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: لقد عجبت من يوسف، وكرمه، وصبره، والله يغفر له حين سئل

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عن البقرات العجاف والسمان، ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني من السجن! ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه، والله يغفر له، حين أتاه الرسول فقال: ارجع إلى ربك. ولو كنت مكانه، ولبثت في السجن ما لبث، لأسرعت الإجابة، وبادرتهم الباب، وما ابتغيت العذر، إنه كان لحليماً ذا أناة(309)

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه

وبعد أن طال بنا المقام مع هذا الحديث الشريف، وعرضنا لما قيل فيه من شبه، والردِّ عليها، دعونا ننظر قليلاً فيما ترجم به الأئمة الذين أخرجوا هذا الحديث الشريف في كتبهم، وهو ما صنعناه في الحديث الأول، وسيأتي معنا في سائر الأحاديث بإذن الله تعالى، وما ذلك إلا لنقف على استنباطاتهم أولاً من هذه التراجم، ثم استنباطات شراح الحديث لما فيه من فوائد نافعة، مع التنبيه إلى أن جلّ هذه الفوائد قد ذُكرت معنا في أثناء عرضنا للحديث وأقوال أهل العلم، وذلك لتعلُّق جانب من هذه الردود بما في الحديث من فوائد، فنقول أولاً:

تراجم المحدِّثين:

أخرج الإمام البخاري هذا الحديث في مواطن ثلاثة من صحيحه، قال في الأول منها: باب قوله عز وجل: ﴿ وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ(310)(311) ﴾ )( .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال في الثاني: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ﴾(312)(313) .

وقال في الثالث: باب قوله: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ قَالَ ٱرْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ قُلْنَ حَٰشَ لِلَّهِ(314)(315) ﴾ )( .

وأخرجه مسلم في موطنين من صحيحه، بوّب شراحه في الموطن الأول بقولهم: باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة(316) .

وفي الثاني بقولهم: باب من فضائل إبراهيم الخليل صلى الله عليه وآله وسلم(317) .

وأخرجه من أصحاب الكتب الستة ابن ماجه والنسائي، فبوّب ابن ماجه بقوله: باب الصبر على البلاء(318) .

وترجم النسائي بقوله في الموطن الأول: قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ(319)(320) ﴾ )( .

وقال في الموطن الثاني: باب: قوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا جَآءَهُ ٱلرَّسُولُ﴾(321)(322) )( .

حواشي هذه الصفحة11 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأما أبو عوانة، فقال في مستخرجه: باب: بيان الوسوسة التي يجدها المؤمن في نفسه مما يستعظم أن يتكلم به، التي جعلها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الإيمان إذا أنكرها واجدها(323) .

وقال ابن حبان: ذكر وصف الداعي الذي من أجله قال صلى الله عليه وآله وسلم : «ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي»(324) .

وأخرجه ابن منده في كتابه الإيمان، وعنون له: ذكر درجات الأنبياء في الوساوس مع اليقين(325) .

وأما أبو نعيم فجعل لفظ الحديث هو الباب، فقال: باب قوله: (نحن أحق بالشك من إبراهيم)(326) .

وأخرجه البيهقي في كتابه الأسماء والصفات، وبوب بقوله: باب إعادة الخلق قال الله عز وجل: ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾(327)(328) .

وأختم بذكر ما بوّب به الإمام البغوي لهذا الحديث، حيث قال: باب رد الوسوسة(329) .

ونلحظ

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من التبويبات السابقة أن كلاًّ من أبي عوانة وابن منده والبغوي قد مالوا إلى اعتماد ظاهر الحديث، وجوّزوا وقوع شيءٍ من الوسوسة التي يجدها المؤمن في نفسه، وهذا كلُّه يؤيِّد ما مرّ معنا في شرح الحديث بتفصيلاته، والله أعلم.

الفوائد المستنبطة من هذا الحديث:

قد مضـى معنا في أثناء رد الشبه المتعلِّقة بهذا الحديث الشريف، أقوال أهل العلم في توجيهه، وشرحه، وتضمَّن ذلك كلُّه ذكر الفوائد المتعلِّقة بهذا الحديث، أو أكثرها، ولهذا نكتفي بما مرّ معنا من هذه الفوائد المبثوثة في كلامهم رحمهم الله، وأزيد على ما مضى فائدتين اثنين، أتمِّم بهما بحثي:

الأولى: إن في ضمن هذا الحديث تنبيهاً على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن كانوا من الله بمكان لا يشاركهم فيه أحد، فإنهم بشر يطرأ عليهم من الأحوال ما يطرأ على البشر، فلا تعدوا ذلك منقصة ولا تحسبوه مسبة((330) ).

والثانية: أن في هذا الحديث: الابتداء بالدعاء للغير، قبل البدء بالنفس(331) .

آخر الكلام على هذا الحديث الشريف.

والحمد لله رب العالمين.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 158 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الحديث الثالث:

طلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام النجاة لأبيه يوم القيامة

المطلب الأول: ذكر الحديث.

المطلب الثاني: تخريج الحديث.

المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.

المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.

المطلب الخامس: ذكر ما ترجم به المحدِّثون المخرِّجون لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.

المطلب الأول: ذكر الحديث

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال:

يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة، وعلى وجه آزر قترة وغبرة، فيقول له إبراهيم: ألم أقل لك لا تعصني. فيقول أبوه: فاليوم لا أعصيك. فيقول إبراهيم: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، فأيُّ خزيٍ أخزى من أبي الأبعد. فيقول الله تعالى: إني حرَّمت الجنة على الكافرين. ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخ ملتطخ، فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار.

المطلب الثاني: تخريج

الحديث

أخرجه البخاري في صحيحه في موضعين (3350-4769) عن إسماعيل بن عبد الله - وهو ابن أبي أويس - عن أخيه عبد الحميد عن ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة به.

وأخرجه من طريق البخاري: البغوي في شرح السنة (4310)، وابن عساكر في تاريخه (11/304).

وأخرجه الحاكم في المستدرك (2936) من طريق إسماعيل بن إسحاق عن إسماعيل بن أبي أويس به، وعن الحاكم: البيهقي في البعث والنشور (93).

وأخرجه الحاكم أيضاً من طريق أخرى فقال (4/632): حدثنا أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن القاضي بهمدان ثنا إبراهيم بن الحسين ثنا آدم بن أبي إياس ثنا حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلقى رجلٌ أباه يوم القيامة فيقول له: يا أبت أي ابن كنت لك؟ فيقول: خير ابن. فيقول: هل أنت مطيعي اليوم؟ فيقول: نعم، فيقول: خذ بإزرتي، فيأخذ بإزرته ثم ينطلق حتى يأتي اللهَ تبارك وتعالى وهو يعرض الخلق

فيقول: يا عبدي ادخل من أي أبواب الجنة شئت. فيقول: أي رب وأبي معي، فإنك وعدتني أن لا تخزيني؟ قال: فيمسخ الله أباه ضبعاً فيعرض عنه فيهوي في النار، فيأخذ بأنفه فيقول الله تبارك وتعالى: يا عبدي أبوك هو؟ فيقول: لا وعزتك.

ورواه البزار (9864) عن ميمون بن الأصبغ عن آدم بن أبي إياس به.

ثم قال البزار: وهذا الحديث لا نعلم رواه عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، إلا حماد بن سلمة.

وروي من طريق أخرى عن حماد بن سلمة، رواه الطبراني في الأوسط (3599) حدثنا زكريا بن يحيى الساجي قال: نا هدبة بن خالد قال: نا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن عبد الله بن رباح الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم .

وحدثنا زكريا بن يحيى الساجي قال: نا هدبة بن خالد قال: نا حماد بن سلمة عن أيوب وهشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة فيما يحسب حماد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: يلقى الرجل أباه يوم القيامة فيقول: يا أبتاه أي ابن كنت لك؟ قال: خير ابن. قال: هل أنت مطيعي اليوم بشيء آمرك به؟ فيقول: نعم. فيقول: خذ بيدي. فيأخذ بيده فينطلق به حتى يأتي الرب تبارك وتعالى وهو يعرض الخلق فيقول: ابن آدم ادخل من أي أبواب الجنة شئت. فيقول: أي رب وأبي معي فإنك وعدتني ألا تخزيني. فيعرض عنه تبارك وتعالى ويقبل على

الخلق يعرضهم، ثم يقبل عليه فيقول: ابن آدم ادخل من أي أبواب الجنة شئت. فيقول: أي رب وأبي معي فإنك قد وعدتني أن لا تخزيني. فيعرض عنه تبارك وتعالى ويقبل على الخلق فيعرضهم، فيقول: ابن آدم ادخل من أي أبواب الجنة شئت. فيقول: أي رب وأبي معي فإنك قد وعدتني أن لا تخزيني. فيمسخ الله أباه ضِبعانا أبجر أو أمجر، فيلقى في النار فيأخذ بأرنبته، فيقول: أبوك هذا؟ فيقول: لا وعزتك ما هذا أبي. قال محمد بن سيرين: فكنا نتحدث أنه إبراهيم.

قلت: ومدار هذه الطرق على حماد بن سلمة رحمه الله، وقد عابوا عليه أموراً، منها أنه يسند عن أيوب أحاديث لا يسندها غيره، ويجمع بين الرجلين في إسناد واحد، نصّ على هذين الحالين: الإمام أحمد، حيث قال في رواية حنبل: حماد بن سلمة يسند عن أيوب أحاديث لا يسندها الناس عنه(332) .

وفي حديث حماد بن سلمة عن أيوب وقتادة، عن أبي أسماء عن أبي ثعلبة الخشني، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «في آنية المشركين».

قال أحمد: هذا من قِبَل حماد، كان لا يقوم على مثل هذا، يجمع الرجال ثم يجعله إسناداً واحداً، وهم يختلفون(333) .

قلت: وقد تحقّق هذان الأمران في حديثنا، فحماد أسند عن أيوب ما لم يسنده غيره، وجمع في الإسناد الثاني بينه وبين هشام.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له

(إبراهيم): في إبراهيم لغات: إحداها إبراهيم بالألف والياء، وهو المشهور، وإبراهِم كذلك إلا أنه تحذف الياء، وإبراهام بألفين، وإبراهُم بألف واحدة وضم الهاء، وبكلٍّ قرئ، وهو اسم أعجمي معرفة، وجمعه أباره عند قوم، وعند آخرين براهم، وقيل فيه أبارهة وبراهمة(334) .

(آزر): قال الزجاج في قوله تعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ﴾(335) بالنصب والضم، فمن قرأ بالضم فعلى النداء(336) المعنى: يا آزرُ أتتخذ أصناماً، وليس بين النسَّابين خلاف أن اسم أبي إبراهيم «تارح»، والذي في القرآن يدلُّ على أن: اسمه آزر، وقيل

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

آزر عندهم ذمٌّ في لغتهم، كأنه: وإذ قال إبراهيم لأبيه يا مخطئ(337) أتتخذ أصناماً، وإذا كان كذلك فالاختيار الرفع، وجائز أن يكون وصفاً له، كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه المخطئ.

وقيل آزر اسم صنم، فإذا كان اسم صنم فموضعه نصب على إضمار الفعل، كأنه قال: وإذ قال إبراهيم لأبيه أتتخذ آزر إلها؟ أتتخذ أصناما آلهة؟(338) .

(قترة): القاف والتاء والراء أصل صحيح يدل على تجميع وتضييق، ومن الباب: القتر: ما يغشى الوجه من كرب، قال الله تعالى: وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾(339) قاله ابن فارس(340) وكان الخليل قد قال في كتاب العين: والقترة: ما يغشى الوجه من غبرة الموت والكرب، يقال: غشيته قترة وقتر، كله واحد، وأبو قترة: كنية

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إبليس، وابن قترة: حية لا ينجو سليمها(341)

قلت: وجاء في الرواية التي علّقها البخاري: (الغبرة والقترة، الغبرة هي القترة)، وفي قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «وعلى وجه آزر قترة وغبرة»، قال الطيبي: إنما أتى بالمظهر في قوله «على وجه آزر» صوناً عن توهِّم متوهِّم في ابتداء الحال أن الضمير لإبراهيم عليه الصلاة والسلام(342) .

(غبرة): الغين والباء والراء أصلان صحيحان، أحدهما يدل على البقاء، والآخر على لون من الألوان، فالأول غبر، إذا بقي، قال الله تعالى إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ﴾(343) والأصل الآخر الغبار سمي لغبرته، وهي لونه، والأغبر: كل لونٍ لونُ غبار(344) وهو: ما يبقى من التراب المثار، وجعل على بناء الدخان والعثار ونحوهما من البقايا، وقد غبر الغبار، أي: ارتفع، وقيل: يقال للماضي غابر، وللباقي غابر، فإن يك ذلك صحيحاً، فإنما قيل للماضي غابر تصوراً بمضـي الغبار عن الأرض، وقيل للباقي غابر تصوراً بتخلف الغبار عن الذي يعدو فيخلفه، ومن الغبار اشتق الغبرة: وهو ما يعلق

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بالشيء من الغبار وما كان على لونه، قال: وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ(345) كناية عن تغيُّر الوجه للغم، كقوله: ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا(346) يقال: غبر غبرة، واغبرَّ واغبار(347)

(ذيخ): الذال والياء والخاء كلمة واحدة لا قياس لها، قولهم للذكر من الضباع ذيخ، والجمع ذيَخة(348) ، مثل ديك وديكة(349) ، ويجمع أيضاً على: أذياخ وذيوخ، ويقال للأنثى: ذيخة(350) ، وتجمع على ذيخات، ولا يكسر(351) .

(ضبع): الضاد والباء والعين أصل صحيح يدل على معان ثلاثة، أحدها: جنس من الحيوان، والآخر: عضو من أعضاء الإنسان، والثالث: صفة من صفة النوق، فالأول: الضبع، وهي معروفة، والذكر: ضِبعان، وفي الحديث: «فإذا هو بضبعان أمدر»، ثم يستعار ذلك فيشبه السنة المجدبة به، فيقال لها: الضبع. وجاء رجل فقال: «يا رسول الله، أكلتنا الضبع»، أراد السَّنة التي تسميها العرب الضبع، كأنها

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تأكلهم كما تأكل الضبع. قال:

أبــــا خـــــــــــــــــــــراشة أمـــــــــــــــا أنت ذا نــــــــــفــــــــــــــــــرفـــــــــــــــــــــــإن قـــــــــــــــومي لم تأكلهم الضبع(352) ( 352 )

قلت: وقد نبّه الحريري على خطأ دارج على ألسن العوام وهو قولهم: «الضبعة العرجاء»، فقال: وهو غلط، ووجه الكلام أن يقال: الضبع العرجاء، لأن الضبع اسم يختص بأنثى الضباع، والذكر منها ضبعان، ومن أصول العربية أن كل اسم يختص بجنس المؤنث مثل حجر وأتان وضبع وعناق، لا تدخل عليه هاء التأنيث بحال، وعلى هذا جميع ما يستقرى من كلام العرب، وفي مسائل الضبع مسألة لطيفة قل من اطلع على خبئها وانكشف له قناع سرها، وهي أن من أصول العربية التي يطرد حكمها، ولا ينحل نظمها؛ أنه متى اجتمع المذكر والمؤنث غلب حكم المذكر على المؤنث لأنه هو الأصل، والمؤنث فرع عليه، إلا في موضعين: أحدهما أنك متى أردت تثنية الذكر والأنثى من الضباع، قلت: ضَبعان، فأجريت التثنية على لفظ المؤنث الذي هو ضبع، لا على لفظ المذكر الذي هو ضبعان»(353) .

شرح مختصر للحديث:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يخبرنا نبيُّنا صلى الله عليه وآله وسلم عن مشهد عظيم، سيحدث يوم القيامة، أمام من شاء الله من خلقه، يكون بين إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأبيه آزر الذي كفر بدعوته في الحياة الدنيا، وذلك حينما يرى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أباه في صورة مزرية، وقد علا وجهه القتر والغبار، فيذكِّره إبراهيم عليه الصلاة والسلام بحاله في الدنيا، وهو يرفض دعوته إلى دين الله عز وجل، ويصرُّ على الكفر بالله العظيم، وعندها يندم أبوه ويعده أنه لن يعصيه في ذلك اليوم العظيم، فيلجأ إبراهيم عليه الصلاة والسلام لربه سبحانه وتعالى الذي وعده بأنه لن يخزيه يوم القيامة، ويعوِّل إبراهيم عليه الصلاة والسلام على هذا الوعد، في طلب الشفاعة والنجاة لأبيه، لكن الله سبحانه وتعالى يبيّن له أن الجنة حرام على الكافرين، ثم يمسخ الله عز وجل أبا إبراهيم ذيخاً قبيحاً متلطّخاً بالقاذورات، ثم يأمر به فيقذف في نار جهنم، نسأل الله السلامة والعافية.

المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها

إن الناظر في هذا الحديث يرى أن من الذين اعترضوا عليه، بعض المشتغلين بهذا العلم، وهو الحافظ الإسماعيلي، الذي نقل اعتراضه الحافظ ابن حجر قائلاً: وقد استشكل الإسماعيلي هذا الحديث من أصله وطعن في صحته، فقال بعد أن أخرجه: هذا خبر في صحته نظر؛ من جهة أن إبراهيم عَلِم أن الله لا يخلف الميعاد، فكيف يجعل ما صار لأبيه خزياً مع علمه بذلك(354) ؟ اهـ.

وقد اعترض صاحب القول الصراح وهو المسمّى بشيخ الشـريعة الأصبهاني على هذا الحديث اعتراضاً طويلاً، أتى في هذا الاعتراض بكلِّ ما خطر على باله من شبه، ولمَّا كان من شرطي أن أذكر شبه القوم، ولو طالت، سأذكر كلامه بطوله مفوِّضاً أمري إلى الله ثم أشرع بالردِّ عليه مستعيناً بالله عز وجل، حيث قال شيخ الشريعة بعد سياقه

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

للحديث: ولا يخفى ما في هذا الافتراء من غاية الإزراء بشأن إبراهيم؛ ومخالفته لنصّ الكتاب الكريم:

أما أولاً: فلخطئه في اعتقاد أن تعذيب أبيه خزيٌ له، بل خزيٌ أعظم، وأيُّ خزيٍ أعظم من هذا! فإن ذلك مما لا يتخيّله من له أدنى عقل ودراية فضلاً عن النبي المعصوم المبعوث للهداية.

وثانياً: للجهل بالمراد من وعده تعالى بأن لا يخزيه.

وثالثاً: مخالفته للدلائل العقلية الدالة على المنع من الاستغاثة للمشركين؛ من بعد ما تبيّن لهم أنهم أصحاب الجحيم، قال الرازي في تفسيره: «وسبب هذا المنع ما ذكره الله تعالى في قوله: ﴿ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ(355) ﴾ وأيضاً قال: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ(356) ﴾ ، والمعنى أنه تعالى لما أخبر عنهم أنه يدخلهم النار، وطلب الغفران لهم جار مجرى طلب أن يخلف الله وعده ووعيده، وأنه لا يجوز.

وأيضاً، لما سبق قضاء الله تعالى بأنه يعذبهم، فلو طلبوا غفرانه لصاروا مردودين، وذلك يوجب نقصان درجة النبي وحطّ مرتبته.

وأيضاً أنه قال: ﴿ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾(357) ، وقال عنهم ﴿ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ(358) ﴾ ، فهذا الاستغفار يوجب دخول الخلف في أحد هذين النصين وأنه لا يجوز»(359) .

ورابعاً

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والكلام ما زال لشيخ الشريعة مخالفته لأمر الله تعالى؛ بل إصراره على المخالفة حيث لم ينته بنهي الله تعالى إيّاه في الدنيا عن الاستغفار، وصرَّح بممنوعيته عن الاستغفار لأبيه الفخر الرازي في تفسيره في قوله تعالى وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ(360)

وخامساً: بمنافاة هذه الرواية لقوله تعالى ﴿ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾(361) ، قال العسقلاني: «قد استشكل الإسماعيليُّ هذا الحديث من أصله وطعن في صحته، فقال بعد أن أخرجه: هذا حديثٌ في صحته نظر، من جهة أن إبراهيم عالم بأن الله لا يخلف الميعاد، فكيف يجعل ما بأبيه خزياً له مع علمه بذلك.

وقال غيره(362) هذا الحديث مخالف لظاهر قوله تعالى: وَمَا كَانَ ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾(363) قال: والجواب عن ذلك، أن أهل التفسير اختلفوا في الوقت الذي تبرّأ إبراهيم فيه من أبيه، فقيل: كان ذلك في الحياة الدنيا لما مات مشركاً، وهذا الوجه للطبري من طريق حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وإسناده صحيح، وفي الرواية: فلمّا مات لم يستغفر له. ومن طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس نحوه، قال: استغفرَ له ما كان حيّاً، فلمّا مات أمسك. وأورد أيضاً، من طريق مجاهد وقتادة وعمرو بن دينار نحو

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ذلك(364)

وقيل: إنّما تبرّأ منه يوم القيامة لما آيس منه حين مُسخ، على ما صرّح به في رواية ابن المنذر التي أشرت إليها، وهذا أخرجه الطبري أيضاً من طريق عبد الملك بن أبي سليمان: سمعت سعيد بن جبير يقول: إن إبراهيم يقول يوم القيامة: ربّ والدي، فإذا كانت الثالثة أخذ بيده، فيلتفت إليه وهو ضبعان فيتبرّأ منه.

ومن طريق عبيد بن عمير قال: يقول إبراهيم لأبيه: إني كنت آمرك في الدنيا فتعصيني ولست تاركك اليوم، فخذ بحقوتي فيأخذ بضبعيه فيمسخ ضبعاً، فإذا رآه إبراهيم مُسِخ تبرّأ منه(365) .

ويمكن الجمع بين القولين بأنه تبرّأ منه لما مات مشركاً، فترك الاستغفار لكن لما رآه يوم القيامة أدركته الرقة والرأفة فسأل فيه، فلمّا رآه مسخ يئس منه حينئذ وتبرّأ تبرّياً أبديّاً.

وقيل: إن إبراهيم لم يتيقّن موته على الكفر، لجواز أن يكون آمن في نفسه ولم يطلع إبراهيم على ذلك، ويكون وقت تبرِّيه منه بعد الحال التي وقعت في هذا الحديث»(366) .

ثم قال شيخ الشريعة بعد أن نقل كلام الحافظ ابن حجر بطوله: هذا غاية ما تشبّثوا به لدفع الطعن عن هذا الخبر وفسادها مما لا يخفى.

أما الأخير: الذي نسب إلى القيل: فيردُّه جميع

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رواياتهم التي أذعنوا بصحتها، منها: ما نقله العسقلاني وقال: إسناده صحيح، ومنها: ما أورده في الدر المنثور، قال: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله: قال تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ﴾(367) حين مات وعلم أن التوبة قد انقطعت منه. وأخرج الفريابي وابن خزيمة وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وأبو بكر الشافعي في فوائده والضياء في المختارة عن ابن عباس قال: لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى مات، فلمّا تبيّن له أنه عدوّ لله فتبرّأ منه، يقول: لما مات على الكفر(368)

ثم تابع شيخ الشريعة قائلاً: وأما ما ذكره بقوله: ويمكن الجمع، فلا معنى محصل له، لأن مناط الإشكال على أن إبراهيم بعد علمه بأنه كان مشركاً ومات عليه، كما سلّمه في هذا الجواب، كيف استغفر له ويشفع فيه مع علمه بأنه تعالى لا يخلف الميعاد؟ فإن أراد العسقلاني من قوله: لما رآه أدركته الرقة، بيان داعي الاستغفار فهو من قبيل أصوات الحيوانات التي تصدر من غير ارتباط، حيث أن الكلام والإشكال في عدم جواز الاستغفار، فالجواب عنه ببيان داعيه كما ترى، وإن أراد أن الرقة والرأفة يجوز ارتكاب المنهي عنه، فهو مما لا يتفوّه به عاقل فضلاً عن فاضل، وكيف لا يلتزم به في تجويز جميع الشنائع والقبائح والفسق والزنا واللواط، فلو زنى أحد بامرأة شابة دعته إلى الزنا من باب الرأفة والرقة لزمه الحكم بالجواز والإباحة؟!

ثم تابع شيخ الشـريعة تعقُّبه للحافظ ابن حجر، قائلاً:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأما كلامه الأول: فحاصله الاختلاف في أن وقت التبرِّي هل هو في الدنيا بعد موته أو في الآخرة بعد مسخه؟ وتخيّل أنه لو كان التبرِّي في القيامة لم يلزم قبح، ووجوه الفساد في هذا الكلام أيضاً واضحة، أما أولاً:

فلأن صريح كتاب الله وقوع التبري من إبراهيم حيث قال: ﴿ تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾(369) ، وأتى بصيغة الماضي الفعلين جميعاً، وصرْفُ اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز من غير دليل غير جائز.

وثانياً: إن من الواضح تعدُّد الروايات على وقوع التبرِّي في الدنيا، وفيها باعتراف العسقلاني بصحته، وهي موافقة لظاهر القرآن، والروايات المخالفة أقل عدداً، غير موصوفة بالصحة، مخالفة لظاهر القرآن، ومن البيّن ترجيح الأولى فيزيد الإشكال لا أنه يندفع.

ثالثاً: أنه على فرض ترجيح الروايات الثانية يندفع الإشكال الأخير الذي ذكره غير الإسماعيلي.

وأما الأول: فباق مجاله، حيث أن مناطه ليس على المخالفة لظاهر الآية، بل على أن إبراهيم بعد ما علم شرك آزر، وعلم أن الله لا يخلف الميعاد كيف جعل ما بأبيه خزياً له؟

ورابعاً: أن الأقوال الأخيرة التي نقلها عن سعيد بن جبير وعبيد الله بن عمير لا يدل على أن المراد من التبري في الآية هو التبري في الآخرة، فإنّهما اقتصرا على ذكر قصة إبراهيم من غير أن يفسِّرا الآية

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بذلك.

وخامساً: أن هذه الأقوال والروايات بعينها مما يستشكل فيها الإسماعيلي وغيره، إذ هي مثل ما في البخاري، ويرد عليها ما يرد عليه من طعن في حديث البخاري كيف لا يطعن عليها، وهل هذا إلاّ مثل أن يجاب عن الإشكال بإعادة حديث البخاري.

سادساً: أنه لو حمل حديث التبرِّي يوم القيامة، اختل نظم الآية، وفات ما هو المقصود المهم منها، إذ الغرض منها أن إبراهيم مع كونه أوّاهاً حليماً موصوفاً بشدّة الرقّة والشفقة لَمَّا تبيّن له كفر أبيه تبرّأ منه ولم يستغفر له، والمؤمنون أولى بأن لا يستغفروا للمشركين، ولهذا ذكر هذه الآية عقيب قوله: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوٓا۟ أُو۟لِى قُرْبَىٰ﴾(370) ، قال الرازي في تفسيره في توصيف إبراهيم؛ بالأوّاه والحليم ما لفظه: «اعلم أنه تعالى إنما وصفه بهذين الوصفين في هذا المقام، لأنه تعالى وصفه بشدّة الرقّة والشفقة والخوف والوجل، ومن كان كذلك فإنه لعظيم رقّته على أبيه وأولاده، فبيّن تعالى أنه مع هذه العادة تبرّأ من أبيه وغلظ قلبه عليه لَمّا ظهر له إصراره على الكفر، فأنتم بهذا المعنى أولى، ولذلك وصفه أيضاً بأنه حليم، لأن أحد أسباب الحلم رقة القلب وشدّة العطف، لأن المرء إذا كان حاله هكذا اشتدّ حلمه عند الغضب»(371) .

وأنت خبير بأن هذا الكلام إنما يتم لو كان المراد التبرِّي في الدنيا، إذ لو كان تبرِّيه منه في الآخرة مع استغفاره له في الدنيا حتى بعد موته،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لم يكن هذا ممّا يوجب امتناع المؤمنين عن الاستغفار لأقربائهم من المشركين، بل كان مؤيِّداً لجوازه، إلى غير ذلك من وجوه الفساد في هذا الكلام(372) اهـ كلام شيخ الشريعة مع ما تضمَّنه من نقل كلام الحافظ ابن حجر والفخر الرازي.

قلت: ومن المعاصرين المعترضين على هذا الحديث: الميلاني إذ يقول: وعلى الجملة، فإنّه بعد العلم بأنّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان ممنوعاً من هذا الاستغفار، وأنّه قد تبرّء منه، لا يستريب مسلمٌ في أنّ حديث البخاري موضوع(373) !

ملخص هذه الشبه:

عند النظر في الكلام السابق، نرى أن شبه منكري الحديث تتركز حول النقاط الآتية:

كيف يكون تعذيب أبي إبراهيم المشرك خزياً لإبراهيم عليه الصلاة والسلام وإبراهيم عليه الصلاة والسلام إنما علم بشركه وموته على ذلك؟ لا مسوِّغ لإبراهيم عليه الصلاة والسلام أن يستغفر للمشرك، ولو كان المشـرك أباه، وما ادعي بأن إبراهيم رقَّ قلبه عند رؤية أبيه مردود، وإلا لاحتج كلُّ من أراد أن يفعل منهياً عنه، بالرقة والرأفة. أن

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

القرآن صرّح بأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد تبرَّأ فعلاً من أبيه، وجاء بصيغة الماضي إلا أن هذا الحديث ينُصُّ على أن هذا الأمر سيكون في المستقبل. أن استغفار إبراهيم لأبيه يعدُّ معارضة لنهي الله عز وجلّ عن ذلك، وهذا لا يليق أن يصدر من خليل الله.

الردُّ على هذه الشبه:

قلت: هذا ملخّص لأهم الشبه التي طرحت، وأغلبها من المظفّر، لكن ليس كلُّ ما ذكره يستحق ردّاً، أو قل: ليس كلُّ ما ذكره يستحق ردّاً مطوّلاً، كادعائه أن هذا الحديث يظهر جهل إبراهيم عليه السلام بمعنى وعد الله له أن لا يخزيه، والجواب عليه أن يقال: إن إبراهيم عليه السلام هو أعلم الناس بشرع الله عز وجل، وهو لم يجهل معنى هذا الوعد، لكنه ظنَّ أن عموم وعد الله له بأن لا يخزيه يتضمّن نجاة أبيه، ثم لما تبيّن له أن الله حرّم الجنة على الكافرين تبرّأ من أبيه، وهذا تماماً ما حصل مع نوحٍعليه السلام، حينما ظنّ أن ابنه يدخل في عموم أهله الذين وعد الله بإنجائهم، بقوله سبحانه له: حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلْنَا ٱحْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ(374) وقال سبحانه في الآية الأخرى: فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ ٱلْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾(375) مع ملاحظة أن في الآية الثانية ورد النهي

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

صريحاً لنوح عليه السلام أن لا يسأل ربه النجاة لأحدٍ من الذين ظلموا، لأن الله قضـى عليهم بالغرق، وبدهيٌّ جداً أن يكون الذين أنجاهم الله ليسوا من الظالمين، وأن الذين قضى الله عز وجل عليهم بعدم ركوب السفينة مع نوحٍ هم الظالمون، ومنهم ابنه، الذي تخلّف عن ركوب السفينة، بل ورفض الامتثال لأمر أبيه في ذلك الكرب الشديد، ومع ذلك سأل نوحٌعليه السلام النجاة له قائلاً: رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَٰكِمِينَ﴾(376) فبيّن له سبحانه وتعالى أنه ليس من أهله، ونهاه عن مثل هذا السؤال.

وعلى هذا، فيقال: إن قيل: إن هذا الحديث يثبت جهل إبراهيم عليه السلام بمعنى موعود ربه سبحانه وتعالى، فكذلك لا بد أن يقال هذا في حقِّ نوحٍعليه السلام، ولو التزم الخصم هذا، فعليه أن لا يرى حرجاً في كلا الحالتين، وإن قيل: بأن نوحاًعليه السلام لم يجهل معنى وعد الله له بإنجاء أهله، وإنما ظنّ أن هذا الوعد يشمل ابنه، فكذلك يقال في حقِّ إبراهيم عليه السلام، ومن فرّق بين المتماثلات أضحك الناس على عقله، والحمد لله رب العالمين.

وأما بالنسبة لتهويل المظفّر الآخر، وهو أن سؤال إبراهيم عليه السلام النجاة لمن حقَّ عليه العذاب، لهو سؤال ما لا يستجاب له به، وهذا يجعله من ضمن المردودين غير مستجابي الدعاء، فيقال في الجواب عليه ما قيل تماماً في الوجه السابق، وهو: قياس ما حصل لإبراهيم عليه السلام على ما حصل من نوحٍعليه السلام، فكلاهما سأل سؤالاً لم يُجب إليه، الأول

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

في حقِّ أبيه، والثاني في حقِّ ابنه، ومع ذلك، فلم يقل أحدٌ من المسلمين بأن هذا عاد على منزلة النبيِّين الكريمين بسوء، أو جعلهما من المردودين.

وبعد ذلك، نعود إلى استعراض أهم الشبه، ونبدأ بكلام الإسماعيلي، ثم نقوم بالردِّ عليه ردّاً يتضمّن الشبه التي ذكرها المظفّر، حيث اشتركا في إنكار جواز صدور هذا السؤال من إبراهيم عليه السلام، فأقول معتمداً على الله الواحد القهار:

قام استشكال الإسماعيلي على أن ما جاء في الحديث يخالف ما كان قد استقر عند إبراهيم عليه الصلاة والسلام من أن أباه سيكون من المخلَّدين في نار جهنم، لكون الله لا يخلف الميعاد، وقد توعّد الله المشركين بالخلود في نار جهنم، فكيف عدّه إبراهيم عليه الصلاة والسلام خزياً مع علمه المسبق بوقوع ذلك؟

والجواب على هذا أن يقال: ما بمثل هذا تردُّ الأحاديث، ولو تمهّل الإسماعيلي قليلاً، وبحث، لوقف على ما يجلِّي له الأمر، ويصرف عنه الشبهة، ومثل هذه الشبه لا تليق أن تصدر ممّن هو أقل من الإسماعيلي علماً وديانةً، وممارسةً لكتاب البخاري، فهو من أكثر الناس اشتغالاً بصحيح البخاري، ويُعدُّ مستخرجه على صحيح البخاري أشهر المستخرجات، أو من أشهرها، وهو من الذي اشتهروا بالعقيدة السليمة، وله مصنّف نصر فيه معتقد أهل السنة والجماعة(377) ومع ذلك

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فقد استشكل الإسماعيلي مواطن في الصحيح، لم يكن الحقُّ فيها معه، ذكر ذلك عنه الحافظ ابن حجر في غير موطن من الصحيح، وأجاب عن اعتراضاته في بعض المواطن، ولم يتعقَّبه في أخرى، وهي التي تتعلّق بأسماء الله وصفاته، والحق فيها خلاف قول الإسماعيلي، وإقرار الحافظ ابن حجر له، وليس هذا موطن تفصيل، إذ تكفي الإشارة إلى تلك المواطن(378) وقد ذكر القاضي ابن العربي المالكي في كتابه

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

العواصم قصة مفادها: أن أبا بكر الإسماعيلي الحافظ بعد أن أمضى زمناً طويلاً في دراسة الحديث والتأليف به، ورافق ذلك بغضه لعلم الكلام وأهله، اضطر بعد ذلك لمناظرة أحد الإسماعيلية الباطنية، ولم يكن أي الإسماعيلي الحافظ من أهل مثل هذه المناظرات، فكاد أن ينسحب من المناظرة، لكنه تذكَّر مناقشةً حصلت أمامه بين اثنين من أهل الكلام، اتفقا من خلالها على أن من أراد أن

يغلب الباطني في مناظرته، فليسأله: لم؟ ففعل ذلك الإسماعيلي الحافظ في مناظرته للباطني، فبهت الذي كفر، وأظهر الله الإمام الإسماعيلي عليه، فلما رأى الإسماعيلي ذلك، تيّقن بفضل تعلّم علم الكلام وتعليمه، فجعل يحثُّ على ذلك، فقال: فخرجت من ذلك، وأمرت بقراءة علم الكلام، وتحققت أنه عمدة من عمد الإسلام(379) .اهـ.

فأقول: إن صحّت هذه القصة بتفاصيلها، فقد يقول قائل: إن اعتراضات الإسماعيلي على بعض أحاديث الصحيح، سواء منها ما كان متعلِّقاً بالأسماء والصفات، أو غير ذلك، إنما كانت في فترة متأخرة من حياته، بعد أن التفت إلى علم الكلام، لأن غالب هذه الاعتراضات إنما تقوم على ما قرّره علماء الكلام في باب الأسماء والصفات الإلهية، ولعل هذا ما حمل بعض أئمة السلف من التحذير من حضور مجالسه(380) ، والأمر يحتاج إلى مزيد بحث، وإنما ذكرت هنا ما يناسب المقام، والله تعالى أعلى وأعلم.

ولنعد إلى ما يتعلّق بحديثنا، وما أُورد عليه من شبه، فنقول: أما

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الجواب على ما أشكل على الحافظ الإسماعيلي فهو من وجوه:

الوجه الأول: التفريق بين الخبر والمعاينة، فسماع المرء بالشيء لا يساوي في تأثيره رؤيته له، وإن كان متيقِّناً بوقوعه، وهذا شيء مجرَّب معلوم يصعب إنكاره وعدم الإقرار به، فالمريض المشـرفُ على الموت، يبقى مَن حوله في دائرة الصبر والتحمُّل ما دام على حاله هذه، فإذا مات أحسَّ من فَقده بالحزن الشديد والمرارة لفقده، مع أن الأمر كان متيقَّناً لهم، وعلى هذا، فعلم إبراهيم عليه الصلاة والسلام بشرك أبيه واستحقاقه بذلك الخلود في النار، لم يمنعه من الحزن عليه، وحزنُه عليه دفعه إلى طلب المغفرة لأبيه، والشفاعة له.

ولهذا عَدَّ إبراهيم عليه الصلاة والسلام ما سيحصل لأبيه نوعاً من أنواع الخزي، بل من أعظمها، لكون هذا المستحق للخلود في نار جهنم: أباه، فأراد ربُّه سبحانه وتعالى أن يمضي وعده في تحريم الجنة على الكافرين، وأراد سبحانه وتعالى مع ذلك، صرف الأذى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام فمسخ أباه ضبعاً قبيح المنظر، حتى لا يعاب إبراهيم بمصير أبيه، أمام أهل الموقف، ولعل هذا هو أظهر المعاني في السبب الذي من أجله مُسخ أبو إبراهيم عليه الصلاة والسلام والله أعلم، وفي هذا المعنى يقول الكرماني: فإن قلت: إذا أدخل الله أباه النار فقد أخزاه، لقوله: إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ(381) وخزي الوالد خزي الولد، فيلزم الخلف في الوعد؛ وهو محال، قلت: ولو لم يدخل النار لزم الخلف في الوعيد، وهذا هو المراد بقوله: حرَّم الجنة

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

على الكافرين، وقد تقدّم في كتاب الأنبياء أنه يمسخ إلى صورة ذيخ بكسر المعجمة الأولى وسكون التحتانية أي ضبع، ويلقى في النار حيث لا تبقى له صورته التي هي سبب الخزي، فهو عمل بالوعد والوعيد كليهما(382)

الوجه الثاني: هو عدم إجماع العلماء على أن براءة إبراهيم عليه السلام من أبيه كانت في الدنيا، فبعض أهل العلم يرى أن براءة إبراهيم من أبيه إنما كانت في عرصات يوم القيامة، روي هذا عن سعيد بن جبير، إذ يقول: إن إبراهيم يقول يوم القيامة: رب والدي، رب والدي، فإذا كان الثالثة أخذ بيده، فيلتفت إليه وهو ضبعان فيتبرأ منه.

ونحوه عن عبيد بين عمير(383) إذ يقول في سياق خبر طويل: يقول إبراهيم لأبيه: إني آمرك في الدنيا فتعصيني ولست تاركك اليوم، فخذ بحِقوي فيأخذ بضبعيه، فيمسخ ضبعاً، فإذا رآه قد مسخ تبرأ منه»(384) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد يساعد في إثبات هذا الوجه ما جاء في كتاب الله عز وجل من قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : ﴿رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ﴾(385) ، إذ أن دعاءه عليه الصلاة والسلام جاء بعد حمده ربه سبحانه وتعالى أن وهب له على الكبر إسماعيل وإسحاق، وهذا كان في مرحلة متأخرة من عمره عليه الصلاة والسلام ، ولا بد أن يكون أبوه قد توفي من زمن طويل، وعلى هذا فقد يقال: إن سوء خاتمة أبيه كانت قد خفيت عليه، فواصل إبراهيم الدعاء لأبيه بالمغفرة، حتى إذا قامت القيامة واجتمع الناس وعرضوا على ربهم، علم إبراهيم حال أبيه على الحقيقة، فتبرَّأ منه على رؤوس الأشهاد، بعد أن بيّن له الله عز وجل أنه حرّم الجنة على الكافرين، وهذا الوجه قد قال به بعض أهل العلم(386) ، فيكون موافقاً لما ورد معنا في حديثنا.

وأما ردُّ هذا الوجه بادعاء أن آية البراءة جاءت بصيغة الماضي، أعني قوله تعالى فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوٌّ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾(387) وهذا يعني أن هذا الأمر مضى وانقضى، ولو كان مما سيحصل يوم القيامة لجاء بغير صيغة الماضي، فجوابه: أن أحداثاً كثيرة مما ستحدث في الأزمان القادمة، ومنها يوم القيامة، ذكرت في كتاب الله عز وجل

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بصيغة الماضي، كقوله تعالى: وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِى وَأُمِّىَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبْحَٰنَكَ(388) الآية بطولها، وكذا قوله تعالى عن أهل الجنة: وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ وَقَالُوا۟ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ ٱلَّذِى هَدَىٰنَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلَآ أَنْ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلْحَقِّ وَنُودُوٓا۟ أَن تِلْكُمُ ٱلْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(389) وكذا في الآيات التي تليها من مناداة أهل الجنة أهل النار، ومخاطبة أهل الأعراف لكل من أهل الجنة وأهل النار، ثم مناداة أهل النار لأهل الجنة، كلُّها جاءت في صيغة الماضي، وكلُّ ذلك سيحصل يوم القيامة، وقل مثل ذلك في قوله تعالى: أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾(390) وغيرها من الآيات كثير، كلها تخبر عن أمور ستحصل في الزمان القادم، ومع ذلك فقد جاءت في كتاب الله عز وجل بصيغة الماضي، والمراد من ذلك والله أعلم: تحقيق وقوع هذا الأمر، كما قال ذلك أهل التفسير.

الوجه الثالث: إمكانية الجمع بين القولين السابقين، بحيث يؤدي إلى معنى متآلف غير متخالف، يقوم على تكرار البراءة من إبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه، فتبرَّأ منه مرّة في الدنيا وأخرى في الآخرة، وهذه طريقة الحافظ ابن حجر في التعامل مع النصوص الواردة المتعارضة في الظاهر، حيث قال بعد أن ذكر القولين السابقين: ويمكن الجمع بين القولين: بأنه تبرّأ منه لما مات مشركاً، فترك الاستغفار له، لكن لما رآه

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يوم القيامة أدركته الرأفة والرقة فسأل فيه، فلما رآه مُسخ يئس منه حينئذ فتبرأ منه تبرءً أبدياً(391) .اهـ كلام الحافظ رحمه الله.

الوجه الرابع: أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام كان يطمح في تخفيف العذاب عن أبيه، لا في جعله من أهل الجنة، لأن الجنة لا يدخلها كافر، وقد قال بهذا الوجه الشاه الكشميري، ووجّه ذلك بقوله: ثبت عندي أن الشفاعة تنفع في الكفار أيضاً، غير أنها لا تفيد النجاة وإن أفادت تخفيفا في العذاب. وحينئذ جاز له أن يشفع لأبيه، كما أن أبا طالب يخفف له في العذاب ببركة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيجعل في ضحضاح من النار(392) .

قلت: وعوداً على الوجه الأول، والذي أراه أقواها في توجيه هذا الحديث الشريف فأقول: لست أرى ما حصل من إبراهيم عليه الصلاة والسلام مخالفاً لما حصل من نوحٍ عليه الصلاة والسلام فكلٌّ منهما طلب المغفرة لمن مات يقيناً على الكفر، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام في عرصات يوم القيامة، ونوح عليه الصلاة والسلام في الحياة الدنيا، وذلك بعد أن شاهد بعينيه مهلك ابنه، الذي أعرض عن الاستجابة لدعوته، قائلاً سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ﴾(393) وبقي مصّراً على كفره في أشد

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأحوال وأصعبها عليه، وهذا ما لم يصدر من أعتى الجبابرة كفرعون، الذي قال حينما أطبق عليه البحر، وأدركه الغرق: ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ(394) ومع ذلك فإن نوحاً عليه الصلاة والسلام دعا ربَّه عز وجل لابنه قائلاً: رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى وَإِنَّ وَعْدَكَ ٱلْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ ٱلْحَٰكِمِينَ(395) فردَّ الله عز وجل عليه بقوله: يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَٰلِحٍ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ(396) وما صدر من إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا يخالف ما حصل هنا بالعموم، والتفاصيل المختلفة بين الخبرين، قد يكون العذر فيها أوضح لإبراهيم عليه الصلاة والسلام منه لنوح عليه الصلاة والسلام ذلكم، أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قد سأل ما سأل بعد طول غياب عن أبيه، وفي عرصات القيامة التي لا يشابهها شيء من صعاب الدنيا، فلما رأى ما رأى وهو الأوّاه الحليم رقّ قلبه لأبيه أقرب الناس إليه، فتمنَّى له النَّجاة، بخلاف نوحٍ عليه الصلاة والسلام فإنه سأل النجاة لابنه مع قرب عهده بإصرار ابنه على الكفر، وهو ما زال في الدنيا لم ينتقل إلى يوم القيامة ويعاين ما سيتعرّض له الكفّار من عذاب أليم، فسأل ربَّه ما سأل، ومع ذلك، فما تجاوز الأمر عتاب الله عز وجل له، وبيان حقيقة الأمر من كون ابنه لا يستحق النجاة، ثم وعظه سبحانه أن يكون من الجاهلين، وأما في حالة إبراهيم فإن الله سبحانه وتعالى لعلوّ منزلة إبراهيم عليه الصلاة والسلام وحتى لا يُنسب له الشين ولو من طرف بعيد، مسخ اللهُ أبا إبراهيم إلى صورة الضبع الكريهة، وأُلقي في النار، وذلك بعد أن

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مسخ مَسخاً كاملاً إلى هذه الصورة القبيحة التي أزالت كلّ رقة ورأفة من قلب إبراهيم عليه الصلاة والسلام(397)

ولا ننسى أن من تمام حلم إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه قال في حقِّ من أعرض عنه: وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(398) ومعلوم أن المراد هنا ليس مجرّد المعصية التي قد تصدر من الموحدِّين، كلاّ، بل هي الكفر البواح المخالف لملة إبراهيم الحنيفية، ومع ذلك، فقد دعا إبراهيم عليه الصلاة والسلام

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بما دعا به في كتاب الله عز وجل.

ولم يكن هذا الأمر خاصاً بكلٍّ من نوحٍ وإبراهيم عليه السلام، بل هذا نبي الله عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام ، يدعو بمثل هذا الدعاء الكريم الذي ذكره لنا ربنا سبحانه وتعالى في كتابه العزيز، وهو قوله: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾(399) ، ويدعو به في عرصات يوم القيامة، تماماً مثل ما حصل من إبراهيم عليه الصلاة والسلام في حقِّ أبيه.

ولعظم هذه الآية الكريمة، وما تنطوي عليه من معان كريمة تظهر انفراد الله عز وجل بتقرير مصير عباده، مع الإشارة إلى سعة رحمته الصادرة من تمام عزته وكمال حكمته، سبحانه، قام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الآية يتلوها ويكرِّرها ولا يتجاوزها ليلة كاملة(400) .

بل، ما هو أقرب من ذلك في تمام الموافقة لمقصد عيسى عليه الصلاة والسلام فإن نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم سيتلو هذه الآية في عرصات يوم القيامة، وذلك حينما يرى أناساً من أمَّته يُؤخذ بهم للعذاب، ويبيّن له صلى الله عليه وآله وسلم أنهم ما زالوا مرتدين على أعقابهم منذ تركهم، فيقول ما قاله عيسى عليه الصلاة والسلام من تفويض أمرهم له سبحانه لا لغيره، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «تحشرون حفاةً، عراةً،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

غرلاً، ثم قرأ: كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُۥ وَعْدًا عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَٰعِلِينَ﴾(401) فأولُّ من يُكسى إبراهيم، ثم يؤخذ برجال من أصحابي ذات اليمين وذات الشمال، فأقول: أصحابي، فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم، فأقول كما قال العبد الصالح عيسى ابن مريم: وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِى كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾(402)(403)

وما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم هذا إلا تعويلاً منه على رحمة الله عز وجل في هذا اليوم العصيب، الذي يغضب الله عز وجلّ فيه غضباً لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، ومع ذلك يقول نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، ويقول عيسى عليه الصلاة والسلام ذلك، ويقول إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذلك، خلال سعيه من أجل فكاك أبيه من الخلود في نار جهنم.

بل من تمام رحمة نبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم واقتدائه في ذلك بسلفه من أنبياء الله تعالى، أنه تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ ٱلنَّاسِ فَمَن تَبِعَنِى فَإِنَّهُۥ مِنِّى﴾(404) الآية، وقال عيسى عليه الصلاة والسلام إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ﴾(405) فرفع يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي»، وبكى، فقال الله عز وجل: «يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله: ما يبكيك؟» فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بما قال، وهو أعلم، فقال الله: «يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك، ولا نسوؤك»(406)

وهذه النصوص وما شابهها تظهر مقدار ما اتفقت عليه مشاعر صفوة الخلق، من تمام الرحمة والرأفة بعباد الله، حتى المخالفين لهم، وسيرةُ نبينا صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك أكبر شاهد، فهو الذي وصل به الحرص على إيمان الكفار إلى قول الله تعالى له: ﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ﴾(407) وقوله تعالى: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا۟ بِهَٰذَا ٱلْحَدِيثِ أَسَفًا(408) ﴾ وهو صلى الله عليه وآله وسلم الذي مرّ على قبر أمِّه فبكى وأبكى من حوله، فلما سُئل عن ذلك، قال: استأذنت ربِّي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت(409) .

