رقم الإيداع: 289/2008
ردمك: 2-6- 674- 99906- 978
حقوق الطبع محفوظة
لمبرة الآل والأصحاب
إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية
الطبعة الثانية
1434هـ / 2013م
مبرة الآل والأصحاب
هاتف: 2560203 – 2552340 فاكس: 2560346
ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت

صورة مخطوطة قديمة بها:
قول الله عز وجل في آخر سورة العنكبوت «جزء من آية 69»:
﴿... جَٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَمَعَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴾.
ثم البسملة ثم قول الله عز وجل في أول سورة الروم «الآية 1 وأول كلمة من الآية 2 »:
﴿ الٓمٓ غُلِبَتِ ...﴾
الفهرس
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المقدمة:.................................................... | 9 |
|---|
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| ﴿ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾............................ | 11 |
| الدعاء هو العبادة .......................................... | 16 |
| قالها أنبياء الله فماذا تقول أنت؟.............................. | 20 |
| وقالها آل البيت عن أنفسهم بكل صراحة.................... | 24 |
| التوسل شيء والاستغاثة بالمخلوقين ودعاؤهم شيء آخر.... | 26 |
| لا واسطة بين العبد وربه.................................... | 31 |
| ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ ﴾................ | 35 |
| تشابهت الصور واختلفت المسميات........................ | 44 |
| آل البيت يعلِّمون محبيهم التوسل المشروع................... | 47 |
| آل البيت يستغيثون بالله فبمن تستغيث أنت؟................ | 52 |
| لأي علة أغرق الله تعالى فرعون؟........................... | 60 |
| الاستغاثة بالزهراء والأئمة أم بخالقهم؟.................... | 62 |
| أليس الله بكاف عبده؟..................................... | 71 |
| كفانا شعارات.............................................. | 77 |
| المراجع..................................................... | 79 |
المقدمة
الحمد لله مدبر الملك والملكوت، المنفرد بالعزة والجبروت، الرافع
للسماء بغير عماد، المقدر فيها أرزاق العباد. الذي صرف أعين ذوي القلوب والألباب عن ملاحظة الوسائط والأسباب إلى مسبّبِ الأسباب، ورفع هممهم عن الالتفات إلى ما عداه والاعتماد على مدبّر سواه، فلم يعبدوا إلا إياه، علماً بأنه الواحد الفرد الصمد الإله، وتحقيقاً بأن جميع أصناف الخلق عبادٌ أمثالهم، لا يُبتغى عندهم الرزق.
والصلاة على محمد قامع الأباطيل، الهادي إلى سواء السبيل، وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد، فهذه رسالة لطيفة في (توحيد رب العالمين) كتبتها بعد لقائي بسيد من سادات آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين نجلهم ونتقرب إلى الله تعالى بحبهم.
والذي أشار عليّ مشكوراً أن أكتب رسالة في (التوحيد) مدبجة بنصوص القرآن والسنة وكلام أئمة آل البيت لما في ذلك من الفائدة والنفع لعموم الأمة.
فاستجبت لرغبته على استحياء مني أن أتقدم على من يفضلني علماً وتقوى لكني رأيت أنّ تخاذلي عن كتابة هذه الرسالة هو (كتمان للعلم) مع
ما وقفت عليه من روايات لآل بيت النبوة تخالف ما يدّعيه بعض المنتسبين إلى مذهبهم اليوم.
فقد تتابعت الفتن في هذا الزمان حتى أصبح ذو القلب الحي ينكر ما يراه ويسمعه، يسأل الله تعالى أن لا يجعل فتنته في دينه.
وأي فتنة أعظم من فتنة الانصراف عن تحقيق معنى الشهادتين؛ شهادة أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً رسول الله؟ فكم من فاتن عنها بعلم، وكم من مفتون عنها بتقليد؟
فكان من الواجب عليّ أن أشحذ همتي، وأقوي عزيمتي مستعيناً بالله تعالى، سائلاً إياه التوفيق والسداد في إيصال كلمتي للناس، فإن بلغت ما أرجو لها أن تبلغه فالحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، وإن لم تبلغ ذلك سألت الله تعالى أن لا يحرمني الأجر، وأن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، لا رياء فيه ولا سمعة.
وليعلم القارئ الكريم أنّ إرضاء الناس غاية لا تدرك، ومن أرضى الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس، ومن أرضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
المؤلف
﴿ إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾
لقد عظّم الله تعالى أمر الشرك فقال في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّهُۥ مَن يُشْرِكْ بِٱللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ ٱلْجَنَّةَ وَمَأْوَىٰهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ(1) ﴾ وقال في موضع آخر من كتابه: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾(2) .
فأخبر أنه لا يغفر الشرك مع عدم التوبة منه، وأنه يغفر ما سواه بغير التوبة - إن شاء-(3) .
وقد بلغ من اهتمام الإمام علي بهذه الآية أن قال عنها: (ما في القرآن آية أحب إليّ من قوله عز وجل: ﴿ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾(4) .
ولخطورة (الشرك) وصفه تعالى بأنه ظلم عظيم فقال: إِنَّ ٱلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾(5) فمن أشرك فقد ظلم نفسه وأوردها المهالك، بخلاف أهل الإيمان الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَلَمْ يَلْبِسُوٓا۟
إِيمَٰنَهُم بِظُلْمٍ أُو۟لَٰٓئِكَ لَهُمُ ٱلْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾(6)
والمشرك عمله محبط، مردود عليه، لا يقبل الله تعالى منه صرفاً ولا عدلاً كما قال عز من قائل: ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُوا۟ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا۟ يَعْمَلُونَ﴾(7)
بل خاطب نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ﴾(8) .
ولتحقيق معنى التوحيد الخالص، ولتحرير العباد من العبودية لغير الله عز وجل أرسل الله الرسل مبشرين ومنذرين كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ وَٱجْتَنِبُوا۟ ٱلطَّٰغُوتَ﴾(9) .
فكان كل رسول أرسله الله تعالى يفتتح دعوته لأمته بالدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
فهذا نوح عليه السلام يقول لقومه: ﴿ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ إِنِّىٓ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ(10) ﴾ .
وهذا هود عليه السلام يقول لقومه: ﴿ يَٰقَوْمِ ٱعْبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُۥٓ أَفَلَا تَتَّقُونَ(11) ﴾ .
وهذا محمد صلى الله عليه وآله وسلم
يأمره ربه عز وجل أن يقول: قُلْ تَعَالَوْا۟ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا۟ بِهِۦ شَيْـًٔا﴾(12)
فكان عليه الصلاة والسلام يسير بين الناس وهو ينادي (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) وعمه أبو لهب يرميه من خلفه بالحجارة وبكلمات من السفه(13) .
وإذا كان صاحب القلب الحي يستنكر الظلم ويستهجنه، ويعادي الظلمة ويبغضهم لعظيم جرمهم، فإنّ أعظم الظلم هو الشرك بالله كما أسلفنا، والمشرك أحق بالبغض في الله لإساءته الظن بالله وتعلقه بمن سواه.
وفي حديث عبد الله بن مسعود أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (أي الذنب أعظم؟ فقال: (أن تجعل لله نداً وهو خلقك!)(14) .
ولهذا كان التحرز من (الشرك) والبراءة من المشركين ومن شركهم من أوجب الواجبات.
ومن هذا المنطلق أعلن إبراهيم عليه السلام براءته من المشركين
ومما يعبدون من دون الله قَالَ أَفَرَءَيْتُم مَّا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ أَنتُمْ وَءَابَآؤُكُمُ ٱلْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِّىٓ إِلَّا رَبَّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾(15) وكما قال في سورة الأنعام: قَالَ يَٰقَوْمِ إِنِّى بَرِىٓءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾(16)
هذه ملة إبراهيم عليه السلام التي قال الله تعالى عنها: ﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَٰهِـۧمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُۥ﴾(17) .
وحض الناس على اتباعها فقال: ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذْ قَالُوا۟ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُا۟ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥٓ﴾(18) .
الدعاء هو العبادة
إنّ الدعاء هو العبادة، حقيقة يستشعرها المؤمن وهو يرفع يديه إلى السماء سائلاً الله تعالى خيري الدنيا والآخرة.
بهذا المعنى الجليل تضافرت نصوص الكتاب والسنة وأقوال آل البيت عليهم السلام المؤكدة لهذا المعنى، فنصت على أنّ الدعاء هو العبادة، وأنّ صرف الدعاء لغير الله تعالى هو تأليه لغيره سبحانه.
فعن النعمان بن بشير قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول على المنبر: (إنّ الدعاء هو العبادة، ثم قرأ ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ(19) ﴾ .
وفي مناجاة الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) في الصحيفة السجادية الكاملة: (وقلت: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌ﴾ وقلت: ﴿ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾، فسميت دعاءك عبادة وتركه استكباراً، وتوعدت على تركه دخول جهنم داخرين ، فذكروك بمنك، وشكروك بفضلك، ودعوك بأمرك، وتصدقوا لك طلباً لمزيدك)(20) .
وروى الميرزا النوري الطبرسي في (مستدرك الوسائل) عن القطب الراوندي
في (دعواته) عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: أفضل عبادة أمتي بعد قراءة القرآن الدعاء، ثم قرأ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ألا ترى أنّ الدعاء هو العبادة؟)(21)
وروى الكليني في (الكافي) عن أبي جعفر (الباقر) أنه قال: إنّ الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ قال: هو الدعاء، وأفضل العبادة الدعاء(22) .
وروى الكليني في الكافي والحر العاملي في (وسائل الشيعة) عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: ( إنّ الدعاء هو العبادة)(23) .
