أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالب
الإيداع: 806/2014
ردمك: 9-22-64-99966-978
حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب
إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية
الطبعة الأولى
1436هـ / 2015م
هاتف: 22560203 - 22552340 فاكس: 22560346
ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت
E-mail: almabarrh@gmail.com
www.almabarrah.net
أقضية الخليفة الراشد
علي بن أبي طالب رضي الله عنه
(دراسةٌ تأصيليَّةٌ تطبيقيَّةٌ لمَنهجِ عليٍّ في أصولِ الفقهِ)
تأليف
محمد فؤاد ضاهر
أصل هذا الكتاب رسالة علمية، نال بها المؤلف شهادة الماجستير في أصول الفقه، من جامعة بيروت الإسلامية،
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| قبس من نور ................................................ | 15 |
| مقدمة المركز................................................. | 17 |
| مقدمة ...................................................... | 19 |
| أسباب اختيار الموضوع................................. | 21 |
| إشكالية البحث........................................ | 22 |
| أهمية البحث........................................... | 23 |
| الأهداف المأمول تحقيقها................................ | 24 |
| الدراسات السابقة وخصائصها ........................ | 25 |
| خطة البحث ........................................... | 26 |
| منهج البحث .......................................... | 32 |
| المصادر والمراجع المعتمدة .............................. | 35 |
| الصعوبات التي واجهتها وكيفية تذليلها ................ | 36 |
| التمهيد: الاجتهاد الأصولي عند الصحابة: منهجه، وموارده، وأثره في السابقة القضائية.................................... | 39 |
| المبحث الأول: مبادئ أصول الفقه وأهميته وفائدته ........... | 41 |
| المطلب الأول: أهمية أصول الفقه .......................... | 42 |
| المطلب الثاني: مجالات الإفادة من أصول الفقه عند علي ...... | 42 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المبحث الثاني: الاجتهاد الأصولي عند الصحابة، وموارده..... | 47 |
| المطلب الأول: اضطلاع الصحابة بدور الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته........................................................ | 47 |
| المطلب الثاني: منهج الصحابة في استنباط الأحكام ........... | 51 |
| المطلب الثالث: موارد الاجتهاد الأصولي عند الصحابة....... | 54 |
| المبحث الثالث: أثر الاجتهاد الأصولي في السابقة القضائية.... | 58 |
| المطلب الأول: فوائد الملكة الأصولية عند الصحابة........... | 58 |
| المطلب الثاني: أهمية دراسة الخطة التشريعية................... | 60 |
| الباب الأول: علي بن أبي طالب فاتق علم القضاء............. | |
| الفصل الأول: علي بن أبي طالب وملامح شخصيته العلمية .. | 65 |
| المبحث الأول: منزلة علي في الإسلام......................... | 67 |
| المطلب الأول: علي ميزان عقائد الناس....................... | 67 |
| المطلب الثاني: مكانة علي العلمية، وتأثيره في الفقه الإسلامي.. | 70 |
| المطلب الثالث: العوامل التي أصقلت مواهبه................ | 79 |
| المبحث الثاني: مآثره العلمية، وأسباب قلة القضاء عنه........ | 86 |
| المطلب الأول: مآثر علي العلمية.............................. | 86 |
| المطلب الثاني: أسباب قلة القضاء عنه........................ | 99 |
| الفصل الثاني: علي قاضياً.................................... | 105 |
| المبحث الأول: القضاء العلوي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء... | 107 |
| المطلب الأول: القضاء العلوي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم............ | 107 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المطلب الثاني: القضاء العلوي في عهد الخلفاء الراشدين...... | 117 |
| المبحث الثاني: القضاء العلوي في عهد علي................... | 127 |
| المطلب الأول: القضاء من منظور أمير المؤمنين............... | 127 |
| المطلب الثاني: الإبقاء على أسلوب القضاء.................... | 137 |
| المطلب الثالث: موقف علي من الأحكام السابقة.............. | 139 |
| الباب الثاني: الموارد الأصولية في الأقضية العلوية............. | |
| الفصل الأول: الكتاب المبين أسُّ المصادر التشريعية........... | 149 |
| المبحث الأول: علي والوحي الإلهي .......................... | 151 |
| المطلب الأول: الوحي الإلهي في فكر علي .................... | 151 |
| المطلب الثاني: أهمية القرآن في حياة علي ...................... | 155 |
| المبحث الثاني: الكتاب المبين بين الإعجاز والاحتواء .......... | 159 |
| المطلب الأول: إعجاز القرآن دليل على حجيته ............... | 159 |
| المطلب الثاني: احتواء القرآن على سائر الأدلة ................ | 165 |
| المبحث الثالث: علي في خدمة القرآن ......................... | 170 |
| المطلب الأول: مساهمة علي في المحافظة على القرآن .......... | 170 |
| المطلب الثاني: صُور من تعظيم علي للقرآن ................... | 175 |
| المبحث الرابع: منهج علي في فهم القرآن ..................... | 179 |
| المطلب الأول: النبوغ الفكري وأثره في فهم الخطاب الإلهي... | 179 |
| المطلب الثاني: قواعد فهم النص القرآني ...................... | 180 |
| المبحث الخامس: نماذج تطبيقية في اعتماد القرآن ............... | 202 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المطلب الأول: في فقه العبادات .............................. | 203 |
| المطلب الثاني: في فقه المعاملات .............................. | 205 |
| المطلب الثالث: في الحدود والجنايات ........................ | 211 |
| الفصل الثاني: السنة النبوية المطهرة .......................... | 213 |
| المبحث الأول: علي والسنة .................................. | 215 |
| المطلب الأول: علم علي بالسنة .............................. | 215 |
| المطلب الثاني: أسباب قلة الرواية عن علي.................... | 219 |
| المطلب الثالث: موقف علي من السنة ........................ | 221 |
| المبحث الثاني: منهج علي في التعامل مع السنة ................ | 224 |
| المطلب الأول: تدوين السنة والعمل بها ..................... | 225 |
| المطلب الثاني: مهاراتٌ في اكتساب السنة ..................... | 232 |
| المبحث الثالث: جهود علي في مقاومة الوضع والمحافظة على السنة ........................................................ | 239 |
| المطلب الأول: مراعاة جانب الرواة ......................... | 240 |
| المطلب الثاني: مراعاة جانب الرواية ......................... | 249 |
| المطلب الثالث: مراعاة جانب المتلقي ........................ | 253 |
| المبحث الرابع: نماذج تطبيقية في اعتماد السنة .................. | 257 |
| المطلب الأول: في فقه العبادات .............................. | 257 |
| المطلب الثاني: في فقه الحدود والجنايات ...................... | 263 |
| الفصل الثالث: المصادر النقلية التبعية ........................ | 267 |
| المبحث الأول: الإجماع ...................................... | 269 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المطلب الأول: بُذُور الإجماع ................................ | 270 |
| المطلب الثاني: شُرُوط الإجماع ............................... | 273 |
| المطلب الثالث: موقف عليٍّ من الإجماع السكوتي.............. | 281 |
| المطلب الرابع: الأحكام المترتبة على الإجماع.................. | 284 |
| المطلب الخامس: النماذج التطبيقية............................ | 286 |
| المبحث الثاني: السوابق القضائية ............................. | 289 |
| المطلب الأول: أقضية الخلفاء سوابق دستورية ............... | 289 |
| المطلب الثاني: موقف السلف من أقضية الخلفاء .............. | 292 |
| المطلب الثالث: أهل البيت وقضاء الخلفاء ................... | 298 |
| المطلب الرابع: نماذج تطبيقية ................................ | 301 |
| المبحث الثالث: شرع من قبلنا ............................... | 304 |
| المطلب الأول: مضمون شرع من قبلنا ....................... | 304 |
| المطلب الثاني: موقف علي من شرع من قبلنا ................. | 307 |
| المطلب الثالث: النماذج التطبيقية ............................. | 308 |
| الفصل الرابع: الأدلة العقلية................................. | 313 |
| المبحث الأول: القياس ...................................... | 315 |
| المطلب الأول: موقف علي من القياس ....................... | 316 |
| المطلب الثاني: بين عمر وعلي ................................ | 318 |
| المطلب الثالث: هل أطلق العِنان للقياس؟................... | 320 |
| المطلب الرابع: هل خرجت بعض قضاياه عن سنن القياس؟.. | 321 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المطلب الخامس: نماذج تطبيقية؟ ............................. | 325 |
| المبحث الثاني: الاستحسان .................................. | 339 |
| المطلب الأول: الاستحسان بالنص .......................... | 340 |
| المطلب الثاني: الاستحسان بالأدلة التبعية .................... | 342 |
| المطلب الثالث: الاستحسان بالأدلة الاستثنائية............... | 344 |
| المبحث الثالث: الاستصحاب .............................. | 352 |
| المطلب الأول: موقف علي من الاستصحاب ................ | 353 |
| المطلب الثاني: نماذج تطبيقية ................................. | 356 |
| الباب الثالث: الاجتهاد المقاصدي وموارده.................. | |
| الفصل الأول: الاجتهاد والتقليد عند علي ................... | 365 |
| المبحث الأول: الاجتهاد عند علي ........................... | 367 |
| المطلب الأول: مضمون الاجتهاد ........................... | 367 |
| المطلب الثاني: مجالات الاجتهاد وتغيره ...................... | 374 |
| المطلب الثالث: الاجتهاد في دور الصحابة ................... | 379 |
| المبحث الثاني: التقليد عند علي .............................. | 386 |
| المطلب الأول: مضمون التقليد ............................. | 386 |
| المطلب الثاني: موقف علي من التقليد ........................ | 388 |
| الفصل الثاني: الاجتهاد المقاصدي في أقضية علي ............. | 393 |
| المبحث الأول: مضمون الاجتهاد المقاصدي ................. | 395 |
| المطلب الأول: تعريف الاجتهاد المقاصدي .................. | 395 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المطلب الثاني: أهمية الاجتهاد المقاصدي ..................... | 397 |
| المبحث الثاني: أثر الاجتهاد المقاصدي عند علي............... | 400 |
| المطلب الأول: مراعاة علي المقاصد.......................... | 400 |
| المطلب الثاني: نماذج تطبيقية................................. | 402 |
| الفصل الثالث: موارد الاجتهاد المقاصدي عند علي .......... | 407 |
| المبحث الأول: المصلحة المرسلة ............................. | 409 |
| المطلب الأول: مضمون المصلحة المرسلة .................... | 410 |
| المطلب الثاني: طبيعة المصلحة وتكيفها في رأي علي .......... | 413 |
| المطلب الثالث: نماذج تطبيقية ............................... | 416 |
| المبحث الثاني: الكليات الخمس ............................. | 425 |
| المطلب الأول: أهمية المحافظة على الكليات الخمس.......... | 425 |
| المطلب الثاني: الحفاظ على الدين ............................ | 427 |
| المطلب الثالث: الحفاظ على النفس البشرية .................. | 436 |
| المطلب الرابع: الحفاظ على النسل والنسب .................. | 440 |
| المطلب الخامس: الحفاظ على العقل ......................... | 444 |
| المطلب السادس: الحفاظ على المال .......................... | 453 |
| المبحث الثالث: العُرْفُ ..................................... | 461 |
| المطلب الأول: العرف في الشريعة الإسلامية ................ | 461 |
| المطلب الثاني: مراعاة الأحكام بتبدل الزمان والمكان......... | 464 |
| المطلب الثالث: نماذج تطبيقية................................ | 467 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المبحث الرابع: سد الذرائع ................................. | 474 |
| المطلب الأول: مضمون سد الذرائع ........................ | 474 |
| المطلب الثاني: موقف علي من سد الذرائع ................... | 477 |
| المطلب الثالث: نماذج تطبيقية ............................... | 479 |
| الباب الرابع: التعارض والترجيح............................ | |
| الفصل الأول: حقيقة التعارض ............................. | 491 |
| المبحث الأول: مضمون التعارض ........................... | 493 |
| المطلب الأول: مفهوم التعارض ............................. | 493 |
| المطلب الثاني: موقف علي من التعارض ..................... | 495 |
| المبحث الثاني: صور دفع التعارض .......................... | 497 |
| المطلب الأول: الوسائل المعينة على دفع التعارض ............ | 497 |
| المطلب الثاني: طرق دفع التعارض ........................... | 498 |
| الفصل الثاني: الجمع والترجيح .............................. | 501 |
| المبحث الأول: مضمون الجمع والترجيح .................... | 503 |
| المطلب الأول: مضمون الجمع .............................. | 503 |
| المطلب الثاني: نماذج تطبيقية ................................. | 506 |
| المطلب الثالث: مضمون الترجيح ........................... | 511 |
| المبحث الثاني: وسائل الترجيح .............................. | 514 |
| المطلب الأول: الترجيح من جهة السند ...................... | 514 |
| المطلب الثاني: الترجيح من جهة المتن ........................ | 516 |
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
| المطلب الثالث: الترجيح بأمر خارجي ....................... | 537 |
| الفصل الثالث: أحكام النسخ ............................... | 543 |
| المبحث الأول: أهمية العلم بالناسخ والمنسوخ ................ | 545 |
| المطلب الأول: العلم بالناسخ والمنسوخ شرط في الاجتهاد.... | 545 |
| المطلب الثاني: موقف علي من العلم به ....................... | 546 |
| المبحث الثاني: نماذج تطبيقية................................. | 548 |
| المطلب الأول: نسخ القول بالقول........................... | 548 |
| المطلب الثاني: نسخ القول بالفعل ........................... | 549 |
| المطلب الثالث: نسخ الفِعل بالفِعل.......................... | 554 |
| الخاتمة...................................................... | 557 |
| أهم النتائج والتوصيات..................................... | 557 |
| فهرس المصادر والمراجع..................................... | 563 |
قَبَسٌ مِن نُورٍ
قَالُوا عنْ أمِيرِ المُؤمنِينَ عليِّ بنِ أبِي طَالِبٍ رضي الله عنه:
«عليٌّ أقْضَانا».