وما صدر من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم هنا، هو عين ما صدر من إبراهيم عليه الصلاة والسلام في عرصات يوم القيامة، فكلاهما طلب المغفرة لمن مات كافراً، نبيُّنا صلى الله عليه وآله وسلم لأمِّه، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام لأبيه، فإن اعترض البعض بأن هذا الحديث لا يصحّ، لكونه يخالف ما استقر عندهم من إيمان أبوي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فالجواب أن يقال لهم: ما الذي يمنع وقوع ذلك؟ وقد جوّزتم؛ بل وأكدّتم كفر أبي إبراهيم، وسوغتم ذلك وما رأيتموه منكراً من القول وزوراً، ثم أنكرتم أن يكون هذا جائزاً سائغاً في

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حقِّ أبوي النبي صلى الله عليه وآله وسلم فإن قلتم: بأنَّ كفر أبي إبراهيم إنما نصّ عليه القرآن، قلنا: وكذلك نصّ القرآن على ما مرّ معنا من استغفار نوح عليه الصلاة والسلام لابنه الكافر، ودعاء كلٍّ من إبراهيم وعيسى عليه السلام لأقوامهم المخالفين لهم، وهذا كلُّه موافق لما صحَّ عن إبراهيم في الحديث الذي أخرجه البخاري، وأنكرتموه(410)

ولو نظرنا إلى تلك النصوص بهذه النظرة التي توافق الطبع البشري، الذي لا ينفك عن أحد منهم، لوفَّقنا بين النصوص المتعارضة في الظاهر، ولجمعنا ما لهذا النصِّ من نظائر، ثم لتأكدَّ لنا أن تلك الشبه التي أوردت، إنما هي من قبيل قصر النظر على نصٍّ، دون البحث عمّا يؤيده ويوافقه من نصوص الشريعة، وهذه طريقةٌ تؤدي إلى هدم كثير من النصوص، سواءً بردِّها أو بتأويلها، وأما إذا اعتبرنا أن ما جاء في هذا الحديث لا يعدو كونه صادراً من عاطفة جيَّاشة لإبراهيم عليه الصلاة والسلام في حقِّ أبيه، لم يستطع أن يصرفها عنه، وفعله هذا لم يكن بدعاً من الأفعال، فقد مرّ معنا نظيره من نوح عليه الصلاة والسلام بل ومن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في حقِّ أمِّه، بل وفي حقِّ الضالِّ من أمَّته، وربُّنا سبحانه وتعالى هو الذي خلق الخلق، وخلق فيهم هذه العاطفة، وهو سبحانه الذي يعذرهم فيما يبدر لهم من نحو ذلك، وقد عفا الله عز وجل

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عن بعض الأمور التي تصدر عن عاطفة محضة، ولا يستطيع الإنسان مهما أوتي من فضل وزكاة نفس أن يصرفها عنه، وذلك كالميل القليل إلى إحدى الزوجات دون غيرها، فيُعذر صاحبه في ذلك، قال تعالى: وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا۟ كُلَّ ٱلْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَٱلْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾(411) فيُفهم منه أن بعض الميل معفوٌّ عنه، وهو ما يناسب الطبيعة البشرية، ولا يكاد يخلو منه أحد، ولهذا رُوي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقسم أي بين نسائه فيعدل، ويقول: «اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك». أخرجه أبو داود وعقّب قائلاً: يعني القلب(412)

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المطلب الخامس: ذكر ما ترجم به المحدِّثون المخرِّجون لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه

ولننظر أخيراً فيما ترجم به أهل العلم لهذا الحديث عند إخراجهم له في كتبهم، ثم نُتبع ذلك بذكر شيءٍ من الفوائد المتعلِّقة بهذا الحديث الشريف:

تراجم المحدثين:

ترجم البخاري لهذا الحديث بقوله: باب قول الله تعالى: ﴿ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا﴾(413)(414) )( .

وترجم له في موطن آخر، فقال: ﴿ وَلَا تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ(415)(416) ﴾ )( .

وكذا ترجم له النسائي في الكبرى(417) .

وأخرج الحاكم هذا الحديث في المستدرك في باب: من كتاب قراءات النبي صلى الله عليه وآله وسلم مما لم يخرجاه، وقد صح سنده(418) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأخرجه البيهقي في كتابه البعث والنشور وترجم بقوله: باب ما جاء في المؤمن يُفدى بالكافر، فيقال: هذا فداؤك من النار، والكافر لا يؤخذ منه فدية، ولا تنفعه شفاعة(419) .

وترجم له البغوي: باب قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ(420)(421) ﴾ )( .

الفوائد المستنبطة من هذا الحديث:

وهذه بعض الفوائد المستنبطة من هذا الحديث الشريف:

في الحديث دليل على أن شرف الولد لا ينفع الوالد إذا لم يكن مسلمًا(422) . تمام قدرة الله عز وجل، فهو الذي «يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، فيخلق من الشخص الكافر مؤمناً نبيّاً وغير نبي، كما خلق الخليل من آزر، وإبراهيم خير البرية هو أفضل الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وآزر من أهل النار»(423) .

آخر الكلام على هذا الحديث الشريف.

والحمد لله رب العالمين.

الحديث الرابع: جري الحجر بثوب

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

موسى عليه الصلاة والسلام ورؤية بني إسرائيل له عارياً

المطلب الأول: ذكر الحديث مع تخريجه.

المطلب الثاني: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.

المطلب الثالث: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.

المطلب الرابع: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.

المطلب الأول: ذكر الحديث مع تخريجه

صفحة 202 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

روي هذا الحديث الشريف من طرق عن أبي هريرة رضي الله عنه ، هذه تفصيلها:

من رواية همام عن أبي هريرة:

عن معمر، عن همام بن منبه، قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى سوأة بعض، وكان موسى عليه الصلاة والسلام يغتسل وحده، فقالوا: ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه، قال: فخرج موسى في أثره يقول: ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى سوأة موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، قال: فقام الحجر بعد ما نظروا إليه فأخذ ثوبه وطفق بالحجر ضرباً، فقال أبو هريرة: «إنه لندب بالحجر ستة، أو سبعة أثر ضربه بالحجر».

رواه عبد الرزاق في تفسيره (2383)، وأخرجه من هذه الطريق: أحمد (8173) والبخاري في صحيحه (278)، ومسلم (339) وأبو عوانة (801) وابن

حبان (6211) والبيهقي (1/306) عن عبد الرزاق به.

وفي بعض الروايات اختلاف يسير في الألفاظ، لا يغيِّر المعنى، ومنها ما جاء في صحيح مسلم: فجمح موسى، وسيأتي شرحها بإذن الله تعالى.

من رواية الحسن عن أبي هريرة:

رواه من طريقه: قتادة، قال: حدَّث الحسن، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة، وكان نبي الله موسى منه الحياء، والستر، وكان يستتر إذا اغتسل، فطعنوا فيه بعورة»، قال: «فبينما نبي الله موسى يغتسل يوماً، وضع ثيابه على صخرة، فانطلقت الصخرة بثيابه، فاتبعها نبي الله ضرباً بعصاه، وهو يقول: ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر، حتى انتهى به إلى ملإٍ من بني إسرائيل وتوسطهم، فقامت وأخذ نبي الله ثيابه، فنظروا فإذا أحسن الناس خلقاً وأعدله صورة، فقالت بنو إسرائيل: قاتل الله أفاكي بني إسرائيل، فكانت براءته التي برأه الله عز وجل بها».

أخرجه أحمد (9091) و (10914)، وقد رواه مرّة (10678) عن الحسن مرسلاً، قائلاً: حدثنا روح، حدثنا عوف،

عن الحسن، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم

ورواه الطيالسي (2587) - ومن طريقه الخرائطي في مكارم الأخلاق (316) - عن الحسن عن أبي هريرة مختصراً.

من رواية خلاس ومحمد والحسن عن أبي هريرة به:

ثم أتبع أحمد هذا الإسناد، بقوله (10678): وخلاس، ومحمد، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال في هذه الآية: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا۟ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا۟(424) ﴾ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «إن موسى كان رجلا حييّاً ستِّيراً، لا يكاد يرى من جلده شيء استحياءً منه، قال: فآذاه من آذاه من بني إسرائيل، قالوا: ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده، إما برص وإما أدرة - وقال روح: مرة: أدرة وإما آفة - وإن الله عز وجل أراد أن يبرئه مما قالوا، وإن موسى خلا يوما، فوضع ثوبه على حجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثوبه ليأخذه، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، وجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملإ من بني إسرائيل، فرأوه عريانا كأحسن الرجال خَلْقاً، وأبرأه مما كانوا يقولون له، وقام الحجر، فأخذ ثوبه وطفق بالحجر ضرباً بعصاه(425) .

وأخرجه البخاري (3404) و (4799- مختصرة) والترمذي (3221) وابن أبي شيبة (31849) عن ثلاثتهم (الحسن وخلاس ومحمد) عن أبي هريرة به.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعند البخاري والترمذي: إما برص وإما أدرة وإما آفة.

وزادا: فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضرباً بعصاه، فوالله إن بالحجر لندباً من أثر ضربه، ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً، فذلك قوله: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا۟ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا۟ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهًا(426) ﴾ .

وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم .

من رواية خلاس وحده عن أبي هريرة:

وأخرجه إسحاق في مسنده (118) عن روح بن عبادة عن خلاس عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «كان موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام حييّاً ستِّيراً لا يُرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه بعض بني إسرائيل، فقالوا: ما يستتر هذا التستُّر إلا من شيء بجلده، إما برص وإما أدرة أو آفة، فدخل يغتسل ووضع ثيابه على الحجر، فعدا الحجر بثيابه، فخرج يشتد في أثره فرآه بنو إسرائيل أحسن الرجال خلقاً وأبرأه مما يقولون، فذلك قوله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا۟ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ(427) ﴾ .

وعن إسحاق: أخرجه النسائي في الكبرى (11360) باللفظ نفسه.

ثم ذكر النسائي رواية أخرى عن إسحاق من طريق النضر عن عوف بهذا الإسناد مثله. ولم أجده عند إسحاق بهذا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الإسناد.

من رواية محمد بن سيرين وحده عن أبي هريرة:

أخرجه الطحاوي في المشكل (67) من طريق روح بن عبادة، حدثنا عوف الأعرابي، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة، في هذه الآية: ﴿ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا۟ مُوسَىٰ﴾(428) الآية قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : «إن موسى عليه الصلاة والسلام كان رجلاً حييّاً ستِّيراً لا يكاد أن يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل؛ وقالوا: ما يستتر هذا التستُّر إلا من عيب بجلده؛ إما برص وإما أدرة(429) ، وإن الله تعالى أراد أن يبرئه مما قالوا، وإن موسى خلا يوماً وحده فوضع ثوبه على حجر، ثم اغتسل فلما فرغ من غسله أقبل إلى ثوبه ليأخذه، وإن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر وجعل يقول: ثوبي حجر ثوبي حجر، إلى أن انتهى إلى ملإ بني إسرائيل فرأوه عرياناً كأحسن الرجال خلقاً، فبرأه الله مما قالوا، وإن الحجر قام، فأخذ ثوبه فلبسه، فطفق بالحجر ضرباً، قال: فوالله إن في الحجر لندباً من أثر ضربه، ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً.

ما وُجِّه من انتقادات إسنادية للحديث:

بحسب اطلاعي لم أجد من انتقد هذا الحديث من حيث إسناده، وإنما إشكالاتهم كانت من جهة المتن وستأتي، إلا أنه قد تُكلّم في عموم سماع كلٍّ من الحسن البصري وخلاس من أبي هريرة:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فأما الحسن البصري، فجمهور المتقدِّمين على نفي سماعه من أبي هريرة رضي الله عنه ، كأيوب(430) وعليِّ بن زيد(431) ويونس بن عبيد(432) ، وعلي بن المديني(433) ، ويحيى بن معين(434) ، ومحمد بن يحيى الذهلي(435) ، والرازيين أبي حاتم وأبي زرعة(436) والترمذي(437) والبزار(438) ، والدارقطني(439) .

وأثبته بعضهم كموسى بن هارون(440) وذكر كلٌّ من الحافظين ابن عبد البر(441) وابن حجر(442) احتمالاً بجواز سماع الحسن من أبي

حواشي هذه الصفحة13 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هريرة، وأطال العلامة أحمد شاكر في إثبات هذا الأمر، عن طريق ذكره لأحاديث وقع فيها التصريح بسماع الحسن منه(443) إلا أن القول فيما يبدو قول المتقدِّمين النافين لسماعه، فهم أعلم بحديث الحسن، والظاهر أنهم ما أطلقوا النفي إلا بعد أن سبروا حديثه، وهذا في نظري قد يُشابه من وجه ما مسألة تقديم الجرح على التعديل، حيث علّلوا ذلك بأن المجرّح قد اطّلع على ما اطلع عليه المعدِّل وزيادة، وكذلك هنا، فإن النُّفاة قد اطَّلعوا على ما احتج به مجوّزو السماع، لكنهم لم يروا هذا شيئاً معتبراً، وفي المسألة طولٌ، لا يناسب موضوعنا هنا، والله أعلم.

لكن، مما له تعلّق في حديثنا هنا، أن الحديث جاء من رواية الحسن مستقلاً عن أبي هريرة عند أحمد فقط، بينما قرنه البخاري مع كلٍّ من محمد ابن سيرين وخلاس، وعلى هذا فلا يعدُّ عدم سماع الحسن من أبي هريرة قدحاً في هذا الحديث، خاصة من طريق البخاري، الذي رواه عنه مقروناً بغيره، ولعلَّ في صنيع البخاري هنا ما يؤيد عدم سماع الحسن من أبي هريرة، حيث لم يكتف البخاري بذكر روايته عن أبي هريرة مستقلة، بل قرنه مع ابن سيرين، والله أعلم.

وأما سماع خلاس من أبي هريرة فقد نفاه عنه عوفٌ الأعرابي(444) في

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حديثنا هذا، وأطلق الإمام أحمد نفي سماعه منه، نقله عنه أبو داود ولم يتعقبه(445) وهو الظاهر من تفريق البخاري في ترجمته بين من سمع منهم ومن روى عنهم، حيث قال: سمع عماراً وعائشة، روى عن أبي هريرة، وعن علي صحيفة، وعن أبي رافع(446)

وأما محمد بن سيرين، فلم يتكلّم في نفي سماعه من أبي هريرة أحدٌ فيما أعلم، بل هو من أخصِّ أصحاب أبي هريرة(447) ، والله أعلى وأعلم.

المطلب الثاني: بيان الغريب الواقع في الحديث

مع شرح مختصر له

(سوأة): السين والواو والهمزة من باب القبح، تقول: رجل أسوأ: أي قبيح، وامرأة سوآء: أي قبيحة، ولذلك سمِّيت السيئة سيئة، وسمِّيت النار سوأى، لقبح منظرها، قال الله تعالى: ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔوا۟ ٱلسُّوٓأَىٰٓ(448)(449) والسوء: كلّ ما يغمّ الإنسان من الأمور الدّنيويّة، والأخروية، ومن الأحوال النّفسيّة، والبدنيّة، والخارجة، من فوات مال، وجاه، وفقد حميم، وقوله: بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ﴾(450)

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أي: من غير آفة بها، وفُسّر بالبرص، وذلك بعض الآفات التي تعرض لليد(451) والسوأة: العورة، وهي فرج الرجل والمرأة، والتثنية سوأتان، والجمع سوآت، سميت سوأة لأن انكشافها للناس يسوء صاحبها(452)

(آدر): الأُدرة وزان غرفة(453) ، وهي: مرض ينتفخ منه الخصيتان ويكبران جداً لانصباب مادّة أو ريح غليظ فيهما(454) ، ويقال: أدِر يأدَر: من باب تعب، والجمع أُدْر مثل أحمر وحمْر(455) ، ورجل آدَر: بيِّن الأدرة(456) .

(جمح): الجيم والميم والحاء أصل واحد مطرِّد، وهو ذهاب الشيء قُدُماً بغلبة وقوة، يقال: جمح الدابة جماحاً إذا اعتز فارسه حتى يغلبه...، وقال بعض أهل اللغة: الجموح الراكب هواه(457) وجمح الفرس براكبه يجمح بفتحتين، جِماحاً بالكسر، وجموحاً:

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

استعصى حتى غلبه، فهو جَموحٌ بالفتح وجامحٌ، يستوي فيه الذكر والأنثى، وجمح إذا عارَ، وهو أن ينفلت فيركب رأسه فلا يثنيه شيء، وربما قيل: جمح إذا كان فيه نشاط وسرعة، والجِماح من الأولين مذموم، ومن الثالث محمود، لكن الثالث مهجور الاستعمال وإن كان منقولاً(458)

(ندب): يطلق الندب في اللغة على معان، منها: أثر الجرح، إذا لم يرتفع عن الجلد(459) ، يقال: ضربه فأندبه: أثّر بجلده(460) ، ويجمع على أنداب(461) ، وندوب(462) .

(عورة): سوءة الإنسان، وكل أمر يستحي منه فهو عورة(463)

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويقال أيضاً: لكل حال يتخوف منه في بُعد أو حرب: عورة، والعُرْية نحو العورة، وأصل ذلك ما لا سترة عليه، ومنه العراء: المكان الذي لا شجر فيه يغطيه ويستره(464) وتجمع على عوْرات، كما في قوله تعالى: ﴿عَوۡرَٰتِ ٱلنِّسَآءِۖ﴾(465) وقيل: تجمع على عوَرات، بفتح الواو(466)

(الملأ): الأشراف من الناس(467) ،ورؤساؤهم ومقدموهم الذين يرجع إلى قولهم(468) ، الذين يتمالئون في النوائب(469) ،وهم الرجال لا يكون فيهم امرأة، وكذلك القوم، والنَّفر والرهط(470) ،وقيل: سمّوا بذلك: لأنهم ملئوا كرماً(471) ، وجمعه: أملاء(472) .

(برص): الباء والراء والصاد أصل واحد، وهو أن يكون في الشيء لمعة تخالف سائر لونه(473) وهو: بياض يظهر في ظاهر البدن لفساد مزاج، وبرِص، كفرِح، فهو أبرص، وأبرصه الله(474) وبرِص الجسم

حواشي هذه الصفحة11 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

برَصاً من باب: تعب، فالذكر أبرص، والأنثى برصاء، والجمع برص مثل: أحمر وحمراء وحمر(475)

شرح مختصر لهذا الحديث:

يخبرنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث الشريف، عن صورة من صور الأذى التي تعرَّض لها موسى عليه الصلاة والسلام من قبل قومه، المعتادين إيذاءه، وذلك بعد أن كان يحرص على عدم إظهار شيءٍ من جلده، لشدة استحيائه ومزيد حبه للستر، فجعلوا يشيعون عنه أنه إنما يفعل ذلك ليستر عيباً في جلده أو خِلقته، فأراد سبحانه وتعالى أن يبرِّئ نبيه عليه الصلاة والسلام من كل نقص، وأن يظهر كمال خَلقه أمام أولئك الملأ الذين تناولوه بالسوء، فحصل ذلك عندما كان موسى عليه الصلاة والسلام يغتسل بعيداً عن أعين الناس، وقد وضع ثوبه على حجر، فأجرى الله عز وجل ذلك الحجر بثوب موسى عليه الصلاة والسلام فلم يجد موسى عليه الصلاة والسلام نفسَه إلا وهو يلحق بالحجر ليُمسكه ليأخذ ثوبه منه، فكان ما أراد موسى، فقد أمسك الحجر وانهال عليه ضرباً، لكن، كان هذا أمام الملأ من بني إسرائيل الذين افتروا على موسى عليه الصلاة والسلام الكذب، ولم يشعر موسى عليه الصلاة والسلام بذلك، إلا حينما وجد نفسه واقفاً بينهم عرياناً، فحينها علم أولئك المفترون أن ما قالوه في حق موسى عليه الصلاة والسلام إنما هو كذب محض، لا أساس له من الصحة، وظهرت براءة موسى عليه الصلاة والسلام من كل

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سوء، وأنزل الله عز وجل آيةً تتلى إلى يوم القيامة، يحذِّر فيها المؤمنين من أن يسلكوا طريق أولئك القوم الذين آذوا موسى عليه الصلاة والسلام فقال سبحانه: يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا۟ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا۟ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهًا﴾(476)

والحمد لله رب العالمين.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المطلب الثالث: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها

قال عبد الحسين شرف الدين: وأنت ترى ما في هذا الحديث من المُحال الممتنع عقلاً، فإنه لا يجوز تشهير كليم الله «ع» بإبداء سوأته على رؤوس الأشهاد من قومه، لأن ذلك ينقصه ويسقط من مقامه، ولا سيما إذا رأوه يشتد عارياً ينادي الحجر وهو لا يسمع ولا يبصر: ثوبي حجر، ثوبي حجر، ثم يقف عليه وهو عاري أمام الناس فيضربه والناس تنظر إليه مكشوف العورة كالمجنون! وهذه الحركة لو صحَّت فإنما هي من فعل الله تعالى، فكيف يغضب منها كليم الله فيعاقب الحجر عليها؟! وما هو إلا مقسور على الحركة، وأي أثر لعقوبة الحجر؟ ثم إن هربه بثياب موسى عليه الصلاة والسلام لا يبيح له إبداء عورته، وهتك نفسه بذلك وقد كان في إمكانه أن يبقى في مكانه حتى يؤتى بثيابه أو بساتر غيرها كما يفعله كلُّ ذي لبٍّ إذا ابتُلي بمثل هذه القصة، على أن هرب الحجر من المعجزات وخوارق العادات التي لا تكون الا في مقام التحدي، كمقام انتقال الشجرة في مكَّة المعظَّمة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين اقترح عليه المشركون ذلك، فنقلها الله عز وجل من مكانها تصديقاً لدعوته، وتثبيتا لنبوته صلى الله عليه وآله وسلم ومن المعلوم

أن مقام موسى عليه الصلاة والسلام وهو يغتسل لم يكن مقام تحدٍّ وتعجيز، فلا تقع فيه المعجزات وخوارق العادات، ولا سيمَّا إذا ترتَّب عليها فضيحة نبيِّ الله بإبداء سوأته للملا من قومه؛ على وجه يستخف به كلُّ من رآه وكلُّ من سمع بخبره هذا، وأما براءته من الأدرة فليست من الأمور التي يباح في سبيلها هتكه وتشهيره، ولا هي من المهمَّات التي تصدر بسببها الآيات، إذ يمكن العلم ببراءته منها بسبب اطلاع نسائه عليه، وإخبارهن بحقيقة حاله.

ثم تابع عبد الحسين قائلاً: ولو فرض ابتلاؤه بالأدرة، فأيُّ بأس عليه بذلك؟ وقد أصيب شعيب عليه الصلاة والسلام ببصره، وأيوب عليه الصلاة والسلام بجسمه، وأنبياء الله كافة تمرَّضوا وماتوا، ولا يجب انتفاء مثل هذه العوارض عن أنبياء الله ورسله، ولا سيمَّا إذا كانت مستورة عن الناس كالأدرة، نعم،لا يجوز عليهم ما يوجب نقصاً في مداركهم، أو في مروءتهم، أو يوجب نُفرة الناس عنهم، واستخفافهم بهم، والأدرة ليست في شيء من ذلك، على أن القول بأن بني إسرائيل كانوا يظنون أن في موسى أدرة لم ينقل إلا عن أبي هريرة، أما الواقعة التي أشار الله إليها بقوله عز من قائل يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا۟ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا۟﴾(477) فالمرويُّ عن أمير المؤمنين «ع» وابن عباس، أنها قضية اتهامهم إياه بقتل هارون، وهو الذي اختاره الجُبَّائي، وقيل: هي قضية المومسة التي أغراها قارون بقذف موسى «ع» بنفسها، فبرأه الله تعالى إذ أنطقها بالحق، وقيل: آذوه من حيث نسبوه

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إلى السحر والكذب والجنون بعدما رأوا الآيات.

واني لأعجب من الشيخين – والكلام ما زال لعبد الحسين - يخرجان هذا الحديث والذي قبله في فضائل موسى، وما أدري أي فضيلة بضرب ملائكة الله المقربين وفقء عيونهم عند إرادتهم تنفيذ أوامر الله عز وجل(478) ؟ وأي منقبة بإبداء العورة للناظرين، وأي وزن لهذه السخافات؟ إن كليم الله ونجيبه ونبيه لأكبر من هذا، وحسبه ما صدع به الذكر الحكيم والفرقان العظيم، من خصائصه الحسنى عليه الصلاة والسلام(479) .اهـ كلام عبد الحسين بطوله.

وقال جعفر مرتضى العاملي: لا ندري كيف لم يلتفت موسى إلى نفسه، حتى بلغ مجالس بني إسرائيل؟! وما هو الذي أفقده صوابه حتى خرج عن حيائه وسجيته، التي ذكرتها الرواية: أنه كان حيياً ستيراً لا يرى من جلده شيء استحياءً منه؟! ولا ندري ما هي حقيقة هذا الحجر العبقري! الذي يهرب من موسى، ويتركه يعدو خلفه؟! ولا ندري كذلك كيف التفت موسى إلى عصاه قبل أن يلحق بالحجر، وما الذي خطر في باله آنئذٍ؟! وإذا لم يكن الحجر مأموراً، فما الذي جعله يقوم بهذه العملية، ويخرجه عن وضعه الطبيعي؟!، وإذا كان مأموراً، فلماذا لم يدرك موسى ذلك بمجرد تحرك الحجر بثوبه الذي هو أمر خارق

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

للعادة؟ هذا مع كونه يناديه ويخاطبه، حتى كأنه عاقل مدرك لما يقول!! وأخيراً، فإنني لا أدري ما هو ذنب هذا الحجر، حتى استحق هذا الضرب الوجيع الذي أثر فيه وجعل فيه ندباً؟! ولماذا لم يعين لنا عدد تلك الندب، فذكرت على نحو الترديد: ثلاثاً، أو أربعاً، أو خمساً؟! وفي بعض الروايات: ستاً، وسبعاً؟! وإذا كان أبو هريرة قد بلغ به النسيان هذا الحد، فكيف استطاع أن يحفظ تلك التفاصيل الدقيقة للقصة نفسها؟! ثم كيف استطاع أن يحفظ هذه الآلاف المؤلفة من الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم(480) اهـ كلام جعفر العاملي.

وقال الهاشمي بن علي التونسي: إن الإنسان والله يخاف أن ينزل عليه حجر من السماء لفظاعة هذا الإفك، ولا أدري هل أراد الله أن يُبرِّئ موسى أم أراد أن يفضحه، وما معنى أن يعدو الحجر ويهرب؟! وما بال موسى يسرع وراءه كالمجنون غير آبه بأحد، ولا ملتفت لحاله؟! وما باله يضرب الحجر حتى جعل فيه أثرا؟! إن هذا الفعل لا يفعله مجنون قبيلة دوس التي ينتمي إليها أبو هريرة، فما بالك بكليم الله ونجيِّه وأحد الأنبياء أولي العزم(481) ؟ اهـ كلامه.

الرد على هذه الشبه:

قلت: قال الله عز وجل في محكم التنزيل: يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا۟ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا۟ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهًا(482) وحاصل هذا أن بني إسرائيل آذوا موسى بشيءٍ برّأه الله عز وجل منه، ونسبة موسى عليه الصلاة والسلام إلى عيب في جسده نوع من أنواع الأذى، وتبرأتُه لا بد أن تكون على مرأى ممن اتهموه(483) إذ لو كان ما عابوه فيه ظاهراً لكلِّ أحد، لما استقر لهم اتهام في حقِّه، لكن لما كان الأمر مخفياً، استدعى ذلك إظهار ما عابوه منه سليماً، فكان ما كان من جريان الحجر أمامه، ولحاق موسى عليه الصلاة والسلام له.

ولنعد إلى أصل الخبر ونتساءل: ما الذي عيب على موسى في ذلك؟ لقد عيب عليه أن عورته ظهرت أمام أولئك النفر من بني إسرائيل، ويُسلَّم لهم ما أرادوه لو كان إظهاره لعورته متعمَّداً، أمَا وقد دهمه الأمر ورأى ثوبه يُفلت منه، وهو الحريص على ستر عورته، ولو لم يتداركه لكان أمره أشدّ، فبدلاً من أن يراه بعض القوم، قد يراه كلُّ القوم، هذا لو كان متحكِّماً في عاطفته، ويملِك من الوقت ما يزن به أبعاد الموقف، كما يقال، لكن لمَّا حصل ما حصل، تصرّف موسى عليه الصلاة والسلام

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بدافع فطرته، وشدّة حيائه، لكنَّ قضاء الله نافذ، لا رادَّ له، وقد أراد الله عز وجل هذا الأمر ليبرِّئ موسى عليه الصلاة والسلام مما قالوا.

هذا لو افترضنا أن اختفاء موسى عليه الصلاة والسلام عن أعين الناس عند الغسل كان بإيجاب الله عز وجل عليه، وفي المقابل لو افترضنا أن الأمر كان سائغاً عندهم، أعني اغتسالهم عراة، كما جاء واضحاً في الحديث، فيُحمل اعتزال موسى عليه الصلاة والسلام على أنه من مزيد حيائه، وشدة احترازه، وإلا، فما نُقل عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه أنكر على قومه اجتماعهم عراة أثناء اغتسالهم، ومجردُّ فعله لا يعني الوجوب، وحرمة ما يخالفه(484) مع التنبيه على أن اغتسالهم عراة، لا يلزم ظهور

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عوراتهم، إذ قد يكون اغتسالهم في نهر يحجب عوراتهم، وقد يقال: إن ظهور عوراتهم لا يعني جواز نظر بعضهم إلى بعض، ويكون هذا من قبيل الآصار التي كانت عليهم، بذنوبهم، ودعونا نجعل ما ذُكر هنا كمقدِّمة نلج من خلالها إلى الرد التفصيلي على الشبهات التي أثارها عبد الحسين وغيره، فنقول: أما استشناع ظهور عورة موسى عليه الصلاة والسلام

أمام قومه، فلعلَّ فيما مضى بياناً للحجم الحقيقي هذا الأمر، وأن المؤاخذة؛ بل والإنكار قد يحصل إذا كان الأمر متعمّداً عند قومٍ يحرِّمون هذا الشيء، ولكن؛ والحال كما بيَّناه، فالأمر من قبيل ما اعتادوا على فعله، وإنكار مناداة موسى عليه الصلاة والسلام حجراً لا يسمع ولا يبصر، ليس بهذا القُبح المعنوي الذي هوّل به عبد الحسين، فمخاطبة موسى عليه الصلاة والسلام كانت لحجر صدر منه ما يصدر من العقلاء، فناداه مناداة العقلاء، وعامله معاملتهم، فهذا الحجر الساكن قد تحرَّك من مكانه، بل وجرى بثوبه، تماماً كما يفعل السارق، فما كان من موسى عليه الصلاة والسلام إلا أن ناداه ولحِقه وضربه، وأخذ ثوبه منه، وهذا ما فهمه العقلاء الذين قاموا بشرح هذا الحديث، قال القرطبي: وإنما نادى موسى عليه الصلاة والسلام الحجر نداء من يعقل، لأنه صدر عن الحجر فعل من يعقل(485) .اهـ.

قلت: وهذا ليس النصَّ الوحيد الذي يثبت أن لما نسميه نحن (جمادات) أحوالاً ومشاعر تناسبها، فكما جرى الحجر هنا، حنَّ الجذع عند ترك النبي صلى الله عليه وآله وسلم للخطبة عليه(486) وارتجف جبل أُحد لما صعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبعض أصحابه عليه(487)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

محبةً لهم(488) وكان حجرٌ يسلِّم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل البعثة(489) والأخبار في هذا المعنى كثيرة، فإن حاول بعضهم نفي هذه الأخبار معلّلاً ذلك بكونها من آحاد سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قلنا له تنزُّلاً: وكيف ستصنع أمام نصوص الكتاب العزيز، التي فيها مثل هذه الأخبار، بل وزيادة، كقوله تعالى في بيان أحوال الحجارة: وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ٱلْمَآءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾(490) وقوله تعالى في بيان استجابة السموات والأرض لأمره سبحانه وتعالى: ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ(491) وبيانه سبحانه وتعالى لتسبيح الجبال مع داود عليه الصلاة والسلام في قوله تعالى: وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ(492) وَٱلطَّيْرَ﴾ وكذلك إشفاق السموات والأرض والجبال من حمل(493) الأمانة وإرادة الجدار(494) للانقضاض بل وبيانه سبحانه وتعالى أن كلَّ من في السموات والأرض إنما يسبح بحمده قائلاً سبحانه: تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ(495) وغير هذا من النصوص كالتي تثبت شهادة الأيدي والأرجل على أصحابها بما كانوا يفعلون(496) والآيات في هذا المعنى كثيرة، وإنما سقت ما مضى منها للردِّ على من تجرّأ على سنة نبيِّنا صلى الله عليه وآله وسلم وقام بردِّ ما لم يرُق له منها بحجة أنها آحاد، وأما الرّاسخون في العلم فيقولون ءَامَنَّا بِهِۦ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾(497)(498)

ولنعد إلى أصل إنكار عبد الحسين مناداة موسى عليه الصلاة والسلام

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

للحجر، فنقول: لو كان هذا الأمر قد صدر من غير موسى عليه الصلاة والسلام ونسي عبد الحسين أو تناسى النصوص السابقة الواردة في بيان أحوال الجمادات، لكان يمكن أن يكون لعبد الحسين وجه أقوى في إيراد شبهته، وتأثيره على عقول أتباعه، لكن، بما أن الأمر قد صدر من موسى عليه الصلاة والسلام فلا ينبغي استعظامه بهذه الطريقة، للعود على الحديث بالبطلان، ذلكم، أن موسى عليه الصلاة والسلام الذي نادى الحجر، مخاطباً إياه مخاطبة العقلاء، هو نفسه الذي شاهد عصاه التي يتوكأ عليها تنقلب بقدرة الله لتصبح حيّة تسعى، وعلى هذا فما الذي يمنع أن يقال: لو تعامل موسى عليه الصلاة والسلام مع الحجر كما تعامل مع عصاه، لكان له وجهٌ مقبول، ولم يسع أحدٌ لومَه على ذلك، فالحجر قبل أن يتحرك من مكانه هو كالعصى التي كانت بيده يتوكأ عليها، فلما تحرّك الحجر وجرى صار حاله شبيهاً بحال عصاه التي انقلبت حية عظيمة، ولو استحضر عبد الحسين شيئاً من حال موسى عليه الصلاة والسلام وما جرى له من معجزات، لما سارع بقول ما قال، وما أشبه حال منكري هذه الأحاديث بحال من قال الله تعالى في حقِّهم: بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَٱنظُرْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ(499)

وأما احتجاج عبد الحسين بالقدر هنا لإبطال هذا الحديث، متذرِّعاً بأن اللَّوم لا ينبغي أن يقع على الحجر لأنه جرى بأمر الله، فليس فيه ما ينكر، فموسى من أعلم الناس بقدرة الله عز وجل وقَدَرِه، وأن ما يحصل في هذا الكون إنما هو بقدَر الله لا بقدَر غيره، ولكن تصرّف مع

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحجر بطبعه البشري، الذي يدفع صاحبه إلى جلب الخير ودفع الضرِّ، وبهذا وجّه أئمة الإسلام فعل موسى عليه الصلاة والسلام قال الحافظ ابن حجر: وفيه معجزة ظاهرة لموسى عليه الصلاة والسلام وأن الآدمي يغلب عليه طباع البشر، لأن موسى علم أن الحجر ما سار بثوبه إلا بأمر من الله، ومع ذلك عامله معاملة من يعقل حتى ضربه(500) .اهـ.

ثم بعد ذلك نقول: ما أسهل أن يردَّ على عبد الحسين المحتج بقدر الله لإبطال ما قام به موسى عليه الصلاة والسلام بقولنا: وكذلك، لا ينبغي أن يقع لومٌ على موسى عليه الصلاة والسلام لأنه نادى الحجر ولحقه وضربه وأخذ ثوبه، وانكشفت بالتالي عورته أمام الملأ من قومه ، لأن كلَّ ذلك إنما جرى بأمر الله، فعلام يلام عليه الصلاة والسلام من فعل شيء قد قدّره الله عز وجل عليه؟ أم أن الاحتجاج بالقدر يكون في حالٍ دون حال؟ ولو أردنا تعميم ذلك، لما استطاع أحدٌ أن يدفع عن نفسه مكروهاً، بحجة أن هذا المكروه إنما وقع عليه بقدر الله عز وجل، ولما عوقب قاتلٌ ولا سارقٌ ولا غاصبٌ، وصدق الله العلي العظيم القائل في كتابه العزيز: ﴿ وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾(501) .

ثم بعد ذلك نرى عبد الحسين قد لجأ إلى التحكِّم مجدَّداً حينما أراد أن يفرض على الله عز وجل أن لا يخرق العادة إلا في مقام التحدِّي، وهذا ما لا يوجَد في حالة اغتسال موسى عليه الصلاة والسلام ؟!

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والجواب على هذا أن نقول: وأين التحدِّي حينما قُلبت عصى موسى حية عظيمة تسعى؟ ألم يكن موسى عليه الصلاة والسلام وحده آنذاك، وليس معه أحدٌ إلا الله عز وجل، بل أين التحدِّي في قصة الإسراء والمعراج، والتي انتقل فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم من بيته في مكة إلى بيت المقدس إلى السموات السبع، مع جبريل عليه الصلاة والسلام ، ولم يطَّلع عليه أحدٌ من قومه، لا المؤمنون منهم ولا الكافرون، ومع ذلك، قصّ الله عز وجل علينا خبره في كتابه العزيز، وأعلمنا به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم في سنته المشرَّفة.

وهذه المسألة لطالما دندن عليها عبد الحسين في السعي لإبطال مثل هذه الأحاديث، ومع كونها محض تحكُّم من عبد الحسين والقائلين بها، فكذلك، هي قاعدة متناقضة غير مطَّرِدة، فنحن نرى معجزات وقعت لأنبياء الله عز وجل من غير ابتداء تحدٍّ، كما مرّ معنا في قصة الإسراء والمعراج وغيرها، ونرى أيضاً أن في بعض مقامات تحدِّ الكفار لأنبيائهم، لم يكن هناك أيُّ ظهور لمعجزات تبطل تحدِّيهم، فأين هي معجزة هودٍ عليه الصلاة والسلام حينما قام عليه قومه وكذّبوه قائلين: ﴿ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ(502) ﴾ ؟ فلم تظهر له معجزة مادية آنذاك، وإنما وقف عليه الصلاة والسلام في وجه قومه متحدِّياً لهم قائلاً: ﴿ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِۦ فَكِيدُونِى جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ(503) ﴾ .

وعلى هذا، قد تظهر المعجزة من غير تحدٍّ ابتداءً، وقد يوجد تحدٍّ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولا توجد المعجزة، وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ سُبْحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ(504)

وأما عدُّ هذا الحديث من فضائل موسى عليه الصلاة والسلام ، حيث ذكره بعض المحدِّثين في فضائله عليه الصلاة والسلام ، فلا إشكال فيه، بل فيه إثبات أكثر من فضيلة له عليه الصلاة والسلام ، وفي مقدِّمة هذه الفضائل دفع الله عز وجل عنه هذه التهمة الجائرة المعيبة له – وحاشاه -، وما ذلك إلا لعظيم مكانته عليه الصلاة والسلام عند ربِّه، والله سبحانه وتعالى يدافع عن الذين آمنوا، وأعلى المؤمنين درجة هم أنبياء الله عز وجل، وأعلاهم منزلة هم أولو العزم منهم، ومنهم موسى عليه الصلاة والسلام ، وظهور عورة موسى عليه الصلاة والسلام في تفاصيل هذه القصة، كان لا بُدَّ منه، لكون تهمتهم له تتعلق بأمر خفيٍّ لا يطّلع عليه أحد.

وأما اقتراح عبد الحسين بأن براءته كان يمكن أن تعرف عن طريق إخبار نسائه بذلك، فنقول: بل إن إثبات براءته كان سيتم بطريقة أسهل من ذلك لو كان قومه يعقلون، إذ كان يكفي في إثبات براءته عليه الصلاة والسلام من هذا العيب، إخبارُه هو قومه بذلك، فهو النبيُّ المبعوث من رب العالمين، ولكن قومه الذين اعتادوا عصيانه ومخالفة أمره، والمسارعة في الفتن، وصلوا من الشرِّ بمكان أن افتروا عليه هذا الافتراء، ومن كان هذا حالهم لن يكتفوا بإخبار موسى عليه الصلاة والسلام لهم ببراءته، ومن باب أولى لن يقبلوا أخبار نسائه بذلك، فكان لا بد أن يريهم الله هذا الأمر واضحاً عياناً لا لَبس فيه، ومِن حِكم الله عز وجل أن الذين رأوا موسى

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

على هذه الحال جماعة منهم، وليس فرداً واحداً، وذلك ليشهدوا جميعاً على ذلك، وبهذا يتم إغلاق الباب أمام الأفاكين والكذابين في إنكار ذلك الأمر، وربُّنا سبحانه وتعالى بواسع حكمته قدّر أن يكون أمر تبرئة موسى عليه الصلاة والسلام بهذه الصورة، وهو سبحانه أحكم الحاكمين القائل في كتابه: ﴿مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِى ٱلَّذِينَ خَلَوْا۟ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ ٱللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا(505)

ومن فضائل موسى عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث شدّة استحيائه المتمثل في اختبائه عن أعين الناس عند اغتساله، بينما نرى شيوع هذا الأمر – أعني: اغتسالهم عراة - بين بني إسرائيل في زمانه، وقد استدل علماؤنا الأجلاء على مشروعية هذا الأمر بينهم من عدم إنكار موسى عليه الصلاة والسلام عليهم، وحملوا فعله على مزيد حيائه عليه الصلاة والسلام ، وهذه منقبة أخرى تضاف للمنقبة السابقة.

ثم إن من مناقبه الظاهرة في هذا الحديث، خلوّه عليه الصلاة والسلام من كلِّ آفة وعيب، يظهر ذلك من تعجّب بني إسرائيل عند رؤيتهم له عليه الصلاة والسلام ، وقد برأه الله من كلِّ عيب، خِلقياً كان أو خُلُقياً.

ثم يضاف إلى مناقبه في هذا الحديث، قوة بدنه وهو المعروف بها عليه الصلاة والسلام ، وقد قصّ علينا القرآن حوادث عدّة تظهر ذلك، وقوته في هذا الحديث تجلّت في ضربه للحجر ضربات قوية متتالية تركت ندوباً وآثاراً فيه، وهذا لا يكون لأفراد الناس، بل ولا لجماعتهم.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فهذه مناقب أربع بادية ظاهرة لا يُستطاع دفعها، مع عدم الغفلة عمّا في هذا الحديث وغيره من بيان شدَّة صبر موسى عليه الصلاة والسلام على أذى قومه الكثير له، وهو في هذا سالك طريق غيره من الأنبياء عليه الصلاة والسلام في قوة صبرهم على أذى أقوامهم، وفي هذا يقول الله عز وجل لنبيِّه صلى الله عليه وآله وسلم : ﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا۟ عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا۟ وَأُوذُوا۟ حَتَّىٰٓ أَتَىٰهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ وَلَقَدْ جَآءَكَ مِن نَّبَإِى۟ ٱلْمُرْسَلِينَ﴾(506) ، بل أمر الله عز وجلَّ نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم بالاقتداء بأولي العزم خاصة فقال سبحانه: ﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ﴾(507) .

وفي هذا يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله: وفيه ما كان في الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الصبر على الجهال، واحتمال أذاهم، وجعل الله تعالى العاقبة لهم على من آذاهم(508) .

ولو تأمل متأمِّل في تفاصيل القصة، لوقف على غيرها من المناقب، والحمد لله رب العالمين.

وبعد الانتهاء من ردِّ ما أورده عبد الحسين من شبه، لا أرى أن غيره قد زاد عليه شيئاً مذكوراً يستحق إفراده بالردِّ، وعلى سبيل التنزُّل أعرِّج قليلاً على الشبهة المتعلِّقة بالاختلاف في عدد الضربات الواقعة على الحجر، وأن هذا من دلائل اضطراب أبي هريرة في رواية

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحديث، وكيف يقبل هذا منه وهو حافظ الإسلام؟

فأقول: إن هذا الاختلاف لا يؤثر بحال من الأحوال على صحة الحديث، إذ أن المقصود المراد ذكره في هذا الحديث الشريف، هو أن موسى عليه الصلاة والسلام ضرب الحجر، فأثّر به، والعدد لا مفهوم له، فسواء ضربه ضربة واحدة أو أكثر من ذلك، فالمعنى واحد، ومن صدّق أصل الخبر لم يضرَّه هذا الاختلاف، ومن كذّب أصل الخبر، لم ينفعه تحديد عدد الضربات، فالخبر عنده من أصله مردود، وأما عند المحدِّثين فقد ذكروا رحمهم الله متى يكون الاختلاف مؤثِّراً في إعلال الحديث، ومتى لا يكون مؤثِّراً، وقد وقع في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث اختلافات في متون بعض الأحاديث، ولم يعدّها علماء الحديث من الأمور التي يردُّ بها الحديث، وقد عرض لهذه المسألة الحافظ ابن حجر في نكته على ابن الصلاح، وذلك بعد أن تكلَّم على الاختلاف في أسانيد بعض الأحاديث، وتأثير ذلك على صحَّتها، ثم في حمل ما يقع من اختلاف في بعض متون الحديث على تعدُّد الواقعة، ومثّل لكل ما سبق، ثم قال الحافظ ابن حجر: وأما ما يبعد فيه احتمال التعدُّد ويبعد أيضاً فيه الجمع بين الروايات، فهو على قسمين:

أحدهما: ما لا يتضمن المخالفة بين الروايات اختلاف حكم شرعي، فلا يقدح ذلك في الحديث، وتُحمل تلك المخالفات على خلل وقع لبعض الرواة، إذ رووه بالمعنى متصرِّفين بما يخرجه عن أصله.

ثم مثّل الحافظ ابن حجر لذلك بأمثلة عدّة، كحديث قضاء جابر رضي الله عنه دينَ أبيه عبد الله بن حرام رضي الله عنه ، وما وقع فيه من اختلافات يصعب توجيهها أو التوفيق بينها، أو حملها على التعدُّد، ثم قال الحافظ: والأقرب حملها على ما أشرنا إليه أن المقصود من جميعها البركة في التمر بسبب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وأن الاختلاف وقع من بعض الرواة.

ومثَّل كذلك الحافظ بحديث بيع جابر رضي الله عنه جمله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وما وقع فيه من اختلاف في تقدير الثمن، وفي الاشتراط وعدمه، وكذا ما وقع في حديث نزول آية التيمم، واختلافهم في كون ما ضاع من عائشة رضي الله عنها هل هو عقد أو قلادة، وهل هو لعائشة أم لأسماء رضي الله عنهما، وكذا في اختلافهم في تحديد مكان الحادثة(509) ، وبيّن أن كلَّ هذا من الاختلاف غير المؤثر، الذي لا يعود على الحديث بالاضطراب(510) .اهـ

قلت: وهذا تماماً هو الحاصل في حديثنا، حيث وقع الاختلاف في

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تحديد عدد الضربات، وهو أمر غير مؤثر في أصل ثبوت الحديث، لأننا نرى أن الاتفاق قد حصل في إثبات وقوع الضرب على الحجر، وظهور الندب فيه، على مرأى بني إسرائيل، وهو من مقاصد هذا الحديث الشريف، والله أعلم.

رواية الإمامية لهذا الحديث في كتبهم:

وأختم ردّي على هذه الشبهة، ببيان أن ما عابوه على أهل السنة في روايتهم لهذا الحديث، قد وقعوا هم أنفسهم فيه، فهذا الحديث قد روي أيضاً عندهم وفي كتبهم، فقد جاء في تفسير القُمِّي بإسناده عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام : إن بني إسرائيل كانوا يقولون: ليس لموسى ما للرجال. وكان موسى إذا أراد الاغتسال يذهب إلى موضع لا يراه فيه أحد من الناس، وكان يوماً يغتسل على شطِّ نهرٍ، وقد وضع ثيابه على صخرة، فأمر الله الصخرة فتباعدت عنه، حتى نظر بنو إسرائيل إليه، فعلموا أنه ليس كما قالوا فأنزل الله ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟(511)(512) ﴾ )( .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد ناقش بعضهم ما أخرجه القمي في كتابه، فقال الشريف المرتضى: ما روي في هذا المعنى ليس بصحيح، وليس يجوز أن يفعل الله تعالى بنبيه عليه الصلاة والسلام ما ذكروه من هتك العورة ليبرِّئه من عاهة أخرى، فإنه تعالى قادر على أن ينزِّهه مما قذفوه به، على وجه لا يلحقه معه فضيحة أخرى، وليس يَرمي بذلك أنبياءَ الله تعالى من يعرف أقدارهم، والذي روي في ذلك من الصحيح معروف، وهو أن بني إسرائيل لما مات هارون عليه الصلاة والسلام قذفوه بأنه قتله، لأنهم كانوا إلى هارون (ع) أميل، فبرَّأه الله تعالى من ذلك، بأن أمر الملائكة بأن تحمل هارون (ع) ميتاً، فمرَّت به على محافل بني إسرائيل ناطقة بموته، ومبرِّئة لموسى عليه الصلاة والسلام من قتله، وهذا الوجه يُروى عن أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام ، وروي أيضا أن موسى (ع) نادى أخاه هارون، فخرج من قبره فسأله هل قتله؟ قال: لا، ثم عاد إلى قبره. وكل هذا جائزٌ، والذي ذكره الجهّال غير جائز(513) .اهـ إنكار المرتضى لما رواه القمّي في تفسيره.

قلت: وقد

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تولّى الردَّ على المرتضى في إنكاره لحديث جري الحجر بثوب موسى عليه الصلاة والسلام نعمةُ الله الجزائري، حيث نقل ما سبق عنه، ثم قال: وقال جماعة من أهل الحديث: لا استبعاد فيه بعد ورود الخبر الصحيح، وإن رؤيتهم له على ذلك الوضع الذي لم يتعمده موسى (ع)، ولم يعلم أن أحداً ينظر إليه أم لا، وأن مشيه عُريانا لتحصيل ثيابه مضافاً إلى تبعيده عما نسبوه إليه ليس من المنفِّرات(514) .اهـ.

وقد نقل الطبرسي أقوالاً عدة في سبب نزول هذه الآية، وجعل هذا القول ثانيها، فقال: وثانيها: إن موسى كان حييّاً ستيِّراً يغتسل وحده، فقالوا: ما يستتر منا إلا لعيب بجلده: إما برص، وإما أدرة، فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر، فمرَّ الحجر بثوبه، فطلبه موسى فرآه بنو إسرائيل عرياناً، كأحسن الرجال خلقاً، فبرَّأه الله مما قالوا، رواه أبو هريرة مرفوعاً. ثم قال الطبرسي: وقال قوم: إن ذلك لا يجوز لأن فيه إشهار النبي، وإبداء سوأته على رؤوس الأشهاد، وذلك ينفر عنه(515) . اهـ.

قلت: وما يهمنا من هذه النقول السابقة، أن بعضاً ممّن ينتسب إليهم عبد الحسين قد قالوا بما رواه أبو هريرة في هذا الحديث الشريف، وكان ينبغي على عبد الحسين قبل أن يشنِّع على أبي هريرة رضي الله عنه

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بما سبق من فاحش قوله، وقبل أن يتسرّع بردّ الحديث كعادته، أن ينظر في كتب قومه، ليرى، هل رُوي هذا الخبر عندهم أم لا؟ فإن علم بوجود هذا في كتبهم، فعليه أن يعامل من نقلوه بمثل ما عامل به أبا هريرة، وهم القمّي والجزائري وقومٌ آخرون أشار إليهم الجزائري والطبرسي، وإلا كان ظالماً، فاجراً في الخصومة، يغمض عينيه عن عيوب قومه، ويكيل التهم جزافاً إلى من عاداهم، فإن قيل: لعلَّه خفي عليه ما في كتبهم، قلنا: نعم، هذا احتمال ممكن، لكن: ألا يعدُّ هذا عيباً واضحاً في عبد الحسين، الذي تصدّر للطعن في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو من أجهل الناس بها؛ وبما يُروى من نظائرها في كتب علمائه؟ والله الهادي لا هادي سواه.

