أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالبالصفحة المطبوعة 48
-وهُم العَرَبُ الأقْحَاحُ- يُدْرِكُونَ مَعانِي الوَحْيَينِ بالحِسِّ اللُّغَوِيِّ والتَّحرِّي لِفَهْمِ أغْرَاضِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من أَقْوَالِه وأَفْعَالِه، لِشِدَّةِ مُرَاقَبتِهم له، واتِّبَاعِهم إيَّاه على هُدىً من رَبِّهم. فكانَ عِلْمُ الأصُولِ بالنِّسْبَةِ إليهم خَاطِرَةً، ثمَّ صَارَ صَنْعَةً، وقد خُوطِبُوا بمَوجِبِ سَجيَّتِهم.
وكانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُشاوِرُهم، بلْ أَذِنَ لهم بالاجتِهَادِ وهو بينَ أظْهُرِهم، وحثَّهم عليه معَ مُتابَعتِهم وتَوجِيهِهم. ممَّا أوجدَ عندهم استعدادًا فِطْريًّا لتَقبُّلِ الاجتهادِ ونُموِّه في أنْفُسِهم، أكسبَهم فيما بعدُ مَلَكَةً فِقهيَّةً وأخرى أصُوليَّةً، مكَّنَتْهم من حَمْلِ ميِرَاثِ النُّبوَّةِ مِشعلاً لسَائرِ البَشريَّةِ. قَالَ الحَسَنُ رحمه الله: «علَّمه اللهُ أنَّهُ مَا بِهِ إليهِم مِنْ حَاجَةٍ، ولكنْ أرَادَ أنْ يَستَنَّ بِهِ مَنْ بَعدَهُ»(10) . كأنَّهُ يَقُولُ: إنْ كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَغَنيًّا عَنْ مُشاوَرَتِهم، وإنَّمَا أرَادَ أنْ يَسِيرَ بسِيرَتِهِ الحُكَّامُ بَعدَهُ.
فكانوا ينظُرون في المَسائلِ، وما يَطرأُ عليهم، في حَضرتِه وغَيبتِه، ولم يكُنْ يُعنِّفُ، أو يَلومُ مُخطِئَهم، ليكونَ لهم ذلك دُرْبةً على ما يَستجدُّ من مَسائلَ بعد مَوتِه، «كما أمرَهم(11) يومَ الأحزابِ أن يُصلُّوا العصرَ في بني قريظةَ:
فاجْتَهدَ بَعضُهم وصَلاَّها في الطَّريقِ، وقالَ: لم يردْ منَّا التَّأخيرَ، وإنَّما أرادَ سُرعةَ النُّهوضِ، فنَظرُوا إلى المَعنَى .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.