أمِيرُ المُؤمنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه
«إذا بَلغَنا شَيءٌ تَكلَّمَ به عليٌّ رضي الله عنه: قَضاءً أو فُتيَا، لم نُجاوِزْه إلى غَيرِه».
عَبْدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما
«لقد كانَ لعليٍّ رضي الله عنه من السَّوابقِ ما لو أنَّ سَابِقةً منها قُسِمَتْ بينَ الخَلائقِ لَوَسِعَتْهم خَيرًا.
بَعْضُ أصحابِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
«إنَّ عليًّا رضي الله عنه كانَ له ما شِئْتَ من ضِرْسٍ قَاطعٍ في العِلْمِ، وكانَ له السَّطةُ في العَشِيرَةِ، والقِدَمُ في الإسلامِ، والصِّهْرُ برَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، والفِقهُ بالسُّنَّةِ، والنَّجدةُ في الحَربِ، والجُودُ في المَاعونِ».
عَبدُ اللهِ بنُ عيَّاشٍ رضي الله عنه
مقدمة المركز
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الولي الأعلى ذو الأفضال والمنن، والصلاة والسلام على الرسول الخاتم الهادي لأقوم سنن وعلى آله وصحبه والصالحين المتبعين له إلى يوم البعث ما طار طير وغرد على فنن.
أما بعد؛
فهذا سِفر جديد لمبرتكم (مبرة الآل والأصحاب) نبرز فيه فقه علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قضائه ومباني أصوله في الاستنباط ببسط علمي سهل العبارة، للباحث الشيخ: «محمد فؤاد ضاهر» إذ كانت هذه هي رسالته الجامعية لنيل درجة الماجستير وعنوانها «أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالب رضي الله عنه دراسة تأصيلية تطبيقيه لمنهجه في أصول الفقه».
وغير خافٍ على فضلكم أن المبرة منذ نشأتها تسعى لإبراز العلاقة الحميمة بين الآل والأصحاب وإبراز تراثهم وأثرهم الطيب في الأمة، وكتابنا هذا يصب في هذا المضمار.
وليس هذا بأول تعاون لنا في نشر كتاب يخدم
PDF 18أهداف المبرة لباحث من خارجها، ونحن بعون المولى عز وجل مستمرون في انتقاء أطايب المؤلفات من إخواننا الباحثين لنشرها وبثها في أرجاء الأمة، فضلاً عما يقوم به إخوانكم بمركز البحوث والدراسات بالمبرة من مصنفات لاقت رواجاً واستحساناً ولله الحمد والمنة.
نسأل الله أن يوفق راقمه وقارئه وناشره لكل خير، وأن يجمع أمة الإسلام على خير حال وخير كلمة.
رئيس مركز البحوث والدراسات
محمد سالم الخضر
مقدمة
الحَمْدُ للهِ الذي قَضَى بينَ عِبَادِه بالحَقِّ، ونَصَبَ المَوازِينَ بالقِسْطِ، وحَضَّ على العَدلِ، وحَرَّمَ الظُّلمَ على نَفْسِه وجَعَلَه بينَ النَّاسِ مُحرَّمًا.
وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وَحْدَه لا شَرِيكَ له، الذي خَلَقَ فسَوَّى، وأمَرَ ونَهَى.
وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عَبدُه ورَسُولُه، سنَّ اتِّباعَ الهُدَى، وحَذَّرَ مِن الغَيِّ والرَّدَى، ثُمَّ ارتَقَى بصَالِحي العِبَادِ مِن دَاعِيَةِ الهَوَى إلى طَاعَةِ المَولَى.
صلَّى اللهُ عليه، وعلى آلِه، وصَحبِه، وسلَّمَ تَسلِيمًا كَثِيرًا.
أمَّا بَعْدُ:
فقَد كانَ ضِمْنَ المُقرَّرِ علينا في مادَّةِ «أصولِ الفِقهِ»، أثناءَ مَرحلةِ (الإجازةِ)، كُرَّاسَةٌ مِن «مُقدِّمةِ» العلامةِ ابنِ خَلْدونَ (ت 808 هـ) رحمه الله التَّأريخيَّةِ، التي تُعتَبرُ مَدْخَلاً لهذا الفَنِّ. وقَد استَوقَفَنِي -خِلالَ استِعرَاضِ مَباحِثِ هذا العلمِ- قَولُ صَاحبِ «المقدمةِ» وهو يُؤرِّخُ له:
«وحيثُ كانَ الكَلامُ مَلَكةً فِقهيَّةً لأهلِه؛ لمْ تكنْ هذه عُلومًا ولا قَوانِينَ، ولمْ يكنِ الفِقْهُ حِينَئذٍ يَحتَاجُ إليها، لأنَّها جِبلَّةٌ ومَلَكةٌ
PDF 20إنَّ هذا الفنَّ من الفُنونِ المُستَحدَثةِ في المِلَّةِ، وكانَ السَّلَفُ في غُنيةٍ عنه فلمَّا انقَرَضَ السَّلَفُ، وذَهَبَ الصَّدرُ الأوَّلُ، وانقَلَبَتِ العُلومُ كلُّها صِنَاعَةً احتَاجَ الفُقهَاءُ والمُجتَهِدُونَ إلى تَحصِيلِ هذه القَوانِينِ والقَواعدِ، لاستِفَادَةِ الأحْكَامِ مِن الأدِلَّةِ، فكَتبُوها فنًّا قَائِمًا برَأسِه»(1)
فرَغِبْتُ في البَحثِ عن المَناهجِ الفِكرِيَّةِ والقَواعدِ الأصُولِيَّةِ التي أشَارَ إليها ابنُ خَلْدونَ، فيمَا تَمحَّضَت جِبلَّةً كَامِنةً في نُفُوسِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم. فاختَرتُ (المَسَائِلَ القَضَائِيَّةَ) لتَتِمَّ دِرَاسَتُها، كَونَها نِتَاجًا عَمَلِيًّا للمَقاصدِ التَّشرِيعيَّةِ، وثِمَارًا صَالِحةً للدَّلالَةِ على القَواعدِ الأصُولِيَّةِ التي كانَت مَرعِيَّةً في المَنظُومَةِ الاجتِهادِيَّةِ لَدَى السَّلَفِ الأوَّلِ.
ثُمَّ رَأيْتُ أنَّ الوَقْتَ يَضِيقُ بدِرَاسَةِ مَا انطَوَت عليه مِن الفِكْرِ الأصُوليِّ لقُضَاةِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم ، فيمَّمْتُ شَطرَ عليٍّ رضي الله عنه لأبْحَثَ أقضِيتَه -على وَجْهِ الخُصُوصِ- لِمَا اتَّصَفَ به مِن مَدارِكَ عَقليَّةٍ مُتقدِّمةٍ، ومَا تَحلَّى به مِن مَواهِبَ فِطْريَّةٍ ومُكتَسبَةٍ؛ كانَت خَيرَ مُعينٍ في صَقْلِ شَخصيَّتِه الفِقهيَّةِ والأصُوليَّةِ في آنٍ، ممَّا حَدا به أن يكونَ فَقِيهَ نَفْسٍ مِن الطِّرازِ الفَريدِ.