المطلب الرابع: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه

وبعد ما مضى، دعونا ننظر في صنيع أهل العلم في حسن التعامل مع هذا الحديث الشريف، كعادتهم في سائر أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ونبدأ بذكر تبويبات من خرّج هذا الحديث في كتابه، ثم ننتقل لذكر بعض الفوائد المستنبطة منه:

تراجم المحدِّثين:

ونبدأ بذكر الأقدم وفاة، فنرى ابن أبي شيبة قد بوّب لهذا الحديث بقوله: باب: ما ذكر في موسى عليه الصلاة والسلام من الفضل(516) .

وأخرجه البخاري في موطنين من صحيحه، عنون للأول منهما بقوله: باب من اغتسل عرياناً وحده في الخلوة، ومن تستَّر فالتستر أفضل(517) .

وللثاني

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بقوله: باب حديث الخضر مع موسى عليه السلام(518)

وأما صحيح مسلم، فقد بوّب شراحه لهذا الحديث بقولهم: باب جواز الاغتسال عريانا في الخلوة(519) .

وأخرجه مسلم في باب آخر، عنون له شراح صحيحه بقوله: باب من فضائل موسى صلى الله عليه وآله وسلم(520) .

وقال الترمذي: باب: ومن سورة الأحزاب(521) .

وبوّب النسائي: في قوله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا۟ مُوسَىٰ(522)(523) ﴾ )( .

وبوّب أبو عوانة: باب إباحة التعرِّي عند الاغتسال وغيره، وبيان حظر النظر إلى الفروج(524) .

وعند ابن المنذر: في باب الرخصة في ذلك بعد باب النهي عن دخول الحمّام إلا بمئزر(525) .

وقال الخرائطي: باب فضيلة الحياء وجسيم خطره(526) .

حواشي هذه الصفحة9 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأما ابن حبان فقال في صحيحه: باب: ذكر تعيير بني إسرائيل كليم الله بأنه آدر(527) .

وأختم بذكر تبويب البيهقي لهذا الحديث بقوله: باب التعرِّي إذا كان وحده(528) .

الفوائد المستنبطة من هذا الحديث:

وأما الفوائد المستنبطة، فها هي مذكورة على هيئة نقاط:

في هذ الحديث: جواز الاطلاع على عورات البالغين، لإقامة حق واجب كالختان ونحوه من الواجبات(529) جواز النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية لذلك من مداواة أو براءة من عيب، كما لو ادعى أحد الزوجين على الآخر البرص ليفسخ النكاح فأنكر(530) خرق العادات للأنبياء، وصحة معجزاتهم وآياتهم

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من فرار الحجر، وبقاء أثر عصاه فيه(531) وجود التمييز في الجماد كالحجر ونحوه، ومثله تسليم الحجر بمكة، وحنين الجذع، ونظائره(532) أن ستر العورة لم يكن وحياً في شرع موسى عليه الصلاة والسلام إذ ذكر أنه إنما فعل ذلك حياءً، ولم ينكر على قومه ما كانوا يفعلونه، وإن الله تعالى أظهر ذلك منه لقومه حتى نظروا إليه(533) جواز نزول الماء

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عرياناً(534) تنزيه الأنبياء عن النقائص في الخَلق والخُلُق، وأن أذاهم بذلك وإضافتهم إليه

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كفر(535) بيان شدّة صبر الأنبياء على أذى أقوامهم لهم، وأن العاقبة لهم(536)

آخر الكلام على هذا الحديث الشريف.

والحمد لله رب العالمين.

الحديث الخامس: ضرب نبي الله موسى لملك الموت عليه السلام،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفقؤه لعينه

المطلب الأول: ذكر الحديث.

المطلب الثاني: تخريج الحديث.

المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.

المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.

المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.

المطلب الأول: ذكر الحديث

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:

«أُرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فلما جاءه صكَّه، فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبدٍ لا يريد الموت، فردَّ الله عليه عينه وقال: ارجع، فقل له: يضع يده على متن ثور؛ فله بكل ما غطَّت به يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره، إلى جانب الطريق، عند الكثيب الأحمر».

المطلب الثاني:

تخريج الحديث

روي موقوفاً على أبي هريرة، ومرفوعاً ، أما الموقوف فقد أخرجه كلٌّ من:

أحمد (7646) والبخاري (1339) حدثنا محمود، و(3406) حدثنا يحيى بن موسى، ومسلم (2372) حدثنا محمد بن رافع وعبد بن حميد، والنسائي (2089) أخبرنا محمد بن رافع، كلّهم (أحمد ومحمود ويحيى بن موسى ومحمد بن رافع وعبد بن حميد) عن عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبي هريرة قال: «أرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام، فلما جاءه صكَّه، فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فردَّ الله عليه عينه، وقال: ارجع، فقل له: يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطَّت به يده بكل شعرة سنة، قال: أي رب، ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: فالآن، فسأل الله أن يدنيَه من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره، إلى جانب الطريق، عند الكثيب الأحمر».

واللفظ للبخاري من رواية محمود، ومثله – مع خلاف يسير – من رواية يحيى بن موسى.

وروي مرفوعاً عن عبد الرزاق:

رواه عنه كلٌّ من أحمد (8172) والبخاري (3407) حدثنا يحيى بن موسى، ومسلم (2372) حدثنا محمد بن رافع، ثلاثتهم (أحمد ويحيى بن موسى ومحمد بن رافع) عن عبد الرزاق عن معمر عن همّام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فذكر أحاديث منها، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : جاء ملك الموت إلى موسى عليه الصلاة والسلام . فقال له: أجب ربك. قال: فلطم موسى عليه الصلاة والسلام عين ملك الموت ففقأها، قال: فرجع الملك إلى الله تعالى فقال: إنك أرسلتني إلى عبد لك لا يريد الموت، وقد فقأ عيني. قال: فردَّ الله إليه عينه وقال: ارجع إلى عبدي فقل: الحياةَ تريد؟ فإن كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور، فما توارت يدك من شعرة، فإنك تعيش بها سنة، قال: ثم مه؟ قال: ثم تموت، قال: فالآن من قريب، رب أَمِتْني من الأرض المقدسة، رمية بحجر، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «والله لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب الطريق، عند الكثيب الأحمر». وهذا لفظ مسلم.

قلت: وأما البخاري فقد ساق أولاً الرواية الموقوفة، ثم قال: وأخبرنا معمر، عن همام،

حدثنا أبو هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نحوه.

وقد روي من غير طريق همام مرفوعاً ، فرواه أحمد (10904) حدثنا أمية بن خالد، ويونس، قالا: حدثنا حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم - قال يونس: رفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم - «كان ملك الموت يأتي الناس عياناً، قال: فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه، فأتى ربه عز وجل فقال: يا رب عبدك موسى، فقأ عيني، ولولا كرامته عليك لعنفت به، - وقال يونس: لشققت عليه -، فقال له: اذهب إلى عبدي فقل له: فليضع يده على جلد - أو مسك ثور، فله بكل شعرة وارت يده سنة، فأتاه فقال له. فقال: ما بعد هذا؟ قال: الموت، قال: فالآن، قال: فشمّه شمّة فقبض روحه، قال يونس: فردَّ الله عز وجل عليه عينه، فكان يأتي الناس خفية». ثم قال أحمد (10905): حدثنا مؤمل، حدثنا حماد، حدثنا عمار بن أبي عمار، قال: سمعت أبا هريرة، يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : «كان ملك الموت عليه الصلاة والسلام » فذكره.

وهو عند البزار (9593)، وقد علّق عليه بعد أن أخرجه: وهذا الحديث قد روي في قصة موسى عليه الصلاة والسلام من غير حديث عمار: رواه ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه ، ولا نعلم أسند هذا الحديث، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بهذا اللفظ إلا أبو هريرة رضي الله عنه .

وأخرجه الحاكم (4107) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرِّجاه.

وعلَّق الحافظ ابن حجر على طريق البخاري بقوله: أورده موقوفاً من طريق طاوس عنه، ثم عقَّبه برواية همام عنه مرفوعاً، وهذا هو

المشهور عن عبد الرزاق، وقد رفع محمد بن يحيى عنه رواية طاوس أيضاً، أخرجه الإسماعيلي(537)

قلت: وما جاء في أن ملك الموت كان يأتي الناس عياناً إنما روي من طريق عمار بن أبي عمار، وهو المتفرِّد بها، وعمارٌ هذا قال فيه الإمام أحمد: ثقة ثقة(538) ، وقال فيه أبو زرعة وأبو حاتم: ثقة لا بأس به(539) ، وذكر البخاري له حديثاً ثم قال: ولا يتابع عليه، وكان شعبة يتكلم في عمار(540) ، وقال فيه ابن حبان: وكان يهم في الشيء بعد الشيء(541) .

قلت: ولعل في تفرّد ابن أبي عمار، مع ما سبق من كلام شعبة وابن حبان فيه، ما يدفع إلى التوقُّف في تصحيح هذه الزيادة، وذلك لغرابة معناها، خاصة في مثل هذا الخبر، الذي لو ثبت لنُقل نقلاً مستفيضاً، عبر الأعصار والأمصار، بخلاف ما حصل بين موسى وملك الموت عليه السلام، فهو أمر خاص لم يطلع عليه أحد، ولولا أن الخبر جاء به لما عرفناه، ولهذا ينظر في صحة هذه الزيادة، وممّن شكّك في ثبوتها محقِّقو مسند أحمد، حيث قالوا: رجاله رجال الصحيح، وفي أوله نكارة، وهي قوله: «كان ملك الموت يأتي الناس عيانا»،

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهذه اللفظة تفرَّد بها عمار بن أبي عمار، وعنه حماد بن سلمة، ولكل منهما بعض المناكير(542) .اهـ

قلت: وقد عزاه الذهبي بهذا اللفظ في كتابه العلو(543) إلى المتفق عليه، وهو وهم، كما بيّن ذلك الشيخ الألباني رحمه الله(544) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له

(صكّه): ضربه بيده أو بحجر(545) ، وقيل: الصكّ: الضرب بالكف وبما هو عريض(546) ، والمِصك(547) : القوي من الناس والإبل والحمير(548) ، والأنثى مصكة(549) .

(متن) الميم والتاء والنون أصل صحيح واحد، يدل على صلابة في الشيء مع امتداد وطول(550) والمَتْنُ من الأرض: ما صلُب وارتفع، والجمع متانٌ ومُتونٌ، ومَتْنا الظَهر: مُكْتَنَفا الصُلْبِ عن يمينٍ وشمالٍ من عصب ولحم، يذكَّر ويؤنَّث(551) ومن المجاز: رأيٌ متين، وشعر

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

متين، وفي رأيه متانة(552) ومما شذَّ عن الباب قولهم: متنْتُ الدابة: أي: شققت صفنه واستخرجت بيضته(553) والمتن في هذا الحديث يراد به: الظهر(554)

(رمية بحجر): أي قدر ما يبلغه(555) ، أو: مقدار رمية(556) ، وقيل: يحتمل أن يكون على قربها دونها قدر رمية حجر، أو أدنني من مكاني إلى الأرض المقدسة، هذا القدر(557) ، قاله العيني، وعند القسطلاني: دُنُوًّا لو رمى رام حجرًا، من ذلك الموضع الذي هو موضع قبره، لوصل إلى بيت المقدس(558) .

(الكثيب) الكاف والثاء والباء أصلٌ صحيحٌ واحدٌ، يدل على تجمّع وعلى قرب، من ذلك الكثبة، وهي القطعة من اللبن ومن التمر، قالوا: سمِّيت بذلك لاجتماعها، ومنه كثيب الرمل(559) وقيل: الكثيب

حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هو: الرمل المستطيل المحدودب(560)

شرح مختصر للحديث:

يخبرنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم عن حادثة عرضت لموسى عليه الصلاة والسلام قبل وفاته بقليل، وهي أن الله عز وجل بعث له ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه الملك على غير صورته النورانية، بل على هيئة إنسان، فما كان من موسى عليه الصلاة والسلام إلا أن لطمه لطمة أذهبت عينه البشرية، فعاد ملك الموت إلى الله عز وجل وأخبره بأن موسى عليه الصلاة والسلام لا يريد الموت، فأرسل الله عز وجل له ملك الموت مرة أخرى، لكن على صورته النورانية في هذه المرة، أرسله لا ليقبض روح موسى عليه الصلاة والسلام وإنما ليُخَيِّره بين الموت وبين أن يعيش سنين طويلة، لا يستطيع العادُّ أن يعدّها، لكونها بعدد الشعر الذي ستغطيه يد موسى عليه الصلاة والسلام إذا أمرّها على ظهر ثور، فسأل موسى عليه الصلاة والسلام عمّا سيكون بعد هذه السنوات الطويلة، فأخبره الملك بأن الموت سيعقُبها، وهو نهاية كلِّ مخلوق، فلما تيّقن موسى عليه الصلاة والسلام من كون من يخاطبه هو ملك الموت، آثر الموت على العيش لهذه السنوات الطويلة، وطلب أن تقبض روحه بقرب

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بيت المقدس، فكان ما أراد.

هذا مفاد ما جاء في هذا الحديث العظيم، وسيأتي معنا في أثناء البحث ذكر الأسباب التي أدَّت بموسى عليه الصلاة والسلام لضرب ملك الموت، وما الذي ذكره أهل العلم في توجيه طلب موسى عليه الصلاة والسلام الموت قريباً من بيت المقدس.

والحمد لله رب العالمين.

المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها

لعلَّ هذا الحديث يعدُّ من أكثر الأحاديث إشكالاً عند طائفة من الناس، والشبه الواردة عليه ليست وليدة عصرنا، بل أوردها بعض من تقدّم زمانهم، وتأخَّر علمهم، اعتراضاً منهم على ما جاء في متنه من تفاصيل أشكلت على فهومهم القاصرة، وكما كان حالهم في غير هذا الحديث، زاغوا عن الحق فأزاغ الله قلوبهم، ولو سلكوا طريق الهدى لهداهم الله، وصدق الله العظيم: ﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ(561) ﴾ .

ذكر شبه المنكرين:

فمن المعترضين على هذا الحديث: ابن المطهِّر الحلِّي، عصريِّ شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو نفسه الذي هدم عليه شيخ الإسلام بنيانه، وذلك في كتابه العظيم «منهاج السنة»، إذ يقول ابن مطهر هذا: وفي الصحيحين: أن ملك الموت لما جاء لقبض روح موسى، لطمه موسى، ففقأ عينه، فكيف يجوز لعاقل: أن ينسب موسى «ع» مع عظمته، وشرف منزلته، وطلب قربه من الله تعالى، والفوز بمجاورة

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عالم القدس إلى هذه الكراهة؟ وكيف يجوز منه: أن يوقع بملك الموت ذلك، وهو مأمور من قبل الله تعالى(562) ؟اهـ كلام ابن المطهِّر.

قلت: ومثل هذه الشُّبه لا بد أن يسارع بتلقُّفها: عبد الحسين شرف الدين وأمثاله، فهم قد استشكلوا ما هو أوضح من هذا الحديث باتفاق العقلاء، فغير متوقع منهم أن يُغفلوا سَوق الشبه على هذا الحديث، ولهذا نرى عبد الحسين بعد أن ذكر الرواية التي أخرجها البخاري ومسلم لهذا الحديث، يقول: وأخرجه أحمد من حديث أبي هريرة في مسنده وفيه: أن ملك الموت كان يأتي الناس عياناً: قال: فأتى موسى فلطمه ففقأ عينه..الحديث، وأخرجه ابن جرير الطبري في الجزء الأول من تاريخه عن أبي هريرة ولفظه عنده: أن ملك الموت كان يأتي الناس عياناً، حتى أتى موسى فلطمه ففقأ عينه، وفي آخره: إن ملك الموت جاء إلى الناس خفيّاً بعد موت موسى.

ثم قال عبد الحسين: وأنت ترى ما فيه مما لا يجوز على الله تعالى، ولا على أنبيائه، ولا على ملائكته، أيليق بالحق تبارك وتعالى أن يصطفي من عباده من يبطش على الغضب بطش الجبارين؟ ويوقع بأسه حتى في ملائكة الله المقرَّبين، ويعمل عمل المتمرِّدين؟ ويكره الموت كراهة الجاهلين؟ وكيف يجوز ذلك على موسى؟ وقد اختاره الله لرسالته، وائتمنه على وحيه، وآثره بمناجاته، وجعله من سادة رسله، وكيف يكره الموت هذا الكره مع شرف مقامه؟

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ورغبته في القرب من الله تعالى والفوز بلقائه؟ وما ذنب ملَك الموت عليه الصلاة والسلام وإنما هو رسول الله إليه، وبما استحق الضرب والمثلة فيه بقلع عينه؟ وما جاء إلا عن الله وما قال له: سوى أجب ربك، أيجوز على أولي العزم من الرسل إهانة الكروبيين من الملائكة وضربهم حين يبلغونهم رسالات الله وأوامره عز وجل؟ تعالى الله وتعالت أنبياؤه وملائكته عن ذلك علوّاً كبيراً، ونحن لم بَرِئنا من أصحاب الرَّس، وفرعون موسى، وأبي جهل، وأمثالهم ولعنَّاهم بكرة وأصيلاً؟ أليس ذلك لأنهم آذوا رسل الله حين جاؤوهم بأوامره؟ فكيف نجوِّز مثل فعلهم على أنبياء الله وصفوته من عباده؟! حاشا لله إن هذا لبهتان عظيم.

ثم إن من المعلوم – والكلام ما زال لعبد الحسين - أن قوة البشر بأسرهم، بل قوة جميع الحيوانات منذ خلقها الله تعالى إلى يوم القيامة لا تثبت أمام قوة ملك الموت، فكيف – والحال هذه - تمكَّن موسى « ع» من الوقيعة فيه؟ وهلاَّ دفعه الملَك عن نفسه؟ مع قدرته على إزهاق روحه، وكونه مأموراً عن الله تعالى بذلك.

ومتى كان للملَك عين يجوز أن تفقأ؟ ولا تنس تضييع حق الملك وذهاب عينه، ولطمته هدراً، إذ لم يؤمر الملَك من الله بأن يقتص من موسى صاحب التوراة التي كتب الله فيها (أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص)، ولم يعاقب الله موسى على فعله هذا، بل أكرمه، إذ خيَّره بسببه بين الموت والحياة سنين كثيرة بقدر ما تواريه يده من شعر

الثور، وما أدري والله ما الحكمة في ذكره شعر الثور بالخصوص؟ أما وعزة الحق، وشرف الصدق، وعلوهما على الباطل والإفك، لقد حمَّل هذا الرجل أولياءه ما لا طاقة لهم به، وكلَّفهم بأحاديثه هذه بما لا تحتمله عقولهم أبداً، ولا سيمَّا قوله في هذا الحديث: إنَّ ملَك الموت قبل وفاة موسى كان يأتي الناس عياناً، وإنما جاءهم خفياًّ بعد موت موسى، نعوذ بالله من سبات العقل وخطل القول والفعل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم(563) اهـ كلام عبد الحسين بطوله.

ونحو ما مضى من كلام عبد الحسين هذا، قال محمود أبو رية، وزاد في كلامه: وقد أورد الثعالبي في كتابه «المضاف والمنسوب» هذا الحديث تحت عنوان «لطمة موسى»، وقال عنه: إنه من أساطير الأولين، وأن ملك الموت هذا أعور، حتى قيل فيه:

يـــا مـــلك المـــوت لقـيت منكرالطـــمـــة مــوسى تركتك أعورا !

وختم قوله – أي الثعالبي - بهذه العبارة: وأنا برئ من هذه الحكاية.

ومن العجيب والكلام ما زال لأبو رية أن يصف الثعالبي هذا الحديث بأنه من أساطير الأولين بعد أن رواه البخاري ومسلم، مما يدلُّ على أن هذين الكتابين لم يكن لهما في القرون الأولى الإسلامية تلك القداسة التي جُعلت لهما بعد ذلك، والثعالبيُّ كما هو معروف قد مات في سنة

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

429هـ.

ثم تابع أبو رية قوله ساخراً: ولا ننسى هنا فضل موسى على الناس جميعاً، فقد حفظهم من رؤية ملَك الموت البشعة، وله فضل آخر عظيم على المسلمين، فقد كان هو السبب في أن وضع عنهم 45 صلاة كلّ يوم وليلة (انظر حديث المعراج(564) )، إذ أنه استدرك على الله وعلى النبي، ونصح له أن يراجع ربه، وظلّ النبي يصعد ويهبط بين الله وموسى تسع مرات، وفي كل مرة تنقص الصلاة خمساً، إلى أن أصبحت خمس صلوات في اليوم والليلة، فجزى الله موسى عن المسلمين كافة أحسن الجزاء، إذ لولاه لكان على المسلمين أن يؤدُّوا كل يوم خمسين صلاة! اهـ كلام محمود أبو رية.

وقال محمد علي عز الدين: ما أكذب أول هذا الحديث، وما أدري الكذب أمن أبي هريرة الذي قد عرفت حاله؛ أم من ابن طاووس المشهور عند الجميع بوضع الحديث؟ ولعمري إن كان وقع ذلك من موسى عليه الصلاة والسلام فهو أعظم وزراً من الوليد جبار قريش، الذي قال يوم ذكرت زبانية جهنم أنهم تسعة عشر: أنا أكفيكم عشرة فاكفوني الباقي، على أن الوليد قال قولاً؛ وموسى فعل فعلاً، ثم إنَّه ما باله لما رجع إلى موسى بزيادة عمره سأل عما بعدها؟! هل كان موسى يعتقد أنه مخلّدٌ وجاهلٌ بمن مات قبله من الأنبياء وغيرهم؟ هذا الذي يضحك الثكلى، ويدعُ أهل الشرك إذا اطلّعوا على مثله من أقاويل المسلمين، يسخرون بالإسلام، لا قوة إلا بالله: مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ(565)(566) اهـ كلام محمد علي عز الدين.

تلخيص الشبه السابقة:

قلت: ومن المفيد للقارئ الكريم أن أُلخِّص الشبه السابقة بالنقاط التالية:

كيف يضرب موسى عليه الصلاة والسلام الناس هكذا، من دون سبب؟ كيف يكافئ الله عز وجل موسى عليه الصلاة والسلام على ما فعله من إيذاء الآخرين؟ كيف يفرُّ موسى عليه الصلاة والسلام من الموت؟ كيف يهين موسى عليه الصلاة والسلام الملَك المرسَل من الله عز وجل؟ ما حقيقة الملائكة، هل هي جسمانية أم نورية؟ الطعن في ابن طاوس بشهرته عند الجميع بوضع الحديث. كيف يغيب عن موسى عليه الصلاة والسلام أنه ميّت وليس بمخلَّد؟ كيف يعتبر هذا الحديث من مناقب موسى عليه الصلاة والسلام ، بحيث يخرجه الإمام مسلم في فضائله؟

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الرد على هذه الشبه:

قلت: جاء في كتاب الله عز وجل صور من غضب موسى عليه الصلاة والسلام فموسى عليه الصلاة والسلام ألقى الألواح عند غضبه، وأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه، وهارون عليه الصلاة والسلام لا ذنب له، ثم استغفر له موسى عليه الصلاة والسلام بعد ذلك، والألواح التي ألقاها موسى عليه الصلاة والسلام من باب أولى لا ذنب لها(567) ومع ذلك، فما عوتب موسى عليه الصلاة والسلام من الله عز

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وجل، الذي اصطفاه على الناس برسالاته وبكلامه، بل تجاوز الأمر ذلك، حينما قتل نفساً من غير تعمّد منه لذلك، وإنما وكزه فقتله، وفي اليوم التالي أراد أن ينتصر لبلديِّه الذي قَتل بسببه ذلك الرجل، ذكر ذلك ربنا سبحانه وتعالى في كتابه قائلاً: فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقْتُلَنِى كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًۢا بِٱلْأَمْسِ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارًا فِى ٱلْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْمُصْلِحِينَ(568) فهل ما بدر من موسى عليه الصلاة والسلام في كلِّ ما سبق هو أهون عند الله من ضرب ملك الموت؟ هذا لو كان موسى يعلم بأن المتجلِّي له هو ملَك، بل وملك الموت، لكن لما جاءه على غير صورته، ظنّه موسى عليه الصلاة والسلام رجلاً غريباً تسوّر عليه بيته، ففعل ما فعل، ومن هو أدنى غَيرةً وقوةً في الحق من موسى، كان سيفعل مثل ما فعل، فكيف يُنكَر على موسى عليه الصلاة والسلام دفعه لغريب اقتحم عليه بيته يريد قتله؟!

ويؤكِّد ما ذكرته من كون موسى عليه الصلاة والسلام لم يعلم بأن من ضربه هو ملك الموت، ما نصّ عليه راوي الحديث من كون ملك الموت لم يأته بصورته الحقيقية، فكيف سيخطر على قلب موسى عليه الصلاة والسلام أن من اقتحم عليه بيته هو ملك الموت؟ ولو أراد الله عز وجل أن يُطلع موسى على حقيقة هذا الزائر لأرسله في صورته الحقيقية، ولكن لحكمة أرادها الله عز وجل أرسل ملك الموت على

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

غير صورته، فتصرّف معه موسى عليه الصلاة والسلام هذا التصرّف، وهو التصرّف الذي أقرته شريعتنا، فعن سهل بن سعد الساعدي: أن رجلاً اطلع في جحرٍ في باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مِدرى(569) يحكُّ به رأسه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لو أعلم أنك تنتظرني، لطعنت به في عينيك»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم «إنما جعل الإذن من قبل البصر».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال صلى الله عليه وآله وسلم : «لو أن امرأً اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح».

أخرجهما البخاري في صحيحه(570) ، وبوّب لهذه المسألة بقوله رحمه الله: من اطلع في بيت قوم ففقئوا عينه، فلا دية له.

وفي تبويب البخاري مع الحديثين السابقين جوابٌ لما أشكل على عبد الحسين بزعمه أن فقء موسى عليه الصلاة والسلام لعين ملك الموت هو من قبيل المُثلة، كيف، وقد أمر نبيُّنا صلى الله عليه وآله وسلم بذلك؛ في حقِّ من تلبّس بمثل ما تلبّس به زائر موسى عليه الصلاة والسلام ، وكذا في نصّ البخاري على أن الناظر لا دية له مقابل فقئ عينه، حيث كان هو الجالب لهذا الضُرِّ على نفسه.

أما ما حاول عبد الحسين أن يُشكل به: من كون قوة البشر لا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تساوي شيئاً أمام قوة ملك من الملائكة، فهذا حقٌّ، لو كان الملَك على صورته وهيئته، أمَا وقد جاءه على صورة بشر، فقوته في هذه الحال قوة بشرية، مكنّت موسى عليه الصلاة والسلام من ضربه، وموسى عليه الصلاة والسلام عنده من القوة ما يكفي لضرب بشرٍ مثله، فهو الذي قتل رجلاً من وكزةٍ واحدةٍ، وهو الذي سقى لامرأتين ضعيفتين وسط جمع من الرجال الأقوياء، وهو الذي ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه، وضرب البحر ففلقه بقدرة الله، فما حصل له مع من اقتحم عليه بيته، إنما هو صورة من صور قوته عليه الصلاة والسلام وشدَّته في الحقِّ.

ومما يزيد في تأكيد عدم علم موسى عليه الصلاة والسلام أن الذي ضربه هو ملك الموت، أنه لما أتاه في المرة الثانية يعرض عليه أن يعيش سنين بعدد شعر الثور، لم يَعتدِ عليه، بل اختار الموت في الوقت، وهذا يدفع أيضاً ما هوّش به عبدُ الحسين من كون هذا الحديث يظهر كراهية موسى عليه الصلاة والسلام للموت، بل الناظر المنصف يرى بوضوح أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يكن كارهاً للموت أبداً، بل سارع لقبوله وتقديمه على البقاء حياً لسنوات طويلة لا يعلم منتهاها إلا الله عز وجل، وتخيير ملك الموت لموسى عليه الصلاة والسلام في المرة الثانية، لم يكن خاصاً به من بين الأنبياء عليهم السلام، بل هو عام فيهم كلّهم، وهو ما أخبر به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم واختار ما اختاره موسى عليه الصلاة والسلام فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ما من نبي يمرض إلا خُيِّر بين الدنيا والآخرة»، وكان في شكواه الذي قبض فيه، أخذته بُحَّة شديدة،

فسمعته يقول: وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلصِّدِّيقِينَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَٱلصَّٰلِحِينَ﴾(571) فعلمت أنه خير(572)

وقال صلى الله عليه وآله وسلم عن خاصّة نفسه، حينما جلس على منبره: «إن عبداً خيَّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده»(573) .

بل إن تخيير ملك الموت لموسى عليه الصلاة والسلام في المرة الثانية بين الحياة والموت، لهو من أوضح الأدلة على عدم معرفته له في المرة الأولى، لأنه في الأولى لم يخيِّره، بل خيّره في المرة الثانية، وموسى عليه الصلاة والسلام يعلم علم اليقين أن الأنبياء لا يقبضون حتى يخيَّروا، فكيف ستقبض روحه من غير تخيير؟ بل قد نعود إلى أصل الرواية، فنتساءل: ما الذي كان سيجعل موسى يعتقد أن من أمامه هو ملَك الموت، هل صرّح ملك الموت له بذلك؟ إن الناظر في أصحِّ الروايات يرى أن ملَك الموت لم يزد على قوله لموسى عليه الصلاة والسلام أجب ربك، وهذه الصيغة وحدها غير كافية ليعتقد موسى عليه الصلاة والسلام من خلالها أن من يخاطبه هو ملك الموت، بل هذه الصيغة قد تصدر ممن أراد أن يقتل آخر، كأن يقول له: إن أجلك قد حضر، أو: انتهى أجلك، أو: لم يبق لك في هذه الدنيا شيء، وغير ذلك من العبارات التي تؤدي المعنى نفسه، ولا أرى أن ما قاله ملك الموت لموسى عليه الصلاة والسلام يبعدُ من حيث المعنى

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كثيراً عن هذه العبارات، وهذا كلّه مما يؤكِّد عدم معرفة موسى عليه الصلاة والسلام بأن من جاءه هو ملك الموت، ففعل ما فعل.

ومن مكر عبد الحسين المعتاد، أنه لم يورد بقية الحديث، والذي فيه مسارعة موسى عليه الصلاة والسلام لقَبول الموت، وعدم تأخير ذلك، واكتفى عبد الحسين بقوله: الحديث، إشارة إلى تتمة الحديث، والقارئ غير المتخصص - وقل: الواثق بعبد الحسين - يكتفي بما ذكره له عبد الحسين، ولو رجع إلى تمام الحديث، لوجد أن تتمته تبيّن عدم كراهية موسى عليه الصلاة والسلام بالموت، وبالتالي، يسقط تهويش عبد الحسين الذي ادعى فيه كراهية موسى عليه الصلاة والسلام للموت.

وأما ما هوّل به أبو رية من كون الثعالبي قضى على هذا الخبر بأنه من جملة أساطير الأولين، التي يبرأ من عهدتها، فدعونا نعرض نص الثعالبي أولاً لننظر فيه، ثم نتبع ذلك بما يجلِّي وجه الصواب بإذن الله، قال الثعالبي: (لطمة موسى): تضرب مثلاً لما يسوء أثره، وفى أساطير الأولين: أن موسى سأل ربه أن يعلِمه بوقت موته ليستعد لذلك، فلما كتب الله له سعادة المحتضَر أرسل إليه ملك الموت وأمره بقبض روحه بعد أن يخبره بذلك، فأتاه في صورة آدمي وأخبره بالأمر، فما زال يحاجه ويلاجه، وحين رآه نافذ العزيمة في ذلك لطمه فذهبت منها إحدى عينيه فهو إلى الآن أعور، وفيه قيل:

يـــا ملك المــوت لقــيــت منكـراًلــطــمــة مــوســى تركتك أعوراً

ثم

قال الثعالبي: وأنا بريء من عهدة هذه الحكاية(574) اهـ كلام الثعالبي.

قلت: إن الناظر في سياق كلام الثعالبي يرى أنه أنكر خبراً لا يُعرف، وقد كان مُحقّاً فيما أنكره، فالخبر الذي ساقه لا علاقة له من قريب ولا بعيد بخبر الصحيحين، فأين في خبر الصحيحين أن موسى عليه الصلاة والسلام طلب من ربه أن يُعلمَه بساعة موته، وأين المحاججة والملاججة من موسى لملك الموت؟ كلُّ هذا لا أثر له ولا عين في رواية الصحيحين، هذا أولاً، وأما ثانياً: فإن إنكار الثعالبي إنما هو على استمرار عاهة العور بملك الموت، وقد صرّح بذلك بعد سياقه لهذا الخبر الموضوع، حيث قال: هذا الحديث في أساطير الأولين، ويضرب مثلاً بين الناس، وقد اشتهر بعد ذلك بين العوام أن عزرائيل أعور، وفيه قيل: ...ثم ذكر بيت الشاعر السابق ذكره، والمنتهي بقول الشاعر: لطمة موسى تركتك أعور.

فالذي أنكره الثعالبي إنما هو بقاء ملك الموت على هذه الحالة من العور، والمأخوذ من الخبر الذي ساقه، وهذا كما أسلفت لا علاقة له بحديث الباب، لاختلاف سياقه، ومع وضوح ما أسلفت، فأقول تنزُّلاً: لو افترضنا جدلاً أن الثعالبي إنما أنكر هذا الحديث، وزعم أنه من أساطير الأوَّلين، فلا دليل على أنه قال ذلك مع معرفته أن البخاري ومسلماً قد أخرجاه، ومن أراد إثبات ذلك والتهويش به فعليه

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أن يُحضر الدليل من كلام الثعالبي نفسه، كأن يقول: رواه البخاري ومسلم وهو من أساطير الأولين، وهذا ما لما يوجد في كلامه، وتضعيف حديث مع عدم العلم بوجوده في الصحيحين، قد يخفى على من هو أجلّ من الثعالبي، وأقرب منه إلى علوم الحديث، فكم من عالم كبير ملأ الدنيا علماً أنكر صحة حديث، ويكون هذا الحديث في الصحيحين أو أحدهما، وكم من عالم كبير قد ملأ الدنيا علماً، قد نسب حديثاً ضعيفاً، بل وموضوعاً للصحيحين، وهو ليس فيهما ولا في أحدهما، ومن طلب الأمثلة وجدها، ولن أُقرَّ أعين أتباع عبد الحسين بذكر بعضها، ولا بتسمية أصحابها، وكلُّ هذا لا يعود على صحيح البخاري بالشَّين، وإنما يُظهر أن الله قد جعل لكل شيء قدراً، وفوق كلِّ ذي علم عليماً، وقد بلغ من وهاء شبهة المدعو محمود أبو رية أن تعلّق بكلامٍ لأحد الأدباء، لا يعرف له اشتغال بالحديث، ولو على سبيل المشاركة، ولو وقف أبو رية على من هو أقرب من الثعالبي لمغزاه لنشر قوله في السهل والجبل!

وأما حيرة عبد الحسين من تخصيص الثور بهذا الحديث، فهي حيرة تليق بأمثاله ممّن ملأ الشك قلوبهم، ولو أردنا أن نفكر بتفكيره ونعوذ بالله من ذلك لاستشكلنا اختياراتٍ عديدة أرادها الله عز وجل، خاصة فيما يتعلّق بالبهائم، ومنها ما هو في كتاب الله، كذكره سبحانه وتعالى للإبل والغنم والبقر، وكلُّ ذلك، مما لا يخطر على قلب مؤمن، ولكن عبد الحسين يريد أن يجمع كلَّ ما يستطيع لإحكام شبهته، وأنّى له ذلك، ولو أعمل عقله قليلاً لعلم أن شعر الثور الكثيف

الكثير، هو الذي أهّله لأن يُذكر في هذا الحديث، حيث عُرض على موسى عليه الصلاة والسلام أنه إذا مسح على ظهره فله بكل شعرة سنة، وهذا يعني أن موسى عليه الصلاة والسلام لو فعل ذلك فإنه سيعيش سنوات طويلة مديدة لا يعلم مداها ومنتهاها إلا الله.

ومن طلب الهدى هداه الله عز وجل وأنار بصيرته، وهذا ما نراه جليّاً واضحاً في موقف أئمة الإسلام، حيث استدل بعضهم على أن زوال الدنيا ما زال بعيداً جداً، وذلك استنباطاً من قول الملَك في الحديث: فلك بكل شعرة سنة، ففهم بعض العلماء الأجلاء من ذلك أن الذي بقي من الدنيا كثير جداً، لأن عدد الشعر الذي تواريه اليد قدر المدة التي بين موسى وبعثة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم مرتين وأكثر»(575) .

وللإنصاف، أقول: إن هذه الشبهة لم يكن عبد الحسين هو أول من قال بها، ولا سلفه المظفر(576) ولا سلفهما الحلِّي، بل هي شبهة قديمة طرأت على أناس عُرفوا بعدائهم للسنة النبوية، وإنكار كلِّ ما

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يتعارض مع عقولهم زعموا-، وعَلِمنا قِدمَ هذه الشبهة، مِن تقدّم من قام بردها من أئمة الإسلام، ومن أوائلهم: أبو محمد ابن قتيبة (ت276هـ)، حيث نقل شبهة أناسٍ قالوا: رويتم عن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم «أن موسى عليه الصلاة والسلام لطم عين ملك الموت، فأعوره»، فإن كان يجوز على ملك الموت العور، جاز عليه العمى، ولعل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام قد لطم الأخرى فأعماه؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام كان أشدَّ للموت كراهية من موسى عليه الصلاة والسلام وكان يقول: «اللهم إن كنت صارفاً هذه الكأس عن أحدٍ من الناس، فاصرفها عني».

قلت: هذه هي شبهة القوم في ردّ الحديث، عرضها ابن قتيبة رحمها الله، ثم شرع في الردِّ عليها، فبيّن بعد أن ذكر صحة الحديث: أن الملائكة الروحانيين قد يتشكَّلون بصورة البشر، لكن هذا التشكُّل إنما هو على سبيل التخييل والتمثيل لا على سبيل الحقيقة، وذلك لأنهم أرواحٌ لا أجساد لها، وبهذا أجاب على كلّ النصوص التي جاءت في مجيء الملائكة على صورة بشر، إلى أن انتهى ابن قتيبة بقوله: ولما تمثَّل ملَك الموت لموسى عليه الصلاة والسلام ، وهذا ملك الله، وهذا نبي الله، وجاذبه، لطمه موسى لطمة أذهبت العين التي هي تخييل وتمثيل، وليست حقيقة، وعاد ملك الموت عليه الصلاة والسلام إلى حقيقة خلقته الروحانية كما كان، لم ينتقص منه شيء(577) .اهـ كلام ابن قتيبة رحمه الله.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وما ذهب إليه رحمه الله من اعتبار تحوّل الملك هنا إنما هو من قبيل التخييل والتمثيل قد ردّه غيره من أهل العلم(578) ، وقصدي من إيراد قوله بيان تقدُّم هذه الشبهة زماناً، وعلوقها بقلوب بعض مخالفي السنة النبوية، على صاحبها الصلاة والسلام.

ومن العلماء المتقدِّمين الذين تصدّوا لهذه الشبه: إمام الأئمة ابن خزيمة، إذ يقول: أنكر بعض أهل البدع والجهمية هذا الحديث ودفعوه، وقالوا: لا يخلو أن يكون موسى عرف ملك الموت، أو لم يعرفه، فإن كان عرفه فقد ظلمه واستخف برسول الله، ومن استخف برسول الله فهو مستخف بالله، وإن كان لم يعرفه فرواية من روى أنه كان يأتي موسى عياناً لا معنى لها، ثم نقل ابن خزيمة عن بعض الجهمية قولهم: وزعمت الحشوية أن الله لم يقاصص الملك من اللطمة وفقء العين، والله تعالى لا يظلم أحداً، ثم باشر ابن خزيمة الردَّ قائلاً: وهذا اعتراض من أعمى الله بصيرته، ولم يبصِّره رشده، ومعنى الحديث

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

صحيح على غير ما ظنَّه الجهمي، وذلك أن موسى صلى الله عليه وآله وسلم لم يبعث الله إليه ملك الموت، وهو يريد قبض روحه حينئذ، وإنما بعثه إليه اختباراً وابتلاءً، كما أمر الله خليله إبراهيم بذبح ابنه، ولم يُرد تعالى إمضاء الفعل ولا قتل ابنه، ففداه بذبح عظيم، وَنَٰدَيْنَٰهُ أَن يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ﴾(579) ولو أراد قبض روح موسى حين ألهم ملك الموت لكان ما أراد، لقوله تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ(580) وكانت اللطمة مباحة عند موسى إذا رأى شخصاً في صورة آدمي قد دخل عنده لا يعلم أنه ملك الموت، وقد أباح الرسول صلى الله عليه وآله وسلم فقء عين الناظر في دار المسلم بغير إذن، ومحال أن يعلم موسى أنه ملك الموت ويفقأ عينه، ثم استدل ابن خزيمة على جواز تشكّل الملائكة بصور بني آدم بمجيئ الملائكة على صورة بشر لإبراهيم عليه الصلاة والسلام وكذا إتيانهم لوطاً عليه الصلاة والسلام ومجيء جبريل عليه الصلاة والسلام لمريم وتمثله لها بشراً سوياً، وكذا ما حصل في قصة الخصم الذين تسوّروا المحراب على داود عليه الصلاة والسلام وفي مجيئ جبريل عليه الصلاة والسلام لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم في صورة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، وفي كلِّ ما مضى: لم يعرِف أحدٌ منهم أنه يخاطب ملائكة الله عز جل، وكلُّ هذا يجعل ما حصل مع موسى عليه الصلاة والسلام أمراً مقبولاً له نظائر سابقة ولاحقة.

ثم ردّ ابن خزيمة على الشبهة المتعلّقة بعدم القصاص من موسى لملك الموت، مبيّناً أن القصاص بين الملَك والبشر لا يُعرف، ولا نظير

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

له، مع عدم مجيء نصٍّ بطلب ملك الموت للقصاص، وأن الله عز وجل لم يقتص من موسى عليه الصلاة والسلام في قتله للقبطي، والقتل أعظم من فقء العين، وأن ما حصل من إرسال ملك الموت لموسى عليه الصلاة والسلام إنما كان على وجه الاختبار والابتلاء، ولهذا نظائر في شرعنا وشرع من قبلنا، أشار إليها رحمه الله، إلى أن أنهى ابن خزيمة ردّه لتلك الشبه قائلاً: وكذلك بعث الله ملك الموت إلى موسى للابتلاء والاختبار، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن الله تعالى لم يقبض نبياًّ قطُّ حتى يريه مقعده من الجنة ويخيِّرَه، فلا يجوز أن يؤمر ملك الموت بقبض روحه قبل أن يُريه مقعده من الجنَّة، وقبل أن يخيِّره، والله ولى التوفيق(581) .اهـ

وممّن عرض لهذا الحديث، وأفاض في الذبِّ عنه من العلماء المتقدِّمين، أبو بكر الكلاباذي، وكان فيما قاله بعد أن ذكر صحة الحديث، وإخراجهم له في الصحاح، وطريقة أهل العلم في قبول الحديث متى صحّ، وردّ المتشابه إلى المحكم إن أشكل معناه، وبنى على ذلك أن «بمعرفة المحكم والمتشابه تميَّز الفاضل من المفضول، والعالم من المتعلِّم، والحكيم من المتعجرف، ومن أمرَّ الأحاديث على ما جاءت حين التبس عليه كنه معرفتها لم يردها راو منكر جاحد، بل آمن واستسلم، وانقاد ووكل علمه إلى الله تعالى، وإلى من علمه الله وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ(582) ورد الأخبار والمتشابه من

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

القرآن طريق سهل يستوي فيه العالم والجاهل، والسفيه والعاقل، وإنما يتبين فضل علم العلماء، وعقل العقلاء بالبحث والتفتيش واستخراج الحكمة من الآية والسنة، وحمل الأخبار على ما يوافق الأصول، وتصححه العقول».

ثم ذكر الكلاباذي أن ما حصل بين موسى وملك الموت عليه السلام؛ مشابه لما حصل بين موسى وهارون عليه السلام، مع ملاحظة أن هارون عليه الصلاة والسلام أجلّ قدراً وأعلى مرتبة من ملك الموت عليه الصلاة والسلام عند أكثر العلماء من أهل النظر، ومع ذلك فما عوتب موسى عليه الصلاة والسلام في صنيعه هذا، بل لم ينقل عنه أنه تاب من فعله هذا، مما يدلّ على عدم عدّها معصية ولا زلّة، بخلاف ما حصل من آدم وزوجه عليه السلام حينما سارعا بالتوبة بعد أكلهما من الشجرة، ونظائر ذلك في كتاب الله من غير آدم عليه الصلاة والسلام ، وما حصل من عدم توبة موسى عليه الصلاة والسلام من صنيعه مع هارون عليه الصلاة والسلام ، هو نظير ما حصل منه عليه الصلاة والسلام في حق ملك الموت عليه الصلاة والسلام .

إلى أن وصل الكلاباذي إلى تجويز أن يكون غضب موسى من ملك الموت عليه السلام إنما كان لله عز وجل لا انتصاراً لنفسه، لما ظنَّ أنه يدَّعي أنه من عند الله عز وجل، ثم لما تبيّن له صدق ذلك في المرة الثانية، سارع إلى امتثال أمر الله عز وجل في قبض روحه عليه الصلاة والسلام(583) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وكذا ممن أجاب على هذه الشبهة من أئمة الإسلام رحمهم الله، الإمامُ الخطابيُّ، وكلامه يدور حول ما ذكره من سبقه من أهل العلم، ونبّه على أمور أخرى، كشبهة رفض موسى عليه الصلاة والسلام للموت مع علوِّ قدره عند الله، فقال رحمه الله بعد أن ذكر شيئاً من معجزات موسى عليه الصلاة والسلام وفضله عند ربه: ثم إنه لما دنا حينُ وفاته – وهو بشرٌ يكره الموت طبعاً – ويجد ألمه حسّاً لطف له بأن لم يفاجئه به بغتة، ولم يأمر الملك الموكَّل به أن يأخذه قهراً وقسراً، لكن أرسله إليه منذراً بالموت، وأمره بالتعرُّض له على سبيل الامتحان في صورة بشر، فلما رآه موسى استنكر شأنه واستوعر مكانه، فاحتجز منه دفعاً عن نفسه بما كان من صكِّه إياه، فأتى ذلك على عينه التي ركِّبت في الصورة البشرية التي جاء فيها دون الصورة الملكية التي هي مجبول الخلقة عليها، ومثل هذه الأمور مما يعلّل به طباع البشر وتطيب به نفوسهم في المكروه الذي هو واقع بهم، فإنه لا شيء أشفى للنفس من الانتقام ممن يكيدها فيُريدها بسوء(584) .اهـ.

وأما أبو

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عبد الله المازري فبعد أن نقل ما مرَّ معنا أولاً من كلام ابن قتيبة في سياقه لشبهة القوم، ذكر ثلاثة أقوال نسبها لأصحابه، ملخّصها:

أن الملَك له القدرة أن يتصور بما يشاء بقدرة الله عز وجل، وأمثلته في كتاب الله متعددة، وقد يكون على سبيل التخييل، وهذا هو الوجه الأول، وردّه المازري بقوله: وهذا الجواب عندي قد لا يقنعهم، وقد يقولون: إن علم أنه ملك وأن ذلك تخيّل فكيف يصكُّه ويقابله بهذه المقابلة؟ وهذا لا يليق بالنبي.

والوجه الثاني: أنه يحمل على أن موسى عليه الصلاة والسلام قد غلبه بالحجة، وهذا هو المراد بفقء عينه، ثم استبعد المازري هذا الوجه قائلاً: وهذا أيضاً قد يبعد من ظاهر هذا اللفظ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم : فردّ الله إليه عينه، وإن قالوا: معناه فردّ الله إليه حجته كان ذلك بعيداً عن مقتضى سياق اللفظ(585) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثم ذكر الوجه الثالث، وهو احتمال أن يكون موسى عليه الصلاة والسلام قد فعل ما هو مأذونٌ له فعله، ويكون الامتحان متعلّقاً بملك الموت، وقد صدّره المازري بقوله: وهو أمثل ما قالوه فيه.

إلا أن المازري استظهر بعد ذلك ما مرّ معنا من كلام الأئمة بأن موسى عليه الصلاة والسلام لم يكن يعرف أن مَن أمامه هو ملك الموت، فدافع عن نفسه بهذه الطريقة، التي أقرَّتها شريعتنا(586) .

ونقل القاضي عياض ما سبق من كلام أبي عبد الله المازري ثم قال: والوجه الذي ذكر الشيخ الإمام رحمه الله أنه ظهر له وحسَّنه وهو حسن، وهو تأويل الإمام أبي بكر بن خزيمة وغيره من المتقدِّمين، وبنصه احتجاجه، وأرى الشيخ ما لم يكن رآه لغيره، والله أعلم(587) .اهـ.

قلت: وبنحو ما سبق عن الأئمة الكرام أجاب ابن الجوزي على الشبه المتعلّقة بالحديث(588) .

وبقي أن نتساءل لم أراد موسى عليه الصلاة والسلام أن يكون قريباً من بيت المقدس عند قبض روحه؟ فأقول: أجاب العلماء بأجوبة عدة، ذكر بعضها ابن بطال فقال: ومعنى سؤال موسى أن يدنيه من الأرض المقدسة، والله

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أعلم، لفضل من دُفن في الأرض المقدسة من الأنبياء والصالحين، فاستحب مجاورتهم في الممات، كما يستحب جيرتهم في المحيا، ولأن الفضلاء يقصدون المواضع الفاضلة، ويزورون قبورها ويدعون لأهلها، قال المهلَّب: إنما سأل الدنوَّ من الأرض المقدسة ليُسهِّل على نفسه، وتسقط عنه المشقة التي تكون على من هو بعيد منها من المشي وصعوبته عند البعث والحشر، قال غيره: ومعنى بعده منها (رمية بحجر) ليعمّى قبره، لئلا يعبد قبره جهال أهل ملته، ويقصدونه بالتعظيم، والله أعلم، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أن اليهود تفعل ذلك بقوله: «لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ذلك»(589)

قلت: وما قاله أخيراً هو ما يتسق مع مقاصد الشرائع من صرف العبادة كلِّها لله عز وجل، وسدِّ ذرائع الشرك، وهذا القول لا يعطّل القول باستحباب موسى للدفن في الأرض المقدَّسة، بل يؤكِّده من جهة إرادته لذلك مع حرصه على تعمية مكان قبره، حتى لا يُتخذ وثناً يعبد من دون الله عز وجل، والله تعالى أعلى وأعلم(590) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأختم بالإجابة على ما أورده المدعو محمد علي عز الدين، من دعواه بأن هذا الحديث المكذوب بزعمه إما أن يكون من وضع أبي هريرة أو من وضع ابن طاوس، حيث قال هذا المدَّعي: وما أدري الكذب أمن أبي هريرة الذي قد عرفت حاله؛ أم من ابن طاووس المشهور عند الجميع بوضع الحديث؟

وللجواب على شبهته هذه أقول: أما طعنه في أبي هريرة فأسأل الله العظيم أن ينتقم لأبي هريرة منه، وأن يشمل هذا الأفّاكَ قولُه تعالى: سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّا وَنَرِثُهُۥ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا(591) ومقام أبي هريرة رضي الله عنه أعلى عندي

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعند المسلمين قاطبة من أن أعرِّضه لمناقشة هذه الشبهة الفاجرة التي قامت على مجرد هراء.