وعن أبي جعفر الباقر أنه قال (أفضل العبادة الدعاء)(24) .
وفي (تهذيب الأحكام) للطوسي عن ابن عمار قال: قلت لأبي عبد الله جعفر الصادق (رجلان افتتحا الصلاة في ساعة واحدة، فتلا هذا القرآن، فكانت تلاوته أكثر من دعائه، ودعا هذا أكثر، فكان دعاؤه أكثر من تلاوته، ثم انصرفا في ساعة واحدة أيهما أفضل؟ قال: كل فيه فضل،
كل حسن. قلت: إني قد علمت أنّ كلاً حسن وأنَّ كلاً فيه فضل، فقال: الدعاء أفضل، أما سمعت قول الله عزوجل:﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدْعُونِىٓ أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾، هي والله العبادة، هي والله أفضل، هي والله أفضل، أليست هي العبادة؟! هي والله العبادة، هي والله العبادة، أليست هي أشدهن؟! هي والله أشدهن، هي والله أشدهن(25)
وعن سدير قال: قلت لأبي جعفر الباقر: أي العبادة أفضل؟ فقال: ما من شئ أفضل عند الله عز وجل من أن يُسأل ويطلب مما عنده، وما أحد أبغض إلى الله عز وجل ممن يستكبر عن عبادته ولا يسأل ما عنده)(26) .
وعن أبي حمزة عن أبي جعفر الباقر قال: قلت له: ما عنى بقوله: ﴿وَإِبْرَٰهِيمَ ٱلَّذِى وَفَّىٰٓ﴾؟ قال: كلمات بالغ فيهن، قلت: وما هن؟ قال: (كان إذا أصبح قال: أصبحت وربي محمود، أصبحت لا أشرك بالله شيئاً، ولا أدعو معه إلهاً، ولا أتخذ من دونه ولياً)(27) .
وقد سئل أيضاً: (أي العبادة أفضل؟ فقال: ما من شيء أفضل عند الله عز وجل من أن يسأل)(28) .
كل هذه النصوص تدل دلالة قطعية على أنّ الدعاء عبادة، وأنّ صرف الدعاء لغير الله تعالى يعني بكل وضوح صرف العبادة لغير الله تعالى.
قالها أنبياء الله فماذا تقول أنت؟
عندما أنكر إبراهيم عليه السلام على قومه دعاءهم أصنامهم وتقديمهم القرابين لها ﴿ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْـًٔا وَلَا يَضُرُّكُمْ(29) ﴾ ، نعم.. كيف تدعون وتستغيثون بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره ضراً ولا نفعاً!
وقالها الله تعالى عن رسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم : ﴿ قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾(30) .
يقول الفضل بن الحسن الطبرسي في تفسيره للآية الكريمة: (﴿قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى﴾ هو إظهار العبودية، أي أنا عبد ضعيف لا أملك لنفسي اجتلاب نفع ولا دفع ضر ﴿ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾ ربي ومالكي من النفع لي والدفع عني، ﴿ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ﴾ لكانت حالي على خلاف ما هي عليه، فكنت أستكثر المنافع وأجتنب المضار، ولم أكن غالباً مرة ومغلوباً أخرى في الحروب، ورابحاً وخاسراً في المتاجر، ﴿ إِنْ أَنَا۠ إِلَّا ﴾ عبد أُرسلت بشيراً ونذيراً وما من شأني علم الغيب)(31) .
ويقول الشيخ محمد جواد مغنية في تفسيره (الكاشف): (﴿قُل لَّآ أَمْلِكُ لِنَفْسِى
نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ﴾، هذه عقيدة المسلمين بنبيهم محمد أشرف خلق الله أجمعين، لا يملك لنفسه شيئاً فضلاً عن أن يملكه لغيره، وهذا الاعتقاد بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم هو نتيجة حتمية لعقيدة التوحيد وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ ٱلْغَيْبَ لَٱسْتَكْثَرْتُ مِنَ ٱلْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِىَ ٱلسُّوٓءُ﴾، إنّ كلمة الغيب لا تدل على معناها فحسب، بل تدل أيضاً على أنّ الغيب لله وحده، وبالإضافة إلى هذه الدلالة فإنّ أقرب الناس إلى ربه يعلن للأجيال بأنه أمام الغيب بشر لا فرق بينه وبين غيره من الناس، ثم لا يكتفي بهذا الإعلان بل يستدل على ذلك بالحس والوجدان، وهو أنه لو علم الغيب لعرف عواقب الأمور، فأقدم على ما تكون عاقبته خيراً، وأحجم عما تكون عاقبته شراً، وما أصابه في هذه الحياة ما يسوؤه ويكرهه، وكيلا يقول قائل: كيف لا يعلم محمد الغيب وهو الرسول المقرب من الله؟ قال محمد صلى الله عليه وآله وسلم بأمر من الله إِنْ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾، إنه رسول الله، ما في ذلك ريب، ولكن مهمة الرسول تنحصر بتبليغ الناس رسالات ربهم، وإنذار من عصى بالعقاب وبشارة من أطاع الله بالثواب، أما علم الغيب والنفع والضر فبيد الله وحده)(32)
وقد أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يبلغ الناس أنه لا يملك لأحد نفعاً ولا ضراً، فقال تعالى في سورة الجن: قُلْ إِنَّمَآ أَدْعُوا۟ رَبِّى وَلَآ أُشْرِكُ بِهِۦٓ أَحَدًا قُلْ إِنِّى
لَآ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾(33)
يقول الشيخ الطوسي في تفسيره (التبيان) في تفسير الآية: (أمر الله تعالى نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول للمكلفين ﴿ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴾ ومعناه إني لا أقدر على دفع الضرر عنكم ولا إيصال الخير إليكم، وإنما يقدر على ذلك الله تعالى. وإنما أقدر على أن أدعوكم إلى الخير وأهديكم إلى طريق الرشاد، فإن قبلتم نلتم الثواب والنفع، وإن رددتموه نالكم العقاب وأليم العذاب ، ثم قال أيضاً: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد ﴿ قُلْ إِنِّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ ﴾ أي لا يقدر أن يجير على الله حتى يدفع عنه ما يريده به من العقاب ﴿ وَلَنْ أَجِدَ﴾ أيضاً أنا ﴿ مِن دُونِهِۦ﴾ أي من دون الله ﴿ مُلْتَحَدًا﴾ يعنى ملتجأ ألجأ إليه أطلب به السلامة مما يريد الله تعالى فعله من العذاب والألم. وأضافه إلى نفسه، والمراد به أمته، لأنه لا يفعل قبيحاً فيخاف العقاب. والمعنى ليس من دون الله ملتحد أي ملجأ)(34) .
ويقول الشيخ الطبرسي في تفسيره (مجمع البيان): (المعنى: ثم خاطب سبحانه نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: ﴿قُلْ﴾ يا محمد للمكلفين ﴿ قُلْ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴾ أي لا أقدر على دفع الضرر عنكم، ولا إيصال الخير إليكم، وإنما القادر على ذلك هو الله تعالى، ولكني رسول ليس عليّ إلا البلاغ والدعاء إلى الدين والهداية إلى الرشاد. وهذا اعتراف بالعبودية، وإضافة الحول والقوة إليه تعالى)(35) .
وقالها آل البيت عن أنفسهم بكل صراحة
وهذا الإمام جعفر الصادق يعلنها صراحة، أمام الناس جميعاً، من شاهده وصحبه، ومن سمع به ولم يره، يقول بكل وضوح:
(والله ما نحن إلا عبيد.. ما نقدر على ضر ولا نفع، إن رحمنا فبرحمته، وإن عذبنا فبذنوبنا، والله مالنا على الله من حجة، ولا معنا من الله براءة، وإنا لميتون ومقبورون ومنشورون ومبعوثون وموقوفون ومسؤولون... أشهدكم أني امرؤٌ ولدني رسول الله وما معي براءة من الله، إن أطعت رحمني وإن عصيت عذبني عذاباً شديداً(36) ) .
ويقول في دعائه لربه عز وجل: (اللهم لا تجهد بلاءنا، ولا تشمت بنا أعدائنا، فإنك أنت الضار النافع(37) ) .
وقد كان حفيده الإمام الرضا يقول في دعائه: ( اللهم إني أبرأ إليك من الحول والقوة، فلا حول ولا قوة إلا بك .
اللهم إني أبرأ إليك من الذين ادعوا لنا ما ليس لنا بحق. اللهم إني أبرأ إليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا . اللهم لك الخلق ومنك الأمر، وإياك نعبد وإياك نستعين. اللهم أنت خالقنا وخالق آبائنا الأولين وآبائنا الأخرين. اللهم لا تليق الربوبية إلا بك، ولا تصلح الإلهية إلا لك، فالعن النصارى الذين صغّروا عظمتك، والعن المضاهين لقولهم من بريتك .
اللهم إنا عبيدك وأبناء عبيدك، لا نملك لأنفسنا ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. اللهم من زعم أننا أرباب فنحن إليك منه براء، ومن زعم أنّ إلينا الخلق وعلينا الرزق فنحن إليك منه براء كبراءة عيسى عليه السلام من النصارى. اللهم إنا لم ندعهم إلى ما يزعمون، فلا تؤاخذنا بما يقولون واغفر لنا ما يزعمون)(38) .
فانظر إلى شهادتي الإمامين الصادق والرضا الواضحتين في الدلالة على أنّ الله تعالى هو وحده النافع الضار وأنّ الإمام من آل البيت إنما هو عبد لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعاً ولا ضراً، وأنّ من زعم غير ذلك فقد كذب على الأئمة عليهم السلام ونسب إليهم ما لا ينسبونه لأنفسهم.
