مكتبة المبرّةالباحث الذكي
شهيد المحراب الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنهالقراءة المتصلة
صفحة 13
حجم النص28
صفحة 1 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 2 · ورقة PDF 2رابط الصفحة المنفردة

فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثناء النشر

آل عيسى ، عبد السلام .

شهيد المحراب الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه / عبد السلام آل عيسى. – ط 1 . –

الكويت: مبرة الآل والأصحاب ، 2009 .

177 ص ؛ 24 سم . – (سيرة الآل والأصحاب ؛ 6)

ردمك: 7-5-955-99906-978

1- الصحابة والتابعون 2- عمر بن الخطاب 3- الخلفاء الراشدون

أ. العنوان ب- السلسلة

رقم الإيداع : 549/2009

ردمك: 7-5-955-99906-978

صفحة مطبوعة 3 · ورقة PDF 3رابط الصفحة المنفردة

حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب

إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية

الطبعة الأولى

1431هـ / 2010م

مبرة الآل والأصحاب

هاتف: 22560203 – 22552340 فاكس: 22560346

ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت

E-mail: almabarrh@gmail.com

www.almabarrah.net

بسم الله الرحمن الرحيم

الفهرس

فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
مقدمة .................................................................13
صفحة مطبوعة 4 · ورقة PDF 4رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 5 · ورقة PDF 5رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 6 · ورقة PDF 6رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 7 · ورقة PDF 7رابط الصفحة المنفردة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
نشأة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصفاته الخَلْقية والخُلُقية .....................15
تمهيد ..................................................................17
اسمه ونسبه رضي الله عنه .......................................................17
كنيته رضي الله عنه ..............................................................18
لقبه رضي الله عنه ...............................................................19
مولده رضي الله عنه .............................................................21
صفاته الخَلقية .........................................................21
حياته رضي الله عنه في الجاهلية ..................................................24
عمله رضي الله عنه بالرعي والتجارة .............................................27
قيامه رضي الله عنه بالسفارة .....................................................29
إسلامه رضي الله عنه ...........................................................30
إيذاء قريش لعمر رضي الله عنه بعد إسلامه ......................................34
هجرته رضي الله عنه ............................................................36
عمر رضي الله عنه بعد الإسلام ..................................................41
اجتهاده رضي الله عنه في الطاعات ...............................................42
علمه وفقهه رضي الله عنه .......................................................44
البيت العمري المبارك .................................................50
زوجاته رضي الله عنه ...........................................................50
أبناؤه رضي الله عنه .............................................................54
بناته رضي الله عنه ...............................................................57
عناية عمر رضي الله عنه بأسرته ..................................................59
مواليه رضي الله عنه .............................................................61
إماؤه رضي الله عنه ..............................................................64
حياة عمر رضي الله عنه المعيشية .................................................64
منزله رضي الله عنه ..............................................................64
عمله رضي الله عنه بالتجارة .....................................................65
طعامه وشرابه رضي الله عنه .....................................................66
من آداب طعامه رضي الله عنه ....................................................71
لباسه رضي الله عنه .............................................................
صفحة مطبوعة 5 · ورقة PDF 8رابط الصفحة المنفردة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
74
تجمُّله وتنظُّفه رضي الله عنه ......................................................77
نومه رضي الله عنه ..............................................................78
مراكبه رضي الله عنه ............................................................79
سلاحه رضي الله عنه ............................................................80
صفات عمر رضي الله عنه الخُلقية................................................81
1- شدته في الدين وغيرته على محارم الله .............................81
2- قبول عمر رضي الله عنه للحق وسرعة رجوعه إليه .........................82
3- حبه للذكر وسماع الموعظة .......................................83
4- خشيته رضي الله عنه لله عز وجل ...........................................84
5- رقة قلبه وخشوعه رضي الله عنه ...........................................87
6- ورعه رضي الله عنه .......................................................87
7- زهده رضي الله عنه ........................................................88
8- صبره رضي الله عنه .......................................................88
9- هيبته رضي الله عنه ........................................................89
10- كراهيته المدح والثناء ...........................................89
11- كرمه رضي الله عنه ......................................................90
12- شجاعته رضي الله
صفحة مطبوعة 48 · ورقة PDF 9رابط الصفحة المنفردة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
عنه91
13- تواضعه رضي الله عنه ...................................................91
14- مرحه رضي الله عنه .....................................................95
فضائل عمر الفاروق رضي الله عنه ..............................................99
مكانته عند الله عز وجل ...............................................99
1- نزول القرآن الكريم بموافقة رأيه رضي الله عنه ............................99
2- تبشير الله عز وجل لعمر رضي الله عنه بالجنة ...............................103
منزلة عمر رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم...........................................106
أولاً: أحاديث تدل على محبة النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه........................106
ثانياً: أحاديث تدل على موافقة النبي صلى الله عليه وسلم لرأي عمر رضي الله عنه وقوله..........108
1- مشروعية الأذان..................................................108
2- عدم تبشير الناس بفضل لا إله إلا الله لئلا يتكلوا ..................108
3-
صفحة مطبوعة 901 · ورقة PDF 10رابط الصفحة المنفردة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
جمع أزواد الجيش والدعاء عليها بالبركة يوم تبوك109
4- إعطاء أبي قتادة رضي الله عنه «سلب قتيله يوم حنين» .......................110
ثالثاً: أحاديث تدل على كمال دينه وقوة إيمانه وفرار الشيطان منه ......111
رابعاً: أحاديث تدل على سعة علمه وأن الحق يؤيده .....................113
شهادة الصحابة رضي الله عنهم لعمر رضي الله عنه بالفضل ..................................115
شهادة التابعين ومَن بعدهم لعمر رضي الله عنه بالفضل ..........................121
الفاروق رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين .........................123
حياة عمر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم............................................125
عمر المحب والموقر للنبي صلى الله عليه وسلم..........................................125
الفاروق رضي الله عنه مستشاراً للنبي صلى الله عليه وسلم.......................................131
عمر رضي الله عنه عاملاً للنبي صلى الله عليه وسلم وأميناً على أموال المسلمين....................131
عمر رضي الله عنه كاتباً للوحي ..................................................132
عمر رضي الله عنه قاضياً ومفتياً ..................................................132
عمر رضي الله عنه مجاهداً مع النبي صلى الله عليه وسلم..........................................133
حياة عمر مع أبي بكر الصديق رضي الله عنهما....................................142
عمر رضي الله عنه موقراً للصديق.................................................142
موقفه رضي الله عنه من خلافة الصديق...........................................143
عمر رضي الله عنه وقتال المرتدين.................................................147
عمر رضي الله عنه وجمع القرآن...................................................148
عمر رضي الله عنه مستشاراً للصديق ومعاوناً له...................................150
الفاروق مع عثمان وعلي رضي الله عنهم ............................................152
1- بعض شواهد العلاقة بين عمر وعثمان رضي الله عنهما......................152
2-
صفحة مطبوعة 251 · ورقة PDF 11رابط الصفحة المنفردة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
بعض شواهد العلاقة بين عمر وعلي رضي الله عنهما........................155
عمر الفاروق شهيداً ..................................................160
حفظ الله تعالى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في قبره وعدم أكل الأرض لجسده ..173
الخاتمة .................................................................175
المراجع ................................................................177
صفحة 12 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 13 · ورقة PDF 13رابط الصفحة المنفردة

مقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فهذا الكتاب الذي بين يديك أخي القارئ الكريم وهو «شهيد المحراب الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه» عبارة عن اختصار من الكتاب القيِّم «دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه وسياسته الإدارية» من تأليف الدكتور عبد السلام بن محسن آل عيسى.

وقد امتاز هذا الكتاب بالتحقيق العلمي للروايات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه ودراسة أسانيدها والحكم عليها، إلا أنه اتسم بالطول لطبيعة المادة العلمية وكثرة الآثار المروية في شخصية عمر رضي الله عنه، وقد ارتأينا في مركز البحوث والدراسات في مبرة الآل والأصحاب اختصار الكتاب اختصاراً يتناسب مع طبقات القراء جميعاً، وقد اقتصرنا في هذا الاختصار على سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصفاته وفضائله واستشهاده فقط؛ ليتسنى لكل قارئ التعرف على هذه الشخصية الفذة والعظيمة في تاريخ الإسلام والمسلمين.

صفحة مطبوعة 14 · ورقة PDF 14رابط الصفحة المنفردة

والله نسأل أن يجزي المؤلف الشيخ الدكتور عبد السلام آل محسن خير الجزاء على ما بذل وقدَّم، وأن يشملنا في مركز البحوث والدراسات بالمبرة بعفوه وفضله ورحمته، وأن يجعلنا جميعاً ممن يوالي النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه ويحبهم ويذب عنهم ويظهر محاسنهم، كما نسأله تعالى أن يجمعنا بهم في مستقر رحمته، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مركز البحوث والدراسات

صفحة مطبوعة 15 · ورقة PDF 15رابط الصفحة المنفردة

نشأة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وصفاته الخَلقية والخُلقية

تمهيد

إن التعرف على شخصية ما واكتشافها، ومعرفة ما امتازت به عن غيرها يكون من

صفحة مطبوعة 16 · ورقة PDF 16رابط الصفحة المنفردة

صفحة مطبوعة 17 · ورقة PDF 17رابط الصفحة المنفردة

خلال النظر في نشأتها وصفاتها وأخلاقها وفضائلها، وشخصية الفاروق عمر رضي الله عنه من أعظم الشخصيات في تاريخ الإسلام والمسلمين، وحتى تعلم أخي القارئ الحبيب مدى صدق ما أقول، تعال معي في سياحة مباركة حول هذا الرجل العظيم لنتعرف علىه عن قرب، كيف كانت حياته، وما هي صفاته، ولماذا تميَّز عن غيره من أبناء عصره؟ كل ذلك وغيره سيكون مدار حديثنا في الورقات القادمة.

اسمه ونسبه رضي الله عنه

هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قرط بن رزاح ابن عدي بن كعب بن لؤي القرشي العدوي رضي الله عنه(1) .

وأمّه: حنتمة بنت هاشم بن المغيرة المخزومية(2) .

وجاء في رواية أنها حنتمة بنت هشام(3) . والصواب الأول.

صفحة مطبوعة 18 · ورقة PDF 18رابط الصفحة المنفردة

كنيته رضي الله عنه

أمّا كنيته رضي الله عنه فقد اشتهر بـ «أبي حفص»، وقد وردت عدة أخبار تفيد بمجموعها أن الذي كناه بهذا النبي صلى الله عليه وسلم.

فمن ذلك: ما روي من أنه صلى الله عليه وسلم قال يوم بدر: «إني قد عرفت أن رجالاً من بني هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرهاً،لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقي منكم أحداً من بني هاشم فلا يقتله، ومن لقي العباس بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يقتله، فإنه إنما أخرج مستكرهاً» فقال أبو حذيفة: أنقتُل آباءنا، وأبناءنا، وإخواننا، وعشيرتنا، ونترك العباس! والله لئن لقيته لألحمنه السيف. فبلغت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لعمر بن الخطاب: «يا أبا حفص- قال عمر: إنه لأول يوم كناني فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي حفص- أيضرب وجه عم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف»(4) .

ومنها: أن عمر سمع صوت امرأة تبكي على ميت لها، فنهاها عمر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعها يا أبا حفص فإن العهد قريب، والعين باكية»(5) .

صفحة مطبوعة 19 · ورقة PDF 19رابط الصفحة المنفردة

لقبه رضي الله عنه

وأمّا لقبه رضي الله عنه فهو«الفاروق»، وهو رضي الله عنه جدير بهذا اللقب فإنه ممن فرق الله به بين الإسلام والكفر بعد إسلامه وبعد توليه الخلافة، وظهر به الإسلام وخفقت راياته في أرجاء المعمورة.

وقد اختلف فيمن لقّبه بهذا اللقب، فقيل: إن الذي لقّبه بذلك هم أهل الكتاب. قال الزهري رحمه الله: وكان المسلمون يؤثرون ذلك من قولهم ولم يبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من ذلك شيئاً(6) .

وقيل: إن الذي لقّبه بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وإنه قال: «إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وهو الفاروق فرق الله به بين الحق والباطل»(7) .

وكلتا الروايتين لم تثبتا، ولعل الصواب أن الذي لقّبه بذلك هم المسلمون؛ لأن الإسلام عز وظهر بإسلامه كما ثبت ذلك في الصحيح(8) ولا مانع أن يكون أهل الكتاب لقبوه بذلك لما رأوا من عدالته وظهور الحق على يديه.

ومن ألقابه رضي الله عنه بعد الخلافة «أمير المؤمنين» وهو أول من لقب بهذا اللقب، وسبب ذلك: أن عمر رضي الله عنه كتب إلى عامله بالعراق: أن ابعث إليّ برجلين جلدين نبيلين، أسألهما عن العراق وأهله، فبعث إليه صاحب العراق بلبيد بن ربيعة، وعدي بن

صفحة مطبوعة 20 · ورقة PDF 20رابط الصفحة المنفردة

حاتم، فقدما المدينة فأناخا راحلتيهما بفناء المسجد ثم دخلا المسجد فوجدا عمرو بن العاص رضي الله عنه، فقالا له: استأذن لنا على أمير المؤمنين عمر، فوثب عمرو فدخل على عمر، فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال له عمر: ما بدا لك في هذا الاسم يا ابن العاص، لتخرجن مما قلت. قال: نعم قدم لبيد بن ربيعة وعدي بن حاتم فقالا لي: استأذن لنا على أمير المؤمنين. فقلت: أنتما والله أصبتما اسمه إنه الأمير ونحن المؤمنون. فجرى الكتاب من ذلك اليوم(9)

وقيل: إنه لقب بذلك بعد اجتماع المسلمين وتشاورهم ثم اتفاقهم بعد ذلك على أن يدعوا عمر بأمير المؤمنين وذلك بعد أن كان يقال لأبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستثقلوا أن يقولوا لعمر خليفة خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم(10) .

وقيل: إن عمر رضي الله عنه هو الذي أشار بذلك على أصحابه وقال لهم: أنتم المؤمنون وأنا أميركم(11) .

وذكر أن أول من حيَّا عمر بن الخطاب «بأمير المؤمنين» هو المغيرة بن شعبة(12) .

ولا مانع أن يكون المسلمون قد اجتمعوا واتفقوا على تلقيب عمر رضي الله عنه بهذا اللقب، بعد أن لقبه به المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، ثم قدم الرجلان من أهل العراق ولقبا عمر أيضاً بهذا اللقب فأقرّ عمر هذا، وقال: أنتم المؤمنون وأنا أميركم.

صفحة مطبوعة 21 · ورقة PDF 21رابط الصفحة المنفردة

ولقب عمر أمير المؤمنين مذكور في كتب أهل الكتاب، فقد جاء رجل من أهل الكتاب إلى عمر فقال: السلام عليك يا ملك العرب، فقال عمر رضي الله عنه: وعليك، أكذاك تجده في كتابكم؟ أليس تجد نبياً، ثم خليفة ثم أمير المؤمنين، ثم الملوك،. قال بلى(13) .

مولده رضي الله عنه

تعددت الأخبار في تحديد العام الذي ولد فيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقيل: إنه ولد بعد عام الفيل بثلاثة عشر عاماً(14) .

وعام الفيل هو العام الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى هذا يكون النبي صلى الله عليه وسلم أسن من عمر بثلاثة عشر عاماً، وهذا يشهد له ما ثبت في الصحيح من أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر ماتوا وهم أبناء ثلاث وستين(15) . حيث إن عمر رضي الله عنه مكث بعد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر عاماً فيكون عمره يوم وفاته مساوياً لعمر النبي صلى الله عليه وسلم.

وقيل غير ذلك من الأقوال ولكنها لا تصح.

صفاته الخَلقية

لقد كانت صفات عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخَلقية صفاتٍ دالة على قوته وشدته وحزمه وصرامته وهيبته ووقاره رضي الله عنه. فمن صفاته رضي الله عنه أنه كان آدم اللون(16) .

صفحة مطبوعة 22 · ورقة PDF 22رابط الصفحة المنفردة

وذكرت بعض الأخبار: أن عمر رضي الله عنه كان أبيض اللون، ولكن الأخبار التي في صفة الأدمة والسمرة وردت من طرق ثابتة.

ووفَّق البعض بين ما ورد من صفة بياض لون عمر بن الخطاب وبين ما ورد من سمرة لونه بما ذكرته بعض الروايات من أن عمر كان أبيض اللون ولكن لونه تغيَّر عام الرمادة فصار أسمر بسبب الجهد وقلة الطعام(17) .

وأقول: ليس هناك ما يمنع أن يكون عمر رضي الله عنه في شبابه أبيض اللون لو ثبت ما ورد في صفة البياض له، ثم تغير لونه لما كبر بسبب أعباء الخلافة، وما كان يقوم به من تفقد لأحوال رعيته، ومشيه في شدة الرمضاء، وما كان يناله من التعب والجهد والمشقة، إضافة إلى ما عرف عنه من زهد في الطعام والشراب وغيرهما من متع الحياة.

وكان رضي الله عنه أصلع الرأس(18) ، طويل القامة(19) ، وكان رضي الله عنه ضخم الجسم(20) ، بعيد ما بين المنكبين(21) .

وكان جهوري الصوت((22) ، وكان إذا غضب فتل شاربه ونفخ((23) ، وكان

أعسر يسراً(24) وكان رضي الله عنه قوي الجسم والبنية(25) ، وكان رضي الله عنه ذا لحية عظيمة(26) .

صفحة مطبوعة 23 · ورقة PDF 23رابط الصفحة المنفردة

ومما روي في صفات عمر الخَلقية أنه كان: يسرع في مشيته، وكان في رجليه روح(27) ، وأنه كان كثير الشيب(28) ، وقال: أسرع إليّ الشيب من قبل أخوالي(29) .

وأنه كان رجلاً أهلب(30) ، فكان يحلق عنه الشعر(31) ، وأنه كان بفخذه شامة سوداء(32) .

صفحة مطبوعة 24 · ورقة PDF 24رابط الصفحة المنفردة

حياته رضي الله عنه في الجاهلية

نشأ عمر رضي الله عنه بمكة وتربى في ربوع بطاحها بين أهله وأبناء عشيرته بني عدي بن كعب، وشبَّ كغيره من فتيان قريش وساداتها يدين بدين الوثنية، بل إنه ممن قاوم دعوة التوحيد التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، واضطهد مَن آمن بها من بني عدي بن كعب، فكان ممن نالهم إيذاء عمر على الإسلام أقرب الناس إليه أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل، وأم سعيد فاطمة بنت بعجة رضي الله عنهم جميعاً(33) .

والناظر في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وما تعرض له السابقون إلى الإسلام من التعذيب يجد أن هذا التعذيب إنما كان يقع من أشراف قريش وساداتها على من آمن من قومهم.

وكذلك فإن صرامة عمر رضي الله عنه وقوة جسمه وبأسه وشدته مع تمسكه بالوثنية كان لها دور في تعذيبه للمسلمين السابقين، وذلك قبل أن يدرك بفضل الله ثم بما أوتي من رجاحة رأيٍ وعقلٍ صدق دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وبطلان ما هو عليه من الشرك، فأسلم وتحولت صرامته وقوته على أعداء الله، وفي هذا دلالة على مكانة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قريش وفي بني عدي بن كعب بالأخص.

ومن مساوئ الجاهلية التي ذكر أن عمر رضي الله عنه اتصف بها في جاهليته، تعاطي الخمور وشربها، فقد روي عنه قوله: وإني كنت لأشرب الناس لها في الجاهلية(34) .

صفحة مطبوعة 25 · ورقة PDF 25رابط الصفحة المنفردة

ولا شك أن العرب في الجاهلية عرف عنهم حبّ الخمر والتلذّذ بشربها، وعدم مفارقتها لهم في حضرهم أو سفرهم وفي نواديهم وحفلاتهم، ولا تكاد تخلو أشعارهم من التغني بها وذكر أوصافها، ومما يدل على تأصل حب الخمر وشربها في نفوس العرب أن الله عز وجل لم يحرمها دفعة واحدة وإنما كان تحريمها بالتدرج حتى تعتاد النفوس ذلك. وكان عمر رضي الله عنه بعد إسلامه من أبعد الناس عن شرب الخمر وأكثرهم كراهية لها. يدعو الله ويقول: «اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً» حتى نزل قوله تعالى: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَٰمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَٰنِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَٰوَةَ وَالْبَغْضَآءَ فِى الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَوٰةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾(35) فقال عمر رضي الله عنه: «انتهينا انتهينا»(36) .

ومنها: وأد البنات، وهي عادة عُرف بها العرب، لتفضيلهم الذكور على الإناث فهم يعتمدون على الذكور في الصيد والغزو والحرب والتجارة وغيرها. أما البنات فلم يكونوا يعتمدون عليهن في ذلك.

وقد ذكر الله عز وجل كراهيتهم للإناث في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَىٰ ظَلَّ وَجْهُهُۥ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَٰرَىٰ مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوٓءِ مَا بُشِّرَ بِهِۦٓ أَيُمْسِكُهُۥ عَلَىٰ هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُۥ فِى التُّرَابِ أَلَا سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾(37) .

صفحة مطبوعة 26 · ورقة PDF 26رابط الصفحة المنفردة

وكان الرجل منهم يئد ابنته فيحفر لها الحفرة ثم يضعها فيها وهي حية ثم يهيل عليها التراب، وشاعت هذه العادة في تميم وقيس وهذيل، وكندة، وبكر وقريش، وكانوا يئدون البنات خشية العار إذا كبرت البنات ثم تعرضن للسبي، وكذلك خشية الفقر.

وأما عمر رضي الله عنه فقد ذكر أنه وأد ابنة له في الجاهلية، ولم أجد من روى ذلك عن عمر فيما اطلعت عليه من المصادر ولكني وجدت الأستاذ عباس محمود العقاد أشار إليها في كتابه عبقرية عمر، فقال: وخلاصتها: أنه رضي الله عنه كان جالساً مع بعض أصحابه إذ ضحك قليلاً، ثم بكى، فسأله من حضر؟ فقال: كنا في الجاهلية نصنع صنماً من العجوة، فنعبده، ثم نأكله، وهذا سبب ضحكي، أما بكائي فلأنه كانت لي ابنة، فأردت وأدها، فأخذتها معي، وحفرت لها حفرة، فصارت تنفض التراب عن لحيتي، فدفنتها حية...

وقد شكَّك العقاد في صحة هذه القصة؛ لأن الوأد لم يكن مشتهراً في بني عدي ولا أسرة الخطاب التي عاشت منها فاطمة أخت عمر وحفصة أكبر بناته، وهي التي كني أبو حفص باسمها، وقد وُلدت حفصة قبل البعثة بخمس سنوات فلم يئدها، فلماذا وأد الصغرى المزعومة..! لماذا انقطعت أخبارها فلم يذكرها أحد من إخوانها وأخواتها، ولا أحد من عمومتها وخالاتها(38) .

وعلى الرغم من تمسك عمر رضي الله عنه بالوثنية ومقاومة دعوة التوحيد وأتباعها، وما روي من تعاطيه الخمر وغيرها من عادات الجاهلية السيئة إلا أنه كان ممن يعظَّم شعائر الله ويعرف لها فضلها، وهذا مما بقي من ملة الخليل إبراهيم عليه السلام على الرغم

صفحة مطبوعة 27 · ورقة PDF 27رابط الصفحة المنفردة

من تفاوته في النفوس، فقد كان القرشيون في الجاهلية يعظمون البيت الحرام، ويطوفون به ويحجون ويقفون بعرفة والمزدلفة ويهدون الهدي(39)

فقد سأل عمر رضي الله عنه بعد إسلامه النبي صلى الله عليه وسلم عن نذر كان نذره في الجاهلية وهو أنه نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يوفي بنذره(40) .

عمله رضي الله عنه بالرعي والتجارة

إن الاشتغال بالرعي والتجارة من المهن الفاضلة التي عرفت عند العرب في الجاهلية والإسلام، وكان أفضل الخلق نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ممن عمل برعي الغنم. قال صلى الله عليه وسلم:«كنت أرعاها على قراريط(41) لأهل مكة»(42) .

وأما التجارة فقد اشتهرت بها قريش، وأصبحت من قبائل العرب التي امتازت على غيرها بالغنى والثراء الذي كان من مظاهره الثروة المالية من الذهب والفضة وغيرها من الأقمشة والعطور إضافة إلى الإبل والغنم والخيل.

ولذلك فقد ظهر في قريش من يمتلك ثروات هائلة كالوليد بن المغيرة، وعبد الله ابن أبي ربيعة، وعبد الله بن جدعان، وأبي سفيان بن حرب، وهاشم بن عبد مناف.

أما عمر رضي الله عنه فقد عاش في صغره حياة الفقر والعوز وشدة العيش وقسوته، وهي حياة تجعل الفرد أكثر مقاومة للصعاب، وأشد تحملاً للمسؤولية، وأبعد عن حب الدعة والراحة والترف، وها هو يصف حياة الفقر والشدة التي كان يعيشها في الجاهلية وعمله بالرعي، حيث مرَّ رضي الله عنه بشعب ضجنان(43) ووقف ووقف الناس. فقال:

صفحة مطبوعة 28 · ورقة PDF 28رابط الصفحة المنفردة

لقد رأيتني في هذا المكان، وأنا في إبل الخطاب، وكان فظاً غليظاً، أخبط عليها مرة وأحطب أخرى، ثم أصبحت اليوم يضرب الناس بجنباتي ليس فوقي منهم أحد، ثم تَمثَّل هذا البيت:

لا شيء مما ترى تبقى بشاشتهيبقى الإله ويفنى المال والولد((44) 44 )

واشتغل عمر رضي الله عنه في الجاهلية بالتجارة، فقد كان رضي الله عنه عند هجرته يمتلك ثروة كبيرة، فقد قال رضي الله عنه لعياش بن أبي ربيعة حينما أراد الرجوع إلى مكة بعد هجرته: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالاً، فلك نصف مالي، ولا تذهب معهما، أي مع أبي جهل والحارث بن هشام(45) .

صفحة مطبوعة 29 · ورقة PDF 29رابط الصفحة المنفردة

قيامه رضي الله عنه بالسفارة

روي أن عمر رضي الله عنه كانت إليه السفارة في الجاهلية، وذلك أن قريشاً كانوا إذا وقعت بينهم حرب، أو بينهم وبين غيرهم بعثوه سفيراً، وإن نافرهم منافر(46) أو فاخرهم مفاخر رضوا به، وبعثوه منافراً ومفاخراً(47) ً( .

وهذا الخبر وإن ورد من طرق ضعيفة إلا أن احتمال تكليف قريش عمر بهذه المهمة العظيمة والهامة أمر وارد جداً، وذلك لما له من مكانة عالية ومنزلة رفيعة في قريش، وما كان لأبيه وجده من مكانة، ولما تميَّز به رضي الله عنه من صفات خَلقية قوية وخُلقية حميدة، وما اتصف به من رجاحة العقل وصواب الرأي.

إسلامه رضي الله عنه

صفحة مطبوعة 30 · ورقة PDF 30رابط الصفحة المنفردة

ذكر ابن إسحاق رحمه الله تعالى إسلام عمر رضي الله عنه بعد الهجرة الأولى إلى الحبشة والتي كانت في شهر رجب من السنة الخامسة للبعثة(48) .

وروي أن إسلامه رضي الله عنه كان في السنة السادسة من البعثة(49) .

وثبت في الصحيح(50) أن ابن عمر رضي الله عنهما شهد ما تعرض له عمر من ضرب قريش له لما أسلم وعقل بذلك، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما ولد بعد البعثة بسنتين لأن عمره كان يوم غزوة أُحد أربعة عشر عاماً، وكانت أُحد بعد البعثة بستة عشر عاماً، فإذا كان إسلام عمر رضي الله عنه في السنة الخامسة من البعثة يكون عمر ابن عمر ثلاث سنوات، وهو سن لا يعقل فيه الطفل غالباً، والذي أرى أنه أقرب للصواب أن يكون إسلام عمر في السنة السادسة أو السابعة.