ولكن أريد أن أعرض سريعاً لدعواه الفاجرة الأخرى في أن ابن طاوس هذا اشتهر عند الجميع بوضع الحديث، وقوله هذا يُظهر حقيقة مستواه العلمي الذي يدَّعيه، فابن طاوس هذا هو عبد الله بن طاوس بن كيسان، أخرج له الجماعة في كتبهم، وصرّح بتوثيقه غير واحد من أئمة الحديث كأبي حاتم(592) والنسائي(593) والعجلي(594) وأثنى على دينه وفقهه غيرُ واحد من أئمة الإسلام(595) ولم يُتكلم فيه إلا في خبر غريب، في إسناده غير واحد ممن لا يعرف حالهم، وهو من طريق أئمة هذا المدَّعي، لم يُعرف إلا من جهتهم(596) فأنَّى يقبل هذا الخبر؟! ثم

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بعد ذلك يأتي هذا الأفّاك ليدَّعي هذه الدعوى العريضة في أن ابن طاوس اشتهر عند الجميع بوضع الحديث؟!

وما أرى جرأة هذا الأفّاك إلاّ نابعة من تيقُّنه أن أحداً من طائفته لن يراجع قوله، وهذا الرأي هو المقدّم عندي، فكثير من هؤلاء إنما راجت بضاعتهم بسبب شدّة جهل أتباعهم، ثم يأتي في المقام الثاني احتمال جهله هو بما يكتب، ولا بُعد في هذا، فالقوم دخلاء على هذه العلوم، عالة على غيرهم فيها، والاحتمال الثالث أن يكون إنما قصد بطعنه السابق: ابنَ طاوس عالمِـَهم، وظنَّ لجهله أنه هو الذي روى هذا الحديث، وهو ممن اشتهر بوضعه عند الجميع؟ وإن كنت كما

أسلفت أغلِّب القول الأول، وللإنصاف، فليس هو الوحيد في طريق الكذب والافتراء، إذ أن كثيراً من موردي هذه الشبه قد سبقوه ولحقوه في طريق الكذب الصراح، نسأل الله السلامة والعافية.

المطلب الخامس: ذكر ما ترجم به المحدِّثون المخرِّجون لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه

تراجم المحدِّثين:

كعادتي في سائر الأحاديث السابقة واللاحقة: أذكر في ختام كلامي على هذا الحديث، وردِّ ما سبق عرضه من شبهات عليه، بعضَ ما ترجم به مخرِّجو هذا الحديث، وبعض الفوائد المستنبطة منه، ومن مقاصدي في ذلك: بيان حسن توجيه أئمة الإسلام لهذا الحديث وغيره، فمن تراجمهم التي وقفت عليها:

ما ترجم به البخاري بقوله: باب: من أحبَّ الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها(597) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعنده أيضاً: باب وفاة موسى وذكره بعد(598) .

وترجم له شرَّاح مسلم بقولهم: باب من فضائل موسى صلى الله عليه وآله وسلم(599) .

وأما ابن حبان فقد قال في ترجمته لهذا الحديث: ذكر خبر شنَّع به على منتحلي سنن المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم من حُرم التوفيق لإدراك معناه(600) .

وترجم له البيهقي: باب ما جاء في التردُّد(601) .

وأختم بذكر ما ترجم به الحافظ العراقي، وهو آخرهم وفاة، حيث ترجم له بما يوافق ترجمة البخاري، فقال رحمه الله: باب الدفن في الأرض المقدَّسة(602) .

بعض

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الفوائد المستنبطة من هذا الحديث الشريف:

وهذا ذكر لبعض الفوائد الجليلة المتعلّقة بهذا الحديث الشريف:

الترغيب في الدفن في المواضع المباركة، والمواطن الفاضلة، والمشاهد الشريفة، والدفن في مدافن الصالحين(603) استدل بقول الملك: «فلك بكل شعرة سنة» على أن الذي بقي من الدنيا كثير جداً، لأن عدد الشعر الذي تواريه اليد؛ قدر المدة التي بين موسى وبعثة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم مرتين وأكثر(604) استدل به على جواز الزيادة في العمر، وقد قال به قوم في قوله تعالى وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عُمُرِهِۦٓ إِلَّا فِى كِتَٰبٍ﴾(605) أنه زيادة ونقص في الحقيقة(606) ابتلاء الله عز وجل لعباده الصالحين، لحكم قد تظهر وقد تخفى، ففي هذا الحديث وقع الابتلاء على موسى عليه الصلاة والسلام في بعث ملك الموت له على غير صورته، ووقع أيضاً الابتلاء لملك الموت الذي قوبل بهذا من قِبل موسى عليه الصلاة والسلام ولم يَرُدَّ عليه وينتصر لنفسه، بل رجع إلى ربه سبحانه وتعالى ليخبره بما صنع موسى، وليفعل ما سيأمر به(607)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بيان قوة موسى عليه الصلاة والسلام حيث فقأ عين ملك الموت بضربة واحدة، وقد عُرف موسى عليه الصلاة والسلام بقوة جسده، وقد مرّ معنا أنه قتل رجلاً من وكزة واحدة، وسقى لامرأتين في بلد هو غريب عنها، مطارَد في طريق وصوله إليها، ومع ذلك زاحم قومهما وسقى لهما بفضل الله وقدرته. عدم معرفة موقع قبر موسى عليه الصلاة والسلام على وجه التحديد، وقد مضى معنى ما يتعلق ببيان مقصد موسى عليه الصلاة والسلام في ذلك(608)

آخر الكلام على هذا الحديث الشريف

والحمد لله رب العالمين.

الحديث السادس:

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حرق نبيٍّ من أنبياء الله لقرية النمل

المطلب الأول: ذكر الحديث. المطلب الثاني: تخريج الحديث. المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له. المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها. المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.

المطلب الأول: ذكر الحديث

عن أبي هريرة رضي الله عنه

قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قرصت نملةٌ نبياً من الأنبياء، فأمر بقرية النمل، فأحرقت، فأوحى الله إليه: أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح(609)

المطلب الثاني:

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تخريج الحديث

روي هذا الحديث من طرق عن أبي هريرة، منها طريق يونس عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وروي عنه عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن معاً عن أبي هريرة، وتفصيل ما ذكر كما يلي:

أما إفراد سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به، فهو ما أخرجه البخاري في صحيحه (3019) عن يحيى بن بكير عن الليث عن يونس به.

وأما رواية الجمع بين سعيد بن المسيب وأبي سلمة، فقد رويت من طرق عن يونس بن يزيد، وهي كالآتي:

عبد الله بن وهب: رواه من طريقه كلٌّ من: أحمد (9226) ومسلم (5986) وأبي داود (5266) وابن ماجه (3225) والنسائي في الصغرى (4358) والكبرى (4851) والطحاوي في شرح المشكل (2/205) والدارقطني في العلل (9/401) وابن حبان (5614) والبيهقي في الكبرى (5/213) به. عبد

الله بن المبارك في مسنده (197)، ومن طريقه: أحمد (8976) وأبو يعلى (5851). الليث: رواه من طريقه الحسن بن رشيق (1/65). أنس بن عياض: رواه من طريقه: أبو يعلى (5848، 6028).

وقد سُئل الحافظ الدارقطني عن هذا الحديث فذكر هذه الطرق وغيرها، ثم أشار إلى الاختلاف الواقع فيه بين الجمع والإفراد، وصحّح كلا الروايتين، فقال رحمه الله: يرويه الزهري واختلف عنه؛ فرواه يونس بن يزيد، واختلف عن يونس.. إلى أن قال بعد أن ذكر طرق الاختلاف: والصحيح عن يونس، عن الزهري عنهما، وعن يونس، عن الزهري، عن سعيد وحده(610) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له

(قرصت): القاف والراء والصاد أصل صحيح، يدل على قبض شيء بأطراف الأصابع مع نبر يكون(611) ، وقيل: هو القَرْصُ بالإصبعين، وقد قرصهُ يقرصه بالضم قرصاً، وقرص البراغيث: لسعها(612) .

(قرية النمل): قال ابن الجوزي: قرية النمل: موضع اجتماعهن، والعرب تفرِّق في الأوطان بين الأسماء، فيقولون: قَطن الإنسان، وعَطَن الإبل، وعرين الأسد، وكِناس الظبي، ووَجار الذئب والضبع، وعش الطائر، وكُور الزنابير، ونافقاء اليربوع، وقرية النمل(613) .

شرح مختصر للحديث:

يخبرنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم عن حال نبي من أنبياء الله عليه الصلاة والسلام ؛ قرصته نملة واحدة فأمر بإحراق كامل بيت النمل الذي خرجت منه تلك النملة، فعاتبه الله في ذلك، أي في حرقه نملاً لم يعتدِ عليه، ولو اكتفى بحرق النملة التي آذته ما عوتب في ذلك، والله أعلم.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها

من أوائل من رأيته طعن في هذا الحديث، ابن طاوس في كتابه الطرائف، حيث قام بإلقاء الشبهة على لسان من سمّاه هو (عبد المحمود) قائلاً: هل يليق بعاقل يعرف سنة الأنبياء أن يصدِّق عن أحد منهم الطعن في بعضهم، وخاصة من قد شهدوا أنه أكمل الأنبياء، فكيف يصدّق عن أكملهم أنه يجاهر بذمِّهم، ويذكر لهم عيوباً، وهو الذي صدَّقهم وزكَّاهم ومدحهم وعرَّف أمته بهم؟ وهل كان يقع من نبيٍّ مثل هذه الحركات التي لا تقع إلا من الملوك الجبارين؟ والذين لا يفكِّرون في سخط مالك يوم الدين، حتى يقولوا عن نبيِّهم مثل هذه المقالة(614) . اهـ كلام عبد المحمود.

قلت: ثم تتابع القوم على منواله، وتهافتوا على ذلك تهافت الفراش على النار، وجعلوا يطوِّرون عرضهم للشبهة، بألوان مختلفة، وصور متنوعة، فقال كبيرهم عبدُ الحسين: إن أبا هريرة مولَعٌ بالأنبياء عليهم السلام، هائمٌ بكلِّ مصيبة غريبة، تقذى بها الأبصار وتصتك منها المسامع، وإن أنبياء الله لأعظم صبراً وأوسع صدراً، وأعلى قدراً، مما يحدِّث عنهم المخرِّفون،

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهذا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام يقول في خطبة له: والله لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت، وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعليٍّ ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى.

ثم تابع عبد الحسين قائلاً: وعليٌّعليه السلام ما كان نبياً، وإنما هو وصيٌّ وصدِّيق، وهذه حالة تمثِّل عصمة الأنبياء عما ينسبه الجاهلون إليهم، وما كان الله ليصطفي لرسالاته ويختص بمناجاته من لا يتنزه عن ذلك، تعالى الله وتعالت رسله عما يقوله المخرِّفون علواً كبيراً، وما أدري والله ماذا يقول مصحِّحو هذا الحديث فيما فعله هذا النبيُّ من تعذيب النَّمل بالنَّار؟ مع قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : لا يعذِّب بالنَّار إلا الله، وقد أجمعوا على أنه لا يجوز الإحراق بالنَّار للحيوان مطلقاً، إلا إذا أحرق إنسانٌ إنساناً فمات بالإحراق، فلوليِّه الاقتصاص بإحراق الجاني، وسواء في منع الإحراق بالنَّار النَّمل وغيره من سائر الحيوانات، للحديث المشهور «لا يعذب بالنَّار إلا الله»، وأخرج أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصُّرد(615) .

وكان عبد الحسين قد ذكر أن النبيَّ الذي قام بحرق قرية النمل هو موسى عليه الصلاة والسلام قائلاً: هو موسى بن عمران فيما نصّ عليه

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الترمذي. ثم علّق على ذلك في هامشه: كما نصّ عليه القسطلاني في شرح هذا الحديث من إرشاد الساري في شرح صحيح البخاري ص288 من جزئه السادس. اهـ كلام عبد الحسين.

وقال النَّجمي: وحسب ما ورد في مضمون حديث آخر أخرجه الترمذي، وصحَّحه القسطلاني وابن حجر، أن هذا النبيَّ القاسيَ الذي أحرق أُلوفاً من النَّمل ذات أرواح؛ بسبب قرصة نملة واحدة هو النبيُّ موسى عليه الصلاة والسلام ، ويظهر من الحديث الذي رواه أبو هريرة ولم نعلم من أي قَصَّاص أخذ: أن النَّبيَّ موسى عليه الصلاة والسلام انتقم من مجموعة كبيرة من النَّمل بسبب ذنب ارتكبته نملة واحدة!! بينما نرى أنَّ أمير المؤمنين الإمام عليّاً عليه الصلاة والسلام يقول: والله لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها، على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته.

ثم تابع النجمي قائلاً: هذه الحكاية التي نُسبت إلى نبيٍّ من أنبياء أولي العزم عليه الصلاة والسلام علامة على أنها مذمومة وغير مندوحة عند الله عز وجل، فإنها لم تتماش مع الإحساسات البشرية، خاصة رأفة الأنبياء وعطفهم، ولكنَّ أبا هريرة صوَّر موسى عليه الصلاة والسلام في روايته هذه بالقساوة والخشونة، حتى أنزله مرتبة أدنى من منزلة الشاعر الفردوسي القائل:

لا تـــؤذي! النــمـلـة الجالبـة حبةلـها نـفـس ونـفـس الشـئ محبوبة(616) ( 616 )

قلت:

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وذكر جعفر السبحاني هذا الحديث ثم علّق قائلاً: إنّ هذا النَّبيَّ سواء أكان من أُولي العزم أو من غيرهم، إنسان معصوم لا يأخذ البريء بذنب المجرم، فلو افترضنا أنّ النملة كانت مجرمة مع أنّها ليست كذلك، لأنّ عملها عمل غريزي فما هو ذنب سائر النمل؟

إنّ المحرِّق كان أقلَّ شعوراً ورأفة من جنود سليمان، فإنّهم ما كانوا يحطمون النمل عن شعور، ولو كانوا يحطمون فإنما يفعلون ذلك دون أي شعور، قال سبحانه: ﴿ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوْا۟ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُوا۟ مَسَٰكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(617) ﴾ ، وهذا النبيُّ المزعوم كان أقلّ رأفة وعطفاً من جنود سليمان، حيث أحرق وادي النمل عن علم وشعور، بجرم نملة واحدة، وقد عرفت أنّ عملها لم يكن جناية.

ثم تابع السبحاني قائلاً: إنّ عليّاً عليه الصلاة والسلام لم يكن نبيّاً؛ بل كان وصياً، ولكنّه يقول: واللّه لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها؛ على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت، وإنّ دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها، ما لعليّ ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى؟ أضف إلى ذلك أنّ النبيَّ قد نهى عن قتل أربعة من الدواب: النملة، النحلة، الهدهد، الصُّرد(618) . اهـ كلام السبحاني.

قلت: وتطاول بعضهم أكثر فأكثر، فقال: ليس هذا الذي يحكي عنه أبو هريرة بنبيٍّ، بل إنسان مجنون أو رجل بعقل طفل مشاغب،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهل يعمل هذا الفعل عاقل؟! نعم، ربما قرصت نملة باليمن رِجل أبي هريرة الحافية فأحرق قرية النمل، ثم نسب الحديث إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم(619) اهـ.

وزاد آخر فقال: أما رواية النَّمل فهي من المطاعن التي ألحقها الرواة بالأنبياء، وهي امتداد للروايات الأخرى التي قام بتأليفها أبو هريرة، والفقهاء يقرُّون بأن ذلك النبيَّ ما كان يجب عليه أن يعاقب قرية النمل بأكملها، وإنما كان يجب أن يعاقب النملة التي قرصته وحدها، فمن ثَمَّ فهو سلوكٌ غير مبرر من نبيٍّ، وانتقام لا يدلُّ على نفس سوية، ومثل هذا الخُلُق لا يجوز أن ينسب لنبيٍّ مختار، فهو يشكِّك في سلوكه ومواقفه، ويَصفُها بالعدوانية وعدم الأهلية للقيام بأعباء الرسالة(620) . اهـ.

الردّ على هذه الشبه:

وبعد سردِ نصوص أقوالهم التي أوردوها على هذا الحديث بطُولها، أشرع في الإجابة على هذه الشبه مستعيناً بالله، قائلاً:

الرد على هذه الشبه يكون من وجوه:

أولاً: جزْمُ عبد الحسين أن النبيَّ المذكور في هذا الحديث هو موسى بن عمران، وادعاؤه أن الترمذي نصّ على ذلك، إن دلّ على شيءٍ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فإنما يدلُّ على جهله بكتب أهل السنة ودواوين الإسلام، وعزوه ذلك للقسطلاني لا ينفعه، بل يفضحه أكثر فأكثر، فالقسطلاني قال معرِّفاً بالنبيِّ المذكور في الحديث: هو عزيرٌ، ثم قال: وعند الترمذي الحكيم: أنه موسى(621) اهـ.

فهذا هو ما نصّ عليه القسطلاني، فما الذي دعا عبدَ الحسين إلى إخفاء اسم عزير، أو على أقل الأحوال، عدم الإشارة إليه، من باب ما ذُكر من أقوال في تعيين النبي(622) أمّا أنا، فأرى أنه إنما فعل ذلك متعمّداً، زيادة في التشنيع في إيراده للشبهة، فموسى عليه الصلاة والسلام كليم الله، هو من الخمسة أولي العزم من الرسل، حينما ينسب له هذا الفعل الذي يراه عبد الحسين بهذه الشناعة، فهو من أوضح الأدلة على وضع أبي هريرة لهذا الحديث! أما عُزير، فهو غير معروف عند كثير من المسلمين، وكثيرٌ ممّن يعرفه لا يعرف أنه نبيٌّ من أنبياء الله، بل يظنّه رجلاً صالحاً من بني إسرائيل، لكن لمّا كان إثبات كونه عزيراً يُضعف تهويلَه وتشنيعَه، كتم كعادته هذا الأمر، ووجَّه أنظار القراء إلى أن موسى عليه الصلاة والسلام هو المراد بهذا الحديث، وتوارَد أتباعه على ذلك توارد الهيم على الماء، فاكتفوا بما أورده، مع كون أحد منهم لم يعزُ الفائدة

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

له، وهذا من تمام الأمانة عند القوم!

وهذه عجيبة! والعجيبة الأخرى أن من ذكر هذا الأمر هو الترمذي الحكيم، صاحب نوادر الأصول، لا الترمذيُّ المحدِّث المعروف صاحب السنن، وعدم التفريق بينهما يظهر المستوى العلمي لهؤلاء الناقدين! سواء كان الأول في عزو هذا القول إلى الترمذي المحدِّث كعبد الحسين، أو من سار بسيره واعتمد نقله كالنجمي، وغيره.

وهذا النجمي لم يكتف بالجهود العلمية لمن سبقه، بل أراد أن يبرز جانباً آخر من مستواه العلمي! وحتى لا يظن بأنه مجرد ناقلٍ من عبد الحسين، زاد في عزوه هذه المعلومة إلى الحافظ ابن حجر أيضاً، فقال: وحسب ما ورد في مضمون حديث آخر أخرجه الترمذي، وصحَّحه القسطلاني وابن حجر، أن هذا النبيَّ القاسيَ الذي أحرق أُلوفاً من النَّمل ذات أرواح؛ بسبب قرصة نملة واحدة هو النبي موسى عليه الصلاة والسلام .اهـ.

وهذا كلّه إن أظهر شيئاً، فإنما يظهر مدى جهله هو وأمثاله، بكتب أهل العلم، ومصطلحاتهم، وطريقة عزوهم، وانظر أيها القارئ المنصف إلى تقديمه القسطلاني في الذكر على الحافظ ابن حجر، لترى أيضاً مدى اطلاعه التاريخي، وهو الذي تصدّر لنقد صحيح البخاري!

ولننقل ما قاله الحافظ ابن حجر، واعتمد عليه النجمي، قال الحافظ ابن حجر: هو موسى بن عمران كليم الله، رواه الحكيم

في نوادر الأصول، وكذا رواه جعفر الفريابي في أواخر كتاب القدر من حديث أبي ذر موقوفاً، وقال المنذري في الترغيب والترهيب: هو عزير(623) وقال الحافظ ابن حجر في موطن آخر من شرحه: قيل: هو العزير، وروى الحكيم الترمذي في النوادر أنه موسى عليه الصلاة والسلام وبذلك جزم الكلاباذي في معاني الأخبار(624) والقرطبي في التفسير(625) اهـ كلام الحافظ ابن حجر.

وما نقله الحافظ ابن حجر عن الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأصول، ذكره الحكيم تحت عنوان: في التنبيه على أن العقوبة من الله تعالى تَعُمّ والرحمة للمطيع ، فقال: عن يوسف بن عطية الصفار قال: سمعت ابن سيرين، وسأله رجل فقال: يا أبا بكر! ما تقول في هذا الذرِّ يقع في طعامنا وشرابنا فنقتله؟ فقال: حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : أن نبياً من الأنبياء كان في غزاة له، فنزل تحت شجرة فلذغته(626) نملة؛ فأمر بتلك الشجرة فأُحرقت، فأوحى الله تعالى إليه: ألا نملة مكان نملة؟

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثم قال الحكيم الترمذي: كان هذا النبيُّ قد حاور ربه في شأن الخلق، وروي أن ذلك كان موسى بن عمران ، فقال: يا رب تعذِّب أهل قرية بمعاصيهم وفيهم المطيع؟ فكأنه أحبَّ أن يريه ذلك من عنده، فسلَّط عليه الحَرَّ حتى التجأ الى ظلِّ شجرة مستروحاً، وعندها بيت النمل، فغلبه النوم، فلما وجد لذة النوم لذعته النملة فأضجرته، فدلكهنَّ بقدمه، وأحرق تلك الشجرة التي عندها مساكنهم، فأراه الله العبرة في ذلك: أنه إنما لذعتك نملة، فكيف أصبت الباقين بالعقوبة، يريد أن ينبهه أن العقوبة من الله تعُمّ، فتصير نعمة على المطيع وشهادة، وشراً ونقمة على العاصي.

ثم قال الحكيم الترمذي: والأصل في هذا أن الله تبارك وتعالى خلق ما في الأرض جميعاً لهذا الآدمي، ولذلك قال في تنزيله ﴿ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا(627) ﴾ ، فمنها غذاء ومنها مرفق ومنها عبرة، وكلُّها حجة وكلُّها ابتلاء، وقال: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾(628) ، فالنمل مُسَخّرة، وفيها عبرة، فالمسخّر لك أنت عليه مسلّط، فإذا أذاك أبيح لك قتله، ألا ترى أن الفأر والغراب والكلب والحية والعقرب قد أبيح للمحرم قتله، فكذلك سائر الهوام المؤذية...ثم أفاض الترمذي في تأييد جواز قتل كلّ ما آذى الإنسان مما كان هذا حاله، والله أعلم(629) .اهـ كلام الحكيم الترمذي.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبعد بيان ما سبق، نعود إلى الجواب عن إشكالاتهم المتعلِّقة بمتن الحديث، فنقول بعد ذكر شبههم السابقة ملخصّةً على هيئة نقاط:

أولاً: القول بأنه: لا يظنُّ بنبيّنا صلى الله عليه وآله وسلم أن يذكر الأنبياء عليهم السلام بسوء، أو يجاهر بذمّهم.

أما استعظام أن يخبرنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بشيء مما وقع من أنبياء الله عز وجل في الأمم السابقة، فهذا إنما يسلّم إذا كان بقصد العيب والتشفّي، وحاشا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن يفعل مثل هذا، أو يُظنُّ به مثل هذا الظنِّ الأثيم، ولكنّ إخبار نبينا صلى الله عليه وآله وسلم إنما كان من أجل تعليم أمته، ومن طرق التعليم التنبيه على أخطاء صدرت من بعض الناس، ولو كان هذا البعض نبياً كريماً من أنبياء الله عز وجل، وصاحب هذه الشبهة إنسان قاصرٌ في علمه، أو مُغرض في عرضه، فالله سبحانه وتعالى ذكر في كتابه الكريم قصص الأنبياء عليهم السلام، تعليماً لهذه الأمة وتثبيتاً لنبيها صلى الله عليه وآله وسلم ومن ضمن قصص الأنبياء عليهم السلام ذكر لنا بعض ما صدر منهم وكان سبباً في المعاتبة والمؤاخذة، وعلى ذلك التفكير السقيم، هل يُنكَر ما ورد في القرآن الكريم، لأن هذا مما لا يليق أن يذكر في حقِّ الأنبياء الكرام، وكما أسلفت وكرّرت: إن القوم ينفون أموراً توجد أصولها في كتاب الله عز وجل، وهذا من تمام إحكام الله عز وجل لدينه القويم، ومن تمام خذلان الله عز وجل لأولئك المغرضين، وبنظرة في كتاب الله عز جل وما جاء فيه من قصص الأنبياء الكرام عليهم السلام، نجد أن الله عز وجل قصّ علينا قصة آدم وأكله من الشجرة التي

منع منها، فهل في هذا عيب لآدم عليه الصلاة والسلام الذي قال الله عز وجل فيه نتيجة لفعله: وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ(630) أليس في هذا ذكرٌ لخطأ وقع فيه آدم، وتصريح من الله عز وجل بأن آدم قد عصاه؟ وأيهما أشدُّ في ميزان القوم: من عصى الله عز وجل وقد سمع منه النهي مباشرة، أم من حمله غضبه على ارتكاب أمرٍ تجاوز المسموح له فيه؟ لا أشك أن عاقلاً يخالف أن ما بدر من آدم عليه الصلاة والسلام كان أشدَّ مما بدر من ذلك النبيِّ عليه الصلاة والسلام ومع ذلك، ما اعتبر هذا تشهيراً في آدم عليه الصلاة والسلام ومجاهرة بذمّه، وحاشا لله، وما تجرأ أحدٌ من المسلمين على التفكير بذلك، أو عيب آدم عليه الصلاة والسلام به، كيف وقد غفر الله عز وجل له ما بدر منه، فقال سبحانه بعد الآية السابقة: ثُمَّ ٱجْتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ(631) فلماذا الكيل بمكيالين، والنظر بإحدى العينين؟ أم هو الحرص على هدم سنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وإسقاط أصحابه رضي الله عنهم ولو افترضنا أن نبيَّنا صلى الله عليه وآله وسلم هو الذي أخبرنا بما بدر من أبينا آدم عليه الصلاة والسلام من مخالفته للنهي عن أكل الشجرة، أكان القوم سيسارعون تحت تلك الذريعة الهزيلة، وينفون الخبر عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بدعوى أن هذا لا يصدر من نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لما فيه من المجاهرة بذم آدم عليه الصلاة والسلام

ولهذا، ينبغي على من تشبث بمثل هذه الأقوال الفارغة عن أي مضمون نافع، أن يعيد النظر، فيما ورَّثه له مشايخه، من ذلك السوء الذي سيحمل وزره وتبعته، إن تابع الانسياق وراءهم، دون أن يُعمل ما

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهبه الله عزَّ وجل من نعمة العقل.

وليس خبر آدم عليه الصلاة والسلام هو الوحيد في القرآن، بل قد أورد الله عز وجل في كتابه الكريم أخباراً أخر عن بعض أنبيائه الكرام عليهم السلام، وقعوا فيما عوتبوا عليه من الله عز وجل، كقتل موسى عليه الصلاة والسلام للقبطي، وسؤال نوحٍ عليه الصلاة والسلام المغفرة لابنه، وخروج يونس عليه الصلاة والسلام من قومه دون إذن من ربه، وهكذا، وما تجرأ أحدٌ من المسلمين على عيبهم بذلك، ولا تجرأ أحدٌ من المسلمين على عدِّ ذلك من المجاهرة بذمّهم، وحاشاهم أن يصدر هذا من أحد منهم.

فإن خطر على قلب أحدهم أن يتذرع بالقول: إن التسليم لتلك الأخبار إنما كان لورودها في كتاب الله، وردّ هذا الحديث وأشباهه إنما كان لوروده من طريق أحاد الصحابة، قلنا: ليس الأمر كذلك، فانتقاد القوم إنما يعود على متن الخبر لا على إسناده، فهم استشنعوا أن يُروى مثل هذا الخبر عن نبيٍّ من أنبياء الله عليهم السلام، واستشنعوا ابتداءً أن يصدر مثل هذا الفعل من نبي من أنبياء الله عليهم السلام، وإن كانوا قد ركزّوا أنظارهم على رواية أبي هريرة رضي الله عنه لهذا الخبر، إلا أن حقيقة إشكالِهم متعلقٌ بالمتن لا غير، وعلى هذا فيلزمُهم أن يوردوا شبهَهم هذه على كتاب الله عز وجل، وما ذُكر فيه من أخبار أنبياء الله عليهم السلام، وهذا ما لم يستطيعوه، ولو فعلوه لخرجوا من الإسلام من أوسع الأبواب، ولم يمتر في كفرهم أحد، نسأل الله السلامة والعافية.

ثانياً:

القول بأن هذا الحديث ينافي ما عُرف واستقر من شدة صبر الأنبياء عليهم السلام وسعة صدورهم.

وأما كون هذا الفعل ينافي ما عُرف واستقر من شدة صبر أنبياء الله عليهم السلام، فنحن نسلّم بهذا لو لم يأتنا هذا الخبر، بل، لو جاءنا هذا الخبر فقط، ولم يأت له نظائر، لكان للاعتراض وجه، لكن كيف يقال هذا؟ ونحن نرى أن ما صدر من هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام ، إنما هو جزءٌ يسير بجانب ما صدر من غيره من الأنبياء الكرام عليهم السلام، فهل حرق بيت النمل يوازي قتل إنسان، أو يدانيه؟ وهل حرق بيت النّمل يوازي إلقاء الألواح التي كتب الله عز وجل فيها لموسى من كلِّ شيء؟ وهل حرق بيت النمل يوازي أو يداني أكل آدم عليه الصلاة والسلام من الشجرة؟ إن الجواب المعقول الذي لا يُتوقع غيره عن تلك الأسئلة هو: لا، وإذا كان الأمر كذلك، فعلى من أورد هذه الشبهة أن يعمّمها بل وأشدّ منها على ما ورد من أمثلة، فهل يردُّ قول الله عز وجل ﴿ وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ﴾(632) ، بكونه يخالف ما استقر وعرف من شدّة صبر الأنبياء عليهم السلام؟ وهل خروج يونس عليه الصلاة والسلام من قومه دون أن يأمره ربه، وهو يظنُّ أن لن يُقدر عليه، ينافي ما استقر وعرف من شدة صبر الأنبياء عليهم السلام؟ وقل مثل ذلك في سائر الآيات التي تظهر الجانب البشري عند الأنبياء عليهم السلام.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثالثاً: القول بأن في هذا الحديث تعذيبَ خلق الله بالنار، والنار لا يعذب بها إلا الله عز وجل:

أقول: قد تناول شُرَّاح الحديث، هذه المسألة بتوجيهات عدّة، أذكر أهم ما وقفت عليه من كلامهم رحمهم الله، مع تعليق يسير إن لزم، فممَّن تعرض لهذه المسألة من العلماء الأفاضل، العلامة الكرماني، فقد قال في شرحه للحديث: فإن قلتَ: كيف جاز إحراق النمل قصاصاً وهو ليس بمكلّف؟ ثم إن جزاء سيئة سيئة مثلها، ثم إن القارصة نملة واحدة ولا تزر وازرة وزر أخرى؟ قلتُ: لعله كان في شرعه أن المؤذي طبعاً يُقتل شرعاً، قياساً على الأفعى، فإن قلتَ: لو كان جائزاً لما ذُمَّ عليه؟ قلتُ: يحتمل أن يُذمَّ على ترك الأولى، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، وقيل: ذلك النبي كان موسى عليه الصلاة والسلام(633) .اهـ كلام الكرماني رحمه الله.

ونقل البدر العيني كلام الكرماني، ثم تعقبّه قائلاً: قوله: لعله كان في شرعه جائزاً، فيه نظر، لأنه حُكمٌ بالتخمين، والأولى أن يقال: لعله لم يكن يعلم حينئذ أنه لا يجوز، وقوله: المؤذي طبعاً، ليس النمل بمؤذ طبعاً، لأن قرصها يحتمل أنه كان على سبيل الاتفاق، وقوله: يحتمل أن يذمَّ على ترك الأولى، لا يقال في حق نبيِّ أن الله ذمه على فعل، بل يقال: عاتبه(634) .اهـ كلام العيني.

قلت:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وإذا جاز لي أن أنظر نظرة نقدٍ إلى قول كلٍّ من العالمين الجليلين، أرى أن البدر وُفِّق في ثالث نقدٍ له لكلام الكرماني، فالنبيُّ من أنبياء الله عليهم السلام لا يقال في حقِّه أنه ذُمَّ من الله سبحانه وتعالى، وإنما أقصى ما يقال في حقِّه أنه عوتب من الله عز وجل، وفي التنزيل العزيز في حقِّ يونس عليه الصلاة والسلام لَّوْلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ(635) فلم يُذمُّ عليه الصلاة والسلام لأن نعمة الله تداركته، وكذا في حقِّ النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى له: ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾(636) فهو صلى الله عليه وسلم لم يتخذ إلها آخر وحاشاه من ذلك، فلم يُذمُّ ولم يُخذل صلى الله عليه وآله وسلم

وأما أول تعقّبات البدر العيني للكرماني في كون ما قاله هو من قبيل التخمين، فيقال مثله في تعقب البدر العيني أيضاً، فهو أيضاً قال ما قال من قبيل التخمين، بل إن القول الذي قاله الكرماني في أن هذا كان مشروعاً في شريعة ذلك النبي مناسب جداً، ويؤيِّد هذا أن العتاب إنما جاء على حرقه أكثر من نملة، لا على حرقه النملة التي قرصته، فلو أن أصل التحريق كان ممنوعاً، لعوتب في حرقه النمل جميعاً – التي قرصته وسائر النمل -، لكن العتاب جاء بصيغة: هلا نملة واحدة؟ أي: هلا اكتفيت بحرق النملة الواحدة التي قرصتك، دون أن تأخذ باقي النمل بجريرة النملة الأولى.

وفي هذا يقول القاضي عياض: لكن الله تعالى عتبه على التشفِّي لنفسه بقتله هذه الأمة العظيمة المسبحة بسبب واحدة، ودل أنه لم يأت محظورًا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولا ذنباً؛ أنه لم يعنَّف على ذلك بأكثر مما تقدم(637)

وقال ابن الجوزي: وهذا النبي لما آذته استجاز قتل ما يؤذي، فأريد منه صورة العدل في قتل المؤذي فحسب، فقيل له: «فهلا نملة واحدة»(638) .

وقال القرطبي الشارح: هذا النبيُّ عليه الصلاة والسلام كانت العقوبة للحيوان بالتحريق جائزة في شرعه، ولذلك إنما عاتبه الله تعالى في إحراق الكثير من النمل، لا في أصل الإحراق، ألا ترى قوله: فهلاَّ نملة واحدة؟! أي: هلّا حرقت نملة واحدة! وهذا بخلاف شرعنا، فإن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قد نهى عن التعذيب بالنار، إلى أن قال القرطبي: وكذلك أيضًا كان قتل النمل مباحًا في شريعة ذلك النبي، فإنَّ الله لم يعتُبه على أصل قتل النمل(639) .

قلت: فنسبة كون هذا مشروعاً في شرعة النبي المذكور أولى من نسبة النبي نفسه إلى الجهل بذلك الحكم الشرعي، والله أعلم.

وكذا لا يوافق البدر العيني في نفيه الأذى الطبعي عن

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

النمل، إذ أن أذاها لا يحصر في تلك القرصة، بل إن النمل يفسد الطعام إذا تسلّط عليه، وكذا يحدث شقوقاً في الجدران، وهاتان صورتان من صور الإفساد الكثيرة التي يمكن أن تنتج من فعل النمل، والله أعلم.

نعم، جاء في ألفاظ الحديث أن النمل يسبِّح الله عز وجل، وهذا يسري على جميع الحيوانات، كما قال تعالى: ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا(640) ﴾ ، ومن هذا المسبِّحات: الفواسق الخمس التي أُمرنا بقتلها في الحلِّ والحرم(641) ، وهذا كلّه لا يدفع عن هذه الكائنات جواز قتلها، والله أعلم.

قال القاضي عياض: وفيه أن الجنس المؤذي يقتل وإن لم يؤذ، كما يقتل الخمس الفواسق وإن لم تؤذ، ويقتل أولادها وإن لم تبلغ الأذى، على أحد القولين(642) .

وكان البدر العيني قد قال في تتمة كلامه السابق: وفي الحديث: تسبيح النمل فيدلُّ ذلك على أن جميع الحيوانات تسبح الله تعالى، كما قال في كتابه الكريم وَإِن مِّن شَىْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِۦ﴾(643) وقال ابن التين: وهو دليل لمن قال: لا يحرق النمل، وأجازه ابن حبيب، وأما إن

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أدَّت ضرورة إلى ذلك، فجائز أن تحرق أو تغرق(644) .اهـ.

وعلى ما سبق، فلا يخلو أن يقال: بأن حكم تحريق النمل كان جائزاً في شرع ذلك النبي أو غير جائز، فإن كان جائزاً وهو ما ذهب إليه بعض أهل العلم، فلا غرابة في فعله، ولا إنكار عليه في أصله، وإنما وقع الإنكار لكونه حرّق ما لم يؤذه من تلك النمل، وإن كان ممنوعاً في شرعه، فقد ارتكب ذلك النبي ما يؤاخذ عليه، وتمّت المؤاخذة والعتب عليه من الله عز وجل، وقد صدر من الأنبياء عليهم السلام عموماً بعض ما أخذ عليهم، وكلٌّ بقدره، وصدر من موسى عليه الصلاة والسلام خصوصاً ما هو أشد من ذلك في ظاهره هذا إن كان هو المقصود في هذا الحديث ولا يصحّ فقد غضب موسى عليه الصلاة والسلام قبل ذلك وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وخاف عليه الصلاة والسلام من عصاه لمَّا تحولت إلى ثعبان عظيم، ووكز رجلاً فقتله، وكلُّ ذلك لم ينزله من مرتبته العليَّة التي بوَّأه الله إياها، فهو الذي اصطنعه الله عز وجل لنفسه، وصنعه على عينه سبحانه وتعالى، وهو الذي اصطفاه الله عز وجل برسالاته وبكلامه، وكتب له في الألواح التي ألقاها فيما بعد من شدة غضبه عليه الصلاة والسلام من كلِّ شيء موعظة وتفصيلاً لكلِّ شيء، فتحريقه للنمل إن كان هو الفاعل له، لن يؤثِّر عليه بطبيعة الحال، لعلو مكانته عند ربِّه، وهل وقوع الخطأ من نبيٍّ من أنبياء الله عليهم السلام إلا صورة من صور التعليم لأمته؟ وحديثنا خير مثال على ذلك، فلو لم يعاتَب

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

النبيُّ على حرقه للنمل، لما علمنا حكم هذه المسألة، وكم ذكر لنا القرآن الكريم وجاءت به السنة النبوية الشريفة من أمثلة لهذا النوع من المؤاخذات، التي قد تصدر من الأنبياء الكرام عليهم السلام، فهل يقع في قلب المؤمن التقيِّ إلا المزيد من الخضوع لله سبحانه وتعالى الذي بيده ملكوت كلِّ شيء، والتبصُّر أكثر في كون الأنبياء عليهم السلام هم بشرٌ خُلَّص كسائر البشر، قالوا عن أنفسهم: إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ(645) وإنكار هؤلاء المجادلين لما وقع من الأنبياء عليهم السلام، لا يزيدهم إلا ضلالاً وبعداً عن الحق، وهم إن استطاعوا أن يجيبوا على نصٍّ من نصوص الشريعة قرآنا كان أو سنة، بتأويل أو تعطيل أو تحريف أو إنكارٍ معلَن أو مخفي، لن يستطيعوا أن يُجيبوا على سائر النصوص الواضحة الصريحة، كقول الله تعالى عن أبي البشر آدم عليه الصلاة والسلام وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ثُمَّ ٱجْتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾(646) وهل يُفسَّر العصيان إلا بمعناه المعروف، وهل تكون التوبة إلا من ذنب؟!

وإن أجابوا على هذا بتكلُّفهم المعهود، فكيف سيجيبون على قوله تعالى في حقِّ موسى الكليم عليه الصلاة والسلام : ﴿ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ إِنَّهُۥ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ قَالَ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى فَغَفَرَ لَهُۥٓ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ(647) ﴾ .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهل يُفهم من هذه الآيات الكريمات إلا القتل المعروف، واعتبار موسى ما صدر منه ذنباً من عمل الشيطان، وظلماً لنفسه استدعى منه طلب المغفرة من الله الغفور الرحيم؟

وإن استطاعوا أن يقنعوا أنفسهم وأتباعهم بأجوبتهم السخيفة على هاتين الآيتين، فكيف سيوجّهون قوله تعالى عن يونس عليه الصلاة والسلام : ﴿ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَنَجَّيْنَٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِى ٱلْمُؤْمِنِينَ(648) ﴾ وبقوله تعالى عنه: ﴿ فَلَوْلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِى بَطْنِهِۦٓ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ(649) ﴾ وبقوله تعالى: ﴿ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ لَّوْلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ(650) ﴾ ، إذ أن قارئ هذه الآيات الكريمات، وتأويلات القوم الواهيات سيتبادر إلى ذهنه سؤال، لن يستطيع أن يدفعه عن نفسه، وهو:علام يقع العتب على يونس عليه الصلاة والسلام إن لم يقع منه ما يؤاخذ عليه؟ وهل يكون هذا إلا اتهاماً صريحاً لله عز وجل بعدم العدل إذ نسب إلى نبيه يونس عليه الصلاة والسلام أنه ظلم نفسه، مع كونه لم يفعله، فهل يقول بهذا مسلم؟

رواية الإمامية لهذا الحديث في كتبهم:

وكما مرّ معنا في نظائر هذه الشبهة، أن جلَّ إن لم يكن كلَّ ما يعترض به القوم على أبي هريرة رضي الله عنه نجده قد رُوي عندهم بالمعنى

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نفسه، وهذا إن أظهر شيئاً إنما يُظهر جهلهم المركب، سواء بكتب أهل السنة، أم بكتبهم، وهو حقاّ أمر معيب عند من يعقل، إذ كيف يستنكر أحد أئمتهم ما هو موجود في كتبهم، وهل يحتاج الأتباع أكثر من هذا الصنيع ليفقدوا الثقة فيما يقوله ذلك العالم المدّعي، الذي أوهم قرَّاءه أن ما أنكره على أهل السنة إنما هو شيء قد تفرّدوا به، فيأتي هذا المغرور المسكين ليُفحم أهل السنة بزعمه متترساً بشبهة عالمه الذي أحاط بالشريعة علماً، فإذا به يفاجأ أن ما أنكره على أهل السنة وزعم تفرّدهم به، إنما هو مرويٌّ في كتب سادته وكبرائه، فالحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق.

وبالنظر في كتب القوم نجد الآتي:

نجد أن عليّاً رضي الله عنه قد حرّق أناساً وهم أحياء، وذلك لما ادَّعوا ألوهيته، وأنكر ابن عباس رضي الله عنهما عليه ذلك، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن العقوبة بالتحريق بالنار، وهو عين ما استدل به عبد الحسين لإبطال حديث أبي هريرة، حيث استدل بنهي النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك، والخبر المشار إليه ذكره الطوسي قائلاً: وروي أن قوماً قالوا لعلي عليه الصلاة والسلام : أنت الله، فأجَّج ناراً فحرَّقهم فيها، فقال ابن عباس: لو كنت أنا لقتلتهم بالسيف، سمعت النبي عليه وآله السلام يقول: «لا تعذِّبوا بعذاب الله، من بدَّل دينه فاقتلوه» وفي هذه القضية قول علي عليه الصلاة والسلام :

لما رأيت الأمــر أمـــرا مــنــكــراًأجــجــت نــاري ودعـوت قنبرا(651) ( 651 )

قلت: وعلى هذا يقال لأصحاب تلك الشبه: أقمتم الدنيا على أبي هريرة رضي الله عنه لروايته حديث تحريق نبي من أنبياء الله عليهم السلام لقرية النمل، وكتمتم خبر تحريق عليٍّ رضي الله عنه لأناس من بني آدم ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا! وجهلتم – أو تجاهلتم - وجود ذلك في كتبكم! وأنكرتم وقوع نبي من أنبياء الله عز وجل فيما ينافي العصمة إذ حرق نملاً، وجوّزتم صدور مثل ذلك بل أشدُّ منه من عليٍّ رضي الله عنه ، حينما حرق بشراً، مع كونه معصوماً عندكم؟ أليست هذه قسمة ضيزى، تقوم على انتقائية وهوى مطاع، وإعجاب كلِّ ذي رأي برأيه؟ والإنصاف يقتضي من موردي هذه الشبه أن يجيبوا على نظائرها المروية في كتبهم، نُصحاً - في أقل الأحوال لأتباعهم المغترين بهم - حتى لا تدور عليهم الدائرة، حينما يفاجؤون بمثل هذه الأخبار في كتبهم.

بل إن الأمر لم يقتصر على هذا، بل قد روت لنا كتبكم هذا الحديث بعينه الذين أنكرتموه على أبي هريرة رضي الله عنه فقد عقد صاحب لآلئ الأخبار باباً في أوصاف النمل قال فيه: قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم نزل

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نبي من الأنبياء تحت شجرة فلذعته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، وأمر بها فأحرقت بالنار، فأوحى الله تعالى إليه: هلا نملة واحدة(652) !اهـ.

فها هو الخبر نفسه يروى في كتبهم من غير نكير ولا استهجان، بل يروى على سبيل الاستدلال، وكذا صنع ميرزا حبيب الله الخوئي في استدلاله بهذا الحديث على عجائب النمل(653) وأما المجلسي فقد ذكر هذا الحديث في باب عقده لبيان النهي عن قتل النحل والنمل، واستدل به على عدم جواز قتل النمل، وهو باستدلاله هذا يكون مصحّحاً لسند الحديث ومتنه، فكيف ينظر أتباع هؤلاء المذكورين، حينما يقرؤون كلام عبد الحسين في التشنيع على هذا الحديث، وتسفيه من رواه، ومن اعتقد بصحته، وقال بمقتضاه؟ وهل يمكن أن يُقنع بعضُهم بعضاً بأن هذا الحديث يكون منكراً إذا روي عن أهل السنة، ومقبولاً إذا روي عن أئمتهم! فإذا وصل الأمر إلى هذا الحال من التحكُّم، فما أشبه حالهم بحال من قال الله فيهم: وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَٰمِ نَصِيبًا فَقَالُوا۟ هَٰذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَآئِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَآئِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى ٱللَّهِ وَمَا كَانَ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَآئِهِمْ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ(654)

بل، روى القوم عن أئمتهم جواز تحريق النمل، ففي بحار المجلسي عن مسعدة بن زياد قال: سمعت جعفر بن محمد يقول: وسئل عن قتل الحيّات والنمل في الدور إذا آذين؟ قال: لا بأس بقتلهن وإحراقهن إذا آذين(655) ، ثم ذكر خبراً طويلاً في قتل الأفعى.

بل، إن الأمر وصل عندهم إلى أبعد من ذلك، حيث جوّزوا قتل النمل سواءً آذى القاتل أم لم يؤذه! فقد روى ابن إدريس الحلّي عن عبد الله بن سنان، قال: قال أبو عبد الله: لا بأس بقتل النمل، آذينك أو لم يؤذينك(656) .

وبعد هذه الروايات، نعود إلى أصل الإشكال، فنقول: ما الذي أنكره عبد الحسين من حديث أبي هريرة، أهو منافاته لعصمة لذلك النبي؟ فإن كان، فقد مرّ معنا أن علياًّ رضي الله عنه المعصوم عندهم قد حرّق بشراً، وهم أعظم حرمة من النمل باتفاق العقلاء، أم أن عبد الحسين قد أنكر القتل بالتحريق، فإن كان، فكذلك جاء في خبر عليٍّ رضي الله عنه المذكور، أم أنه أنكر قتل نملٍ لم يتسبب بأذى لذلك النبي، فإن كان، فالخبر الأخير المذكور آنفاً نسبوا فيه إلى أبي عبد الله جواز قتل النمل حتى ولو لم يؤذ، وإن كان عبد الحسين يعرف ما مرّ معنا من أخبارهم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وكتم ذلك فهو الكذاب الأشر، وإن كان لا يعرف ذلك، فهو الجاهل المجازف المورد نفسه وأتباعه التهلكة، وإن كان الكلام لا يجدي مع عبد الحسين لكونه قد هلك، وأفضى إلى ما قدمت يداه، فلا أقلَّ من أن يجد أذاناً واعية من أتباعه أو بعض أتباعه، الذين ما زالوا على قيد الحياة، لعل هذا الأمر يحيى فيهم شجاعةً قد سُترت وكُتم على أنفاسها، فيعملوا على تغيير هذه المعتقدات التي نشأوا عليها، وسيقوا إليها، كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون.

رابعاً: قد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم النهي عن قتل النملة والنحلة والهدهد والصُّرد.

ويبقى في جواب هذه الشبهة، ما استدل به القوم من نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل أربع من الدوّاب: النمل والنحل والهدهد والصرد، والذي أخرجه أبو داود، وقال عبدُ الحسين المتعالم: على شرط البخاري!

فيقال: الجواب على الاستدلال بهذا الحديث يكون من وجوه: إما أن هذا الأمر كان سائغاً في شرع ذلك النبيِّ المكرّم المذكور في الحديث، كما سبق معنا، ثم نُسخ هذا في شرعنا، فأصبح قتل هذه الدواب ممنوعاً، أو يقال: إن المنهي عن قتله من النّمل خاصة، إنما هو نوع معيّن منها، لا النمل بكافة أنواعه، وفي هذا يقول الإمام الخطّابي: والنمل على ضربين: أحدهما مؤذ ضرار فدفع عاديته جائز،

والضرب الآخر لا ضرر فيه، وهو الطوال الأرجل لا يجوز قتله(657) أو يحمل النهي عن قتلها ابتداءً، دون أن تتسبب بأذى، وأوجه التوفيق كثيرة بين الحديثين.

ولا ينقضي عجبي، من استدلال عبد الحسين وجماعته بحديث أبي داود، ليبطلوا به حديثاً متفقاً على صحته، قد أخرجه الشيخان وغيرهما في كتبهم، فهل يجهل عبد الحسين أن هذا الأمر غير مقبول عند أهل الصنعة، الذين جعلوا أعلى مراتب الصحيح ما اتفق عليه الشيخان، وأصبح هذا من المسلّمات عند المشتغلين بالحديث، أم هو الهوى الذي يجعل من صاحبه ضحكة عند الناس؟ أم هو المكر الكبّار الذي يُكاد به هذا الدينُ وأهلُه؟

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المطلب الخامس: ذكر ما ترجم به المحدِّثون المخرِّجون لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه

أما وقد أتينا – بفضل الله - على ما يتعلّق بهذا الحديث من شبه أوردها المذكورون سابقاً، فدعونا نقف على حسن تعامل أئمة الإسلام مع هذا الحديث الشريف، كعادتهم في حسن تعاملهم الدائم مع سنة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، ونبدأ أولا بذكر تبويباتهم على هذا الحديث في كتبهم:

ذكر تراجم المحدِّثين:

ونبدأ بالأقدم وفاة كعادتنا، فنرى الإمام عبد الرزاق يبوّب قائلاً: باب ما ينهى عن قتله من الدواب(658) .

