أحاديث الصحيحين المنتقدة الخاصة بالأنبياء عليهم السلامالصفحة المطبوعة 311
وإذا جاز لي أن أنظر نظرة نقدٍ إلى قول كلٍّ من العالمين الجليلين، أرى أن البدر وُفِّق في ثالث نقدٍ له لكلام الكرماني، فالنبيُّ من أنبياء الله عليهم السلام لا يقال في حقِّه أنه ذُمَّ من الله سبحانه وتعالى، وإنما أقصى ما يقال في حقِّه أنه عوتب من الله عز وجل، وفي التنزيل العزيز في حقِّ يونس عليه الصلاة والسلام لَّوْلَآ أَن تَدَٰرَكَهُۥ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِۦ لَنُبِذَ بِٱلْعَرَآءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ(635) فلم يُذمُّ عليه الصلاة والسلام لأن نعمة الله تداركته، وكذا في حقِّ النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى له: ﴿لَّا تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾(636) فهو صلى الله عليه وسلم لم يتخذ إلها آخر وحاشاه من ذلك، فلم يُذمُّ ولم يُخذل صلى الله عليه وآله وسلم
وأما أول تعقّبات البدر العيني للكرماني في كون ما قاله هو من قبيل التخمين، فيقال مثله في تعقب البدر العيني أيضاً، فهو أيضاً قال ما قال من قبيل التخمين، بل إن القول الذي قاله الكرماني في أن هذا كان مشروعاً في شريعة ذلك النبي مناسب جداً، ويؤيِّد هذا أن العتاب إنما جاء على حرقه أكثر من نملة، لا على حرقه النملة التي قرصته، فلو أن أصل التحريق كان ممنوعاً، لعوتب في حرقه النمل جميعاً – التي قرصته وسائر النمل -، لكن العتاب جاء بصيغة: هلا نملة واحدة؟ أي: هلا اكتفيت بحرق النملة الواحدة التي قرصتك، دون أن تأخذ باقي النمل بجريرة النملة الأولى.
وفي هذا يقول القاضي عياض: لكن الله تعالى عتبه على التشفِّي لنفسه بقتله هذه الأمة العظيمة المسبحة بسبب واحدة، ودل أنه لم يأت محظورًا
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.