التوسل شيء والاستغاثة بالمخلوقين ودعاؤهم شيء آخر
الكثير منا يرتكب الأخطاء الجسيمة لكنه إن جوبه بها بحث عن مبررات أو أدلة ترفع عنه الحرج والعتب!
إنّ منطلقات الكثيرين منا عاطفية، لا تقوم على الدليل والبرهان بقدر ما هي قائمة على عاطفة شخصية تجاه فكرة معينة، نحبها ونألفها ونهاجم من يهاجمها!
قد يتصور البعض أنّ انتقادي للاستغاثة برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو الأئمة من آل البيت أو الصحابة الكرام أو غيرهم من الأولياء والصالحين ربما يعود لجفاء في طبعي أو لنقص في محبتي لأولئك العظام، ولكن هيهات أن يكون ذلك، ونحن نسترخص أرواحنا ودماءنا في سبيل الدفاع عنهم والتقرب إلى الله تعالى بحبهم ومودتهم.
لكني على يقين من أنّ كل قلب حي يحب الله ورسوله ويحب آل البيت والصحابة الكرام سيعي بلا شك أنّ الحب لا يعني التأليه، حب النبي عليه السلام أو آل بيته أو صحابته لا يعني عبادتهم.
إنّ المسلم ليستنكر على النصراني استغاثته بالمسيح عليه السلام أو بمريم العذراء عليها السلام، ودعاءه إياهم وتضرعه لهما، ولا يصح في الأذهان أن
يُصنّف هذا المسلم كـ(مبغض للمسيح عليه السلام وأمه)، وما يُقال عن المسيح عليه السلام وأمه يقال في آل البيت وغيرهم من باب أولى.
ومما أتذكره في هذا الشأن موقف حصل بيني وبين صديقة والدتي لكنه في موضوع (التوكل)، حيث ركبت السيارة وهي تقول: (توكلت على الله ومحمد!)، فقلت لها: يا أماه، قولي: (توكلت على الله)، محمد عليه الصلاة والسلام نبينا وحبيبنا لكنه مخلوق، لا يجوز أن يُتوكل عليه، إنما التوكل على الله تعالى وحده.
فقالت: (توكلنا على الله ثم محمد!) فابتسمت وقلت لها: هل يصح أن أقول: (توكلت على الله والمسيح أو توكلت على الله ثم المسيح) قالت: لا!
فقلت لها: ما الفرق؟
فتحيرت في الإجابة.
فقلت لها: أليس المسيح عليه السلام نبياً؟، قالت: بلى، لكن لا يجوز أن يُقال فيه هذا الكلام، فقلت لها: أماه، محمد عليه الصلاة والسلام نبي، والمسيح عليه السلام نبي، وأنبياء الله تعالى محكي قولهم في القرآن: قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَمُنُّ عَلَىٰ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُم بِسُلْطَٰنٍ إِلَّا بِإِذْنِ ٱللَّهِ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ وَمَا لَنَآ أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى ٱللَّهِ وَقَدْ هَدَىٰنَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَىٰ مَآ ءَاذَيْتُمُونَا وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾(39) ونبي الله تعالى يعقوب عليه السلام قال لأبنائه: ﴿وَمَآ أُغْنِى
عَنكُم مِّنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ إِنِ ٱلْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ(40)
أليست هذه الآيات كافية وواضحة في الدلالة على أنه لا يُتوكل إلا على الله تعالى؟
وأنّ الأنبياء عليهم السلام ينفون عن أنفسهم الحول والقوة وأنهم يصرحون بأنّ المؤمن يتوكل على الله تعالى لا على غيره؟
كانت هذه الكلمات بحمد الله تعالى أشبه بالبلسم على قلبها، فاستجابت بحمد الله فما عادت بعد اليوم تدعو أو تتوكل أو تستغيث إلا بالله رب العالمين.
إنّ أولئك الذين يستغيثون بالأنبياء والأئمة والصالحين يغالطون أنفسهم بل يخدعونها حين يزعمون أنّ صرفهم الدعاء إلى المخلوق واستغاثتهم به بمثابة التوسل بجاه النبي أو الرجل الصالح!
ولنكن أكثر صراحة في الحديث عن هذه المسألة، لنطرح سؤالاً على الذين يرددون عبارات (أدركني يا محمد) أو (أدركني يا علي) أو (أدركني يا مهدي) أو (أدركني يا جيلاني)، هل يُعقل أنهم كانوا يفكرون في الله حين يرددون عباراتهم تلك، أم أنهم كانوا يفكرون في تلك الشخصيات ويرجونها أن تدركهم فعلاً؟
﴿ مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِى جَوْفِهِۦ﴾(41) .
إنّ الفرق بين صيغة التوسل وهي (اللهم إني أسألك بجاه محمد صلى الله عليه وآله وسلم ) أو (اللهم اكشف عني كربي بجاه نبيك صلى الله عليه وآله وسلم ) أو (اللهم اغفر لي بحق محمد وآل محمد) وما أشبهها من صيغ(42) ، وبين صيغ أخرى كعبارة: (أدركني يا علي) أو (الغوث يا رسول الله) أو (اكشف عني كربي يا رسول الله) أو (اشفني يا كاظم) وما أشبهها، فرق واضح وجلي.
ففي الصيغة الأولى خطاب مباشر لله تعالى لا لغيره، فالداعي يدعو ربه قائلاً: (اللهم اكشف عني كذا) أو (اللهم إني أسألك كذا) ثم يلحق بهذا الدعاء توسلاً بجاه محمد صلى الله عليه وآله وسلم عند الله أو جاه غيره من الأنبياء أو الصالحين.
أما الصيغة الثانية ففيها استغاثة بالمخلوق في أمور لا يقدر عليها إلا رب العباد، وهي الصيغة التي تستحق منا وقفة مع شرعيتها ومدى موافقتها للقرآن والسنة بل ولروايات أئمة آل البيت عليهم السلام.
لا واسطة بين العبد وربه
إنّ المتأمل في كتاب الله ليلحظ كثرة الآيات التي تحكي أسئلة طرحها الناس وإجابات إلهية عليها.
فلما سأل الناس عن الأهلة قال الله تعالى: ﴿ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْأَهِلَّةِ قُلْ هِىَ مَوَٰقِيتُ لِلنَّاسِ وَٱلْحَجِّ وَلَيْسَ ٱلْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنِ ٱتَّقَىٰ وَأْتُوا۟ ٱلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَٰبِهَا وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(43) ﴾ .
ولما سألوا عن الإنفاق قال الله تعالى: ﴿يَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَٰلِدَيْنِ وَٱلْأَقْرَبِينَ
وَٱلْيَتَٰمَىٰ وَٱلْمَسَٰكِينِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٌ(44)
ولما سألوا عن القتال في الشهر الحرام قال الله تعالى: ﴿ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفْرٌۢ بِهِۦ وَٱلْمَسْجِدِ ٱلْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِۦ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ ٱللَّهِ وَٱلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ ٱلْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ ٱسْتَطَٰعُوا۟ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُو۟لَٰٓئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَٰلُهُمْ فِى ٱلدُّنْيَا وَٱلْـَٔاخِرَةِ وَأُو۟لَٰٓئِكَ أَصْحَٰبُ ٱلنَّارِ هُمْ فِيهَا خَٰلِدُونَ(45) ﴾ .
ولما سألوا عن الخمر والميسر قال الله تعالى: ﴿ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلْخَمْرِ وَٱلْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ ٱلْعَفْوَ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلْـَٔايَٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ(46) ﴾ .
ولما سألوا عن القيامة قال الله تعالى: ﴿ يَسْـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَىٰهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْـَٔلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِىٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(47) ﴾ .
لكنهم لما سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الله تعالى كيف يدعونه وما الطريق إليه، جاءتهم الإجابة دون كلمة (قل) لتعلن الآية أن لا واسطة بين العبد وربه، وأنّ الله تعالى قريب من عباده يجيبهم إذا دعوه واستجابوا لأمره.
يقول رب العزة والجلال: وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى
لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(48)
يقول أمير المؤمنين علي في وصيته لابنه الإمام الحسن: «واعلم أنّ الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن لك في الدعاء وتكفّل لك بالإجابة، وأمرك أن تسأله ليعطيك وتسترحمه ليرحمك ولم يجعل بينك وبينه من يحجبه عنك، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه(49) » .
وللسيد محمد حسين فضل الله تعليقٌ جميلٌ في تفسيره (من وحي القرآن) يقول فيه: ( لا واسطة بين العبد وربه في خطابه وسؤاله له، وقد نلاحظ في التوجه الإنساني بوحدانية العبادة والاستعانة.. في خطاب العبد لربه في هذه الآية الكريمة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ أنّ الإنسان لا يحتاج في حديثه مع الله وفي طلبه منه إلى أية واسطة من بشر أو غيره، لأنّ الله لا يبتعد عن عبده ولا يضع أي فاصل بينه وبينه.. إلا ما يضعه العبد من فواصل تبعده عن مواقع رحمته، وتحبس دعاءه عن الصعود إلى درجات القرب من الله.. بل أراد لعباده أن يدعوه بشكل مباشر ليستجيب لهم، وحدثهم عن قربه منهم بحيث يسمع كلامهم حتى لو كان بمثل الهمس أو في مثل وسوسة الصدور، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لِى وَلْيُؤْمِنُوا۟ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِۦ نَفْسُهُۥ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ ٱلْوَرِيدِ(50) ﴾ ).
﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟﴾
يقص لنا القرآن أخبار الأمم السابقة ليس على سبيل التسلية بل للعبرة والاتعاظ والنهي عن التشبه بأفعال أهل الضلال لئلا ننتهي إلى ما انتهوا إليه.
لقد قصّ الله تعالى على أهل الإيمان خبر المشركين الذي أرسل إليهم رسوله محمداً صلى الله عليه وآله وسلم لينير بصائرهم وينتشلهم من الشرك إلى الإيمان.
فأخبر أنّ أولئك المشركين كانوا مؤمنين بأنّ الله تعالى هو خالق السموات والأرض، الذي يخرج الحي من الميت ويدبر الأمر، فقال عز من قائل: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ ٱلْعَزِيزُ ٱلْعَلِيمُ﴾(51) .
وقال تعالى: ﴿قُل لِّمَنِ ٱلْأَرْضُ وَمَن فِيهَآ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ ٱلسَّبْعِ وَرَبُّ ٱلْعَرْشِ ٱلْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنۢ بِيَدِهِۦ مَلَكُوتُ كُلِّ شَىْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّىٰ تُسْحَرُونَ﴾(52) .
وقال تعالى: ﴿ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾(53) .
وقال أيضاً: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمْسَ وَٱلْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ٱللَّهُ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِۦ وَيَقْدِرُ لَهُۥٓ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِيمٌ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ مِنۢ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلِ ٱلْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾(54)
إذن أين المشكلة؟!
لقد كان هؤلاء مقرين بأنّ الله تعالى هو الخالق الرازق المحيي المميت لكنهم كانوا يصرفون بعض أنواع العبادات لغيره كما قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَٰٓؤُلَآءِ شُفَعَٰٓؤُنَا عِندَ ٱللَّهِ﴾(55) .
كانوا يقولون: إنّ الله تعالى عظيم ونحن مذنبون، ولا بد لنا من وسطاء بيننا وبين الله، فاتخذوا وسائط بينهم وبين الله تعالى صرفوا لهم الدعاء والاستغاثة والقرابين والنذور.
لو جاز لك أن تسألهم: أتؤمنون بأنّ أصنامكم هذه آلهة بحق أم أنها وسائط بينكم وبين الله تعالى، وأنها آلهة مملوكة لرب العالمين؟
فإنهم سيجيبونك بقولهم: بل مملوكة لرب العالمين، وإنما صرفنا لها دعاءنا واستغاثتنا وذبائحنا ونذورنا لتقربنا إلى الله تعالى!
يقول الله تعالى حاكياً قولهم هذا: ﴿أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلْخَالِصُ وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ﴾(56) .
يقول ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة) عن مشركي مكة: (كانوا في عبادة الأصنام مختلفين، فمنهم من يجعلها مشاركة للبارئ تعالى، ويطلق عليها لفظة الشريك، ومن ذلك قولهم: في التلبية (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك)، ومنهم من لا يطلق عليها لفظ الشريك، ويجعلها وسائل وذرائع إلى الخالق سبحانه، وهم الذين قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ(57) ﴾ ) .
إنّ الله تعالى قد بين لنا في كتابه التناقض الشديد الذي عاشه المشركون حين تداهمهم الكرب والملمات فيلجأون بفطرتهم التي فطرهم الله عليها إلى الله وحده دون غيره، مخلصين له الدعاء والاستغاثة، حتى إذا ما كشف الكرب عنهم عادوا إلى شركهم، وجعلوا لله أنداداً وهم يعلمون أنه سبحانه النافع الضار!
قال تعالى:
﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُۥ مُنِيبًا﴾ هذا هو دعاء الفطرة، ثم يقول: ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُوٓا۟ إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا(58)
وقال عز من قائل: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِى ٱلْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُ﴾(59) .
هذا هو دعاء الفطرة، ثم يقول: ﴿ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ ٱلْإِنسَٰنُ كَفُورًا﴾(60) .
وقال: ﴿قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾(61) .
وقال سبحانه: ﴿وَظَنُّوٓا۟ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾(62) .
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾(63) .
وقال أيضاً:
﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ﴾(64)
وقال: ﴿قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَٰتِ ٱلْبَرِّ وَٱلْبَحْرِ تَدْعُونَهُۥ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَىٰنَا مِنْ هَٰذِهِۦ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾(65) .
وقال عز وجل: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلْإِنسَٰنَ ٱلضُّرُّ دَعَانَا لِجَنۢبِهِۦٓ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُۥ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إِلَىٰ ضُرٍّ مَّسَّهُۥ﴾(66) .
وقال أيضاً: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا۟ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ(67) ﴾ .
إنّ (لا إله إلا الله) لا تعني (لا خالق إلا الله) فحسب، فهذه يؤمن بها حتى الذين يحاربون الإسلام!
إنّ لها أبعاداً لم يألفها البشر إلا في مناهج الرسل التي دأب البشر على تحريفها وتشويهها بما ينسجم مع تصوراتهم المادية المحدودة، فاخترعوا الوسطاء بين الله وبين خلقه!
وما قصة قوم نوح إلا مثالاً واضحاً عن كيفية تحول فئة من أولياء الله كـ (ودّ) و(سواع) و(يغوث) و (يعوق) و(نسر) إلى آلهة تعبد وترتجى
من دونه مع تعاقب الأجيال.
وقد روى ابن بابويه القمي في كتابه (علل الشرائع) عن الإمام جعفر الصادق، في قول الله عزوجل: ﴿ وَقَالُوا۟ لَا تَذَرُنَّ ءَالِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا(68) ﴾ ، قال: كانوا يعبدون الله عزوجل فماتوا، فضجَّ قومهم وشق ذلك عليهم، فجاءهم إبليس لعنه الله، فقال لهم: أتخذ لكم أصناماً على صورهم فتنظرون إليهم وتأنسون بهم وتعبدون الله، فأعد لهم اصناماً على مثالهم، فكانوا يعبدون الله عز وجل وينظرون إلى تلك الأصنام، فلما جاءهم الشتاء والأمطار أدخلوا الأصنام البيوت، فلم يزالوا يعبدون الله عز وجل حتى هلك ذلك القرن ونشأ أولادهم، فقالوا: إنّ آباءنا كانوا يعبدون هؤلاء، فعبدوهم من دون الله عزوجل، فذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا ﴾ الآية(69) .
إنّ عبارة (لا إله إلا الله) أسهل ما يمكن أن تكون على اللسان لكن دلالتها أكبر مما يتصور البعض اليوم، ولهذا قال الله تعالى: ﴿فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ ﴾ ولم يقل: (فقل لا إله إلا الله)، لأنّ المطلوب هو الإقرار بما تتضمنه (شهادة أن لا إله إلا الله) باطناً وظاهراً.
فـ(لا إله إلا الله) تعني (لا معبود في الكون يستحق أن يعبد إلا الله) (لا رازق إلا الله)، (لا مدبر
إلا الله)..
لا نخشى إلا الله، لا نتوكل إلا على الله، لا نرجو إلا الله، لا نخاف إلا الله..
لا نلجأ إلا إليه، ولا نتضرع إلا إليه..
لا نرفع أكفنا بالدعاء إلا إليه...
لا نرفع أيدينا لغيره، ولا لأنبيائه ولا لأوليائه!
لقد أرسل الله عز وجل الرسل ليطاعوا.. لا ليستغاث بهم! ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾(70) .
أرسلهم الله ليكونوا واسطة التبليغ عنه، لا ليكونوا واسطة التبليغ إليه!
فهم رسل الله إلينا، وليسوا رسلنا إلى الله!
يبلغوننا ما يريده الله منا، ولا يبلغون الله ما نريده منه!
تشابهت الصور واختلفت المسميات
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَٱدْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا۟ لَكُمْ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ﴾(71) .
في هذه الآية بيان أنّ المشركين قديماً (عربهم وعجمهم) لم يتخذوا جميعاً (الأصنام) كوسائط بينهم وبين الله تعالى بل كان منهم من اتخذ وسائط من البشر، كحال النصارى الذين اتخذوا (مريم عليها السلام) وسيطة بينهم وبين الله تعالى، يدعونها ويستغيثون بها، وهم يعلمون في قرارة أنفسهم بل ويقرون بألسنتهم وفي كتبهم بأنّ (مريم عليها السلام) ليست إلهاً يُعبد.
تشابهت صور العبادة واختلفت المسميات والشخصيات التي تُعبد.
ولنقدم إلى المقصود من الكلام لنقول: إنّ بعضاً من أولئك الذين يتخذون بينهم وبين الله وسائط يتوكلون عليهم ويستغيثون بهم أو ينذرون لهم ويذبحون لهم، حينما تقابلهم بالآيات والأحاديث التي تدين فعلهم هذا، ربما ينتفض في وجهك أحدهم قائلاً: (أتُشبّه النبي أو الإمام أو الولي بالأصنام؟!)
لا يمكن لمسلم أن يشبه نبياً أو إماماً من أئمة المسلمين أو صالحاً من صالحيهم بالأصنام، لأنه يُدرك لا محالة أنّ هؤلاء العظام لا يرتضون لأنفسهم أو لغيرهم أن يُعبدوا من دون الله تعالى، كما قال الله تعالى: ﴿ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ ٱللَّهُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْحُكْمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادًا لِّى مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا۟ رَبَّٰنِيِّـۧنَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ ٱلْكِتَٰبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا۟ ٱلْمَلَٰٓئِكَةَ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِٱلْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ(72) ﴾ .