وأخرج البخاري الحديث في موطنين من كتابه، فقال في أولِّها: بابٌ: إذا حرَّق المشرك المسلم هل يحرّق(659) ؟

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفي الآخر: باب خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم(660) .

وأما شرّاح مسلم فقالوا: باب النهى عن قتل النمل(661) .

وبوّب أبو داود: باب في قتل الذر(662) .

وابن ماجه: باب ما ينهى عن قتله(663) .

وأخرجه النسائي في سننه الكبرى والصغرى، فقال في الكبرى: باب النهي عن إحراق الحيوان(664) .

وقال في الصغرى: باب قتل النمل(665) .

وأخرجه ابن حبان في صحيحه كما مرّ معنا، معنوناً له بقوله: ذكر البيان بأن لا حرج على قاتل النملة إذا قرصته(666) .

وعنون له في موطن آخر من صحيحه: ذكر الخبر الدال على أنه

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لا يجب أن يعذَّب مخلوق بعذاب الله(667)

وأخرجه كذلك البيهقي في السنن الكبرى، وبوّب له بقوله: باب كراهية قتل النملة للمحرم وغير المحرم وكذلك ما لا ضرر فيه مما لا يؤكل(668) .

وذكره العراقي في كتابه تقريب الأسانيد تحت عنوان: باب اشتباه الجاني

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بغيره(669)

الفوائد المستنبطة من هذا الحديث:

مما وقفت عليه من فوائد استخرجها أهل العلم من هذا الحديث الشريف، ما يلي(670) :

فيه دليل على جواز قتل النمل وكل مؤذ(671) . فيه تنبيه على أن بلاد المعاصي والمناكير لا تأمن العقاب العام(672) . أن تسبيح النمل تسبيح حقيقي بمقال ونطق، وفهمه سليمان عليه الصلاة والسلام كما قصّ الله عز وجل علينا ذلك في كتابه(673) .

الحديث السابع:

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قراءة داود عليه الصلاة والسلام القرآن قبل أن تسرج دابته

المطلب الأول: ذكر الحديث.

المطلب الثاني: تخريج الحديث.

المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.

المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.

المطلب الخامس: ذكر ما ترجم به المحدِّثون المخرِّجون لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.

المطلب الأول: ذكر الحديث

في

صحيح البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خُفّف على داود عليه الصلاة والسلام القرآن، فكان يأمر بدوابه فتُسرج، فيقرأ القرآن قبل أن تُسرج دوابه، ولا يأكل إلا من عمل يده.

وعند البخاري من رواية أبي ذر راوي الصحيح: خفِّف على داود القراءة(674) .

وعند أحمد : خفِّفت على داود عليه الصلاة والسلام القراءة، وكان يأمر بدابته فتُسرج، وكان يقرأ القرآن قبل أن تُسرج دابته.

وعند ابن حبان : خفِّف على داود القراءة، فكان يأمر بدابته أن تُسرج، فيفرغ من قراءة الزبور قبل أن تُسرج دابته(675) .

المطلب الثاني: تخريج الحديث

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رواه عن أبي هريرة كلٌّ من: همّام بن منبِّه، وعطاء بن يسار:

أما رواية همّام: فهي من طريق عبد الرزاق عن معمر عنه، رواها كلٌّ من البخاري (3417) عن عبد الله بن محمد، ورواه أيضاً هو (4713) ومحمد بن نصر المروزي (157) عن إسحاق بن نصر، ورواه ابن حبان (6225) من طريق ابن أبي السَّري، والبيهقي في الكبرى (6/210) والبغوي في شرح السنة (227) من طريق أحمد بن يوسف، أربعتهم (عبدالله بن محمد وإسحاق بن نصر وابن أبي السَّري وأحمد بن يوسف) عن عبد الرزاق به.

وأما طريق عطاء بن يسار:

فهي عنه من طريق موسى بن عقبة عن صفوان بن سليم عنه بها، وقد أشار إلى هذه الطريق: البخاري في صحيحه (3417) عقب تخريجه للحديث عن عبد الله بن محمد عن عبد الرزاق، وأسندها في خلق أفعال العباد (116) من طريق إبراهيم بن طهمان به.

وكذا هو عند البيهقي في الأسماء والصفات (599).

المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له

(تُسرج): سَرج الدابة معروف، وتصغيره سريج.... وجمعه سروج مثل: فَلس وفلوس، وأسرجت الفرس بالألف: شددت عليه سرجه، أو عملت له سرجا(676) ، وقيل: هو معرَّب عن سرك(677) ، وإذا لم يكن مسرجاً يقال له: فرس عُري، بالضم(678) .

(القرآن): القاف والراء والحرف المعتل أصل صحيح يدل على جمع واجتماع...ومنه القرآن، كأنه سمي بذلك لجمعه ما فيه من الأحكام والقصص وغير ذلك(679) .

وقال الراغب الأصفهاني: والقراءة: ضمّ الحروف والكلمات بعضها إلى بعض في التّرتيل، وليس يقال ذلك لكلّ جمع، لا يقال: قرأت القوم: إذا جمعتهم، ويدلّ على ذلك أنه لا يقال للحرف الواحد إذا

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تفوّه به قراءة، والْقُرْآنُ في الأصل مصدر، نحو: كفران ورجحان، قال تعالى: إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ فَإِذَا قَرَأْنَٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ(680) قال ابن عباس: إذا جمعناه وأثبتناه في صدرك فاعمل به، وقد خصّ بالكتاب المنزّل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم فصار له كالعلم كما أنّ التّوراة لما أنزل على موسى، والإنجيل على عيسى صلّى الله عليهما وسلم(681)

شرح موجز لهذا الحديث:

يخبرنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن داود عليه الصلاة والسلام مُكِّن له أن يقرأ الكتاب المنزل عليه في وقت يسير جداً، وذلك أثناء إسراج دوابه من قبل أتباعه، وفي هذا كرامة واضحة لداود عليه الصلاة والسلام ، مع الإشارة إلى شدة اهتمامه بقراءة كتاب الله عز وجل المنزل عليه.

والحمد لله رب العالمين.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها

أشكل هذا الحديث على فهوم بعض الناس فجعل يورد عليه شبهاً، مفادها:

أن القرآن إنما أنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم ، ولم ينزل على نبي قبله. أن هذه المدة قصيرة، لا تكفي لقراءة القرآن.

وهذا تفصيل الإجمال:

الشبهة الأولى: القول بأن القرآن إنما أنزل على نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ، ولم ينزل على نبي قبله، فكيف يقال بأن داود عليه الصلاة والسلام كان يقرأ القرآن؟

من الذين اعترضوا على هذا الحديث، وأوردوا عليه الشبهات، عبد الحسين شرف الدين، إذ يقول بعد ذكره للحديث: هذا محال من وجهين:

أحدهما: إن القرآن إنما أنزل على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقبله لم يكن، فكيف يقرؤه داود عليه الصلاة والسلام أجابوا: بأن المراد بالقرآن

هنا إنما هو الزبور والتوراة، وأنه إنما سماه قرآناً لوقوع المعجزة بهما كوقوعهما بالقرآن، فيكون المراد به مصدر القراءة لا القرآن المنزّل على محمد.

قلت- والكلام ما زال لعبد الحسين -: في هذا الجواب نظر، إذ حملوا فيه كلام أبي هريرة على ما لم يقصده، والله أعلم.

الشبهة الثانية: مدة إسراج الدابة لا يتمكن فيها من قراءة القرآن، فكيف يُدَّعى ذلك في حق داود عليه الصلاة والسلام ؟

ثم تابع عبد الحسين إيراده للشبه، قائلاً: ثانيهما: أن مدة إسراج الدابة لتضيق عن قراءة القرآن، سواء أريد به المنزَّل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أم أريد به الزبور والتوراة، ومن المقرّر بحكم الضرورة العقلية امتناع وقوع الفعل في وقت لا يسعه، وهذا مما لا سبيل إلى التشكيك فيه أبداً.

ثم نقل عبد الحسين توجيه القسطلاني لهذا الحديث، في إمكانية طيِّ الله للزمان، كطيّه له سبحانه في المكان، وما صحّ عن بعض العلماء من تكرار ختم القرآن في اليوم والليلة، حتى كان أحدهم يختم القرآن في اليوم والليلة خمس عشرة مرة، وختم القسطلاني كلامه بقوله: هذا باب لا سبيل إلى إدراكه إلا بالفيض الرَّبّاني(682) فردَّ عليه عبد

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحسين قائلاً: بل لا سبيل إلى إمكانه، إلا إذا أمكن وضع الدنيا على سعتها في البيضة على ضيقها، وأولو الألباب يعلمون أن طيَّ الزمان وطيَّ المكان كليهما مما لا حقيقة له، ولو فرض وقوعهما، فلا وجه لطيِّ الزمان هنا؛ إذ بطيِّه يزداد الإشكال، نعم، لو قال بطيِّ الكلام في هذا المقام لكان أنسب لمراده وإن كان باطلاً، ولا يمكن أن يكون ما نقله في هذا الحديث عن داود معجزة له عليه الصلاة والسلام لأن معجزات الأنبياء خوارق للعادة، وهذا خارق للعقل كما لا يخفى. اهـ كلام عبد الحسين بحروفه(683)

قلت: ومن المنتقدين لهذا الحديث، صاحب كتاب: نحو تفعيل قواعد

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نقد متن الحديث حيث يقول: هذا الحديث الذي تفرَّد بروايته أبو هريرة، يَنسب إلى داود قراءة القرآن، مع أن القرآن ما أنزل إلا بعد وفاة داود بألف وستمائة عام!! ثم تابع قائلاً: ثم أيُّ قراءة للقرآن هذه التي يختم فيها القرآن كلُّه في هذه الفترة القصيرة؟! مع أن رسول الله نهى عن ختمه في أقل من ثلاثة أيام، لأن القراءة عندها ستكون هَذَراً بلا تفكُّر، ولن تكون تلاوة بتدبر! لذلك، أوّل بعض شرَّاح الحديث لفظة القرآن فيه فقالوا: إن المقصود هنا هو: (الزبور)، الكتاب الذي أنزله الله على داود، وهو تأويل خلاف الظاهر الذي يعرفه السامعون المسلمون وغير المسلمين من لفظة القرآن(684) .اهـ كلامه.

الرد على ما سبق:

قلت: إن الناظر في مجموع الروايات واختلاف الألفاظ، يتجلَّى له حلُّ هذه الإشكالات بسهولة ويسر بإذن الله، وهو يسير على من يسّره الله عليه، ولو طرق أصحاب هذه الشبهات أبواب الهداية لفتحت لهم، ولهداهم الله عز وجل، ولكن أبى أولئك النفر إلا التشغيب على دينهم إن كانوا إليه ينتمون، ولهذا، يتبادر إلى الذهن سؤالٌ، وهو: ما الذي تركه أصحاب هذه الشبهات لغيرهم من أعداء الدين ماكري مكر الليل والنهار، وهل يَعْدُ الواحد من هؤلاء أصحاب الشبهات إلا أن يكون ذنباً لسادته من أعداء الدين؟

وأما

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بالنسبة لألفاظ الحديث، فقد مرّ معنا في إحدى روايتي البخاري، قول الراوي (تسرج دوابه) وفي الأخرى (تسرج دابته) أي إحدى الروايتين جاءت بالجمع والأخرى بالإفراد، والتعامل مع هذا الاختلاف الشَّكلي يكون بحمل لفظ الدابة على إرادة جنس الدواب فيؤدِّي معنى الجمع، أو باعتبار أن المقصود بالإفراد الدابة الخاصة بداود عليه الصلاة والسلام وتكون الدواب الأخرى هي لمن يرافقه عليه الصلاة والسلام في موكبه، أو أن يقال: إن أحد هذين اللفظين خطأ والآخر صواباً، ونرى هذا الأمر بعيداً، وقائل هذا لا يستطيع أن يصوب لفظاً ويخطئ آخر، إلا بالهوى، أما من حيث الصناعة الحديثية، فهو أبعد الناس عنها، فلا ناقة له فيها ولا جمل.

وعلى ما مضى، نقول: لا مانع عقلاً ابتداءً أن يتمكن داود عليه الصلاة والسلام من قراءة كتابه المنزَّل عليه في هذه الفترة، التي يتمُّ فيها تجهيز دوابه، والتي لا ندري كم هي مدَّتها الفعلية، وذلك لعدم معرفتنا بعدد دوابه عليه الصلاة والسلام وهو الذي آتاه الله عز وجل الملك والحكمة وفضّله على من يشاء، فقد تكون هذه المدة طويلة بحيث يتمكن من قراءة زبوره، خاصة ونحن لا نعلم أيضاً حجم الزبور، إذ لم يصحّ في ذلك شيء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بحسب علمي، فعلى هذا قد تكون مادة كتابه يسيرة إذا ما قورنت بغيرها من الكتب السماوية، ومدة تجهيز دوابه طويلة، فيتمكن عليه الصلاة والسلام من قراءة زبوره، وهذا التوجيه يتوافق مع توجُّه عبد الحسين الذي يرى أن المعجزة لا بد أن تكون خارقة للعادة، ولا

موجب لظهورها بهذه الصورة، فنوافقه تنزُّلاً على ما أراد ونقول: لم يكن هناك ما يستدعي خرق العادة، حتى يعدُّ هذا من معجزات داود عليه الصلاة والسلام وعلى هذا، يكون ما فعله داود مستطاعاً لكلِّ من أراد فعله، وإنما ذكر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم هذا عنه، ليبيِّن لنا مدى حرص داود عليه الصلاة والسلام على قراءة كتابه في أوقاته كلِّها، حتى في أوقات انشغاله! وهذا لازم لعبد الحسين، لا مناص له منه.

وأما نحن فنقول إن الله قادر على فعل ما شاء، ومتى شاء سبحانه وتعالى، فهو خالق الزمان والمكان، وهو خالق داود عليه الصلاة والسلام وباستطاعته سبحانه وتعالى أن يطوّل في زمانه المخلوق لصالح داود عليه الصلاة والسلام ولا إشكال في ذلك، وما معجزة الإسراء والمعراج التي أكرم الله بها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بانتقاله صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المسجد الأقصى، ومنه إلى السموات العلى، وذلك في ظرف يسير من الليل، إلا من هذا الجنس، بل هي أشدُّ غرابة، ومع ذلك، فلا يوجد مسلم يماري في ثبوتها، فعلى هذا، يكون ما ذكر في هذا الحديث من المعجزات التي أكرم الله عز وجل بها عبده داود عليه الصلاة والسلام وخصّه بها، وخَرَق العادة من أجله عليه الصلاة والسلام ولا مانع من ذلك، فإرادة الله سبحانه وتعالى نافدة، لا تحتاج إلى إذن أحد من مخلوقاته، أو اشتراط أن لا يخرق العادات إلا من أحوال معينة، وأن لا يظهر معجزاته إلا عند وجود ذلك، وكيف جوّز عبد الحسين أن يردّ الله الشمس لأمير المؤمنين عليٍّ رضي الله عنه لكي يتمكن من صلاة العصر في وقتها، ولم يجوّز

أن يقع هذا لنبيٍّ من أنبياء الله عز وجل(685) أو يُعقل أن يخرق الله تعالى العادة، ويغيِّر هذا التغيير الكوني من أجل صحابيٍّ مكرّم، ويستنكر أن يحصل ما هو دون ذلك بكثير في حق نبيٍّ كريم من أنبياء الله عليهم السلام؟!

ونلحظ أيضاً أن من ضمن الروايات ما جاء في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : فكانت لا تسرج – أي الدوّاب - حتى ينتهي داود عليه الصلاة والسلام من القراءة، وهذا يدفع الإشكال أكثر فأكثر – إن كان ثمّة إشكال! -، فداود عليه الصلاة والسلام هو الملِك، الآمر الناهي، ومن لوازم ملكه أن تكون رعيَّته تابعةً له، لا أن يكون هو مقيّداً بتصرفاتها، فلم لا يكون قد صدر الأمر منه عليه الصلاة والسلام لهم، بأن يقوموا بإسراج دوابه على مهل، حتى ينتهي من تلاوة كتابه؟

وكما ترى أخي القارئ فإن التفريعات العقلية كثيرة، لا تكاد تنتهي، إذ باستطاعة كثير من الناس إيراد ما أراد من شبه أو أجوبة عليها، فلا شيء يميّز عبد الحسين ومن سار على دربه إلا استخفافهم بأصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين حطّوا رحالهم في الجنة، وسبقوا المؤمنين إليها، ولكن الأمر كلّه أولاً وآخراً بيد الله سبحانه وتعالى، وهو القائل سبحانه وتعالى في كتابه العزيز فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَٰلِغَةُ فَلَوْ شَآءَ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ(686) وهو سبحانه الذي قسم عباده إلى فريقين: فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ﴾(687) فنسأل الله أن نكون من أهل الجنة، ونعوذ بوجهه الكريم من النار وأهلها.

هذا فيما يتعلق بمسألة الزمان، وما وقع حولها من إشكال عند البعض، وأما فيما يتعلّق بلفظ (القرآن) في الحديث، وفرح عبد الحسين بهذه اللفظة، ليبيّن بزعمه كذب قائل هذا الحديث، وهو عنده أبو هريرة رضي الله عنه ، فقد ظن هذا المغرور أنه أتى بالحجة الدامغة على ما ادعاه، حيث إن القرآن لم ينزّل إلا على نبينا عليه الصلاة والسلام ، فكيف ينسب كذلك لداود عليه الصلاة والسلام ؟!

والجواب على هذا أن يقال: إن لفظ (القرآن) لم يتفق الرواة على إيراده، بل منهم من ذكر لفظ (القراءة) بدلاً من لفظ (القرآن)، وأحد الرواة ذكره بلفظ (الزبور)، كما مرّ معنا، ولا إشكال في لفظ من الألفاظ الثلاثة، فهذان اللفظان – أعني (القراءة) و(الزبور) - لا إشكال فيهما عند الجميع، وهما يفسِّران – ضرورة – لفظ (القرآن) الوارد في الروايات الأخرى، ولو لم يرد إلا لفظ (القرآن)، لما كان هناك أيُّ إشكال عند أصحاب العقول السويَّة، لأن لفظ (القرآن) في الأصل مصدر يطلق على كل مقروء، وهذا يعلمه المبتدئون في دراسة علوم القرآن عندما يدرسون المعنى اللغوي له.

وكيف ظنّ عبد الحسين أن هذا الأمر يخفى على مثل أبي هريرة رضي الله عنه راوي هذا الحديث، وارث نسب العروبة كابراً عن كابر، ويظهر لأحد المتأخرين

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عربياً كان أو أعجمياً زماناً ومكانة؟! وإن كان هذا الأمر قد خفي على أبي هريرة رضي الله عنه فكيف يخفى على من سمعوا منه هذا الحديث، ألم يكونوا يعلمون بأن القرآن هو كتاب نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وأن المراد في هذا الحديث هو كتاب داود عليه الصلاة والسلام وإنما سمِّي قرآناً لكونه يقرأه قراءة؟!

وهل فعل عبد الحسين في إيراده هذ الشبهة إلا أن نادى على نفسه بالجهل أو بالكذب؟ فهو الجاهل إن كان لا يعلم أن القرآن مصدرٌ يطلق على كلِّ مقروء، وهو الكاذب إن كان يعلم ذلك ثم كتمه، فليتخيّر أتباعه أيّاً من هذين الوصفين له.

وأما إسماعيل الكردي، فقد طعن في هذا الحديث بشبهتين، الأولى سبقه بها عبد الحسين، فلا جديد في طرحه، والثانية كذلك؛ إلا أنه زعم أن القراءة في هذه المدة اليسيرة تنافي التدبُّر، وتُوقع صاحبها في ما نهى عنه نبيّنا الكريم صلى الله عليه وآله وسلم ، ولا أريد أن أُعرِّج كثيراً على احتجاجه هنا بالحديث الذي فيه نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قراءة القرآن في أقل من ثلاثة أيام، مع إعراضه عن حديث الباب، وكلا الحديث في الصحيحين، حيث لم يبيِّن لنا الضابط المعتبر عنده في قبول أو ردِّ الأحاديث.

وأنا كلّما وقفت على وجه جديد من الشبه، يتجدّد لدي بفضل الله التعرُّف على ضعف المادة العلمية عند أصحاب هذه الشبه، أو شدة مكرهم في تعمُّدهم إخفاء كثير من الحقائق، فما أورده إسماعيل

الكردي هنا من منافاة القراءة في المدَّة اليسيرة لما صحّ عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم قد ذكره أهل العلم، وبيّنوا أن قراءة القرآن في أقل من ثلاثة أيام يجوز في أحوال معينة، وأوقات فاضلة، وحملوا نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم على المداومة على ذلك، وعلماء الإسلام أسعد الناس بمعرفة مقاصد هذه الشريعة العظيمة، وأعرف الناس بهدي النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وكان المتحتِّم على غير المتخصِّصين الذين جهلوا موارد الشريعة ومقاصدها، أن يطلبوا الرشاد والهدى من الله عز وجل، وأن يفعلوا ما أُمروا به في مثل هذه الأحوال، ألا وهو سؤال أهل الذكر إن كانوا لا يعلمون، وحينها لهداهم الله بفضله ومنَّته، وصدق الله العظيم القائل وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَّـَٔاتَيْنَٰهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَٰهُمْ صِرَٰطًا مُّسْتَقِيمًا(688) ولكن، لما أعرض كثيرٌ من غير المتخصِّصين عن هذا الإرشاد الإلهي، انطبق عليهم قول الله عز وجل في أسلافهم بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِى مَنْ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ(689)

وممّن عرض لمسألة قراءة القرآن في أقل من ثلاثة أيام، وأجاب عما ورد عن السلف في ذلك: الحافظ ابن رجب رحمه الله، حيث يقول: وكان بعض السلف يختم في قيام رمضان في كل ثلاث ليال، وبعضهم في كل سبع، منهم: قتادة، وبعضهم في كل عشرة، منهم أبو رجاء العطاردي، وكان السلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وغيرها: كان الأسود يقرأ في كل ليلتين في رمضان، وكان النخعي يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصة وفي بقية الشهر في ثلاث، وكان قتادة يختم في كل سبع دائماً، وفي رمضان في كل ثلاث، وفي العشر الأواخر كل ليلة، وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصلاة، وعن أبي حنيفة نحوه... إلى أن قال الحافظ ابن رجب: وإنما ورد النهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك فأما في الأوقات المفضلة كشهر رمضان، خصوصاً الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة كمكة لمن دخلها من غير أهلها، فيستحب الإكثار فيها من تلاوة القرآن اغتناماً للزمان والمكان، وهو قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدلُّ عمل غيرهم كما سبق ذكره(690)

الشرح المفصَّل للحديث:

ثم بعد ذلك، دعونا ننظر إلى ما قاله أئمة الإسلام الذين شرح الله صدورهم للإسلام فهم على بيّنة من ربهم، وذلك في شروحهم على هذا الحد يث، لنرى كيف ينظر هؤلاء الأئمة بنور الله، وصدق الله إذ يقول: ﴿ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَمَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنْ هَادٍ﴾(691) ، وسأعرض لشرح الحديث جملة جملة، فأقول:

أما قوله صلى الله عليه وآله

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وسلم «خُفّف على داود القرآن»، فالكلام فيه من وجهين:

الأول: ما التخفيف المقصود هنا؟

الثاني: ما يتعلق بلفظ القرآن.

أما الأول: فقد ذكر أهل العلم صوراً للتخفيف، منها ما قاله الحافظ العراقي: المراد بتخفيف القراءة على داود عليه السلام : تيسيرها وتسهيلها وخفة لسانه بها، حتى يقرأ في الزمن اليسير ما لا يقرؤه غيره في الزمن الكثير مع الترسُّل، وإعطاء كل حرف حقّه، ومن تخفيف القراءة وتسهيلها لهذه الأمة ما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرؤه وهو عليه شاق له أجران»، وبسبب تخفيف القراءة تيسَّر لكثير من صالحي هذه الأمة من كثرة التلاوة ما عسر على أكثرهم، قال النووي: وأكثر ما بلغنا في ذلك: ما كان يفعله السيد الجليل ابن الكاتب الصوفي في كونه كان يختم القرآن: أربع مرات في الليل، وأربعاً في النهار(692) .اهـ.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 345 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

قلت: ويُحمل هذا التخفيف على مباركة الله عز وجل في هذا الوقت، كما قال الحافظ ابن حجر: وفي الحديث أن البركة قد تقع في الزمن اليسير حتى يقع فيه العمل الكثير(693) .

وأما الثاني: وهو ما جاء في لفظ (القرآن)، فلا غرابة فيه ولا إشكال، فقد يطلق على الكتب السماوية السابقة قرآناً، قال شيخ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ولفظ التوراة والإنجيل والقرآن والزبور قد يُراد به الكتب المعينة، ويُراد به الجنس، فيعبَّر بلفظ القرآن عن الزبور وغيره، كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم :«خُفِّف على داود القرآن، فكان ما بين أن تسرج دابته إلى أن يركبها يقرأ القرآن»، والمراد به قرآنه وهو الزبور، ليس المراد به القرآن الذي لم ينزل إلاَّ على محمد، وكذلك ما جاء في صفة أمة محمد: «أناجيلهم في صدورهم» فسمى الكتب التي يقرؤونها وهي القرآن أناجيل(694) .اهـ.

وقال العلاّمة ابن القيِّم رحمه الله: والمراد بالقرآن ههنا: الزبور، كما أريد بالزبور القرآن في قوله تعالى وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ أَنَّ ٱلْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِىَ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ٱلصَّٰلِحُونَ﴾(695)(696)

قلت: وإطلاق القرآن على الكتب السابقة، موافق لتعريف العلماء للقراءة، كما مرّ معنا في كلام ابن فارس السابق(697) ، وقال ابن الأثير: وكل شيء جمعته فقد قرأته، وسمي القرآن قرآناً لأنه جمع القصص، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والآيات والسور بعضها إلى بعض، وهو مصدر كالغفران والكفران(698) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال الحافظ ابن حجر في شرحه لحديث الباب: المراد بالقرآن القراءة، والأصل في هذه اللفظة الجمع، وكل شيء جمعته فقد قرأته، وقيل: المراد الزبور، وقيل: التوراة، وقراءة كل نبيٍّ تطلق على كتابه الذي أوحي إليه، وإنما سمَّاه قرآناً للإشارة إلى وقوع المعجزة به، كوقوع المعجزة بالقرآن، أشار إليه صاحب «المصابيح»، والأول أقرب(699) .اهـ.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المطلب الخامس: ذكر ما ترجم به المحدِّثون المخرِّجون لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه

وبعد أن تناولنا الحديث الشريف بهذا التفصيل، وقمنا برد شبهات من أوردها عليه بحول الله وقوته، دعونا نقف على شيء من حسن تصرف أئمتنا مع هذا الحديث الشريف، وبعض ما استنبطوه من فوائد نافعة منه، ونبدأ – كعادتنا – بذكر ما ترجم به أئمة الإسلام الذين أخرجوا هذا الحديث في كتبهم، وهي كالآتي:

تراجم المحدِّثين:

بوّب البخاري: باب قول الله تعالى: ﴿ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ(700)(701) زَبُورًا﴾ )( .

وفي موطن آخر كذلك: باب قوله: ﴿ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ(702)(703) زَبُورًا﴾ )( .

وبوّب محمد بن نصر المروزي: باب أكثر ما يختم فيه

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

القرآن، وأقله من عدد الليالي(704)

وقال ابن حبان: باب ذكر تخفيف الله جل وعلا قراءة الزبور على داود نبي الله عليه الصلاة والسلام(705) .

وبوّب البيهقي: باب كسب الرجل وعمله بيديه(706) .

وبوّب في كتابه الأسماء والصفات: باب: قول الله عز وجل ﴿ قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدَةً قُلِ ٱللَّهُ شَهِيدٌۢ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِىَ إِلَىَّ هَٰذَا ٱلْقُرْءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخْرَىٰ قُل لَّآ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ وَإِنَّنِى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ(707) ﴾ ﴿ لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا(708)(709) ﴾ ) ( .

و بوّب البغوي: باب الكسب وطلب الحلال(710) .

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فوائد من هذا الحديث الشريف:

وبعد ما مضى، نعرض الفوائد التي استنبطت من هذا الحديث الشريف، مع التعليق على ما يحتاج بيانه، وهي كالآتي:

لكون داود عليه الصلاة والسلام من الذين قال الله عز وجل فيهم: أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ﴾(711) فنقلُ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم عنه فعله هذا، يعدُّ من فضائله عليه الصلاة والسلام ومن قبيل الإعجاب به، وعلى إباحة ما يفعله، وإلا لنهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن فعله(712) وعليه: استدل بعض العلماء بهذا الحديث على جواز السرعة في القراءة، قال ابن بطال: روى ابن القاسم وابن وهب عن مالك في الهذِّ في القراءة، قال: من الناس من إذا هذَّ أخف عليه وإذا رتل أخطأ، ومن الناس من لا يحسن الهذَّ، والناس في هذا على قدر حالاتهم وما يخفُّ عليهم، وكلٌّ واسع، وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يختمون القرآن في ركعة، وهذا لا يتمكن إلا بالهذِّ، والحجة لهذا القول حديث أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «خُفِّف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتُسرج؛ فيقرأ القرآن قبل أن تُسرج»، وهذا لا يتم إلا بالهذِّ وسرعة القراءة، والمراد بالقرآن في هذا الحديث الزبور(713) حرص داود

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عليه الصلاة والسلام على المدوامة على قراءة كتابه الذي آتاه الله إياه. فضل الأكل من عمل اليد(714) الصنعة التي كان يأكل بها داود عليه الصلاة والسلام هي صناعة الدروع، من الحديد الذي ألانه الله عز وجل له(715)

آخر الكلام على هذا الحديث الشريف.

والحمد لله رب العالمين.

الحديث الثامن:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الاختلاف بين سليمان وداود عليه السلام في قضية، وتوفيق الله لسليمان عليه الصلاة والسلام للحكم الصواب فيها

المطلب الأول: ذكر الحديث.

المطلب الثاني: تخريج الحديث.

المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.

المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.

المطلب الخامس: ذكر ما ترجم به المحدِّثون المخرِّجون لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.

المطلب الأول: ذكر الحديث

عن أبي هريرة رضي الله عنه

أن رسول

الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود عليه الصلاة والسلام فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود عليه السلام فأخبرتاه، فقال: ائتوني بالسكين أشقُّه بينهما. فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها. فقضى به للصغرى. قال أبو هريرة: والله، إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية.

المطلب الثاني: تخريج الحديث

روي هذا الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه

من طريقين: من طريق الأعرج ومن طريق بشير بن نهيك:

أما طريق الأعرج، فالراوي عنه فيها هو أبو الزناد، وقد رواه عنه غير واحد، وتفصيله كالآتي:

شعيب عن أبي الزِّناد:

رواه عنه كلٌّ من: البخاري (3427) و(6769) عن أبي اليمان، والنسائي في الكبرى (5921) والصغرى عن (5402) من طريق علي بن عيّاش، وفي الكبرى (5920) والصغرى (5404) من طريق مسكين بن بكار، والبيهقي في الكبرى (10/628) من طريق بشر بن شعيب، أربعتهم (أبو اليمان وعلي بن عياش ومسكين بن بكار وبشر بن شعيب) عن شعيب عن أبي الزِّناد به.

ورقاء بن عمر عن أبي الزّناد:

رواه عنه كلٌّ من: أحمد (8081) عن علي بن حفص، ومسلم

(1722) من طريق شبابة، وأبي عوانة (6414) من طريق خالد بن يزيد، ثلاثتهم عن ورقاء به.

موسى بن عقبة عن أبي الزِّناد:

رواه عنه كلٌّ من: مسلم (1722) وأبي عوانة (6417) من طريق حفص بن ميسرة عنه به.

محمد بن عجلان عن أبي الزِّناد:

رواه عنه كلٌ من: أحمد (8275) والنسائي في الكبرى (5754) والصغرى (5403) وأبي عوانة (6415) من طريق الليث، ورواه مسلم (1722) والطبراني في الأوسط (2771) وابن حبان (5066) من طريق روح بن القاسم، كلاهما (الليث وروح) عن محمد بن عجلان به.

ولم يسق مسلم لفظه من طريقي موسى بن عقبة ومحمد بن عجلان، وإنما قال بعد أن ذكرهما: بهذا الإسناد بمثل معنى حديث ورقاء.

سفيان بن عيينة وغيره عن أبي الزناد:

كذا رواه عنه عبد الرزاق في مصنّفه (13842) بنحو ما مضى معنا من متن الحديث.

وأما طريق بشير بن نهيك عن أبي هريرة رضي الله عنه فقد أخرجها

النسائي في الكبرى (5918) من طريق المعتمر عن عمران بن حدير عن يحيى بن سعيد عن بشير بن نهيك به.

ورواه ابن أبي عاصم في الأوائل (49) من طريق المعتمر به، مختصراً.

المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له

(السكِّين): الآلة المعروفة المستخدمة للذبح، وتجمع على سكاكين(716) ، سُمِّيت بذلك لأنها تسكّن حركة المذبوح(717) ، وتذكّر وتؤنث، ويقال أيضاً: السكينة بالهاء، وهي لغة فيها، خلاف المشهور(718) .

(المُدية): مثلثة الميم(719) ، وساكنة الدال، وهي السكين، وتجمع على مُدى، بضم الميم، وكسرها(720) ، وهي مشتقة من المَدى وهو الغاية، لأن بها مدى الأجل(721) .

الشرح الإجمالي للحديث:

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

في هذا الحديث يخبرنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم عن امرأتين من السابقين زماناً، كانتا في مكان ما، ومع كلِّ واحدة منهما صبياً لها، فعدا الذئب، فأكل صبياً من الصبيين، فادّعت كلُّ واحدة منهما أن الناجي هو ابنها، وتنازعتاه، فتخاصمتا إلى داود عليه الصلاة والسلام ، وكان الحاكم بين الناس، فقضى به للكبرى منهما، فأخذته، وعند خروجهما من عند داود التقتا سليمان عليه الصلاة والسلام ، فسألهما عن خبرهما، وما كان من حكم أبيه داود عليه الصلاة والسلام بينهما، فأخبرتاه الخبر، فأراد سليمان عليه الصلاة والسلام أن يصل إلى حقيقة الأمر من طريق أخرى، فدعا بسكين وأوهمهما أنه يريد أن يشقَّ هذا الصبي بينهما نصفين، ففزعت الصغيرة وأشفقت على المولود، وتنازلت عن حقِّها، وتراجعت عن قولها، وطلبت من سليمان عليه الصلاة والسلام أن يدفع بالصبي إلى الكبيرة، بينما لم تحرّك الكبيرة ساكناً، وكأن الأمر عندها سيّان، لا فرق بين أن ترجع بصبي كامل أو نصف صبيٍّ، فقضى سليمان بالوليد للصغيرة، لأنها ما خافت عليه إلا لكونه ولدها. والله أعلم.

المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها

اعترض على هذا الحديث بعدد من الاعتراضات، هي كالآتي:

الشبهة الأولى: إنَّ عصمة كلِّ واحد منهما تقتضي عدم الاختلاف بينهما:

قال عبد الحسين شرف الدين: في هذا الحديث نظر من وجوه:

أحدها: أن داود عليه السلام خليفة الله في أرضه، ونبيّه المرسل إلى عباده، وقد أمره أن يحكم بين الناس بالحق، فقال عز من قائل: ﴿ يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ(722) ٱلْحِسَابِ﴾ ثم ذكر عبد الحسين آيات ثناء الله عز وجل على داود عليه السلام كآيات سورة ص، وآية سورة الإسراء، ثم قال: فداود ممن فضّله الله بزبوره، فهو معصوم من الخطأ، ولا سيّما في القضاء والحكم بما أنزل الله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ(723) ٱلظَّٰلِمُونَ﴾ وولده سليمان وارث علمه وحكمه، وهو نبيٌّ معصوم أيضاً فكيف ينقض حكم أبيه، وهو أعرف الناس بعصمته؟

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثم تابع عبد الحسين قائلاً: ولو أن حاكماً في هذه الأيام من قضاة الشرع جامعاً لشرائط الحكومة حكم بين اثنين ترافعا إليه، لوجب على سائر حكّام الشرع اعتبار حكمه بدون توقُّف، إلا مع العلم بخطئه، والخطأ هنا مأمون لوجوب عصمة الأنبياء، فلا يجوز على سليمان وهو من أنبياء الله أن ينقض حكم أبيه الذي ارتضاه الله رسولاً لعباده وحاكماً بينهم، لأن نقضه ردٌّ على الله تعالى، وسوء أدب مع أبيه، بل عقوق له. اهـ كلام عبد الحسين(724) .

وقال جعفر السبحاني بعد أن أشار إلى هذا الحديث: وفي الحديث تساؤلات: فذكر آية سورة (ص) الماضية معنا، ثم قال: فهو عليه السلام لا يحكم إلا بالحق ولا يحكم بالباطل، وإلا فيكون ضالاً عن سبيل الله، وقد بيّن سبحانه حكم الضال عن سبيله في ذيل الآية، وقال: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ(725) ﴾ فحكمه عليه السلام بأن الولد للكبرى لم يكن يخلو من أحد وجهين: إما كان حقاً، وإما كان باطلاً، فلو كان حقّاً فليس لسليمان أن ينقضه ويحكم على خلافه، ولو كان باطلاً فإما أن يكون عمداً أو عن سهو.

فعلى الأول: يكون ضالاً محكوماً بما جاء في الآية نعوذ بالله وعلى الثاني فيلزم أن لا يحكم بالحق مع أنه سبحانه أمره بالحكم بالحق، ومن أمره فيجهّزه بما يوصله إليه، إلا أن تفسّر

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الآية: بما رآه حقاً، وإن كان في الواقع باطلاً، وهو كما ترى(726)

الجواب على هذه الشبهة:

إن الناظر في هذه الشبهة، يرى أن أصل قيامها في نفوس رادّي الحديث، هو منافاتها لعصمة الأنبياء عليه السلام، وهذا على حسب ما تقرّر عندهم من تعريف هذه العصمة، وقبل أن أذكر القول الراجح المتعلِّق بعصمة الأنبياء، أُنبّه إلى أن هنالك ثلاث آيات متعلّقات بكلٍّ من داود وسليمان عليه السلام، ثنتان منهما تتحدثان عن وقوع كلٍّ واحد منهما عليه السلام بأمر استدعى طلبهما للمغفرة من الله سبحانه وتعالى، والثالثة تشير إلى قضية اختلف فيها حكم سليمان مع حكم داود، وصوّب الله عز وجل فيها حكم سليمان عليه السلام .

أما الأولى والثانية، فقد أعرض عن ذكرهما كلٌّ من عبدالحسين والسبحاني، وأما الثالثة فقد ذكراها وأجابا عنها بزعمهما، جواباً تَضحك منه الثَّكلى، وسيأتي معنا ذلك، بعد إيراد الآيتين الأولى والثانية.

فأما الآيات الأولى فهي قوله تعالى في حق داود عليه السلام: وَشَدَدْنَا مُلْكَهُۥ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ۞وَهَلْ أَتَىٰكَ نَبَؤُا۟ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا۟ ٱلْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا۟ لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَٱحْكُم بَيْنَنَا بِٱلْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَٱهْدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ إِنَّ هَٰذَآ أَخِى لَهُۥ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِىَ نَعْجَةٌ وَٰحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِى فِى ٱلْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِى بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسْتَغْفَرَ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رَبَّهُۥ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ(727) وهذه الآيات كما أسلفت قد أعرض عن ذكرها كلٌّ من عبد الحسين والسبحاني، ولم يشيرا لها أدنى إشارة.

بل إن عبد الحسين ذكر قوله تعالى: ﴿ ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ إِنَّا سَخَّرْنَا ٱلْجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحْنَ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِشْرَاقِ وَٱلطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَّهُۥٓ(728) أَوَّابٌ ﴾ ثم قال عبد الحسين: إلى أن قال عزَّ سلطانه: ﴿ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ(729) مَـَٔابٍ﴾ .

فتجنّب عبد الحسين ذكر الآيات السابقة، وذكر ما قبلها من الآيات، ثم اجتزأ الآية الأخيرة، فلم يذكر منها إلا الجزء الأخير، وأعرض عن أوّلها، والذي فيه مغفرة الله عز وجل لداود عليه السلام ، بقوله سبحانه: ﴿ فَغَفَرْنَا لَهُۥ ذَٰلِكَ(730) ﴾ وكان مقتضى الانصاف الذي يدَّعيه عبد الحسين، أن يذكر كلَّ ما يتعلّق بموضوعه وشبهته، ثم يعمل على الإجابة عن المشكل منها، وهذا ما لم يفعله هو ولا السبحاني.

والآيات التي أغفلا ذكرها هنا، فيها أنه قد بدر من داود عليه السلام ما استدعاه لطلب المغفرة والسجود تائباً طالباً العفو من الله سبحانه وتعالى، وهذا يعني مباشرةً أن الخطأ قد يصدر من نبيٍّ كريم كداود عليه السلام ثم

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يصحّح الله عز وجل له مساره، وهذا مما ينقض ابتداءً ما قرّره عبد الحسين ومن بعده السبحاني في مسألة عصمة الأنبياء عليهم السلام

وأما الآية الثانية، فهي قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ قَالَ رَبِّ ٱغْفِرْ لِى وَهَبْ لِى مُلْكًا لَّا يَنۢبَغِى لِأَحَدٍ مِّنۢ بَعْدِىٓ إِنَّكَ أَنتَ ٱلْوَهَّابُ(731) ﴾ .

فهذه الآية كما نرى طلب فيها سليمان عليه السلام المغفرة من الله سبحانه وتعالى لشيء فعله، يأتي توضيحه تماماً في الجواب على حديث طواف سليمان عليه السلام على نسائه في ليلة واحدة، وإن كان أيضاً قد سبق هذه الآيات، آياتٌ فيها انشغال سليمان عليه السلام بالخيل عن ذكر الله عز وجل، وذلك في قوله تعالى: ﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلْجِيَادُ فَقَالَ إِنِّىٓ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّى حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَىَّ فَطَفِقَ مَسْحًۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلْأَعْنَاقِ(732) ﴾ وهذا كلّه مما يظهر وقوع بعض الأشياء من الأنبياء عليهم السلام تستدعي منهم طلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى، على تفاوت بين هذه الأشياء كما يظهر معنا من سياق الآيات السابقة، وسيأتي معنا ذكر ما جاء في تفسير هذه الآيات، خاصة فيما يتعلق بحكم داود عليه السلام بين الخصوم.

وأما الآية الثالثة، والتي أجاب عنها عبد الحسين جواباً يُضحك الثَّكلى، فهي قوله تعالى: فَفَهَّمْنَٰهَا سُلَيْمَٰنَ وَكُلًّا ءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وَكُنَّا فَٰعِلِينَ(733)

ولما كان لابد لعبد الحسين من جواب على هذه الآية، وهي في ظاهرها تخالف ما كان قد قرّره من عدم جواز استدراك بعض الأنبياء على بعض، جعل يتمحّل في إيراد الجواب، وينشئ أباطيل من بنات أفكاره، يدفع بها الحقَّ الواضح، وسأبدأ بذكر هذا الجانب من كلامه قبل أن أقوم بالجواب على شبهته، وما ذلك إلا ليتبيّن لكل ذي إنصاف مدى التلاعب في النصوص الشرعية للوصول إلى المراد.

قال عبد الحسين بعد أن ذكر وجوه ردِّه على الحديث: تنبيه: ظن أبو هريرة أن داود وسليمان ﴿ إِذْ يَحْكُمَانِ فِى ٱلْحَرْثِ﴾(734) كانا متناقضين في الحكم، فهان عليه تزوير تلك القصة الخيالية، ولم يدر أنهما كانا على الصواب، وأن حُكمَ كلٍّ منهما وعلمَه إنما كان من لدن رب الأرباب.

ومجمل قضيتهما، أن غنماً أصابت في الليل حرثاً، وكان كرْماً قد بدت عناقيده فأكلَتْه، فترافع صاحب الحرث وأصحاب الغنم إلى داود عليه السلام ، فكان بمقتضى شرعه الموحى إليه من الله تعالى أن يحكم بالغنم لصاحب الحرث لأن قيمة الغنم كانت على قدر النقصان في الحرث، فلما أراد أن يحكم بذلك؛ نسخه الله تعالى على لسان سليمان، وكان شريكه في النبوة فأفهمه الله أن الحكم أصبح في مثل تلك الواقعة أن تُدفع الغنم إلى أهل الحرث ينتفعون بألبانها وأصوافها، ويدفع الحرث إلى أرباب الغنم يقومون عليه حتى يعود كهيئته قبل عيث الغنم فيه ثم يترادّان.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثم تابع عبد الحسين قائلاً: جعل الله في هذا الحكم: انتفاع صاحب الحرث بالغنم بإزاء ما فاته من الانتفاع بحرثه، من غير أن يزول ملك المالك على الغنم، وأوجب على أصحاب الغنم أن يعملوا في الحرث حتى يزول الضرر والنقصان، فلما أفهم الله عز وجل سليمان ذلك، رفعه إلى أبيه فعزم أبوه عليه ليحكمنَّ بما أَنزل الله عليه فحكم به، هذا ملخّص ما كان يومئذ بينهما، لا تناقض فيه ولا اختلاف، شأن كلِّ حُكْمين عن الله تعالى نسخ ثانيهما الأول.

ثم ذكر عبد الحسين الآيات في هذا ثم قال: فانظر إلى قوله عزّ اسمه ﴿ وَكُلًّا ءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾(735) تجده نصّاً في أنهما كانا جميعاً على الصواب، وإن حكمَ كلٍّ منهما وعلمَه إنما هو من لدن ربِّ الأرباب.

وكان عبد الحسين قد وضع هامشاً عند قوله تعالى ﴿ فَفَهَّمْنَٰهَا سُلَيْمَٰنَ(736) ﴾ وعلّق قائلاً: أي ففهَّمنا هذه الحكومة سليمان، فكانت ناسخة للحكومة التي كان الله من ذي قبل فهَّمها داود عليه الصلاة والسلام .اهـ.

قلت: بهذا الجواب، ظن عبد الحسين أنه أحكم أدلةَ شبهته، وخرج من كلِّ متعلِّقاتها، وكلُّ هذا، دون أن يذكر أيَّ دليل على ذلك، سوى ما ذكره في أحد الهوامش في بداية سرده لهذا الجواب من قوله: فيما رُوي عن الإمامين الباقرين الصادقين أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام.

وهو يحسب أن هذا يُقنع غيرَه بمراده، وكيف له أن يظنُّ ذلك؟

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهو قد ردَّ الحديث المتفق عليه، المجمع على صحَّته، وجعل يحتج بمثل هذه الآثار التي لا يستطيع هو ولا غيره إثبات صحَّتها إلا بالدعاوى الباطلة(737)

وعند النظر في كلامه السابق نرى كالعادة: تحكّماً عجيباً وتناقضاً غريباً وهوىً مطاعاً، فمِن أين له أن هذا الحكم قد نُسخ في تلك اللحظة؟ وهل يقول هو وأتباعه بجواز النسخ قبل وقوع الفعل؟ كيف؟ وقد ردَّ بزعمه حديثاً في صحيح البخاري بدعوى أن النَّسخ قد وقع قبل وقوع العمل، وهو الحديث الذي أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم فيه ابتداءً بتحريق رجلين بالنار، ثم عاد ونهى عن ذلك، معلِّلاً صلى الله عليه وسلم أن النار لا يحرق بها إلا الله عز وجل، فعلّق عبد الحسين قائلاً: هذا الحديث

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

باطل، لاشتماله على النسخ قبل حضور وقت العمل، وذلك مُحال على الله تعالى وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم كما هو مقرّر في محلِّه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: احرقوا فلاناً وفلاناً، فإنما قال ذلك عن الله عزّ وجل، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلاّ وحيٌ يوحى، فكيف يمكن نسخ هذا القول قبل حضور وقت العمل به؟ أليس نسخه والحال هذه مستلزماً للجهل؟ تعالى الله عما يقول الظالمون علوّاً كبيراً(738) .اهـ كلام عبد الحسين.

قلت: مع أن دعواه أن داود عليه الصلاة والسلام أراد أن يَحكُم فنُسخ الحكم، يخالف ظاهر الآية التي جاء فيها أن داود قد حكم بالفعل، ففي الآية قوله تعالى: وَدَاوُۥدَ وَسُلَيْمَٰنَ إِذْ(739) يَحْكُمَانِ إلى قوله تعالى:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَٰهِدِينَ(740) وهذا كلُّه مما يؤكد وقوع الحكم فعلاً من داود عليه الصلاة والسلام كما وقع من سليمان عليه الصلاة والسلام

ثم إن كان النسخ قد وقع فعلاً كما يدعيه عبد الحسين، فلم لم ينزل الوحي على داود عليه الصلاة والسلام بذلك، وهو الحاكم في هذه القضية، والمسؤول عنها ابتداءً، ونزل على سليمان عليه الصلاة والسلام ، البعيد عن هذه القضية، وهل لهذا نظائر في شريعتنا، أن يأتي نبيٌّ من أنبياء الله ليحكم في قضية، فينسخ قبل حكمه على لسان نبيٍّ آخر ليس له علاقة بهذه القضية، أليس في هذا هضماً لمنزلة داود عليه الصلاة والسلام ، ورفعاً لمنزلة سليمان عليه الصلاة والسلام عليه؟

ولو اتقى عبدُ الحسين ربَّه وأتى البيوت من أبوابها، لوقف على الحقِّ والصواب في هذا، ولعلم أن الله عز وجل إنما أكرم النَّبِيَّيْن عليه السلام، وآتى كلَّ واحد منهما حكماً وعلماً، لكن في هذه القضية بعينها فهَّم سليمان عليه الصلاة والسلام وجهَ الصواب، ولم يقع في هذه عيبٌ على داود عليه الصلاة والسلام ، إذ أن الأمر كلّه لله عز وجل.

وإثبات وقوع أحد من الأنبياء عليهم السلام في خطأ ما، لا يعني انتقاصه، ومن باب أولى، لا يعني هدماً لما جاء به ذلك النبيُّ من شريعة، فالأنبياء عليهم السلام بشر، قد يقع الخطأ من أحدهم، لمصالح قد تظهر وقد تخفى، ولكن لا يُقرُّون على ذلك، باتفاق، وهذا ما يقودنا إلى ذكر الصواب فيما يتعلّق بعصمة الأنبياء عليهم السلام، فأقول وعلى الله الاعتماد:

وقع الإجماع من أهل العلم على أن الأنبياء منَزَّهون عن الوقوع في الكبائر،

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

واختلفوا في الصغائر، فممَّن نقل الإجماع على ذلك، ابنُ بطال رحمه الله، إذ يقول: فإن الناس اختلفوا هل يجوز وقوع الذنوب منهم؟ فأجمعت الأمة على أنَّهم معصومون في الرسالة، وأنه لا تقع منهم الكبائر، واختلفوا في جواز الصغائر عليهم، فأطبقت المعتزلة والخوارج على أنه لا يجوز وقوعها منهم، وزعموا أن الرُّسل لا يجوز أن تقع منهم ما ينفِّر الناس عنهم، وأنهم معصومون من ذلك.