وإنَّما اختَرتُ أقضِيةَ عليٍّ رضي الله عنه لِمَا تَميَّزَت به من النُّبوغِ الفِكْريِّ، والفِقْهِ الحَضَارِيِّ المُمتَازِ، الذي تَجلَّى فيه الإسلامُ الذي تَبنَّاه عليٌّ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 21رضي الله عنه في اجتِهَادَاتِه على صَعِيدَيِ القَضَاءِ والإفْتَاءِ. فكانَت أقضِيةُ الخَليفةِ الرَّاشدِ عليِّ بنِ أبي طَالبٍ رضي الله عنه مَرتَعًا خَصْبًا لاستِكْناه البُعدِ التَّشرِيعيِّ الذي تَحلَّى به، ومَجَالاً وَاسِعًا للتَّعرِيفِ بمَنهَجِه العِلْميِّ في التَّأصِيلِ الشَّرْعيِّ والتَّقعيدِ الأصُوليِّ الذي انطَلقَ منه وبه إلى التَّطْبِيقِ العَملِيِّ والتَّشرِيعِ الفِقهيِّ، لِمَا بَاتَ مُنصَهِرًا في مَلَكَتِه الاجتِهَاديَّةِ كقَاضٍ في عَهدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ووَزِيرٍ مُستَشارٍ في عَهدِ إخوَانِه مِن الخُلفاءِ الرَّاشدِينَ رضي الله عنهم وكإمَامٍ للمُسلِمينَ في عَهدِه الرَّشيدِ رضي الله عنه
فكانَت هذه الخُطَّةُ للمَشرُوعِ الذي أعْدَدتُه لنَيلِ دَرَجَةِ (الماجستير)، والذي أسمَيتُه:
أَقضِيةُ الخَلِيفَةِ الرَّاشدِ عليِّ بنِ أَبي طَالب ٍ رضي الله عنه
(دِرَاسَةُ تَأصِيليَّةٌ تَطبِيقِيَّةٌ لمَنهَجِ عليٍّ في أصُولِ الفِقْهِ)
أسباب اختيار الموضوع
مِن جُملَةِ الدَّواعِي التي دَفعَت بِي إلى اختِيَارِ هذا المَوضُوعِ لأبحَثَه في رِسَالَةِ (الماجستيرِ) -فَضْلاً عمَّا سَبَقَ ذِكْرُه- عِدَّةُ أسبَابٍ، أجمِلُها فيمَا يلي:
(أوَّلاً): حَاجَةُ النَّاسِ إلى الوُقُوفِ على عِلْمِ الخُلفَاءِ الرَّاشدِينَ رضي الله عنهم ودِرَاسَةِ سِيرَتِهم على أسُسٍ سَلِيمَةٍ، وسَننٍ مُستقِيمَةٍ، بالأسَانيدِ المُتَّصِلَةِ، والرِّوايَاتِ الصَّحِيحَةِ، بَعِيدًا
PDF 22عن تَزييفِ الغَالِينَ وانتِحَالِ المُبطلِينَ. لا سيَّما عليُّ بنُ أبي طَالبٍ رضي الله عنه الذي كانَ يُمثِّلُ جَامِعةً عِلميَّةً، حَوَت بكُليَّاتِها مَقاصِدَ الدِّينِ ومَرامِيه العِظامَ.
(ثَانِيًا): قِلَّةُ الدِّراسَاتِ الأكَادِيميَّةِ التي تُسلِّطُ الضَّوءَ على الجَوانبِ العِلْميَّةِ الخَلاَّقةِ في جِيلِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم ، والتي تَسْعَى إلى إِبرَازِ المَعالمِ الأصُوليَّةِ في مَناهجِهم الاسْتنبَاطيَّةِ في عِلمَيِ: الفَتوَى، والقَضَاءِ.
(ثَالِثًا): إبرَازُ مَعالمِ عليٍّ رضي الله عنه الشَّخصِيَّةِ والعِلْميَّةِ، وبَيَانُ آثَارِه، وتَوضِيحُ آرَائِه الأصُوليَّةِ، والدَّلالةُ على أهمِّيَّتِها في العَمليَّةِ القَضَائيَّةِ الاجتِهَاديَّةِ المُرتَكِزَةِ على الحِذقِ في الفِقْهِ ومَعرِفَةٍ تَامَّةٍ بالوَاقعِ المُعَاشِ.
(رَابِعًا): الذَّبُّ عن هذا الإمَامِ العَظيمِ، عن طَرِيقِ إِيضَاحِ حَقِيقَةِ تَارِيخِه المُنيرِ مَعَ إِخْوَانِه مِن الخُلفَاءِ الرَّاشدِينَ رضي الله عنهم ، للوُقُوفِ في وَجهِ المُغالِينَ، والحَاقدِينَ المُجحفِينَ.
(خَامِسًا): تَقدِيمُ القُدوَةِ والمِثَالِ للأمَّةِ في زَمنٍ عَزَّ فيه الرِّجالُ!!
فلعلَّ مَا أعرَبْتُ عنه يَكفِي كمُبرِّرٍ لاختِيَارِ هذا المَوضُوعِ.
إشكالية البحث
الإشْكَالِيَّةُ التي يَطرَحُها بَحثُنا، ويُحَاوِلُ أنْ يُوجِدَ الإجَابَاتِ العِلميَّةَ لجُملَةٍ من الأسْئِلَةِ المُلِحَّةِ، التي تُشكِّلُ المَسَارَ الأمْثَلَ لسَيرِ هذه الدِّراسَةِ، يُمكِنُ أنْ أختَصِرَها في النِّقاطِ الخَمسَةِ التَّالِيَةِ،
PDF 23وهي:
لماذا هذا الاعتِنَاءُ المُضنِيُّ بدِرَاسَةِ التَّوصِيفِ الأصُوليِّ لأحْكَامِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم ، مَعَ أنَّه متأخِّرُ النُّشُوءِ بالنَّظَرِ إلى السَّابقةِ الفِقهيَّةِ؟ وهَلْ كانَ ثَمَّةَ مَنهَجٌ عِلميٌّ اتَّبعَه الصَّحابةُ رضي الله عنهم لضَبطِ عَمليَّةِ الاجتِهَادِ، كي يُهتدَى به في مَجالاتِ اسْتِنْباطِ الأحْكَامِ؟ وكَيفَ كانَ مَنهجُ عليٍّ رضي الله عنه في سَبْرِ أغْوَارِ هذا المَيدَانِ؟ وهَلِ اسْتفَادَ منه في إجْرَاءِ الأحْكَامِ والقَضَاءِ بينَ النَّاسِ؟ وهَلْ سَارَت أقضِيةُ عليٍّ رضي الله عنه على سُنَّةٍ وَاحِدةٍ مُعتَمِدَةٍ القَواعِدَ العَامَّةَ؟ أمْ أنَّ بَعضَها جَرَى على خِلافِ القِيَاسِ؟
أهمية البحث
تكمُنُ أهمِّيَّةُ هذا البَحثِ في أنَّه يَدرُسُ المَنهجَ الأصُولِيَّ لإمَامٍ من أئِمَّةِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم ، في خَيرِ حِقْبَةٍ شَهِدَها التَّارِيخُ. يُسلِّطُ الضَّوءَ على مَعالِمِ الفِقْهِ عندَه، وقَواعدِ القَضَاءِ في سَجيَّتِه، وإثبَاتِ كَونِه سَارَ في استِنبَاطِ الأحْكَامِ، وتَخرِيجِ الفُرُوعِ على الأصُولِ، اعْتمَادًا على ضَوابِطَ مَعرِفيَّةٍ كانَت مَرعِيَّةً عندَه في مَلَكَتِه الفِقهيَّةِ، بِنَاءً على فِطْرَتِه التي نَشَأ عليها بينَ أحْضَانِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. وأنَّ مَسألةً لمْ تتَفلَّتْ منه، ولمْ تَسْتَجِدَّ قَضِيَّةٌ، أو تَطرأ نَازِلةٌ إلا ويَربِطُها بوَاحِدةٍ مِن القَواعدِ الكُلِّيَّةِ، أو يَستَبصِرُ الحُكْمَ فيها بالنَّظرِ في مَصَادرِه الإجمَاليَّةِ، والإشَارَةِ إليها مِن خِلالِ أدِلَّتِه الجُزئيَّةِ، والتَّفريعِ عليها.
كمَا تَبدُو أَهمِّيَّةُ البَحثِ وَاضِحةً في النَّتائِجِ العِلميَّةِ التي سَيقدِّمُها في دِراسَتِه هذه، والتي تَهدِفُ إلى رَبطِ طُلاَّبِ العُلومِ الشَّرعِيَّةِ عُمُومًا، والمَعنِيينَ بالأصُولِ خُصُوصًا، بالينَابِيعِ الفيَّاضَةِ التي تُحيي فيهم رُوحَ الاعْتزازِ، بمَا كان يَتمتَّعُ به سَلفُهم الصَّالِحُ، من العُلومِ والمَعارفِ... وذلك كلُّه من جَرَّاءِ الوُقوفِ على هذه المَعالمِ البَارِزَةِ، في أقضيَةِ الجِيلِ الأَوَّلِ (عليٌّ نَموذَجًا) أصُولاً وفُرُوعًا.
الأهداف المأمول تحقيقها
لَفْتُ نَظَرِ البَاحِثينَ، واستِثارَةُ هِمَمهِم، وبَعْثُ رُوحِ التَّطلُّعِ عندَهم إلى العِنَايةِ بعَصْرِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم . واستِنهَاضُ عَزائمِهم لدِراسَةِ فِقهِهم العَمليِّ، وفِكْرِهم الأصُوليِّ؛ بُغيةَ الوُقُوفِ على حَجْمِ الخِدْماتِ الجبَّارةِ التي بَذلُوها، في سَبيلِ تَبلِيغِ هذا الدِّينِ غَضًّا طَرِيًّا، والمُحافَظةِ عليه مِن أيِّ شَائبةٍ تُعرَضُ له. تَمرِينُ طُلاَّبِ العِلْمِ على النَّظرِ في أقضِيَةِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم ، لاستِخرَاجِ الخُطَطِ العِلْميَّةِ التي رَسمُوها وسَارُوا عليها، في تَخرِيجِ الفُرُوعِ على الأصُولِ، وتَطبِيقِ القَواعدِ الكُلِّيَّةِ في استِنبَاطِ الأحْكَامِ الشَّرعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ من أدِلَّتِها التَّفصِيليَّةِ. سَدُّ ثَغرَةٍ في المَكتبَةِ الإسْلامِيَّةِ استِجَابةً لرَغَبَاتِ وتَطلُّعَاتِ طُلاَّبِ العِلْمِ، ببَحثٍ عنِ المَنهَجِ الأصُوليِّ لمُجتَهدٍ من الرَّعيلِ الأوَّلِ، يُمثِّلُ مَدرَسةً نَموذَجِيَّةً في التَّنظِيرِ والتَّطبِيقِ. إيجَادُ الإجَابَاتِ العِلْميَّةِ لكَثيرٍ مِن التَّسَاؤُلاتِ حَولَ الاجتِهَادِ الأصُوليِّ للصَّحابةِ رضي الله عنهم ، ومَدَى انضِبَاطِه بالمَوازِينِ العِلميَّةِ...إلخ.
الدراسات السابقة وخصائصها
اطَّلَعْتُ على عَناوِينَ مُتعَدِّدَةٍ في دِرَاسَةِ شَخصِيَّةِ عليٍّ رضي الله عنه وعِلْمِه، فلمْ أجِدْ رِسَالَةً مُتخَصِّصَةً في الكَشْفِ عن فِكْرِه الأصُوليِّ، وإنَّما هي جُملَةُ مُؤلَّفَاتٍ، تُتَرجِمُ له على نَحوٍ عَامٍّ، كمَا هو المَعهُودُ في كُتُبِ التَّراجمِ والأعْلامِ، أو أبحَاثٌ نَظَمَت فِقْهَه بينَ دَفَّتَينِ!