لكن التشابه حصل من حيث الفعل الذي يقوم به الداعي، فأهل مكة كانوا يدعون الأصنام ويقدمون لها النذور والقرابين لتقربهم بدورها إلى الله تعالى، وهؤلاء الذين يتوجهون للأنبياء والأئمة والصالحين بالدعاء والاستغاثة والنذور وغيرها يفعلون ذلك ليقربوهم إلى الله تعالى!
ما الفرق الحقيقي بين رجل يستغيث بمريم عليها السلام قائلاً: (يا عذراء.. اقضِي لي حاجتي) وبين آخر يستغيث بفاطمة عليها السلام قائلاً: (يا زهراء... اقضِي لي حاجتي)؟ ﴿ تَشَٰبَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا ٱلْـَٔايَٰتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾(73) .
آل البيت يعلِّمون محبيهم التوسل المشروع
حث الله تعالى المؤمنين على تقواه والتقرب إليه بالطاعات فقال: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ وَجَٰهِدُوا۟ فِى سَبِيلِهِۦ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(74) .
يقول الطوسي في تفسير الآية: (خاطب الله في هذه الآية المؤمنين وأمرهم أن يتقوه، ومعناه أن يتقوا معاصيه ويجتنبوها، ويبتغوا إليه الوسيلة، معناه يطلبون إليه الوسيلة وهي «القربة»)(75) .
وفي تفسير شُبّر: (أي ما تتوسلون به إلى ثوابه من الطاعة)(76) وفي تفسيره (الجوهر الثمين) قال: (ما تتوسلون به إلى ثوابه وجنانه ورضوانه من الطاعة)(77) .
ويقول فخر الدين الطريحي في (تفسير غريب القرآن): (﴿وَٱبْتَغُوٓا۟ إِلَيْهِ ٱلْوَسِيلَةَ﴾ أي القربة إلى الله عز وجل، والوسيلة: القربة)(78) .
وقد بيّن آل البيت عليهم السلام أنّ التوسل إنما يكون بالأعمال الصالحة لا باتخاذهم وسائط بين الله وبين عباده.
فهذا الإمام علي بن أبي طالب يقول في (نهج البلاغة) واصفاً لنا آداب التوسل والدعاء:
(إنّ أفضل ما توسل به المتوسلون إلى الله سبحانه وتعالى؛ الإيمان به، وبرسوله، والجهاد في سبيله، فإنه ذروة الإسلام، وكلمة الإخلاص إنها الفطرة، وإقامة الصلاة فإنها الملة، وإيتاء الزكاة فإنها فريضة واجبة، وصوم شهر رمضان فإنه جُنة من العقاب، وحج البيت واعتماره فإنهما ينفيان الفقر ويرحضان الذنب، وصلة الرحم فإنها مثراة في المال ومنساة في الأجل، وصدقة السر فإنها تكفر الخطيئة، وصدقة العلانية فإنها تدفع ميتة السوء، وصنائع المعروف فإنها تقي مصارع الهوان(79) ) .
ويقول الإمام السجاد الذي سطّر أخلص وأصفى تعابير التوسل والاستغاثة في أدعيته، يقول في الدعاء الذي رواه عنه أبو حمزة الثمالي:
(.. و الحمد لله الذي أناديه كلما شئت لحاجتي، وأخلو به حيث شئت لسري بغير شفيعٍ، فيقضي لي حاجتي.. الحمد لله الذي أدعوه ولا أدعو غيره، ولو دعوت غيره لم يستجب لي دعائي..(80) ) !!
ويقول: (الحمد لله الذي لا أرجو غيره، ولو رجوت غيره لأخلف رجائي).
ويقول في مناجاة المطيعين: (ولا وسيلة لنا إليك إلا أنت(81) ) .
ويقول
أيضاً: (أنت المدعو للمهمات وأنت المفزع في الملمات)(82)
ويقول أيضاً: (لا يشركك أحد في رجائي ولا يتفق أحد معك في دعائي ولا ينظمه وإياك ندائي)(83) .
ويقول الإمام جعفر الصادق: (عجبت لمن اغتم، كيف لا يفزع إلى قوله عز وجل: ﴿لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبْحَٰنَكَ إِنِّى كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾فإني سمعت الله بعقبها يقول:
﴿وَنَجَّيْنَٰهُ مِنَ ٱلْغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِى ٱلْمُؤْمِنِينَ(84) ﴾ .
وعجبت لمن مُكر به، كيف لا يفزع إلى قوله تعالى:
﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِىٓ إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾(85) .
فإني سمعت الله بعقبها يقول:
﴿ فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُوا۟﴾)(86) .
وقد كان من دعائه لربه عز وجل:
(يا من لا تحجبه سماء عن سماء، ولا أرض عن أرض، ولا
جنب عن قلب، ولا ستر عن كِنّ، ولا جبل عما في أصله، ولا بحر عما في قعره، يا من لا تشتبه عليه الأَصوات، ولا تغلبه كثرة الحاجات، ولا يبرمه إلحاح الملحين(87)
ومثل هذه الأمور لا تكون إلا لله عز وجل، فلو أنّ المخلوقات جميعاً نادت ربها واستغاثت به ما اشتبهت ولا اختلطت على رب العباد أصواتهم، ولا أثقلته كثرة الحاجات ولا إلحاح الملحين، فهل يجد أولئك الذين يدعون الأئمة ويستغيثون بهم عندهم هذه الأمور؟
هل كان الإمام علي أو الإمام الرضا يسمعون في حياتهم استغاثات الملايين من الناس (في الهند وباكستان والعراق والبحرين ولبنان وإيران والكويت وغيرها) حتى يسمعوهم بعد موتهم؟!
آل البيت عليهم السلام يستغيثون بالله فبمن تستغيث أنت؟
روى ابن بابويه القمي عن سليمان بن مهران عن الإمام الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه علي بن الحسين عن أبيه الحسين بن علي عن أبيه علي بن أبي طالب عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : إنّ لله عز وجل تسعة وتسعين اسماً - مائة إلا واحداً - من أحصاها دخل الجنة) ثم ذكر أسماء كثيرة منها (الغياث)(88) .
يقول الشيخ ابن فهد الحلي في تفسير اسم (الغياث) في حق الله تعالى: (معناه المغيث سمي بالمصدر توسعاً لكثرة إغاثته الملهوفين وإجابته دعاء المضطرين)(89) .
فيا عجباً.. كيف يُدعى المربوب المحتاج ويُتناسى الرب الذي خلقه فسواه فعدله؟!
كل مسلم يُدرك أنّ الإمام مفتقر إلى خالقه، خاضع له، محتاج إليه، يستغيث به عند الحاجة، ويرجوه في ليله ونهاره، فكيف يتوجه العبد إليه بالدعاء والاستغاثة ويترك الوهاب السامع لكل شكوى؟!
لقد ضرب الإمام الصادق مثالاً رائعاً لكل مسلم، مؤكداً بمثاله هذا
أنه (لا يُستغاث إلا بالله تعالى) وأنّ المخلوق ضعيف مربوب خاضع لسلطان هذا الرب العظيم، لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً.
روى ابن بابويه القمي عن الإمام الحسن العسكري في قول الله عز وجل: (بسم الله الرحمن الرحيم)، فقال: الله هو الذي يتأله إليه عند الحوائج والشدائد كل مخلوق عند انقطاع الرجاء من كل من هو دونه، وتقطع الأسباب من جميع ما سواه، يقول: (بسم الله) أي أستعين على أموري كلها بالله الذي لا تحق العبادة إلا له، المغيث إذا استغيث، والمجيب إذا دعي، وهو ما قال رجل للصادق عليه السلام: يا ابن رسول الله دلني على (الله) ما هو؟ فقد أكثر علي المجادلون وحيروني، فقال له: يا عبد الله، هل ركبت سفينة قط؟ قال: نعم، قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟ قال: نعم، قال: فهل تعلق قلبك هنالك أنّ شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك؟ فقال: نعم، قال الصادق عليه السلام: فذلك الشئ هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث)(90) .
وفي رواية أخرى: الذي يتأله إليه عند الحوائج والشدائد كل مخلوق عند انقطاع الرجاء من جميع من هو دونه، وتقطع الأسباب من كل من سواه وذلك أنّ كل مترئس في هذه الدنيا ومتعظم فيها وإن عظم غناؤه
وطغيانه وكثرت حوائج من دونه إليه فإنهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها هذا المتعاظم، وكذلك هذا المتعاظم يحتاج حوائج لا يقدر عليها، فينقطع إلى الله عند ضرورته وفاقته حتى إذا كفى همه عاد إلى شركه أما تسمع الله عز وجل يقول: قُلْ أَرَءَيْتَكُمْ إِنْ أَتَىٰكُمْ عَذَابُ ٱللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ ٱلسَّاعَةُ أَغَيْرَ ٱللَّهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَٰدِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِن شَآءَ وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾(91)
فقال الله عز وجل لعباده: أيها الفقراء إلى رحمتي إني قد ألزمتكم الحاجة إليّ في كل حال، وذلة العبودية في كل وقت، فإليّ فافزعوا في كل أمر تأخذون فيه وترجون تمامه وبلوغ غايته، فإني إن أردت أن أعطيكم لم يقدر غيري على منعكم، وإن أردت أن أمنعكم لم يقدر غيري على إعطائكم، فأنا أحق من سئل، وأولى من تضرع إليه، فقولوا عند افتتاح كل أمر صغير أو عظيم (بسم الله الرحمن الرحيم) أي أستعين على هذا الأمر بالله الذي لا يحق العبادة لغيره، المغيث إذا استغيث، المجيب إذا دعي)(92) .