ثم نقض ابنُ بطال مذهبهم هذا بالقول ببيانه أن الله عز وجل قد أنزل في كتابه آيات متشابهات، وعلم أن ذلك سيكون سبباً لكفر أقوام، وكذا ما كان من نسخ بعض الآيات، وكُفر مَن كَفر بسبب ذلك، ثم ذكر رحمه الله الآيات الدّالة على وقوع الصغائر من بعض الأنبياء عليهم السلام، كقوله تعالى ﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ(741) ﴾ وقوله تعالى في حق آدم عليه الصلاة والسلام ﴿ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ(742) ﴾ ، وفي حق نوح عليه الصلاة والسلام : ﴿ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى(743) ﴾ ، بعد نهي الله عز وجل له عن سؤاله عن الظالمين في قوله ﴿ وَلَا تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ(744) ﴾ ، ثم قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام : ﴿ وَٱلَّذِىٓ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيٓـَٔتِى يَوْمَ ٱلدِّينِ(745) ﴾ إلى أن قال ابن بطال: وفى كتاب الله تعالى من ذكر خطايا الأنبياء ما لا خفاء به(746) .اهـ.

وقال

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

القاضي عياض: ولا خلاف أن الكفر عليهم من بعد النبوة غير جائز عليهم، وأنهم معصومون منه، واختلف فيه قبل النبوة، والصحيح أنه لا يجوز...ثم اختُلف في المعاصي، فلا خلاف أن كلَّ كبيرة من الذنوب لا تجوز عليهم، وأنهم معصومون منها،...وكذلك اتفقوا على أن كلَّ ما كان طريقه البلاغ في القول، فإنهم معصومون فيه على كلِّ حال، وما كان طريقه البلاغ في الفعل فذهب بعضهم إلى العصمة فيه رأساً، وأن السهو والنسيان لا يجوز عليهم فيه، وتأوّلوا أحاديث السهو وغيرها بما سنذكره في موضعه، إلى أن قال القاضي عياض رحمه الله: وذهب معظم المحقّقين وجماهير العلماء إلى جواز ذلك ووقوعه منهم، وهذا هو الحق، ثم لا بد من تنبيههم عليه وذكرهم إياه، إما في الحين على رأي جمهور المتكلمين، أو قبل وفاتهم على رأي بعضهم...، وكذلك لا خلاف أنهم معصومون من الصغائر التي تزري بفاعلها وتحطُّ منزلته وتُسقط مروءته، واختلفوا في وقوع غيرها من الصغائر منهم، فمعظم الفقهاء والمحدِّثين والمتكلِّمين من السلف والخلف على جواز وقوعها منهم، وحجَّتهم ظواهر القرآن والأخبار، وذهب جماعة من أهل التحقيق والنظر من الفقهاء والمتكلِّمين من أئمتنا إلى عصمتهم من الصغائر كعصمتهم من ا لكبائر...وهذا هو الحقُّ لما قدّمناه(747) إلى آخر كلامه رحمه الله.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ونحن نرى أن القاضي عياضاً قد خالف بقوله هذا الأكثرين القائلين بجواز وقوع الصغائر من الأنبياء عليهم السلام، وقد سُئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن رجل قال: إن الأنبياء عليهم السلام معصومون من الكبائر دون الصغائر، فكفَّره رجل بهذه، فهل قائل ذلك مخطئ أو مصيب؟ وهل قال أحد منهم بعصمة الأنبياء مطلقاً؟ وما الصواب في ذلك؟

فأجاب رحمه الله بقوله: الحمد لله رب العالمين، ليس هو كافراً باتفاق أهل الدين، ولا هذا من مسائل السبِّ المتنازع في استتابة قائله بلا نزاع، كما صرَّح بذلك القاضي عياض وأمثاله، مع مبالغتهم في القول بالعصمة وفي عقوبة الساب، ومع هذا فهم متَّفقون على أن القول بمثل ذلك ليس هو من مسائل السب والعقوبة، فضلاً أن يكون قائل ذلك كافراً أو فاسقاً، فإن القول بأن الأنبياء معصومون عن الكبائر دون الصغائر هو: قول أكثر علماء الإسلام وجميع الطوائف، حتى إنه قول أكثر أهل الكلام كما ذكر أبو الحسن الآمدي أن هذا قول أكثر الأشعرية، وهو أيضا قول أكثر أهل التفسير والحديث والفقهاء، بل هو لم ينقل عن السلف والأئمة والصحابة والتابعين وتابعيهم إلا ما يوافق هذا القول... وعامة ما ينقل عن جمهور العلماء أنهم غير معصومين عن الإقرار على الصغائر، ولا يُقرُّون عليها، ولا يقولون إنها لا تقع بحال(748) . اهـ كلام شيخ الإسلام رحمه الله.

ولعلَّ فيما مضى من النقولات كفاية ولو بصورة مبدئية لما يتعلّق بعصمة الأنبياء

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عليهم السلام، وبتقريراتهم وما استدلوا به، يتمُّ الجواب على الشبهة الأولى، بحمد الله تعالى.

الشبهة الثانية: قولهم: صواب أحدهما يعنى خطأ الآخر، ووقوعه في الحكم بغير ما أنزل الله، فيكون ظالماً بذلك.

وأما الشبهة الثانية، وهي القول بأن صواب أحدهما يعني خطأ الآخر في الحكم، وكيف يكون هذا وقد قرّر الله عز وجل في كتابه أن من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون.

فالجواب عن هذه الشبهة أن يقال: بتقرير ما مضى معنا من جواز وقوع النبيِّ في خطأ ما، وعدم إقراره على ذلك من الله سبحانه وتعالى، يتمُّ الجواب عن هذه الشبهة كما أجيب عن التي قبلها، ولا يَعْدُ الأمر في هذه الحادثة أن يكون داود عليه الصلاة والسلام قد قضى قضاءً لم يوافق فيه وجه الصواب، الذي جاء على لسان سليمان عليه الصلاة والسلام ، أما دخول أحدهما والعياذ بالله في عموم قوله تعالى: ﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ(749) ﴾ ، فهذا لا يكون إلاّ في أضغاث أحلام الممخرقين بشبههم على أهل الإسلام، وهو مما لا يخطر ببال أحدٍ من المعظِّمين لشرع الله سبحانه وتعالى، وإنما أول ما يخطر ببال المعظمين لشرعه سبحانه وتعالى دخول فعلهما في قوله صلى الله عليه وآله وسلم : إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر(750) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الشبهة الثالثة والردُّ عليها: أن كلا الحكمين لم يكونا ببينة:

وأما الشبهة الثالثة، ومفادها أن ظاهر الحديث يقضي بأن كلاًّ منهما لم يحكما ببيِّنة، فداود عليه الصلاة والسلام قد قضى به للكبرى، من غير دليل، وكذا فعل سليمان عليه الصلاة والسلام حيث قضى به للصغيرة، لمجرد إظهارها الخوف على الطفل، فكيف يحكمان من غير بيّنة؟

فالجواب أن يقال: إن كلاًّ منهما إنما حكم بما توفّر له من قرائن، أما الكبيرة فلعلّه قد ظهر منها ما يرجّح كونه ابنها، أو كان الولد في يدها، وهذا كافٍ ابتداءً في ادعاء المِلك، والظاهر أن الصغيرة لم تكن صاحبة بيان، فلم تقدر أن تخلّص ابنها من الكبيرة، وقال بعضهم: إن الحكم للكبيرة هو الذي كان مستقراً بشريعة داود عليه الصلاة والسلام ، ورُدَّ بكونه وصفاً غير مؤثِّرٍ في الحكم، وسيأتي ذكر ذلك، لكن قبله لا بد من الإشارة إلى أن أي نبيٍّ من أنبياء الله عليهم السلام قد يحكم بالظاهر، وقد لا يوافق حكمه الصواب، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك حينما قال: إنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً، بقوله، فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذها(751) .

فإن رُدّ هذا الحديث أيضاً بدعوى أن الأنبياء عليهم السلام يعلمون الغيب، فلا يخفى عليهم الصادق من الكاذب، قلنا: إن كانت هذه الدعوى صحيحة، فكيف خفي على داود عليه الصلاة والسلام أن الله سينسخ ما أراد أن يحكم

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

به في قضية الحرث والغنم، على حسب ما جاء في التفصيل الذي ادعاه عبد الحسين؟!

ثم إن أهل العلم السابقين قد ذكروا صوراً في توجيه حكم داود عليه الصلاة والسلام بالولد للكبيرة، نذكر شيئاً منها، كقول القاضي عياض رحمه الله: ويحتمل أن داود عليه الصلاة والسلام إنما قضى به للكبرى على مقتضى شرعنا إذ كان لا يخالفه، إما لكونه في يدها، أو يُشبهها إن كان القضاء في شرعه في الإلحاق بالشبهة(752) ، وحكم سليمان عليه الصلاة والسلام بعد هذا التوسط والتلطف به للصغرى، لما رأى من إشفاقها بعد تعجيزه الكبرى بذلك وفضيحته لها، إذ لو كان ولدها لأشفقت عليه، فيكون منها حينئذ لتلك الخجلة والفضيحة ما يوجب الاعتراف والتسليم(753) .

وقال ابن الجوزي: أما داود عليه الصلاة والسلام فرأى استواءهما في اليد فقدَّم الكبرى لأجل السنِّ، وأما سليمان عليه الصلاة والسلام فرأى الأمر محتملاً فاستنبط فأحسن، فكان أحدَّ فطنة من داود عليه الصلاة والسلام ، وكلاهما حكم بالاجتهاد، لأنه لو كان داود حكم بالنصِّ لم يسع سليمان أن يحكم بخلافه، ولو كان ما حكم به نصاً لم يخفَ على داود، وهذا الحديث يدلُّ على أن الفطنة والفهم موهبة لا بمقدار السن، قال أبو بكر الخطيب: وفيه دليل على أن الحقَّ في جهة واحدة، لأن سليمان لو وجد مساغاً ألاَّ ينقُضَ على داود حكمَه لفعل(754) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال القرطبي: قد أشكل هذا على كثير من الشارحين، حتى قال بعضهم: إن هذا لم يكن من داود حكمًا، وإنَّما كان فتيا، وهذا فاسدٌ لنصِّه على أنه قضى، ولأن فتيا النبي وحكمه سواء؛ إذ يجب تنفيذ ذلك، وقالت طائفة أخرى: إن ذلك كان من شرع داود أن يحكم به للكبرى؛ يعني: من حيث هي كبرى، وهذا أيضًا فاسدٌ؛ لأنَّ اللفظ ليس نصًّا في ذلك، ولأن الكبر والصغر طَرْدٌ محض عند الدعاوى، كالطول والقصر، والسّواد والبياض؛ إذ لا يوجب شيء من ذلك ترجيح أحد المتداعيين، حتى يحكم له أو عليه لأجل ذلك، وهذا مما يَقطع به من فهم ما جاءت به الشرائع، كما بيَّنَّاه في الأصول، والذي ينبغي أن يقال: إن داود عليه الصلاة والسلام إنما حكم به للكبرى لسبب اقتضى عنده ترجيح قولها، ولم يذكره في الحديث بعينه؛ إذ لم تَدْعُ حاجةٌ إليه، فيمكن أن يقال: إن الولد كان في يد الكبرى، وعلم عجز الأخرى عن إقامة البيِّنة، فقضى به لها إبقاء لما كان على ما كان، وهذا تأويل حسن لا يمنعه اللفظ، وتشهد له قاعدة الدعاوي الشرعية التي يبعد اختلاف الشرائع فيها(755) ؟!اهـ كلام القرطبي رحمه الله.

واختصر ما سبق ونقله كلٌّ من: النووي وابن حجر، وزاد الأخير قول الداودي: إنما كان منهما على سبيل المشاورة، فوضح لداود صحة رأي سليمان فأمضاه(756) .اهـ.

قلت:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هذا فيما يتعلّق بحكم داود عليه الصلاة والسلام بالولد للكبيرة، وأما حكم سليمان عليه الصلاة والسلام به للصغيرة، فحجّته واضحة بيِّنة، وهي إشفاق الصغيرة على الولد، مع جمود الكبيرة وعدم تأثرها، بذبح الولد، ولعلّها أرادت بذلك أن لا تكون الوحيدة المصابة بفقد ولدها، فأرادت مشاركة الصغيرة لها بمصيبة كمصيبتها، وهو ما جزم به الإمام النووي حيث قال: فاستدل سليمان بشفقة الصغرى على أنها أمُّه، وأما الكبرى فما كرهت ذلك؛ بل أرادته لتشاركها صاحبتها في المصيبة بفقد ولدها(757)

الشبهة الرابعة: كيف لم يسمع أبو هريرة بلفظ السكين قبلُ، وهو الراوي لهذه اللفظة في حديث آخر، وهو الذي يجد هذه الكلمة في كتاب الله عز وجل؟

وكان من الشبه التي أوردها عبد الحسين في خاتمة نقده للحديث، ما يتعلّق بنفي أبي هريرة سماعه بالسكين قبل هذا الحديث، وإنما كانت السكين تعرف عندهم بالمدية، فقال عبد الحسين في تقرير شبهته: لا ينقضي والله عجبي ممن يسعه تصديق أبي هريرة في قوله: والله إن سمعت بالسكين إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية. أي أن السكين أكثر دوراناً في كلام العرب من المدية بكثير، وما أظن أحداً منهم يجهل معنى السكين، بخلاف المدية؛ فإن أكثر العامة لا يعرفونها، وي كأن أبا هريرة لم يقرأ ولم يسمع قوله تعالى في

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سورة يوسف، وهي مكِّية: وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا(758) وكأنه لم يرو عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قوله: من جعل قاضياً بين الناس فقد ذبح بغير سكين(759) .اهـ.

والردُّ على شبهته هذه أن يقال: أما احتجاجه برواية أبي هريرة للحديث السابق وفيه لفظ السكين، فالحديث أخرجه عنه أحمد(760) وأبو داود(761) والترمذي(762) والنسائي(763) وابن ماجه(764) بإسناد أحسن ما يقال فيه أنه حسن، وإلا فإن ابن الجوزي حكم عليه بعدم الصحة(765) لحال بكر بن بكار(766) المتفرِّد به عن الثوري، ولجهالة داود بن خالد(767) في الإسناد الثاني، ولم يزد الحافظ ابن حجر في تعقُّبه على

حواشي هذه الصفحة10 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ابن الجوزي في ردّه للحديث إلا أن قال: وليس كما قال، وكفاه قوة تخريج النسائي له(768) اهـ.

قلت: وكما لا يخفى، فليس في هذا حجة كافية لتصحيح الحديث أو تحسينه، وإلا للزم من هذا تصحيح كل ما رواه النسائي، ولا قائل بهذا، ومع ذلك، وعلى اعتبار حسن الحديث، أيعقل عند العقلاء المنصفين أن يُردّ حديث في الصحيحين، مجمع على صحته، بحديث خارجهما، مختلف في قبوله، ولا يتجاوز درجة الحُسن؟ ثم أليس من الإنصاف أن تكون محاكمة عبد الحسين لنا قائمة على أصولنا، لا على أصوله – إن وُجدت -؟!، ومن البدهيات عند المشتغلين بعلم الحديث – على اختلاف مستوياتهم - أن يقدَّم ابتداءً ما في الصحيحين على ما سواهما، ألم يقف عبد الحسين ذو الاطلاع الواسع! على تقسيم ابن الصلاح السُّباعي لدرجات الحديث؟! حيث اعتبر أعلى درجات الصحة ما كان متفقاً عليه، ثم ما انفرد به البخاري ثم ما انفرد به مسلم، ثم ما كان على شرطهما، ثم ما كان على شرط البخاري، ثم على شرط مسلم، ثم ما رواه غيرهما(769) ، وليست هذه المرة الأولى التي يفعل فيها عبد الحسين فعلته هذه، فقد مرّ معنا نظيرها في الحديث المتعلِّق بحرق نبيٍّ من أنبياء الله عليهم السلام قرية النمل.

ثم يقال بعد هذا كلِّه: ما الإشكال في إخبار أبي هريرة، أنه ما

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سمع بلفظ السِّكِّين قبل ذلك، أليس هو بشراً، ينسى كما ينسى البشر، يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون؟ فلم لم يكن قد نسي في تلك اللحظة أن يكون قد روى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك الحديث؟ إن صحّت الرواية عنه، مع تذكير كلِّ مَن راقَ له كلام عبد الحسين، أن عبد الحسين لم يذكر لنا ما يؤكد أن رواية أبي هريرة لهذا الحديث كانت قبل روايته لحديث داود وسليمان عليهم السلام، وغفل عبد الحسين أو تغافل عن هذه الجزئية، التي لن يستطيع هو ولا من سار بسيره أن يثبتها، ويكفي هذا الوجه لردِّ إشكاله المدَّعى، فكيف بما سبق معنا.

وممّا يجعلنا لا نحسن الظن بعبد الحسين: أنه تنبّه لهذه الجزئية عند إيراده الإشكال المتعلِّق بالآية، فصاح بأعلى صوته إنها مكيّة، وأبو هريرة بطبيعة الحال إنما أسلم في المدينة، فلا بد أن يكون قد قرأ أو سمع بهذه الآية، وأما بالنسبة للحديث، فقد اكتفى بإيراده دون الإشارة إلى مدنيته أو مكيته، لأنه لا يستطيع كما أسلفت أن يعلم ذلك، وكان ينبغي له، أن يورد شبهته هذه على سبيل الاحتمال لا على سبيل الجزم، لعله يدفعنا بذلك إلى حسن الظنِّ به، ولكنه عمّى على القراء ذلك، وأورد شبهته جازماً بها، ليبطل هذا الحديث الشريف، فكان لا بُدَّ من إساءة الظنِّ به، والتنبيه على تلاعبه.

وأما الجواب على إشكاله المتعلِّق بالآية، فنقول: إن كان أبو هريرة قد قرأ الآية أو سمع بها، وعلى عبد الحسين أن يثبت ذلك أيضاً فلا عيب على الصحابي الجليل أبي هريرة، ولا ضير عليه، وهذا

قد يحصل مع أشدِّ الناس إتقاناً لحفظ كتاب الله عز وجل، وعندنا أن هذا الأمر قد وقع فيه غير واحد من الصحابة الأجلاء، فأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بدر منها مثل ذلك، في حادثة الإفك المفتراة عليها، حينما قالت: وإني والله ما أجد لي ولكم مثلاً والتمستُ اسم يعقوب فلم أقدر عليه إلا أبا يوسف، حين قال فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ(770)(771) فهي رضي الله عنها نسيت اسم يعقوب عليه الصلاة والسلام مع كونها من أفقه الناس بكتاب الله عز وجل، ولا بد أنها قرأت سورة يوسف مرّات ومرّات، حيث نراها هنا استدلت بنصِّ الآية، ومع ذلك، فقد نسيت اسم يعقوب عليه الصلاة والسلام الذي تكرّر ذكره في هذه السورة الكريمة.

والأمثلة غير هذا كثيرة، فإن أشكل أحدٌ بأن هذا ينافي قوة حفظ أبي هريرة رضي الله عنه ، وهو الذي ما نسي شيئاً مما رواه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فنقول: نعم، لكن، هذا الأمر ليس عاماً في كلِّ ما سمعه أبو هريرة رضي الله عنه ، بل هو خاص بسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وهذا ما جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري عنه رضي الله عنه حيث قال: قلت: يا رسول الله، إني سمعت منك حديثاً كثيراً فأنساه، قال: ابسط رداءك، فبسطت، فغرف بيده فيه ثم قال: ضمّه فضممته، فما نسيت حديثاً بعد(772) .

بل

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ذهب بعض أهل العلم إلى أن ذلك إنما كان في مجلسٍ معيّن، دعا له النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم له فيه بالحفظ، ولم يكن في كلِّ ما سمعه أبو هريرة من النبي صلى الله عليه وآله وسلم

وقد أشار إلى هذا القول الحافظ ابن حجر كما مرّ معنا، وانتصر لهذا القول المعلِّمي اليمانيُّ رحمه الله، إذ يقول: لم يمنع أحد أن يسهو أبو هريرة أو ينسى، ولكننا تصديقاً النبي صلى الله عليه وآله وسلم إيماناً به وببركة دعائه نقول: إن أبا هريرة لم ينس شيئاً من المقالة التي أخبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه لن ينسى منها شيئاً، وأنه فيما عداها من الحديث كان من أحفظ الناس له، ومن الناس من فهم أن خبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعدم النسيان يعم ما سمعه أبو هريرة منه في مجلسه ذلك وبعده، وقد مرَّ النظر في ذلك، والخير والفضل والكمال في ذلك كلُّه عائد إلى الله ورسوله، فأما ما عدا الحديث فلم يقل أحدٌ إن أبا هريرة لا يسهو ولا ينسى(773) اهـ كلامه رحمه الله.

قلت: وقد روى حديث دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأبي هريرة بالحفظ: المجلسيُّ في كتابه بحار لأنوار، حيث قال: (باب معجزات النبي في استجابة دعائه) نقلا عن الخرائج: إن أبا هريرة قال لرسول الله عليه الصلاة والسلام : إني أسمع منك الحديث الكثير أنساه، قال: ابسط رداك، قال: فبسطته فوضع يده فيه، ثم قال: ضمّه فضممته، فما نسيت كثيراً بعده(774) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المطلب الخامس: ذكر ما ترجم به المحدِّثون المخرِّجون لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه

وكما أسلفت، فإن ما حصل بين النبيين الكريمين عليهم السلام، فيه من الحكم الجليلة العظيمة ما قد يظهر وما قد يخفى، وسأذكر بعض الفوائد الفقهية المستنبطة من هذا الحديث، التي قدّرها الله عز وجل أحكم الحاكمين، بعد أن أذكر ما ترجم به الأئمة المحدِّثون المخرِّجون لهذا الحديث الشريف في كتبهم، وهي كالآتي:

تراجم المحدِّثين:

بوّب البخاري عند إخراجه لهذا الحديث بقوله: باب إذا ادَّعت المرأة ابناً(775) .

وفي كتاب أحاديث الأنبياء: باب قول الله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَٰنَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُۥٓ(776)(777) أَوَّابٌ ﴾ )( .

وجاء التبويب في صحيح مسلم : باب بيان اختلاف المجتهدين(778) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأما النَّسائي فقد نوّع وأكثر في تبويباته على هذا الحديث(779) ، فقال رحمه الله: الفهم والقضاء والتدبير فيه والحكم بالاستدلال(780) .

وبوّب أيضاً: حكم الحاكم بعلمه(781) .

وبوّب أيضاً: السعة للحاكم في أن يقول للشيء الذي لا يفعله: أفعل ليستبين الحق(782) .

وبوَّب أيضاً: الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم له إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به(783) .

وأيضاً: نقض الحاكم ما حكم به غيره، ممّن هو مثله أو أجلّ منه(784) .

وعند أبي عوانة في مستخرجه: بيان الإباحة للحاكم أن يُفزعَ الخصمين، ويحتال عليهما ليقر المنكر منهما بالحق أو يتبين له طالب الحق(785) .

وبوّب

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ابن حبان ذكر الخبر الدال على أن الحاكم له أن يهدد الخصمين بما لا يريد أن يمضيه إذا أراد استكشاف واضح خفي عليه(786)

وبوّب البيهقي : باب: ما يستدل به على أن الولد الواحد لا يلحق بأُمَّين(787) .

الفوائد الفقهية المستنبطة من الحديث:

هذا ما وقفت عليه من تبويبات مخرِّجي الحديث، وأما الفوائد الفقهية، فهذه بعضها:

هذا الحديث أصلٌ فى استعمال الحكام طرقاً من الحيل المباحة فى استخراج الحقوق إذا وقع الإشكال(788) أن من أتى من المتنازعين بما يشبه فالقول قوله؛ لأن سليمان جعل شفقتها عليه شبهة مع دعواها(789) أنه جائز للعالم مخالفة غيره من العلماء وإن كانوا أسن منه وأفضل، إذا رأى الحق فى خلاف قولهم(790)

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أن الفطنة والفهم موهبة من الله؛ لا تتعلق بكبر سن ولا صغره(791) أن الحقَّ في جهة واحدة(792) وأن الأنبياء يسوغ لهم الحكم بالاجتهاد وإن كان وجود النصِّ ممكناً لديهم بالوحي(793)

آخر الكلام على هذا الحديث الشريف. والحمد لله رب العالمين

الحديث التاسع:

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

طواف سليمان عليه الصلاة والسلام على مائة امرأة في ليلة واحدة

المطلب الأول: ذكر الحديث.

المطلب الثاني: تخريج الحديث.

المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.

المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.

المطلب الخامس: ذكر تبويبات المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.

المطلب الأول: ذكر الحديث

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال سليمان بن داود عليهم السلام: لأطوفنَّ الليلة

بمائة امرأة تلد كل امرأة غلاماً يقاتل في سبيل الله، فقال له الملَك: قل إن شاء الله، فلم يقل ونسي، فأطاف بهن ولم تلد منهن إلا امرأة نصف إنسان، قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لو قال إن شاء الله لم يحنث، وكان أرجى لحاجته.

واللفظ للبخاري.

المطلب الثاني: تخريج الحديث

روى هذا الحديث من الصحابة: أبو هريرة رضي الله عنه ، ولم يُرو عن أحدٍ غيره، وقد رواه عن أبي هريرة كلٌّ من:

1-محمد بن سيرين 2- عبد الرحمن الأعرج 3- طاوس 4- محمد بن المنكدر 5-أبو حازم سلمة بن دينار 6- حجير والد هشام، وهذا تفصيل الطرق:

محمد بن سيرين به موقوفاً ، ولفظه: إن نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام كان له ستون امرأة، فقال: لأطوفنَّ الليلة على نسائي، فلتحملنَّ كلُّ امرأة، ولتلدنَّ فارساً يقاتل في سبيل الله، فطاف على نسائه، فما ولدت منهن إلا امرأة ولدت شق غلام، قال نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم : لو كان سليمان استثنى؛ لحملت كلُّ امرأة منهن فولدت فارساً يقاتل في سبيل الله.

وهذا لفظ البخاري.

وقد روي عن محمد بن سيرين من

طريقين:

الأولى: من طريق أيوب.

الثانية: من طريق هشام بن حسان.

أما طريق أيوب: فقد أخرجها عبد الرزاق في تفسيره (1668) عن معمر عن أيوب عنه به.

والبخاري في صحيحه (7469) عن معلى بن أسد عن وهيب عنه به.

ومن طريق معلّى بن أسد رواه: أبو عوانة (5996) واللالكائي (1763).

وتوبع وهيب : تابعه حماد بن زيد، وقد أخرج روايته كلٌّ من: مسلم (1654) والطحاوي في المشكل (1926) وأبي عوانة (5995) من طرق عنه به.

وأما رواية هشام بن حسان عن محمد بن سيرين، فقد رواه عنه كلٌّ من:

يزيد بن هارون: وأخرج روايته كلٌّ من أحمد (10580) وابن أبي شيبة (1572)، والحديث عندهما مرفوع. هشيم بن بشير: ورواه عنه أحمد (7137). عبد الله السهمي: ورواه من طريقه: أبو عوانة (5994) وهو

مرفوع عنده. زهير: ورواه عنه: أبو يعلى ومن طريقه: ابن عساكر (52/178)، وهو أيضاً مرفوع. مكي بن إبراهيم: رواه من طريقه: أبو نعيم في الحلية (2463). وهب بن جرير: ورواه من طريقه: ابن عساكر (52/177)، وقال فيه: رفعه.

وقد جاء عند كلٍّ من: أحمد وابن أبي شيبة وأبي يعلى وأبي نعيم وابن عساكر، عدد النساء: 100.

فنخلص إلى أن أشهر روايات هذه الطريق، هو ما جاء موقوفاً.

وأما طريق الأعرج ، فقد روي عنه مرفوعاً، ولفظه: قال سليمان بن داود: لأطوفنَّ الليلة على سبعين امرأة؛ تحمل كل امرأة فارساً يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله، فلم يقل، ولم تحمل شيئاً إلا واحداً ساقطاً أحد شقيه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : لو قالها لجاهدوا في سبيل الله.

هذا لفظ البخاري، الذي عقّب على الحديث قائلاً: قال شعيب وابن أبي الزناد تسعين، وهو أصح.

وقد رواه عن الأعرج كلٌّ من: أبي الزناد وجعفر بين ربيعة، وهذا

تفصيل الطرق:

طريق أبي الزناد عن الأعرج به: رواه عنه كلٌّ من:

مغيرة بن عبد الرحمن: رواه البخاري (3424) عن خالد بن مخلد عنه. شعيب بن أبي حمزة: رواه البخاري (6639) – ومن طريقه البغوي في كتابيه: شرح السنة (79) ومعالم التنزيل (1008) - عن أبي اليمان عنه به.

ورواه كلٌّ من الطبراني (3317) عن أحمد بن عبد الوهّاب، واللالكائي (1764) من طريق عبد الكريم بن الهيثم، كلاهما عن أبي اليمان به.

وتوبع أبو اليمان عن شعيب: تابعه علي بن عيّاش، وقد روى هذه الطريق كلٌّ من النسائي في الكبرى (4754) والصغرى (3831) وأبي عوانة (6001) عن عمران بن بكار، والطبراني في الشاميين (3317) من طريق أبي زرعة الدمشقي، كلاهما: عن علي بن عياش عن شعيب بن أبي حمزة به.

سفيان (وهو ابن عيينة)، ورواه عنه: الحميدي (1208) ومن طريقه أبو عوانة (5999) ورواه أيضاً: مسلم (1655) عن ابن أبي عمر، ولم يذكر متنه، بل قال: مثل حديث هشام بن حجير أو نحوه، ومن طريق ابن أبي عمر أخرجه البيهقي في الأسماء (361) وساق لفظه، وأخرجه أبو يعلى (6347) من طريق أبي

معمر، وأخرجه ابن حبان (4338) من طريق إبراهيم بشار، أربعتهم (الحميدي وابن أبي عمر وأبو معمر وإبراهيم بن بشار) عن سفيان عن أبي الزناد به. ورقاء: ورواه عنه مسلم (1654) عن زهير عن شبابة عنه عن أبي الزناد به. موسى بن عقبة: رواه عنه مسلم (1565) عن سويد بن سعيد عن حفص بن ميسرة عن موسى به، ومن طريق سويد بن سعيد، رواه أيضاً البيهقي في الأسماء والصفات (359)، ورواه أيضاً في الكبرى (19909) والأسماء والصفات (358) من طريق إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة به، ولم يذكر مسلم متنه. إنما قال: مثل الحديث السابق، وفيه: غلاماً. أي بدلاً من: فارساً. هشام بن عروة: ورواه عنه عبد الله بن داود، وعن عبد الله هذا كلٌّ من:

إبراهيم بن محمد، أخرجه عنه النسائي في الكبرى (8983) و(11239). نصر بن علي: أخرجه من طريقه: أبو عوانة (5993) قارناً له مع مسدد في إحدى روايتيه، وأخرجه أيضاً: ابن حبان في صحيحه (4337). مسدد: رواه عنه من طريقين: أبو عوانة (5993) إحداهما مقروناً مع نصر بن علي كما

مرّ في الفقرة السابقة

ابن أبي الزِّناد: ومقاتل: رواه من طريق إسماعيل بن عيسى عن إسحاق بن بشر عنهما: ابن عساكر في تاريخه (52/179)، وهو موقوف من هذه الطريق.

طريق جعفر بن ربيعة عن الأعرج عن أبي هريرة: ذكره البخاري في صحيحه (2819) قال: وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة، وأخرجه الطحاوي في المشكل (1925) من طريق الليث.

من طريق طاوس عن أبي هريرة عنه به:

وقد رواه عن طاوس كلٌّ من:

ابنه: رواه عنه عبد الرزاق في تفسيره (1669) عن معمر عنه به.

وقد رواه عن عبد الرزاق كلٌّ من:

أحمد بن حنبل في مسنده (7715). محمود: وعنه البخاري (5242). موقوفاً. عبد بن حميد: وعنه مسلم في صحيحه (1654) موقوفاً. العباس بن عبد العظيم: وعنه النسائي (3856). محمد بن يحيى: وعنه أبو عوانة (5998). إبراهيم بن المكي: رواه ابن سعد في طبقاته (8/202) عن الواقدي عنه

به.

من طريق هشام بن حجير عن طاوس به:

رواه عنه سفيان بن عيينة، وعنه كلٌّ من:

علي بن عبد الله: وعنه البخاري (6720) موقوفاً، ورواه البيهقي في الأسماء والصفات (360) من طريق عثمان بن سعيد الدارمي عن علي به. محمد بن عباد ابن أبي عمر: وقد رواه عنهما مقرونين: مسلم في صحيحه (1654)، وتابع مسلماً في روايته عن ابن أبي عمر: عبد الله بن محمد، كما عند البيهقي في الأسماء (361). الحميدي (1209): ومن طريقه: أبو عوانة عن محمد بن إسماعيل الترمذي (6000) عنه به. الحارث بن سريج: أخرجه عنه أبو يعلى (6244). إسحاق بن إسماعيل: أخرجه ابن ابي الدنيا في ذم البغي (35). العباس بن يزيد: أخرجه البزار (9335).

من طريق سليمان الأحول عن طاوس به:

رواه عنه إبراهيم المكي قارناً له بهشام بن حجير، كما عند ابن سعد في طبقاته (8/202) عن الواقدي عن إبراهيم المكي به.

المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له

أما ما يتعلّق بغريب هذا الحديث، فهو في الكلمات التالية:

(لأطوفنَّ): قال ابن دريد: وطاف يطوف طوفاً، إذا دار حول الشيء، وأطاف به يطيف إطافة، إذا ألمَّ به(794) ، وقال ابن القوطية: «طاف» بالشيء طوفاً وطوافاً، و«أطاف»: استدار حوله، وبالمرأة: ألمَّ بها كذلك(795) .

وقال القاضي عياض بعد أن نقل ما سبق عن ابن دريد: وقوله: «كان يطوف على نسائه»(796) وكذا في خبر سليمان: «لأطوفنَّ الليلة على تسعين امرأة» ويروى: لأطيفن، على اللغتين المتقدمتين،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومعناه هنا: الجماع، ومنه «يطوف عليهم المؤمن»(797) ويحتمل أن يكون في هذين الحديثين بمعنى يلم، وتكون رواية (أطيفن) أصح، وكنَّى بذلك عن الجماع.

ثم نقل القاضي عياض عن ابن القوطية ما مضى معنا، ثم عقّب بقوله: وقيل: اللغتان في الكناية عن الجماع بذلك صحيحتان، يقال: طاف بالمرأة وأطاف بها: جامعها. قاله صاحب الأفعال(798) .

قلت: وأكدّ كونهما لغتين بالمعنى نفسه الحافظ ابن حجر رحمه الله حيث قال: طاف بالشيء وأطاف به: إذا دار حوله وتكرّر عليه، وهو هنا كناية عن الجماع، واللام جواب القسم وهو محذوف أي: والله لأطوفنَّ، ويؤيده قوله في آخره: «لم يحنث» لأن الحنث لا يكون إلا عن قسم، والقسم لا بد له من مقسم به(799) .

(استثنى): أي علّق الأمر بمشيئة الله عز وجل، وفي كتب اللغة: تحلّل من يمينه: أي استثنى(800) ، وفي بعض روايات الحديث: لو قال: إن شاء الله.

(يحنث): الحنث: الإثم العظيم(801) وقيل: الإثم والذنب، وبلغ

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الغلام الحنث: أي المعصية والطاعة، والحنث: الخلف في اليمين، تقول: أحنثت الرجل في يمينه فحنث، أي لم يبر فيها(802)

الشرح الإجمالي للحديث:

يخبرنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان لنبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام عددٌ من النساء، وأنه عليه الصلاة والسلام في ليلة من الليالي أقسم بالله العظيم أن يطوف عليهن، أي يعاشرهن من أجل مقصد شريف، ألا وهو: أن تلد كلُّ واحدةٍ منهن فارساً يقاتل في سبيل الله عز وجل، وفاته أن يعلِّق هذا الأمر العظيم بمشيئة الله عز وجل، مع كونه قد ذُكِّر بذلك من قبل مَلَك كان يرافقه بتعليقه بمشيئة الله عز وجل، ولكن قضاء الله أنفذ، فنسي سليمان عليه الصلاة والسلام ، ولم يستثن، فكان عاقبة الأمر أن جميعهن لم يلدن، إلا امرأة واحدة ولدت نصف إنسان، وبيّن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم - وأقسم على ذلك - أن سليمان عليه الصلاة والسلام لو كان قد استثنى لتحقَّق له ما أراد، ولمّا لم يفعل سليمان ذلك عليه الصلاة والسلام لم يتحصّل على ما أراد، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها

اعترض على هذا الحديث الشريف باعتراضات، نلخصّها بالنقاط التالية:

أولاً: الاضطراب في عدد النساء.

ثانياً: عدم قدرة الإنسان على هذا الفعل.

ثالثاً: عدم اتساع الزمان.

رابعاً: استحالة غفلة سليمان عليه الصلاة والسلام عن تعليق الأمر بالمشيئة.

والآن إلى ذكر أقوال المعترضين بالتفصيل، ثم الردّ عليها بحول الله عز وجل:

قال عبد الحسين بعد أن ذكر الحديث: وفي هذا أيضاً نظر من وجوه:

(أحدها): إن القوة البشرية لتضعف عن الطواف بهنّ في ليلة واحدة، مهما كان الإنسان قويّاً، فما ذكره أبو هريرة من طواف سليمان عليه الصلاة والسلام بهن مخالفٌ لنواميس الطبيعة، لا يمكن عادة وقوعه أبداً.

(ثانيها): أنه لا يجوز على نبيِّ الله تعالى سليمان عليه الصلاة والسلام أن يترك التعليق على المشيئة، ولا سيّما عند تنبيه الملَك إياه إلى ذلك، وما يمنعه من قول إن شاء الله؟ وهو من الدعاة إلى الله والأَدِلاء عليه، وإنما يتركها الغافلون عن الله عز وجل، الجاهلون بأن الأمور كلّها بيده، فما شاء منها كان، وما لم يشأ لم يكن، وحاشا أنبياء الله غفلة الجاهلين، إنهم عليهم السلام لفوق ما يظنُّ المخرِّفون.

(ثالثها): إن أبا هريرة اضطرب في عدة نساء سليمان، فتارة روى أنهن مائة امرأة كما سمعت، وتارة روى أنهن تسعون، وتارة روى أنهن سبعون، وتارة روى أنهن ستون، وهذه الروايات كلّها في صحيحي البخاري ومسلم، فما أدري ما يقوله فيها المعتذرون عن هذا الرجل؟ أيقولون إن هذه الحادثة تكرّرت من سليمان مع زوجاته؟ وكنّ مرة مائة ومرة كُنّ تسعين ومرة سبعين، وأخرى ستين، وفي كلِّ مرّة ينبهه الملَك، فلا يقول، ما أظنّهم يقولون بهذا، ولو قالوا: قد اتسع الخرق على الراقع، لكان أولى بهم، وفي المثل السائر: ليس لكذوب حافظة(803) . اهـ كلام عبد الحسين.

وقال هاشم معروف الحسيني: إن سليمان بن داود كان من أنبياء الله الصالحين، وقد وهبه الله مُلكاً ليس لأحد مثله، فسخَّر له الجنّ والإنس، وعَلَّمه منطق الطير وجميعِ الحيوانات، وليس على الله بمُحال أن يعطيه قوة عشرات الرجال ويمدِّد له في ليلته، ليستطيع أن يقوم

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بعملية الجنس مع مائة امرأة في ليلة واحدة، ليس ذلك بمحال عقلاً، ولكن مقام النُّبوة أسمى وأعلى من أن ينحدر بصاحبه إلى هذا المستوى الذي لا يليق حتى بالحيوانات، وهل بلغ بهذا النبيِّ الكريم الغُرورُ إلى حدِّ أنه أصبح يرى نفسه مستطيعاً لأن يحقق هذه الأعجوبة بغير مشيئة الله سبحانه، فينشئ جيشاً مؤلَّفاً من مائة فارس في ليلة واحدة، مع العلم بأن هذا الزمان لا يتسع للاتصال بمائة امرأة، ومهما كان الحال فالله يغفر لمحمد بن إسماعيل البخاري، لو أنه ترك هذا الحديث مع الستمائة ألف التي اختار منها صحيحه، لكان من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه(804) اهـ كلام الحسيني.

وأما جعفر السبحاني فقد قال بعد ذكره للحديث: وفي الحديث عدّة تساؤلات:

إن الله سبحانه أدّب أنبياءه فأحسن تأديبهم، وهم أكثر حياءً من سائر الناس، ليكونوا أسوة لغيرهم في الحياة، فهل يصح لنبيٍّ حييٍّ أن يصرِّح أمام الملأ العام بأنه سيطوف على نسائه في هذه الليلة؟

ثم قال بعد أن ذكر الآيات التي جاءت في الثناء على سليمان عليه الصلاة والسلام : أفيصحُّ لنبيٍّ قد أطراه الذكر الحكيم بما تلوناه عليك، أن يخبر بأنّ نساءه سيلدنَّ ستين فارساً؟!

فإن علم به من طريق الغيب، فلماذا تخلّف الخبرُ عن

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المطابقة؟! وإن لم يعلم به كذلك، فكيف تفوّه بذلك بضرس قاطع؟!

ثم ذكر الوجه السابق الذي ذكره عبد الحسين في أن هذا ينافي ما استقر من عدم قدرة الإنسان على هذا، وليس في هذا مفخرة لنبيٍّ من أنبياء الله، ثم ختم قائلاً: نعم، كانت تعدّ مفخرة في العصر الجاهليِّ، فانعكست في رواية أبي هريرة، الذي تأثّر بها ونسج الحديث على وفق ما يُعدّ فضيلة في تلك البيئات(805) . اهـ كلام السبحاني.

وممن اعترض على هذا الحديث أيضاً: إسماعيل الكردي، فبعد أن أشار إلى اختلاف الروايات في عدد النساء، وما أجاب به الحافظ ابن حجر، قال: ولكن الإشكال في متن الحديث غير مقتصر على الاضطراب في عدد النساء، بل فيه إشكالات أهم بكثير، منها: كيف يُذكَّر نبيٌّ عظيم من أنبياء الله تعالى وهو سليمان الحكيم الذي سمِّي بذلك لحكمته ورجاحة رأيه، بضرورة الاستثناء بإن شاء الله، فيرفض أن يقولها؟! ومن الغرائب ما ورد في أحد طرق الحديث من أن سليمان بعد أن ذكّره صاحبه لم يقل ونسي، هذا، في حين أن النسيان قد يقع عند عدم التذكير، أما إذا ذكِّر الإنسان بقول الشيء، ومع ذلك لم يقله، فهذا لا يسمّى نسياناً! والإشكال الآخر: كيف لإنسان بشر أن يطوف على مائة امرأة فيجامعهن كلّهن في ليلة واحدة! أي: في عدة ساعات! وهل يليق هذا بنبيٍّ من أنبياء الله؟! والإشكال الثالث: إذا كان سليمان قد ترك قول إن شاء الله عامداً في تلك الليلة، أفلم يجامع بعد ذلك

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أحداً من نسائه المائة في الليالي التالية؟ أم أنه توقف عن الجماع لمدة تسعة أشهر حتى يرى نتيجة جِماعاته في تلك الليلة(806) اهـ كلام إسماعيل الكردي.

الجواب عما سبق:

أما الجواب عن الشبه السابقة، فأجمل الردَّ أولاً بقولي:

إن بعض الشبه السابقة أراها من الضعف بمكان بحيث لا تستحق الردَّ، ولعلَّ الردّ الأمثل عليها يكون بذكرها فقط، حتى يتبيّن للعقلاء مدى تدنِّي مستواها، كالشبهة الأخيرة هذه التي سردها إسماعيل الكردي، ظنّاً منه بأنه أتى بما لم يأت به السابقون له في هذه الطريق، مع احتمائه بوصف سليمان عليه الصلاة والسلام بالحكيم، لكي يعظِّم من دعواه في ردِّ هذا الحديث الذي نسي فيه سليمان عليه الصلاة والسلام ذكر الله عز وجل؟ بينما هو لم يخبرنا بمصدر هذا الوصف، واختصاص سليمان عليه الصلاة والسلام به، مع وصفنا نحن جميع أنبياء الله عليهم السلام بالحكمة ورجاحة العقل، وصفوة الخلق، لكن، لم خصّ هو سليمان عليه الصلاة والسلام بهذا، دون أن يذكر مصدره؟

وقُل مثل ذلك فيما أورده المعترض الآخر، الذي زعم أن هذا الحديث ينافي الحياء، لكون سليمان عليه الصلاة والسلام جهر بنيَّته أمام الملأ، ولا أدري حقيقة من أين له أن سليمان عليه الصلاة والسلام قال ما قال أمام

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ملأٍ من الناس، بينما الروايات تنصُّ على أنه إنما قال هذا القول، ولو لم تذكر لنا الروايات أن الملَك ذكَّره بتعليق الأمر بمشيئة الله عز وجل، لما علمنا أن أحداً سمعه، وسماع الملَك له، لا يعني سماع أحدٍ من البشر له، فمن أين جاء المعترض بما جاء به، أطلع الغيب، أم كان معايناً لذلك الخبر؟

وإذا عدنا إلى النظر في الشبه السابقة التي تولّى كبرها عبدُ الحسين نراها تدور حول عدم قدرة البشر على مثل هذا الفعل في هذا الزمن اليسير، ثم استعظام أن ينسى نبيٌّ كريم تعليقَ هذا الأمر بمشيئة الله عز وجل، ثم كثرة الاختلاف في عدد النساء المذكورات في الحديث، وما استنكره عبد الحسين أولاً من عدم القدرة البشرية على ذلك، نراه مقبولاً مقدوراً عليه عند هاشم الحسني، وهو الذي جاء بعد عبد الحسين، ولا بد أن يكون قد اطّلع على كتابه، وما ملأه من شبه، ومع ذلك، فلعلَّه رأى ضعفَ هذا الإيراد من عبد الحسين، فردّ عليه قولَه بقوله: وليس على الله بمحال أن يعطيه قوة عشرات الرجال ويمدِّد له في ليلته، ليستطيع أن يقوم بعملية الجنس مع مائة امرأة في ليلة واحدة، ليس ذلك بمحال عقلاً.اهـ.

لكن هاشماً هذا استنكر أمراً لم يتنبه له عبد الحسين، فادعى أن هذا الفعل يتناقض مع مقام النبوة الأسمى، بل يصل إلى مستوى لا يليق إلا بالحيوانات بزعمه والسؤال المتبادَر: أكان هاشمٌ هذا أذكى من عبد الحسين عمدة المتأخرين في إيراد الشبه؟ وأراد التنبيهَ على

تفوُّقه بالذكاء على عبد الحسين، وذلك بإسقاطه ما احتج به عبد الحسين في شبهته، ثم بإيراده ما لم يورده عبدُ الحسين، أم أن عبدَ الحسين لم يشترط استقصاءَ جميع ما عنده من شبه؟ وهذا الوجه عندنا مستبعد، لأنه لو خطرت له هذه الشبهة لسارع بذكرها، ليشدَّ بها عضد تلك الشبه الواهية، ويبقى احتمال ثالث، وهو أن هذه الشبهة لم تفته، وإنما لم يذكرها لضعفها عنده وعدم جدارتها بالذكر؟ فليتخيّر من اختار العمى على الهدى فاتبع ما جاء في كتابيهما: أياًّ من تلك الوجوه ليقول بها.

وقل مثل هذا في استدراك جعفر السبحاني لشبهةٍ لم يتفطن لها عبد الحسين أيضاً، ألا وهي أن هذا الحديث ينافي كمال الأدب الذي أدَّب الله به أنبياءه عليهم السلام، وهذا يقودنا إلى ما هو أهم من كلِّ شبهاتهم الواهية هذه، ألا وهو: هل يكون دين الله بهذه الدرجة من المهانة – وحاشاه -، ليكون غرضاً للفهوم القاصرة المتخالفة لأمثال أولئك النَّفر على مرِّ الأزمان، فيأخذ من شاء منهم ما شاء من هذا الدين، ويترك من شاء منهم ما شاء من هذا الدين، ورحم الله من قال: كلما جاءنا رجل أجدل من رجل تركنا ما نزل به جبريل عليه الصلاة والسلام على محمد عليه الصلاة والسلام لجدله(807) ؟ إن هذا لشيءٌ عجاب!

ولنشرع الآن في مناقشة هذه الشبه، وأولُّها دعوى

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

استحالة هذا على القدرة البشرية، وهي ما دفع به عبد الحسين هذا الحديث، وناقضه هاشم الحسني فجوّزها، موافقاً للصواب هذه المرّة، فالأمر يتعلّق أولاً وأخيراً بقدرة الله عز وجل، هو الذي بيده ملكوت كلِّ شيء، وهو الذي يجعل من يشاء من عباده قوياً، ويجعل من يشاء منهم ضعيفاً، وهو القائل في كتابه العزيز قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ ٱلْمُلْكَ مِمَّن تَشَآءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَآءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَآءُ بِيَدِكَ ٱلْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ(808) وقد فضّل الله بعض خلقه على بعض في الرزق ورفع بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سُخريا، وكذلك مايز بين خلقه بالقوة والذكاء والنباهة والهداية، والنبوة، وهي أعلى وأرفع المراتب، وفضّل بعض النبيين على بعض، فقال سبحانه: تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾(809) وقال أيضاً: وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ(810) زَبُورًا وعند النظر في سير الأنبياء عليهم السلام، نرى فيها قوة موسى عليه الصلاة والسلام الذي وكز رجلاً فقضى عليه، وصبر أيوب على بلاء شديدٍ طال به، وصفه عليه الصلاة والسلام بقوله في كتاب الله عز وجل: أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَٰنُ بِنُصْبٍ(811) وَعَذَابٍ وبقوله داعياً ربه سبحانه وتعالى: أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ(812) ٱلرَّٰحِمِينَ وهذا يونس عليه الصلاة والسلام يبتلعه الحوت الكبير المهول، ومع ذلك لا يكسر له عظماً ولا يقطع له لحماً، وأنقذه الله عز وجلّ منه بعد أن نادى فِى ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ(813) ٱلظَّٰلِمِينَ وقبل ذلك يُلقى إبراهيم عليه الصلاة والسلام في نار

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عظيمة حارقة لا تبقي ولا تذر، فيخرج منها سالماً بقدرة الله عز وجل آمرِ النار بقوله سبحانه: يَٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ وَأَرَادُوا۟ بِهِۦ كَيْدًا فَجَعَلْنَٰهُمُ ٱلْأَخْسَرِينَ وَنَجَّيْنَٰهُ وَلُوطًا إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا لِلْعَٰلَمِينَ(814)

ودعونا ننظر بصورة أخصّ إلى ما خصّ الله عز وجلَّ به سليمان عليه الصلاة والسلام على سائر الأنبياء عليهم السلام، فنرى القوة والسيادة والحكم هي الصفات البارزة الظاهرة في مسيرته، ووصف الله كمال سطوته بقوله سبحانه ﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ(815) ﴾ وأعطاه الله القدرة على فهم لغات المخلوقات، ومنها لغة النمل، هذا المخلوق الصغير المتناهي في الصغر، وقصّ الله عز وجل علينا ذلك في كتابه، قائلاً: ﴿ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوْا۟ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّمْلُ ٱدْخُلُوا۟ مَسَٰكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَٰنُ وَجُنُودُهُۥ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(816) ﴾ .