وهذه البُحُوثُ إذْ عَمِلَت -مَشكُورَةً- على تَقرِيبِ فِقْهِ عليٍّ رضي الله عنه للأمَّةِ، واستِيعَابِ هذه التَّرِكَةِ القَضَائيَّةِ، إلا أنَّها أغفَلَت جَانِبَ البَحثِ الأصُوليِّ، فَاسِحةً المَجَالَ لِتكُونَ مَادَّةً أوَّلِيَّةً لمَن أرَادَ أنْ يَبحَثَها أصُولِيًّا، لاستِخلاصِ مَنهَجِ عليٍّ الأصُوليِّ.
مِن هذه الدِّراسَاتِ:
عليُّ بنُ أبِي طَالبٍ -كَرَّمَ اللهُ وَجْهَه- وأثَرُه في الفِقْهِ الإسْلاميِّ رِسَالةٌ عِلميَّةٌ للحُصُولِ على دَرَجَةِ الدُّكتُورَاه، إعدَادُ الطَّالِبِ: حامد عبد الحميد جامع، جَامِعَةُ الأزهَرِ، كُلِّيَّةُ الشَّرِيعَةِ والقَانُونِ، بتَارِيخِ: 22/9/1976 م. قَضَاءُ أمِيرِ المُؤمنِينَ عليِّ بنِ أبِي طَالبٍ إعدَادُ الطَّالبِ: عبد الله عثمان علي مقبل، رِسَالةٌ عِلميَّةٌ للحُصُولِ على دَرجَةِ المَاجستير،
مِن المَعهَدِ العَالِي للقَضَاءِ- الرِّياض، قِسمُ السِّياسَةِ الشَّرعِيَّةِ، بتَارِيخِ: 1401 هـ. فِقْهُ عليِّ بنِ أبِي طَالبٍ في الحُدُودِ والجِنَايَاتِ وأثَرُه في التَّشرِيعِ الجِنَائيِّ الإسْلاميِّ إعدَادُ الطَّالِبِ: عبد الله بن سليمان العبد المنعم، رِسَالةٌ عِلميَّةٌ للحُصُولِ على دَرجَةِ المَاجستير، بتَارِيخِ: 1425 هـ (أصله رسالة علمية ثم طبع).
والقَائِمَةُ تَطُولُ، وجَمِيعُها -كمَا هو ظَاهِرٌ مِن عَناوِينِها- تُعنَى بالفِقْهِ القَضَائيِّ في مَنظُومَةِ عليٍّ الاجتِهادِيَّةِ، ولمْ تَبحَثِ المَناهِجَ الأصُولِيَّةَ التي انبَثقَت منها هَاتِيكَ الأحْكَامُ وانبَنَت عليها تلك الاجتِهَادَاتُ.
خطة البحث
سِرْتُ في إعْدَادِ هذا البَحثِ على خُطَّةٍ تَشتَمِلُ على: مُقدِّمَةٍ، وتَمهِيدٍ، وأربَعةِ أبْوَابٍ، وخَاتِمَةٍ، وفَهارِسَ عِلمِيَّةٍ . ثُمَّ قَسَّمْتُ الأبْوَابَ إلى فُصُولٍ، والفُصُولَ إلى مَباحِثَ، وهذه إلى مَطَالِبَ حَسبَما تَقتَضِيه المَادَّةُ العِلميَّةُ لكُلِّ مَوضُوعٍ.
المُقدِّمَةُ:
أمَّا المُقدِّمَةُ، فتَناوَلْتُ فيهَا الحَدِيثَ عن أسْبَابِ اختِيَارِ المَوضُوعِ، طَارِحًا الإشْكَاليَّةَ التي انْطلَقْتُ مِن خِلالِها لإيجَادِ الأجْوِبَةِ المُناسِبَةِ للتَّوصِيفِ الأصُوليِّ لأحْكامِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم
PDF 27والمَنهَجِ العِلميِّ الذي اتَّبعُوه في ضَبْطِ عَمليَّةِ الاجتِهَادِ، ومَنهجِ عليٍّ في سَبْرِ أغْوَارِ هذا المَيدَانِ، وهَلْ سَارَت أقضِيتُه على سُنَّةٍ وَاحِدةٍ مُعتَمِدَةٍ القَواعِدَ العَامَّةَ؟ أمْ أنَّ بَعضَها جَرَى على خِلافِ القِيَاسِ؟
مُبيِّنًا أهمِّيَّةَ البَحثِ، والأهْدَافَ المَأمُولَ تَحقِيقُها، مُسلِّطًا الضَّوْءَ على الدِّراسَاتِ السَّابِقةِ وخَصَائِصِها. مُستَعرِضًا الخُطَّةَ التي سَأسِيرُ عليها، كَاشِفًا عنِ المَنهَجِ الذي سَلكْتُه في مُعالَجَةِ مَوضُوعاتِ الرِّسالةِ.
ثُمَّ ذَكرْتُ المَصادِرَ والمَراجِعَ، مُنتَهِيًا إلى الصُّعوبَاتِ التي وَاجَهْتُها، وكَيفَ عملتُ على تَذلِيلِها.
التَّمهِيدُ:
أمَّا التَّمهِيدُ وهو بعُنوَانِ: الاجتِهَادُ الأصُولِيُّ عندَ الصَّحابةِ رضي الله عنهم : مَنهَجُه، ومَوارِدُه، وأثَرُه في السَّابِقَةِ القَضَائيَّةِ، فقَد دَرَسْتُ فيه مَبادِئَ أصُولِ الفِقْهِ وأهمِّيَّتَه وفَائِدَتَه، ثُمَّ تعرَّضْتُ للمَنهَجِ الأصُولِيِّ عندَ الصَّحابةِ، وأعْقَبتُه بالحَدِيثِ عنْ مَوارِدِ الاجتِهَادِ عندَهم، وخَتَمْتُه بإظْهارِ أثَرِ الاجتِهَادِ الأصُولِيِّ في السَّابِقَةِ القَضَائيَّةِ.
أبْوَابُ الرِّسَالةِ:
ثُمَّ بَعدَ الانْتِهاءِ من المُقدِّمَةِ والتَّمهِيدِ، قَسَّمْتُ البَحْثَ إلى أربَعَةِ أبْوابٍ، يَحتَوِي كُلُّ بَابٍ على عَدَدٍ من الفُصُولِ:
البَابُ الأوَّلُ: عليُّ بنُ أبي طَالبٍ فاتِقُ عِلْمِ القَضَاءِ:
تَحدَّثْتُ فيهِ عنْ مَلامِحِ شَخصِيَّةِ عليٍّ العِلمِيَّةِ، ومَنزِلَتِه في الإسْلامِ، وأنَّ له دَرَجَةً مُتقَدِّمَةً في الفِقْهِ والقَضَاءِ، ثمَّ رَبَطْتُ ذلك بعَوامِلَ مُتعَدِّدَةٍ أصْقَلَت شَخصِيَّتَهُ ومَواهِبَه على حَدٍّ سَواءٍ. ثُمَّ تَعرَّضْتُ لبَعْضِ مَآثرِه العِلْمِيَّةِ، مُناقِشًا أسْبابَ قِلَّةِ الأقْضِيَةِ المَورُوثَةِ عنه.
وفي الوَقْتِ نَفْسِه، كَشَفْتُ عمَّا للقَضَاءِ مِنْ مَنزِلةٍ عَظِيمَةٍ في الشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ، ثُمَّ أرَّخْتُ للقَضاءِ العَلَوِيِّ إبَّانَ عَهدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والخُلفَاءِ الرَّاشدِينَ.
البَابُ الثَّانِي: المَوارِدُ الأصُولِيَّةُ في الأقضِيَةِ العَلوِيَّةِ:
خَصَّصْتُهُ للتَّعرُّفِ إلى المَصادرِ التَّشرِيعيَّةِ للأحْكامِ العَلَوِيَّةِ، التي دَرَجَ على اعتِمادِها، حَسْبَما فُطِرَ عليه مِنَ الفِكْرِ الأصُولِيِّ. فبَحثْتُ في مَصدَرِيَّةِ الكِتَابِ، وفَصَّلْتُ قَضِيَّةَ الإعْجازِ العِلْمِيِّ، وأنَّه أشارَ إلى حُجِّيَّةِ المَصادرِ التَّبَعِيَّةِ. ثُمَّ عَرَّجْتُ على الخِدْمَاتِ الجَبَّارَةِ التي قَدَّمَها عليٌّ رضي الله عنه في سَبيلِ المُحافَظَةِ على هذا الأصْلِ. كَمَا عَمِلْتُ على تَبيينِ مَنهَجِه المُعتَمَدِ في فَهْمِ خِطَابِ الشَّارِعِ، مُدَلِّلاً على ذلك بالنَّماذِجِ التَّطبِيقِيَّةِ.
ثَنَّيْتُ بالحَدِيثِ عنِ السُّنَّةِ النَّبوِيَّةِ، ومَنهَجِ عليٍّ في التَّعامُلِ معَها، مُؤكِّدًا الجُهودَ التي بَذَلَها للمُحافَظَةِ عليها، ومُقاوَمَةَ ظَاهِرَةِ الوَضْعِ، واستَعرَضْتُ النَّماذِجَ التَّطبِيقِيَّةَ على ذلك.
وبمَا أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَد أوْضَحَ السَّبِيلَ في اعتِمَادِ
PDF 29الإجْمَاعِ حُجَّةً، في سُؤالٍ تَقدَّمَ به عليٌّ رضي الله عنه كانَ لا بُدَّ مِن تَأصِيلِ هذا المَوضُوعِ على نَحْوٍ مُوَسَّعٍ، ومُناقَشَةِ بَعْضِ الشُّرُوطِ في تَكوِينِه وحُجِّيَّتِه، وبَيانِ الأحْكامِ المُترَتِّبَةِ على انْعِقَادِه.
وإذْ قَد أرْشَدَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم أمَّتَه إلى الاهْتِداءِ بعَمَلِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، كانَ مِنَ المُناسِبِ تَناوُلُ السَّوابِقِ القَضائِيَّةِ بالشَّرْحِ والتَّحلِيلِ، للدَّلالَةِ على مَا احْتَلَّتْهُ في اجْتِهَادِ عليٍّ مِنَ الحُجِّيَّةِ، وأنَّها قَاعِدَةٌ دُستُورِيَّةٌ لا يُمْكِنُ التَّغاضِي عنها أو مُخالَفَتُها.
ثُمَّ حَرَّرْتُ مَوضِعَ النِّزَاعِ في مَصدَرِيَّةِ شَرْعِ مَن قَبلَنا، وحُجِيَّتَه عندَ عليٍّ رضي الله عنه ، وتَناوَلْتُ بَعْضَ النَّماذِجِ التَّطبِيقِيَّةِ التي تَدُلُّ على ذلك.