أما كيفية إسلامه رضي الله عنه فقد وردت نصوص عديدة مختلفة من طرق ضعيفة وهي بمجموعها تفيد أن إسلام عمر رضي الله عنه كان بسبب سماعه القرآن وتأثره به، وأما الروايات فأذكر منها اثنتين، أبدأ بأشهرهما:

صفحة مطبوعة 31 · ورقة PDF 31رابط الصفحة المنفردة

الرواية الأولى:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خرج عمر متقلداً السيف، فلقيه رجل من بني زهرة، قال: أين تعمد يا عمر؟ فقال: أريد أن أقتل محمداً، قال: وكيف تأمن في بني هاشم وبني زهرة، وقد قتلت محمداً؟ فقال عمر: ما أراك إلا قد صبوت وتركت دينك الذي أنت عليه، قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر؟ إن ختنك وأختك قد صبوا وتركا دينك الذي أنت عليه، فمشى عمر ذامراً حتى أتاهما وعندهما رجل من المهاجرين يقال له خباب، فلما سمع خباب حسَّ عمر توارى في البيت، فدخل عليهما، فقال: ما هذه الهينمة(51) التي سمعتهاعندكم؟ قال: كانوا يقرؤون«طه»، فقالا: ما عدا حديثاً تحدثناه بيننا. قال: فلعلكما قد صبوتما، فقال له ختنه: أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟

قال: فوثب عمر على ختنه، فوطئه وطئاً شديداً، فجاءت أخته فدفعته عن زوجها فنفحها بيده نفحة(52) فدمي وجهها، فقالت وهي غضبى: يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله؟ فلما يئس عمر، قال: أعطوني هذا الكتاب الذي عندكم فأقرأه، قال: وكان عمر يقرأ الكتب، فقالت أخته: إنك رجس، ولا يمسه إلا المطهرون، فقم فاغتسل أو توضأ، قال: فقام عمر فتوضأ ثم أخذ الكتاب، فقرأ «طه» حتى انتهى إلى قوله:﴿ إِنَّنِىٓ أَنَا اللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَاعْبُدْنِى وَأَقِمِ الصَّلَوٰةَ لِذِكْرِىٓ﴾(53) فقال عمر: دلوني على محمد، فلما سمع خباب قول عمر خرج من البيت، فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم لك

صفحة مطبوعة 32 · ورقة PDF 32رابط الصفحة المنفردة

ليلة الخميس:«اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام»، قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الدار التي في أصل الصفا. فانطلق عمر حتى أتى الدار. قال: وعلى باب الدار حمزة وطلحة وأناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى حمزة وَجل القوم من عمر، قال حمزة: نعم فهذا عمر، فإن يرد الله بعمر خيراً يسلم، ويتبع النبي صلى الله عليه وسلم، وإن يرد غير ذلك يكون قتله علينا هيناً، والنبي صلى الله عليه وسلم داخل يوحى إليه، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه، وحمائل السيف، فقال:«أما أنت منتهياً يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة، اللهم هذا عمر بن الخطاب اللهم أعز الدين بعمر بن الخطاب»، فقال عمر: أشهد أنك رسول الله، فأسلم، وقال: اخرج يا رسول الله(54)

الرواية الثانية :

قال عمر: كنت للإسلام مباعداً، وكنت صاحب خمر في الجاهلية أحبها وأسرُّ بها، وكان لنا مجلس يجتمع فيه رجال من قريش بالحزورة(55) عند دور آل عمر بن عبد بن عمران المخزومي، قال: فخرجت ليلة أريد جلسائي أولئك في مجلسهم ذلك، قال:

صفحة مطبوعة 33 · ورقة PDF 33رابط الصفحة المنفردة

فجئتهم فلم أجد فيه منهم أحداً، فقلت: لو أني جئت فلاناً الخمَّار وكان بمكة يبيع الخمر، لعلي أجد عنده خمراً فأشرب منها، قال: فخرجت فجئته فلم أجده، فقلت: لو أني جئت الكعبة فطفت بها سبعاً أو سبعين، قال: فجئت المسجد أريد أن أطوف بالكعبة، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي، وكان إذا صلى استقبل الشام وجعل الكعبة بينه وبين الشام، وكان مصلاه بين الركنين: الركن الأسود، والركن اليماني، فقلت حين أتيته: والله لو أني استمعت لمحمد الليلة حتى أسمع ما يقول، فقلت: لئن دنوت منه أستمع منه لأروعنه، فجئت من قبل الحجر، فدخلت تحت ثيابها فجعلت أمشي رويداً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي يقرأ القرآن، حتى قمت في قبلته مستقبله ما بيني وبينه إلا ثياب الكعبة، قال: فلما سمعت القرآن رقَّ له قلبي، فبكيت ودخلني الإسلام، فلم أزل قائماً في مكاني حتى قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته، ثم انصرف، وكان إذا انصرف خرج على دار ابن أبي حسين، وكانت طريقه حتى يجزع المسعى(56) ثم يسلك بين دار عباس بن عبد المطلب، وبين دار ابن أزهر بن عبد عوف الزهري، ثم على دار الأخنس بن شريق حتى يدخل بيته، وكان مسكنه في الدار الرقطاء التي كانت بيدي معاوية بن أبي سفيان، قال عمر رضي الله عنه: فتبعته حتى إذا دخل بين دار عباس ودار ابن أزهر أدركته، فلما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم حسي عرفني، فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أني إنما تبعته لأوذيه، فنهمني(57) ثم قال:«ما جاء بك يا ابن الخطاب هذه الساعة؟» قلت: جئت لأومن بالله ورسوله، وبما جاء به من عند الله، فحمد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال: «قد هداك الله

صفحة مطبوعة 34 · ورقة PDF 34رابط الصفحة المنفردة

يا عمر»، ثم مسح صدري، ودعا لي بالثبات، ثم انصرفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته(58)

إيذاء قريش لعمر رضي الله عنه بعد إسلامه

وبعد دخول عمر رضي الله عنه في الإسلام جهر بدينه على ملأ قريش، قال ابن عمر رضي الله عنهما: لما أسلم أبي عمر، قال: أي قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي، فغدا عليه. قال ابن عمر: فغدوت أتبع أثره، وأنظر ما يفعل وأنا غلام أعقل كل ما رأيت حتى جاءه، فقال له: أعلمت يا جميل أني قد أسلمت، ودخلت دين محمد صلى الله عليه وسلم؟

قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجرُّ رداءه، واتبعه عمر، واتبعت أبي، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش- وهم في أنديتهم حول الكعبة- ألا إن عمر بن الخطاب قد صبأ، ويقول عمر من خلفه: كذب، ولكني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله. وثاروا إليه فما برح يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم، قال: وطَلِح، فقعد وقاموا على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا، قال: فبينما هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر، فقال: فمه، رجل اختار لنفسه أمراً، فماذا تريدون؟ أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هكذا؟ خلوا عن الرجل، قال: فو الله لكأنما كانوا ثوباً كشط عنه. قال:

صفحة مطبوعة 35 · ورقة PDF 35رابط الصفحة المنفردة

فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك؟ فقال: ذاك أي بني العاص بن وائل السهمي(59)

غير أن تذكير العاص بن وائل بمنزلة عمر وقبيلته، وحثه قريشاً على ترك عمر وشأنه، لم يمنع قريشاً من ملاحقة عمر رضي الله عنه فيما بعد، وخوف عمر رضي الله عنه على نفسه منهم، قال ابن عمر رضي الله عنهما: بينما عمر رضي الله عنه في الدار خائفاً، إذ جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو عليه حلة حبرة وقميص مكفوف بحرير، وهو من بني سهم، وهم حلفاؤنا في الجاهلية، فقال له: ما بالك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت، قال: لا سبيل إليك، بعد أن قالها أمنت، فخرج العاص فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟قالوا: نريد هذا ابن الخطاب الذي صبا، قال: لا سبيل إليه، فكرَّ الناس(60) .

وكان في إسلام عمر رضي الله عنه عز ورفعة ومنعة للإسلام والمسلمين؛ وذلك لمنزلته العالية وشخصيته المهيبة في أوساط المجتمع الجاهلي، قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر(61) .

وكانت تلك العزة بإسلام عمر رضي الله عنه استجابة من الله تعالى لدعوة نبيه صلى الله عليه وسلم أن يعز الله دينه وينصره بأحب الرجلين إليه بأبي جهل أو عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: وكان أحبهما إليه عمر(62) .

صفحة مطبوعة 36 · ورقة PDF 36رابط الصفحة المنفردة

هجرته رضي الله عنه

تقدم أن عمر رضي الله عنه تعرَّض بعد إسلامه للإيذاء من قِبل مشركي قريش، وذلك بعد أن أعلن إسلامه، ولم يكف عنه المشركون حتى أجاره العاص بن وائل السهمي، فلما أذن الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة كان رضي الله عنه من المهاجرين الأولين على الرغم من منزلته ومكانته بمكة التي تنكر لها القرشيون بعد إسلامه، قال ابن عمر رضي الله عنهما: لما قدم المهاجرون الأولون العصبة(63) موضع بقباء، قبل مقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة وكان أكثرهم قرآناً(64) .

وفي رواية عند البخاري: أن فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه(65) .

وهاجر رضي الله عنه مستخفياً كالمهاجرين قبله والمهاجرين بعده ومنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه.

قال رضي الله عنه وهو يحكي قصة هجرته: اتعدت لما أردنا الهجرة إلى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل السهمي التناضب من أضاة بني غفار(66) فوق سرف، وقلنا: أينا لم يصبح عندها فقد حبس، فليمض صاحباه، قال: فأصبحت

صفحة مطبوعة 37 · ورقة PDF 37رابط الصفحة المنفردة

أنا وعياش بن أبي ربيعة عند التناضب، وحبس عنا هشام، وفتن فافتتن(67)

ولحق بعمر رضي الله عنه عدد من قرابته وحلفائهم وعددهم عشرون.

قال البراء بن عازب رضي الله عنه: أول من قدم علينا-يعني المدينة- مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، وكانا يقرئان الناس، فقدم بلال وسعد وعمار بن ياسر، ثم قدم عمر بن الخطاب في عشرين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم(68) .

وجاء في رواية أن عمر رضي الله عنه هاجر علانية وهي رواية مشهورة ولكنها لم تأت من طرق ثابتة، وفيها أن عمر رضي الله عنه لما همَّ بالهجرة، تقلَّد سيفه، وتنكَّب قوسه، وانتضى في يده أسهماً، واختصر عنزته(69) ، ومضى قبل الكعبة، والملأ من قريش بفنائها، فطاف بالبيت سبعاً متمكناً، ثم أتى المقام فصلى متمكناً، ثم وقف على الحلق واحدة واحدة، فقال لهم: شاهت الوجوه، لا يرغم الله إلا هذه المعاطس، من أراد أن تثكله أمه أو يؤتم ولده أو يرمل زوجته، فليلقني وراء هذا الوادي، قال علي: فما تبعه أحد إلا قوم من المستضعفين علمهم وأرشدهم ومضى لوجهه(70) .

وممن هاجر مع عمر

صفحة مطبوعة 38 · ورقة PDF 38رابط الصفحة المنفردة

رضي الله عنه ابنه عبد الله، فلما فرض عمر رضي الله عنه العطاء فرض للمهاجرين الأولين أربعة آلاف، وفرض لابن عمر رضي الله عنهما ثلاثة آلاف وخمسمائة، فقيل له: هو من المهاجرين، فلم نقصته من أربعة آلاف؟ فقال: إنما هاجر به أبواه، يقول ليس هو كمن هاجر بنفسه(71)

وكان وصول عمر رضي الله عنه المدينة قبل وصول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث البراء بن عازب المتقدم الذكر، حيث ذكر وصوله صلى الله عليه وسلم بعد قدوم عمر، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال وهو يصف حال المسلمين بالمدينة قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم إليهم: كنا قد استبطأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في القدوم علينا، وكانت الأنصار يغدون إلى ظهر الحرة، فيجلسون حتى يرتفع النهار، فإذا ارتفع النهار وحميت الشمس رجعت إلى منازلها، قال عمر: وكنا ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رجل من اليهود قد أومأ على أطم من آطامهم، فصاح بأعلى صوته: يا معشر العرب، هذا صاحبكم الذي تنتظرون، قال عمر: وسمعت الوجبة في بني عمرو بن عوف فأخرج من الباب، وإذا المسلمون قد لبسوا السلاح، فانطلقت مع القوم عند الظهر، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين، حتى نزل في بني عمرو بن عوف(72) .

صفحة مطبوعة 39 · ورقة PDF 39رابط الصفحة المنفردة

وبعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة شرع الله له المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في السنة الأولى من الهجرة، وذلك بسبب ما لقيه المهاجرون من فقد أموالهم وهجرهم لأوطانهم وأهليهم وإصابتهم بالحمى، فأصبح لكل مهاجري أخاً من الأنصار. وترتب على المؤاخاة حقوق خاصة كالمواساة والتعاون على أعباء الحياة بين الاثنين وكذلك توارثهما دون ذوي الرحم.

فلما ألف المهاجرون الحياة في المدينة، وعوضهم عن بعض ما فقدوه من أموالهم بعد موقعة بدر ألغى الله تعالى التوارث بنزول قوله تعالى: ﴿ وَأُو۟لُوا۟ الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِى كِتَٰبِ اللَّهِ(73)(74) ...﴾ ) ( .

وقد جاءت روايات متعددة في ذكر من آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينه وبين عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

فروي أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين عمر وبين أبي بكر الصديق رضي الله عنهما(75) .وروي أنه آخى

بينه وبين عتبان بن مالك(76) ، وقيل بينه وبين عويم بن ساعدة(77) .

صفحة مطبوعة 40 · ورقة PDF 40رابط الصفحة المنفردة

وقيل: آخى بينه وبين معاذ بن عفراء رضي الله عنه(78) فالله اعلم.

وقد ذكر ابن حجر رحمه الله أنه كانت هناك مؤاخاة أولي بين المهاجرين بعضهم بعضاً؛ لأن بعضهم كان أقوى بالمال والعشيرة، فعلى هذا يحمل ما ورد من مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه مع أبي بكر رضي الله عنه، وهي مؤاخاة أولي(79) .

وأما أخو عمر رضي الله عنه من الأنصار فلم يرد في تحديده نص ثابت. ولا شك أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بينه وبين أحد الأنصار، والذي أرجحه- والله أعلم- أنه عتبان بن مالك، لأنه ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه كان له جار من الأنصار يتناوب معه النزول إلى النبي صلى الله عليه وسلم(80) ، ووضح العلماء أن هذا الجار هو عتبان بن مالك، وذكر ابن حجر أنه ورد في كتاب الصلاة من صحيح البخاري أن عمر رضي الله عنه قال: كان لي أخ من الأنصار(81) ، وفُسِّر بعتبان وهذا الذي رجَّحه ابن كثير وتابع فيه ابن إسحق(82) .

صفحة مطبوعة 41 · ورقة PDF 41رابط الصفحة المنفردة

عمر رضي الله عنه بعد الإسلام

لقد كان عمر رضي الله عنه من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم المقربين، وممن شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بكمال الإيمان وصدق اليقين، وذلك ثابت بالأحاديث الصحيحة التي سوف يأتي الكلام عليها في ذكر فضائل عمر رضي الله عنه بمشيئة الله تعالى.

ومن أقواله وأفعاله رضي الله عنه الدالة على صدق إيمانه واتباعه وتحقيقه التوحيد:

قوله رضي الله عنه وهو يستلم الحجر الأسود ويقبله: «أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقبِّلك ما قبلتك»(83) .

وهو رضي الله عنه بقوله هذا يعلن براءته من الإشراك بالله وعبادة الأحجار والأوثان والتبرك بها، ويظهر طاعته وانقياده لأوامر الله ورسوله والتسليم لها.

وهو رضي الله عنه بَيَّن أن اتباعه للنبي صلى الله عليه وسلم ليس مقيداً بمعرفة الحكمة والسؤال عنها في الأمر المتبع، ولكنه اتباع وطاعة مطلقة مصدرها الإيمان المطلق بكل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الواجب على كل مؤمن ومؤمنة، فقد روى الإمام أحمد بسنده عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «فيم الرملان الآن، والكشف عن المناكب، وقد أطأ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك لا ندع شيئاً كنا نفعله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم»(84) .

ومن الأخبار الدالة على تحقيقه رضي الله عنه التوحيد وبُعده عن الشرك دقيقه وجليله، ما ثبت من أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك عمر رضي الله عنه في ركب وعمر يحلف بأبيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»، قال عمر رضي الله عنه: فوالله ما حلفت بها منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاكراً ولا آثراً(85) .

صفحة مطبوعة 42 · ورقة PDF 42رابط الصفحة المنفردة

اجتهاده رضي الله عنه في الطاعات

كان عمر رضي الله عنه كثير فعل الطاعات والقربات من الصلاة والصيام والصدقة، كثير التضرع والدعاء لله عز وجل، فكان رضي الله عنه يداوم على قيام الليل، وهي خصلة أثنى الله عز وجل على من اتصف بها وداوم عليها، ووصف الله عز وجل بها عباده المقربين، قال تعالى: ﴿ كَانُوا۟ قَلِيلًا مِّنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ(86) ﴾ سأل النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقال: متى توتر؟ فقال: أوتر من أول الليل، وقال لعمر: متى توتر؟ قال: آخر الليل، فقال لأبي بكر: أخذ هذا بالحزم، وقال لعمر: أخذ هذا بالقوة(87) .

فكان رضي الله عنه يصلي من الليل ما شاء الله حتى إذا كان من آخر الليل أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: الصلاة الصلاة. ثم يتلو هذه الآية: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَوٰةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْـَٔلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَٰقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ(88)(89) ﴾ )( .

وكان عمر رضي الله عنه يصوم من التطوع ما شاء الله، فكان يصوم الأيام البيض من كل شهر(90) .

وجاء في رواية صحيحة أن عمر رضي الله عنه سرد الصوم قبل موته بسنتين(91) .

صفحة مطبوعة 43 · ورقة PDF 43رابط الصفحة المنفردة

وقال زياد بن حدير: رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه أكثر الناس صياماً وأكثر الناس سواكاً(92) .

وكان رضي الله عنه كثير الصدقات، فقد قال رضي الله عنه: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوماً، فجئت بنصف مالي، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما أبقيت لأهلك؟» قلت: مثله. قال: وأتى أبو بكر رضي الله عنه بكل ما عنده، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله. قلت: لا أسابقك إلى شيء أبداً(93) .

وأتى عمر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس منه عندي، فما تأمر به؟ قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها»، قال: فتصدق بها عمر أنه لا يباع ولا يوهب، ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء، وفي

صفحة مطبوعة 44 · ورقة PDF 44رابط الصفحة المنفردة

القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف، لا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف ويطعم غير متمول(94)

وكان عمر رضي الله عنه كثير الدعاء والتضرع إلى الله عز وجل، فكان يدعو الله بجوامع الدعاء، ومن دعائه ما رواه أبو العالية رحمه الله قال: «أكثر ما كنت أسمع عمر بن الخطاب يقول: اللهم عافنا واعف عنا»(95) .

وكان يسأل الله عز وجل المغفرة وأن يبدل الله سيئاته حسنات.

قال عبد الرحمن بن مل أبو عثمان النهدي: سمعت عمر بن الخطاب يقول: اللهم إن كنت كتبت علي ذنباً أو إثماً أو ضغناً فاغفره لي، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب(96) .

علمه وفقهه رضي الله عنه

كان عمر رضي الله عنه ممن أوتي علماً كبيراً وفقهاً عظيماً، ولا شك أن ما اتصف به عمر رضي الله عنه من صدق الإيمان بالله واليقين التام، وخلوص العقيدة من الشرك بأنواعه والبدع والشبهات، وما اتصف به كذلك من حسن الالتزام بشعائر الدين، والتقرب إلى الله تعالى بأنواع القربات من أسباب سعة علمه وفقهه رضي الله عنه. فقد شهد له بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بينا أنا نائم أتيت بقدح لبن،

صفحة مطبوعة 45 · ورقة PDF 45رابط الصفحة المنفردة

فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب»، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «العلم»(97)

ومن شهادة الصحابة رضوان الله عليهم له بالعلم قول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: لو وضع علم أحياء العرب في كفة ، ووضع علم عمر في كفة لرجح بهم علم عمر(98) .

وقال: إن عمر كان أعلمنا بالله، وأقرأنا لكتاب الله، وأفقهنا في دين الله(99) .

وروي عنه رضي الله عنه أنه قال: إن كنا نحسب أن عمر قد انفرد بتسعة أعشار العلم(100) .

وشهد له بذلك التابعون ومَن بعدهم، قال مسروق بن الأجدع رحمه الله: شاممت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت علمهم انتهى إلى ستة: إلى عمر، وعلي، وعبد الله، ومعاذ، وأبي الدرداء، وزيد بن ثابت(101) .

وقال قبيصة بن جابر: ما رأيت رجلاً أعلم بالله، ولا أقرأ لكتاب الله وأفقه في دين الله من عمر(102) .

صفحة مطبوعة 46 · ورقة PDF 46رابط الصفحة المنفردة

وروي عن أيوب السختياني أنه قال: إذا بلغك اختلاف عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت في ذلك الاختلاف أبا بكر وعمر فشد يدك به فهو الحق وهو السنة(103) .

ولمكانة عمر رضي الله عنه العلمية العالية فقد كان من أهل الفتوى من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال مسروق بن الأجدع رحمه الله: كان أصحاب الفتوى من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عمر، وعلي، وابن مسعود، وزيد، وأبي بن كعب، وأبو موسى الأشعري رضي الله عنهم(104) .

وجاء عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قوله: إنما يفتي الناس أحد ثلاثة: رجل علم ناسخ القرآن من منسوخه، قالوا: ومن ذاك؟ قال: عمر بن الخطاب، قال: وأمير لا يخاف، أو أحمق متكلف(105) .

وكان رضي الله عنه شديد الحذر في الفتوى، قال ابن سيرين رحمه الله تعالى: لم يكن أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أهيب لما لا يعلم من أبي بكر، ولم يكن أحد بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر(106) .

ومن العلوم التي كان عمر رضي الله عنه يجيدها علم القراءة والكتابة، وهما فنان لم يكن يجيدهما إلا القلائل من العرب في الجاهلية وأوائل الإسلام. ففي قصة هجرة عمر رضي الله عنه مع عياش بن أبي ربيعة وهشام بن العاص أنه كتب بيده قوله تعالى: قُلْ يَٰعِبَادِىَ

صفحة مطبوعة 47 · ورقة PDF 47رابط الصفحة المنفردة

الَّذِينَ أَسْرَفُوا۟ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا۟ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُۥ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(107) وبعثها إلى هشام بن العاص بمكة(108)

وكان لعمر رضي الله عنه اهتمام بأخبار الجاهلية وبخاصةٍ ما له تعلُّق بالإسلام وأحكام الدين، فقد أرسل عمر رضي الله عنه إلى شيخ من بني زهرة كان قد أدرك الجاهلية فجاء الشيخ إلى عمر وهو في حجر الكعبة، فسأله عمر رضي الله عنه عن ولاد من ولاد الجاهلية، قال الشيخ: أما النطفة فمن فلان، وأما الولد فعلى فراش فلان، فقال عمر: صدقت، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالفراش، فلما ولى الشيخ دعاه عمر، فقال: أخبرني عن بناء الكعبة، فقال: إن قريشاً تقربت لبناء الكعبة، فعجزوا واستقصروا فتركوا بعضاً في الحجر، فقال عمر: صدقت(109) .

ومما اختص به عمر رضي الله عنه من العلم صدق الحدس، وهو علم جِبلِّي خلقي، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك عن عمر حيث قال: إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدَّثون(110) ، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم فإنه عمر بن الخطاب(111) .

صفحة مطبوعة 48 · ورقة PDF 48رابط الصفحة المنفردة

ومن الأخبار الدالة على اختصاص عمر رضي الله عنه بذلك، ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: ما سمعت عمر رضي الله عنه لشيء قط يقول: إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن(112) .

وقال علي رضي الله عنه: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر(113) .

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: ما رأيت عمر إلا وكأن بين عينيه ملكاً يسدده(114) .

ولعلّ مما يلتحق بذلك وهو من كرامات عمر رضي الله عنه، ما رواه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعث جيشاً وأمَّر عليهم رجلاً يدعى سارية، قال: فبينا عمر يخطب الناس يوماً، قال: فجعل يصيح وهو على المنبر يا ساري الجبل يا ساري الجبل، قال: فقدم رسول الجيش فسأله، فقال: يا أمير المؤمنين لقينا عدونا فهزمناهم(115) فإذا بصايح يصيح يا ساري الجبل يا ساري الجبل، فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم الله، فقيل لعمر يعني ابن الخطاب: إنك كنت تصيح بذلك(116) .

وقال طارق بن شهاب رحمه الله تعالى: كان رأي عمر كيقين رجل(117) .

صفحة مطبوعة 49 · ورقة PDF 49رابط الصفحة المنفردة

وعن الحسن أنه قال: إن كان أحد يعرف الكذب إذا حُدِّث به أنه كذب فهو عمر بن الخطاب(118) .

ومن العلوم التي وهبها الله تعالى لعمر وعُرِف بها علم القيافة(119) ، قال الحكم بن أبي العاص: كنت قاعداً مع عمر بن الخطاب، فأتاه رجل فسلم عليه، فقال له عمر: بينك وبين أهل نجران قرابة؟ قال الرجل: لا، قال عمر: بلى، قال الرجل: لا، قال عمر: بلى والله، أنشد الله كل رجل من المسلمين يعلم أن بين هذا وبين أهل نجران قرابة لما تكلم. فقال رجل من القوم: يا أمير المؤمنين بلى بينه وبين أهل نجران قرابة من قبل كذا وكذا، فقال له عمر: مه فإنا نقفو الآثار(120) .

صفحة مطبوعة 50 · ورقة PDF 50رابط الصفحة المنفردة

البيت العُمري المبارك

هذه إطلالة سريعة على أسرة عمر رضي الله عنه: «زوجاته – أبناؤه – بناته – مواليه - إماؤه».

زوجاته رضي الله عنه

كان عدد من تزوج بهن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أربع عشرة امرأة وهن:

1- أم كلثوم بنت جرول الخزاعية، كانت زوجته رضي الله عنه في الجاهلية.

2- قريبة بنت أبي أمية المخزومية وكانت أيضاً زوجة له قبل الإسلام، وهاتان الزوجتان طلقهما عمر رضي الله عنه لما نزل قوله تعالى: ﴿ وَلَا تُمْسِكُوا۟ بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾(121) ، وذلك بعد صلح الحديبية من السنة السادسة للهجرة(122) .

3- زينب بنت مظعون بن حبيب الجمحية، وهي التي رافقت عمر رضي الله عنه في هجرته إلى المدينة(123) .

4-

صفحة مطبوعة 51 · ورقة PDF 51رابط الصفحة المنفردة

جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح الأنصارية تزوجها عمر رضي الله عنه سنة سبع من الهجرة ثم طلقها(124)

5- ابنة حفص بن المغيرة(125) تزوجها عمر رضي الله عنه بعد أن طلقها زوجها عبد الله بن أبي ربيعة، فلما عرف عمر أنها عاقر لا تلد طلقها(126) .

6- عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل العدوية تزوجها عمر رضي الله عنه بعد أن ولي الخلافة(127) وكانت قد تبتلت وامتنعت من الأزواج بعد وفاة زوجها عبد الله بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، وكانت عاتكة رضي الله عنها تصلي العشاء والفجر في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عمر رضي الله عنه يكره خروجها، فقيل لها: تخرجين وقد تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار، قالت: وما يمنعه أن ينهاني، قال: يمنعه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» وقد طُعِن عمر رضي الله عنه وزوجته عاتكة تصلي معه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم(128) .

7-

صفحة مطبوعة 52 · ورقة PDF 52رابط الصفحة المنفردة

أم حكيم بنت الحارث بن هشام المخزومية تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد استشهاد زوجها خالد بن سعيد بن العاص رضي الله عنه بموقعة مرج الصفر ببلاد الشام(129)

8 -أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنها ، تزوجها عمر رضي الله عنه سنة سبع عشرة من الهجرة(130) .

وكان عمر رضي الله عنه يبتغي من نكاحه من أم كلثوم رضي الله عنهما القرب من نسب النبي صلى الله عليه وسلم، قال رضي الله عنه لما تزوجها: ألا تهنئوني؟! سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل سبب ونسب منقطع إلا سببي ونسبي فأحببت أن يكون بيني وبين نبي الله صلى الله عليه وسلم سبب ونسب»(131) .

9-

صفحة مطبوعة 53 · ورقة PDF 53رابط الصفحة المنفردة

فاطمة بنت الوليد بن المغيرة المخزومية تزوجها عمر رضي الله عنه بعد وفاة زوجها الحارث بن هشام المخزومي بطاعون عمواس(132) وتربى ابنها عبد الرحمن في حجر عمر بن الخطاب رضي الله عنه(133)

10- أم هنيدة الخزاعي(134) .

11- سبيعة الأسلمية(135) .

12-

صفحة مطبوعة 54 · ورقة PDF 54رابط الصفحة المنفردة

لهية أو نهية وهي من أهل اليمن، وقيل: إنها كانت جارية لعمر وأم ولد(136)

13- سعيدة بنت رافع بن عبيد الله بن عمرو بن عبيد الأنصارية(137) .

14- فكيهة أم ولد لعمر(138) .

أبناؤه رضي الله عنه

أما أبناؤه رضي الله عنه فهم:

عبد الله بن عمر الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه، وهو أكبر ولد عمر رضي الله عنه، وأمه زينب بنت مظعون بن حبيب الجمحية، شهد المشاهد مع النبي صلى الله عليه وسلم سوى بدر وأُحد حيث إنه استصغر يوم أُحد، وشهد غزوة الخندق وما بعدها مع النبي صلى الله عليه وسلم(139) .

وهاجر مع أبيه وأمه إلى المدينة وهو ابن عشر سنين، وبقي حتى مات سنة73هـ(140) .

وجاء في رواية: أن عبد الله رضي الله عنه كان أحب ولد عمر إليه، فروي أنه قال: ما من أهل ولا مال ولا ولد إلا وأنا أحب أن أقول عليه: إنا لله وإنا إليه راجعون إلا عبد الله

صفحة مطبوعة 55 · ورقة PDF 55رابط الصفحة المنفردة

ابن عمر فإني أحب أن يبقى في الناس بعدي(141)

2- عبد الرحمن الأكبر وأمه هي أم عبد الله زينب بنت مظعون(142) .