فتأمل كلام الإمامين الصادق والعسكري لتعلم كم يبتعد عن تعاليم الأئمة وتوحيدهم من يتعلق قلبه بالمخلوقين عند الشدائد فيستغيث بهم حيث لا منجي.
فقد
بيّن الإمام الصادق للرجل أنّ المخلص من المحن والشدائد هو الله تعالى قائلاً: فهل تعلق قلبك هنالك أنّ شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك؟ فقال: نعم، قال الصادق: فذلك الشئ هو الله القادر على الإنجاء حيث لا منجي، وعلى الإغاثة حيث لا مغيث ولم يقل له: إن أصابتك مصيبة فاسأل الزهراء أو اسألني أقضي لك حاجتك.
وتأمل قوله للرجل: (فهل تعلق قلبك هنالك أنّ شيئاً من الأشياء قادر على أن يخلصك من ورطتك؟) لتعلم أنّ القلب ليس بمأمن من الشرك إن لم يُوطّن على التعلق بالله تعالى، فأين الذين تتعلق قلوبهم بالمخلوقين (سواء أكانوا أنبياء أو أئمة أو غيرهم من الصالحين) فيذكرونهم عند الشدائد والمحن من الموحد العارف لربه الذي لا يتعلق قلبه عند المحن إلا بربه، فيناديه ويستغيث به متذللاً له مستشعراً خضوعه لهذا الرب ومستشعراً قدرة الله تعالى على كشف الضر عنه؟
ولخطورة هذه المسألة كان موقف أهل البيت عليهم السلام تجاهها واضحاً كل الوضوح، لا يختلف عن ذاك الوضوح الذي لمسناه في مسألة (دعاء غير الله).
فهذا الإمام علي بن الحسين (زين العابدين) يدعو الله تعالى وهو في غاية التذلل له قائلاً: (مولاي مولاي أنت المولى وأنا العبد، وهل يرحم العبد إلا المولى؟! مولاي مولاي أنت العزيز وأنا الذليل، وهل يرحم الذليل إلا العزيز؟! مولاي مولاي أنت الخالق وأنا المخلوق، وهل يرحم المخلوق إلا الخالق؟! مولاي مولاي أنت المعطي وأنا السائل، وهل يرحم السائل إلا المعطي؟! مولاي مولاي أنت المغيث وأنا المستغيث، وهل يرحم المستغيث إلا المغيث؟!(93) ) .
ليعلن بذلك للناس أجمعين، أنّ الله تعالى هو المغيث وأنّ الإمام لا يملك لنفسه إلا أن يكون مستغيثاً بالله راجياً منه الرحمة والعفو والعطاء والمغفرة.
وهذا الإمام محمد الباقر يخبر عن جدته فاطمة الزهراء فيقول: (إنّ فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : مكثت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ستين يوماً ثم مرضت، فاشتدت عليها، فكان من دعائها في شكواها: ( يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث فأغثني ، اللهم زحزحني عن النار، وأدخلني الجنة، وألحقني بأبي محمد « صلى الله عليه وآله وسلم(94) ») .
فانظر إلى فاطمة الزهراء (سيدة نساء العالمين) بمن تستغيث.
رغم حبها لأبيها محمد صلى الله عليه وآله وسلم ورجائها من الله أن يُلحقها به، لم تستغث برسول الله بل بربها ورب أبيها عليه الصلاة والسلام .
وهذا الإمام جعفر الصادق يعلن افتقاره إلى ربه عز وجل فيستغيث به ويرجوه قائلاً: (اللهم إنك تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، ولا يخفى عليك شئ من أمري، وأنا البائس الفقير، المستغيث المستجير الوجل المشفق، المقر المعترف بذنبه، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل المذنب الذليل(95) وأدعوك دعاء الخائف الضرير، دعاء
من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عبرته، وذل لك خيفته، ورغم لك أنفه، اللهم لا تجعلني بدعائك شقياً، وكن لي رؤوفاً رحيماً يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين، والحمد لله رب العالمين)(96)
ويعلّم أتباعه (صلاة الحاجة) فيقول: (إذا مضى ثلث الليل فقم، وصل ركعتين بسورة الملك وتنزيل السجدة، ثم ادعه، وقل: (يا رب قد نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت الحي القيوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، لن يواري عنك ليل داج، ولا سماء ذات أبراج، ولا أرض ذات مهاد، ولا بحر لجي، ولا ظلمات بعضها فوق بعض، يا صريخ الأبرار وغياث المستغيثين برحمتك أستغيث)(97) .
فانظر إلى الإمام بمن يستغيث؟ ويدعو إلى الاستغاثة بمن؟
إنه يستغيث بربه عز وجل، ويدعو أتباعه إلى الاستغاثة بالله تعالى عند الحاجة لا للاستغاثة بالإمام نفسه!
وقد أخبر الإمام الصادق أنّ الاستغاثة بالله تعالى هي سنة الأنبياء من لدن آدم عليه السلام حتى محمد صلى الله عليه وآله وسلم .
يقول الإمام الصادق: (ثلاث تناسخها الأنبياء من آدم عليه السلام حتى
وصلن إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا أصبح يقول: (اللهم إني أسألك إيماناً تباشر به قلبي، ويقيناً حتى أعلم أنه لا يصيبني إلا ما كتبت لي، ورضّني بما قسمت لي حتى لا أحب تعجيل ما أخّرت ولا تأخير ما عجّلت، يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً، وصلى الله على محمد وآله)(98)
فإذا كان الأنبياء يستغيثون بالله تعالى وآل البيت عليهم السلام يستغيثون بالله تعالى، فبمن تستغيث أنت؟
لأي علة أغرق الله تعالى فرعون؟
روى ابن بابويه القمي عن إبراهيم بن محمد أنه قال: قلت لأبي الحسن علي بن موسى الرضا: (لأي علة أغرق الله عز وجل فرعون وقد آمن به وأقر بتوحيده؟ قال: إنه آمن عند رؤية البأس وهو غير مقبول، وذلك حكم الله تعالى ذكره في السلف والخلف قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا قَالُوٓا۟ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشْرِكِينَ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْا۟ بَأْسَنَا﴾ وقال الله عز وجل: ﴿ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَٰنِهَا خَيْرًا﴾.
وهكذا فرعون لما أدركه الغرق قال: ﴿ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱلَّذِىٓ ءَامَنَتْ بِهِۦ بَنُوٓا۟ إِسْرَٰٓءِيلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلْمُسْلِمِينَ﴾ فقيل له: ﴿ءَآلْـَٰٔنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ ٱلْمُفْسِدِينَ فَٱلْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءَايَةً﴾ .
ولعلة أخرى أغرق الله عز وجل فرعون وهي أنه استغاث بموسى لما أدركه الغرق ولم يستغث بالله، فأوحى الله عز وجل إليه: يا موسى ما أغثت فرعون لأنك لم تخلقه، ولو استغاث بي لأغثته)(99) .
فتأمل كلام الإمام الرضا وهو يبين العلة الثانية التي من أجلها
أغرق الله تعالى فرعون ولم يقبل توبته.
لقد استغاث فرعون بموسى عليه السلام لما أدركه الغرق ولم يستغث بالله تعالى، استغاث بنبي من أولي العزم من الرسل، ولم يستغث بصنم، لكن الله تعالى لم يتقبل ذلك منه، بل أوحى لنبيه موسى عليه السلام «يا موسى، ما أغثت فرعون لأنك لم تخلقه، ولو استغاث بي لأغثته».
فأين الذين يستغيثون بالأنبياء والأئمة والصالحين من هذه الرواية العظيمة؟!
الاستغاثة بالزهراء والأئمة أم بخالقهم؟
حينما احتاج المسلمون إلى العون في غزوة (بدر) أخبر رب العالمين عن دعائهم قائلاً:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَٱسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّى مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ ٱلْمَلَٰٓئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾(100) مع أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حي بين أظهرهم وكذا الإمام علي وكذا السيدة فاطمة في المدينة، لكنهم مع هذا كله وجهوا نداءهم لله وحده، لأنه لا يملك النفع والضر إلا الله، فمحمد عليه الصلاة والسلام بشر مخلوق لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، فكيف يملك لغيره النفع والضر؟!
قال تعالى مخبراً عن رسوله الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم موجهاً الكلام للناس؛ مسلمهم، وكافرهم، ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَا۠ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰٓ إِلَىَّ أَنَّمَآ إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَٰحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُوا۟ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَٰلِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدًۢا﴾ ويقول: ﴿قُلْ إِنِّى لَآ أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا قُلْ إِنِّى لَن يُجِيرَنِى مِنَ ٱللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلْتَحَدًا(101) فالرسول بشر مبلّغ عن الله، كرامته وعظمته تتمثلان في اصطفاء الله له من دون سائر البشر واختياره للنبوة وفي أخلاقه وسلوكه وشخصيته التي تمثل الكمال البشري فيها في
كل أوجهها، ولكنه مع كل هذه العظمة لا يملك لنفسه ولا لغيره النفع والضر إلا بمقدار ما يستطيع البشر (بنص القرآن الكريم)، فكيف بمن هم دونه منزلة عند الله، ومن هم دونه فضلاً وعلماً من الأئمة أو الأولياء والصالحين؟
هذا مثال لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه، وخذ هذا المثال الآخر لإبراهيم عليه السلام خليل رب العالمين الذي قال الله عنه في القرآن المجيد: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِىٓ إِبْرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذْ قَالُوا۟ لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُا۟ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ ٱلْعَدَٰوَةُ وَٱلْبَغْضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَحْدَهُۥٓ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمْلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَىْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ ٱلْمَصِيرُ(102) ﴾ .