وحيثُ إنَّ العَقْلَ لا يَنفَكُّ مُصاحِبًا للنَّقْلِ، وبمَا أنَّ عليًّا رضي الله عنه قَد بَلَغَ مَكانَةً مُتقدِّمَةً في استِخْدامِ مَواهبِه العِلْميَّةِ وطَاقَتِه الفِكرِيَّةِ، لذلك تَوقَّفْتُ عندَ القِيَاسِ طَوِيلاً، فاستَعرَضْتُ فيه مَا أُثِرَ عن عليٍّ في المَسألَةِ مِنَ التَّنصِيصِ عليها، واعتِبَارِ ذلك بوَاسِطَةِ الأحْكامِ التي قَضَى بها. ثُمَّ شَرَعْتُ بالاستِحْسَانِ، ونَاقَشْتُ بَعْضَ أقْضِيَةِ عليٍّ التي قَضَى بهَا بِناءً على هذا الأصْلِ. مُخْتَتِمًا هذا البَابَ بتَفصِيلِ مَسائلِ الاستِصْحابِ والقَواعدِ المَبنِيَّةِ عليه، واعتِمادِه في مَنظُومَةِ عليٍّ الفِكرِيَّةِ.
البَابُ الثالِثُ: الاجتِهَادُ المَقاصِديُّ ومَوارِدُه:
تَحدَّثْتُ في هذا البَابِ عنِ الاجْتِهادِ بشَكْلٍ عامٍّ، واضْطِلاعِ عليٍّ به، وعُزُوفِه عنِ التَّقلِيدِ ومُحارَبَتِه له. مُسَلِّطًا الضَّوْءَ على شُرُوطِ
PDF 30الاجْتِهادِ، ومَجالاتِه، والأجْواءِ التي تُؤثِّرُ فيه ودَلالَتِها على تَغيُّرِ الأحْكامِ، وحُكْمِ تَجزُّئِه. ثُمَّ تَحدَّثْتُ عنِ الاجْتِهادِ المَقاصِديِّ بشَكْلٍ خَاصٍّ، فعَرَّفْتُ به، وبيَّنْتُ أهَمِّيَّتَه، ومُراعَاةَ عليٍّ للمَقاصدِ الشَّرعِيَّةِ في استِنْبَاطِ الأحْكَامِ.
وبمَا أنَّه لا يكونُ اجْتِهادٌ إلاَّ عنْ تَصوُّرٍ للمَسائلِ اعتِمادًا على مُقَدِّماتٍ أصُولِيَّةٍ تُبرْهِنُ عليها، بَحثْتُ في مَواردِ عليٍّ للاجْتِهادِ المَقاصِديِّ.
فعَرَّفْتُ بالمَصلَحةِ المُرسَلَةِ، وقَسَّمْتُها إلى أقْسَامٍ عِدَّةٍ باعتِبَارَاتٍ مُتعَدِّدَةٍ، وعَدَّدْتُ ضَوابِطَها التي يَجِبُ أنْ تَتوافَرَ للانْطِلاقِ منها إلى المُحافَظَةِ على الكُلِّيَّاتِ الخَمْسِ التي لاحَظَها الخِطَابُ الإلهِيُّ في تَشرِيعِ الأحْكَامِ، مُبْدِيًا اعتِمَادَ عليٍّ عليها في البَتِّ بكَثِيرٍ مِنَ القَضايَا الحَسَّاسَةِ التي رَاعَاهَا في مُجتَمَعِه، لِمَا عُرِفَ عنه مِنَ النَّظرَةِ الثَّاقِبَةِ في أحْوالِ الأمَمِ والشُّعُوبِ، وتَحكِيمِ الأعْرافِ والعَادَاتِ السَّائِدَةِ، التي أنَاطَ بها كَثِيرًا مِنَ الأقْضِيَةِ.
لذلك تَوقَّفْتُ عندَ حُجِّيَّةِ العُرْفِ، ونَاقَشْتُ مَسألَةَ تَبدُّلِ الأحْكَامِ بتَغيُّرِ الزَّمَانِ والمَكَانِ وضَوابِطَ ذلك. مُستَعرِضًا رَأيَ عليٍّ رضي الله عنه في ذلك كُلِّه، مِن خِلالِ النَّماذِجِ التي تَناوَلْتُها.
مِن جَانبٍ آخَرَ، لمَ أُغْفِلِ التَّقعِيدَ العَلوِيَّ لمَبدَأ سَدِّ الذَّرائعِ، ومَا لها مِن انْعِكاسَاتٍ قَضائِيَّةٍ على العَدِيدِ مِنَ المَسائلِ الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ،
PDF 31التي كانَ لعليٍّ حَقُّ الصَّدارَةِ فيها، منذُ العَهْدِ الأوَّلِ للخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ، وكيفَ اسْتَطاعَ أنْ يحدَّ مِن ظَواهِرَ اجتِماعِيَّةٍ وأخْلاقِيَّةٍ كَثِيرَةٍ، بالعَمَلِ بهذا المَصدَرِ التَّشرِيعيِّ.
البَابُ الرَّابِعُ: التَّعارُضُ والتَّرجِيحُ:
عَرَّفْتُ في هذا البَابِ بمَضمُونِ التَّعارُضِ وتَناوَلْتُ صُوَرَ دَفْعِه. ثُمَّ عَرَّفْتُ بالجَمْعِ بينَ الأدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ والنُّصُوصِ القَضائِيَّةِ، وتَناوَلْتُ جَانِبًا مِن أهمِّيَّتِه على صَعِيدِ الفَتْوَى والقَضاءِ. وبَيَّنْتُ مَفهُومَ التَّرجِيحِ ووَسائِلَه المُعتَمدَةَ، مُوَضِّحًا مَوقِفَ عليٍّ مِن تَعارُضِ المَنقُولِ بينَه وبينَ نَفْسِه مِن جِهَةٍ، وبينَه وبينَ المَعقُولِ مِن جِهَةٍ أخْرَى. وأوْضَحْتُ كَيفِيَّةَ فَهْمِها وتَفسِيرِها في ضَوْءِ القَواعدِ التي رَشَحَتْ بها شَفَتا عليٍّ، في المُحافَظَةِ على جَوْهَرِ الشَّرِيعَةِ، وتَبرِئَتِها مِنَ التَّناقُضِ والتَّنافُرِ.
فتعَرَّضْتُ للعَامِّ والخَاصِّ، والمُطلَقِ والمُقيَّدِ، والمُجمَلِ والمُبيَّنِ، وحَقَّقْتُ في مَسألَةِ تَقدِيمِ القِيَاسِ على خَبَرِ الوَاحِدِ، مُنتَهِيًا بالحَدِيثِ إلى أحْكَامِ النَّسْخِ. فعَرَّفْتُ به، وكَشَفْتُ عن أهمِّيَّةِ العِلْمِ به، وأنَّه شَرْطٌ في المُجتَهدِ، مُوَضِّحًا ذلك كلَّه بالنَّماذجِ التَّطبِيقِيَّةِ والشَّواهدِ العَمَلِيَّةِ، التي استَقَيْتُها مِن حَياةِ عليٍّ الفِكْرِيَّةِ والاجْتِهادِيَّةِ.
الخَاتِمَةُ:
وأخِيرًا خَاتِمَةٌ ذَكرْتُ فيها أهمَّ النَّتائِجِ التي خَلصْتُ إليها خِلالَ هذه الدِّراسَةِ، وبَعضَ التَّوصِيَاتِ الهَامَّةِ.
منهج البحث
يُمكِنُ أنْ أوجِزَ المَنْهجَ الذي سَلَكتُه في إعدَادِ هذه الرِّسالَةِ في مِحورَينِ رَئيسَينِ: (المَضمُونُ) ، و (الأسلُوبُ) .
أمَّا مِن حيثُ المَضمُونُ، فكانَ:
المَنهَجُ الاستِقرَائِيُّ ، وذلك بالوُقُوفِ على أقْضِيَةِ عليٍّ رضي الله عنه لاستِلْهَامِ فِكْرِه الأصُوليِّ في الاستِنبَاطِ. وبتَتبُّعِ ما نُسِبَ إِليه من أقْوالٍ دُستوريَّةٍ شَكَّلت مَنهَجَ الحُكْمِ في حَياتِه الرَّشِيدَةِ. المَنهَجُ التَّعلِيليُّ التَّحلِيلِيُّ ، ويَأتِي في المَرحَلَةِ الثَّانِيَةِ بَعدَ استِقرَاءِ نُصُوصِه وأحْكَامِه. بإمْعَانِ النَّظَرِ فيها لاستِخْلاصِ مَسلَكِه في التَّأصِيلِ واستِبيَانِ طَرِيقَةِ حُكْمِه في التَّطبِيقِ. المَنهَجُ الاستِدلالِيُّ البُرهَانِيُّ ، وذلك بالتَّدلِيلِ على مَا استَوحَيتُه من مَسائلِه بالرُّجُوعِ إلى أقضِيَتِه، وتَحلِيلِها والرَّبْطِ بينَها وبينَ مَا اتَّبعَه العُلمَاءُ في التَّدْليلِ على أقوَالِهم ومَا ذَهبُوا إِليه، بحَسَبِ مَا هو مُودَعٌ في «كُتُبِ الأُصُولِ» .