3- عبيد الله بن عمر وأمه أم كلثوم بنت جرول الخزاعية، ولد في عهد عمر، وثبت أنه غزا في خلافة أبيه، وهو الذي قتل الهرمزان(143) ، وجماعة من الفرس لما قتل أبو لؤلؤة والده، وقُتل مع معاوية بصفين(144) .

4- عاصم بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وأمه جميلة بنت ثابت بن الأقلح، وهي التي طلقها عمر رضي الله عنه، وتخاصمت هي وعمر في عاصم، فقضى أبو بكر بالنفقة على عمر، وبالحضانة على جميلة(145) .

5- زيد بن عمر بن الخطاب، أمه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، توفي هو وأمه في يوم واحد، وصلَّى عليهما عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان والي المدينة يومئذ سعيد بن العاص(146) .

6- عبد الرحمن الأوسط أبو شحمة، وأمه لهية أم ولد لعمر(147) .

7- عبد الرحمن الأصغر وأمه أم ولد، ولقبه أبو المجبر(148) .

8- زيد الأصغر، أمه أم كلثوم بنت جرول(149) .

9-

صفحة مطبوعة 56 · ورقة PDF 56رابط الصفحة المنفردة

عبد الله الأصغر، أمه، سُعيدة بنت رافع بن عبيد الأنصارية(150)

10- عياض بن عمر، أمه عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل(151) .

صفحة مطبوعة 57 · ورقة PDF 57رابط الصفحة المنفردة

بناته رضي الله عنه

أما بناته رضي الله عنه فهن:

1- حفصة بنت عمر بن الخطاب أم المؤمنين رضي الله عنهما ، وأمها زينب بنت مظعون وهي شقيقة عبد الله بن عمر رضي الله عنهم، وكانت زوجةً لخنيس بن حذافة السهمي رضي الله عنه، فلما توفي زوجها عرضها عمر رضي الله عنه على عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فقال عثمان: سأنظر في أمري، فلبث ليالي، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، فعرض عمر حفصة على أبي بكر، فلم يرجع إليه شيئاً، قال عمر: فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبث ليالي، ثم خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنكحتها إياه، فلقيني أبو بكر، فقال: لعلك وجدت علي حين عرضت علي حفصة فلم أرجع إليك؟ قلت: نعم، قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت إلا أني قد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها لقبلتها(152) .

صفحة مطبوعة 58 · ورقة PDF 58رابط الصفحة المنفردة

وماتت حفصة رضي الله عنها لما بايع الحسن معاوية رضي الله عنهما في جمادى الأولى سنة إحدى وأربعين، وقيل: بل بقيت إلى سنة خمس وأربعين(153) .

2- فاطمة بنت عمر، أمها أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة، وزوجها ابن عمها عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب(154) .

3- عائشة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها أمها لهية أم ولد لعمر، لم تتزوج(155) .

4- صفية بنت عمر بن الخطاب، ولم أجد ذكراً لاسم أمها، روي أنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر(156) .

5- جميلة بنت عمر رضي الله عنهما، ولم أجد ذكراً لاسم أمها، كان اسمها عاصية، فسماها رسول الله صلى الله عليه وسلم جميلة(157) .

6- رقية بنت عمر، أمها أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهم شقيقة زيد الأكبر، تزوجها إبراهيم بن نعيم بن عبد الله بن النحام(158) وماتت وهي

صفحة مطبوعة 59 · ورقة PDF 59رابط الصفحة المنفردة

عنده، ودفنت بالبقيع(159)

7- زينب بنت عمر، أمها عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، شقيقة عياض بن عمر، وزوجها عبد الرحمن بن معمر بن عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول(160) ، ثم خلفه عليها عبد الله بن عبد الله بن سراقة العدوي(161) .

عناية عمر رضي الله عنه بأسرته

كان عمر رضي الله عنه شديد العناية والرعاية والرقابة على أهله، يقيم فيهم أحكام الدين ويلزمهم بها قبل أن يلزم بقية رعيته.

قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: كان عمر إذا نهى الناس عن شيء دخل إلى أهله- أو قال جمع أهله- فقال: إني نهيت الناس عن كذا وكذا، والناس إنما ينظرون إليكم نظر الطير إلى اللحم، فإن وقعتم وقعوا، وإن هبتم هابوا، وإني والله لا أوتى برجل منكم وقع في شيء مما نهيت عنه الناس إلا أضعفت له العقوبة لمكانه مني، فمن شاء فليتقدم، ومن شاء فليتأخر(162) .

وقال أسلم مولى عمر رضي الله عنهما: كان عمر إذا بعثني إلى بعض ولده قال لي: لا تخبره لم بعثتك إليه، فلعل الشيطان يعلمه كذبه، فجاءت أم ولد لعبد الرحمن إلى عمر، فقالت: إن أبا عيسى لا ينفق علي ولا يكسوني، قال: ويحك مَن أبو عيسى؟ قالت: ابنك عبد الرحمن، فقال: وهل لعيسى من أب؟ فأرسلني إليه فقال: قل له أجب، ولا تخبره

صفحة مطبوعة 60 · ورقة PDF 60رابط الصفحة المنفردة

لأي شيء دعوته، قال: فأتيته، وعنده ديك ودجاجة هنديان، فقلت له: أجب أباك أمير المؤمنين، قال: وما يريد مني؟ فقلت: لا أدري، قال: إني أعطيك هذا الديك والدجاجة على أن تخبرني ما يريد مني، فاشترطت أن لا يخبر عمر، فأخبرته، وأعطاني الديك والدجاجة، فلما جئت عمر رضي الله عنه قال لي: أخبرته، فو الله ما استطعت أن أقول لا، فقلت: نعم، قال: أرشاك شيئاً؟ قلت: نعم، قال: ما رشاك؟ قلت: ديكاً ودجاجة، فقبض بيده اليسرى على يدي، فجعل يضربني بالدرة، وجعلت أندو، وجعل يضربني، وأنا أندو، فقال: إنك لجدير، ثم جاء عبد الرحمن، فقال: هل لعيسى من أب يُكتنى أبا عيسى؟ هل لعيسى من أب!(163)

وبالرغم من صرامة عمر رضي الله عنه في مراقبة أهله وتطبيق تعاليم الدين عليهم فإنه رضي الله عنه لم يخلُ من شفقة ورحمة لأهل بيته، رآه عيينة بن حصن يوماً يقبل أحد أبنائه وقد وضعه في حجره وهو يحنو عليه، فقال عيينة: أتقبل وأنت أمير المؤمنين؟ لو كنت أمير المؤمنين ما قبلت لي ولداً. فقال عمر: الله، الله، حتى استحلفه ثلاثاً، فقال عمر: فما أصنع إن كان الله نزع الرحمة من قلبك؟ إن الله إنما يرحم من عباده الرحماء(164) .

صفحة مطبوعة 61 · ورقة PDF 61رابط الصفحة المنفردة

مواليه رضي الله عنه

لقد كان لعمر رضي الله عنه عدد من الموالي، نذكرهم كالتالي:

1- أسلم مولى عمر بن الخطاب، اشتراه عمر سنة إحدى عشرة من أناس من الأشعريين حين بعثه أبو بكر رضي الله عنه للحج في تلك السنة(165) .

وروي أن عمر رضي الله عنه اشتراه من سوق ذي المجاز(166) ، وأنه كان حبشياً بجاوياً(167) ، ومات وهو ابن مائة وأربع عشرة سنة، وصلَّى عليه مروان بن الحكم(168) .

2- يرفأ مولى عمر، وكان حاجبه(169) .

3-

صفحة مطبوعة 62 · ورقة PDF 62رابط الصفحة المنفردة

مهجع مولى عمر رضي الله عنه، أصله من عك(170) أصابه رِق فمنَّ عليه عمر فأعتقه، وكان من السابقين إلى الإسلام، وشهد بدراً وكان أول شهيد بها(171)

4- هُنَيّ مولى عمر رضي الله عنه، وهو الذي استعمله عمر رضي الله عنه على الحمى، وقال له: اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مستجابة... الخ(172) .

5- مالك بن عياض وهو مالك الدار، أصله من جبلان من حمير، وكان خازناً لعمر(173) .

6- رافع مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه(174) .

7- ذكوان مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه(175) .

8- فرقد مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه(176) .

9- فروخ مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه(177) .

10- وسق الرومي، أو أسبق الرومي، روي أنه قال: كنت مملوكاً لعمر بن الخطاب، وكنت نصرانياً، فكان يقول لي: يا وسق أسلم، فإنك لو أسلمت وليتك بعض أعمال المسلمين، فإنه لا يصلح أن يلي أمرهم مَن ليس على دينهم فأبيت عليه، فقال

صفحة مطبوعة 63 · ورقة PDF 63رابط الصفحة المنفردة

لي: لا إكراه في الدين، فلما حضر أعتقني(178)

11- سارية مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه(179) .

وكان عمر رضي الله عنه حسن العشرة لين الجانب مع مواليه، معيناً لهم على فك رقابهم بالمكاتبة، فقد كاتب رضي الله عنه مولى له يكنى بأبي أمية على أقساط يدفعها على فترات متفاوتة، فجاء العبد بجزء من المال حين حلَّ وقته إلى عمر رضي الله عنه، فأخذ عمر المال ودفعه إليه، وقال له: استعن به في مكاتبتك وهو يقرأ ﴿ وَءَاتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِىٓ ءَاتَىٰكُمْ﴾(180) .

ولما حضرته رضي الله عنه الوفاة أعتق جميع مملوكيه، وهذا من كمال إحسانه رضي الله عنه إلى هذه الفئة المستضعفة، وعملاً بما حض عليه الدين من فك الرقاب.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: أنا أول من دخل على عمر حين طعن فقال لي: يا ابن عباس، احفظ عني ثلاثاً، إني لم أستخلف على الناس خليفة، ولم أقض في الكلالة قضاء، وكل مملوك لي عتيق(181) .

صفحة مطبوعة 64 · ورقة PDF 64رابط الصفحة المنفردة

إماؤه رضي الله عنه

أما إماؤه فهن:

1- لهية(182) .

2- فكيهة(183) .

3- أمة لعمر كان لها اسم من أسماء العجم، فسماها عمر رضي الله عنه جميلة، فخاصمته إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأقر تسمية عمر لها(184) .

هؤلاء اللاتي وقفت عليهن ممن ذكرن في إماء عمر رضي الله عنه.

حياة عمر رضي الله عنه المعيشية

لقد اتسمت الحياة المعيشية لعمر رضي الله عنه بالبساطة وقلة التكلف والبعد عن فتن الدنيا ولذاتها، ولعلنا نلقي الضوء على طبيعة هذه الحياة من خلال ما يلي:

منزله رضي الله عنه

كان منزل عمر رضي الله عنه بالمدينة بجوار منازل الأوس في منطقة العوالي، قال عمر رضي الله عنه: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهي من عوالي المدينة(185) وكنا

صفحة مطبوعة 65 · ورقة PDF 65رابط الصفحة المنفردة

نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل يوماً وأنزل يوماً، فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره، وإذا نزل فعل مثل ذلك(186)

وقيل: إن منزل عمر رضي الله عنه كان خطة وإقطاعاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم(187) ، وروي أن عمر رضي الله عنه سكن في مكة بدار الندوة في سنة من سني خلافته(188) .

عمله رضي الله عنه بالتجارة

لقد عمل عمر رضي الله عنه بالتجارة في الجاهلية كما تقدم، وكان رضي الله عنه يشتغل بها بعد إسلامه، وأخبر عن ذلك رضي الله عنه بنفسه، فقد استأذن عليه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه ثلاثاً، فلم يأذن له عمر رضي الله عنه لانشغاله، فرجع أبو موسى رضي الله عنه، ثم فتح عمر رضي الله عنه الباب، فلم يجد أبا موسى رضي الله عنه، فانطلق، فدعاه وسأله عن سبب رجوعه، وعدم انتظاره حتى يفتح له، فقال أبو موسى رضي الله عنه: كنا نؤمر بذلك، فقال عمر: تأتيني على ذلك بالبينة، فانطلق أبو موسى إلى مجلس الأنصار، وسألهم فقالوا: لا يشهد على هذا إلا أصغرنا أبو سعيد الخدري، فقال عمر رضي الله عنه: أخفي هذا علي

صفحة مطبوعة 66 · ورقة PDF 66رابط الصفحة المنفردة

من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!.ألهاني الصفق بالأسواق،يعني الخروج إلى تجارة(189)

وعمل رضي الله عنه بالتجارة بعد توليه الخلافة، قالت عائشة رضي الله عنها: لما استخلف عمر أكل هو وأهله من المال، واحترف(190) في مال نفسه(191) .

وروي أن عمر رضي الله عنه كان يبعث بتجارته إلى الشام وهو خليفة، وأنه جهز عيراً في تجارة له، وبعثها إلى الشام(192) .

طعامه وشرابه رضي الله عنه

كان عمر رضي الله عنه زاهداً في طعامه مكتفياً بالقليل والغليظ من الطعام الذي لا يصبر عليه الكثير من الناس.

قال عتبة بن فرقد رضي الله عنه وهو يحكي غلظ طعام عمر: قدمت على عمر رضي الله عنه بسلال خبيص(193) عظام،ما ألوان أحسن وأجيد، فقال: ما هذه؟ قلت: طعام أتيتك به، لأنك رجل تقضي من حاجات الناس أول النهار، فأحببت إذا رجعت أن ترجع إلى طعام، فتصيب منه، فقواك، فكشف عن سلة منها، فقال: عزمت عليك يا عتبة إذا رجعت

صفحة مطبوعة 67 · ورقة PDF 67رابط الصفحة المنفردة

إلا رزقت كل رجل من المسلمين مثل السلة، فقلت: والذي يصلحك يا أمير المؤمنين لو أنفقت مال قيس كلها ما وسع ذلك. قال: فلا حاجة لي فيه، ثم دعا بقصعة(194) ثريد خبزاً خشناً ولحماً غليظاً، وهو يأكل معي أكلاً شهياً، فجعلت أهوي إلى البضعة البيضاء أحسبها سناماً فإذا هي عصبة، والبضعة من اللحم أمضغها فلا أسيغها، فإذا هو غفل عني جعلتها بين الخوان(195) والقصعة، ثم دعا بعس(196) من نبيذ قد كاد يكون خلاً، فقال: اشرب، فأخذته وما أكاد أسيغه، ثم أخذه فشرب، ثم قال: أتسمع يا عتبة، إنا ننحر كل يوم جزوراً، فأما ودكها وأطيابها، فلمن حضرنا من آفاق المسلمين، وأما عنقها فلآل عمر يأكل هذا اللحم الغليظ، ويشرب هذا النبيذ يقطعه في بطوننا أن يؤذينا(197)

ولما قدم رسول سلمة بن قيس الأشجعي الذي بعثه سلمة بالبشارة بفتح بعض مدن فارس وبالغنائم إلى عمر، وجد عمر رضي الله عنه يطعم الناس بالمدينة ويعاونه مولاه يرفأ، قال: فدخل عمر داراً ثم انتهى إلى حجرة من الدار، فدخلها، فقمت ملياً حتى ظننت أن أمير المؤمنين قد تمكن في مجلسه، فقلت: السلام عليك، فقال: وعليك، فادخل، فدخلت، فإذا هو جالس على وسادة

صفحة مطبوعة 68 · ورقة PDF 68رابط الصفحة المنفردة

مرتفقاً(198) أخرى، فلما رآني نبذ(199) إليّ الذي كان مرتفقاً، فجلست عليها، فإذا هي تغرزني(200) فإذا حشوها ليف، فقال: يا جارية أطعمينا، فجاءت بقصعة فيها فدر(201) من خبز يابس، فصب عليها زيتاً ما فيه ملح ولا خل، فقال: أما أنها لو كانت راضية أطعمتنا أطيب من هذا، فقال لي: ادْنُ، إذن، فدنوت، فذهبت أتناول منها فدرة فلا والله إن استطعت أن أجيزها، فجعلت ألوكها مرة من ذا الجانب ومرة من ذا الجانب، فلم أقدر على أن أسيغها، وأكل أحسن الناس أكلة حتى رأيته يلطع(202) جوانب القصعة، ثم قال: يا جارية اسقينا، فجاءت بسويق سلت(203) فقال: أعطه فناولتنيه فجعلت إذا أنا حركته ثارت له قشار(204) وإن تركته تند، فلما رآني قد بشعت(205) ضحك، فقال: مالك؟ أرنيه إن شئت، فناولته، فشرب حتى وضع على جبهته هكذا، ثم قال: الحمد لله الذي أطعمنا فأشبعنا، وسقانا فأروانا، وجعلنا من أمة محمد صلى الله عليه وسلم(206)

وقال حفص بن أبي العاص رضي الله عنه: كان عمر يغدينا بالخبز والزيت والخل، والخبز واللبن، والخبز والقديد(207) ، وكان يقول: ما لكم لا تأكلون؟

صفحة مطبوعة 69 · ورقة PDF 69رابط الصفحة المنفردة

فقلت: يا أمير المؤمنين، إنا نرجع إلى طعام ألين من طعامك، فقال: يا ابن أبي العاص، أما تراني عالماً أن أرجع إلى دقيق ينخل في خرقة، فيخرج كأنه كذا وكذا؟ أما تراني عالماً أن أعمد إلى عناق(208) سمينة، فيلقى عنها شعرها، فتخرج كأنها كذا وكذا؟ أما تراني عالماً أن أعمد إلى صاع أو صاعين من زبيب، فأجعله في سقاء وأصب عليه من الماء فيصبح كأنه دم الغزال... والله لولا مخافة أن ينقص من حسناتي يوم القيامة لشاركتكم في لين عيشكم ولكني سمعت الله يذكر قوماً فقال: ﴿ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَٰتِكُمْ فِى حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا(209) ﴾ .

وروي عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه قال: مررت والناس يأكلون ثريداً ولحماً، فدعاني عمر إلى طعامه، فإذا هو يأكل خبزاً غليظاً وزيتاً، فقلت: منعتني أن آكل مع الناس الثريد، ودعوتني إلى هذا؟! قال: إنما دعوتك لطعامي وذاك للمسلمين(210) .

وكان عمر رضي الله عنه ربما أكل اللحم الغريض(211) ، ولكن ذلك لم يكن من عادته رضي الله عنه، قال الأحنف بن قيس رضي الله عنه: كنا نشهد طعام عمر فيوماً لحماً غريضاً، ويوماً قديداً، ويوماً زيتاً(212) .

وكان عمر رضي الله عنه يأكل الدقيق الذي لم ينخل(213) سواء كان من القمح أو الشعير، قال

صفحة مطبوعة 70 · ورقة PDF 70رابط الصفحة المنفردة

أسلم مولى عمر رحمه الله: ما نخلت لعمر طعاماً قط إلا وأنا له عاصٍ(214)

وكان رضي الله عنه يكثر أكل التمر وكان يأكله بعد أن يزال عنه قشره، قال أسلم رحمه الله تعالى: كنت آتي عمر بالصاع(215) من التمر، فيقول: حت عني قشره(216) .

وربما أكله بحشفه، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: أكل عمر صاعاً من تمر بحشفه(217) .

ومن طعام عمر رضي الله عنه الذي كان يحبه: الجراد، قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: رأيت عمر يتحلب فوه(218) ، فقلت: يا أمير المؤمنين، ما شأنك؟ قال أشتهي جراداً مقلياً(219) .

وسئل عن أكل الجراد، فقال: وددت أن عندنا منه قفعة(220) نأكل منه(221) .

وقال رضي الله عنه في الضب: لو كان عندي لطعمته(222) .

صفحة مطبوعة 71 · ورقة PDF 71رابط الصفحة المنفردة

وكان أحب الطعام إلى عمر الثفل(223) .

من آداب طعامه رضي الله عنه

ومن آداب طعامه رضي الله عنه أنه كان لا يجمع بين لونين من الطعام، روي ذلك عنه في عدة نصوص تدل بمجموعها على ذلك.

فقد جاء أن عمر رضي الله عنه لما قدم الشام، صنع له دِهقان(224) طعاماً ولأصحابه، ثم جاء يدعوهم، فقال عمر للناس: من شاء منكم فليجبه، وقال له: ابعث إليّ برغيفين ولون واحد من طعامك، ففعل، فأتاه الطعام وهو يمرن(225) ، بعيراً له ببعر وقطران، فدلك يده بالتراب ثم نفضها وأكل(226) .

وكان رضي الله عنه إذا أكل لعق أصابعه ومسح يديه مع بعضهما البعض، ويقول: هذه مناديل آل عمر.

صفحة مطبوعة 72 · ورقة PDF 72رابط الصفحة المنفردة

قال ابن عمر رضي الله عنه: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يؤتى بخبزه ولحمه ولبنه، وزيته وبقله وخله، فيأكل ثم يمص أصابعه، ويقول هكذا فيمسح يديه بيديه، ويقول: هذه مناديل آل عمر(227) .

وربما مسح عمر رضي الله عنه يديه بقدميه بعد أكله، قال السائب بن يزيد رضي الله عنه: ربما تعشيت عند عمر بن الخطاب فيأكل الخبز واللحم ثم يمسح يده على قدمه، ثم يقول: هذا منديل عمر وآل عمر(228) .

ولعل ذلك كان من عمر رضي الله عنه عند فقد الماء أو المناديل، وربما كان الطعام الذي يأكله ليس له زفر أو غمر كما نص على ذلك أهل العلم(229) .

* أما شرابه رضي الله عنه :

فمن الأشربة التي كان عمر رضي الله عنه يحبها: النبيذ(230) ، بل كان من أحب الشراب إليه(231) .

مرَّ عمر رضي الله عنه ومعه مولاه أسلم على عبد الله بن عياش المخزومي بطريق مكة، فرأى أسلم عند عبد الله نبيذاً، فقال له: إن هذا الشراب يحبه عمر رضي الله عنه، فحمل عبد الله بن عياش قدحاً عظيماً، فجاء به إلى عمر فوضعه في يده، فقربه عمر إلى فيه، ثم رفع رأسه، فقال: من صنع هذا؟ فقال عبد الله: نحن صنعناه، فقال عمر: إن هذا لطيب، فشرب منه ثم ناوله رجلاً عن يمينه(232) .

صفحة مطبوعة 73 · ورقة PDF 73رابط الصفحة المنفردة

وكان عمر يشرب النبيذ بعدما يتخلل(233) .

وجاء عنه رضي الله عنه أنه قال: لأن أشرب من قمقم(234) أَحْرَق ما أَحْرَق، أَبْقى ما أَبقى، أحب إلي من أن أشرب نبيذ الجر(235) .

ولم يثبت أن عمر رضي الله عنه شرب من إداوة نصراني بالشام نبيذاً بعد أن شمه فوجده منكر الريح وصب عليه الماء ثلاثاً(236) .

وقد تبين مما تقدم أن عمر رضي الله عنه كان يشرب النبيذ، وكان يحبه، وكان النبيذ يصنع له ويترك حتى يتخلل ويصير حامضاً، ولم يشرب عمر رضي الله عنه النبيذ الذي تخمر، كما دلت على ذلك النصوص المتقدمة، وحاشاه رضي الله عنه من ذلك.

وكان عمر رضي الله عنه زاهداً في شرابه، فقد استسقى يوماً، فأتي بإناء من عسل فوضعه على كفه، وجعل يقول: أشربها، فتذهب حلاوتها، وتبقى نقمتها، قالها ثلاثاً، ثم رفعه

صفحة مطبوعة 74 · ورقة PDF 74رابط الصفحة المنفردة

إلى رجل من القوم فشربه(237)

وجاء في رواية أنّ قرابة عمر رضي الله عنه وأصحابه كانوا يشفقون عليه من شدته على نفسه في مطعمه ومشربه، فربما كلموه في ذلك ونصحوه بأن يرفق بنفسه، ويأكل من الطعام ويشرب من الشراب ما يتقوَّى به.

قال له يوماً ابنه عبد الله وابنته حفصة وعبد الله بن مطيع رضي الله عنهم: لو أكلت طعاماً أطيب كان أقوى لك على الحق، فقال: أكلكم على هذا الرأي؟ قالوا: نعم، قال: علمت أنه ليس منكم إلا ناصح، ولكني تركت صاحبيَّ على جادة، فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل(238) .

لباسه رضي الله عنه

كان عمر رضي الله عنه في لباسه عالياً في الزهد والبعد عن الإسراف والمفاخرة، مع حرصه على التنظف والتطيب في ملبسه، فقد كان رضي الله عنه يلبس القميص وربما انخرق فرقعه، قال أسلم مولاه: لما نزل عمر رضي الله عنه بالشام جاءه صاحب الأرض، فأعطاه عمر قميصه

صفحة مطبوعة 75 · ورقة PDF 75رابط الصفحة المنفردة

ليغسله، ويرفوه(239) وفي عاتقه خرق، فانطلق به فغسله، ثم رقعه، وقطع قميصاً جديداً، فأتاه به، وأعطاه الجديد، فرآه عمر ثم رده، قال: ايتني بقميصي(240)

وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: رأيت عمر بن الخطاب وهو يومئذ أمير المؤمنين وقد رقع بين كتفيه برقاع ثلاث لبد(241) بعضها فوق بعض(242) .

وقال رضي الله عنه: لقد رأيت بين كتفي عمر أربع رقاع في قميص له(243) .

وروي أنه أبطأ يوم الجمعة، فخرج وعليه قميص ثمنه أربعة دراهم لا يجاوز كمه رسغه(244) .

ولبس رضي الله عنه الإزار(245) وربما انخرق فرقعه.

صفحة مطبوعة 76 · ورقة PDF 76رابط الصفحة المنفردة

قال عبيد بن عمير رضي الله عنه : رأيت عمر بن الخطاب يرمي الجمار عليه إزار مرقع على مقعدته(246) .

وكان عمر رضي الله عنه يلبس الثوب، ولعل ذلك كان في الجمع والأعياد غالباً، قال زر بن حبيش رحمه الله: خرج عمر بن الخطاب في يوم فطر أو في أضحى في ثوب قطن متلبباً(247) به يمشي(248) .

وفي رواية: أن عمر رضي الله عنه أبطأ على الناس يوم الجمعة، ثم خرج فاعتذر إليهم في احتباسه، وقال: إنما حبسني غسل ثوبي هذا، كان يُغسل ولم يكن لي ثوب غيره(249) .

ولبس عمر رضي الله عنه ثوب القطن كما تقدم في الأثر السابق، ولم يلبس رضي الله عنه ثياب الخز(250) تورعاً منه وزهداً، قال عامر بن عبيدة الباهلي: سألت أنساً عن الخز، فقال: وددت أن الله لم يخلقه، وما أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا وقد لبسه ما خلا عمر وابن عمر(251) .

صفحة مطبوعة 77 · ورقة PDF 77رابط الصفحة المنفردة

إن عمر كان زاهداً في ملبسه لدرجة أن بعض أصحابه كلمه في أن يلبس ثياباً لينة رقيقة تتناسب مع منزلته وكونه خليفة للمسلمين وأكبر المؤمنين، ولكنه أبى ذلك، ولامهم على كلامهم ذلك.

فقد قدم الربيع بن زياد الحارثي على عمر رضي الله عنه، فأعجبت عمر هيئة الربيع وشكا عمر رضي الله عنه طعاماً غليظاً أكله، فقال الربيع: يا أمير المؤمنين، إن أحق الناس بطعام لين، ومركب لين، وملبس لين لأنت، فرفع عمر جريدة معه، فضرب بها رأسه وقال: أما والله ما أراك أردت بها الله، وما أردت إلا مقاربتي إن كنت لأحسب أن فيك خيراً(252) .

تجمُّله وتنظُّفه رضي الله عنه

لقد كان عمر رضي الله عنه زاهداً في طعامه وشرابه ولباسه، ولكنه رضي الله عنه كان يتنظف ويتطهر ويتجمل بالذي أباح الله عز وجل، فكان رضي الله عنه يغتسل ويستحم ويسخن له الماء للاستحمام في قمقم له(253) .

ومن تجمله رضي الله عنه أنه كان يخضب رأسه ولحيته بالحناء(254) ، وربما خضب بالحناء والكتم(255) .

وجاء في رواية أنه رضي الله عنه كان لا يغير شيبه(256) ، ولعل ذلك كان أولاً ثم خضب رضي الله عنه.

ومن تجمله رضي الله عنه تختمه، فقد لبس خاتم النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من فضة نقشه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم(257) .

صفحة مطبوعة 78 · ورقة PDF 78رابط الصفحة المنفردة

وجاء في رواية: أن عمر رضي الله عنه لم يتختم حتى لقي الله عز وجل(258) .

نومه رضي الله عنه

روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا صلى العشاء أمر أهله، فوضعوا إناء فيه ماء، ثم ينام، فإذا استيقظ من الليل وضع يده في الإناء، ومسح بها وجهه(259) .

وكان رضي الله عنه يقيل قائلة الظهر، فكان يصلي الظهر ثم ينام حتى العصر(260) .

مراكبه رضي الله عنه

كان عمر رضي الله عنه يركب البعير وهي الدابة التي كانت تركب في ذلك العهد، فقد

صفحة مطبوعة 79 · ورقة PDF 79رابط الصفحة المنفردة

قدم رضي الله عنه الشام على بعير، فعرضت له مخاضة(261) فنزل عن بعيره، ونزع موقيه((262)

فأمسكها بيده، فخاض في الماء ومعه بعيره(263) .