وكذا أعطاه الله عز وجل دقة الملاحظة، والقدرة على تفقد هذه الأعداد المهولة من جيوشه، ومعرفتهم فرداً فرداً، وكان من أفراد جيوشه الهدهد، الذي قصّ الله عز وجلّ علينا خبره مع ملكة سبأ، ثم ماذا؟ ثم بيّن لنا سبحانه وتعالى مدى تسخير المخلوقات لخدمة سليمان عليه الصلاة والسلام بكل ما أوتيت من قوة وبأس شديد، ومنهم الذي عنده علمٌ من الكتاب حيث قام بإحضار عرش ملكة سبأ ووضعه أمام سليمان عليه الصلاة والسلام قبل أن يرتد إليه طرفُه، وكان عفريت من الجن مِن خَدَمة سليمان عليه الصلاة والسلام قد عرض عليه أن يُحضر هذا العرش له قبل أن يقوم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من مقامه، ثم ماذا بعد هذا؟ ألم يفصّل الله عز وجل لنا شيئاً من عطاياه لنبيه الكريم سليمان عليه الصلاة والسلام حينما قال: فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٍ وَغَوَّاصٍ وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِى ٱلْأَصْفَادِ﴾(817) ثم قال سبحانه وتعالى: هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ(818) وقال عز وجلّ في آيات آخر: وَلِسُلَيْمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِۦٓ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَٰلِمِينَ وَمِنَ ٱلشَّيَٰطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُۥ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَٰفِظِينَ﴾(819) وقال سبحانه في موضع ثالث: وَلِسُلَيْمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُۥ عَيْنَ ٱلْقِطْرِ وَمِنَ ٱلْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِۦ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ يَعْمَلُونَ لَهُۥ مَا يَشَآءُ مِن مَّحَٰرِيبَ وَتَمَٰثِيلَ وَجِفَانٍ كَٱلْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَٰتٍ﴾(820) ولما كان الأمر أولاً وأخيراً لله عز وجل، بيّن أن هذا النبي المبارك الذي مَلَك ما مَلَك من هذه القدرات الهائلة، التي جعلت الجنَّ يرتعدون خوفاً منه وإشفاقاً من سطوته، فيواصلون العمل الدؤوب بين يديه من غير توقف إنما مات واقفاً متكِّئاً على عصاه، ثم سقط بعد أن أكلت دابة الأرض منسأته، فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ مَا لَبِثُوا۟ فِى ٱلْعَذَابِ ٱلْمُهِينِ(821) فتبارك الله رب العالمين.

ونقول بعد هذا، هل هذه القدرات الهائلة وذلك الملك الواسع الذي كان يتمتع به سليمان عليه الصلاة والسلام هو شيءٌ خاصٌ به؟ أم هو أمر مقدورٌ عليه من قِبل سائر البشر؟ فإن كان الجواب بالوجه الأول،

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فيقال: لم آمنتم بكلِّ ما مضى، وكذَّبتم خبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي أخرجه أئمة الإسلام؟ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾(822) وإن كان الجواب بالثاني، قلنا: هَاتُوا۟ بُرْهَٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ﴾(823)

ولله الحكمة التامة، إذ عند النظر في شبه القوم المتهافتة نرى أن أكثر ما اعترضوا عليه – إن لم يكن جميعه -،إنما هو موجود بمعناه في كتاب الله، وهذا مما يجعلنا نتعجّب حقيقةً ونتساءل؟ أغَفِل القوم عن هذه النظائر لشدّة جهلهم بكتاب الله عز وجل، أم أنهم علموا ذلك، وأبطنوا تكذيباً لكتاب الله عز وجلّ لم يستطيعوا أن يتفوّهوا به؟

فنبيٌّ من أنبياء الله عليهم السلام أوتي كلّ هذه القدرات الخارقة المعجزة، واختصر الله له الزمان اختصاراً، وقرّب له البعيد، وسخّر له الريح تجري بأمره، أيعجزه أن يفعل ما فعل في ليلة واحدة بأمر الله وحوله وقوته؟ وهل هناك فرقٌ واضحٌ يستطيع عبد الحسين ومن شايعه أن يذكروه بين إمكانية إحضار عرش ملكة سبأ من مكان بعيد ووضعه بين يدي سليمان عليه الصلاة والسلام في زمن لا يتجاوز ارتداد الطرف، وإمكانية طواف سليمان عليه الصلاة والسلام على نسائه في ليلة واحدة، ظرفها بيد الله عز وجل، يطوّلها إن شاء ويقصّرها متى شاء سبحانه وتعالى، وكيف قَبل عبد الحسين أن ترجع الشمس لعليٍّ رضي الله عنه ليتمكن من أداء صلاة العصر في وقتها(824) ورفض وردَّ حبس الوقت أو تطويله بالنسبة لسليمان عليه الصلاة والسلام

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أم أن شأن عليٍّ رضي الله عنه أعظم عند عبد الحسين من شأن سليمان عليه الصلاة والسلام

وأما الشبهة الثانية المتعلّقة بنسيان سليمان عليه الصلاة والسلام الاستثناء في عزمه، أي عدم تعليقه الأمر بقدرة الله، فأقول: خاطب الله عز وجل نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم في كتابه قائلاً: ﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰٓ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّى لِأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا﴾(825) ولو لم ننظر ابتداءً في أي تفسير، ولم نطلب معنى هذه الآيات في سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، واكتفينا بظاهر القرآن لوجدنا نهياً من الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم عن عدم تعليق ما أراد فعله بأمر الله، وهذا النهي إما أن يكون جاء بعد فعل صدر منه صلى الله عليه وآله وسلم لم يعلّقه بأمر الله، أو أنه جاء ابتداءً لتحذيره صلى الله عليه وآله وسلم من الوقوع به، وفي كلا الحالين فالأمر في حقِّه – ومن باب أولى في حقِّ سائر الأنبياء -جائز، وهو لا يخالف ما جاء عن سليمان عليه الصلاة والسلام ، الذي وقع منه هذا الأمر فعلاً، فنسي أن يستثني، فأيُّ إشكالٍ في هذا، وكيف يستطيع المعترض أن يفرّق بين المتماثلات إلا بالتحكّم الذي لا يقوم على دليل؟!

مع أن تمام الآية فيها وقوع النسيان من النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعلاً، أو على أقل الأحوال جواز صدور هذا منه، وعدم استحالته، وتذكّر وقوع هذا صريحاً من نبي الله آدم عليه الصلاة والسلام حيث قال الله عز وجل في حقّه: وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًا(826) وكذا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فيما يتعلّق بنبي الله موسى عليه الصلاة والسلام حينما قال الله عز وجل فيه: فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا(827) إلى قوله تعالى عن فتى موسى عليه الصلاة والسلام فَإِنِّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُۥ(828) ودعونا بعد ذلك، أن نبحث عن معنى هذه الآيات، وفيما نزلت؟ لنقف على تمام معناها، وسنكتفي في ذلك بأن ننظر في كتب العلماء الذين ينتسب إليهم عبد الحسين، هل نجد تفسيراً لهذه الآيات، وهل جاء عندهم شيء في بيان سبب النزول، وما اكتفينا بالنظر في كتبهم إلاّ ليكون أكثر إقناعاً وطمأنة لمن سار بسيرهم، وقال بقولهم، ليجد المغرّر بهم، أن ما أنكره عبد الحسين وأتباعه، إنما رواه من هو أجلُّ منهم باتفاق عند القوم، وهو القمّي، وذلك فيما أخرج في تفسيره عن أبي عبد الله خبراً مفاده أن وفداً من قريش ذهبوا لليهود والنصارى ليتعلموا منهم مسائل يسألونها للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ليتأكدوا من صدقه، فحصل ذلك، ثم أتوا النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم بما تعلّموه من اليهود، وألقوا عليه أسئلتهم، فقال صلى الله عليه وآله وسلم لهم: غداً أخبركم، ولم يستثن فاحتبس الوحي عليه أربعين يوماً، حتى اغتم النبي صلى الله عليه وآله وسلم ...إلى آخر الخبر(829)

قلت: فهذه الرواية فيها إثبات عدم تعليق ما أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم فعله بمشيئة الله، فهل فعل هذا صلى الله عليه وآله وسلم نسياناً أو عمداً؟ فإن كان قد

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فعله نسياناً وهذا هو الحق، فكذلك ما كان من سليمان عليه الصلاة والسلام وإن كان سليمان عليه الصلاة والسلام قد فعله عمداً، فكذلك يقال في حقِّ نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وحاشاهما من صدور هذا منهما.

فالجواب على فعل نبينا صلى الله عليه وآله وسلم هو عين الجواب عن فعل سليمان عليه الصلاة والسلام ، وكذلك يكون الجواب في حقِّ سليمان عليه الصلاة والسلام هو عين الجواب عما صدر من نبيِّنا صلى الله عليه وآله وسلم .

وأما نحن فموقفنا واضح لا تناقض فيه، إذ نقول في توجيه كلا الفعلين: أن النبيَّين الكريمين عليهما الصلاة والسلام إنما وقع ما وقع منهما نسياناً، لحكم أرادها الله عز وجل، يأتي الإشارة إلى بعضها في آخر مبحثنا هذا، وهما في هذا كسائر الأنبياء عليهم السلام غير معصومين من النسيان، بدلالة ما جاء في خبر القمّي.

فإن قيل: إن اختلافاً حصل في الصورتين، فسليمان عليه الصلاة والسلام إنما ذكَّره الملَك بتعليق هذا الأمر بقدرة الله ومشيئته، فلم يفعل، بخلاف نبينا صلى الله عليه وآله وسلم فإن أحداً لم يذكِّره بذلك، ولو ذُكِّر لتذكَّر، فما الجواب عن هذا الفارق البيِّن –بزعمهم-؟

قلنا: إن الذي أنساه في الأولى أنساه في الثانية، وما دام الأمر كلُّه متعلقاً بقدرة الله عز وجلّ، الذي جعل نبيّه سليمان عليه الصلاة والسلام ينسى في بادئ الأمر، وهو الذي أنساه الاستثناء في المرّة الأخرى، ولا غرابة في ذلك، ما دام أن الأنبياء عليهم السلام معرَّضون لذلك كسائر البشر، وهل كان نسيانُ آدم عليه الصلاة والسلام وإقدامُه

على الأكل من الشجرة إلا بعد نهي الله عز وجل له عن الاقتراب منها؟ وكذلك، هل كان نسيانُ موسى عليه الصلاة والسلام وفتاه كذلك، لأمر الحوت، إلا بعد حرصهما الزائد على مراقبة شأنه حتى يصلا إلى مبتغاهما في لقيا الخضر، الذي ما خرجا إلا للالتقاء به، وجعل الحوت علامة يصلا من خلالها إلى مقصودهما، ومع ذلك نسيا الحوت، وهما اثنان، يفترض إن نسي أحدهما أن يذكّره الآخر، ومع ذلك، كان ما أراده الله قدراً، من وقوعهما في هذا النسيان، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

أما أن يجنح متهوِّر، اعتاد الطعن في دين الله عز وجل، فيعمِّي على أتباعه طريق الحق، ويلبِّس عليهم بأن تصحيح خبر أبي هريرة إنما يلزم منه نسبة التعمُّد لسليمان عليه الصلاة والسلام في ترك تعليق هذا الأمر بمشيئة الله عز وجل، فهذا لا يروج إلا عند من عطّل عقله، واستحب العمى على الهدى، فكان حاله كحال من ﴿ ٱتَّخَذُوٓا۟ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَٰنَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ ٱللَّهِ(830) ﴾ وكحال من وصفهم الله عز وجلَّ بقوله: ﴿ أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا(831) ﴾ .

وقبل أن أنهي بحثي، أُنبِّه إلى أن سلف عبد الحسين الذي يزعم الانتماء إليهم، قد كانوا على إثبات وقوع السهو من الأنبياء عليهم السلام، وكان الإنكار الشديد يقع منهم على من نفى هذا عنهم، فعن أبي الصلت الهروي قال: قلت للرضا عليه الصلاة والسلام يا ابن رسول الله، إن في سواد

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الكوفة قوماً يزعمون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقع عليه السهو في صلاته، فقال: كذبوا لعنهم الله، إن الذي لا يسهو هو الله الذي لا إله إلا هو(832)

وقال ابن بابويه: إن الغلاة والمفوِّضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم(833) ، وكان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رحمه الله يقول: أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ولو جاز أن تُردَّ الأخبار الواردة في هذا المعنى لجاز أن تُردَّ جميع الأخبار وفي ردِّها إبطال الدين والشريعة، وأنا أحتسب الأجر في تصنيف كتاب منفرد في إثبات سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم والرد على منكريه إن شاء الله تعالى(834) .اهـ.

فإن قيل: بأن ما ذكره ابن بابويه كان مذهباً قديماً للإمامية، سرعان ما تراجعوا عنه، أو أن ما صدر من الرضا في إثبات سهو الأنبياء إنما كان سدّاً لذريعة المغالين في آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى لا يصل الأمر بهم إلى تأليههم، قلنا: لو سلّمنا بكلّ هذا، مع ظهور التحكّم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الواضح، والتحريف الجلّي لكلِّ ما سبق، فيلزم عبدَ الحسين أن يحاكم كلّاً من ابن بابويه وشيخه ابن الوليد، بل والرضا أيضاً، كما حاكم أبا هريرة رضي الله عنه لروايته حديث سهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صلاته، حيث يقول عبد الحسين في معرض ردّه لذاك الحديث: إن مثل هذا السهو الفاحش لا يكون ممن فرّغ للصلاة شيئاً من قلبه، أو أقبل عليها بشيءٍ من لبِّه، وحاشا أنبياء الله من أحوال الغافلين، وتقدّسوا عن أقوال الجاهلين، فإن أنبياء الله عز وجل لا سيّما سيدهم وخاتمهم أفضل مما يظنّون، على أن لم يبلغنا مثل هذا السهو عن أحد، ولا أظن وقوعه إلا ممّن يمثل حال القائل:

أُصــلِّي فمــا أدري إذا مـــا ذكرتهاأثـنـتــيـن صـلّيتُ الضحى أم ثمانيا

وأما وسيد النبييّن، وتقلبه في الساجدين، إن مثل هذا السهو لو صدر مني لاستولى عليّ الحياء وأخذني الخجل واستخف المؤتمون بي وبعبادتي، ومثل هذا لا يجوز على أنبياء الله أبداً(835) .اهـ كلام عبد الحسين.

والسؤال: أين ذهبت شجاعته المزعومة في الرد على علماء مذهبه، الذين أثبتوا ما أثبته أبو هريرة رضي الله عنه ؟ أم أنه الهوى الذي من أطاعه هوى، نسأل الله السلامة.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إخراج الإمامية لهذا الحديث في كتبهم:

بل لم يقتصر الأمر على إثبات جواز السهو على الأنبياء عليهم السلام من كتبهم، بل إن هذا الخبر بعينه الذي أنكروه على الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه ، قد روي في كتبهم أنفسهم، بل وفي أشهر كتبهم، ففي كتاب الكافي عندهم عن أبي الحسن: كان لسليمان بن داود عليه الصلاة والسلام ألف امرأة في قصر واحد، ثلاثمائة مهيرة وسبعمائة سرية(836) .

فنحن نرى ما أنكروه على أبي هريرة قد رووه في كتبهم، بل من تمام حكمة الله عز وجل، ولتظهر حقيقة أمرهم بكل وضوح، نرى أنهم لم يقصروا الأمر على العدد الوارد في الصحيحين، والذي لم يتجاوز المئة امرأة، بل زاد العدد في روايتهم إلى عشرة أضعاف!

وقد روى هذا الخبر نعمة الله الجزائري، وجاء فيه زيادة عنده، ألا وهي قوله: ويطيف بهن في كلِّ يوم وليلة.

ثم علّق نعمة الله الجزائري قائلاً: يحتمل طواف الزيارة، والأظهر أنه طواف الجماع، وفيه: عن أبي جعفر قال: كان لسليمان حصن بناه الشياطين، له فيه ألف بيت، في كل بيت منكوحة، منهن سبعمائة أمة قبطية، وثلاثمائة حرة مهيرة(837) .

وهذا علامتهم الطبرسي يتناول قصة سليمان عليه الصلاة والسلام في تفسيره، ويذكر

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ما قيل فيها من توجيهات، ومن ضمنها خبر أبي هريرة رضي الله عنه دون أن يستنكر ذلك ويستعظمه ويقوم بردِّه، كما فعل عبد الحسين فيما بعد، بل قال الطبرسي: واختلف العلماء في زلَّته وفتنته والجسد الذي ألقي على كرسيه عليه السلام على أقوال، منها: أن سليمان قال يوماً في مجلسه: «لأطوفنّ الليلة على سبعين امرأة تلد كل امرأة منهن غلاماً يضرب بالسيف في سبيل الله، ولم يقل إن شاء الله، فطاف عليهنَّ فلم تحمل منهن إلا امرأة واحدة، جاءت بشق ولد». رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ثم قال: «فوالذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله، لجاهدوا في سبيل الله فرساناً»، الجسد الذي ألقي على كرسيه كان هذا، ثم أناب إلى الله تعالى وفزع إلى الصلاة والدعاء على وجه الانقطاع إليه سبحانه، وهذا لا يقتضي أنه وقع منه معصية صغيرة ولا كبيرة، لأنه و إن لم يستثن ذلك لفظاً فلا بد من أن يكون قد استثناه ضميراً واعتقاداً، إذ لو كان قاطعاً للقول بذلك لكان مُطلقاً لما لا يأمن من أن يكون كذباً، إلا أنه لما لم يذكر لفظة الاستثناء عوتب على ذلك، من حيث ترك ما هو مندوب إليه(838) .اهـ.

قلت: فها هم علماؤهم يروون هذا الحديث، وبأضعاف ما ذكر في حديث أبي هريرة من عدد النساء، من غير إعراض ولا نكير، فعلام أقام عبد الحسين الدنيا على أبي هريرة رضي الله عنها ولم يقعدها؟

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المطلب الخامس: ذكر ما ترجم به المحدِّثون المخرِّجون لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه

وبعد أن انتهينا من عرض ما يتعلّق بهذا الحديث من شبه والجواب عليها، نقف قليلاً مع بعض الفوائد المستنبطة من هذا الحديث الشريف، ومنها ما يظهر واضحاً جلياً من تبويبات العلماء، وهي كالآتي:

تراجم المحدِّثين:

بوّب ابن أبي شيبة بقوله: باب: الرجل يطوف على نسائه ليلة(839) .

ونرى البخاري قد نوّع في تبويباته، فقال مرة: باب من طلب الولد للجهاد(840) .

وقال في موطن آخر: باب قول الرجل: لأطوفن الليلة

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

على نسائي(841)

و عنده أيضاً: باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وآله وسلم(842) .

و: باب الاستثناء في الأيمان(843) .

و: باب في المشيئة والإرادة: ﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾(844)(845) )( .

و: باب قول الله تعالى ﴿ وَوَهَبْنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيْمَٰنَ نِعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُۥٓ(846)(847) أَوَّابٌ ﴾ )( .

وأخرجه مسلم في باب الاستثناء(848) .

وذكر الترمذي هذا الحديث في أبواب الأيمان والنذور من جامعه، معنوناً له بقوله: باب ما جاء في الاستثناء في اليمين(849) .

وأخرجه النسائي في كتابيه الكبرى والصغرى، فقال فيهما: إذا حلف فقال له رجل: إن شاء الله، هل له استثناء(850) ؟

وفي الصغرى بوّب قائلاً: الاستثناء(851) .

وأما في الكبرى فبوّب بقوله تعالى:

حواشي هذه الصفحة11 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا(852)(853)

وبوّب أيضاً: طواف الرجل على نسائه في الليلة الواحدة(854) .

وبوّب أبو عوانة: باب بيان ذكر الخبر المبيح للحالف إذا استثنى أن يترك يمينه، ولا يكون حانثاً(855) .

وعند الطحاوي: باب: بيان مشكل ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الاستثناء في الأيمان إن شاء الله(856) .

وبوّب ابن حبان له في صحيحه بقوله: ذكر الخبر الدال على أن الحالف إذا أراد أن يحلف على شيء يجب أن يعقب يمينه الاستثناء(857) .

و: ذكر البيان بأن الملك قد لقَّنه الاستثناء عند يمينه إلا أنه نسي(858) .

وبوّب ابن أبي الدنيا: فضل إن شاء الله(859) .

وبوّب البيهقي: باب من قال: وايم الله(860) .

حواشي هذه الصفحة9 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبوّب له في الأسماء والصفات: باب قول الله عز وجل ﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا(861)(862) ﴾ )( .

وبّوب البغوي: باب الأمور بمشيئة الله سبحانه وتعالى(863) .

بعض الفوائد المستنبطة من هذا الحديث الشريف:

استنبط علماء الإسلام فوائد جليلة من هذا الحديث، هذه بعضها:

فىه الحضُّ على الولد بنية الجهاد في سبيل الله، وقد يكون الولد بخلاف ما أمَّله فيه، فيكون كافرًا، ولكن قد تم له الأجر في نيته وعمله(864) جواز مجامعة الرجل جميع نسائه في ليلة واحدة، إذا كان لا يجب عليه القسم، كالعائد من السفر، أو كالأنبياء عليهم السلام(865) الاستثناء لا يكون إلا متصلاً، إذ لو جاز أن يكون منفصلاً على ما روي عن بعض السلف لم يحنث أحد في اليمين، ولا احتاج إلى كفارة(866)

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ما أوتي الأنبياء عليهم السلام من قوة على هذا، وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يدور على نسائه في ليلة، وهذا كلّه يدلُّ على فضيلة في الرجال، ودليل على صحّة الذكورية والإنسانية، ولا يعترض على هذا بقوله وَحَصُورًا(867) فقد قيل: حصوراً عن المعاصي ممسوكاً عنها. إتباع اليمين بالمشيئة يرفع حكم اليمين، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم لم يحنث(868) أن عدم تعليق الفعل بمشيئة الله لا يحصِّل مقصود صاحبه، ولو كان نبيّاً، بينما يتحصّل مقصود الفعل لصاحبه وإن كان كافراً إذا علّق الأمر بمشيئة الله عز وجل(869) قد يؤخذ منه أن الكناية في اليمين مع النية كالصريح في

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حكم اليمين، من حيث إن لفظ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الذي حكاه عن سليمان عليه الصلاة والسلام وهو قوله «لأطوفنَّ» ليس فيه التصريح باسم الله تعالى، لكنه مقدَّر، لأجل اللام التي دخلت على قوله «لأطوفن»(870) قد يؤخذ من الحديث جواز الإخبار عن وقوع الشيء في المستقبل بناء على الظن، فإن إخبار سليمان عليه الصلاة والسلام لم يكن عن وحي، وإلا لوجب وقوع مخبره(871) استعمال الكناية في اللفظ الذي يُستقبح ذكره لقوله: لأطوفنَّ، بدل قوله: لأجامعنَّ(872)

وأختم بذكر كلامٍ بديع، أجمل فيه العلامة القرطبي ما يتعلّق بهذا الخبر، وكيف وقع نظيره لنبينا صلى الله عليه وآله وسلم وحال الأنبياء ورفعة مقامهم عند ربهم، ليقارن من كان مقارناً بين من طلب الهدى من الله عز وجل

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فهداه الله وفتح له أبواب الخير، وبين من استحب العمى على الهدى، وزاغ عن الحق فأزاغ الله سبحانه وتعالى قلبه عن الصراط المستقيم، حيث قال العلامة القرطبي رحمه الله في شرح حديث الباب: هذا تذكير له بأن يقول بلسانه، لا أنه غفل عن التفويض إلى الله تعالى بقلبه؛ فإن ذلك بعيدٌ على الأنبياء، وغير لائق بمناصبهم الرفيعة، ومعارفهم المتوالية، وإنَّما هذا كما قد اتفق لنبيِّنا صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل عن الرُّوح، والخضر، وذي القرنين؛ فوعدهم بأن يأتي بالجواب غدًا، جازمًا بما عنده من معرفته بالله تعالى، وصدق وعده في تصديقه، وإظهار كلمته، لكنه ذهل عن النطق بكلمة: إن شاء الله، لا عن التفويض إلى الله تعالى بقلبه، فأُدِّب بأن تأخر الوحي عنه؛ حتى رموه بالتكذيب لأجلها، ثم إن الله تعالى علَّمه وأدَّبه بقوله: وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا﴾(873) فكان بعد ذلك يستعمل هذه الكلمة في الواجب، وهذا لعلوِّ مناصب الأنبياء، وكمال معرفتهم بالله تعالى، يناقشون، ويعاتبون على ما لا يعاتب عليه غيرهم، كما قد قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم في حق لوط: يرحم الله لوطًا لقد كان يأوي إلى ركن شديد؛ فعتب عليه نطقه بكلمة يسوغ لغيره أن ينطق بها(874)

آخر الكلام على هذا الحديث الشريف

والحمد لله رب العالمين

الحديث العاشر:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تساقط جراد الذهب على أيوب عليه الصلاة والسلام أثناء اغتساله

المطلب الأول: ذكر الحديث.

المطلب الثاني: تخريج الحديث.

المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.

المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.

المطلب الخامس: ذكر ما ترجم به المحدِّثون المخرِّجون لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.

المطلب الأول: ذكر الحديث

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم

قال: «بينما أيوب يغتسل عُرياناً، خرَّ عليه رِجل جرادٍ من ذهب، فجعل يَحثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب، ولكن لا غنى لي عن بركتك». هذا لفظ البخاري.

وفي رواية أخرى له: بينا أيوب يغتسل عُرياناً، فخرَّ عليه جراد من ذهب، فجعل أيوب يحتثي في ثوبه، فناداه ربه: يا أيوب، ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غنى بي عن بركتك.

وعند أحمد في بعض رواياته: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «أرسل على أيوب جراد من ذهب، فجعل يلتقطه، فقال: ألم أُغنك يا أيوب؟ قال: يا رب، ومن يشبع مِن رحمتك أو - قال: - مِن فضلك؟».

وفي رواية لأحمد وهي التي جُمع فيها بين عبد الصمد وقتادة في الرواية عن النضر بن أنس: أمطر على أيوب جراد من ذهب، وقال عبد الصمد: فراش، فجعل يلتقطه فقال: يا أيوب، ألم أوسِّع عليك؟

قال: يا رب، ومن يشبع من رحمتك؟ أو قال: من فضلك. قال عبد الصمد: بلى، ولكن لا غنى بي عن فضلك.

وعند الحميدي: جراد من ذهب، وفيه: فجعل ينشر يقبضها في ثوبه.. وفيه أيضاً: ومن يستغني عن فضلك؟

المطلب الثاني: تخريج الحديث

رُوي هذا الحديث عن أبي هريرة مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، ورواه عن أبي هريرة كلٌّ من:

همام، وعبد الرحمن الأعرج، وعطاء بن يسار، وبشير بن نهيك، وعبد الصمد بن عبد الوارث، وتفصيل رواياتهم كالآتي:

رواية همّام بن منبه عنه ، أخرجها كلٌّ من:

عبد الرزاق في الأمالي في آثار الصحابة (169) عن معمر عن همام به. وعن عبد الرزاق أخرجها أحمد (8159)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجها أيضاً كلٌّ من: البخاري (279) و(3391) و(7493) وابن حبان (6229) والبيهقي في الكبرى (1/198) والأسماء والصفات (259) و(442) من طرق عن عبد الرزاق عن معمر عن همّام به.

رواية الأعرج عنه: أخرجها عنه الحميدي (1091) وأحمد (7309) عن سفيان عن أبي الزناد عنه به.

وأخرجها ابن أبي الدنيا في إصلاح المال (112)، لكن جاء

عنده: عن ابن أبي الزناد عن الأعرج.

رواية عطاء بن يسار:

أخرجها النسائي (409) من طريق موسى بن عقبة عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار به.

رواية بشير بن نهيك:

أخرجها الطيالسي (2577) عن همام بن يحيى عن قتادة عن النضر بن أنس بن مالك عن بشير بن نهيك به.

ورواها عن الطيالسي: أحمد (8038) و(9980)، والبزار (9550) عن محمد بن المثنى عن الطيالسي به.

وعند الطيالسي أيضاً، لكن جمع هنا همّام بن يحيى بين قتادة وعبد الصمد في روايتهما عن النضر به.

وأخرجها أيضاً عن الطيالسي: أحمد (10638).

رواية عبد الصمد بن عبد الوارث:

رواها عنه إسحاق بن راهويه (99) وأحمد (8569) عن همام به، ومن طريق عبد الصمد رواها أيضاً: ابن حبان في صحيحه (6230).

المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له

(بينا): على وزن: فَعْلى، أشبعت الفتحة فصارت ألفاً، و«بينما» زيدت عليها ما، والمعنى واحد، تقول: بينا نحن نرقبه أتانا، أي أتانا بين أوقات رقبتنا إياه(875) ،وبينا وبينما ظرفا زمان بمعنى المفاجأة، ويضافان إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاجان إلى جواب يتم به المعنى، والأفصح في جوابهما: ألا يكون فيه (إذ) و(إذا)، وقد جاءا في الجواب كثيراً، تقول: بينا زيد جالس دخل عليه عمرو، وإذ دخل عليه عمرو، وإذا دخل عليه(876) .

(عرياناً): العُري، بالضم: خلاف اللبس(877) ويقال: رجل عُريان، ولا يقال: رجل عُري(878) ،والجمع عريانون، ولا يكسر(879) ويقال: فرس عُري لا سَرج عليه...ولا يقال: فرس عريان(880) ،وفي الحديث:

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أنا النذير العُريان(881) هو مثل متقدم عند العرب مبالغة، لأن النذير إذا كان عُرياناً كان أبين، وقيل: بل كانوا إذا أنذروا؛ كشف المنذر عن ثوبه ولوَّح به ليُجتمع إليه، وقيل: هو رجل من خثعم معلوم، وقيل له ذلك لأنه سُلب ثيابه فجاء قومه عُرياناً، وقيل: بل قالته امرأة جاءت منذرة قومها، وقد تعرَّت(882)

(رِجل جراد): رجل الإنسان: التي يمشي بها من أصل الفخذ إلى القدم، وهي أنثى، وجمعها أرجل، ولا جمع لها غير ذلك(883) ، وقيل: الجماعة الكثيرة من الجراد خاصَّةً، وهو جمعٌ على غير لفظ الواحد، ومثله كثير في كلامهم، كقولهم لجماعة البقر: صوار، ولجماعة النعام: خيط، ولجماعة الحمير: عانة(884) .

(الجراد): الجيم والراء والدال أصل واحد، وهو بُدوّ ظاهر الشيء حيث لا يستره ساتر.... والجراد معروف، وأرض مجرودة أصابها الجراد، وقال بعض أهل العلم: سمي جراداً لأنه يجرد

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأرض، يأكل ما عليها(885) والواحد منه جرادة، يقع على الذكر والأنثى، وليس الجراد بذكرٍ للجرادة، وإنما هو اسم جنس، كالبقر والبَقَرَةِ، والتمر والتمرة، والحمام والحمامة، وما أشبه ذلك، فحقُّ مذكره أن لا يكون مؤنثه من لفظه، لئلا يلتبس الواحد المذكر بالجمع(886) وعند ابن سيده: وقيل: الجراد: الذكر، والجرادة: الأنثى(887)

ولكل مرحلة من مراحل نموه اسم عند العرب، فأول ما يكون الجراد دباً، ثم يكون غوغاء إذا هاج بعضه في بعض، ومنه قيل لأخلاط النَّاس، وعامتهم غوغاء، ثم يكون كتفاناً، ثم يصير خيفاناً إذا صَارَت فِيهِ خطوط مختلفة: واحدته خيفانة، ثم يكون جرادًا، وَيُقَال للجرادة أم عوف، ويقال لذكر الجراد:

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

العنظب(888)

(يحثي): حثا الرجل التراب: يحثوه حثواً ويحثيه حثياً، من باب رمى لغة، إذا هاله بيده، وبعضهم يقول: قبضه بيده ثم رماه، ومنه: فاحثوا التراب في وجهه، ولا يكون إلا بالقبض والرمي(889) ، وقال الحافظ ابن حجر: يحثي بالمثلثة أي يأخذ بيديه جميعاً(890) ، وزاد القسطلاني: ويرمي(891) .

(بركتك): الباء والراء والكاف أصل واحد، وهو ثبات الشيء، ثم يتفرع فروعاً يقارب بعضها بعضاً(892) والبركة: النماء

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والزيادة، وكل شئ ثبت وأقام فقد بَرَكَ(893) وبارك الله الشيء، وبارك فيه، وعليه: وضع فيه البركة(894) وهي أيضاً: ثبوت الخير الإلهي في الشيء، قال تعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ(895) وسمّي بذلك لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة(896)

شرح مختصر للحديث:

يخبرنا نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن أيوب عليه السلام وبينما هو يغتسل، أنزل الله عز وجل عليه ذهباً كثيراً، سارع أيوب عليه السلام لجمعه، ولما سأله الله عز وجل عن سبب حرصه على هذا الذهب، وهو الذي أغناه الله من فضله، سارع ببيان عدم استغنائه عن فضل الله عز وجل ورزقه له.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها

اعترض على هذا الحديث باعتراضات عدّة، يمكننا أن نلخِّصها بما يلي:

أن ما ذكر في هذا الحديث هو من خوارق العادات، وهذه الخوارق لا يخلقها الله إلا عند الضرورة، ولا ضرورة هنا تستدعي خرق العادة. ما المانع في أن يستكثر أيوب عليه الصلاة والسلام من نعمة الله عز وجل؟ ولم وُجِّه له اللوم؟

ومن أوائل من أورد هذه الشبه، محمد حسن المظفر (ت 1375هـ)، إذ يقول: فإنّ جمعه للمال؛ إن كان رغبة في الدنيا، فالأنبياء أجلّ قدراً من ذلك، وإن كان للآخرة ولو بإظهار الحاجة إلى كرمه تعالى وتلقّي النعمة بإعظامها فما وجه عتاب الله تعالى له؟! واحتمال أنّ العتاب للاختبار، ليس في محلِّه؛ لأنّه إنّ أريد الاختبار حقيقة، فالله عالم بما في نفسه من دون اختبار، وإن أريد كشف ما في نفسه للناس، إظهاراً لفضله، فهو قد اغتسل وحده عرياناً، وقصص أبي

هريرة الخرافية لا تنتهي حتّى ينتهي عنها(897) اهـ

وقال عبد الحسين: لا يركن إلى هذا الحديث إلا أعشى البصيرة، مظلم الحسّ، فإنَّ خلق الجراد من ذهب آية من الآيات، وخوارق العادات وسنة الله عز وجل في خلقه أن لا يخلق مثلها إلا عند الضرورة، كما لو توقف ثبوت النُّبوة عليها، فتأتي حينئذ برهاناً على النُّبوة ودليلاً على الرسالة، وما كان الله ليخلقها عبثاً وجزافاً فتخرّ على أيوب عليه الصلاة والسلام وهو منفرد بنفسه، يغتسل عُرياناً كما يزعم أبو هريرة، ولو خرَّت عليه فجعل يحتثي في ثوبه لكان ذلك في محلّه، لأنها نعمة من الله خارقة لم يحتسبها، فيقتضى شكرها بتعظيم شأنها؛ وتلقِّيها بكل قبول، ولا يحسن منه الإعراض عنها والاستخفاف بها، وقد اختصَّه الله فيها لأن فيه من كفران النعمة ما يجب تنزيه الأنبياء عنه، والأنبياء إذ جمعوا المال فإنما يجمعونه لينفقوه في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وليستعينوا به على مشاريعهم الإصلاحية، والله عز وجل خبيرٌ بهم عليمٌ بنواياهم، فلا يعاتبهم على جمعه أبداً(898) . اهـ كلام عبد الحسين.

وعلّق الهاشمي بن علي التونسي قائلاً: إن هذا الحديث متهاو من عدة وجوه:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أولاً: إذا كان أيوب عليه السلام يغتسل عرياناً؛ فكيف كان يضع الجراد الذهبي في ثوبه؟!

ثانياً: لماذا يعاتب الله أيوب على أخذ هذا الجراد، أليس هو الذي أنزله عليه؟! أم كان الأمر اختباراً لأيوب؟! وإذا كان اختباراً فكيف يكون أيوب حريصاً لهذه الدرجة على جمع الذهب؟!

إن أيوب مدحه الله تعالى وجعله أسوة في الصبر، وكذلك باقي الأنبياء ليس همُّهم جمع الذهب والفضة، وماذا يعني لهم الذهب والفضة وكل كنوز الدنيا أمام طاعة الله ورضاه؟! نعم، إذا كان أبو هريرة يقيس نبي الله أيوب عليه السلام بنفسه فحينئذ لا نستغرب منه هذا التصرف(899) . اهـ.

الرد على هذه الشبه:

أقول بعد عرضي لما سبق من الشبه: لا أرى شبه القوم تقوم إلا على هوى مطاع، فهذا حديث من ضمن أحاديث كثيرة أخبر بها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن أمور تتعلّق بأنبياء الله عليهم السلام، فما الإشكال في ذلك؟ وهل وصل دين الله عز وجل إلى هذه الدرجة التي تجعله عرضة لكل من ظنَّ أنّ له عقلاً؟ ولكن صدق الله: يُرِيدُونَ لِيُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوْ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ(900)

وإيراد الاحتمالات والإشكالات لا يعجز عنه أحد، نعم، يزداد الأمر كثرة إذا أظلم القلب، وكره الحق، وأدمن صاحبه السعى وراء الباطل، وأصبح همّه ومشتهاه، وهجِّيراه في تطلُّب الشبهات، وإعادة عرضها، وهذا لا يدلُ بحال من الأحوال على ذكاء صاحبه، بل على ضلاله، إذ لو هداه الله عز وجل، لوجد في مثل هذه الأحاديث الخير الكثير، والنفع الكبير، ولاهتدى به إلى الحق المبين، وكان سبباً لهداية الآخرين لهذا الخير العميم، ويوم القيامة سيعترف كلُّ من حارب دين الله، بأن لو أحسنوا استخدام عقولهم لما وصلوا إلى ما وصلوا إليه من سخط الله وغضبه، وحينها سيقولون: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِىٓ أَصْحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ(901) ﴾ .

ولو سلّمنا تنزُّلاً بذكاء موردي هذه الشبهات، لسارعنا بالقول: ما فائدة هذا الذكاء إذا كان يزيد في ضلال صاحبه وإبعاده عن نور الهداية، وقد أحسن شيخ الإسلام غاية الإحسان، حينما وصف الذين لم ينتفعوا بذكائهم وعقولهم، ممّن هم أذكى وأعقل من أصحاب هذه الشبه بدرجات: بأنهم «أوتوا ذكاءً وما أوتوا زكاءً، وأعطوا فهوماً وما أعطوا علوماً، وأعطوا سمعاً وأبصاراً وأفئدة ﴿ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَآ أَبْصَٰرُهُمْ وَلَآ أَفْـِٔدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُوا۟ يَجْحَدُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ﴾(902)(903) )( ».اهـ

وقد كان يُقبل من هؤلاء إيراد مثل هذه الشبهات، لو كانوا يُعملون

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نقدهم في كلِّ ما أشكل على عقولهم، لو كان ثمّة لهم عقول، لكن! ماذا يقول العاقل الحصيف المنصف، وهو يرى كتب هؤلاء القوم قد ملئت بخزعبلات وطامات، لا تكاد تخطر على قلب رجل يحترم عقله وعقول الآخرين، ومع ذلك، فقد عميت أبصار هؤلاء النقاد وبصائرهم، فلم يستطيعوا أن يوجِّهوا نقدهم اللاذع إلى تلك المرويات التي امتلأت بها بطون كتبهم، ونراهم في المقابل يسارعون في نقد أصحّ المرويات التي قامت على أدقِّ الأسس العلمية، فكان حالهم كحال القرعاء إذ سخرت من الفرعاء، وكحال الظلمة إذ عابت النور، وصدق من قال:

إذا وصـف الطـّـائـي بالبخـل مادرٌوعــيــّر قُــسّــاً بالــفـهـاهة بـاقلُ
وقـال السُّهى للشمـس أنـت ضئيلةٌوقال الدُّجى للصُّبح لونك حــائـل
وطاولتِ الأرض السَّماء ســفــاهةًوفاخرت الشُّهب الحصى والجــنادل
فيا موت زُر إن الحيــاة ذمــيــمــةٌويــا نــفـس جدّي إن دهرك هازل

والآن، دعونا ننظر في شبهات القوم، وإن شئتَ فقل: تفاهاتهم، لنرى أن المظفَّر إنما استشكل معاتبة الله عز وجل لأيوب، مع أن أيوب عليه الصلاة والسلام ما أراد هذا المال لدنيا، بل للآخرة، فعلام وقع اللوم والعتاب؟ ولا يصحّ أن يقال: إن ما حصل إنما هو اختبار من الله لنبيه أيوب عليه الصلاة والسلام ، لعلم الله عز وجل ما في نفس أيوب عليه الصلاة والسلام ، وما فائدة أن يختبر أيوب وهو في منأى عن الناس لا يراه أحد؟ وأين فائدة تعليم الناس من ذلك، وهم لا يدرون بما حصل له؟

وللجواب على ما سبق أقول: إن الله عز وجل قد نصّ على بشرية

أنبيائه في عددٍ من آيات كتابه العزيز، فقال سبحانه: وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِى ٱلْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا(904) وأمر نبيَّه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول: إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ(905) وكان يقع من الأنبياء عليهم السلام ما يؤكد بشريتهم، فموسى عليه الصلاة والسلام خاف لما خُيِّل له أن عِصيَّ سحرة فرعون تتحرك بسرعة، وقال الله في وصف حاله:﴿ فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ(906) وكان عليه الصلاة والسلام قد وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ(907) أولَّ ما أوحي إليه لما قلب الله عصاه حية تسعى، وكذا إبراهيم عليه الصلاة والسلام خاف لما رأى أيدي ضيوفه لا تمتد إلى طعامه، وقال الله عز وجل في وصف حاله فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾(908)

وهذا كلُّه وغيره مما لم أذكره، إنما يؤكد بشرية الأنبياء عليهم السلام، وهذا كلّه وغيره أيضاً مما صرف الكفار عن الإيمان بأنبياء الله عليهم السلام، فقد كانت عقدتهم التي يحتجون بها لردِّ الحقِّ الذي جاء به أنبياء الله، وإبعاد أقوامهم عن طريق الهداية أن أنبياء الله عليهم السلام كانوا بشراً، فكان سادتهم وأحبارهم ورهبانهم يضلُّون أقوامهم، ويحذرونهم من النبي المبعوث لهم، بأنه ﴿ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَرًا مِّثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَٰسِرُونَ(909) ﴾ ، ويقولون في سبيل إحكام شبهتهم، وإقناع الأنعام من أتباعهم ﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ(910) ﴾ .

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فإذا ما تقرّر كمال بشريتهم عليهم الصلاة والسلام، فهذا يعني حاجتهم إلى ما يحتاجه البشر من نوم وطعام وشراب وغير ذلك، وهذا يعني بالضرورة، احتياجهم للبيع والشراء للحصول على مرادهم، والبيع والشراء لا يكون إلا بمال أو ما يقوم مقامه، وهذا المال له طرقٌ لتحصيله وكسبه، والأنبياء عليهم السلام في تحصيلهم هذا المال، إنما طرقوا سبل الحلال، وأرشدوا الناس إليه، فمنهم من كان يعمل بالنِّجارة كزكريا عليه الصلاة والسلام(911) ومنهم من كان يعمل بصناعة الدروع كداود عليه الصلاة والسلام(912) ومنهم من أُحلِّت له الغنائم، وهو نبينا صلى الله عليه وآله وسلم ومنهم من رزقه الله عز وجل رأساً من غير كدٍّ ولا تعب، فهو سبحانه بيده خزائن السموات والأرض، ومن هذا الصِّنف الأخير أيوب عليه الصلاة والسلام في قصته هذه مدار البحث، أغدق الله عز وجل عليه هذا الذهب بكميات كثيرة أثناء اغتساله وحيداً، فما كان منه إلا أن سارع بجمع هذا الرزق المبارك الحلال، الذي لا شبهة فيه بحال من الأحوال، فهو رزق مباشر مبارك من الله سبحانه له، ليس لأحد فيه يدٌ، والفضل لله أولاً وآخراً، فمَن مِن البشر يستطيع أن يزهد في مثل هذا الخير العظيم، ولو كان نبيّاً من أنبياء الله عليهم السلام، بل، هل يصلح لأحد أن يُعرض عن هذه

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

البركة العظيمة(913)

ولا عيب في ذلك على هذا النبي الكريم، ولا يعدُّ هذا استكثاراً من دنيا فانية، بقدر ما يعدُّ استئثاراً بمال مبارك، بلغ أعلى صور الحلِّ، ولو أردنا أن نفكّر بتفكير من خفَّ عقله ورقَّ دينه فلم يستطع أن يتصور سعة رزق الله لعباده الصالحين، وفي مقّدمتهم أنبياء الله عليهم السلام، لأوصلنا ذلك إلى عيب سليمان عليه الصلاة والسلام في استكثاره من هذا الملك الواسع، الذي خصّه الله عز وجل به، وآتاه ما لم يؤت أحداً من العالمين، وإلى عيب نبينا صلى الله عليه وآله وسلم الذي كان يأكل من نصيبه من الغنائم، وحاشا لله أن يصدر هذا من عاقل، وقِس على ذلك، كلّ من طلب شيئاً من أشياء الدنيا الفانية، ولا قائل بهذا، إلا ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا(914) والعجب كلّ العجب، من هؤلاء الذين عدّوا ما جاء في الحديث عيباً على أيوب عليه الصلاة والسلام حيث يصوِّره طالباً للدنيا مستكثراً منها، كيف لم ينظروا بنظرتهم هذه إلى طلب فاطمة رضي الله عنها لما ظنته نصيباً لها من فدك، بمعنى لم عَدّوا هذا الأمر حقّاً لفاطمة

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رضي الله عنها، وبنَوا عليه في خيالاتهم من بغض للصحابة رضي الله عنهم ما لا يعلم قدره إلا الله عز وجل، ولم يعدّوا هذا الخبر طعناً في فاطمة المنزّهة عن التعلُّق بالدنيا، بينما طعنوا في خبرنا هذا بشتى الطعون، ومنها كما سبق أنه ينسب العيب لأيوب عليه الصلاة والسلام وقل مثل ذلك في طلبهم الخلافة لعلي رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وموالاتهم ومعاداتهم على هذا الأمر، كيف لم يعدّوا هذا الأمر استكثاراً من دنيا فانية؟! والعجب في كلِّ ذلك لا ينقضي.

فإذا تقرّر ما مضى، تبيّن أن ما صنعه أيوب عليه الصلاة والسلام لا عيب فيه بوجه من الوجوه، حيث تصرّف التصرُّف اللائق إزاء نعم الله عز وجل الخاصة منها والعامة، ويبقى سؤالٌ وهو: ما دام أن أيوب عليه الصلاة والسلام لم يفعل محذوراً أو محظوراً، فلم عاتبه الله عز وجل؟ والجواب على هذا، أن يقال: إن ما كان من سؤال الله له لم يكن على سبيل المعاتبة والمؤاخذة، بل على سبيل الاختبار لأيوب عليه الصلاة والسلام وهذا الاختبار لا يُحصر فقط في موقفه من هذا الذهب المتساقط عليه، بل يَعمُّ أيضاً موقفه من نعم الله عز وجل السابقة واللاحقة، فسأله الله عز وجل وهو الذي يعلم السرَّ وأخفى لم الحرص على هذا المال، مع سابق نعمتي عليك؟ فاعترف أيوب عليه الصلاة والسلام بنعم الله عليه، وبيّن لله العالمِ بحاله بأن من تمام فقره وعوزه كبشر مخلوق أن يكون في حاجة دائمة لفضل الله عز وجل عليه، فهو اعترف بنعم الله السابقة، وبيّن دوام حاجته لفضل الله عز وجل عليه، ولما كان هذا من حُسن شكر أيوب لنعم الله عز وجل عليه، لم يحجب الله عز وجل عنه هذا

الذهب، ولم يُعبه سبحانه وتعالى على فعله(915)

وأما اعتراض المظفّر بأن هذا الاختبار إن كان فلا فائدة فيه، لكونه حصل مع أيوب في خلوته، لم يطَّلع عليه غيره، وعليه فلا فائدة ترجى من ذلك، فنقول: لو لم يُخبرنا نبينا بهذه القصة، لما علمناها، لكون أيوب عليه الصلاة والسلام كان بعيداً عن أعين الناس، ومثله قصة موسى عليه الصلاة والسلام حينما كلّمه ربه سبحانه وتعالى بجانب الطور، ما علمناها إلا بإخبار الله عز وجل لنا بها، حيث لم يشهدها إلا موسى عليه الصلاة والسلام ولم يكن معه غيره، وكذا الإسراء بنبينا صلى الله عليه وآله وسلم لم نكن لنعلم به لولا إخبار النبي صلى الله عليه وآله وسلم لنا بذلك، لأنه كان وحيداً، لم يكن معه أحدٌ من البشر، ويونس عليه الصلاة والسلام حينما دعا ربه وهو في بطن الحوت، بدعاء المكروب، لم نكن لنعلم قصته لولا إخبار الله عز وجل لنا بها، إذ لم يكن معه أحدٌ في تلك البقعة، وقصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها، فتعجب من إعادة الله عز وجل لها، فأماته الله مائة عام ثم بعثه، أحياه وأحيا حماره أمامه بعد أن جمع عظامه ولحمه، مع بقاء ما كان معه من زادٍ على حاله لم يتسنّه، كلُّ ذلك لم نكن لنعلم به،

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لولا إخبار الله عز وجل لنا به، فذلك الرجل كان وحيداً في قرية خربة، لم يطّلع على حاله أحد، والنصوص من كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام كثيرة في مثل هذه المعاني، أفيُعقل بعد ذلك، أن يقال بمثل قول المظفر السقيم، أن لا فائدة من الاختبار لاختفاء أيوب عليه الصلاة والسلام عن أعين الناس في تلك الحادثة، ولو قلنا بقوله، وحاشانا، لهدمنا جزءً كبيراً من ديننا، نسأل الله السلامة والمغفرة.