أمَّا مِن حيثُ الأسلُوبُ في العَزوِ والتَّوثِيقِ والتَّخرِيجِ وإعدَادِ الهَوامِشِ، وصُنعِ الفَهارِسِ بصِفَةٍ عَامَّةٍ، فقَد سَلَكْتُ مَا هو مُبيَّنٌ في النِّقاطِ التَّالِيَةِ:
عَزوْتُ الآيَاتِ القُرآنِيَّةَ إلى مَواضعِها في كِتَابِ اللهِ تعالى، وذلك بالإشَارَةِ إلى السُّورَةِ ورَقْمِ الآيَةِ، مُعتَمِدًا على مُصحَفِ المَدِينَةِ
النَّبوِيَّةِ المُنوَّرَةِ، المطبوع في «مُجمَّعِ مطابع الملك فهد لطباعة المصحف الشَّريفِ» بالرَّسمِ العُثمانِيِّ، برواية حَفْصٍ عن عاصم. خرَّجتُ الأحَادِيثَ تَخرِيجًا مُقتَضَبًا، على النَّحوِ الآتِي: إذا كانَ الحَدِيثُ في «الصَّحِيحَين» أو أحدِهما؛ اكتَفيْتُ بالعَزوِ إلى مَواضعِه، مَعَ ذِكْرِ البَيَانَاتِ اللاَّزِمَةِ كَامِلَةً، دُونَ تَتبُّعِ الشَّواهدِ والمُتابَعاتِ في غَيرِهما، لإطبَاقِ الأمَّةِ على صِحَّةِ مُحتويَاتِهما مِن أحَادِيثَ مَرفُوعةٍ. وبمَا أنَّ البُخارِيَّ كَثِيرًا ما يُكرِّرُ الحَدِيثَ، فقَد خرَّجتُه باللَّفْظِ المُختَارِ، ثُمَّ اقتَصَرْتُ على ذِكْرِ أرقَامِه المُكرَّرِ بها. أمَّا إذا كانَ الحَدِيثُ في غَيرِهما، فقَد تَتبَّعتُه في أغلَبِ مَظانِّه، مَعَ ذِكْرِ اسمِ الكِتَابِ والبَابِ ورَقمِ كُلٍّ، بالإضَافةِ إِلى رَقْمِ الجُزءِ والصَّفحةِ والحَديثِ، متَى وَجَدْتُ إِلى ذلك سَبِيلاً. ذَكرْتُ الحُكْمَ على الأحَاديثِ النَّبوِيَّةِ بحَسَبِ ما تَقتَضِيه الصِّناعَةُ الحَدِيثيَّةُ مِن حيثُ القَبُولُ والرَّدُّ، بالاعتِمَادِ على أبحَاثِ أهْلِ الاختِصَاصِ مِن المُتقدِّمِينَ، أو المُتأخِّرِينَ، أو المُعاصِرِينَ. وَثَّقْتُ الأشْعَارَ، وعَنَيْتُ ببَيَانِ أوزَانِها، ونِسبَتِها إلى قَائلِيها. نَصَّصتُ على الآيَاتِ القُرآنيَّةِ بقَوسَينِ مُزهَّرَينِ: ﴿ ﴾، وجَعَلْتُ الأحَادِيثَ النَّبوِيَّةَ، والأقْوَالَ المَنقُولةَ بينَ مُزدَوِجَينِ: وإذا كانَ ثمَّةَ إضَافَاتٌ فبينَ مَعقوفَينِ: عرَّفتُ بالمُصطلَحاتِ العِلميَّةِ، وشَرَحْتُ الغَرِيبَ مِن الألفَاظِ
اللُّغوِيَّةِ، وضَبَطْتُها -أحيَانًا- بالحُرُوفِ؛ بالعَودةِ إلى مَعاجمِ اللُّغَةِ والكُتُبِ المُختَصَّةِ. تَرجَمْتُ للأعْلامِ المَغمُورِينَ لدى المَرَّةِ الأولى، على نَحوٍ مُختَصَرٍ، وذلك بذِكْرِ اسمِه ونَسَبِه، وتَارِيخِ وِلادَتِه ووَفاتِه، وبَعضِ صِفَاتِه ومُؤلَّفَاتِه، اعتِمَادًا على مَصدَرينِ. اعتَمدْتُ على التَّارِيخِ الهِجْريِّ دُونَ سِوَاهُ، إلاَّ في تَوثِيقِ المَراجِعِ. عَرَّفْتُ الأمَاكنَ والأزْمِنةَ والوَقائِعَ الغَامِضةَ. ضَبطتُ المَتنَ بالتَّشكِيلِ المُناسبِ. سَبكْتُ الرِّسَالةَ بأسْلُوبٍ سَهْلٍ مُيسَّرٍ لكَونِه أدْعَى للفَهْمِ، وأرْفَقَ بالشَّرِيحَةِ العُظمَى، بَعِيدًا عن الصِّياغَةِ العِلْميَّةِ البَحتَةِ، مُراعَاةً لجَانبِ العَصرِ الذي أكتُبُ له. اقتَصَرْتُ على فهرسينِ اثنَينِ(2) فصَنعْتُ:
فهرسًا بثَبتِ المَصَادرِ والمَراجعِ. فهرسًا لمُحتَويَاتِ البَحثِ ومَوضُوعاتِه.
التَزَمْتُ بمَا وَرَدَ في مُخطَّطِ البَحثِ المُشَارِ إليه سَابِقًا، وحَاوَلْتُ أن أوَفِّيَ كُلَّ بَابٍ حَقَّه قَدْرَ الإمكَانِ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المصادر والمراجع المعتمدة
انصَبَّ الاعتِمَادُ في دِراسَةِ هذا المَوضُوعِ على المَكتَبةِ التُّراثيَّةِ بِشَكلٍ رَئيسٍ، ولمْ أغفلِ الاستِفادةَ من كِتابَاتِ بَعضِ المُعاصرِينَ، الذين أثْرَوا هذا الحَقْلَ المَعرِفيَّ بخُلاصَةِ دِراسَاتِهم وتَأمُّلاتِهم في حَيَاةِ عليٍّ رضي الله عنه .
وتَأتِي في طَلِيعَةِ المَصَادرِ - بَعدَ كِتَابِ اللهِ تعالى- دَواوِينُ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ المُشرَّفةِ التي كانَ لها دَوْرٌ مُبرَّزٌ في التَّعرِيفِ بِسيرَةِ القَاضِي عَليِّ بنِ أبي طَالبٍ رضي الله عنه الأصُوليَّةِ.
وكانَت الخُطوَةُ الأولى التي سَلَكْتُها في إعْدَادِ هذا البَحثِ تَعتَمِدُ على ثَلاثَةِ كُتُبٍ رَئِيسَةٍ فَتحَت لِي آفَاقًا وَاسِعةً، ألا وهي:
«الفِكْرُ الأصُوليُّ: دِراسَةٌ تَحلِيليَّةٌ نَقديَّةٌ» للأستاذ الدُّكتور أبو سليمان، عبد الوهَّابِ إبراهيم (معاصر). استَوفَيْتُ منه إعْدَادَ التَّمهِيدِ، في إطَارِ التَّقعِيدِ للفِكْرِ الأصُوليِّ ومَناهجِه في عَهدِ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم والتَّمثِيلِ لذلك. «أسمَى المَطالبِ في سِيرَةِ أميرِ المُؤمنينَ عَليِّ بنِ أبِي طَالبٍ رضي الله عنه للدُّكتور الصلاَّبي، علي محمَّد (معاصر). أفَدْتُ منه في إعْدَادِ الفَصْلِ الأوَّلِ من البَابِ الأوَّلِ المُتعَلِّقِ بتَرجَمةِ عليٍّ رضي الله عنه «مَوسُوعةُ فِقْهِ عَليِّ بنِ أَبِي طالبٍ للدُّكتور قلعَه جي، محمَّد روَّاس (ت 1435 هـ). صَحِبَتْنِي حتى خَاتِمَةِ الرِّسَالَةِ، إذْ كانَ مُحتَواها
مَادَّةً حَاضِرَةً لاستِخْلاصِ البَحْثِ الأصُوليِّ منها.
ثُمَّ كانَ الاعتِمادُ في كلِّ مَوضُوعٍ على المُعتَدِّ به مِن مُؤلَّفَاتِ أهلِه، ممَّا تَرَاهُ مُفَصَّلاً في فهرسِ المَصادرِ والمَراجعِ.
الصعوبات التي واجهتها وكيفية تذليلها
البَحثُ إذْ تَفادَى المَوضُوعاتِ المَطرُوقةَ مِن قَبلُ، والتي أُشبِعَت بَحثًا؛ خَشيةَ الوُقوعِ في مَغبَّةِ التَّكرَارِ المُفضِي إلى السَّآمةِ، وإضَاعةِ الجُهودِ، وهَدْرِ الأوقَاتِ! فقَد عَانَيْتُ في إعدَادِه مُشكِلةَ الحُصُولِ على مَصادِرَ رَئِيسَةٍ تُكوِّنُ المَادَّةَ العِلميَّةَ للبَحثِ، ممَّا استَلزمَ بَحثًا طَوِيلاً، ودِراسةً مُتأنِّيةً، ومُراجَعةً مُستمِرَّةً، حتى غَدَا على سُوقِه يُعجِبُ القُرَّاءَ، إنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
كمَا أنَّ الظُّرُوفَ الاقتِصَادِيَّةَ والأمنِيَّةَ التي شَهِدَها وَطَنُنا الحَبِيبُ لبنانُ، في السَّنواتِ الأخِيرَةِ، حَالَت دُونَ إنهَاءِ البَحثِ في الفَترَةِ المُحَدَّدةِ له، ممَّا كانَ سَببًا في تَأخيرِ الانتِهَاءِ مِن إعدَادِه، حتى مَضَت مُدَّةٌ لا بَأسَ بها على تَسجيلِه وأخْذِ الإذْنِ بمبَاشَرةِ العَمَلِ فيه.
وخِتَامًا،
هذا جُهْدُ المُقِلِّ، أضَعُه بينَ يَدَيْ أهلِ العِلْمِ وطُلاَّبِه، فمَا كانَ فيه مِن صَوابٍ، فمِنَ اللهِ وَحدَه، وله الحَمدُ في البَدءِ والخِتامِ. ومَا كانَ فيه مِن خَطأ، فَمِنِّي والشَّيطَانِ، وأستَغفِرُ اللهَ مِن أيِّ زَللٍ أو خَلَلٍ، فالكَمَالُ
PDF 37للهِ وَحدَه، والعِصْمةُ لأنبِيَائِه ورُسُلِه. وكُلُّ كِتَابٍ لا يَخلُو من عَيبٍ سِوَى الذِّكرِ الحَكيمِ: ﴿ لَّا يَأْتِيهِ الباطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ(3) ﴾ وحَسبي أنِّي استَنفَذْتُ وُسْعِي، ولمْ آلُ جُهدًا في إعدَادِه وتَنسِيقِه.
وإنِّي سَائِلٌ طَالِبَ عِلْمٍ انتَفَعَ به أنْ يَدعُوَ اللهَ لي ويَستَغفِرَ، فإنِّي مُتَقلِّدٌ مِنَّتَه يومَ القِيَامَةِ. واللهَ أسألُ، وبأسمَائِه الحُسْنَى وصِفَاتِه العُلَى أرجُو وأتوسَّلُ، أن يَتقبَّلَه مِنِّي، ويَجعلَه لِوَجهِه الكَريمِ خَالِصًا، وأنْ يَدَّخِرَه لي ﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ(4) ﴾ ، إنَّه سَمِيعٌ بَصِيرٌ، وبالإجَابةِ جَدِيرٌ، واللهُ من وَراءِ القَصدِ، وهو الهَادِي إلى سَواءِ السَّبيلِ.
وكتب
طالب العلم الشريف
محمد بن فؤاد ضاهر
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
التمهيد الاجتهاد الأصولي عند الصحابة منهجه، وموارده، وأثره في السابقة القضائية
لمَّا كانَت لأقْضِيَةِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم أهمِّيَّةٌ مُبرِّزةٌ، خَاصَّةً من النَّاحيةِ الأصُوليَّةِ، كانَ لا بُدَّ من تَسلِيطِ الضَّوءِ عليها، ودِراسَتِها دِراسةً مُتأنِّيةً.
وبمَا أنَّ اعتِمادَ الصَّحابةِ رضي الله عنهم - وعليٌّ من بَينِهم- في البَتِّ بهذه الأقْضِيَةِ كانَ مُنصبًّا على ما انطَبعَ في مَدارِكِهم من قَواعِدَ أصُوليَّةٍ لَحظُوها في الخِطَابِ التَّكلِيفيِّ لهم، بمَحْضِ سَجيَّتِهم وسَلِيقَتِهم الفِطْريَّةِ؛ كانَ لا بُدَّ من التَّوقُّفِ عند هذا الأمرِ والحَدِيثِ عنه، بمَا يَزِيدُ من إيضَاحِه، وإزالَةِ اللَّبْسِ عنه، لديهم.