وذاك المسيح عليه السلام، النبي العظيم الذي أُجريت على يديه المعجزات العظيمة؛ من خلق بإذن الله، وإحياء للموتى بإذن الله، يقول عنه رب العالمين حينما زعم النصارى أنه يملك الحساب يوم القيامة، وأنه قد فُوض له ذلك من رب العالمين، وأنه ابن له مع اعترافهم بأنّ الله (الآب) هو أعظم من ذاك الابن المتجسد (المسيح) كما هو منصوص عليه في عقيدتهم، ماذا أجابهم رب العالمين؟
قال الله تعالى: ﴿مَّا ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ
ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ٱنظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلْـَٔايَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرْ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ(103)
فبيّن الله عز وجل أنّ المسيح بشر يأكل الطعام ويحتاج إليه ويحتاج لمن خلقه، ويصيبه الضر إذا افتقده، فكيف تتوجهون بالدعاء والاستغاثة والنذور والقرابين والذبائح وغيرها من أصناف العبادات لمن لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً، وتتجاهلون الإله الحق السميع العليم الذي يسمع سركم ونجواكم ويعلم ما تخفيه صدوركم؟! ولذا جاء قول الله عز وجل:
﴿لَّقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓا۟ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلْمَسِيحُ ٱبْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ ٱللَّهِ شَيْـًٔا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ ٱلْمَسِيحَ ٱبْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُۥ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾(104) ليبين أنّ المسيح عليه السلام وأمه مع جلالة قدرهما وعظم منزلتهما إن أراد الله عز وجل أن يهلكهما فلا راد له ولا دافع لأمره، فإن كان المسيح وأمه لا يملكان دفع الضر عن نفسيهما فكيف يُتوجه لهم بالدعاء والعبادة؟!
فالأنبياء والأئمة والصالحون لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، فمن توجه لهم بالدعاء أو استغاث بهم فيما لا يقدر عليه بشر أو نذر لهم، وقدّم قرابينه لهم أو ذبح لهم فقد أشرك بالله تعالى.
ولذا
رأينا التوجيه القرآني الرائع القائل: ﴿فَٱعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسْتَغْفِرْ لِذَنۢبِكَ﴾(105) ولم يقل الله عز وجل: (فقل لا إله إلا الله) لأنّ كلمة (لا إله إلا الله) أسهل ما تكون على اللسان، لكن فهم معنى هذه العبارة وتجسيدها على أرض الواقع وتحقيق معانيها هو المراد وهو المطلوب.
كان من السهل على كفار مكة أن يقولوا: (لا إله إلا الله)، لكنهم أدركوا أنّ المطلوب منهم أكثر من مجرد اللفظ، فهم يؤمنون بأن الله هو الخالق البارئ، كما قال الله تعالى عنهم:﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾(106) ، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ﴾(107) لكن كانوا يقيسون الله عز وجل بملوك زمانهم وغير زمانهم الذين لا يدخل عليهم أحد إلا بوساطة مقرّب عنده !
قالوا: الله عز وجل أعظم وأجل من أن نطلب منه كذا وكذا، الله عز وجل عظيم ونحن مذنبون، كيف لنا أن نطلب منه مباشرة، لا بد من وسطاء فيشفعوا لنا، أخبر الله عز وجل عن دعواهم تلك بقوله حكاية عنهم: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُوا۟ مِن دُونِهِۦٓ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى ٱللَّهِ زُلْفَىٰٓ(108) ﴾ .
أي ما كنا نتوجه لهم بالعبادة (دعاء، نذور، قرابين، ذبائح) إلا ليقربونا إلى الله، لا
ظناً بهم أنهم من خلقنا ورزقنا وينصرنا في الشدائد.
ولكن هل تقبل الله منهم هذا الإيمان؟ وهل نفعهم إقرارهم بهذا الإله الواحد مع إشراكهم معه غيره في الدعاء والعبادة؟!
قال الله تعالى فيهم وفيمن يحذو حذوهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾(109) ، ولذلك أرسل الله عز وجل لهم محمداً عليه الصلاة والسلام ، وشهد عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالنار حين قاتلوه دفاعاً عن ذاك الشرك، فإقرارهم بالله لم ينفعهم لما وجهوا العبادة لغيره.
وليس فلان وفلان من الناس بأكرم عند الله من عشيرة رسول الله حتى يُستثنى، وتُكتب له براءة من الشرك، مع مزاولته للشرك أو اعتقاده له، فالدين لا محاباة فيه، وأبو لهب هو عم النبي عليه الصلاة والسلام ومع ذلك لما أشرك بالله لم تنفعه تلك القرابة.
وليس البشر اليوم بأكرم عند الله من قوم نوح عليه السلام لما أشركوا بالله، أهلكهم جميعاً، ونجا منهم أهل الإيمان وهم قلة، فالاستشهاد بكثرة من يدعو غير الله، ويستغيث بغير الله، رغم انتسابه للإسلام اسماً، لن يغني من الحق شيئاً ولن يجعل من الشرك توحيداً، فكم ذم الله عز وجل الكثرة حين تتبنى الضلال فقال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى ٱلنَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ﴾(110) .
ويقول:
وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ(111)
ويقول: ﴿ لَقَدْ جِئْنَٰكُم بِٱلْحَقِّ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَٰرِهُونَ﴾(112) .
ويقول: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾.
والآيات في هذا كثيرة جداً.
وانتساب المرء للإسلام شرف له ورفعة، لكنه حينما يشرك بالله ويتخذ له شركاء، يدعوهم في الشدائد أو في الرخاء، فإنّ الله غني عنه وعن عبادته وعن إسلامه المزعوم.
يقول الله عز وجل: ﴿إِن تَكْفُرُوا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ﴾(113) .
ويقول: ﴿إِن تَكْفُرُوٓا۟ أَنتُمْ وَمَن فِى ٱلْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ﴾(114) .
فليس لأحد أن يتمسك بالعنوان ويترك المعاني، يتمسك بعبارة (لا إله إلا الله) وهو يطعن في معنى هذه الشهادة في كل حركاته وسكناته، يشرك بالله الليل والنهار، ويتصور أنّ شهادة (لا إله إلا الله) اللفظية فقط تنجيه من حر النار.
لقد اقتنيت ذات مرة كتاب (أكسير الدعوات)(115) وهوكتاب أدعية، واسع الانتشار بين العامة والبسطاء، وشدّني في هذا الكتاب عنوان (استغاثة إلى فاطمة عليها السلام) يقول فيه المؤلف: (في البلد الأمين تصلي
ركعتين، فإذا سلّمت فكبّر الله تعالى ثلاثاً، وسبّح تسبيح الزهراء عليها السلام واسجد وقل مائة مرة (يا مولاتي يا فاطمة أغيثيني) ثم ضع خدك الأيمن على الأرض، وقل كذلك، ثم عد إلى السجود، وقل كذلك، ثم ضع خدك الأيسر على الأرض، وقل كذلك، ثم عد إلى السجود، وقل كذلك مائة وعشر مرات، واذكر حاجتك تُقضى بإذن الله
وتذكرت وكُلي حزن على هذا الواقع المرير الذي نعيشه قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنۡ أَضَلُّ مِمَّن يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَن لَّا يَسۡتَجِيبُ لَهُۥٓ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَهُمۡ عَن دُعَآئِهِمۡ غَٰفِلُونَ٥ وَإِذَا حُشِرَ ٱلنَّاسُ كَانُواْ لَهُمۡ أَعۡدَآءٗ وَكَانُواْ بِعِبَادَتِهِمۡ كَٰفِرِينَ٦﴾(116) .
فرق بين من يستغيث بمخلوق لا يملك لنفسه الحياة ولا الممات ولا الرزق حتى يهب ذلك لغيره، وبين من يستغيث بالذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء!
أليس الله بكاف عبده؟
إنّ الله عز وجل هو الصمد الذي تلتجئ إليه المخلوقات في الرخاء والشدائد... حقيقة فطر الله الناس عليها... وآمن بها المسلم العارف بدينه.
روى الكليني في الكافي عن داود بن القاسم الجعفري قال: (قلت لأبي جعفر الثاني: جعلت فداك ما الصمد؟، قال: السيد المصمود إليه في القليل والكثير)(117) ، والمصمود إليه أي المقصود.
علّق الكليني على ذلك، فقال: (والله عز وجل هو السيد الصمد الذي جميع الخلق من الجن والإنس، إليه يصمدون في الحوائج، وإليه يلجأون عند الشدائد، ومنه يرجون الرخاء ودوام النعماء ليدفع عنهم الشدائد)(118) .
روي عن الإمام جعفر الصادق قوله: ( إذا خفت أمراً فقل: اللهم إنك لا يكفي منك أحد، وأنت تكفي من كل أحد من خلقك. فاكفني كذا وكذا … )، وفي رواية، (يا كافياً من كل شيء ولا يكفي منك شيء)(119)
فأين هذا من الذين يرددون: يا محمد يا علي، يا علي يا محمد، اكفياني فإنكما كافياني، يا محمد يا علي، يا علي يا محمد، انصراني فإنكما ناصراني، يا محمد يا علي، يا علي يا محمد، احفظاني فإنكما حافظاني، يا
مولاي، يا صاحب الزمان، الغوث الغوث، أدركني أدركني، الأمان الأمان(120)
والله تعالى يسألهم: ﴿أَلَيْسَ ٱللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُۥ﴾(121) ؟!
ألا يكفي هؤلاء أن يكون ربهم هو الملجأ لهم والمستغاث به، الذي يطلبون منه النصر والتثبيت والحفظ والأمان؟ أما يكفيهم رب العالمين حتى يشركوا معه غيره؟!
