أحاديث الصحيحين المنتقدة الخاصة بالأنبياء عليهم السلامالصفحة المطبوعة 76
وأما القائلون بعصمة أنبياء الله عليهم السلام من أئمتنا، فهم ساروا في طريق مطَّرد غير متناقض، والتزموا لوازم قولهم هذا في سائر النصوص الشرعية، وسواءٌ أصابوا في ذلك أم أخطأوا، فيبقى عملهم قائماً على علم نافع واطلاع واسع، وهذه وقفة سريعة لعرض ما قيل في عصمة الأنبياء يجلِّيها لنا الإمام القرطبي شارح صحيح مسلم، إذ يقول بعد نقله الخلاف في جواز وقوع المعاصي من الأنبياء عليهم السلام، وبيانه أن الذي ينبغي أن يقال بأنهم معصومون مما يناقض مدلول المعجزة عقلاً كالكفر بالله تعالى، والكذب عليه، والتحريف في التبليغ والخطأ فيه، ومعصومون كذلك من الكبائر ومن الصغائر التي تزري بفاعلها، وتسقط مروءته، إلى أن وصل إلى الصغائر المعروفة والتي لا تزري بصاحبها، فقال رحمه الله: واختلف أئمتنا في وقوع الصغائر منهم، فمن قائل بالوقوع، ومن قائل: بمنع ذلك، والقول الوسط في ذلك: أن الله تعالى قد أخبر بوقوع ذنوب من بعضهم، ونسبها إليهم، وعاتبهم عليها، وأخبروا بها عن نفوسهم، وتنصّلوا منها، واستغفروا وتابوا، وكلُّ ذلك ورد في مواضع كثيرة لا تقبل التأويلات بجملتها، وإن قبل ذلك آحادها، لكن الذي ينبغي أن يقال: إن الذي أضيف إليهم من الذنوب ليس من قبيل الكبائر، ولا ممّا يزري بمناصبهم على ما تقدّم، ولا كثر منهم وقوع ذلك، وإنما تلك الأمور التي وقعت منهم وعوتبوا عليها، يخفُّ أمرُها بالنسبة إلى غيرهم، وإنما عدِّدت عليهم، وعوتبوا عليها بالنسبة إلى مناصبهم وإلى علوِّ أقدارهم، إذ قد يؤاخَذ الوزير بما يثاب عليه السائس، ولقد أحسن الجنيد حيث قال: حسنات الأبرار سيئات المقربين،