وقد ارتَأيتُ أن أضِيءَ هنا على أهمِّيَّةِ علمِ «أصُولِ الفِقْهِ» ، ومَجَالاتِ الإفَادَةِ منه، ليكُونَ القَارِئُ على بَيِّنةٍ وَاضِحَةٍ عن الأسُسِ العِلْميَّةِ التي بمَوجِبِها سَأدرُسُ هذه الأقْضِيةَ، وعن العِلْمِ الذي يَحتوِيها، وتَخضَعُ لِمَوازِينِه ومُقوِّماتِه، حَسْبَما كانَ مَفطُورًا عليه عليُّ بنُ أبي طَالِبٍ رضي الله عنه .
ثُمَّ أعَرِّجَ على «الخُطَّةِ الاجتِهَادِيَّةِ» التي كانَت مَرعِيَّةً لَدَى الصَّحابةِ رضي الله عنهم ، بحَسَبِ المَنهجِيَّةِ المُتَّبَعةِ عندَهم، والمَوَاردِ التي استَقَوها منها. فأكْشِفُ اللِّثامَ عن جَوهرِها ومِيزَاتِها، لِيكُونَ الوَاقِفُ على هذا البَحثِ على مَعرِفَةٍ مُسبَقةٍ بكَيفيَّةِ تَبلْوُرِ مَفهُومِ الاجتِهَادِ في عَهدِ الرَّعِيلِ الأوَّلِ، وكيفَ استَفادُوا منه في استِنبَاطِ الأحكَامِ، والفَصْلِ بين النَّاسِ، وتَثبِيتِ العَدَالَةِ القَضَائيَّةِ والاجتِمَاعيَّةِ، للنُّهوضِ بالمُجتَمعِ على أركَانٍ قَويَّةٍ ودَعائمَ مُتماسِكَةٍ، من خِلالِ القَضاءِ الجادِّ والنَّزِيهِ، وتَوظِيفِ طَاقاتِهم كافَّةً من أجْلِ الوُصُولِ إلى الحَقِّ مَرضَاةً للرَّبِّ سُبحانَه.
لذا، جَاءَ التَّمهِيدُ في ثَلاثَةِ مَباحِثَ، هي:
المَبحثُ الأوَّلُ: أصُولُ الفِقْهِ، أهمِّيَّتُه وفَائِدَتُه.
المَبحثُ الثَّاني: مَنهَجُ الاجتِهَادِ الأصُوليِّ عندَ الصَّحابةِ، ومَوَارِدُهُ.
المَبحثُ الثَّالِثُ: أثَرُ الاجتِهَادِ الأُصُوليِّ في السَّابِقَةِ القَضائيَّةِ.
المبحث الأول مبادئ أصول الفقه وأهميته وفائدته
يُعتَبرُ علمُ «أصُولِ الفِقْهِ» مَنهجَ بَحْثٍ ومَعْرِفَةٍ، يَتنَاولُ الظَّواهِرَ الإنسانيَّةَ والاجتِماعيَّةَ، في إطَارِ البَحثِ عن حُكْمٍ فِقْهيٍّ لها، مُسْتمَدٍّ من الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ التَّفصِيليَّةِ، والكَشْفِ عن عِلَلِها وحِكَمِها الدَّاعيةِ إلى التَّعبُّدِ للهِ على بَصِيرَةٍ واطمِئنَانٍ، يَشعرُ به المُؤمِنُ في خَلَجَاتِ قَلبِه.
يَمتَازُ مِن بين سَائرِ العُلومِ بإسلاميَّةِ نَشأتِه، ذلك أنَّه من ابتِكَارَاتِ العَقْلِ المُسلمِ، وإِبْدَاعَاتِ القُرونِ الخَيِّرَةِ الأولى، ولم يُنقَلْ عن أيِّ أمَّةٍ أخرَى في العَالَمِ، منذ تَارِيخِ الحَضَارَاتِ القَدِيمَةِ إلى ما قُبيلِ البِعثَةِ النَّبويَّةِ الشَّريفةِ(5) .
في هذا المَبحثِ سنَسْتَعرِضُ أهمِّيَّةَ أصُولِ الفِقْهِ، ومَجَالاتِ الإفَادَةِ منه عندَ عليٍّ رضي الله عنه مِن خِلالِ المَطلَبينِ التَّالِيَينِ:
المَطلَبُ الأوَّلُ: أهمِّيَّةُ أصُولِ الفِقْهِ.
المَطلَبُ الثَّاني: مَجَالاتُ الإفَادَةِ من أصُولِ الفِقْهِ عند عليٍّ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الأول أهمية أصول الفقه
لأصُولِ الفِقْهِ فَوائِدُ كَثِيرَةٌ، وأهميَّةٌ بَالِغَةٌ، أَعرِضُ جَانِبًا منها في النِّقَاطِ التَّالِيَةِ(6) :
له اليدُ الطُّولَى في حُسْنِ سَيْرِ العُلومِ الشَّرعيَّةِ، وَفْقَ أُسُسٍ وَاضِحَةِ المَعَالمِ، وفي ضَبطِ مَيَادِينِ المَعْرِفَةِ ومَنَاهِجِ التَّفكِيرِ، خُصُوصًا في الحَقْلِ المَعْرِفيِّ المُتقدِّمِ. وله مساهمةٌ فاعلةٌ في حِفْظِ العَقِيدَةِ الإسلاميَّةِ؛ بحِمَايةِ مَصَادِرِ التَّلقِّي عن عَبَثِ العَابِثينَ، وأصُولِ الاستِدلالِ، والرَّدِّ على شُبَهِ المُنحَرِفينَ. وله جُهُودٌ وَاضِحَةٌ في صِيَانةِ الفِقْهِ الإسلاميِّ من العَبَثِ المُزدَوجِ المُتمثِّلِ في (الانفتاحِ)، المُترتِّبِ على وَضْعِ مَصادِرَ جَدِيدَةٍ للتَّشرِيعِ. وفي (الجُمودِ) المُترتِّبِ على دَعوَى إغلاقِ بَابِ الاجتهادِ!
المطلب الثاني مجالات الإفادة من أصول الفقه عند علي
تُشكِّلُ وَظِيفَةُ الأصُوليِّ النَّواةَ الأُولَى واللبِنَةَ الأسَاسَ التي يَعتَمِدُ عليها كُلٌّ من القَاضِي والمُفْتِي، في استِنْطَاقِ ما أَثْبَتَ الأصُولِيُّ حُجيَّتَه من المَصَادِرِ، والتَّطْبيقِ على ما أصَّلَه من القَواعدِ اللُّغَوِيَّةِ والشَّرعِيَّةِ في عَمَليَّةِ الاجتِهَادِ، لإعْطَاءِ الثَّمَرَةِ الزَّاهِيَةِ إلى طَالِبيها والرَّاغِبينَ في
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 43الحُصُولِ عليها، بعدَ طُولِ صَبْرٍ وأنَاةٍ. من هنا تَبدُو أهميَّةُ ما انْفَرَدَ به عَمَلُ الأصُولِيِّ جَليَّةً في تَقدُّمِه على غَيرِه، وأنَّه يُمثِّلُ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ في العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ.
عُرِفَ عليٌّ رضي الله عنه -كوَاحِدٍ من المُجتَهدِينَ- بنُبوغِه في هذا المَجَالِ، فبَدا إلى جَانبِ كَونِه مُفتيًا من الطِّرَازِ الأوَّلِ، يُوقِّعُ الفَتَاوَى، وقَاضِيًا يُصدِرُ الأحْكَامَ... أصُوليًّا نِحْرِيرًا، استَطَاعَ -بحسب ما فُطِرَ عليه- أن يُوَظِّفَ هذه القَواعِدَ والمَبَادِئَ في مَجَالاتٍ مُتعدِّدةٍ، دَعَت إليها الحَاجَةُ المَاسَّةُ في الدَّعْوَةِ إلى اللهِ تعالى بمُخْتَلفِ مَجالاتِها، وتَنوُّعِ أسَاليبِها. وبالأخَصِّ في تلك الحِقْبةِ التي عاشَها، تحتَ وَطْأةِ الخِلافَاتِ الفِقْهيَّةِ، والنِّزَاعَاتِ السِّياسيَّةِ، وفي ظِلِّ انفِتَاحِ العُلومِ على بَعضِها، وتَلاقُحِ الحَضَاراتِ، مَعَ نَقْلِ حَاضِرَةِ الخِلافَةِ الإسْلاميَّةِ إلى العِرَاقِ.
وفي اخْتِيَارِه الكُوفةَ عَاصِمةً للخِلافَةِ أوْفَقُ اختِيَارٍ نَاتِجٍ عن نَظْرَتِه الحَضَارِيَّةِ للمُجتَمَعاتِ العُمْرَانِيَّةِ، إذْ كانَتِ الكُوفَةُ مُلْتَقَى الشُّعُوبِ من جَمِيعِ الأجْنَاسِ، لِمكَانَتِها التِّجَارِيَّةِ الهَامَّةِ، ومَرْكَزِها الثَّقافِيِّ المُمْتَازِ.
هكذا شَأْنُ العَالِمِ إذا قَبَضَ بزِمَامِ هذا الفَنِّ، فإنَّه يُحسِنُ استِخْدَامَه والإفَادةَ منه في غَيرِ ما مَوقِعٍ، ومن خِلالِ حُضُورِه الدَّائمِ بين يَدَي شَعْبِه وأُمَّتِه، ووُقُوفِه على ما يَحتاجُون إليه في مَعَاشِهم وأُخْرَاهم.
لذلك استَطاعَ أن يُوجِدَ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ، للحَوادثِ المُتجدِّدَةِ
مَعَ مَرِّ الزَّمانِ وتَقدُّمِ العُمْرَانِ. إنَّها طَبِيعَةُ العُنْصُرِ الإنسَانيِّ، الذي لا يَتمَالكُ نَفْسَه أن يَقِفَ عَاجِزًا، عن إيجَادِ الحُلولِ اللازِمَةِ للنَّوَازِلِ الطَّارِئَةِ، فكَيفَ بمن هو في سُدَّةِ الصَّدارةِ وقد طَوَّقَ عُنُقَه بوَاجِبِ النُّصْحِ لرَعيَّتِه!
هذه هي طَبِيعَةُ عِلْمِ أصُولِ الفِقْهِ، فإنَّه يُبيِّنُ المَنَاهِجَ القَوِيمَةَ والأسُسَ السَّلِيمَةَ للفقيهِ، كي يَطْرُقَها بعَزِيمَةٍ وثَبَاتٍ، لاستِنْبَاطِ أحْكَامِ اللهِ في أَفْعَالِ العِبَادِ.