وكان قدومه الشام في سنة ست عشرة من الهجرة عندما قدم لعقد صلح بيت المقدس، فقدم من المدينة إلى الجابية(264) ، وكتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوه بها، وكتب

صلح بيت المقدس وهو بالجابية ثم سار إلى بيت المقدس(265) .

وكان رضي الله عنه يعتني بدابته وينظفها، قال ربيعة بن عبد الله بن الهدير: رأيت عمر بن

صفحة مطبوعة 80 · ورقة PDF 80رابط الصفحة المنفردة

الخطاب يقرد(266) بعيراً له في طين بالسقيا(267) وهو محرم(268)

ولما قدم رضي الله عنه الشام قدم إليه برذوناً(269) ليركبه، فركبه رضي الله عنه فهزه وتمايل به، فنزل رضي الله عنه عنه وقال: قبح الله من علمك هذا(270) .

سلاحه رضي الله عنه

كان لعمر رضي الله عنه سيف محلى، وكان ابنه عبد الله رضي الله عنه يحمله بعد مقتل أبيه(271) .

صفحة مطبوعة 81 · ورقة PDF 81رابط الصفحة المنفردة

صفاته الخُلقية

لقد اتصف الفاروق عمر رضي الله عنه بجملة كبيرة من الصفات الخُلقية امتاز بها عن غيره، جعلته مؤهلاً لأن يكون الرجل الثاني بعد الصديق أبي بكر رضي الله عنه، وإليك أيها القارئ نبذة مختصرة من هذه الصفات التي تميز بها عمر رضي الله عنه.

1- شدته في الدين وغيرته على محارم الله

من صفات عمر رضي الله عنه التي اشتهر بها الشدة في الدين، والصرامة في الحق، وشدة الغيرة على محارم الله عز وجل، ومواقفه الدالة على ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه وفي خلافته كثيرة، وسيأتي إن شاء الله ذكر الكثير منها، وأشير هنا إلى بعض تلك المواقف.

فمن ذلك: أن عمر رضي الله عنه أتى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والحبشة يلعبون فيه بحرابهم(272) ، فأهوى رضي الله عنه إلى الحصى، فحصبهم به،فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر:«دعهم يا عمر»(273) ، وكانت عائشة رضي الله عنها تنظر إليهم والنبي صلى الله عليه وسلم يسترها(274) .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة ومعه عمر رضي الله عنه، فرأى عمر امرأة فصاح بها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعها يا عمر، فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب»(275) .

صفحة مطبوعة 82 · ورقة PDF 82رابط الصفحة المنفردة

وقال الأسود بن سريع رضي الله عنه: كنت أنشده يعني النبي صلى الله عليه وسلم ولا أعرف أصحابه، حتى جاء رجل بعيد ما بين المناكب، أصلع، فقيل لي: أسكت، فقلت: واثكلاه! من هذا الذي أسكت له عند النبي صلى الله عليه وسلم. فقيل: إنه عمر بن الخطاب، فعرفت والله بعد أنه كان يهون عليه لو سمعني أن لا يكلمني حتى يأخذ برجلي، فيسحبني إلى البقيع(276) .

وجاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه شبه عمر بنوح عليه السلام، وأنه كان أشد في الله من الحجر(277) .

2- قبول عمر رضي الله عنه للحق وسرعة رجوعه إليه

ومن صفاته رضي الله عنه الخُلقية والدالة على كمال دينه وإيمانه رجوعه للحق إذا تبين له، وإذا ذُكِّر بالله عز وجل، على الرغم من شدته رضي الله عنه وصلابته، حيث إن تلك الشدة لم تكن إصراراً على الخطأ وتعصباً للرأي، وإنما كانت شدة وصلابة في التمسك بالحق والدفاع عنه.

ومن أمثلة ذلك موقفه رضي الله عنه من عيينة بن حصن الفزاري حينما قدم عليه ونزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان الحر من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر رضي الله عنه ومشاورته كهولاً كانوا أو شباناً، فقال عيينة لابن أخيه الحر: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه. قال: سأستأذن لك عليه، فأذن له عمر، فلما دخل عيينة على عمر، قال: هِيْ يا ابن الخطاب، فو الله ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل، فغضب عمر حتى همَّ به، فقال له الحر: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ

صفحة مطبوعة 83 · ورقة PDF 83رابط الصفحة المنفردة

عَنِ الْجَٰهِلِينَ﴾(278) وإن هذا من الجاهلين، قال ابن عباس رضي الله عنه: فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه، وكان وقَّافاً عند كتاب الله(279)

وفي الأثر السابق دلالة أيضاً على تحلي عمر رضي الله عنه بصفة الحلم.

ومن المواقف الدالة على قبول عمر رضي الله عنه الحق ورجوعه إليه، موقفه مع جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه، فقد كان عمر رضي الله عنه ومعه نفر من أصحابه فيهم جرير بن عبد الله رضي الله عنهم في بيتٍ فوجد عمر رضي الله عنه ريحاً، فقال: عزمت على صاحب هذه الريح لما قام فتوضأ، فقال جرير: يا أمير المؤمنين أو يتوضأ القوم جميعاً، فقال عمر: رحمك الله، نعم السيد كنت في الجاهلية، ونعم السيد في الإسلام(280) .

وروي أن عمر ذكر بني تميم فذمهم، فقام الأحنف فقال: يا أمير المؤمنين إئذن لي فأتكلم، قال: تكلم، قال: إنك ذكرت بني تميم فعممتهم بالذم، وإنما هم من الناس، فمنهم الصالح والطالح، فقال عمر: صدقت، فعفا بقول حسن(281) .

3- حبه رضي الله عنه للذكر وسماع الموعظة

ومن صفاته رضي الله عنه الدالة على كمال دينه، حبه لذكر الله عز وجل وسماعه لموعظة الواعظين، فإن ذلك يرقق القلب، ويزيد اليقين، فكان رضي الله عنه يجمع أصحابه ويقول لأبي موسى الأشعري رضي الله عنه: شوقنا إلى ربنا، فيقرأ أبو موسى رضي الله عنه من القرآن ما شاء الله(282) .

وكان رضي الله عنه يقول لكعب الأحبار: خوِّفنا يا كعب، فيقول كعب: يا أمير المؤمنين،

صفحة مطبوعة 84 · ورقة PDF 84رابط الصفحة المنفردة

أليس فيكم كتاب الله، وسُنة رسول الله صلى الله عليه وسلم والحكمة؟!. فيقول عمر: بلى، ولكن خوِّفنا، فيجعل كعب يذكر عمر أهوال القيامة، وعذاب النار، ويصغي له عمر رضي الله عنه، وهو مطرقٌ رأسه متأمل ما يقوله كعب، ثم يقول: زدنا(283)

4- خشيته لله عز وجل

كان عمر رضي الله عنه شديد الخشية لله دائم الخوف والوجل من لقائه شديد المحاسبة لنفسه، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: خرجت مع عمر بن الخطاب حتى دخل حائطا(284) ً( ، فسمعته يقول وبيني وبينه الجدار وهو في جوف الحائط: عمر أمير المؤمنين بخٍ بخٍ(285) ، والله يا بُنَيَّ الخطاب لتتقين الله أو ليعذبنك(286) .

وقال عبد الله بن عمر لأبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي الله عنهم: هل تدري ما قال أبي لأبيك؟ قال: لا، قال: فإن أبي قال لأبيك: يا أبا موسى، هل يسرك إسلامنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرتنا معه وجهادنا معه، وعملنا

صفحة مطبوعة 85 · ورقة PDF 85رابط الصفحة المنفردة

كله معه بَرَد(287) لنا، وأن كل عمل عملناه بعده نجونا منه كفافاً(288) رأساً برأس؟ قال: لا والله قد جاهدنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصلينا وصمنا، وعملنا خيراً كثيراً، وأسلم على أيدينا بشر كثير، وإنا لنرجو ذلك، قال عبد الله: فقال أبي: لكني أنا والذي نفسي بيده، لوددت أن ذلك برد لنا، وأن كل شيء عملناه بعد نجونا منه كفافاً رأساً برأس.قال أبو بردة: إن أباك والله خير من أبي(289)

ولما حضرت الوفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أثنى عليه الناس في إمارته وخلافته، فقال: بالإمارة تغبطوني؟ فوالله لوددت أني أنجو كفافاً لا علي ولا لي(290) .

ودخل عليه ابن عباس رضي الله عنهما لما طعن، فقال: يا أمير المؤمنين، أبشر بالجنة، أسلمت حين كفر الناس، وجاهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين خذله الناس، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنك راضٍ، ولم يختلف في خلافتك اثنان، وقتلت شهيداً، فقال عمر رضي الله عنه: أعد علي، فأعاد عليه، فقال عمر: والذي لا إله غيره، لو أن لي ما على الأرض من صفراء وبيضاء لافتديت به من هول المطَّلع(291) .

وقال رضي الله عنه لابنه عبد الله، وكان رأسه في حجره لما طعن: ضع خدي بالأرض، فقال عبد الله: فهل فخذي والأرض إلا سواء، فقال: ضع خدي بالأرض لا أم لك(292) في

صفحة مطبوعة 86 · ورقة PDF 86رابط الصفحة المنفردة

الثانية أو في الثالثة، ثم شبك بين رجليه، وقال: ويلي وويل أمي إن لم يغفر الله لي حتى فاضت نفسه(293)

ومن خشية عمر رضي الله عنه لربه حرصه الشديد على أداء فرائض الله عز وجل، والوقوف عند حدوده.

قال المسور بن مخرمة رضي الله عنه: دخلت أنا وابن عباس على عمر بعدما طعن، وقد أغمي عليه، فقلنا: لا يتنبه لشيء أفزع له من الصلاة، فقلنا: الصلاة يا أمير المؤمنين، فانتبه، وقال: لا حظ في الإسلام لامرئ ترك الصلاة فصلى وجرحه يثعب دماً(294) .

وروي أن عمر رضي الله عنه تأخر يوماً عن صلاة المغرب حتى طلع نجمان، فلما فرغ من صلاته تلك أعتق رقبتين(295) .

ومن خشية عمر رضي الله عنه لربه أنه كان إذا غضب ثم ذُكر الله عنده هدأ عنه الغضب وذهب، كما مرَّ ذلك في قصة دخول عيينة بن حصن عليه.

صفحة مطبوعة 87 · ورقة PDF 87رابط الصفحة المنفردة

5- رقة قلبه وخشوعه رضي الله عنه

كان عمر رضي الله عنه خاشع القلب رقيقه، كثير الدمع، سريع البكاء من خشية الله عز وجل.

قال عبد الله بن شداد بن الهاد رضي الله عنه: سمعت نشيج(296) عمر وأنا في آخر الصفوف، وهو يقرأ سورة يوسف حين بلغ: ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أَشْكُوا۟ بَثِّى وَحُزْنِىٓ إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾(297)(298) )( .

6- ورعه رضي الله عنه

ومن صفات عمر رضي الله عنه الدالة على كمال دينه و ورعه وشدة تحرزه في دينه، وتركه الشبهات استبراءاً لدينه وعرضه، ومن أخباره الدالة على ذلك:

أنه رضي الله عنه كان له ناقة يحلبها ويشرب لبنها، فأتى له غلامه يوماً بلبن أنكره، فقال عمر رضي الله عنه: ويحك من أين هذا اللبن لك؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن الناقة انفلت عليها ولدها فشربها، فحلبت لك ناقة من مال الله، فقال عمر رضي الله عنه: ويحك، تسقني ناراً(299) .

ففي هذا الأثر دلالة على تخلُّق عمر رضي الله عنه بهذه الصفة الجليلة، ومما لا مراء فيه أن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم هم أكثر هذه الأمة ورعاً وتقوى لله، وبالأخص صاحِبَيْ النبي صلى الله عليه وسلم أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.

صفحة مطبوعة 88 · ورقة PDF 88رابط الصفحة المنفردة

7- زهده رضي الله عنه

ومن صفات عمر رضي الله عنه الدالة على عزمه وقوة إرادته إضافة إلى قوة دينه وإيمانه الزهد في الدنيا وزينتها، والرغبة فيما عند الله، وقد تقدم ذكر شيء من ذلك عند الكلام على طعام عمر رضي الله عنه وشرابه ولباسه.

ومن الآثار الدالة على زهده في الدنيا ما ذكره هو عن نفسه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقر إليه مني، حتى أعطاني مرة مالاً، فقلت: أعطه من هو أفقر إليه مني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«خذه فتموله(300) ، وتصدَّق به، فما جاءك من هذا المال، وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، ومالا فلا تتبعه نفسك»(301) .

ومن أقوال الصحابة رضوان الله عليهم في زهد عمر رضي الله عنه ما روي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه فيه: والله ما كان بأقدمنا إسلاماً، ولكن قد عرفت بأي شيء فضلنا، كان أزهدنا في الدنيا(302) .

8- صبره رضي الله عنه

ومن صفات عمر رضي الله عنه الصبر، والصبر من الصفات الحميدة التي حضَّ الله تبارك وتعالى عليها في مواضع كثيرة من كتابه، ورتب عليها الأجر والثواب العظيم، واتصاف عمر رضي الله عنه بالصبر أمر ثابت، وله شواهد أكثر من أن تحصر،

صفحة مطبوعة 89 · ورقة PDF 89رابط الصفحة المنفردة

حيث إن اتصاف عمر رضي الله عنه بالصفات السابقة الذكر كشدة الخشية لله، والمراقبة له والورع والزهد، دليل على شدة صبره وعزمه؛ لأن تلك الصفات تستلزم الصبر.

وقد روي أن عمر رضي الله عنه قال: وجدنا خير عيشنا بالصبر(303) .

9- هيبته رضي الله عنه

ومن صفات عمر رضي الله عنه الدالة على قوة شخصيته الهيبة، فقد كان رضي الله عنه ذا هيبة عظيمة، يهابه مَن حوله من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فضلاً عن بقية رعيته.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: مكثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له(304) .

وقال عمرو بن ميمون رحمه الله تعالى: شهدت عمر رضي الله عنه يوم طعن، ما منعني أن أكون في الصف المتقدم إلا هيبته، وكان رجلاً مهيباً، فكنت في الصف الذي يليه(305) .

10- كراهيته رضي الله عنه المدح والثناء

ومن صفات عمر رضي الله عنه الدالة على قوة شخصيته وكمالها كراهيته المدح والثناء.

دخلت عليه ابنته حفصة رضي الله عنها لما طعن، فجعلت تثني عليه وتقول: يا صاحب رسول الله، ويا صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويا أمير المؤمنين وجعلت تثني عليه، فقال عمر رضي

صفحة مطبوعة 90 · ورقة PDF 90رابط الصفحة المنفردة

الله عنه لابنه عبد الله: أجلسني، فلا صبر لي على ما أسمع، فأسنده إلى صدره، فقال عمر لحفصة رضي الله عنهما: إني أحرج عليك بما لي عليك من الحق أن تندبيني بعد مجلسك هذا، فأما عينيك فلن أملكها(306)

11- كرمه رضي الله عنه

ومن صفات عمر رضي الله عنه الدالة على كمال شخصيته سماحته وكرمه.

فقد كان رضي الله عنه سخياً كثير الإنفاق في سبيل الله، وفي وجوه الخير، وإكرام رعيته ومواساتهم.

وقد تقدم ذكر شيء من حبه للإنفاق في سبيل الله، حيث كان يتسابق مع الصديق رضي الله عنه في الصدقة، وتصدق بأغلى وأحب مال عنده، وهو أرضه بخيبر(307) .

ومن كرمه لأضيافه ومواساته لرعيته ما تقدم ذكره في خبر قدوم عتبة بن فرقد على عمر رضي الله عنه، وفيه قال عمر رضي الله عنه: إنا ننحر كل يوم جزوراً، فأما ودكها وأطايبها، فلمن حضرنا من آفاق المسلمين(308) .

وفي قصة قدوم رسول سلمة بن قيس الأشجعي بغنائم بعض فتوح فارس ذكر أنه قدم على عمر رضي الله عنه وهو يطعم الناس، وهو متكئ على عصا ويعاونه مولاه يرفأ، وعمر يقول: ضع هنا يا يرفأ، ضعها هنا(309) .

وقال عبد الله بن عمر

صفحة مطبوعة 91 · ورقة PDF 91رابط الصفحة المنفردة

رضي الله عنهما: ما رأيت أحداً قط بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حين قبض كان أجد وأجود حتى انتهى من عمر بن الخطاب رضي الله عنه(310)

12- شجاعته رضي الله عنه

ومن صفات عمر رضي الله عنه الدالة على قوة شخصيته شجاعته، فقد اتصف عمر رضي الله عنه بصفات خلقية فيها كل معاني القوة، والقارئ لسيرته رضي الله عنه وحياته في الجاهلية والإسلام، ومواقفه مع النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم تخلفه عنه في سلم أو حرب، وجرأته على أعداء الله وانتقامه منهم، وما فتح الله على يديه من فتوحات في خلافته ما كانت تحقق لولا عون الله عز وجل، وما منحه الله عز وجل لهذا الخليفة الراشد من صفات القوة والحزم والجلادة والصبر والشجاعة والإقدام.

13- تواضعه رضي الله عنه

ومن صفات عمر رضي الله عنه والتي فيها معنى السهولة واللطف ولين الجانب تواضعه لربه عز وجل، وعدم تكبره على رعيته، بالرغم مما كان يمتلكه من صفات القوة والهيبة، وما كان تحت ملكه وتصرفه من البلاد التي شملت الجزيرة العربية، وبلاد فارس من أقصاها إلى أدناها، وبلاد الشام ومصر، فلم يزده الملك إلا تواضعاً لربه تبارك وتعالى، وخوفاً وخشية منه.

قدم الهرمزان المدينة وكان من ملوك فارس، فرأى عمر رضي الله عنه مضطجعاً على الأرض في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وهو أمير المؤمنين، وليس حوله خدم ولا حرس ولا حاجب، قد أمن رعيته وأمنته، فرأى منظراً عجيباً ملأ قلبه هيبة وإجلالاً، فقال: «هذا والله الملك الهني»(311) إن الهرمزان قارن بين ملوك فارس الذين امتلأت قصورهم بالحرس والخدم، وامتلأت قلوبهم خوفاً وقلقاً، تخافهم رعيتهم ويخافونهم، وبين عمر بن الخطاب رضي الله عنه

صفحة مطبوعة 92 · ورقة PDF 92رابط الصفحة المنفردة

الذي عدل في حكمه، فأمن الناس من جوره، وأمن هو من بطشهم، وعندها أعلن الهرمزان أن الملك الهني لا يتعدى ما عليه عمر رضي الله عنه، وكما قيل: حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر.

ولما قدم عمر رضي الله عنه بلاد الشام عرضت له في طريقه وهو راكب على بعيره مخاضة فنزل رضي الله عنه عن بعيره، ونزع موقيه فأمسكهما بيده، فخاض الماء، ومعه بعيره، فقال له أبو عبيدة رضي الله عنه: قد صنعت اليوم صنعاً عظيماً عند أهل الأرض، صنعت كذا وكذا، فصك في صدره وقال: أوه لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس، وأصغر الناس، وأقل الناس، فأعزكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم الله(312) .

واستقبله رضي الله عنه الناس بالشام، وهو على بعيره فقالوا له: يا أمير المؤمنين، لو ركبت برذوناً(313) حتى يلقاك عظماء الناس ووجوههم،فقال عمر: لا أراكم ها هنا إنما الأمر من ها هنا، وأشار بيده إلى السماء، ثم قال: خلوا سبيل جملي(314) .

صفحة مطبوعة 93 · ورقة PDF 93رابط الصفحة المنفردة

ومن صور تواضعه ما رواه ربيعة بن الهدير أنه رأى عمر رضي الله عنه يقرد بعيراً له وينظفه بالطين وهو محرم(315) .

وقال مالك بن أبي عامر الأصبحي رحمه الله: رأيت عمر وعثمان رضي الله عنهما إذا قدما من مكة ينزلان بالمعرص(316) ، فإذا ركبوا ليدخلوا المدينة، لم يبق منهم أحدٌ إلا أردف وراءه غلاماً فدخلا على ذلك، فقال له ابنه نافع: هل كانا يفعلان ذلك إرادة التواضع؟ فقال: نعم، ثم ذكر ما أحدث الناس من أن يمشوا غلمانهم خلفهم وهم ركبان، ويعيب ذلك عليهم(317) .

ومن ذلك ما جاء في قصة مجيء عمر إلى زيد بن ثابت رضي الله عنهما ليستشيره في ميراث الجد، وفيها أن عمر رضي الله عنه استأذن على زيد ورأسه في يد جارية له ترجله، فلما رأى زيد عمر نزع رأسه، فقال له عمر: دعها ترجلك، فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ جئتك، فقال عمر: إنما الحاجة لي(318) .

وروي أن عمر رضي الله عنه خرج يوم الجمعة، فقطر عليه ميزاب العباس، وكان على طريق عمر إلى المسجد، فقلعه عمر رضي الله عنه، فقال له العباس رضي الله عنه: قلعت ميزابي، والله ما وضعه

صفحة مطبوعة 94 · ورقة PDF 94رابط الصفحة المنفردة

حيث كان إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده، فقال عمر: لا جرم(319) أن لا يكون لك سُلم غيري، ولا يضعه إلا أنت بيدك، فحمل عمر العباس على عنقه، فوضع رجليه على منكبي عمر، ثم أعاد الميزاب حيث كان فوضعه موضعه(320)

ومما لا شك فيه أن تواضع عمر رضي الله عنه لم يكن تواضعاً فيه الضعف والخور والتماوت، بل كان رضي الله عنه مع تواضعه قوياً شديداً ذا وقار وهيبة، وسيرته رضي الله عنه دالة على ذلك، فقد روي أن الشفاء بنت عبد الله رأت فتياناً يقصدون في المشي، ويتكلمون رويداً، فقالت: ما هذا؟ قالوا: نُسَّاك، فقالت: كان والله عمر بن الخطاب إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وهو الناسك حقاً(321)

14- مرحه رضي الله عنه

صفحة مطبوعة 95 · ورقة PDF 95رابط الصفحة المنفردة

ومن صفات عمر رضي الله عنه الدالة على سماحته ولين جانبه، مرحه ومداعبته لأصحابه.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: ربما قال لي عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تعال أباقيك في الماء أينا أطول نفساً ونحن محرمون(322) .

فكان رضي الله عنه يتنافس مع ابن عباس رضي الله عنهما بإدخال رأسيهما في الماء أيهما أطول نفساً يستطيع البقاء في الماء.

وقال أبو رافع الصائغ: كان عمر يمازحني يقول: أكذب الناس الصائغ، يقول اليوم غداً(323) .

فضائل

عمر الفاروق رضي الله عنه

صفحة 96 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 97 · ورقة PDF 97رابط الصفحة المنفردة

فضائل عمر الفاروق رضي الله عنه

صفحة 98 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 99 · ورقة PDF 99رابط الصفحة المنفردة

لقد حظي الفاروق عمر رضي الله عنه بفضائل جمة، ومناقب كثيرة، كانت نتيجة طبيعية لما أكرمه الله تعالى به من صفات ومزايا برز فيها على الآخرين، وفاق فيها الأقران، وتقدم فيها عمن سبقه، وأدرك فيها من كان أمامه.

وحتى نعلم المنزلة التي شرف بها عمر رضي الله عنه، والمكانة التي تبوأها، فلنقرأ الصفحات التالية لنصل إلى درجة اليقين بأنه رضي الله عنه لم يكن مكرماً عند البشر فقط، بل وعند رب البشر جل جلاله وتقدست أسماؤه.

مكانته عند الله عز وجل

إن مكانة عمر رضي الله عنه ومنزلته عند ربه عز وجل مكانة ومنزلة عالية ورفيعة، ويدل على ذلك أمور هي:

1- نزول القرآن الكريم بموافقة رأيه رضي الله عنه

فقد نزلت آيات عديدة من القرآن الكريم موافقة لرأي عمر رضي الله عنه وما يميل إليه، قال ابن عمر رضي الله عنهما: ما نزل بالناس أمر قط، فقالوا فيه، وقال فيه عمر إلا نزل فيه القرآن على نحو ما قال عمر(324) .

ومن الآيات التي نزلت موافقة لرأي عمر رضي الله عنه ما أخبر به هو عن نفسه، قال عمر رضي الله عنه: وافقت ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم

صفحة مطبوعة 100 · ورقة PDF 100رابط الصفحة المنفردة

مصلى، فنزلت: وَاتَّخِذُوا۟ مِن مَّقَامِ إِبْرَٰهِـۧمَ مُصَلًّى﴾(325) وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في الغيرة عليه، فقلت لهن: عَسَىٰ رَبُّهُۥٓ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُۥٓ أَزْوَٰجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ(326) فنزلت هذه الآية(327)

وفي نزول آية الحجاب قالت عائشة رضي الله عنها: إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع(328) وهو صعيد أفيح(329) ، فكان عمر رضي الله عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك، فلم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي عشاء، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر: ألا قد عرفناك يا سودة، حرصاً على أن ينزل الحجاب، فأنزل الله آية الحجاب(330) .

صفحة مطبوعة 101 · ورقة PDF 101رابط الصفحة المنفردة

وقالت عائشة رضي الله عنها: كنت آكل مع النبي حيساً(331) ،فمر عمر فدعاه فأكل، فأصابت يده إصبعي، فقال: حس(332) ، لو أطاع فيكن ما رأتكن عين، فنزل الحجاب(333) .

قال ابن حجر رحمه الله تعالى: وطريق الجمع بينهما أن أسباب نزول الحجاب تعددت(334) .

ومن القضايا التي نزل فيها القرآن موافقاً لرأي عمر رضي الله عنه قضية أسارى بدر(335) .

قال ابن عباس رضي الله عنهما: فلما أسروا الأسارى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما:«ما ترون في هؤلاء الأسارى»؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما ترى يا ابن الخطاب»؟. فقال عمر: قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل، فيضرب عنقه، وتمكني من فلان«نسيباً لعمر» فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت، فلما كان من الغد جئت، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟ فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم

صفحة مطبوعة 102 · ورقة PDF 102رابط الصفحة المنفردة

أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة، شجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم» وأنزل الله عز وجل: مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى الْأَرْضِ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَٰلًا طَيِّبًا(336)

ومنها تحريم الخمر:

فقد كان عمر رضي الله عنه يرغب في تحريم الخمر ويأمل أن ينزل الوحي بتحريمها، فقال رضي الله عنه: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية: ﴿ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ(337) ﴾ فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية ﴿يَٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقْرَبُوا۟ الصَّلَوٰةَ وَأَنتُمْ سُكَٰرَىٰ(338) ﴾ ، فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا لا يقربن الصلاة سكران، فدعي عمر، فقرئت عليه، فقال: اللهم بيَّن لنا في الخمر بياناً شافياً، فنزلت الآية: ﴿ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾(339) ، فقال عمر: انتهينا(340) .

صفحة مطبوعة 103 · ورقة PDF 103رابط الصفحة المنفردة

ومن موافقات القرآن لعمر رضي الله عنه موافقته له في عدم الصلاة على زعيم المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول.

فلما توفي عبد الله بن أبي بن سلول جاء ابنه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، أعطني قميصك أكفنه فيه، وصل عليه، واستغفر له، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم قميصه، فقال: آذِنِّي أصلي عليه، فآذنه، فلما أراد أن يصلي عليه جذبه عمر رضي الله عنه، فقال: أليس الله نهاك أن تصلي على المنافقين، فقال صلى الله عليه وسلم:«أنا بين خيرتين، قال: استغفر لهم أو لا تستغفر لهم» فصلى عليه، فنزلت: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰٓ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا(341)(342) ﴾ )( .

2- تبشير الله عز وجل لعمر رضي الله عنه بالجنة

ومن كريم مكانة عمر رضي الله عنه عند ربه عز وجل وعظم منزلته تبشيره بالجنة التي أعدها الله عز وجل لأوليائه جعلنا الله منهم.

قال صلى الله عليه وسلم: بينا أنا نائم رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالوا: لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرته، فوليت مدبراً، فبكى عمر، وقال: أعليك أغار يا رسول الله؟(343) .

وخرج أبو موسى الأشعري رضي الله عنه من بيته وتوضأ وتبع النبي صلى الله عليه وسلم حتى دخل معه

صفحة مطبوعة 104 · ورقة PDF 104رابط الصفحة المنفردة

بئر أريس(344) وقضى النبي صلى الله عليه وسلم حاجته، وجلس أبو موسى رضي الله عنه عند باب البئر، وكان من الجريد، فجلس النبي صلى الله عليه وسلم على البئر وتوسط قفها(345) وكشف عن ساقيه، ودلَّاهما في البئر، فجاء أبو بكر، فدفع الباب، فقال أبو موسى: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقال: على رسلك، ثم ذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هذا أبو بكر يستأذن، فقال:«ائذن له وبشره بالجنة»، فأقبل أبو موسى رضي الله عنه حتى قال لأبي بكر رضي الله عنه: ادخل ورسول الله صلى الله عليه وسلم يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر، فجلس عن يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في القف، ودلَّى رجليه في البئر...، فإذا إنسان يحرك الباب، فقال أبو موسى: من هذا؟ قال: عمر بن الخطاب، فقال: على رسلك، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه، فقال: هذا عمر بن الخطاب يستأذن، فقال:«ائذن له وبشره بالجنة»، فجاء فقال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: ادخل ويبشرك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة... الحديث(346)

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبو بكر وعمر سيدا كهول(347) أهل الجنة من الأولين

صفحة مطبوعة 105 · ورقة PDF 105رابط الصفحة المنفردة

والآخرين إلا النبيين والمرسلين»(348)

وهو رضي الله عنه أحد العشرة المبشرين بالجنة(349) .

وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: مشيت مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى امرأة رجل من الأنصار، فرشت لنا أصول نخل، وذبحت لنا شاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ليدخلن رجل من أهل الجنة»، فدخل أبو بكر رضي الله عنه، ثم قال:«ليدخلن رجل من أهل الجنة فدخل عمر رضي الله عنه.......» الحديث(350) .

وقال صلى الله عليه وسلم:«إن الرجل من أهل عليين ليشرف على أهل الجنة، فتضيء الجنة لوجهه كأنها كوكب دري، وإن أبا بكر وعمر لمنهم وأنعما(351) .

صفحة مطبوعة 106 · ورقة PDF 106رابط الصفحة المنفردة

منزلة عمر رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم

إن رفعة مكانة عمر رضي الله عنه وعلو منزلته وقدره عند النبي صلى الله عليه وسلم أمر معروف عند سلف الأمة وخلفها، لا ينازع فيه إلا ضال مكابر، فقد جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم الأحاديث الثابتة الدالة على ذلك، ومن ذلك:-

أولاً: أحاديث تدل على محبة النبي صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه وثنائه عليه وتوقيره إياه

فقد روى عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: بعثني النبي صلى الله عليه وسلم على جيش ذات السلاسل، فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، قلت: ثم من: قال عمر... الحديث(352) .

وقال عبد الله بن شقيق رحمه الله تعالى: قلت لعائشة رضي الله عنها: أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قالت: عمر...(353) .

وقال صلى الله عليه وسلم عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما:«هذان السمع والبصر»(354) .

وقال علي رضي الله عنه وقد دخل على عمر رضي الله عنه بعد أن كفن: ما خلفت أحداً أحب إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أني كنت كثيراً أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر(355) .

وقال صلى الله عليه وسلم: «نعم الرجل عمر»(356) .

وكان صلى الله عليه وسلم يوقر عمر رضي الله عنه ويجلُّه،

صفحة مطبوعة 107 · ورقة PDF 107رابط الصفحة المنفردة

قالت عائشة رضي الله عنها: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بخزيرة(357) قد طبختها له، فقلت لسودة والنبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينها: كلي، فأبت، فقلت: لتأكلن أو لألطخن وجهك، فأبت،فوضعت يدي في الخزيرة، فطليت وجهها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع بيده لها، وقال لها: الطخي وجهها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم لها، فمر عمر فقال: يا عبد الله،يا عبد الله، فظن أن سيدخل، فقال:«قوما، فاغسلا وجوهكما»، فقالت عائشة رضي الله عنها: فما زلت أهاب عمر لهيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم(358)

صفحة مطبوعة 108 · ورقة PDF 108رابط الصفحة المنفردة

ثانياً: أحاديث تدل على موافقة النبي صلى الله عليه وسلم لرأي عمر رضي الله عنه وقوله

وذلك في مواقف منها:

1- مشروعية الأذان

قال ابن عمر رضي الله عنهما: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون، فيتحينون الصلاة، ليس ينادى لها، فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوساً مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقاً مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلاً ينادي بالصلاة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بلال قم، فناد بالصلاة(359) .

2- عدم تبشير الناس بفضل لا إله إلا الله لئلا يتكلوا

قال أبو هريرة رضي الله عنه: كنا قعوداً حول رسول الله صلى الله عليه وسلم معنا أبو بكر وعمر في نفر، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا، فأبطأ علينا وخشينا أن يقتطع دوننا، ففزعنا، فكنت أول من فزع، فخرجت أبتغي رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتيت حائطاً(360) للأنصار لبني النجار، فدرت به هل أجد له باباً فلم أجد له، فإذا ربيع(361) يدخل في جوف الحائط من بئر خارجه، فاحتفزت كما يحتفز الثعلب، فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أبو هريرة؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: ما شأنك؟ قلت: كنت بين أظهرنا، فقمت، فأبطأت علينا، فخشينا أن تقتطع دوننا، ففزعنا، فكنت أول من فزع، فأتيت هذا الحائط فاحتفزت كما يحتفز الثعلب وهؤلاء الناس ورائي، فقال: يا أبا هريرة، وأعطاني نعليه، فقال: اذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله

صفحة مطبوعة 109 · ورقة PDF 109رابط الصفحة المنفردة

مستيقناً بها قلبه فبشره بالجنة، فكان أول من لقيت عمر، فقال: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟ فقلت: هاتان نعلا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني بهما، من لقيت يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه بشرته بالجنة، فضرب عمر بيده بين ثديي، فخررت لإستي، فقال: ارجع يا أبا هريرة، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجهشت بكاء، وركبني عمر، فإذا هو على إثري، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: مالك يا أبا هريرة؟ قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به، فضرب بين ثديي ضربة خررت لإستي، قال: ارجع، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا عمر، ما حملك على ما فعلت؟ فقال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، أبعثت أبا هريرة بنعليك من لقي يشهد أن لا إله إلا الله مستيقناً بها قلبه، بَشَّره بالجنة؟ قال: نعم، قال: فلا تفعل، فإني أخشى أن يتكل الناس عليها، فخلهم يعملون، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فخلهم(362)

3- جمع أزواد الجيش والدعاء عليها بالبركة يوم تبوك

قال أبو هريرة رضي الله عنه: لما كانت غزوة تبوك(363) أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله، لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا(364) فأكلنا وادهنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افعلوا، فجاء عمر رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله إن فعلت قلَّ الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، لعل الله أن يجعل في ذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، فدعا بنطع فبسطه، ثم دعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرجل

صفحة مطبوعة 110 · ورقة PDF 110رابط الصفحة المنفردة

يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بِكسرة حتى اجتمع على النطع من ذلك شيء يسير، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة، ثم قال: خذوا أوعيتكم، فأخذوا أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملؤوه، فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاكّ فيحجب عن الجنة(365)

4- إعطاء أبي قتادة رضي الله عنه سلب قتيله يوم حنين(366)

فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين: «من قتل كافراً فله سلبه» فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلاً فأخذ أسلابهم، وقال أبو قتادة: يا رسول الله: إني ضربت رجلاً على حبل العاتق وعليه درع، فأجهضت(367) عنه، فانظر مَن أخذها، فقام رجل، فقال: أنا أخذتها، فارضه منها وأعطنيها، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يُسأل شيئاً إلا أعطاه أو سكت، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: لا والله لا يفيئها الله على أسد من أسده ويعطيكها، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال:«صدق عمر»(368) .

صفحة مطبوعة 111 · ورقة PDF 111رابط الصفحة المنفردة

ثالثاً: أحاديث تدل على كمال دينه وقوة إيمانه وفرار الشيطان منه

ومن فضائل عمر رضي الله عنه شهادة النبي صلى الله عليه وسلم له بصدق الإيمان، وكمال الدين، وفرار الشيطان منه.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ثم أقبل على الناس فقال:«بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها، فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث. فقال الناس: سبحان الله بقرة تكلم. فقال: فإني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر - وما هما ثَمَّ -، وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب، فذهب منها بشاة، فطلب حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب: هذا استنقذتها مني، فمن لها يوم السبع، يوم لا راعي لها غيري. فقال الناس: سبحان الله ذئب يتكلم. فقال: فإني أؤمن بهذا أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثَمَّ(369) .

وقال صلى الله عليه وسلم:«بينا أنا نائم رأيت الناس عرضوا علي وعليهم قمص فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر وعليه قميص اجتره، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين»(370) .

وقال صلى الله عليه وسلم:«أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في دين الله عمر»(371) .

وأخبر حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وهو صاحب سرِّ النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه ببراءته من النفاق.

صفحة مطبوعة 112 · ورقة PDF 112رابط الصفحة المنفردة

فقال حذيفة رضي الله عنه: مرَّ بي عمر بن الخطاب وأنا جالس في المسجد، فقال لي: يا حذيفة، إن فلاناً قد مات، فاشهد، ثم مضى حتى إذا كاد يخرج من المسجد التفت إلي فرآني وأنا جالس، فعرف، فرجع إلي، فقال: يا حذيفة، أنشدك بالله، أمن القوم أنا؟ قلت: اللهم لا، ولن أبرئ أحداً بعدك، قال حذيفة: فرأيت عيني عمر جادتا(372) .

وقالت أم سلمة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه، فجاء عمر رضي الله عنه فدخل عليها، فقال لها: بالله منهم أنا ؟ فقالت: لا، ولن أبلي أحداً بعدك»(373) .

ومن فضائل عمر رضي الله عنه التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم فرار الشيطان منه، فقد استأذن رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده نسوة يكلمنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن، فلما استأذن عمر قمن يبتدرن الحجاب، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك، فقال عمر رضي الله عنه: أضحك الله سنك يا رسول الله، فقال: عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب، قال عمر: فأنت يا رسول الله كنت أحق أن يهبن، ثم قال: أي عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قلن: نعم، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكاً فجّاً إلا وسلك فجّاً غير فجك»(374) .

وكان الحبشة يلعبون بالحراب والنبي صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها ينظران إليهم، فلما جاء عمر تفرقوا، فقال النبي صلى

صفحة مطبوعة 113 · ورقة PDF 113رابط الصفحة المنفردة

الله عليه وسلم:«لما جاء عمر تفرقت الشياطين»(375)

وجاءت أمة سوداء إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين رجع من بعض مغازيه، فقالت: إني كنت نذرت إن ردك الله صالحاً أن أضرب عندك بالدف فقال صلى الله عليه وسلم: إن كنت فافعلي، وإن كنت لم تفعلي فلا تفعلي فضربت، فدخل أبو بكر وهي تضرب ودخل غيره وهي تضرب، ثم دخل عمر، فجعلت دفها خلفها وهي مقنعة، فقال صلى الله عليه وسلم:«إن الشيطان ليفر منك يا عمر، أنا جالس ها هنا ودخل هؤلاء، فلما أن دخلت فَعَلت ما فَعَلت»(376) .

رابعاً: أحاديث تدل على سعة علمه رضي الله عنه وأن الحق يؤيده

ومن فضائل عمر رضي الله عنه، شهادة النبي صلى الله عليه وسلم بسعة علمه وصحته وصوابه، وأن قوله وعلمه يوافق الحق، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم «بينا أنا نائم، أتيت بقدح لبن، فشربت حتى إني لأرى الري يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب. قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال:«العلم»(377) .

وقال صلى الله عليه وسلم:«إن الله وضع الحق على لسان عمر وقلبه»(378) .

وقال صلى الله عليه وسلم:«إن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا»، قال ذلك ثلاث مرات(379) .

وقال صلى الله

صفحة مطبوعة 114 · ورقة PDF 114رابط الصفحة المنفردة

عليه وسلم:«إنه قد كان فيما مضى قبلكم من الأمم محدثون، وإنه إن كان في أمتي هذه منهم، فإنه عمر بن الخطاب»(380)

وقال صلى الله عليه وسلم:«لو كان بعدي نبي لكان عمر»(381) .

وقال صلى الله عليه وسلم:«عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين بعدي، عضوا عليها بالنواجذ»(382) .

وقال صلى الله عليه وسلم:«اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر»(383) .

صفحة مطبوعة 115 · ورقة PDF 115رابط الصفحة المنفردة

شهادة الصحابة رضي الله عنهم لعمر رضي الله عنه بالفضل

لقد كان الصحابة رضي الله عنهم يعرفون لعمر رضي الله عنه منزلته ومكانته من النبي صلى الله عليه وسلم، ويعرفون له فضله وبلاءه في الإسلام، قال عبد الله بن حوالة رضي الله عنه : أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بجب رومة(384) )، وهو يكتب الناس، فرفع رأسه إلي، فقال: يا عبد الله بن حوالة،أكتبك؟ فقلت: ما خار الله لي ورسوله، فجعل عليّ يرفع رأسه إلي فقال: أكتبك؟ فقلت: ما خار الله لي ورسوله، فقال: فرأيت في الكتاب أبا بكر وعمر، فقلت: إنهما لا يكتبان إلا في خير، فقلت: نعم، فاكتبني(385) .

وقال أبو شريح الكعبي رضي الله عنه: أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح في قتال بني بكر حتى أصبنا منهم ثأرنا وهو بمكة، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برفع السيف، فلقي رهط منا الغد رجلاً من هذيل في الحرم، يؤم(386) رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم، وكان قد وترهم(387) في الجاهلية، وكانوا يطلبونه فقتلوه، وبادروا أن يخلص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأمن، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم غضب غضباً شديداً، والله ما رأيته غضب غضباً أشد منه، فسعينا إلى أبي بكر وعمر رضي الله عنهما نستشفعهم وخشينا أن نكون قد هلكنا... الحديث(388) .

صفحة مطبوعة 116 · ورقة PDF 116رابط الصفحة المنفردة

وقد شهد كبار الصحابة رضوان الله عليهم وخيارهم بعظم منزلة عمر رضي الله عنه بينهم وبفضله بعد صاحبيه: النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر بن أبي قحافة الصديق رضي الله عنه.

قال ابن عمر رضي الله عنهما: كنا نخير بين الناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فنخير أبا بكر ثم عمربن الخطاب، ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم(389) .

وقال محمد بن الحنفية رحمه الله تعالى: قلت لأبي: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر. وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثم أنت؟ قال: ما أنا إلا رجل من المسلمين(390) .

وقال علي رضي الله عنه: خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وخير الناس بعد أبي بكر عمر(391) .

وقال رضي الله عنه: سبق رسول الله، وصلى(392) أبو بكر، وثلث عمر، ثم خبطتنا فتنة ما شاء الله(393) .

صفحة مطبوعة 117 · ورقة PDF 117رابط الصفحة المنفردة

وقال سويد بن غفلة الجعفي لعلي رضي الله عنه وقد دخل عليه في خلافته: يا أمير المؤمنين، إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر بغير الذي هما له أهل من الإسلام، لأنهم يرون أنك تضمر لهما على مثل ذلك، وأنهم لم يجترؤوا على ذلك إلا وهم يرون أنك موافق ذلك، ثم ذكر حديث خطبة علي رضي الله عنه وكلامه في أبي بكر وعمر، وقوله في آخره: ألا ولن يبلغني عن أحد يفضلني عليها إلا جلدته حد المفتري(394) .

وأما الآثار الدالة على ثناء الصحابة رضوان الله عليهم ومحبتهم لعمر رضي الله عنه فكثيرة:

قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه حينما دخل على عمر رضي الله عنه وقد كفن: ما خلفت أحداً أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وأيم الله، إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أني كنت كثيراً أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر(395) .

وقال ابن عمر رضي الله عنهما: ما رأيت أحداً قط بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من حين قبض، كان أجد وأجود حتى انتهى من عمر بن الخطاب رضي الله عنه(396) .

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: سمعت غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عمر بن الخطاب وكان أحبهم إلي(397) .

صفحة مطبوعة 118 · ورقة PDF 118رابط الصفحة المنفردة

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: كان عمر إذا سلك بنا طريقاً وجدناه سهلاً(398) .

وقال رضي الله عنه: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر(399) .

وقال: كان عمر للإسلام حصناً حصيناً يدخل فيه، ولا يخرج منه، فلما قتل انثلم الحصن(400) .

وقالت أم أيمن بركة الحبشية رضي الله عنها حاضنة النبي صلى الله عليه وسلم لما مات عمر: اليوم وهى الإسلام(401) .

وقال أبو طلحة رضي الله عنه يوم مات عمر: ما أهل بيت حاضر ولا باد إلا وقد دخل عليهم نقص(402) .

صفحة مطبوعة 119 · ورقة PDF 119رابط الصفحة المنفردة

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: إن إسلام عمر كان نصراً، وإن إمارته كانت فتحاً، وأيم الله ما أعلم على الأرض شيئاً إلا وقد وجد فقد عمر، حتى العضاة(403) ، وأيم الله إني لأحسب بين عينيه ملكاً يسدده ويرشده، وأيم الله لو أعلم كلباً يحب عمر لأحببته(404) .

وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: ما كان الإسلام في زمان عمر إلا كالرجل المقبل(405) .

وقال رضي الله عنه: ما أبالي على كف من ضربت بعد عمر(406) .

وقالت عائشة رضي الله عنها: توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل بأبي بكر ما لو نزل بالجبال لهاضها(407) ، اشرأب النفاق بالمدينة، وارتدت العرب، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بحظها وفنائها في الإسلام، وكانت تقول مع هذا: ومن رأى عمر بن الخطاب عرف أنه خلق غناء للإسلام، كان والله أحوذياً نسيج وحده، قد أعد للأمور أقرانها(408) .

وقال علي رضي الله عنه

صفحة مطبوعة 120 · ورقة PDF 120رابط الصفحة المنفردة

يوم الجمل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعهد إلينا عهداً نأخذ به في الإمارة، ولكنه شيء رأيناه من قبل أنفسنا، ثم استخلف أبو بكر رحمة الله على أبي بكر، فأقام واستقام، ثم استخلف عمر رضي الله على عمر، فأقام واستقام حتى ضرب الدين بجرانه(409)

وقالت عائشة رضي الله عنها: إذا ذكر الصالحون فحيهلا بعمر(410) .

وبكى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على أخيه عتبة لما مات، فقيل له: أتبكي؟ فقال: أخي وصاحبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحب الناس إلي إلا ما كان من عمر بن الخطاب رضي الله عنه(411) .

وقال عوف بن مالك الأشجعي رضي الله عنه: رأيت في المنام كأن الناس جمعوا فكأني برجل قد فرعهم، فوقهم بثلاثة أذرع، قلت: من هذا؟ قالوا: عمر بن الخطاب، قلت: لم؟ قالوا: إنه لا تلومه في الله لومة لائم، وإنه خليفة مستخلف، وشهيد مستشهد، قال: فأتيت أبا بكر فقصصتها عليه، فأرسل إلى عمر يبشره، فقال لي: اقصص رؤياك، فلما بلغت إلى خليفة، قال: زبرني عمر وانتهرني، قال: تقول هذا وأبو بكر حي، قال: فسكت، فلما ولي عمر كان بعد بالشام مررت به وهو على المنبر، فدعاني فقال لي: اقصص رؤياك،

صفحة مطبوعة 121 · ورقة PDF 121رابط الصفحة المنفردة

قال: فلما بلغت لا يخاف في الله لومة لائم، قال: إني لأرجو أن يجعلني الله منهم، وأما خليفة مستخلف فقد والله استخلفني، فأسأله أن يعينني على ما ولَّاني، قال: فلما بلغت وشهيد مستشهد، قال: وأنَّى الشهادة وأنا في جزيرة العرب، وحولي يغزون، ثم قال: يأتي الله بها إن شاء مرتين(412)

وقال سعيد بن عبد الرحمن بن أبزي: قلت لأبي: ما تقول في رجل سبَّ أبا بكر رضي الله عنه ؟ قال: يقتل، قلت: سبَّ عمر رضي الله عنه ؟ قال: يقتل(413) .

شهادة التابعين ومن بعدهم لعمر رضي الله عنه بالفضل

لقد شهد التابعون ومَن جاء بعدهم لعمر رضي الله عنه بالفضل، كما شهد له بذلك صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وعرفوا له قدره ومنزلته في الإسلام.

قال سالم بن أبي حفصة رحمه الله: سألت أبا جعفرٍ وجعفراً عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فقالا لي: يا سالم تولهما، وابرأ من عدوهما، فإنهما كانا إمامي هدى. قال: وقال لي جعفر: يا سالم أبو بكر جدي، أيسب الرجل جده؟! قال: وقال لي: لا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة إن لم أكن أتولاهما وأبرأ من عدوهما(414) .

وقال مسروق بن الأجدع رحمه الله: حب أبي بكر وعمر ومعرفة فضلهما من السنة(415) .

صفحة مطبوعة 122 · ورقة PDF 122رابط الصفحة المنفردة

وقال محارب بن دثار رحمه الله: بغض أبي بكر وعمر نفاق(416) .

وقال مجاهد بن جبر المكي رحمه الله: كنا نحدث أو كنا نتحدث أن الشياطين كانت مصفدة في زمن عمر رضي الله عنه فلما أصيب بثت(417) .

وقال أبو جعفر الباقر رحمه الله: من جهل فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فقد جهل السنة(418) .

وقال جعفر الصادق رحمه الله: برئ الله ممن تبرأ من أبي بكر وعمر(419) .

وقال: أنا بريء ممن ذكر أبا بكر وعمر رضي الله عنهما إلا بخير(420) .

وقال عمرو بن عبد الله أبو إسحاق السبيعي رحمه الله: بغض أبي بكر وعمر رضي الله عنهما من الكبائر(421) .

فقد ظهر لنا بما لا يدع مجالاً للشك مدى حب النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومدى بغضهم لمن يسبه أو يحاول النيل منه، كما ظهر من خلال الأمثلة السابقة أن أئمة آل البيت شأنهم في ذلك شأن الصحابة والتابعين، حيث كانوا يحبون عمر رضي الله عنه، ويعرفون له قدره ومنزلته.

صفحة مطبوعة 123 · ورقة PDF 123رابط الصفحة المنفردة

الفاروق رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين

صفحة 124 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 125 · ورقة PDF 125رابط الصفحة المنفردة

حياة عمر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل»(422) .

فأكرم وأنعم بمن كان الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم خليلاً له ورفيقاً وصديقاً وصاحباً، وهذا ما تشرف به الفاروق رضي الله عنه، ونال منه القدح المعلى، والمقام الأسمى.

وفي هذه الصفحات سنتعرف على حياة الفاروق رضي الله عنه مع النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أولاً، ثم نعرج على حياته مع خير الرجال بعد الأنبياء ألا وهم: أبو بكر الصديق، عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم .

عمر المحبُّ والموقِّر للنبي صلى الله عليه وسلم

لقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم في نفس عمر رضي الله عنه منزلة عالية لا تدانيها منزلة أحد من الخلق، فكان صلى الله عليه وسلم أحب الخلق إليه، قال رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيده: يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«لا والذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك»، فقال عمر: فإنه الآن والله لأنت أحب إلي من نفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«الآن يا عمر»(423) .

وقال رضي الله عنه لفاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم: والله ما من أحد أحب إلينا من أبيك، وما من أحد أحب إلينا بعد أبيك منك(424) .

صفحة مطبوعة 126 · ورقة PDF 126رابط الصفحة المنفردة

ومن مواقفه رضي الله عنه الدالة على محبته للنبي صلى الله عليه وسلم، موقفه من إيلائه صلى الله عليه وسلم من نسائه، ومعاتبته لابنته حفصة رضي الله عنها في ذلك، فقد دخل رضي الله عنه على حفصة رضي الله عنها، فقال لها: أتغاضب إحداكن رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم حتى الليل؟ فقالت: نعم. فقلت: خابت وخسرت، أفتأمن أن يغضب الله لغضب رسوله صلى الله عليه وسلم فتهلكين، لا تستكثري على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تراجعيه في شيء ولا تهجريه، واسأليني ما بدا لك، ولا يغرنك أن كانت جارتك هي أوضأ منك وأحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم – يريد عائشة-(425) .

ومن تلك المواقف موقفه رضي الله عنه من أم سلمة رضي الله عنها حينما خطبها النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: مرحباً برسول الله صلى الله عليه وسلم، إن فيَّ خلالاً ثلاثاً، أنا امرأة مُصبِية، وأنا امرأة شديدة الغيرة، وأنا امرأة ليس ها هنا من أوليائي أحد شاهد فيزوجني، فغضب عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أشد مما غضب لنفسه حين ردته، فأتاها، فقال: أنت التي تردين رسول الله صلى الله عليه وسلم بما تردينه(426) .

ومنها: موقفه رضي الله عنه من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قام رضي الله عنه حينما أُذيع خبر وفاته صلى الله عليه وسلم وهو يقول: والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، فجاء أبو بكر رضي الله عنه ودخل على النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُغشَّى بثوب، فكشف عن وجهه، ثم قبَّله، وخرج وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى أن يجلس، فأقبل الناس إلى أبي بكر وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أما بعد، فمن كان يعبد محمداً صلى الله عليه وسلم فإن محمداً قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حي لا يموت، قال الله تعالى: وَمَا

صفحة مطبوعة 127 · ورقة PDF 127رابط الصفحة المنفردة

مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِي۟ن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰٓ أَعْقَٰبِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْـًٔا وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّٰكِرِينَ(427)

قال عمر رضي الله عنه: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعَقِرت(428) حتى ما تقلني رجلاي(429) وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات(430) .

فلعظم مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند عمر رضي الله عنه أصابه ما أصابه من السقوط إلى الأرض عندما علم بوفاته صلى الله عليه وسلم، مع ما عرف عنه من القوة والجلادة وشدة البأس رضي الله عنه وأرضاه(431) .

ومن محبة عمر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم محبته لما يحبه النبي صلى الله عليه وسلم، قال عمر رضي الله عنه للعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: فوالله لإسلامك حين أسلمت كان أحب إليّ من إسلام الخطاب أبي لو أسلم، وذلك أني عرفت أن إسلامك أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من إسلام الخطاب(432) .

وكان عمر رضي الله عنه رؤوفاً رحيماً بالنبي صلى

صفحة مطبوعة 128 · ورقة PDF 128رابط الصفحة المنفردة

الله عليه وسلم، حريصاً على دفع الأذى والمشقة والعنت عنه صلى الله عليه وسلم.

ومن الآثار الدالة على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أشياء كرهها، فلما أكثر عليه غضب، ثم قال للناس:«سلوني عما شئتم»، فقال رجل: من أبي؟ قال:«أبوك حذافة»، فقام آخر فقال: من أبي يا رسول الله؟ فقال:«أبوك سالم مولى شيبة»، فلما رأى عمر ما في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغضب، قال: يا رسول الله إنا نتوب إلى الله عز وجل(433) .

وأتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف تصوم؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى عمر رضي الله عنه غضبه، قال: رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، فجعل عمر رضي الله عنه يردد هذا الكلام حتى سكن غضب النبي صلى الله عليه وسلم(434) .

ولما حُضر النبي صلى الله عليه وسلم ودنا أجله قال: هلم أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال عمر رضي الله عنه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب ربنا(435) .

صفحة مطبوعة 129 · ورقة PDF 129رابط الصفحة المنفردة

ودخل رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم وهو على حصير، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، قال: فرأيت أثر الحصير في جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكيت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما يبكيك»؟ فقلت: يا رسول الله، إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم:«أما ترضى أن تكون لهما الدنيا ولنا الآخرة»(436) .

وجاء في قصة إسلام زيد بن سعنة رضي الله عنه أنه قال:... خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجلٍ من الأنصار ومعه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في نفر من أصحابه، فلما صلَّى على الجنازة، ودنا من جدار ليجلس أتيته، فأخذت بمجامع قميصه وردائه ونظرت إليه بوجه غليظ، فقلت له: ألا تقضيني يا محمد حقي، فوالله ما علمتكم بني عبد المطلب لمطل، ولقد كان لي بمخالطتكم علم، ونظرت إلى عمر وإذا عيناه تدوران في وجهه كالفلك المستدير، ثم رماني ببصره، فقال: يا عدو الله، أتقول لرسول الله ما أسمع، وتصنع به ما أرى؟! فوالذي بعثه بالحق لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إلى عمر في سكون وتؤدة، وتبسَّم، ثم قال: يا عمر أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة... الحديث(437) .

وروي في قصة إسلام عمير بن وهب الجمحي أنه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يريد قتله بعد أن تكفَّل له صفوان بن أمية بقضاء دينه، ونفقة عياله، فجهَّز عمير سيفه

صفحة مطبوعة 130 · ورقة PDF 130رابط الصفحة المنفردة

وشحذ له سماً، فانطلق حتى قدم المدينة، فبينا عمر بن الخطاب رضي الله عنه في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، ويذكرون ما أكرمهم الله به، وما أراهم من عدوهم، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد متوشحاً السيف(438) فقال: هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب، والله ما جاء إلا لشر، وهو الذي حرش بيننا، وحزرنا(439) للقوم يوم بدر، ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا نبي الله هذا عدو الله عمير بن وهب قد جاء متوشحاً سيفه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأدخله علي، فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث،فإنه غير مأمون، ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم... الحديث(440)

وكان عمر رضي الله عنه يهاب النبي صلى الله عليه وسلم ويجله ويوقره.

فقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى إحدى صلاتي العشي ركعتين ثم سلَّم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع يده عليها، وكان في الناس أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فهابا أن يكلماه... الحديث(441) .

وحينما قدم وفد بني تميم على النبي صلى الله عليه وسلم اختلف أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال أبو بكر لعمر: إنما أردت خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما عند النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت: يَٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَرْفَعُوٓا۟ أَصْوَٰتَكُمْ﴾

صفحة مطبوعة 131 · ورقة PDF 131رابط الصفحة المنفردة

إلى قوله عَظِيمٌ﴾(442)

فكان عمر بعد إذا حدَّث النبي صلى الله عليه وسلم حدَّثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه(443) .

وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم اختلفوا في اللحد والشق، حتى تكلموا في ذلك وارتفعت أصواتهم، فقال عمر: لا تصخبوا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حياً ولا ميتاً، أو كلمة نحوها(444) .

الفاروق رضي الله عنه مستشاراً للنبي صلى الله عليه وسلم

قال رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمر مع أبي بكر رضي الله عنه في الأمر من أمر المسلمين وأنا معهما(445) .

عمر رضي الله عنه عاملاً للنبي صلى الله عليه وسلم وأميناً على أموال المسلمين

فقد استعمل رضي الله عنه عبد الله بن السعدي على الصدقة، فلما فرغ من عمله أعطاه عطاءه وعمالته، فقال: إنما عملت لله وأجري على الله، فقال عمر: خذ ما أعطيت، فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فَعَمَّلني(446) ،فقلت مثل قولك، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أعطيت شيئاً من غير أن تسأل فكل وتصدق(447) .

ولم يبين عمر

صفحة مطبوعة 132 · ورقة PDF 132رابط الصفحة المنفردة

رضي الله عنه العمل الذي استعمله عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه لجباية الصدقات(448)

عمر رضي الله عنه كاتباً للوحي

فقد ذكر أهل السير أنه رضي الله عنه كان من كُتاب الوحي للنبي صلى الله عليه وسلم(449) .

عمر رضي الله عنه قاضياً ومفتياً

فقد روي أن عمر رضي الله عنه كان من أهل الفتوى في حياة النبي صلى الله عليه وسلم(450) ، وأنه كان من قضاة النبي صلى الله عليه وسلم(451) .

صفحة مطبوعة 133 · ورقة PDF 133رابط الصفحة المنفردة

عمر رضي الله عنه مجاهداً مع النبي صلى الله عليه وسلم

لقد شارك عمر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم ولازمه في جميع غزواته، وكان له في تلك الغزوات مواقف خلَّدها القرآن الكريم والسنة المطهرة.

فقد شارك رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر الكبرى(452) وهي الغزوة التي فرَّق الله بها بين الحق والباطل، ومن مواقفه المشهورة فيها موقفه من أسارى بدر من المشركين، فقد استشار النبي صلى الله عليه وسلم فيهم أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ما ترى يا ابن الخطاب»؟ فقال عمر: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان«نسيباً لعمر» فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر رضي الله عنه ولم يهو ما قال عمر رضي الله عنه، فلما كان من الغد جاء عمر رضي الله عنه، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقال: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذ الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة«شجرة قريبة من النبي صلى الله عليه وسلم» وأنزل الله عز وجل: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِىٍّ أَن يَكُونَ لَهُۥٓ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِى الْأَرْضِ﴾ ﴿فَكُلُوا۟ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَٰلًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا۟ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(453)(454) )( .

وكان رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد(455) ومن مواقفه الفاضلة فيها بعد أن أصاب

صفحة مطبوعة 134 · ورقة PDF 134رابط الصفحة المنفردة

المسلمين ما أصابهم من القرح، واثخنت فيهم الجراح، وكثر شهداؤهم، وهدأ القتال، قام أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرات، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات ثم رجع إلى أصحابه، فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، فما ملك عمر رضي الله عنه نفسه، فقال: كذبت والله يا عدو الله إن الذين عددت لأحياء كلهم، وقد بقي لك ما يسوؤك(456)

وقاتل رضي الله عنه المشركين يوم الخندق(457) مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شغل عن صلاة العصر، فجعل رضي الله عنه يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله، والله ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت أن تغرب الشمس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«فوالله إن صليتها»، فنزلنا إلى بطحان، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتوضأنا، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب(458) .

وفي غزوة بني المصطلق(459) كان لعمر رضي الله عنه موقف حازم من زعيم المنافقين عبد الله ابن أبي بن سلول، فقد حدث في هذه الغزوة أن رجلاً من المهاجرين كسع(460) رجلاً من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فسمع بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:«ما بال دعوى الجاهلية»؟ قالوا: يا رسول الله كسع رجل من

صفحة مطبوعة 135 · ورقة PDF 135رابط الصفحة المنفردة

المهاجرين رجلاً من الأنصار، فقال:«دعوها فإنها منتنة»، فسمع بذلك عبد الله بن أبي، فقال: فعلوها،أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم، فقام عمر رضي الله عنه فقال: يا رسول الله، دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«دعه لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه»(461)

وكان عمر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية وهو اليوم الذي عقد فيه النبي صلى الله عليه وسلم الصلح بين المسلمين وبين كفار قريش.

قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، فبايعناه «أي النبي صلى الله عليه وسلم» وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة، فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري اختبأ تحت بطن بعيره(462) .

وموقفه رضي الله عنه من صلح الحديبية مشهور، فقد أعطت بنود هذا الصلح قريشاً حقوقاً وصلاحيات حرم منها المسلمون، فكان من تلك البنود: أن من أتى النبي صلى الله عليه وسلم مسلماً من قريش رده إليهم، فقال المسلمون: سبحان الله، كيف يرد إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟! فبينما هم كذلك إذ دخل أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف(463) في قيوده وقد خرج من أسفل مكة، حتى رمى بنفسه بين أظهر المسلمين، فقال سهيل(464) هذا يا محمد أول ما أقاضيك عليه أن ترده إليّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:«إنا لم نقض الكتاب بعدُ»

صفحة مطبوعة 136 · ورقة PDF 136رابط الصفحة المنفردة

قال: فوالله إذاً لا أصالحك على شيء أبداً. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فأجزه لي»، قال: ما أنا بمجيزه لك، قال:«بلى فافعل»، قال: ما أنا بفاعل، قال مكرز(465) بل قد أجزناه لك، قال أبو جندل: أي معشر المسلمين أرد إلى المشركين وقد جئت مسلماً، ألا ترون ما لقيت؟ وكان قد عذب عذاباً شديداً في الله(466) فقال عمر بن الخطاب: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ألست نبي الله حقاً؟ قال:«بلى»، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال:«بلى» قلت: فلم نعط الدنية في ديننا إذاً؟!

قال: «إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري»، قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى، فأخبرتك أنا نأتيه العام»؟ قلت: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوف به»، قال عمر: فأتيت أبا بكر فقلت: يا أبكر أليس هذا نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قلت: ألسنا على الحق، وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قلت: فلم نعط الدنية في ديننا إذاً ؟ قال: أيها الرجل، إنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليس يعصي ربه، وهو ناصره، فاستمسك بغرزه(467) فوالله إنه على الحق، قلت: أليس كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: بلى، أفأخبرك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به(468) .

صفحة مطبوعة 137 · ورقة PDF 137رابط الصفحة المنفردة

وشارك عمر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة خيبر(469) ، وفيها قال صلى الله عليه وسلم يوم خيبر:«لأعطين هذه الراية رجلاً يحب الله ورسوله يفتح الله على يديه»، فقال عمر: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، فتساورت لها رجاء أن أدعى لها(470) فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فأعطاه إياها... الحديث(471) .

وفي السنة الثامنة من الهجرة بعث النبي صلى الله عليه وسلم عمرو بن العاص رضي الله عنه إلى ذات السلاسل(472) ، وبعث تحت إمرته عدداً من أجلة الصحابة رضوان الله عليهم فيهم أبو بكر وعمر رضي الله عنهما(473) .

وروي أن عمر رضي الله عنه شارك في سرية الخبط، والتي كانت بإمرة أبي عبيدة بن الجراح في السنة الثامنة من الهجرة(474) .

صفحة مطبوعة 138 · ورقة PDF 138رابط الصفحة المنفردة

ومن مواقفه رضي الله عنه قبل غزوة الفتح، موقفه من حاطب بن أبي بلتعة لما أعلم قريشاً بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فحين أراد النبي صلى الله عليه وسلم التجهز للمسير إلى مكة عمَّى الأخبار عن قريش حتى لا تعلم بمسيره إليهم، فيتجهزون لقتاله، بل أراد صلى الله عليه وسلم مباغتتهم وأخذهم على غرة، وحدث أن أخبر حاطب بن أبي بلتعة قريشاً بمسير النبي صلى الله عليه وسلم ونزل الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم مخبراً له بفعل حاطب، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم حاطباً فسأله عن ذلك، فاعتذر وقَبِل عذره، فقال عمر رضي الله عنه: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال صلى الله عليه وسلم:«إنه قد شهد بدراً، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»(475) .

كما شارك عمر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره لفتح مكة(476) ومن مواقفه في هذه الغزوة الدالة على شدته على الكفار وأعداء الدين موقفه من أبي سفيان رضي الله عنه، فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم بعشرة آلاف من المسلمين حتى نزل بمر الظهران(477) وأوقد الجيش النيران، وقد عمت الأخبار على قريش ولا يدرون ما هو فاعله، فخرج أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء الخزاعي، يتحسسون الأخبار، فرأى العباس بن عبد المطلب أبا سفيان، فأركبه على دابته، وكان يركب بغلة النبي صلى الله عليه وسلم البيضاء، فقدم به إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان في طريقه يمر بجيش المسلمين وهم قد أوقدوا النيران، وأبو سفيان ينظر إليهم، فلما مرَّ بنار عمر رضي الله عنه، قال عمر: من هذا؟ وقام إلى العباس فلما

صفحة مطبوعة 139 · ورقة PDF 139رابط الصفحة المنفردة

رأى أبا سفيان على عجز البغلة عرفه، فقال: والله عدو الله، الحمد لله الذي أمكن منك، فخرج يشتد نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى دخل عليه في مكانه الذي نزل فيه، واشتد العباس ومعه أبو سفيان حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه: هذا عدو الله أبو سفيان قد أمكن الله منه في غير عهد ولا عقد، فدعني أضرب عنقه، فقال العباس: قد أجرته يا رسول الله فلما أكثر عمر، قال العباس: مهلاً يا عمر، فو الله لو كان رجلاً من بني عدي ما قلت هذا، ولكنه من بني عبد مناف، فقال عمر: مهلاً يا عباس، لا تقل هذا، فو الله لإسلامك حين أسلمت كان أحب إلي من إسلام الخطاب أبي لو أسلم، وذلك أني عرفت أن إسلامك أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب(478)

وكان عمر رضي الله عنه أميراً على حرس النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح(479) . وبعد فتح مكة أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالبطحاء عمر رضي الله عنه أن يأتي الكعبة فيمحو كل صورة فيها، ولم يدخلها النبي صلى الله عليه وسلم حتى محيت كل صورة فيها(480) .

وشارك رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين في غزوة حنين(481) )، وكان له موقف كريم في هذه الغزوة التي أعجبت المسلمين فيها كثرتهم فكادت أن تحل بهم الهزيمة، لولا لطف الله عز وجل بهم ورحمته، كما قال سبحانه: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِى مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْـًٔا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ﴾(482) .

صفحة مطبوعة 140 · ورقة PDF 140رابط الصفحة المنفردة

فكان رضي الله عنه ممن ثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم ونافح عنه في هذا الموقف العصيب(483) ، وذلك دليل على قوة إيمانه وصدق يقينه وشجاعته.

ومن مواقفه رضي الله عنه في هذه الغزوة موقفه من ذي الخويصرة(484) التميمي فبعد أن فرغ

النبي صلى الله عليه وسلم من القتال في حنين والطائف نزل بالجعرانة(485) ، وفيها قسم غنائم حنين، فأتاه ذو الخويصرة، فقال: يا رسول الله اعدل، فقال:«ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل»، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه، فقال:«دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم...»(486) الحديث.

وكان عمر رضي الله عنه مع المسلمين في غزوة تبوك(487) سئل رضي الله عنه فقيل له: حدثنا من شأن العسرة، فقال: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً أصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع، حتى نظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره، فيعصر فرثه فيشربه، ويجعل ما بقي على

صفحة مطبوعة 141 · ورقة PDF 141رابط الصفحة المنفردة

كبده، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: يا رسول الله قد عودك الله في الدعاء خيراً، فادع لنا، فقال:«أتحب ذلك»؟ قال: نعم، فرفع يديه صلى الله عليه وسلم فلم يرجعهما حتى أظلت سحابة، فسكبت، فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر(488)

وروي أن عمر رضي الله عنه كان ممن انتدبه النبي صلى الله عليه وسلم للخروج في جيش أسامة بن زيد رضي الله عنه لقتال الروم في أطراف الشام حينما جهز ذلك الجيش قبل وفاته صلى الله عليه وسلم(489) .

هذا ما أردت الإشارة إليه من حياة عمر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم وقد ظهر مما تقدم ما كان عليه عمر رضي الله عنه من توقير وإجلال للنبي صلى الله عليه وسلم، ومن تفانيه في خدمته والدفاع عنه، وملازمته له في حربه وسلمه، وما كان لعمر رضي الله عنه من منزلة ومكانة عالية ورفيعة عند النبي صلى الله عليه وسلم.

صفحة مطبوعة 142 · ورقة PDF 142رابط الصفحة المنفردة

حياة عمر مع أبي بكر الصديق رضي الله عنهما

عمر رضي الله عنه موقراً للصديق رضي الله عنهما

إن فضل أبي بكر رضي الله عنه وعظم منزلته جاءت بها نصوص الكتاب والسنة، وعرف الصحابة رضوان الله عليهم لأبي بكر منزلته الرفيعة من الإسلام وأهله، ومن أفضل مَن عرف لأبي بكر رضي الله عنه هذه المنزلة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومن أقواله في ذلك:

قوله رضي الله عنه: «أبو بكر سيدنا وأعتق سيدنا- يعني بلالاً»(490) .

وقال رضي الله عنه: والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يُقرِّبني ذلك من إثم، أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر(491) .

وقدم عليه رضي الله عنه وفد عبد القيس(492) فأذن لهم، فدخلوا عليه، فقضى بينهم، وقضى من حوائجهم، فبينا هم كذلك غلبته عينه، فقال رجل منهم: ما رأيت امرءاً قط خيراً من هذا، فاستيقظ عمر رضي الله عنه، فكلمه فقال: أكنت رأيت أبا بكر الصديق رضي الله عنه؟ قال: لا، فقال: أما والله لو كنت رأيته لنكلت بك(493) .

وكان رضي الله عنه يكتب إلى عماله: من فضلني على أبي بكر فاضربوه حد المفتري أو قال أربعين سوطاً(494) .

وقال رضي الله عنه: يوم من أبي بكر خير من آل عمر(495) .

صفحة مطبوعة 143 · ورقة PDF 143رابط الصفحة المنفردة

وذكر رضي الله عنه أبا بكر يوماً وهو يخطب على المنبر، فقال: إن أبا بكر كان سابقاً مبرزاً(496) .

موقفه رضي الله عنه من خلافة الصديق رضي الله عنه

لقد كان لعمر رضي الله عنه موقف جليل ومقام محمود من بيعة أبي بكر رضي الله عنه، فقد كان له الفضل الأكبر بعد فضل الله سبحانه وتعالى في إخماد نار الفتنة، وإزالة أسباب الشقاق والفرقة، التي كادت أن تعصف بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته، فقد اختلفوا فيمن له الحق في تولي إمرة المسلمين بعده صلى الله عليه وسلم، فاجتمع الأنصار رضي الله عنهم في سقيفة بني ساعدة(497) واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر رضي الله عنه، وتخلف عنهم علي بن أبي طالب والزبير ابن العوام رضي الله عنهما، فقال المهاجرون لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار،فانطلقوا يريدونهم، وكان معهم عمر بن الخطاب، قال رضي الله عنه: فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان(498) فذكرا ما تمالأ(499) عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتيهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا

صفحة مطبوعة 144 · ورقة PDF 144رابط الصفحة المنفردة

رجل مزمل(500) بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة. فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك(501) .فلما جلسنا قليلاً تشهَّد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد: فنحن أنصار الله، وكتيبة(502) الإسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط(503) وقد دفت دافة(504) من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا(505) من أصلنا، وأن يحضنونا(506) من الأمر.

فلما سكت أردت أن أتكلم، وكنت قد زوَّرت(507) مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر، وكنت أداري منه بعض الحد(508) فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها، أو أفضل منها حتى سكت، فقال: ما ذكرتم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسباً وداراً، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين، فبايعوا أيهما شئتم، فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا، فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي، لا يقربني ذلك من إثم أحب إليّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيئاً لا أجده الآن،

صفحة مطبوعة 145 · ورقة PDF 145رابط الصفحة المنفردة

فقال قائل من الأنصار(509) أنا جُذيلها المحكك(510) وعذيقها المرجب(511) ،منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته، وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار، ونزونا(512) على سعد بن عبادة، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة(513) فقلت: قتل الله سعد بن عبادة، وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فساد، فمن بايع رجلاً على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا(514)

صفحة مطبوعة 146 · ورقة PDF 146رابط الصفحة المنفردة

وقد بيّن عمر رضي الله عنه للأنصار أنه لا يمكن أن يكون للمسلمين خليفتان، ويستحيل أن يفعل المسلمون ذلك، لأنه سبيل إلى الفرقة والخلاف، فقال رضي الله عنه: سيفان في غمد واحد إذاً لا يصلحان(515) .

وذلك عندما طلب الأنصار أن يكون منهم أمير، ومن المهاجرين أمير، وذكرهم رضي الله عنه بفضل أبي بكر رضي الله عنه، وبأحقيته في الخلافة، فقال رضي الله عنه: وإن أبا بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثاني اثنين، فإنه أولى المسلمين بأموركم، فقوموا فبايعوه، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة على المنبر(516) .

ومن الأمور التي ذكر بها عمر رضي الله عنه الأنصار وهي من فضائل أبي بكر رضي الله عنه، قوله رضي الله عنه: ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس؟ قالوا: بلى. فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ فقالوا: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر(517) .

وروي أن عمر رضي الله عنه ذكر الأنصار بقول النبي صلى الله عليه وسلم الذي بيّن فيه أحقية قريش

صفحة مطبوعة 147 · ورقة PDF 147رابط الصفحة المنفردة

بالخلافة، فقال: نشدتكم بالله يا معشر الأنصار ألم تسمعوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من سمعه منكم وهو يقول:«الولاة من قريش ما أطاعوا الله، واستقاموا على أمره»(518)

عمر رضي الله عنه وقتال المرتدين

كان لعمر رضي الله عنه موقف معارض من قتال أبي بكر رضي الله عنه لمانعي الزكاة من المرتدين الذين ارتدوا عن الإسلام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قال رضي الله عنه لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله»، حيث كان رأيه رضي الله عنه في بداية الأمر عدم قتال من نطق بالشهادتين ومنع الزكاة، ولم يعارض في قتال من ارتد عن الإسلام بادعاء النبوة والرجوع إلى عبادة الأوثان لأن إباحة قتال هؤلاء لا مرية فيه(519) .

ولكن أبا بكر رضي الله عنه أصرَّ على قتال من منع الزكاة سواءً كان جاحداً لوجوبها أو مقراً، وبيَّن رضي الله عنه أن من حق المال الزكاة، فمن لم يؤد حقه لم يكن معصوماً من القتل، وقال رضي الله عنه: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقاً(520) كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها(521) .

وتبين لعمر

صفحة مطبوعة 148 · ورقة PDF 148رابط الصفحة المنفردة

رضي الله عنه أن الصواب والحق فيما ذهب إليه أبو بكر، وعزم عليه من قتال مانعي الزكاة، فكان خير معين له في القضاء على فتنة الردة.

وفي موقف عمر رضي الله عنه ذلك دليل على شدة تعظيمه رضي الله عنه لحرمات الله، وحفاظه على حرمات المسلمين ودمائهم وأموالهم، وعدم التعرض لها إلا بحق، وشدة تحرَّيه في ذلك، وفيه دليل على سرعة رجوعه للحق والصواب إذا ظهر له.

عمر رضي الله عنه وجمع القرآن

كانت موقعة اليمامة(522) إحدى المواقع التي قاتل فيها المسلمون بقيادة خالد بن الوليد رضي الله عنه في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وكانت في أواخر السنة الحادية عشرة وأول الثانية عشرة، وقتل فيها مسيلمة الكذاب، وقتل فيها من المسلمين ستمائة، وقيل: سبعمائة، وكان فيهم عدد كبير من قراء القرآن رضوان الله عليهم(523) .

فخشي عمر من استمرار مقتل القراء واستشهادهم في حروب الردة، كما حدث في يوم اليمامة فيفضي ذلك لضياع القرآن الذي حفظه القراء في صدورهم، وتلقوه من النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة غضاً كما نزل، وحيث أن القرآن الذي كتب لم يكن مجموعاً في مكان واحد، بل كان متفرقاً، فأشار رضي الله عنه على أبي بكر رضي الله عنه بجمع القرآن، ثم شرح الله صدر أبي بكر لذلك، فأمر زيد بن ثابت بجمع القرآن.

صفحة مطبوعة 149 · ورقة PDF 149رابط الصفحة المنفردة

قال زيد رضي الله عنه: أرسل إليّ أبو بكر الصديق مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، قال أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد استحرَّ(524) يوم اليمامة بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحرَّ القتل بالقراء بالمواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قلت لعمر: كيف تفعل شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!

قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك رأي عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتتبع القرآن فاجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! قال: هو والله خير، فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب(525) واللخاف(526) ، وصدور الرجال، حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾(527) حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنها(528) .

صفحة مطبوعة 150 · ورقة PDF 150رابط الصفحة المنفردة

وكان جمع القرآن في عهد أبي بكر رضي الله عنه من حفظ الله عز وجل لكتابه العزيز وحمايته من الضياع، والفضل بعد الله تعالى في ذلك لأبي بكر رضي الله عنه ولعمر رضي الله عنه الذي أشار على أبي بكر رضي الله عنه بذلك، وكان ذلك منه الرأي الصائب الذي وافقه عليه بقية الصحابة رضوان الله عليهم بعد جزمهم بصواب ذلك الرأي وأهميته البالغة.

عمر رضي الله عنه مستشاراً للصديق رضي الله عنه ومعاوناً له

لا ريب أن عمر رضي الله عنه كان من أهل مشورة أبي بكر رضي الله عنه، وكان ممن يعاونه ويعضده في إدارة شؤون الرعية بقوله وفعله، ومن الأخبار الدالة على ذلك: ما جاء أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه طلب من أسامة بن زيد رضي الله عنه أن يأذن لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يجلس في المدينة ليعاونه على إدارة شؤون المسلمين، ومواجهة ما قد يحدث من ردة الأعراب حول المدينة(529) .

* ومن المهام التي روي أن أبا بكر رضي الله عنه أسندها لعمر رضي الله عنه:

- القضاء

فروي أنه رضي الله عنه لما ولي الخلافة ولى عمر رضي الله عنه القضاء، وأبا عبيدة بيت المال، وقال: أعينوني، فمكث عمر سنة لا يأتيه اثنان، أو لا يقضي بين اثنين(530) .

- استخلافه لعمر رضي الله عنهما عند خروجه من المدينة

صفحة مطبوعة 151 · ورقة PDF 151رابط الصفحة المنفردة

فقد روي أن أبا بكر رضي الله عنه خرج معتمراً في العام الثاني عشر من الهجرة، واستخلف على المدينة عمر بن الخطاب رضي الله عنه(531) .

- صلاته بالناس عند غياب الصديق رضي الله عنه

روي أن عمر رضي الله عنه كان يصلي بالناس عند غياب أبي بكر ومرضه رضي الله عنه(532) .

- حجُّه بالناس في خلافة أبي بكر رضي الله عنهما

روي أن أبا بكر رضي الله عنه لما استخلف استعمل عمر رضي الله عنه على الحج ثم حج هو من عام قابل(533) .

وهذه المهام الأربعة، وإن لم ترد بسند ثابت إلا أن وقوعها أمر غير مستبعد ولا غرابة فيه. وكان الخلفاء الراشدون ومن بعدهم ينيبون مَن يرون فيه الكفاءة في مثل هذه الأمور، ومن قبلهم كذلك النبي صلى الله عليه وسلم.

هذه هي أهم مواقف عمر رضي الله عنه ومشاركاته في حياته مع أبي بكر رضي الله عنه وهي دالة على الدور العظيم والهام الذي قام به رضي الله عنه في تثبيت قواعد الدولة الإسلامية الناشئة والمحافظة على سلامة الأمة ووحدتها وصيانة دينها وعقيدتها.

صفحة مطبوعة 152 · ورقة PDF 152رابط الصفحة المنفردة

الفاروق رضي الله عنه مع عثمان وعلي رضي الله عنهم(534)

عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم نجوم في سماء الإسلام، كانوا مثالاً للحب والإخاء والبذل والعطاء، ولم تر أمة من الأمم جيلاً اجتمع فيه العظماء كجيل الإسلام الأول.

جيل حمل الإسلام غضًا طريًا وأوصله إلى الدنيا بأسرها، عنوان علاقتهم كان قول الله تعالى ﴿ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾(535) ، ومن أصدق من الله قيلاً؟

ولم يكتفوا بأخوة الدين ، بل جنحوا إلى تأكيد التآخي في كل ميدان، فكانوا أسرة واحدة، فارتبطوا بأواصر المصاهرة والحب، وفي ميدان الحرب كانوا حماة لبعضهم ، أسداً على العدا، وفي ميدان الخلافة كانوا يحملون هم الأمة لا فرق بين الحاكم والمحكوم، دستورهم هو كتاب ربهم عز وجل وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم.

والشواهد التاريخية على قوة هذه العلاقة أكثر من أن نحصرها ولكنا سنذكر بعضها:

بعض شواهد العلاقة بين عمر وعثمان رضي الله عنهما

«كان عثمان ذا مكانة عند عمر، فكانوا إذا أرادوا أن يسألوا عمر عن شيء رموه بعثمان، أو بعبد الرحمن بن عوف. وكان عثمان يدعى –في إمارة عمر- رديفاً، قالوا: والرديف بلسان العرب الرجل الذي بعد الرجل، والعرب تقول ذلك للرجل الذي

صفحة مطبوعة 153 · ورقة PDF 153رابط الصفحة المنفردة

يرجونه بعد رئيسهم، وكانوا إذا لم يقدر هذان على عمل شيء مما يريدون ثلثوا بالعباس»(536)

«ولما ولي عمر الخلافة استشار وجوه الصحابة في عطائه من بيت مال المسلمين، فقال له عثمان: كل وأطعم»(537) .

وعندما أرسل أبو عبيدة إلى عمر أن يقدم إلى بيت المقدس ليفتحه، فاستشار عمر الناس، فأشار عثمان بأن لا يركب إليهم ليكون أحقر لهم، وأرغم لأنوفهم، وقال لعمر: فأنت إن أقمت ولم تسر إليهم رأوا أنك بأمرهم مستخف ولقتالهم مستعد، فلم يلبثوا إلى السير حتى ينزلوا على الصغار ويعطوا الجزية، وأشار عليٌّ بالمسير، فهوى عمر ما قال علي ليكون أخف وطأة على المسلمين في حصارهم(538) .

لقد كانت مكانة عثمان في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنهما- كمكانة الوزير من الخليفة، وإن شئت فقل: هي مكانة عمر من أبي بكر في خلافته، وقد صنع الله لأبي بكر بوزارة عمر لخلافته ما يصنعه لخير أهله، وصنع لعمر بوزارة عثمان لخلافته ما يصنعه لخير أهله، فقد كان أبو بكر أرحم الناس بالناس، وكان عمر أشدهم في الحق، فمزج الله رحمة الصديق بشدة عمر، فكانت منها خلافة الصدق وسياسة العدل، وقوم الحزم. وكان عثمان رضي الله عنه أشبه بالصديق في رحمته، وكان عمر على سننه في شدته، فلما تولى بعد أبي بكر جعل الله له في وزارة عثمان لخلافته عوضاً من رحمة الصديق ورفقه، فكان منهما تلك الأمثال المضروبة في أنظمة الحكم وسياسة الأمة أحكم سياسة وأعدلها. وقد

صفحة مطبوعة 154 · ورقة PDF 154رابط الصفحة المنفردة

عرف الناس هذه المكانة لعثمان في خلافة عمر رضي الله عنهما، ومن الأمور التي أشار بها عثمان على عمر رضي الله عنهما:-

أ - الديوان :

لما اتسعت الفتوحات وكثرت الأموال جمع عمر ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستشيرهم في هذا المال، فقال عثمان: أرى مالاً كثيراً يسع الناس، وإن لم يحصوا حتى يعرف من أخذ منهم ممن لم يأخذ خشيت أن ينتشر الأمر، فأقر عمر رأي عثمان، وانتهى بهم ذلك إلى تدوين الدواوين(539) .

ب- التاريخ :

جاء في بعض الروايات أن الذي أشار على عمر بجعل السنة الهجرية تبدأ بالمحرم هو عثمان رضي الله عنه، وذلك أنهم لما اتفقوا بعد مشاورات على جعل مبدأ التاريخ الإسلامي من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم لأنها فرقت بين الحق والباطل، تعددت الآراء في أي الأشهر يجعل بداية للسنة، فقال عثمان: أرخوا من المحرم أول السنة، وهو شهر حرام، وأول الشهور في العدة، وهو منصرف الناس من الحج(540) ، فرضي عمر ومن شهده من أصحابه رأي عثمان واستقر عليه الأمر، وأصبح مبدأ تاريخ الإسلام.

