أحاديث الصحيحين المنتقدة الخاصة بالأنبياء عليهم السلامالصفحة المطبوعة 377
الشبهة الثالثة والردُّ عليها: أن كلا الحكمين لم يكونا ببينة:
وأما الشبهة الثالثة، ومفادها أن ظاهر الحديث يقضي بأن كلاًّ منهما لم يحكما ببيِّنة، فداود عليه الصلاة والسلام قد قضى به للكبرى، من غير دليل، وكذا فعل سليمان عليه الصلاة والسلام حيث قضى به للصغيرة، لمجرد إظهارها الخوف على الطفل، فكيف يحكمان من غير بيّنة؟
فالجواب أن يقال: إن كلاًّ منهما إنما حكم بما توفّر له من قرائن، أما الكبيرة فلعلّه قد ظهر منها ما يرجّح كونه ابنها، أو كان الولد في يدها، وهذا كافٍ ابتداءً في ادعاء المِلك، والظاهر أن الصغيرة لم تكن صاحبة بيان، فلم تقدر أن تخلّص ابنها من الكبيرة، وقال بعضهم: إن الحكم للكبيرة هو الذي كان مستقراً بشريعة داود عليه الصلاة والسلام ، ورُدَّ بكونه وصفاً غير مؤثِّرٍ في الحكم، وسيأتي ذكر ذلك، لكن قبله لا بد من الإشارة إلى أن أي نبيٍّ من أنبياء الله عليهم السلام قد يحكم بالظاهر، وقد لا يوافق حكمه الصواب، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك حينما قال: إنكم تختصمون إليَّ، ولعلَّ بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق أخيه شيئاً، بقوله، فإنما أقطع له قطعة من النار، فلا يأخذها(751) .
فإن رُدّ هذا الحديث أيضاً بدعوى أن الأنبياء عليهم السلام يعلمون الغيب، فلا يخفى عليهم الصادق من الكاذب، قلنا: إن كانت هذه الدعوى صحيحة، فكيف خفي على داود عليه الصلاة والسلام أن الله سينسخ ما أراد أن يحكم
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.