أما نفي وقوع الاختبار من الله عز وجل لعباده، لأنه سبحانه يعلم ما في نفس أيوب عليه الصلاة والسلام ، فنقول: نعم، فهو سبحانه يعلم ما كان وما سيكون، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السموات، ومع ذلك، فقد وقع كثيرٌ من الاختبارات لعباده الصالحين منهم وغير الصالحين، وهو في كلِّ ذلك يعلم مآلات الأمور، وخواتيمها، ومن ذلك ما ابتُلي به يوسف عليه الصلاة والسلام ، من إلقائه في البئر، وتعرض امرأة العزيز له، ثم سجنه بعد ذلك مظلوماً لبضع سنين، وثباته في كلِّ ذلك، حتى كانت له عاقبة الحسنى، ألم يكن الله عز وجل يعلم بأن يوسف عليه الصلاة والسلام سيصبر على كلِّ ذلك، وستنتهي الأمور على ما قدّره الله عز وجل وقضاه؟ فعلى تفكير المظفّر، لا حاجة لكلِّ هذه الابتلاءات الواقعة على يوسف، لأن الله عز وجلّ يعلم ما في نفس يوسف، وما سيفعله إزاء هذه الابتلاءات.

ومثل ذلك يقال في حقِّ يونس عليه الصلاة والسلام ألم يكن الله عز وجل يعلم بأن يونس عليه الصلاة والسلام سيدعوه وهو في بطن الحوت بهذا الدعاء العظيم،

وأن الله عز وجل سيستجيب له وينجّيه من الظلمات، ويرده إلى قومه؟ فما الحاجة إلى مثل هذا الابتلاء.

وقد وقعت صور من الابتلاءات على الأنبياء عليهم السلام، وكانوا يخرجون منها دائماً صابرين مؤيدين من الله عز وجل، فهم أشد الناس بلاءً، ومع ذلك، فما تجرأ أحدٌ من المسلمين أن يكذِّب هذه الأخبار، بدعوى أن الله عز وجل يعلم مآلات الأمور فلا حاجة لها.

والذي أراه من حال كثير من المعترضين، أنهم يبطنون اعتراضات جمّة على دين الله عز وجل، لا يستطيعون التصريح بها، خشية ما يترتب على هذا التصريح من عواقب، فيسلكون طريق التشكيك وإيراد الشبه، وهم يخفون ما هو أعظم من ذلك، وما يدفعني إلى هذا الظن الذي لا أستطيع دفعَه عن نفسي، هو أن كثيراً من هذه الأحاديث المعترَض عليها من قِبَل هؤلاء القوم، لها نظائر في كتاب الله عز وجل، ونوع الشبه التي يلقونها، يستطيع أي واحد منهم أو من غيرهم أن يعمّمها على كتاب الله عز وجل، فانتقاؤهم لإيراد هذه الشبه بهذه الصورة المريبة، يرسّخ في القلوب، أن كثيراً منهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ويخفون في أنفسهم ما لا يبدون لغيرهم، فنسأل الله السلامة والعافية.

وإذا لم يكن هذا اعتراضاً من مورد هذه الشبهة على الله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين، فلا أدري ما الذي يصحّ أن يسمى اعتراضاً! فصاحب الشبهة يقرّر على الله عز وجل متى يصحّ له ابتلاء عباده ومتى

لا يصحّ، ومثله في هذا، صاحب الشبهة الأخرى: عبد الحسين شرف الدين، الذي بدوره يقرّر على الله عز وجل متى يصحّ له أن يخرق العادة ومتى لا يصحُّ له ذلك، وهذا تعدٍّ منهما على الله عز وجل، لا يتوقع أن يصدر من عبد مخلوق فقير في حقِّ رب العالمين، ولن يُقبل منهما ومن غيرهما من المعترضين إذا ما احتجوا بأقوال من سبقهم ممّن شابههم في إيراد بعض الشبه، أو تقرير مثل هذه التقريرات، وإلا كان حالهم كحال من قالوا: إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهْتَدُونَ﴾(916) فهل عَذرهم الله بذلك؟! وعبد الحسين قد افتتح كلامه هذا بشتم من أخذ بهذا الحديث، قائلاً: لا يركن إلى هذا الحديث إلا أعشى البصيرة، مظلم الحسّ. والناظر في حال عبد الحسين ونهمِهِ وشرهِهِ في إيراد الشبه على دين الله، يرى أنه أحقُّ الناس بما رمى به غيره، ولهذا ما أحسن أن يقال في حقِّه وحقِّ أمثاله: لا ينكر هذا الحديث إلا أعشى البصيرة، مظلم الحسِّ، نسأل الله السلامة والعافية.

وعبد الحسين في إيراده لشبهته، لم يأت بجديد خاص بهذا الحديث، بل دندن على عادته من إنكار خرق العادات إلاّ لضرورة، وقرّر على الله عز وجلّ متى يمكن له أن يخرق العادة، ولا أدري بم يجيب هو وأتباعه على خرق الله عز وجل العادة ليونس عليه الصلاة والسلام حينما أخرجه من بطن الحوت سليماً معافاً، وهل كان هذا في سبيل إثبات نبوَّة يونس عليه الصلاة والسلام وهل كان معه أحدٌ رأى ما حصل له، أم أن عبد الحسين هو من هذا الصنف من الناس الذي يتجرأ على سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويجبُن عن الطعن في كتاب الله، مخفياً في نفسه ما لا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يعلم شرّه إلا علاّم الغيوب.

وأما تعويله في ردّ الحديث على معاتبة الله عز وجلّ لأيوب عليه الصلاة والسلام ، فقد سبق بيان وجهه والحمد لله رب العالمين.

وأما ثالثة الأثافي، وهو المدعو الهاشمي التونسي، فقد حاول أن يتفوّق على من سبقه من أهل الشبهات، فزاد شبهة لم تكن قد خطرت على بال أحدٍ من السابقين، وهي كيف يُزعم بأن أيوب كان يغتسل عارياً، ثم يجمع الذهب في ثوبه؟!

وهي شبهة أراها من التفاهة بمكان، والظاهر أن من سبق الهاشميَّ التونسيَّ في طريق الشبهات، كعبد الحسين ومن قبله المظفر يرونها كذلك أيضاً، حيث لم يتطرّق واحدٌ منهما إلى ذكرها، وما هذا – فيما يبدو لي – إلا لشدة تفاهتها، ووجه تفاهتها البيّن أن اغتسال المرء عرياناً، لا يمنع من أن يكون ثوبه في متناول يده، متى ما احتاجه أخذه، وهذا أمرٌ بَدهي واقعي لا يحتاج إلى تدليل، وهذا ما حصل لأيوب عليه الصلاة والسلام حينما سقط عليه جراد الذهب، رأى أن أفضل ما يصلح لجمعه هو ثوبه القريب منه، فقام بذلك، ولعل صاحب هذه الشبهة ظنّ لقلة فهمه أن من تعرّى للاغتسال، لن يستطيع أن يحصل على ثوبٍ بعد ذلك طوال حياته، فسبحان الذي أعطى كلَّ شيءٍ قدره ثم هدى.

وفي ختام جوابي على هذه الشبه المتهافتة، أرى أن توجيه ما مضى من فعل أيوب عليه الصلاة والسلام يتناسب غاية التناسب مع القول بأن

هذه الحادثة قد حصلت له بعد أن عافاه الله من دائه، ووهب له أهله ومثلهم معهم رحمة منه سبحانه وتعالى وذكرى لأولي الألباب، وذلكم، قد يزيد في توضيح سبب إقبال أيوب عليه الصلاة والسلام على جمع الذهب بهذه السرعة، بعد أن طال عهده به بسبب طول مدة مرضه، وقد جاء هذا مصرّحاً به في الرواية التي أخرجها الطبراني، والتي يقول فيها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لما عافى الله أيوب أمطر عليه جراداً من ذهب، فجعل يأخذه بيده ويجعله في ثوبه فقيل له: يا أيوب أما تشبع؟ قال: ومن يشبع من رحمتك(917)

ويؤيد هذا جوابه عليه الصلاة والسلام ، والذي يظهر فيه قرب نزول رحمة الله عز وجل عليه، والتي من صورها إذهاب الضرُّ الواقع عليه بسبب مرضه، والله تعالى أعلى وأعلم.

رواية الإمامية لهذا الحديث:

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولا أخلي ردِّي على شبههم السابقة، من تذكير القارئ الباحث عن الحقيقة، أن هذا الخبر الذي شَرِق به أولئك النَّفر، وتضافروا على ردِّه وإنكاره، قد روي في كتب أئمتهم، ومع ذلك لم يتفوّه واحدٌ منهم بالاعتراض عليه، أو حتى الإشارة إليه، لعلهم بذلك يشعرون أتباعهم أنهم على علم بذلك، ولكن لم يفعلوا شيئاً من هذا – كعادتهم - ولا أدري؟ كيف يوجّه الأتباع فعل أئمتهم هذا، أيصنفونه تحت عنوان: جهل أئمتهم بما في كتبهم؟ أم يصنفونه تحت عنوان: كذب أئمتهم على أتباعهم، حيث علموا بهذا وأخفوه عنهم؟ أم يصنِّفونه تحت عنوان: تكذيب أئمتهم بعضهم لبعض، حيث أنكر المتأخرون ما رواه المتقدِّمون منهم؟ أم غير ذلك من الاحتمالات التي لا تليق إلا بهم.

وقد روى أئمتهم المتقدّمون هذا الخبر في تفسير قوله تعالى: وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ(918) حيث قال أبو عبد الله في سياق خبر طويل:...ردّ الله عليه أهله الذين ماتوا قبل البلاء، ورد عليه أهله الذين ماتوا بعدما أصابه البلاء، كلهم أحياهم الله تعالى، فعاشوا معه، وسئل أيوب بعدما عافاه الله: أيُّ شيء كان أشد عليك مما مر عليك؟ قال: شماتة الأعداء، قال: فأمطر الله عليه في داره فراش الذهب، وكان يجمعه، فإذا ذهب الريح منه بشيء عدا خلفه فرده، فقال له جبرئيل: أما تشبع يا أيوب؟ قال: ومن يشبع من رزق

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ربه(919) .اهـ.

فهذا هو الخبر الذي رووه في تفسير قول الله عز وجل المذكور، ولا أرى فرقاً بين خبرنا وخبرهم، سوى أن أيوب عليه الصلاة والسلام كان يغتسل عرياناً في خبرنا، وهذا ما لم يذكر في خبرهم، والقارئ لما مضى معنا من سياق شبههم والردّ عليها، يرى أن هذا الفرق لم يعوِّلوا عليه في ردِّهم للحديث، إذ أن جُلَّ اعتراضهم كان على مسارعة أيوب في جمع الذهب، ثم معاتبة الله عز وجل له على ذلك، إلا ما كان من آخرهم زماناً وعلماً، الذي استشكل كيفية جمع أيوب للذهب في ثوبه مع كونه يغتسل عرياناً، وقد مرّ معنا تسفيه شبهته.

والحمد لله رب العالمين.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المطلب الخامس: ذكر ما ترجم به المحدِّثون المخرِّجون لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه

وبعد أن خضنا غمار الردِّ على هذه الشبهات المظلمة، دعونا نقف على شيء من نور العلم الذي هدى الله عز وجل به وله أولياءه الصالحين، أئمة الإسلام، أحسن الناس فهماً لنصوص الشريعة، لنرى كيف أحسنوا التصرف مع هذا الحديث، وعملوا على إخراج الفوائد والفرائد منه، رضي الله عنهم، وجمعنا وإياهم في مستقر رحمته، وإظهار هذا سيكون ابتداءً بذكر تبويبات المحدِّثين الذين أخرجوا هذا الحديث في كتبهم، ثم بذكر أوجه الاستفادة الأخرى من هذا الحديث الشريف:

تراجم المحدِّثين:

نرى الإمام البخاري رحمه الله أخرج هذا الحديث في عددٍ من الأبواب، ففي أول هذه الأبواب قال: باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة، ومن تستر فالتستر أفضل(920) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفي ثانيها قال: باب قول الله تعالى: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ(921) ﴾ ﴿ ٱرْكُضْ﴾(922) : اضرب، ﴿ يَرْكُضُونَ﴾(923) : يعدون(924) .

وفي الموطن الثالث قال: باب قول الله تعالى ﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ(925) ﴾ ﴿ سُبْحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾(926) ﴿ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ(927) ﴾ ..وقال أيوب: وعزتك لا غنى بي عن بركتك(928) .

وأما في الموطن الرابع فقد قال: باب قول الله تعالى: يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا۟

حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كَلَٰمَ ٱللَّهِ(929)(930)

وبوّب له النسائي: الاستتار عند الاغتسال(931) .

وأما ابن حبان فقد قال: ذكر البيان بأن أيوب عند اغتساله أُمطر عليه جراد من ذهب(932) .

وأخرجه ابن أبي الدنيا في كتابه إصلاح المال، تحت عنوان: باب فضل المال(933) .

وأخرجه البيهقي تحت عنوان: باب التعري إذا كان وحده(934) .

وقال البغوي مبوِّباً عليه: باب الكسب وطلب الحلال(935) .

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بعض الفوائد المستنبطة من هذا الحديث:

اشتمل هذا الحديث الشريف على عدد من الفوائد الكريمة، فمن هذه الفوائد:

أن من نُثر عليه دراهم أو نحوها في أملاك أو نحوه؛ كان أحقَّ بما نُثر عليه، إن شاء أخذها لنفسه، وإن شاء جعلها لغيره(936) إباحة التعري في الخلوة للغسل وغيره، بحيث يأمن أعين

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الناس(937) جواز الحرص على الاستكثار من الحلال في حقِّ من وثق من نفسه بالشكر عليه(938) تسمية المال الذي يكون من هذه الجهة بركة(939) فضل

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الغني الشاكر(940) جواز اليمين بصفة من صفات الله عز وجل(941) لا يحكم على الإنسان بالشره وحبِّ الدنيا بمجرّد أخذه لها وإقباله عليها، بل ذلك يختلف باختلاف المقاصد، وإنما الأعمال بالنيات(942) جواز استكثار الغنيِّ من الغنى بنية الإنفاق(943) إذا رأى المؤمن فضل الله نازلاً عليه؛ فلا يقطع تناوله ما دام نازلاً، ويكون ناوياً بذلك أن لا يشبع من رحمة الله، كما قال أيوب، فإن الله سبحانه لا يحب من عبده أن يرد عليه فضله(944) قال ابن العربي القاضي المالكي: وأما النبي صلى الله عليه وآله وسلم فلم يصح

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عنه أنه ذكره أي أيوب عليه السلام بحرف واحد، إلا قوله: بينا أيوب يغتسل إذ خرّ عليه رجل من جراد من ذهب..الحديث(945)

آخر الكلام على هذا الحديث الشريف.

والحمد لله رب العالمين.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 466 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الخاتمة

تم بحمد الله إنهاء هذا الكتاب الذي تضمن ما وقفت عليه من أحاديث منتقدة من رواية الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه والمتعلقة بأنبياء الله عز وجل، والتي رواها صاحبا الصحيحين.

وظهر بحمد الله ما تضمنته هذه الشبهات من أكاذيب وافتراءات وتمحلات، بأساليب متنوعة، ينقلها المتأخر عن المتقدم منهم، من دون عزو، أو حتى أدنى إشارة، يجمعها كلها قاسم مشترك، وهو اشتمالها على شتائم وانتقاص وسخرية بمقام الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه .

والقارئ العاقل المنصف يستطيع بما أنعم الله عز وجل عليه من عقل وفهم وإنصاف أن يميز الصواب من الخطأ والحق من الباطل، وما كان لله يبقى.

والحمد لله رب العالمين على ما أولى وأنعم، وأسأله سبحانه أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به عموم المسلمين.

النتائج

الكمال لله عز وجل وحده، وما سواه من البشر معرضون للزلل مهما علت منزلتهم. من تعرّض لمقام الصحابة رضي الله عنهم فقد عرّض نفسه لخزي الدنيا والآخرة، ولعذاب الآخرة أشدُّ وأبقى. غالب هذه الشبه إنما قامت من الفهم المغلوط لعصمة الأنبياء عليهم السلام. لازم الطعن في أحاديث أبي هريرة رضي الله عنه الطعن في أحاديث غيره من الصحابة، لأنهم كلهم مؤتمون على أحاديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لازم الطعن في الأحاديث الواردة في كتابنا هذا، الطعن في كتاب الله عز وجل، لأن أصحاب الشبهات إنما نقدوا الأحاديث من جهة متونها لا من جهة أسانيدها، ومتونها كما مرّ معنا في الكتاب جاء ما يؤيدها نصاً ومضموناً في كتاب الله عز وجل. الملاحظ أن أصحاب الشبهات يتداولون الشبه نفسها على اختلاف أزمانهم دون عزوها إلى قائليها، إما استمراءً منهم لهذا الفعل، أو زيادة في التمويه على أتباعهم بإيهامهم كثرة الشبه المطروحة على كل حديث.

لم تخل شبهة من الشبه المذكورة من شتم وتقبيح وانتقاص لمقام الصحابي الجليل أبي هريرة رضي الله عنه مع تطاول بعضهم أحياناً على انتقاص النص نفسه، زعماً منهم بأنه ليس من قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم إكثار بعض موردي الشبه من استخدام الأسلوب الأدبي، للتغطية على ضعف شبهاتهم. من أهم أسباب انتشار هذه الشبه بين الأتباع تسليمهم الكامل لما يورده علماؤهم، وعدم الرجوع إلى المصادر الأصلية التي كانت مدار النقد. جرأة موردي الشبهات على القول في دين الله عز وجل بغير علم، من خلال تحريفهم لنصوص الشريعة أو تأويلها بما يوافق أهواءهم. يظهر من طريقة إيراد الشبهات ضعف مورديها بعلم الحديث الشريف، حيث لم يتطرقوا للكلام في أسانيد أحاديث الكتاب المنتقدة، وإنما انصب طعنهم على متون هذه الأحاديث فقط. يتجلى معنا في هذا الكتاب أيضاً: ضعف اطلاع موردي الشبهة بما جاء في كتب علمائهم، حيث طعنوا في أحاديث أبي هريرة رضي الله عنه مع وجودها كلها أو جلها بأسانيدهم في كتبهم السابقة. أصحاب هذه الشبهات أشدُّ الناس تناقضاً، حيث يثبت الواحد منهم ما يكون قد أنكره هو أو غيره من أصحاب نحلته، وكذا العكس.

الفهارس

صفحة 470 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

فهرس الآيات

فهرس الأحاديث

فهرس الآثار

فهرس غريب الحديث

الفهرس العام

فهرس الآيات

صفحة 472 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
الآيةالسورة ورقم الآيةالصفحة
﴿ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَٰهِيمَ﴾الحج: ٧٨
﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ ﴾الممتحنة: ٤
﴿ هَلْ جَزَآءُ ٱلْإِحْسَٰنِ إِلَّا ٱلْإِحْسَٰنُ﴾الرحمن: ٦٠
﴿ تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ ﴾الحج: 2
﴿ يَوْمَ يَفِرُّ ٱلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ﴾عبس: ٣٤ – ٣٧
﴿ فَقُلْنَا يَٰٓـَٔادَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ ﴾طه: ١١٧ – ١١٩
﴿ فَتَلَقَّىٰٓ ءَادَمُ مِن رَّبِّهِۦ كَلِمَٰتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾البقرة: ٣٧
﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّى ظَلَمْتُ نَفْسِى فَٱغْفِرْ لِى ﴾القصص: ١٦
﴿ غَيْرِ ٱلْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا ٱلضَّآلِّينَ ﴾الفاتحة: ٧
﴿ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ﴾طه: ١٢١
﴿ ثُمَّ ٱجْتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾طه: ١٢٢
﴿ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ﴾القصص: ١٧
﴿ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾الأعراف: ٤٤
﴿ أَنْ أَفِيضُوا۟ عَلَيْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ﴾الأعراف: ٥٠
﴿ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدْعُوا۟ رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ ٱلْعَذَابِ ﴾غافر: ٤٩
﴿ رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَآلِّينَ ﴾المؤمنون: ١٠٦ – ١٠٨
﴿ رَبَّنَآ أَرِنَا ٱلَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ ﴾فصلت: ٢٩
﴿ وَقَالُوا۟ مَا لَنَا لَا نَرَىٰ رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُم مِّنَ ٱلْأَشْرَارِ ﴾ص: ٦٢ - ٦٤
﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا ٱلضَّآلُّونَ ٱلْمُكَذِّبُونَ ﴾الواقعة: ٥١ – ٥٥
﴿ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلْإِسْلَٰمُ ﴾آل عمران: ١٩
﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِۦ نُوحًا وَٱلَّذِىٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ ﴾الشورى: ١٣
﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا ﴾الأعراف: ٢٣
﴿ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى ٱلْأَرْضِ مِنَ ٱلْكَٰفِرِينَ دَيَّارًا ﴾نوح: ٢٦
﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾الكهف: ٢٣ – ٢٤
﴿ إِنِّى سَقِيمٌ ﴾الصافات: ٨٩
﴿ بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا ﴾الأنبياء: ٦٣
﴿ أَيَّتُهَا ٱلْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَٰرِقُونَ ﴾يوسف: ٧٠
﴿ بَلْ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمْ هَٰذَا فَسْـَٔلُوهُمْ إِن كَانُوا۟ يَنطِقُونَ ﴾الأنبياء: ٦٣
﴿ مَّاذَا تَفْقِدُونَ قَالُوا۟ نَفْقِدُ صُوَاعَ ٱلْمَلِكِ ﴾يوسف: ٧١
﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ ﴾الزمر: ٣٠
﴿ فَتَوَلَّوْا۟ عَنْهُ مُدْبِرِينَ ﴾الصافات: ٩٠
﴿ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْـًٔا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾الفرقان: ٣

﴿ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ﴾الأنبياء: ٦٥
﴿ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْـًٔا ﴾الأنبياء: ٦٦ - ٦٧
﴿ رَبِّ بِمَآ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ ﴾القصص: ١٧
﴿ وَعَلَّمَ ءَادَمَ ٱلْأَسْمَآءَ كُلَّهَا ﴾البقرة: ٣١
﴿ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُۥ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾الإسراء: ٣
﴿ قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ ٱلْمُشْرِكِينَ ﴾النحل: ١٢٠
﴿ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِى﴾البقرة: ٢٦٠
﴿ أَوْ ءَاوِىٓ إِلَىٰ رُكْنٍ شَدِيدٍ ﴾هود: ٨٠
﴿ ٱذْكُرْنِى عِندَ رَبِّكَ ﴾يوسف: ٤٢
﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَآ إِبْرَٰهِيمَ رُشْدَهُۥ مِن قَبْلُ ﴾الأنبياء: ٥١
﴿ رَبِّ أَرِنِىٓ أَنظُرْ إِلَيْكَ﴾الأعراف: ١٤٣
﴿ وَكَذَٰلِكَ نُرِىٓ إِبْرَٰهِيمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ﴾الأنعام: ٧٥
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِـۧمُ رَبِّ أَرِنِى كَيْفَ تُحْىِ ٱلْمَوْتَىٰ ﴾البقرة: ٢٦٠
﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ ﴾البقرة: ٢٦٠
﴿ فَسْـَٔلْهُ مَا بَالُ ٱلنِّسْوَةِ ٱلَّٰتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴾يوسف: ٥٠
﴿ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَٰوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِۦ ﴾يوسف: ٥١
﴿ فَأَنسَىٰهُ ٱلشَّيْطَٰنُ ذِكْرَ رَبِّهِۦ ﴾يوسف: ٤٢
﴿ فَلَبِثَ فِى ٱلسِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ﴾يوسف: ٤٢
﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ﴾الأنفال: ٣٠
﴿ إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ ٱللَّهُ ﴾التوبة: ٤٠
﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾آل عمران: ١٢٣
﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٍ ﴾آل عمران: ١٥٣
﴿ إِذْ جَآءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ ﴾الأحزاب: ١٠ – ١١
﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ ٱللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ ﴾التوبة: ٢٥ – ٢٦
﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوْا۟ إِذَا مَسَّهُمْ طَٰٓئِفٌ ﴾الأعراف: ٢٠١
﴿ فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ ﴾طه: ٦٧ – ٦٨
﴿ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبًا ﴾الأنبياء: ٨٧
﴿ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌ ﴾آل عمران: ٤٠
﴿ قَالَتْ يَٰوَيْلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٌ ﴾هود: ٧٢
﴿ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ ٱللَّهِ ﴾هود: ٧٣
﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا۟ ٱلْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم ﴾البقرة: ٢١٤
﴿ حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسْتَيْـَٔسَ ٱلرُّسُلُ ﴾يوسف: ١١٠
﴿ إِذَا تَمَنَّىٰٓ أَلْقَى ٱلشَّيْطَٰنُ فِىٓ أُمْنِيَّتِهِۦ فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِى ٱلشَّيْطَٰنُ ﴾الحج: ٥٢
﴿ أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ ﴾الدخان: ٣٧
﴿ عَفَا ٱللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ ﴾التوبة: ٤٣
﴿ وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَٰكَ وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ ﴾هود:
٩١
﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَـَٔاوَىٰ ﴾الضحى: ٦
﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ ﴾البقرة: ٢٥١
﴿ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِى هُنَّ ﴾هود: ٧٨
﴿ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ﴾هود: ٨١
﴿ لَا تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ ﴾طه: ٤٦
﴿ لَا تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِى مِنْ أَمْرِى عُسْرًا ﴾الكهف: ٧٣
﴿ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْءٍۭ بَعْدَهَا فَلَا تُصَٰحِبْنِى قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّى عُذْرًا ﴾الكهف 76
﴿ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْرًا ﴾الكهف: ٧٢
﴿ مَن يُضْلِلِ ٱللَّهُ فَلَا هَادِىَ لَهُۥ وَيَذَرُهُمْ فِى طُغْيَٰنِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾الأعراف: ١٨٦
﴿ وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَٰهِيمَ إِذْ دَخَلُوا۟ عَلَيْهِ ﴾الحجر: ٥١ – ٥٢
﴿ وَهُوَ ٱلَّذِى يَبْدَؤُا۟ ٱلْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾الروم: ٢٧
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ ءَازَرَ ﴾الأنعام: ٧٤
﴿ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ﴾يونس: ٢٦
﴿ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ ﴾العنكبوت: ٣٣
﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ ﴾عبس: ٤٠
﴿ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا ﴾النحل:59
﴿ مِنۢ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَٰبُ ٱلْجَحِيمِ ﴾التوبة: ١١٣
﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ ﴾النساء: ٤٨
وَمَا كَانَ
ٱسْتِغْفَارُ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِالتوبة: ١١٤
﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِىِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ أَن يَسْتَغْفِرُوا۟ لِلْمُشْرِكِينَ ﴾التوبة: ١١٣
﴿ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمْرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ ﴾هود: ٤٠
﴿ فَٱسْلُكْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ ٱثْنَيْنِ ﴾المؤمنون: ٢٧
﴿ رَبِّ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى ﴾هود: ٤٥
﴿ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ ٱلنَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُۥ ﴾آل عمران: ١٩٢
﴿ رَبَّنَا ٱغْفِرْ لِى وَلِوَٰلِدَىَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ ٱلْحِسَابُ ﴾إبراهيم: ٤١
﴿ وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ﴾المائدة: ١١٦
﴿ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ ٱلْأَنْهَٰرُ ﴾الأعراف: ٤٣
﴿ أَتَىٰٓ أَمْرُ ٱللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ ﴾النحل: ١
﴿ سَـَٔاوِىٓ إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ ٱلْمَآءِ ﴾هود: 43
﴿ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ ﴾يونس: ٩٠
﴿ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيْرُ صَٰلِحٍ فَلَا تَسْـَٔلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ إِنِّىٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلْجَٰهِلِينَ ﴾هود: ٤٦
﴿ وَمَنْ عَصَانِى فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾إبراهيم: ٣٦
﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ﴾المائدة: ١١٨
﴿ كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُۥ ﴾الأنبياء: ١٠٤
﴿ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَٰتٍ ﴾فاطر: ٨
﴿ فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمْ ﴾الكهف: ٦
﴿ وَلَن تَسْتَطِيعُوٓا۟ أَن تَعْدِلُوا۟ بَيْنَ ٱلنِّسَآءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾النساء: ١٢٩
﴿ وَٱتَّخَذَ ٱللَّهُ إِبْرَٰهِيمَ خَلِيلًا ﴾النساء: ١٢٥
﴿ وَلَا تُخْزِنِى يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾الشعراء: ٨٧
﴿ وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ ٱلْحَسْرَةِ ﴾مريم: ٣٩
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوْا۟ مُوسَىٰ ﴾الأحزاب: ٦٩
﴿ ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةَ ٱلَّذِينَ أَسَٰٓـُٔوا۟ ٱلسُّوٓأَىٰٓ ﴾الروم: ١٠
﴿ بَيْضَآءَ مِنْ غَيْرِ سُوٓءٍ ﴾طه: ٢٢
﴿ عَوْرَٰتِ ٱلنِّسَآءِ ﴾النور: ٣١
﴿ وَإِنَّ مِنَ ٱلْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلْأَنْهَٰرُ ﴾البقرة: ٧٤
﴿ ٱئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَآ أَتَيْنَا طَآئِعِينَ ﴾فصلت: ١١
﴿ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُۥدَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَٱلطَّيْرَ ﴾الأنبياء: ٧٩
﴿ تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ﴾الإسراء: ٤٤
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا ٱلْأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱلْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا ﴾الأحزاب: ٧٢
﴿ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُۥ﴾الكهف: ٧٧
﴿ ٱلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰٓ أَفْوَٰهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ ﴾يس: ٦٥
﴿ بَلْ كَذَّبُوا۟ بِمَا لَمْ يُحِيطُوا۟ بِعِلْمِهِۦ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُۥ ﴾يونس: ٣٩
﴿ وَلَوِ ٱتَّبَعَ ٱلْحَقُّ أَهْوَآءَهُمْ لَفَسَدَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ﴾المؤمنون:
٧١
﴿ إِنِّىٓ أُشْهِدُ ٱللَّهَ وَٱشْهَدُوٓا۟ أَنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِۦ ﴾هود: ٥٤ – ٥٥
﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ ﴾القصص: ٦٨
﴿ مَّا كَانَ عَلَى ٱلنَّبِىِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ ٱللَّهُ لَهُۥ ﴾الأحزاب: ٣٨
﴿ وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا۟ ﴾الأنعام: ٣٤
﴿ فَٱصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُو۟لُوا۟ ٱلْعَزْمِ مِنَ ٱلرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ ﴾الأحقاف: ٣٥
﴿ وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ﴾يونس: ٩٩
﴿ مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلْخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ ﴾آل عمران: ١٧٩
﴿ يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِى وَلَا بِرَأْسِىٓ ﴾طه: ٩٤
﴿ فَلَمَّآ أَنْ أَرَادَ أَن يَبْطِشَ بِٱلَّذِى هُوَ عَدُوٌّ لَّهُمَا ﴾القصص: ١٩
﴿ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم ﴾النساء: ٦٩
﴿ وَنَٰدَيْنَٰهُ أَن يَٰٓإِبْرَٰهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ ٱلرُّءْيَآ﴾الصافات: ١٠٤ – ١٠٥
﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ﴾النحل: ٤٠
﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾يوسف: ٧٦
﴿ سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُۥ مِنَ ٱلْعَذَابِ مَدًّا ﴾مريم: ٧٩ – ٨٠
﴿ ءَابَآؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ﴾النساء: ١1
﴿ وَأُو۟لُوا۟ ٱلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَٰبِ ٱللَّهِ ﴾الأحزاب: ٦
وَمَا تَحْمِلُ
مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِۦفاطر: ١١
﴿ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوْا۟ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ ﴾النمل: ١٨
﴿ هُوَ ٱلَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا ﴾البقرة: ٢٩
﴿ وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ﴾الجاثية: ١٣
﴿ وَعَصَىٰٓ ءَادَمُ رَبَّهُۥ فَغَوَىٰ ﴾طه: ١٢١
﴿ ثُمَّ ٱجْتَبَٰهُ رَبُّهُۥ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ ﴾طه: ١٢٢
﴿ وَأَلْقَى ٱلْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُۥٓ إِلَيْهِ ﴾الأعراف: ١٥٠
﴿ لَّوْلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ﴾القلم: ٤٩
﴿ لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا ﴾الإسراء: ٢٢
﴿ تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ وَٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ﴾الإسراء: ٤٤
﴿ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ﴾إبراهيم: ١١
﴿ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ ٱلشَّيْطَٰنِ ﴾القصص: ١٥ – ١٧
﴿ وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ ﴾الأنبياء: ٨٧ – ٨٨
﴿ فَلَوْلَآ أَنَّهُۥ كَانَ مِنَ ٱلْمُسَبِّحِينَ ﴾الصافات: ١٤٣ – ١٤٤
﴿ فَٱصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ ٱلْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ ﴾القلم: ٤٨ – ٤٩
﴿ وَجَعَلُوا۟ لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ ٱلْحَرْثِ وَٱلْأَنْعَٰمِ نَصِيبًا ﴾الأنعام: ١٣٦
﴿ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُۥ وَقُرْءَانَهُۥ فَإِذَا قَرَأْنَٰهُ فَٱتَّبِعْ قُرْءَانَهُۥ ﴾القيامة: ١٧
١٨
﴿ فَلِلَّهِ ٱلْحُجَّةُ ٱلْبَٰلِغَةُ فَلَوْ شَآءَ لَهَدَىٰكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾الأنعام: ١٤٩
﴿ فَرِيقٌ فِى ٱلْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِى ٱلسَّعِيرِ ﴾الشورى: ٧
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا۟ مَا يُوعَظُونَ بِهِۦ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾النساء: ٦٦ - ٦٧ - ٦٨
﴿ بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ أَهْوَآءَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾الروم: ٢٩
﴿ ذَٰلِكَ هُدَى ٱللَّهِ يَهْدِى بِهِۦ مَن يَشَآءُ ﴾الزمر: ٢٣
﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِى ٱلزَّبُورِ مِنۢ بَعْدِ ٱلذِّكْرِ ﴾الأنبياء: ١٠٥
﴿ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا ﴾النساء: ١٦٣
﴿ قُلْ أَىُّ شَىْءٍ أَكْبَرُ شَهَٰدَةً قُلِ ٱللَّهُ ﴾الأنعام: ١٩
﴿ لِّتُنذِرَ أُمَّ ٱلْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾الشورى: ٧
﴿ أُو۟لَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقْتَدِهْ ﴾الأنعام: ٩٠
﴿ يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلْنَٰكَ خَلِيفَةً فِى ٱلْأَرْضِ فَٱحْكُم بَيْنَ ٱلنَّاسِ بِٱلْحَقِّ ﴾ص: ٢٦
﴿ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴾المائدة: ٤٥
﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌۢ بِمَا نَسُوا۟ يَوْمَ ٱلْحِسَابِ ﴾ص: ٢٦
﴿ وَشَدَدْنَا مُلْكَهُۥ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْحِكْمَةَ وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ ﴾ص: ٢٠ – ٢٤
﴿ ٱصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلْأَيْدِ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ﴾ص: ١٧ – 19
﴿ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـَٔابٍ ﴾ص: ٢٥
﴿ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ﴾ص: ٣٤ – ٣٥
﴿ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِىِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلْجِيَادُ ﴾ص: ٣١ – ٣٣
﴿ فَفَهَّمْنَٰهَا سُلَيْمَٰنَ وَكُلًّا ءَاتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ﴾الأنبياء: ٧٩
﴿ لِّيَغْفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ﴾الفتح: ٢
﴿ إِنَّ ٱبْنِى مِنْ أَهْلِى ﴾هود: ٤٥
﴿ وَلَا تُخَٰطِبْنِى فِى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓا۟ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ ﴾هود: ٣٧
﴿ وَٱلَّذِىٓ أَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لِى خَطِيٓـَٔتِى يَوْمَ ٱلدِّينِ ﴾الشعراء: ٨٢
﴿ وَءَاتَتْ كُلَّ وَٰحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا ﴾يوسف: ٣١
﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَٱللَّهُ ٱلْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ﴾يوسف: ١٨
﴿ قُلِ ٱللَّهُمَّ مَٰلِكَ ٱلْمُلْكِ تُؤْتِى ٱلْمُلْكَ مَن تَشَآءُ ﴾آل عمران: ٢٦
﴿ تِلْكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ﴾البقرة: ٢٥٣
﴿ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَءَاتَيْنَا دَاوُۥدَ زَبُورًا ﴾الإسراء: ٥٥
﴿ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلشَّيْطَٰنُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ ﴾ص: ٤١
﴿ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ﴾الأنبياء: ٨٣
﴿ فِى ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ﴾الأنبياء: ٨٧
﴿ يَٰنَارُ كُونِى بَرْدًا وَسَلَٰمًا عَلَىٰٓ إِبْرَٰهِيمَ ﴾الأنبياء: ٦٩ – ٧١
﴿ وَحُشِرَ لِسُلَيْمَٰنَ جُنُودُهُۥ مِنَ ٱلْجِنِّ وَٱلْإِنسِ وَٱلطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ﴾النمل: 17
﴿ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَتَوْا۟ عَلَىٰ وَادِ ٱلنَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ ﴾النمل: 18
﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِۦ رُخَآءً حَيْثُ أَصَابَ ﴾ص: ٣٦ - 38
﴿ هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ص: 39
﴿ وَلِسُلَيْمَٰنَ ٱلرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِهِۦٓ إِلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِى بَٰرَكْنَا فِيهَا ﴾الأنبياء: ٨١ - ٨٢
﴿ وَلِسُلَيْمَٰنَ ٱلرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ ﴾سبأ: ١٢ – ١٣
﴿ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ ٱلْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا۟ يَعْلَمُونَ ٱلْغَيْبَ ﴾سبأ: ١٤
﴿ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ ٱلْكِتَٰبِ ﴾سورة البقرة: 85
﴿ هَاتُوا۟ بُرْهَٰنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ ﴾البقرة: 111
﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا ﴾الكهف: ٢٣ – ٢٤
﴿ وَلَقَدْ عَهِدْنَآ إِلَىٰٓ ءَادَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُۥ عَزْمًا ﴾طه: ١١٥
﴿ فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا ﴾الكهف: 61
﴿ فَإِنِّى نَسِيتُ ٱلْحُوتَ وَمَآ أَنسَىٰنِيهُ إِلَّا ٱلشَّيْطَٰنُ أَنْ أَذْكُرَهُۥ ﴾الكهف: ٦٣
﴿ أَرَءَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ﴾الفرقان: ٤٣
﴿ وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ ﴾التكوير: ٢٩
﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَا۟ىْءٍ إِنِّى فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا ﴾الكهف: ٢٣
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ ٱلْقُرَىٰٓ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوْا۟ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَٰتٍ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ ﴾الأعراف: ٩٦
﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَٱللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِۦ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَٰفِرُونَ ﴾الصف: ٨
﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِىٓ أَصْحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ﴾الملك: ١٠

﴿ فَمَآ أَغْنَىٰ عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَآ أَبْصَٰرُهُمْ وَلَآ أَفْـِٔدَتُهُم مِّن شَىْءٍ إِذْ كَانُوا۟ يَجْحَدُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا۟ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾الأحقاف: ٢٦
﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ ٱلْمُرْسَلِينَ إِلَّآ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ ٱلطَّعَامَ ﴾الفرقان: ٢٠
﴿ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ ﴾الكهف: ١١٠
﴿ فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِۦ خِيفَةً مُّوسَىٰ ﴾طه: ٧
﴿ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾النمل: ١٠
﴿ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾الذاريات: ٢٨
﴿ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ﴾المؤمنون: ٣٣ – ٣٤
﴿ وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِىٓ ءَابَآئِنَا ٱلْأَوَّلِينَ ﴾المؤمنون: 24
﴿ وَعَلَّمْنَٰهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّنۢ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَٰكِرُونَ ﴾الأنبياء: ٨٠
﴿ ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ﴾الكهف: ١٠٤
﴿ إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهْتَدُونَ ﴾الزخرف: ٢٢
﴿ وَوَهَبْنَا لَهُۥٓ أَهْلَهُۥ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ ﴾ص: ٤٣
﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥٓ أَنِّى مَسَّنِىَ ٱلضُّرُّ ﴾الأنبياء: ٨٣
﴿ ٱرْكُضْ ﴾ص: ٤٢
﴿ يَرْكُضُونَ ﴾الأنبياء: ١٢
﴿ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ ﴾إبراهيم: ٤
﴿ سُبْحَٰنَ رَبِّكَ رَبِّ ٱلْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾الصافات: ١٨٠
﴿ وَلِلَّهِ ٱلْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ ﴾المنافقون: ٨
﴿ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا۟ كَلَٰمَ ٱللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا ﴾الفتح: ١٥
﴿ إِنَّا وَجَدْنَٰهُ صَابِرًا ﴾ص: ٤٤
﴿ نِّعْمَ ٱلْعَبْدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ﴾ص: 44

فهرس الأحاديث

الحديثالصفحة
ابسط رداءك، فبسطت
احرقوا فلاناً وفلاناً
ادعوا
أرسل على أيوب جراد من ذهب
أُرسل ملك الموت إلى موسى عليه السلام
استأذنت ربِّي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي
أعطيت خمساً
أقبلنا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم من غزوة تبوك
أمطر على أيوب جراد من ذهب
إن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن قتل النملة والنحلة
إن بني إسرائيل كانوا يغتسلون عراة
أن رجلاً اطلع في جحرٍ في باب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا ذكر أحداً فدعا له بدأ بنفسه
أن رسول الله أُتي بلحم فرفع إليه
إن
عبداً خيَّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء
أن قرصتك نملة أحرقت أمة
إن موسى بن عمران كان إذا اراد أن يدخل الماء لم يلق ثوبه
إن موسى كان رجلا حييّاً ستِّيراً
إن نبي الله سليمان عليه الصلاة والسلام كان له ستون امرأة
أن نبيَّاً من الأنبياء كان في غزاة له، فنزل تحت شجرة
أنا النذير العُريان
أنا سيد الناس يوم القيامة
إنما جعل الإذن من قبل البصر
إني أسمع منك الحديث الكثير أنساه
إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليَّ
بينا أيوب يغتسل عُرياناً
بينما أيوب يغتسل عُرياناً
تحشرون حفاةً، عراةً، غرلاً
ثوبي يا حجر
جاء ملك الموت إلى موسى عليه الصلاة والسلام
حديث ارتجاف جبل أحد
حديث حنين الجذع
حديث ردِّ الشمس لعلي رضي
الله عنه
خُفّف على داود عليه الصلاة والسلام القرآن
خفِّف على داود القراءة
خفِّفت على داود عليه الصلاة والسلام القراءة
خمس فواسق يقتلن في الحرم
رحمة الله على لوط، إن كان ليأوي إلى ركن شديد
رحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية اسقطتهن
سبقكما الغلام الدوسي
صفتي أحمد المتوكِّل
فلو كنت ثَمَّ لأريتكم قبره، إلى جانب الطريق، عند الكثيب الأحمر
قال سليمان عليه السلام: لأطوفنَّ الليلة بمائة امرأة تلد كل امرأة غلاماً
قرصت نملةٌ نبياً من الأنبياء
كان ملك الموت يأتي الناس عياناً
كان موسى حييّاً ستِّيراً
كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما
كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة
كبِّر كبِّر
كنت أنا وأبو هريرة وآخر عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم
لا تعذِّبوا بعذاب الله
لا تفضّلوني على يونس بن
متّى
لا يعذِّب بالنَّار إلا الله
لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ذلك
لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها
لما عافى الله أيوب أمطر عليه جراداً من ذهب
اللهم اغفر لعبيد بن عامر، اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه
اللهم أمتي أمتي
اللهم إن كنت صارفاً هذه الكأس عن أحدٍ من الناس
اللهم هذا قسمي فيما أملك
لو أعلم أنك تنتظرني، لطعنت به في عينيك
لو أن امرأً اطلع عليك بغير إذن فخذفته
ليس الخبر كالمعاينة
ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده
ما أكل أحد طعاما قط، خيراً من أن يأكل من عمل يده
ما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف
ما من رجل يسمع كلمة أو كلمتين
ما من نبي يمرض إلا خُيِّر بين الدنيا والآخرة
الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة
مررت بموسى ليلة أسري بي وهو قائم يصلي في قبره عند الكثيب الأحمر
من جعل قاضياً بين الناس فقد ذبح بغير سكين
من سرَّه أن يبسط رزقه
نحن أحق بالشك من إبراهيم
نعم، إذا كان يوم القيمة حشر الله الخلايق
هذه طابة، وهذا أحد
والله لا تكسر سنَّ الربيع
يا رب تعذِّب أهل قرية بمعاصيهم وفيهم المطيع؟
يا رسول الله، أكلتنا الضبع
يا رسول الله، إني سمعت منك حديثاً كثيراً
يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً
يجتمع المؤمنون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا إلى ربنا
يطول يوم القيامة على الناس
يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة
يلقى الرجل أباه يوم القيامة فيقول:
يلقى رجلٌ أباه يوم القيامة فيقول له

فهرس الآثار

الأثرالصفحة
أرأيت قوله: (حتى إذا استيأس الرسل..)عروة بن الزبير
استغفر له ما كان حيّاًابن عباس
أمن أهل العراق أنت؟ابن عباس
إن إبراهيم يقول يوم القيامةسعيد بن جبير
إن بني إسرائيل كانوا يقولون: ليس لموسىجعفر الصادق
أن قوما قالوا لعلي عليه الصلاة والسلام : أنت الله، فأجَّج ناراً فحرَّقهم فيها
إن للماء سكاناًابن أبي ليلى
أول من أذنب وأجرمابن عباس
بل كذَّبهم قومهمعائشة
بلى ثكلتك أمكزين العابدين بن علي
تحدَّثت عند أبي هريرة بحديث فأنكرهالحسن بن عمرو
جلست عند ابن عباس وهو بمكةحارثة بن مضرب
حسنات الأبرار سيئات المقربينالجنيد
دخل قلبَ إبراهيم بعضُ ما يدخل قلوبَ الناسعطاء
ردّ الله عليه أهله الذين ماتوا قبل البلاءجعفر الصادق
فلمّا مات لم يستغفر لهابن عباس
كان ذلك في الحياة الدنيا لما مات مشركاًابن عباس
كان لسليمان بن داود ألف امرأة في قصر واحدأبو الحسن
كانوا بشراً ضعفوا ويئسواابن عباس
كذبوا لعنهم الله، إن الذي لا يسهو هو اللهالرضا
لا بأس بقتل النملجعفر بن محمد
لا بأس بقتلهن وإحراقهن إذا آذينجعفر بن محمد
لأزداد إيماناً مع إيمانيمجاهد
لأزداد إيماناً مع إيمانيإبراهيم
لم يزل إبراهيم يستغفر لأبيه حتى ماتابن عباس
لما رأى الحوت الذي بعضه في البر وبعضه في البحرابن زيد
ليزداد يقيناً إلى يقينهقتادة
ليزداد يقيناًالضحاك
ليزداد يقينيسعيد بن جبير
ليوفقسعيد بن جبير
ما فعله كبيرهم وما كذب إبراهيمجعفر
ما في القرآن آية أرجى عندي منهاابن عباس
معاذ الله، لم تكن الرسل تظن ذلك بربهاعائشة
نعم، إذا كان يوم القيمة حشر الله الخلايقجعفر الصادق
نعم، ألم يكونوا بشراًسعيد بن جبير
هو الذي تكرهابن مسعود
والله لو أُعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكهاعلي بن أبي طالب
والله ما سرقوا وما كذبأبو جعفر
يا ابن الحسين، أنت الذي تقول: إن يونس بن متىعبد الله بن عمر
يقول إبراهيم لأبيه: اني كنت آمركسعيد بن جبير

فهرس غريب الحديث

(إبراهيم)
(آدر)
(آزر)
(استثنى)
(الجراد)
(الذراع)
(السكِّين)
(القرآن)
(الكثيب)
(المُدية)
(برص)
(بركتك)
(بينا):
(تُسرج)
(جمح)
(ذيخ)
(رِجل جراد)
(رمية بحجر)
(سوأة)
(شفع)
(صكّه)
(ضبع)
(عرياناً)
(عورة)
(غبرة)
(قترة)
(قرصت)
(قرية النمل)
(لأطوفنَّ)
(متن)
(مدرى)
(مصراع)
(ندب)
(نهش)
(يحثي)
(يحنث)
(ينفذهم)
صفحة 496 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الفهرس العام

فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الموضوعالصفحة
المقدمة
الحديث الأول: حديث الشفاعة الطويل
المطلب الأول: ذكر الحديث.
المطلب الثاني: تخريج الحديث.
المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.
المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.
المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
الحديث الثاني: حديث شكِّ إبراهيم وما جاء من ذكرٍ فيه للوط ويوسف عليهم السلام
المطلب الأول: ذكر الحديث.
المطلب الثاني: تخريج الحديث.
المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.
المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.
المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
الحديث الثالث: طلب إبراهيم عليه السلام الشفاعة لأبيه
المطلب الأول: ذكر الحديث.
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
المطلب الثاني: تخريج الحديث.
المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.
المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.
المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
الحديث الرابع: حديث فرار الحجر بثوب موسى؛
المطلب الأول: ذكر الحديث.
المطلب الثاني: تخريج الحديث.
المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.
المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.
المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
الحديث الخامس: ضرب موسى عليه السلام لملك الموت
المطلب الأول: ذكر الحديث.

فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
المطلب الثاني: تخريج الحديث.
المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.
المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.
المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
الحديث السادس: حرق نبيٍّ من أنبياء الله عليهم السلام قرية النمل
المطلب الأول: ذكر الحديث.
المطلب الثاني: تخريج الحديث.
المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.
المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.
المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
الحديث السابع: قراءة داود عليه السلام القرآن قبل أن تسرج دوابه
المطلب الأول: ذكر الحديث.
المطلب الثاني: تخريج الحديث.
المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.
المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.
المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
الحديث الثامن: الخلاف بين داود وسليمان في الحكم على المرأتين
المطلب الأول: ذكر الحديث.
المطلب الثاني: تخريج الحديث.
المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.
المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.
المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
الحديث التاسع: طواف سليمان على نسائه في ليلة واحدة
المطلب الأول: ذكر الحديث.
المطلب الثاني: تخريج الحديث.
المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.
المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.
المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
الحديث العاشر: اغتسال أيوب عليه السلام عرياناً، والجراد من الذهب
المطلب الأول: ذكر الحديث.
المطلب الثاني: تخريج الحديث.
المطلب الثالث: بيان الغريب الواقع في الحديث مع شرح مختصر له.
المطلب الرابع: ذكر الشبه الواردة على الحديث، والردُّ عليها.
المطلب الخامس: ذكر تراجم المحدِّثين المخرِّجين لهذا الحديث الكريم، وبعض الفوائد الفقهية المستنبطة منه.
الخاتمة
النتائج
فهرس الآيات
فهرس الأحاديث
فهرس الآثار
الفهرس العام
الحاشية
داخل هذا الكتاب فقطالبحث في أحاديث الصحيحين المنتقدة الخاصة بالأنبياء عليهم السلام

اكتب كلمتين أو أكثر لعرض النتائج داخل هذا الكتاب.

النسخة المصوّرة — أحاديث الصحيحين المنتقدة الخاصة بالأنبياء عليهم السلامتمرير رأسي متصل