أحاديث الصحيحين المنتقدة الخاصة بالأنبياء عليهم السلامالصفحة المطبوعة 266
تساوي شيئاً أمام قوة ملك من الملائكة، فهذا حقٌّ، لو كان الملَك على صورته وهيئته، أمَا وقد جاءه على صورة بشر، فقوته في هذه الحال قوة بشرية، مكنّت موسى عليه الصلاة والسلام من ضربه، وموسى عليه الصلاة والسلام عنده من القوة ما يكفي لضرب بشرٍ مثله، فهو الذي قتل رجلاً من وكزةٍ واحدةٍ، وهو الذي سقى لامرأتين ضعيفتين وسط جمع من الرجال الأقوياء، وهو الذي ألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجرُّه إليه، وضرب البحر ففلقه بقدرة الله، فما حصل له مع من اقتحم عليه بيته، إنما هو صورة من صور قوته عليه الصلاة والسلام وشدَّته في الحقِّ.
ومما يزيد في تأكيد عدم علم موسى عليه الصلاة والسلام أن الذي ضربه هو ملك الموت، أنه لما أتاه في المرة الثانية يعرض عليه أن يعيش سنين بعدد شعر الثور، لم يَعتدِ عليه، بل اختار الموت في الوقت، وهذا يدفع أيضاً ما هوّش به عبدُ الحسين من كون هذا الحديث يظهر كراهية موسى عليه الصلاة والسلام للموت، بل الناظر المنصف يرى بوضوح أن موسى عليه الصلاة والسلام لم يكن كارهاً للموت أبداً، بل سارع لقبوله وتقديمه على البقاء حياً لسنوات طويلة لا يعلم منتهاها إلا الله عز وجل، وتخيير ملك الموت لموسى عليه الصلاة والسلام في المرة الثانية، لم يكن خاصاً به من بين الأنبياء عليهم السلام، بل هو عام فيهم كلّهم، وهو ما أخبر به نبينا صلى الله عليه وآله وسلم واختار ما اختاره موسى عليه الصلاة والسلام فعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «ما من نبي يمرض إلا خُيِّر بين الدنيا والآخرة»، وكان في شكواه الذي قبض فيه، أخذته بُحَّة شديدة،