ج - حجه مع أمهات المؤمنين :

لما استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة ثلاث عشرة، بعث تلك السنة على الحج عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه فحج بالناس، وحج مع عمر أيضاً آخر حجة حجها عمر سنة ثلاث وعشرين، وأذن عمر تلك السنة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم في الحج، فحُملن في الهوادج، وبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما،

صفحة مطبوعة 155 · ورقة PDF 155رابط الصفحة المنفردة

فكان عثمان يسير على راحلته أمامهن فلا يدع أحداً يدنو منهن، وينزلن مع عمر كل منزل، فكان عثمان وعبد الرحمن ينزلان بهن في الشعاب فيقبلانهن الشعاب، وينزلان هما في أول الشعب، فلا يتركان أحداً يمر عليهن»(541)(542)

بعض شواهد العلاقة بين عمر وعلي رضي الله عنهما

كان علي رضي الله عنه عضواً بارزاً في مجلس شورى الدولة العمرية، بل كان هو المستشار الأول، فقد كان عمر رضي الله عنه يعرف لعلي رضي الله عنه فضله وفقهه وحكمته، وكان رأيه فيه حسنًا، فقد ثبت قوله فيه: أقضانا علي(543) وقال مسروق: شاممت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت علمهم انتهى إلى ستة: إلى عمر وعلي وعبد الله وأبي الدرداء وأبي بن كعب وزيد بن ثابت، فشاممت هؤلاء الستة فوجدت علمهم انتهى إلى علي، وعبد الله(544) وقال أيضًا: انتهى العلم إلى ثلاثة، عالم بالمدينة، وعالم بالشام، وعالم بالعراق، فعالم المدينة علي بن أبي طالب، وعالم الكوفة عبد الله بن مسعود، وعالم الشام أبو الدرداء، فإذا التقوا سأل عالم الشام وعالم العراق، عالم المدينة ولم يسألهما(545) فكان علي رضي الله عنه من هؤلاء المقربين، يشد من أزر أخيه، ولا يبخل عليه برأيه، ويجتهد معه في إيجاد حلول للقضايا التي لم يرد فيها نص، وفي تنظيم أمور الدولة الفتية، ولكن نشير باختصار إلى

صفحة مطبوعة 156 · ورقة PDF 156رابط الصفحة المنفردة

ما كان بينه وبين سيدنا علي رضي الله عنه من ثقة متبادلة وتقدير مشترك، وتعاون على البر والتقوى، وتسهيل مهمة الخلافة، والتناصح وتبادل الرأي، ونذكر من ذلك القليل اليسير: قال أبو بكر العبسي: دخلت حير الصدقة(546) مع عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب، قال: فجلس عثمان في الظل يكتب، وقام علي على رأسه يملي عليه ما يقول عمر، وعمر قائم في الشمس في يوم شديد الحر، عليه بردان أسودان اتزر بأحدهما، ولف الآخر على رأسه، يعد إبل الصدقة، ويكتب ألوانها وأسنانها، فقال علي لعثمان: في كتاب الله: قَالَتْ إِحْدَىٰهُمَا يَٰٓأَبَتِ اسْتَـْٔجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَـْٔجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ(547) ثم أشار علي بيده إلى عمر وقال: هذا القوي الأمين(548)

وكان علي رضي الله عنه ناصحاً أميناً لأمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، وقاضياً في المعضلات، حكيماً يفض المشكلات، ويزيح الشبهات.

والشواهد على ذلك كثيرة، نذكر منها:

أ - في الأمور القضائية:

كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه ضليعاً في الأمور القضائية وله على ذلك الأمثلة الكثيرة، فليس السبيل هنا حصر تلك الأمثلة، ولكن نأخذ منها مثلاً ليعرف القارىء مدى فطنته في القضاء، فعن أبي ظبيان الجنبي: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتي بامرأة قد زنت، فأمر برجمها، فذهبوا بها ليرجموها، فلقيهم علي رضي الله عنه فقال: ما هذه؟ قالوا: زنت فأمر عمر برجمها، فانتزعها علي من أيديهم وردهم، فرجعوا إلى عمر، فقال: ما ردكم؟ قالوا: ردنا علي، قال: ما فعل هذا علي إلا لشيء قد علمه، فأرسل إلى علي، فجاء وهو

صفحة مطبوعة 157 · ورقة PDF 157رابط الصفحة المنفردة

شبه المغضب، فقال: مالك رَدَدْتَ هؤلاء؟ قال: أما سمعت النبي صلى الله عليه وسلم «يقول: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المبتلى حتى يعقل؟» قال: بلى، قال علي: فإن هذه مبتلاة بني فلان، فلعله أتاها وهو بها، فقال عمر: لا أدري، قال: وأنا لا أدري فلم يرجمها(549) فقد كان عمر لا يعلم أنها مجنونة.

ب- في الأمور المالية:

تجلت رجاحة عقل علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الأمور المالية، فاعتمد عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ويتضح ذلك من خلال النقاط التالية:

1- عمر يأخذ برأي علي في نفقات الخليفة:

لما ولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر المسلمين بعد أبي بكر رضي الله عنه مكث زمانًا لا يأكل من بيت المال شيئًا حتى دخلت عليه في ذلك خصاصة، ولم يعد يكفيه ما يربحه من تجارته، لأنه اشتغل عنها بأمور الرعية، فأرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستشارهم في ذلك فقال: قد شغلت نفسي في هذا الأمر فما يصلح لي منه؟ فقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: كل وأطعم، وقال ذلك سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله عنه، وقال عمر لعلي رضي الله عنهما: ما تقول أنت في ذلك؟ قال: غداء وعشاء، فأخذ عمر بذلك(550) ، وقد بين عمر حظه من بيت المال فقال: إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف(551) .

2-

صفحة مطبوعة 158 · ورقة PDF 158رابط الصفحة المنفردة

رأي علي رضي الله عنه في أرض السواد بالعراق

لما فتحت أرض السواد بالعراق عنوة، أشار عدد من الصحابة - رضوان الله عليهم - على عمر رضي الله عنه بتقسيمها بين الفاتحين، ولكن لسعة الأرض وجودتها ونظرة عمر البعيدة لمن سيأتي بعد ذلك، لم يطمئن عمر لتقسيمها، فاستشار علياً في ذلك فكان رأيه موافقاً لرأي الخليفة عمر ألا تقسم، فأخذ برأيه، وقال: لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها، كما قسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر(552) .

اشارته على عمر رضي الله عنه بإتخاذ الهجرة بداية للتاريخ الإسلامي :

1- عندما احتاج عمر رضي الله عنه أن يضع تاريخًا رسميًا ثابتًا لتنظيم أمور الدولة وضبطها، جمع الناس وسألهم: من أي يوم نكتب التاريخ؟ فقال علي رضي الله عنه : من يوم هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وترك أرض الشرك، ففعله عمر(553) ، وقد كان عمر رضي الله عنه يرى علياً رضي الله عنه من أفضل من يقود الناس، فقد ورد عنه أنه كان يناجي رجلاً من الأنصار، فقال: من تحدثون أنه يستخلف من بعدي؟ فعد الأنصاري المهاجرين ولم يذكر علياً رضي الله عنه، فقال عمر رضي الله عنه : فأين أنتم من علي؟ فوالله لو استخلفتموه، لأقامكم على الحق وإن كرهتموه(554) . وقال لابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بعد أن طعن: إن ولوها الأجلح – يعني علياً رضي الله عنه - سلك بهم الطريق(555) .

2- استخلاف عمر لعلي

صفحة مطبوعة 159 · ورقة PDF 159رابط الصفحة المنفردة

رضي الله عنهما على المدينة مراراً:

أ- استخلافه حين خرج عمر رضي الله عنه إلى ماء صرار فعسكر فيه:

وذلك قبيل القادسية، وكان الروم قد حشدوا للمسلمين، فجمع عمر رضي الله عنه الناس فاستشارهم، فكلهم أشار عليه بالمسير(556) .

ب- استخلافه عند نزول عمر رضي الله عنه بالجابية:

وذلك حين نزل عمرو بن العاص أجنادين، فكتب إليه أرطبون الروم: والله لا تفتح من فلسطين شيئًا بعد أجنادين، فارجع لا تغر، وإنما صاحب الفتح رجل اسمه على ثلاثة أحرف، فعلم عمرو رضي الله عنه أنه عمر رضي الله عنه، فكتب يعلمه أن الفتح مدخر له، فنادى له الناس، واستخلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه(557) .

ج- استخلاف علي رضي الله عنه حين حج عمر رضي الله عنه بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم :

وهي آخر حجة حجها بالناس، كانت سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وكان مع أمهات المؤمنين أولياؤهن ممن لا يحتجبن منهم، وخلف على المدينة علي بن أبي طالب(558) . وقد استخلفه عمر رضي الله عنه عند ذهابه إلى القدس(559) .

صفحة مطبوعة 160 · ورقة PDF 160رابط الصفحة المنفردة

عمر الفاروق شهيداً

إن الاستشهاد في سبيل الله مطلب نبيل، وغاية سامية، يتطلع إليها كل مؤمن صادق الإيمان، موقن بما أعده الله عز وجل للشهداء في سبيله من عظيم الكرامات، ورفيع الدرجات في دار رضوانه، كما قال تعالى: ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُو۟لَٰٓئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّـۧنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّٰلِحِينَ وَحَسُنَ أُو۟لَٰٓئِكَ رَفِيقًا﴾(560) .

ولقد كان عمر رضي الله عنه يسأل الله عز وجل الشهادة في سبيله، وأن يجعل موته في بلد رسوله صلى الله عليه وسلم.

قال رضي الله عنه: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم(561) .

وفي رواية أنه قال: اللهم ارزقني قتلاً في سبيلك، ووفاة في بلد نبيك صلى الله عليه وسلم، فقالت حفصة رضي الله عنها: وأنى ذلك؟! فقال رضي الله عنه: إن الله يأتي بأمره أنى شاء(562) .

وكان رضي الله عنه يدعو بذلك مع بشارة النبي صلى الله عليه وسلم له بحيازة هذه المرتبة العظيمة، والمنزلة الرفيعة، وذلك لحرصه الشديد على الشهادة رضي الله عنه.

قال أنس بن مالك رضي الله عنه: صعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد ومعه أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فرجف بهم، فضربه برجله، وقال: اثبت أحد، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان(563) .

صفحة مطبوعة 161 · ورقة PDF 161رابط الصفحة المنفردة

ومكَّن الله عز وجل لعمر رضي الله عنه في الأرض، وفتح على يديه الفتوحات العظيمة، وانتشرت رعيته، وكبرت سنه رضي الله عنه، فأحسَّ بدنو أجله وانقضاء أيامه، قال رضي الله عنه لما قفل من آخر حجة حجها بعد أن أناخ بالأبطح، وكوم كومة من البطحاء ثم طرح عليها رداءه، واستلقى عليها، ومدَّ يديه إلى السماء قائلاً: اللهم كبرت سني، وضعفت قوتي، وانتشرت رعيتي، فاقبضني إليك غير مضيع ولا مفرط(564) .

وكان رضي الله عنه يدعو فيقول: اللهم توفني مع الأبرار، ولا تخلفني في الأشرار، وقني عذاب النار، وألحقني بالأخيار(565) .

ولما دنا أجله رضي الله عنه رأى رؤيا زادت من يقينه بدنو أجله.

فقد روى مسلم بسنده أن عمر رضي الله عنه خطب يوم الجمعة، فذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر رضي الله عنه، ثم قال: إني رأيت كأن ديكاً نقرني ثلاث نقرات، وإني لا أراه إلا حضور أجلي(566) .

ورأى أبو موسى الأشعري رضي الله عنه رؤيا أخرى أحزنته، وأوَّلها بوفاة عمر رضي الله عنه.

قال رضي الله عنه: رأيت كأني أخذت جوادٍ كثيرة، فاضمحلت حتى بقيت جادة واحدة، فسلكتها حتى انتهيت إلى جبل، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم فوقه، وإلى جبنه أبو بكر، وإذا هو يومئ إلى عمر أن تعال، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والله أمير المؤمنين. قال أنس بن مالك رضي الله عنه لأبي موسى: ألا تكتب بهذا إلى عمر؟ قال: ما كنت لأنعى له نفسه(567) .

صفحة مطبوعة 162 · ورقة PDF 162رابط الصفحة المنفردة

ودنت ساعة القدر المحتوم التي أصيب فيها الصحابي الجليل، والخليفة العظيم، وهو يصلي صلاة الفجر في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث تقدم رضي الله عنه ليؤم الناس، فجعل رضي الله عنه يسوي الصفوف، ويقول: استووا، حتى إذا اطمأن إلى عدم وجود الخلل، تقدم، فكبَّر رضي الله عنه، ودخل في الصلاة، فباغته أبو لؤلؤة المجوسي لعنه الله بيده الغادرة، وقد امتلأ صدره حقداً وغيظاً عليه رضي الله عنه، فطعنه بسكين ذي طرفين، فسمعه من خلفه يقول: قتلني أو أكلني الكلب، وطعن أبو لؤلؤة لعنه الله وهو يحاول الهرب ثلاثة عشر رجلاً من المسلمين، فمات منهم سبعة، ثم نحر نفسه بعد أن ألقى عليه أحد المسلمين برنساً(568) ، وظن أنه قد أُخذ، فأخذ عمر رضي الله عنه بيد عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، فقدَّمه، فصلَّى بهم صلاة خفيفة، فلما انصرف الناس من الصلاة، قال عمر رضي الله عنه لعبد الله بن عباس رضي الله عنه: انظر من قتلني، فجال في الناس ساعة، ثم جاء، فقال: غلام المغيرة(569) .

قال: الصَّنَعُ؟ قال: نعم، قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفاً، ثم قال عمر رضي الله عنه: الحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام، ثم احتمل رضي الله عنه إلى بيته، وأصاب الناس من الحزن والغم وكأنهم لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا

صفحة مطبوعة 163 · ورقة PDF 163رابط الصفحة المنفردة

بأس، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي رضي الله عنه بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه، فخرج من جرحه، فعلموا أنه ميت(570)

وفي رواية أن عمر رضي الله عنه قال بعد أن علم بقاتله: الحمد لله الذي لم يبتلني بقول أحد يحاجني بقول لا إله إلا الله، أما إني كنت قد نهيتكم أن تجلبوا إلينا من العلوج أحداً فعصيتموني(571) .

ولم يمنع عمر رضي الله عنه توكله على ربه عز وجل، وإيمانه المطلق بقضائه وقدره، وغلبة ظنه بحضور أجله، لم يمنعه ذلك من أن يعرض نفسه على الأطباء لعل أن يكون عندهم دواءٌ شافٍ.

فبعد أن طعن رضي الله عنه قال: أرسلوا إلي طبيباً ينظر إلى جرحي هذا، فأرسلوا إلى طبيب من العرب، فسقى عمر رضي الله عنه نبيذاً فشبه النبيذ بالدم حين خرج من الطعنة التي تحت السرة، فدعوا طبيباً آخر من الأنصار من بني معاوية، فسقاه لبناً، فخرج اللبن من الطعنة صلداً أبيض، فقال له الطبيب: يا أمير المؤمنين اعهد، فقال عمر: صدقني أخو بني معاوية، ولو قلت غير ذلك كَذَّبتُك(572) .

ولم يتمالك أهل عمر رضي الله عنه وأصحابه أنفسهم، وهم ينظرون عظم مصابه، وعظم المصاب به، فجاشت أعينهم بالدمع، وارتفعت أصواتهم بالبكاء عليه، فنهاهم عمر رضي

صفحة مطبوعة 164 · ورقة PDF 164رابط الصفحة المنفردة

الله عنه عن ذلك، ولم يمنعه ما هو فيه من البلاء والمحنة، ومعاينة الموت من إرشادهم للصواب وبيان الحق الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

قال أنس بن مالك رضي الله عنه: لما طعن عمر رضي الله عنه عولت(573) عليه حفصة رضي الله عنها، فقال: يا حفصة، أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:«المعول عليه يعذب»، وعول عليه صهيب،فقال عمر: يا صهيب، أما علمت أن المعول عليه يعذب(574) .

وقبل وفاته رضي الله عنه طلب صحابة النبي صلى الله عليه وسلم منه أن يستخلف عليهم خليفة، فقالوا: ألا تستخلف؟ فقال رضي الله عنه: إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني أبو بكر، وإن أترك فقد ترك من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم(575) .

ثم قال رضي الله عنه: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمى علياً، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعداً، وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيءٌ كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعداً فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة(576) .

وقال ابن عمر رضي الله عنهما:«دخل الرهط على عمر رضي الله عنه قبيل أن ينزل به عبد الرحمن بن عوف وعثمان وعليّ والزبير وسعد رضي الله عنهم، فنظر إليهم فقال: إني قد نظرت لكم في أمر الناس فلم أجد عند الناس شقاقاً إلا أن يكون فيكم، فإن كان شقاق فهو فيكم، وإنما

صفحة مطبوعة 165 · ورقة PDF 165رابط الصفحة المنفردة

الأمر إلى ستة: إلى عبد الرحمن بن عوف وعثمان وعليّ والزبير وطلحة وسعد، وكان طلحة غائباً في أمواله بالسراة.

ثم إن قومكم إنما يؤمرون أحدكم أيها الثلاثة لعبد الرحمن وعثمان وعليّ، فإن كنت على شيء من أمر الناس يا عبد الرحمن، فلا تحمل ذوي قرابتك على رقاب الناس، وإن كنت يا عثمان على شيء من أمر الناس، فلا تحملن بني أبي معيط على رقاب الناس، وإن كنت على شيء من أمر الناس يا عليّ، فلا تحملن بني هاشم على رقاب الناس. ثم قال: قوموا فتشاوروا فأمِّروا أحدكم.

قال عبد الله بن عمر: فقاموا يتشاورون فدعاني عثمان مرة أو مرتين ليدخلني في الأمر، ولا والله ما أحب أني كنت فيه، علماً أنه سيكون في أمرهم ما قال أبي، والله لقلّ ما رأيته يحرك شفتيه بشيء قط إلا كان حقاً.

فلما أكثر عثمان عليّ قلت له: ألا تعقلون؟ أتؤمرون وأمير المؤمنين حي؟! فوالله لكأنما أيقظت عمر من مرقد، فقال عمر: أمهلوا فإن حدث بي حدث فليصل لكم صهيب ثلاث ليال، ثم أجمعوا أمركم، فمن تأمَّر منكم على غير مشورة من المسلمين فاضربوا عنقه(577) .

وروي أن عمر رضي الله عنه بعد أن رشَّح الستة: عثمان وعليّ وعبد الرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعداً رضي الله عنهم، أوصاهم واحداً واحداً بتقوى الله إن هم ولوا الخلافة، ثم دعا صهيباً فقال:

صفحة مطبوعة 166 · ورقة PDF 166رابط الصفحة المنفردة

«صلّ بالناس ثلاثاً، وليخل هؤلاء القوم في بيت، فإذا اجتمعوا على رجل فمن خالفهم فاضربوا رأسه»(578) .

والذي يستنتج من الروايات في خبر أصحاب الشورى الستة، وهي رواية الصحيح الأولى أن عمر رضي الله عنه رشَّح للمسلمين بعده ستة نفر يختارون أحدهم خليفة.

وفي الرواية الثانية الصحيحة زيادة تفصيل وهو أن عمر رضي الله عنه أوصى الستة الذين رشَّحهم للخلافة بعده أن يتقي الله كل منهم إن اختاره المسلمون خليفة لهم، ولا يحمل قرابته على رقاب الناس، وحذّرهم من الانشقاق، وأمرهم بضرب عنق من يريد أن يشق عصا المسلمين، ويبايع بالخلافة من لم يبايعوه، أو من يتأمر من غير مشورة منهم، كائناً من كان هذا الخارج والمنشق. وهذا هو الذي تدلّ عليه الرواية الثالثة.

ثم أوصى عمر رضي الله عنه ابنه عبد الله بسداد دينه، فقال: يا عبد الله بن عمر، انظر ما علي من الدين، فحسبوه، فوجدوه ستة وثمانين ألفاً أو نحوه، فقال عمر رضي الله عنه: إن وفَّى له مال آل عمر فأده من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم، فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأدِّ عني هذا المال(579) .

وأمر رضي الله عنه ابنه عبد الله أن يستأذن عائشة رضي الله عنها في أن يُدفن في بيتها بجوار صاحبيه، النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه.

قال رضي الله عنه: انطلق إلى عائشة أم المؤمنين، فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين، فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً، وقل يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه، فسلَّم واستأذن، ثم دخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عليك

صفحة مطبوعة 167 · ورقة PDF 167رابط الصفحة المنفردة

عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي، ولأوثرنّ به اليوم على نفسي، فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، فقال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، أَذِنَت، قال: الحمد لله، ما كان من شيء أهم إليّ من ذلك، فإذا أنا قضيت، فاحملوني ثم سلِّم، فقل يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت لي فأدخلوني، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين(580)

ووافت المنية عمر رضي الله عنه وانتقل إلى جوار ربه عز وجل مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

وقد رويت عدة أقوال في تاريخ وفاته رضي الله عنه، فروي أنه أصيب يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة(581) .

وروي أنه طعن لثلاث بقين من ذي الحجة، فعاش ثلاثة أيام، وقيل: سبعة(582) .

وروي أنه طعن يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، ودفن يوم الأحد، صبيحة هلال المحرم، فكانت خلافته عشر سنوات، وخمسة أشهر، وإحدى وعشرين ليلة(583) .

صفحة مطبوعة 168 · ورقة PDF 168رابط الصفحة المنفردة

وقيل: إنه دفن يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة(584) .

وقيل: إنه توفي ليلة الأربعاء لثلاث ليال بقين من ذي الحجة(585) .

وهذه الأقوال متفقة على أنه طعن وتوفي في الأيام الأخيرة من شهر ذي الحجة، من السنة الثالثة والعشرين.

ثم غُسل رضي الله عنه وكفن(586) .

وصلى عليه صهيب الرومي رضي الله عنه في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم(587) .

وروي أنه صُلي عليه وهو على سريره(588) .

ثم أدخل رضي الله عنه حجرة عائشة رضي الله عنها، ودفن إلى جنب صاحبيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه: قالت عائشة رضي الله عنها: كنت أدخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي، فأضع ثوبي، فأقول إنما هو زوجي وأبي، فلما دفن عمر معهم، فوالله ما دخلت إلا وأنا مشدودة علي ثيابي حياء من عمر(589) .

وروي أن القاسم بن محمد رحمه الله قال لعائشة رضي الله عنها: يا أمه، اكشفي لي عن قبر النبي صلى الله

صفحة مطبوعة 169 · ورقة PDF 169رابط الصفحة المنفردة

عليه وسلم وصاحبيه، فكشفت عن ثلاثة قبور لا مشرفة، ولا لاطئة(590) مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدماً، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم وعمر رأسه عند رجلي النبي صلى الله عليه وسلم(591)

وكان عُمْر الفاروق عمر رضي الله عنه حين توفي ثلاثة وستين عاماً(592) .

ورويت أقوال أخرى في مقدار عمره رضي الله عنه وما تقدم هو الثابت.

ولعل سبب الاختلاف في مقدار سنِّ عمر رضي الله عنه، راجع للاختلاف في سنة ولادته رضي الله عنه الذي تقدم ذكره.

ولقد خيمت على مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم سحابة من الحزن والغم والكرب الشديد لفقد هذا الخليفة والقائد المظفر البار الراشد رضي الله عنه وأرضاه.

قال ابن مسعود رضي الله عنه وهو يخطب في أهل الكوفة: أما بعد، فإن أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب مات، فلم نر يوماً أكثر نشيجاً من يومئذ(593) .

صفحة مطبوعة 170 · ورقة PDF 170رابط الصفحة المنفردة

وسعى عبيد الله بن عمر رضي الله عنه للثأر من قاتل أبيه، فقام بقتل الهرمزان، وجفينة النصراني(594) وابنة لأبي لؤلؤة المجوسي صغيرة، وذلك بعد أن سمع عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنهما يقول: انتهيت إلى الهرمزان وجفينة وأبي لؤلؤة، وهم نجي(595) فبغتُّهم فثاروا، وسقط من بينهم خنجر له رأسان، نصابه في وسطه، فقال عبد الرحمن: فانظروا بما قتل عمر، فنظروا فوجدوه خنجراً على النعت الذي نعت عبد الرحمن، فخرج عبيد الله بن عمر مشتملاً على السيف حتى أتى الهرمزان، فقال: اصحبني حتى ننظر إلى فرس لي، وكان الهرمزان بصيراً بالخيل، فخرج يمشي بين يديه، فعلاه عبيد الله بالسيف، فلما وجد حر السيف قال: لا إله إلا الله، فقتله، ثم أتى جفينة، وكان نصرانياً، فدعاه، فلما أشرف له علاه بالسيف، فصلب بين عينيه(596) ثم أتى ابنة أبي لؤلؤة جارية صغيرة، تدعي الإسلام، فقتلها، فأظلمت المدينة يومئذ على أهلها، ثم أقبل بالسيف صلتاً في يده، وهو يقول: والله لا أترك في المدينة سبياً إلا قتلته، فجعلوا يقولون له: ألق السيف ويأبى، ويهابونه أن يقربوا منه، حتى أتاه عمرو بن العاص، فقال: أعطني السيف يا ابن أخي، فأعطاه إياه، ثم ثار إليه عثمان، فأخذ برأسه فتناصيا(597) حتى حجز الناس بينهما، فلما ولي عثمان قال: أشيروا علي في هذا الرجل الذي فتق في الإسلام ما فتق، يعني عبيد الله بن عمر، فأشار عليه المهاجرون أن يقتله، وقال

صفحة مطبوعة 171 · ورقة PDF 171رابط الصفحة المنفردة

جماعة من الناس: أقُتِل عمر أمس، وتريدون أن تتبعوه ابنه اليوم؟ أَبعَدَ الله الهرمزان وجفينة، فقام عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعفاك أن يكون هذا الأمر ولك على الناس من سلطان، إنما كان هذا الأمر ولا سلطان لك فاصفح عنه يا أمير المؤمنين. قال:

فتفرق الناس على خطبة عمرو، وودى عثمان رضي الله عنه الرجلين والجارية(598) .

والأثر السابق استدل به على مشاركة الهرمزان وجفينة النصراني في التآمر على قتل عمر رضي الله عنه، وقد أضاف إليهم البعض(599) كعب الأحبار لإخباره عمر رضي الله عنه بيوم وفاته.

فقد ورد أن عمر رضي الله عنه دعا أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وكانت تحته فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: يا أمير المؤمنين هذا اليهودي(600) – تعني كعب الأحبار-يقول: إنك على باب من أبواب جهنم. فقال عمر: ما شاء الله، والله إني لأرجو أن يكون ربي خلقني سعيداً، ثم أرسل إلى كعب فدعاه، فلما جاءه كعب، قال: يا أمير المؤمنين لا تعجل عليّ، والذي نفسي بيده لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة، فقال عمر: أي شيء هذا، مرّة في الجنة ومرة في النار؟ فقال: يا أمير المؤمنين، والذي نفسي بيده إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقعوا فيها، فإذا مت لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة(601) .

صفحة مطبوعة 172 · ورقة PDF 172رابط الصفحة المنفردة

وإخبار كعب- رحمه الله- عمر رضي الله عنه بقرب وفاته لا يدل على مشاركته في التآمر لقتل عمر رضي الله عنه، فلعله وجد ذلك في التوراة أو فهمه من نصوصها، أو سمعه من أهل الكتاب، وإقسام كعب لعمر رضي الله عنه بذلك كما في الرواية يدل على أنه أخذ ذلك من علم صحيح، ولو كان إخباره له بذلك لاشتراكه في مؤامرة لقتله لما جزم بذلك، فقد تفشل المؤامرة، وتحل الدائرة على المتآمرين، وينجو عمر رضي الله عنه، وأيضاً لو كان الأمر كذلك لكتم كعب ذلك عن عمر رضي الله عنه حتى لا يثير الشبهات حوله، وعلى أية حالٍ فإنّ عمر رضي الله عنه وهو صاحب الحدس الصادق والمعرفة التامة بالرجال لم يفهم من كلام كعب تهديداً له، بل لقد كان كعب من جلساء عمر رضي الله عنه وأصحابه.

صفحة مطبوعة 173 · ورقة PDF 173رابط الصفحة المنفردة

حفظ الله تعالى لعمر بن الخطاب رضي الله عنه في قبره وعدم أكل الأرض لجسده

ومن مناقبه رضي الله عنه وفضائله التي أظهرها الله تعالى لخلقه بعد موته رضي الله عنه، عدم أكل الأرض لجسده، وبقائه غضّاً طريّاً كيوم موته.

قال عروة بن الزبير رضي الله عنه: لما سقط عليهم الحائط(602) . في زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه، فبدت لهم قدم ففزعوا(603) ، وظنوا أنها قدم النبي صلى الله عليه وسلم(604) ، فما وجدوا أحداً يعلم ذلك حتى قال لهم عروة: لا والله ما هي قدم النبي صلى الله عليه وسلم، ما هي إلا قدم عمر رضي الله عنه(605) .