يقول الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ قُلْ أَفَرَءَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ إِنْ أَرَادَنِىَ ٱللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَٰشِفَٰتُ ضُرِّهِۦٓ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَٰتُ رَحْمَتِهِۦ قُلْ حَسْبِىَ ٱللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ٱلْمُتَوَكِّلُونَ﴾(122) .
وإنما يتوجه المسلم بندائه ودعائه لله دون غيره طالباً منه سبحانه وحده قضاء الحوائج وتفريج الكرب، لأنه يدرك أنّ الاستعانة والاستغاثة فيما لا يقدر عليه إلا الله إنما هو صرف عبادة لغير الله تعالى.
لقد وقفت على روايات مكذوبة تحكي حقيقة المأساة، مأساة التوجه لبشر لا يملكون لأنفسهم ولا لغيرهم نفعاً إن أراد الله بهم ضراً، ولا يملكون لأنفسهم حياة ولا نشوراً.
فقد خصصت تلك الروايات لكل إمام وظيفة في النفع والضر فقالت: (أما علي بن الحسين فللنجاة من السلاطين ونفث الشياطين، وأما محمد بن علي وجعفر بن محمد فللآخرة وما تبتغيه من طاعة الله عز وجل، وأما موسى بن جعفر فالتمس به العافية من الله عز وجل، وأما علي بن موسى فاطلب به السلامة في البراري والبحار، وأما محمد بن علي فاستنزل به الرزق من الله تعالى، وأما علي بن محمد فللنوافل وبر الإخوان وما تبتغيه من طاعة الله عز وجل، وأما الحسن بن علي فللآخرة، وأما صاحب الزمان فإذا بلغ منك السيف الذبح فاستعن به فإنه يعينك)(123) ثم ألحق المجلسي صاحب بحار الأنوار بهذه الرواية – دعاءً يتضمن الاستغاثة بالأئمة على هذا النحو السالف الذكر من قبيل الشرح لهذا النص(124) .
وعلى هذا المنوال سارت الكثير من الأدعية، فصار الأئمة هم المستغاث بهم والمرتجى، فيتوجه زائرهم بالدعاء واصفاً إياهم بأنهم: ( … أركان البلاد، وقضاة الأحكام، وأبواب الإيمان … منائح العطاء، بكم إنفاذه محتوماً مقروناً، فما شيء منه إلا وأنتم السبب وإليه السبيل... فلا نجاة ولا مفزع إلا أنتم، ولا مذهب عنكم يا أعين الله الناظرة)(125) .
ينادي أحدهم (يا حسين) و (يا علي) و (يا مهدي) وربما
(يا عباس)... يستغيث بهم لقضاء حوائجه أو لرفع ثقل يعجز عن رفعه.
فترى هذا يردد (يا علي مدد)، وهذا ينادي (يا حسين أغثني) وذاك يعكف عند مرقد الإمام الرضا يبكي عند قبره ويتمسح بالقبر ويقبّله أو يدعو صاحبه وينذر له!!
وذاك يعتقد أنّ الإمام الكاظم هو باب الحوائج! فيتوجه له بالدعاء من دون الحي الذي لا يموت!
إنّ هذه الممارسات لتدعوني للتساؤل: كيف لمسلم أن يردد سبع عشرة مرة في صلواته اليومية قول الله عز وجل في سورة الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ثم إذا ما أراد أن يستعين بأحد في قضاء حوائجه استعان بمخلوق مثله دون أدنى اكتراث بتلك الآية التي حفظها منذ الصغر ورددها لسانه؟!
يرى أنّ حوائجه تنقضي إذا ما كرر عبارة (ناد علياً مظهر العجائب، تجده عوناً لك في النوائب. كل هم وغم سينجلي، بولايتك يا علي يا علي يا علي)(126) ثم يلحقها بقوله: (يا أبا الغوث أغثني، يا علي أدركني)، ويتناسى رب العباد الذي قال عن نفسه في محكم كتابه: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَآءَ ٱلْأَرْضِ أَءِلَٰهٌ مَّعَ ٱللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾(127)
ولنا أن نسأل: إذا كان الأئمة هم ملجأ المحتاجين، ومفزع الملهوفين، وأمان الخائفين، وقبلة الداعين، ولا تستجاب الدعوات إلا بذكر أسمائهم، فأي فرق بين هذا وبين ما يزعمه مشركو مكة في أصنامهم!!!
نعم هناك فرق... كان مشركو مكة يخلصون لله الدعاء في الشدة: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا۟ فِى ٱلْفُلْكِ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمْ إِلَى ٱلْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾(128) .
أما الذين يستغيثون بالأئمة ويدعون بأسمائهم فيشركون بالله تعالى في الرخاء والشدة!
كفانا شعارات...
لنقلها بكل وضوح: كفانا شعارات أيها الناس!
إلى متى نتكلم باسم أهل البيت ونحن لا نعيش التوحيد الذي عاشوه، نتعلق بالمخلوقين، ونستغيث بهم عند الشدائد، ونرغب في إنعامهم علينا، ورزقهم لنا، ونُعرض عن الرزاق السامع لكل شكوى؟!
إلى متى نتكلم عن حب الله تعالى، وحب رسوله الكريم، ولا تتحرك مشاعرنا لكلام الله تعالى، وكلام رسوله الكريم، اللذين يحضاننا على التوجه لله تعالى وحده، لا لأنبيائه ولا لغيرهم؟
إلى متى نتكلم عن اتباع أهل البيت، ولا نعرف من هذا الاتباع إلا شتم الأموات، والوقيعة بين المسلمين، وإثارة النعرات الجاهلية؟
أين نحن من جهود أهل البيت عليهم السلام المبذولة في ترسيخ معالم التوحيد في نفوس الناس ومحاربة البدع والخرافات التي طرأت على المجتمع المسلم؟
إننا بحاجة إلى وقفة نصحح بها مفاهيمنا ونحاكم فيها أنفسنا حتى لا نكون من الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِٱلْأَخْسَرِينَ أَعْمَٰلًا ٱلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾(129) .
وآخر دعوانا أن (الحمد لله رب العالمين)
المراجع
الاعتقادات مع تصحيح الاعتقاد – الشيخين ابن بابويه القمي والمفيد – تحقيق عصام عبد السيد – دار المفيد – الطبعة الثانية 1414 هـ. بحار الأنوار – العلامة محمد باقر المجلسي – مؤسسة الوفاء – بيروت – لبنان – الطبعة الثانية 1403 هـ -1983م التبيان في تفسير القرآن – محمد بن الحسن الطوسي الملقب بشيخ الطائفة – تحقيق أحمد حبيب قصير العاملي – مكتب الإعلام الإسلامي – الطبعة الأولى 1409هـ. تفسير جامع الجوامع – الفضل بن الحسن الطبرسي – مؤسسة النشر الإسلامي لجماعة المدرسين– قم – الطبعة الأولى 1418هـ. التوحيد – ابن بابويه القمي (الملقب بالصدوق) – تحقيق سيد هاشم الحسيني الطهراني – نشر جامعة المدرسين – قم – الطبعة الأولى 1387 هـ. الخصال – ابن بابويه القمي (الملقب بالصدوق) – تحقيق علي أكبر غفاري – جماعة المدرسين في الحوزة – قم. الصحيفة السجادية الكاملة للإمام علي بن الحسين – نشر جامعة مدرسين حوزة قم. الصحيفة السجادية – بإشراف سيد محمد باقر نجل سيد مرتضى الموحد الأبطحي الأصفهاني – تحقيق مؤسسة الإمام المهدي عليه السلام– الطبعة الأولى 1411هـ. علل الشرائع – ابن بابويه القمي (الملقب بالصدوق)– منشورات المكتبة الحيدرية 1385هـ - 1966م. قرب الإسناد – أبو العباس عبد الله الحميري – مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – قم – الطبعة الأولى 1413هـ. الكافي – الكليني – تحقيق علي أكبر غفاري – نشر دار الكتب الإسلامية – الطبعة الرابعة – 1365 هـ. المسائل السروية – الشيخ المفيد – المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد. مستدرك الوسائل – المحقق النوري الطبرسي – مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – الطبعة الأولى 1408 هـ نهج البلاغة – الإمام علي – تحقيق محمد عبده – دار المعرفة – بيروت. وسائل الشيعة – الحر العاملي – تحقيق ونشر مؤسسة آل البيت لإحياء التراث – الطبعة الثانية – قم.
كان الإمام علي الرضا يقول في دعائه:
اللهم إني أبرأ إليك من الحول والقوة، فلا حول ولا قوة إلا بك.
اللهم إني أبرأ إليك من الذين ادعوا لنا ما ليس لنا بحق. اللهم إني أبرأ إليك من الذين قالوا فينا ما لم نقله في أنفسنا. اللهم لك الخلق ومنك الأمر، وإياك نعبد وإياك نستعين. اللهم أنت خالقنا وخالق آبائنا الأولين وآبائنا الآخرين. اللهم لا تليق الربوبية إلا بك، ولا تصلح الإلهية إلا لك..
اللهم إنا عبيدك وأبناء عبيدك، لا نملك لأنفسنا ضراً ولا نفعاً ولا موتاً ولا حياة ولا نشوراً. اللهم من زعم أننا أرباب فنحن إليك منه براء، ومن زعم أن إلينا الخلق وعلينا الرزق فنحن إليك منه براء كبراءة عيسى عليه السلام من النصارى. اللهم إنا لم ندعهم إلى ما يزعمون فلا تؤاخذنا بما يقولون، واغفر لنا ما يزعمون.