هذا آخر ما تيسرت كتابته في هذا البحث، وأسأل الله العليّ القدير أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به، آمين.

وصلىّ الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

صفحة 174 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 175 · ورقة PDF 175رابط الصفحة المنفردة

الخاتمة

وبَعدُ.... أخي القارئ الكريم

فقد آن للقلم أن يتوقف عن الكتابة، بعد هذه الرحلة الماتعة، والفسحة الرائعة التي تشنفت فيها الأسماع، ورقت فيها الطباع، وتضوعنا فيها مسكاً وعنبراً، في سيرة هذا الجبل الأشم والطود الشامخ الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وما ذكر في الصفحات الماضية إنما هو غيض من فيض، ونقطة في بحر من منزلة الفاروق ومكانته، وفضائله ومناقبه.

فالله نسأل أن يتقبل منا هذا العمل، ويجعله لوجهه خالصاً

إنه ولي ذلك والقادر عليه

والحمد لله رب العالمين

صفحة 176 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
صفحة مطبوعة 177 · ورقة PDF 177رابط الصفحة المنفردة

المراجع

الآحاد والمثاني لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الشيباني. تحقيق: باسم الجوابرة، دار الراية، الرياض، ط/الأولى 1411هـ- 1991م. إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة لأحمد بن أبي بكر بن إسماعيل الكناني البوصيري، ط. دار الوطني 1420هـ 1990. إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة من أطراف العشرة للإمام الحافظ أحمد بن علي ابن محمد بن حجر العسقلاني. تحقيق الدكتور وصي الله محمد عباس. الطبعة الأولى 1421هـ- 2001م. الأحاديث المختارة لضياء الدين أبي عبد الله محمد بن عبد الواحد بن أحمد المقدسي الحنبلي، دراسة وتحقيق عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، الطبعة الأولى 1410هـ مكتبة النهضة الحديثة، مكة. الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان لأبي حاتم محمد بن حبان البستي، بترتيب الأمير علاء الدين علي بن بلبان الفارسي. قدَّم له وضبط نصه: كمال يوسف الحوت/ دار الكتب العلمية ط/الأولى 1407هـ. أخبار المدينة النبوية لأبي زيد عمر بن شبة النميري البصري. تحقيق الشيخ عبد الله بن أحمد الدويش. ط/الأولى 1411هـ. دار العليان. أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه لأبي عبد الله بن محمد بن إسحاق الفاكهي. دراسة وتحقيق الدكتور عبد الملك بن عبد الله بن دهيش. مكة المكرمة. ط/الأولى 1407هـ. مكتبة ومطبعة النهضة الحديثة.

صفحة مطبوعة 178 · ورقة PDF 178رابط الصفحة المنفردة

الأدب المفرد لمحمد بن إسماعيل البخاري، دار البشائر الإسلامية. ط/الثالثة 1409هـ. إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت. ط/الثانية 1405هـ. الاستيعاب في أسماء الأصحاب لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر النمري القرطبي، تحقيق علي معوض وعادل عبد الجواد. ط/الأولى، 1415هـ، دار الكتب العلمية. أسد الغابة لعز الدين أبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن الأثير الشيباني، دار إحياء التراث العربي، لبنان. الأشراف لأبي بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا. تحقيق: د. نجم عبد الرحمن خلف. ط/ الأولى. مكتبة الرشد، الرياض. الإصابة في تمييز الصحابة لشهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. دار صادر. مطبعة السعادة. ط/الأولى. اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني. مطبعة المجد. الأم لأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي. أشرف على تصحيحه محمد زهري النجار. دار المعرفة لبنان. الأموال لحميد بن زنجوية. تحقيق الدكتور: شاكر ذيب فياض. ط/الأولى 1406 هـ. مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية.

صفحة مطبوعة 71 · ورقة PDF 179رابط الصفحة المنفردة

الرياض. الأموال لأبي عبيد القاسم بن سلاَّم الهروي. تحقيق: محمد خليل هراس. دار الكتب العلمية. ط/الأولى 1401هـ. أنساب الأشراف لأحمد بن يحيى بن جابر البلاذري. تحقيق د. إحسان صدقي العمد. مؤسسة الشراع العربي ط/الأولى 1409هـ. الأوائل لأبي هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري. دار الكتب العلمية ط/الأولى 1407هـ. الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف لأبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر. تحقيق الدكتور أبي حماد صغير أحمد بن محمد حنيف. دار طيبة. ط/الثانية 1414هـ. البداية والنهاية لأبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي. تحقيق: مجموعة من الباحثين. دار الكتب العلمية. بيروت. ط/الأولى 1405هـ. البحر الزخار لأبي بكر أحمد بن عمرو عبد الخالق العتكي البزار. تحقيق محفوظ الرحمن زين الله. مؤسسة علوم القرآن. مكتبة العلوم والحكم. بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث لنور الدين علي بن سليمان بن أبي بكر الهيثمي. تحقيق الدكتور: حسين أحمد الباكري. نشر مركز خدمة السنة النبوية والسيرة بالمدينة المنورة ط/ الأولى عام 1413هـ. بيوت الصحابة حول المسجد النبوي الشريف لمحمد بن إلياس عبد الغني. ط/الأولى 1407هـ مركز طيبة للطباعة. التاريخ لأبي بكر أحمد بن زهير بن أبي خيثمة. ط. دار

صفحة مطبوعة 180 · ورقة PDF 180رابط الصفحة المنفردة

الفاروق. تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي. تحقيق عبد السلام تدمري. دار الكتاب العربي. ط/الأولى 1407هـ. تاريخ الأمم والملوك لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري. دار الكتب العلمية ط/الأولى 1407هـ. تاريخ بغداد لأبي بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي. دار الكتب العلمية لبنان. تاريخ خليفة بن خياط لخليفة بن خياط العصفري. تحقيق د. أكرم ضياء العمري. دار طيبة الرياض. ط/ الثانية 1405هـ. تاريخ دمشق لأبي القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الشافعي. دراسة وتحقيق محب الدين أبي سعيد عمر بن غرامة العمرو. دار الفكر 1415هـ، وأيضاً الجزء الخاص بترجمة عمر بن الخطاب تحقيق سكينة الشهابي. مؤسسة الرسالة. ط/الأولى 1414هـ. وأيضاً المخطوط نسخة المكتبة الظاهرية، فهرسة محمد بن رزق بن طرهوني. التاريخ الصغير لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. تحقيق: محمود إبراهيم زايد.دار المعرفة. لبنان. تاريخ عمر بن الخطاب لأبي الفرج بن علي بن الجوزي. قدم له وعلق عليه أسامة بن عبد الكريم الرفاعي. دار إحياء علوم الدين. دمشق. تاريخ فتوح الشام لمحمد بن عبد الله الأزدي. تحقيق عبد المنعم عبد الله عامر. مؤسسة سجل

صفحة مطبوعة 43 · ورقة PDF 181رابط الصفحة المنفردة

العرب. تاريخ قريش لحسين مؤنس. ط/ الأولى 1408هـ. الدار السعودية للنشر والتوزيع. التاريخ الكبير لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. تصحيح وتعليق: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني. دار الكتب العلمية. بيروت. تاريخ معالم المدينة قديماً وحديثاً لأحمد بن ياسين الخياري. ط/الرابعة 1414هـ. مطابع مؤسسة المدينة للصحافة. دار العلم بجدة. تاريخ اليعقوبي أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر بن واضح. دار صادر. التبيين في أنساب القرشيين لموفق الدين أبي محمد عبد الله بن أحمد بن محمد ابن قدامة. تحقيق وتعليق محمد نايف الديلمي. مكتبة النهضة العربية ط/الثانية 1408هـ. تعجيل المنفعة بزوائد رجال الأئمة الأربعة لأبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. دار الكتاب العربي. تعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي. تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الجبار الفريوائي. مكتبة الدار. المدينة المنورة. ط/الأولى 1406هـ. تفسير القرآن لعبد الرزاق بن همام الصنعاني. تحقيق د. مصطفى مسلم محمد ط/الأولى 1410هـ. مكتبة الرشد. الرياض. تفسير القرآن العظيم لعماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي. دار التراث. القاهرة. مكتبة الدعوة الإسلامية. تقريب التهذيب لشهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني الشافعي. قدم له وقابله محمد عوامة. ط/الرابعة 1412هـ. دار الرشد ودار القلم. تهذيب الآثار

صفحة مطبوعة 182 · ورقة PDF 182رابط الصفحة المنفردة

وتفصيل الثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآثار لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري. تخرج محمود محمد شاكر. تهذيب التهذيب لشهاب الدين أحمد بن علي بن حجر العسقلاني. ط/الأولى 1325هـ. مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية. حيدر آباد الدكن. تهذيب الكمال في أسماء الرجال لجمال الدين أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي. تحقيق: بشر عواد معروف. مؤسسة الرسالة. بيروت. ط/الثانية 1403هـ. الثقات لأبي حاتم محمد بن حبان البستي. طبع دائرة المعارف العثمانية. بحيدر آباد بالهند. ط/الأولى 1402هـ. جامع البيان في تأويل القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري. ط/الأولى 1412هـ. دار الكتب العلمية. الجرح والتعديل لأبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس التميمي الرازي. ط/الأولى. دائرة المعارف العثمانية. الهند، تصوير: دار إحياء التراث العربي. بيروت. جمهرة النسب لأبي المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي. رواية السكري عن ابن حبيب. تحقيق د.ناجي حسن ط/الأولى 1407هـ.عالم الكتب. جمهرة النسب لأبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي. تحقيق: عبد السلام هارون. دار المعارف. ط/الرابعة. حذف من نسب قريش لمؤرج بن عمر السدوسي. تحقيق صلاح الدين المنجد. دار الكتاب العربي الجديد. بيروت ط/الثانية.

صفحة مطبوعة 35 · ورقة PDF 183رابط الصفحة المنفردة

ط/الثانية. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء لأبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني. دار الكتب العلمية. خطط البصرة ومنطقتها للدكتور صالح أحمد العلي. مطبعة المجمع العلمي العراقي 1406هـ. دلائل النبوة لأحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق أبي نعيم الأصبهاني. تحقيق د. محمد رواس قلعجي وعبد البر عباس. دار النفائس. ط/الثانية 1406هـ. دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي. توثيق وتخريج عبد المعطي قلعجكي. دار الريان للتراث. دار الكتب العلمية. ط/الأولى 1408هـ. الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام لأبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد بن أبي الحسين السهيلي. قدم له: طه عبد الرؤوف سعد. دار المعرفة. الزهد لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم. تحقيق د. عبد العلي عبد الحميد. الدار السلفية. بومباي. ط/الأولى 1403هـ. الزهد لأحمد بن حنبل الشيباني. دار الريان. ط/الأولى 1408هـ. الزهد لعبد الله بن المبارك المروزي. حققه حبيب الرحمن الأعظمي. دار الكتب العلمية. الزهد الكبير لأحمد بن الحسين البيهقي. تحقيق وتخريج عامر أحمد حيدر.ط/الأولى 1408هـ. دار الجنان ومؤسسة

صفحة مطبوعة 184 · ورقة PDF 184رابط الصفحة المنفردة

الكتب الثقافية. الزهد لوكيع بن الجراح. تحقيق وتخريج عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي. ط/الأولى. مكتبة الدار بالمدينة المنورة. الزهد لهناد بن السري. تحقيق وتخريج عبد الرحمن عبد الجبار الفريوائي. دار الخلفاء للكتاب الإسلامي ط/الأولى 1406هـ. سلسلة الأحاديث الصحيحة لمحمد ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي. ط/الرابعة 1405هـ. سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة لمحمد ناصر الدين الألباني. مكتبة المعارف. ط/الأولى 1408هـ. السنن لمحمد بن إدريس الشافعي. تحقيق وتخريج د.خليل إبراهيم ملا خاطر. مؤسسة علوم القرآن. طالأولى 1409هـ. سنن ابن ماجه لأبي عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني. حققه محمد فؤاد عبد الباقي. دار الفكر. سنن أبي داود لأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني. راجعه محمد محيي الدين عبد الحميد. دار إحياء التراث العربي. سنن الترمذي وهو الجامع الصحيح لأبي عيسى محمد بن عيسى بن سورة الترمذي. حققه وصححه عبد الوهاب عبد اللطيف. دار الفكر. ط/الثانية 1398هـ. سنن الدارقطني لأبي الحسن علي بن عمر الدارقطني. وبذيله التعليق المغني على الداقطني لأبي الطيب شمس الحق العظيم آبادي. دار المحاسن للطباعة. عني بتصحيحه عبد الله هاشم

صفحة مطبوعة 17 · ورقة PDF 185رابط الصفحة المنفردة

يماني. سنن الدارمي لأبي محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل الدارمي. دار الكتب العلمية. طبع بعناية محمد أحمد دهمان. نشر دار إحياء السنة النبوية. سنن سعيد بن منصور لسعيد بن منصور بن شعبة الخراساني المكي. تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي. دار الكتب العلمية. ط/الأولى 1414هـ. السنن الصغرى لأبي بكر أحمد بن الحسن بن علي البيهقي. تخريج وتعليق د. عبد المعطي أمين قلعجي. ط/الأولى1410هـ. منشورات جامعة الداسات الإسلامية. كراتشي باكستان. السنن الكبرى لأبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي. في ذيله الجوهر النقي. دار المعرفة. لبنان. مكتبة المعارف. الرياض. السنن الكبرى لأبي عبد الرحمن بن شعيب النسائي. تحقيق د.عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن. دار الكتب العلمية. بيروت ط/الاولى 1411هـ. السنة لأبي بكر أحمد بن محمد بن هارون بن زيد الخلال. دراسة وتحقيق د.عطية الزهراني. دار الراية. الرياض. ط/الاولى 1410هـ. السنة لعبد الله بن أحمد بن حنبل. تحقيق أبو هاجر محمد السعيد بسيوني زغلول دار الكتب العلمية. ط/الأولى 1405هـ. السنة لأبي بكر أحمد بن عمرو بن أبي عاصم الضحاك بن مخلد الشيباني ومعه ظلال الجنة في تخريج السنة. تحقيق محمد ناصر الدين الألباني المكتب الإسلامي. بيروت ط/الثانية

صفحة مطبوعة 186 · ورقة PDF 186رابط الصفحة المنفردة

1405هـ. السير لأبي إسحاق إبراهيم بن محمد الفزاري. دراسة وتحقيق د.فاروق حماده. مؤسسة الرسالة. ط/الأولى 1408هـ. سير أعلام النبلاء لشمس الدين محمد بن أحمد الذهبي. أشرف على تحقيق الكتاب وخرج أحاديثه شعيب الأرنؤوط. مؤسسة الرسالة. بيروت ط/الرابعة 1406هـ. 1986م. السيرة النبوية لأبي محمد عبد الملك بن هشام الحميري النحوي. مع شرح أبي ذر الخشني. تحقيق د. همام عبد الرحيم سعيد ومحمد عبد الله أبو صعيليك ط/الأولى 1409هـ. مكتبة المنار.

وأيضاً بتحقيق مصطفى السقا. دار إبراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ شلبي. ط/الثالثة 1375هـ. مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي.

السيرة النبوية الصحيحة للدكتور أكرم ضياء العمري 1412هـ مكتبة العلوم والحكم. السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية للدكتور مهدي رزق الله ط/الأولى 1412هـ. مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. شرح معاني الأثار لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي. تحقيق: محمد زهري النجار. دار الكتب العلمية. بيروت. ط/الثانية 1407هـ. شعب الإيمان للإمام أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي. تحقيق: أبي هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول. دار الكتب العلمية. بيروت. لبنان 1401هـ. صحيح الأدب المفرد لمحمد ناصر الدين الألباني ط/الأولى 1414هـ دار

صفحة مطبوعة 78 · ورقة PDF 187رابط الصفحة المنفردة

الصديق الجبيل. صحيح البخاري لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري. طبع بمطبعة دار إحياء الكتب العربية لعيسى البابي الحلبي وأولاده. صحيح سنن ابن ماجه لمحمد ناصر الدين الألباني. إشراف زهير الشاويش. مكتب التربية العربي لدول الخليج. بيروت. ط/الثالثة عام 1408هـ المكتب. صحيح سنن أبي داود لمحمد ناصر الدين الألباني. إشراف زهير الشاويش. مكتب التربية العربي لدول الخليج. ط/الاولى 1409هـ. صحيح سنن الترمذي لمحمد ناصر الدين الألباني. إشراف زهير الشاويش. مكتبة التربية لدول الخليج العربي ط/الاولى 1408هـ. صحيح سنن النسائي لمحمد ناصر الدين الألباني. إشراف زهير الشاويش. مكتبة التربية لدول الخليج العربي ط/الأولى 1709هـ. المكتب الإسلامي. صحيح مسلم لأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري. بحاشيته شرح محي الدين النووي. المطبعة المصرية ومكتباتها. ضعيف سنن أبي داود لمحمد ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي. إشراف زهير الشاويش. بيروت. ط/الأولى 1412هـ. ضعيف سنن ابن ماجه لمحمد ناصر الدين الألباني. إشراف زهير الشاويش. المكتب الإسلامي. بيروت. ط/الأولى 1408هـ. ضعيف سنن الترمذي لمحمد ناصر الدين الألباني. إشراف زهير الشاويش. المكتب الإسلامي. بيروت. ط/الأولى

صفحة مطبوعة 188 · ورقة PDF 188رابط الصفحة المنفردة

1411هـ. الطبقات الكبرى لمحمد بن سعد بن منيع البصري. دار صادر. بيروت 1405هـ. الطبقات الكبرى الطبقة الخامسة دراسة وتحقيق د. محمد بن صامل السلمي. نشر مكتبة الصديق. الطائف.ط/الأولى 1414هـ. الطبقات الكبرى الطبقة الرابعة تحقيق ودراسة د. عبد العزيز عبد الله السلومي. مكتبة الصديق. الطائف ط/الأولى 1416هـ. الطريق إلى دمشق لأحمد عادل كمال. دار النفائس. ط/ الرابعة 1411هـ. عبقرية عمر لعباس محمود العقاد. المكتبة العصرية.بيروت. العلم لأبي خيثمة زهير بن حرب النسائي. تحقيق محمد ناصر الدين الألباني نشر دار الأرقم. ضمن مجموعة رسائل من كنوز السنة. العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم للقاضي أبي بكر بن العربي 1405هـ المكتبة العلمية. عون المعبود لأبي الطيب محمد شمس الدين العظيم أبادي. ضبط وتحقيق عبد الرحمن محمد عثمان. المكتبة السلفية بالمدينة. ط/الثانية 1389هـ. غاية المرام بأخبار سلطنة البلد الحرام لعز الدين عبد العزيز بن عمر بن محمد بن فهد الهاشمي القرشي. تحقيق فهيم محمد شلوت ط/الأولى 1406هـ. مركز بحث التراث جامعة أم

صفحة مطبوعة 189 · ورقة PDF 189رابط الصفحة المنفردة

القرى. غريب الحديث لأبي سليمان حمد بن محمد إبراهيم الخطابي السبتي. تحقيق عبد الكريم إبراهيم بن إبراهيم العزباوي. مركز البحث العلمي وإحياء جامعة أم القرى 1403هـ. غريب الحديث لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي. ط/الأولى 1406هـ. دار الكتب العلمية. فتح الباري بشرح صحيح البخاري لأحمد بن علي بن حجر العسقلاني. ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي قابله سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله ابن باز. دار الفكر. فتوح البلدان لأبي الحسن أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري. راجعه رضوان محمد رضوان. دار الكتب العلمية 1403هـ. فتوح مصر وأخبارها لأبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم. طبعة ليدن 1920م. مكتبة المثنى بغداد. فضائل بيت المقدس لضياء الدين محمد بن عبد الواحد المقدسي. تحقيق: محمد مطيع الحافظ. دار الفكر. ط/الأولى 1405هـ. فضائل الصحابة لأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل. حققه وخرج أحاديثه وصي الله محمد عباس. ط/الأولى 1403هـ. جامعة أم القرى. مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي. فضائل الصحابة لخيثمة بن سليمان القرشي الأطرابلسي. في مجموعة من حديث خيثمة ابن سليمان. دراسة وتحقيق عمر بن عبد السلام تدمري. دار الكتاب

صفحة مطبوعة 190 · ورقة PDF 190رابط الصفحة المنفردة

العربي. فضائل الصديق لأبي طالب محمد بن علي بن الفتح الحربي العشاري. تحقيق وتخريج عمر بن عبد المنعم. ط/الأولى 1413هـ. دار الصحابة للتراث طنطا. القاموس المحيط لمجد الدين بن محمد بن يعقوب الفيروز آبادي. المؤسسة العربية للطباعة والنشر دار الجيل. الكامل في التاريخ لأبي الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن الأثير. راجعه مجموعة من العلماء. دار الكتاب العربي ط/الرابعة 1403هـ. الكامل في ضعفاء الرجال لأبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني. دار الفكر. ط/الثانية 1405هـ. الكتاب المصنف في الأحاديث والآثار لأبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الكوفي. تقديم وضبط كمال يوسف الحوت. مكتبة العلوم والحكم. ط/الأولى 1409هـ. كشف الأستار عن زوائد البزار على الكتب الستة للحافظ نور الدين علي ابن أبي بكر الهيثمي. تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. مؤسسة الرسالة. ط/الثانية 1404هـ. لسان العرب لأبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن منظور الأنصاري. مكتبة تحقيق التراث دار إحياء التراث العربي. مؤسسة التاريخ العربي. ط/الثالثة 1413هـ.

صفحة مطبوعة 191 · ورقة PDF 191رابط الصفحة المنفردة

المجروحين من المحدثين والضعفاء والمتروكين لمحمد بن حبان بن أحمد أبي حاتم التيمي البستي. تحقيق: محمود إبراهيم زايد. دار الوعي. ط/الأولى 1396هـ. مجمع البحرين في زوائد المعجمين لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي. تحقيق ودراسة عبد القدوس بن محمد نذير. مكتبة الرشد. الرياض. ط/الأولى 1413هـ. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد لنور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي. مكتبة المعارف 1406هـ. المحن لمحمد بن أحمد بن تميم التميمي. تحقيق يحيى وهيب الجبوري. ط/الثانية 1408هـ دار الغرب الإسلامي. مختصر منهاج السنة لعبد الله الغنيمان. مكتبة الكوثر. دار الأرقم. ط/الثانية 1412هـ. مرويات العهد المكي لعادل عبد الغفور. رسالة ماجستير بقسم السنة بكلية الحديث. الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة. المستدرك على الصحيحين لأبي عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري. وفي ذيله تلخيص المستدرك للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي. دار الفكر 1398هـ. المسند لمحمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة بن أدهم. تحقيق مجدي السيد إبراهيم. مكتبة القرآن. القاهرة. المسند لأبي عوانة يعقوب بن إسحاق الاسفرائيني. دار

صفحة مطبوعة 192 · ورقة PDF 192رابط الصفحة المنفردة

الكتبي. المسند لعبد الله بن المبارك بن واضح المروزي. حققه وعلق عليه صبحي البدري السامرائي. مكتبة المعارف. ط/الاولى 1407هـ. المسند لأحمد بن حنبل الشيباني. المكتب الإسلامي. بيروت. ط/الخامسة 1405هـ. المسند لإسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه الحنظلي المروزي. تحقيق: الدكتور عبد الغفور البلوشي. مكتبة الإيمان. المدينة المنورة. ط/الأولى 1412هـ. مسند ابن الجعد لأبي الحسين علي بن الجعد الجوهري. تحقيق: عبد المهدي بن عبد القادر. مكتبة الفلاح. الكويت. ط/الأولى 1405هـ. مسند أبي يعلى لأحمد بن علي بن المثنى التميمي. حققه وخرج أحاديثه حسين سليم أسد. دار المأمون. ط/الاولى 1404هـ. مسند الحميدي لأبي بكر عبد الله بن الزبير الحميدي. تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. عالم الكتب. بيروت. مسند الشافعي لأبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي. دار الكتب العلمية ط/الأولى 1400هـ. مسند الشهاب لأبي عبد الله محمد بن سلامة القضاعي. حققه وخرج أحاديثه حمدي بن عبد المجيد السلفي. ط/الأولى 1405هـ مؤسسة الرسالة. مسند الطيالسي لأبي داود سليمان بن داود بن الجارود الفارسي البصري. مكتبة المعارف. دار المعرفة.

صفحة مطبوعة 193 · ورقة PDF 193رابط الصفحة المنفردة

مسند عمر بن الخطاب لأبي يوسف يعقوب بن شيبة بن الصلت. تحقيق كمال يوسف الحوت. ط/الأولى 1405هـ. مؤسسة الكتب الثقافية. مسند الفاروق لعماد الدين أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الشافعي. وثَّق أصوله وخرَّج أحاديثه د. عبد المعطي قلعجي ط/الأولى 1411هـ. مشكاة المصابيح لمحمد بن عبد الله الخطيب التبريزي. تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني. المكتب الإسلامي. بيروت. ط/الثالثة 1405هـ. مشكل الآثار لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي. ط/الأولى. مطبعة مجلس دائرة المعارف النظامية بحيدر أباد الدكن 1333هـ. المصاحف لأبي بكر عبد الله بن أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني. دار الكتب العلمية. ط/الأولى 1405هـ. المصنَّف لأبي بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني. تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي. توزيع المكتب الإسلامي. بيروت. ط/ الثانية 1403هـ. المعجم لأبي سعيد أحمد بن محمد بن زياد بن الأعرابي. تحقيق: الدكتور أحمد بن ميرين البلوشي. مكتبة الكوثر. الرياض. ط/الأولى 1412هـ. معجم البلدان لشهاب الدين أبي عبد الله ياقوت بن عبد الله الحموي الرومي البغدادي. دار صادر. بيروت 1404هـ. معجم قبائل العرب القديمة والحديثة لعمر رضا كحالة. مؤسسة الرسالة. ط/السادسة 1412هـ. المعجم الكبير لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني. تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي. ط/الثانية. مكتبة ابن تيمية.

صفحة مطبوعة 194 · ورقة PDF 194رابط الصفحة المنفردة

القاهرة. معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية لعاتق بن غيث البلادي. دار مكة للنشر والتوزيع. ط/الأولى 1402هـ. المعجم الوسيط لمجموعة من العلماء ط/الثانية. مطابع دار المعارف بمصر. معرفة الصحابة لأبي نعيم أحمد عبد الله الأصبهاني. تحقيق: محمد راضي ابن حاج عثمان. مكتبة الدار بالمدينة. وكتبة الحرمين بالرياض. ط/الأولى عام 1408هـ. المعرفة والتاريخ لأبي يوسف يعقوب بن سفيان الفسوي. تحقيق: الدكتور أكرم ضياء العمري. مكتبة الدار. المدينة المنورة. ط/الاولى عام 1410هـ. معرفة السنن والآثار لأبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي. مصور عن المكتبة الآصفية، حيدر أباد الدكن. مكارم الأخلاق لأبي بكر محمد بن جعفر السامري الخرائطي. تحقيق سعاد سليمان إدريس ط/الأولى 1411هـ. مطبعة المدني. المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لأبي الفرج عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي. دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا ومصطفى عبد القادر عطا. ط/الأولى دار الكتب العلمية 1412هـ. الموطأ لمالك بن أنس الأصبحي.تحقيق وتعليق د.بشار عواد ومحمود محمد خليل. ط/الثانية 1413هـ. مؤسسة الرسالة. نسب قريش لأبي عبد الله مصعب بن عبيد الله الزبيري. عني بنشره: ليفي بروفنسال. توزيع مكتبة ابن تيمية. ط/الثالثة. دار

صفحة مطبوعة 195 · ورقة PDF 195رابط الصفحة المنفردة

المعارف. النهاية في غريب الحديث لمجد الدين المبارك بن محمد بن الأثير الجزري. تحقيق: طاهر أحمد الزاوي ومحمود الطناحي. دار الفكر. ط/الثانية 1399هـ. وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى لنور الدين علي بن أحمد السمهودي. تحقيق: محمد محي الدين عبد الحميد. دار إحياء التراث العربي. بيروت. ط/الرابعة 1404هـ.

جل جلاله

هذا الكتاب

يلقي الضوء على معالم شخصية عظيمة من شخصيات الإسلام التي تربت على يدي خير معلم وأعظم موجه وهو النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

تلكم هي شخصية الفاروق بين الحق والباطل والهدى والضلال، إنه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه أحد العشرة المبشرين بالجنة، والسابقين إلى الإسلام، والمضحين لأجل هذا الدين بالغالي والنفيس.

إنه عمر الفاروق الذي شهد بفضله وعدله الأعداء قبل الأحباب، والخصوم قبل الأصحاب، وهو أحد المعالم الشامخة في هدي الآل والأصحاب.

صفحة 196 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعةتفاصيل الصفحة
الحاشية
داخل هذا الكتاب فقطالبحث في شهيد المحراب الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه

اكتب كلمتين أو أكثر لعرض النتائج داخل هذا الكتاب.

النسخة المصوّرة — شهيد المحراب الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنهتمرير رأسي متصل