وقد فَاقَ أقْرَانَه في الوُقُوفِ على عِلَلِ الشَّرِيعَةِ ومَصالِحِ التَّكالِيفِ الإلهيَّةِ، وحُسْنِ بَيانِها للنَّاسِ بألْطَفِ عِبَارَةٍ، وأَوْضَحِ إشَارَةٍ. فضلاً عمَّا تملَّكَه من الأُسْلُوبِ الدَّعَوِيِّ رَفيعِ المُسْتَوَى، الذي استَطَاعَ من خِلالِه أن يُثبِتَ نَجَاحَاتٍ لاقَت إعْجابَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم به، حتى اخْتَارَه من بين صُفُوفِ إخْوانِه، لِحَملِ هذا الدِّينِ وإبلاغِه لعُمومِ النَّاسِ، على اخْتِلافِ انتِمَاءاتِهم العَقدِيَّةِ، وتَنوُّعِ مَفاهِيمِهم الثَّقافيَّةِ آنذاك، إذا ما أخْفَقَ وَاحِدٌ من الصَّحابةِ رضي الله عنهم في الأمْرِ المُوكَلِ إليه.
وهكذا أصُولُ الفِقْهِ، بفَضْلِه يَستَطِيعُ الدَّاعِيَةُ أن يَدْعُوَ إلى اللهِ تعالى على قَوَاعِدَ مَتِينَةٍ تُقنِعُ الآخَرِينَ.
وكذا أحْسَنَ تَوظِيفَه في مُعالَجَةِ الآياتِ القُرآنيَّةِ، وتَفْسِيرِها، واستِخْرَاجِ لَطائفِها اللُّغَويَّةِ، وحِكَمِها، ومَقَاصِدِها. ولا أدَلَّ على ذلك من التَّرِكَةِ التي خَلَّفَها للأجْيَالِ الصَّاعِدَةِ من طَبقةِ التَّابِعينَ ابتِدَاءً، وانتِهَاءً بالعَصْرِ الحَدِيثِ- في تَفسِيرِ الكِتَابِ المَجِيدِ، وتلك التي تَناقلَتْها الأُمَمُ
المُتَعاقِبَةُ بالأسَانِيدِ.
ذلك أنَّ أصُولَ الفِقْهِ يُبيِّنُ دلالاتِ الألفَاظِ، وكَيفيَّةَ دلالتِها على الحُكْمِ، إنْ بالمَنطُوقِ أو المَفْهُومِ، أو بعِبَارَةِ النَّصِّ أو إِشَارَتِه... ونحو ذلك.
هذا ما يَكْشِفُ السِّرَّ في كَونِ كَثيرٍ من المُفسِّرينَ لكِتَابِ اللهِ هم من الأُصُوليِّينَ، كأبي بكر: أحمد بن علي الجصاص (ت 370 هـ)، والقاضي محمد بن عبد الله ابن العربي المالكي الإشبيلي (ت 543 هـ)، وفخر الدين محمد بن عمر الرازي (ت 606 هـ)، وناصر الدين عبد الله بن عمر البيضاوي (ت 685 هـ)... إلخ.
وقدِ استَفادَ عَلِيٌّ رضي الله عنه من هذا العِلْمِ فيما يُعرَفُ اليومَ بـ (الإعْلامِ المَسْمُوعِ) في نَقْلِ الأخَبارِ، والتَّأكُّدِ من الرِّوَايَاتِ النَّبويَّةِ باستِحْلافِ المُبلِّغِينَ... وتَميِيزِ صَحِيحِها من سَقِيمِها، ومَنْهَجِ العَمَلِ بها عندَ تَعارُضِها، وطَرِيقَةِ التَّرْجِيحِ في ما بينَها، وضَرُورَةِ مُراعاةِ النَّاسِ وأَعْرَافِهم ومُسْتَويَاتِهم، وتَبْلِيغِهم على قَدْرِ استِيعَابِهم واستِعْدَادِهم العَقْلِيِّ. كما استَفَادَ من الأصُولِ في البَحْثِ اللُّغَوِيِّ(7) وبَيَانِ مَعَانِي الألْفَاظِ. واستَطَاعَ أن يَضَعَ قَواعِدَ اللغَةِ ويُؤسِّسَ لها
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المِيزَانَ العِلْمِيَّ الذي حَفِظَها من العُجْمَةِ والانْحِرَافِ عن الجَادَّةِ السَّويَّةِ(8) وبذلك يكونُ قد حَفِظَ لنا كِتابَ ربِّنا من الضَّياعِ، والتَّحرِيفِ...
وهكذا يكونُ قد شقَّ الطَّريقَ أمامَ كلِّ من يأتي بعده في أن يَنْحُوَ هذا النَّحوَ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المبحث الثاني الاجتهاد الأصولي عند الصحابة، وموارده
ويَشتَمِلُ على ثَلاثَةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلَبُ الأوَّلُ: اِضْطِلاعُ الصَّحابةِ بدَورِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم بعدَ وَفَاتِه.
المَطلَبُ الثَّانِي: مَنهَجُ الصَّحابةِ في استِنبَاطِ الأحْكَامِ.
المَطلَبُ الثَّالِثُ: مَوَارِدُ الاجتِهَادِ الأصُوليِّ عندَ الصَّحابَةِ.
المطلب الأول اضطلاع الصحابة بدور الرسول صلى الله عليه وسلم بعد وفاته
تَحَصَّلَ الصَّحَابةُ رضي الله عنهم على القَوَاعِدِ الأصُولِيَّةِ، والمُنطلَقاتِ الأسَاسِيَّةِ في تَفْسِيرِ النُّصُوصِ والتَّفقُّهِ فيها، من مُشاهَدتِهم نُزُولَ الوَحْيِ، ومُعايَشتِهم لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ومَعْرِفَتِهم بأَحْوَالِه،... فصَارَت طَبِيعَةً عندَهم. أَضِفْ إلى ذلك تَمكُّنَهم من اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ التي بها نَزَلَ الذِّكْرُ الحَكِيمُ، قَالَ اللهُ تعالى : ﴿ إِنَّا أَنزَلناهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(9) ﴾ .
فكانَ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 48-وهُم العَرَبُ الأقْحَاحُ- يُدْرِكُونَ مَعانِي الوَحْيَينِ بالحِسِّ اللُّغَوِيِّ والتَّحرِّي لِفَهْمِ أغْرَاضِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من أَقْوَالِه وأَفْعَالِه، لِشِدَّةِ مُرَاقَبتِهم له، واتِّبَاعِهم إيَّاه على هُدىً من رَبِّهم. فكانَ عِلْمُ الأصُولِ بالنِّسْبَةِ إليهم خَاطِرَةً، ثمَّ صَارَ صَنْعَةً، وقد خُوطِبُوا بمَوجِبِ سَجيَّتِهم.
وكانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُشاوِرُهم، بلْ أَذِنَ لهم بالاجتِهَادِ وهو بينَ أظْهُرِهم، وحثَّهم عليه معَ مُتابَعتِهم وتَوجِيهِهم. ممَّا أوجدَ عندهم استعدادًا فِطْريًّا لتَقبُّلِ الاجتهادِ ونُموِّه في أنْفُسِهم، أكسبَهم فيما بعدُ مَلَكَةً فِقهيَّةً وأخرى أصُوليَّةً، مكَّنَتْهم من حَمْلِ ميِرَاثِ النُّبوَّةِ مِشعلاً لسَائرِ البَشريَّةِ. قَالَ الحَسَنُ رحمه الله: «علَّمه اللهُ أنَّهُ مَا بِهِ إليهِم مِنْ حَاجَةٍ، ولكنْ أرَادَ أنْ يَستَنَّ بِهِ مَنْ بَعدَهُ»(10) . كأنَّهُ يَقُولُ: إنْ كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَغَنيًّا عَنْ مُشاوَرَتِهم، وإنَّمَا أرَادَ أنْ يَسِيرَ بسِيرَتِهِ الحُكَّامُ بَعدَهُ.
فكانوا ينظُرون في المَسائلِ، وما يَطرأُ عليهم، في حَضرتِه وغَيبتِه، ولم يكُنْ يُعنِّفُ، أو يَلومُ مُخطِئَهم، ليكونَ لهم ذلك دُرْبةً على ما يَستجدُّ من مَسائلَ بعد مَوتِه، «كما أمرَهم(11) يومَ الأحزابِ أن يُصلُّوا العصرَ في بني قريظةَ:
فاجْتَهدَ بَعضُهم وصَلاَّها في الطَّريقِ، وقالَ: لم يردْ منَّا التَّأخيرَ، وإنَّما أرادَ سُرعةَ النُّهوضِ، فنَظرُوا إلى المَعنَى .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
واجْتَهدَ آخَرُونَ، وأخَّرُوها إلى بَنِي قُريْظةَ، فصلُّوها لَيلاً، نَظرُوا إلى اللَّفْظِ»(12) .
فسببُ اختلافِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم في المُبَادَرَةِ بالصَّلاةِ عندَ ضيقِ وقتِها وتأخيرِها أنَّ أدلَّةَ الشَّرعِ تعارضَت عندَهم:
فالصَّلاةُ مأمورٌ بها في الوَقتِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتابًا مَّوْقُوتًا(13) ﴾ .
وفهموا من قولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم المبادرةَ بالذَّهابِ إليهم، وأن لا يُشتَغلَ عنه بشيءٍ. لا أنَّ تأخيرَ الصَّلاةِ مقصودٌ في نفسِه، من حيث إنَّه تأخيرٌ.
فأخذَ بعضُ الصَّحابةِ رضي الله عنهم بهذا المفهومِ نظرًا إلى المعنى لا إلى اللفظِ . فصلُّوا حين خافوا فَوْتَ الوقتِ. وأخذَ آخرون بظاهرِ اللفظِ وحقيقتِه ، فأخَّروها.
ولم يُعنِّفِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم واحدًا من الفريقين؛ لأنَّهم مجتهدون(14) .
دورُ الصَّحابةِ في أداءِ الأمانةِ:
بَعدَ أنْ لَحِقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالرَّفيقِ الأعلى؛ وَرثَ الصَّحابةُ رضي الله عنهم
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 50الدَّورَ الذي أهَّلهم له نبيُّهم صلى الله عليه وسلم، من الدَّعوةِ، وتَعليمِ النَّاسِ، وإرشادِ الرَّعيةِ. واضْطلعَ خلفاؤُه الرَّاشدون من بعدِه بحملِ ما ربَّاهم عليه، والقيامِ بما أعدَّهم له من الحُكمِ، والإمَامةِ.
كان لفُقهاءِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم دَوْرٌ طَلِيعيٌّ في الفَتوى والقَضاءِ... فترى الوَاحِدَ منهم يَتصدَّرُ للفتيا، ويَجتهدُ في النَّوازلِ، ويُفسِّرُ القرآنَ، ويَروي سنَّةَ النَّبيِّ العَدنانِ صلى الله عليه وسلم، في وِحْدةٍ مُتكاملةِ الأطرافِ.
خاصَّةً بعد أن استجدَّت أمورٌ، ونزلَت على المجتمعِ الإسلاميِّ أحداثٌ جِسامٌ، كَشفَ الوَاقعُ فيهم عن كَفاءتِهم في الاجتهادِ ومَقدرتِهم على الاستنباطِ، إلى جَانبِ مُراعاةِ التَّخصُّصِ في العُلومِ الشَّرعيَّةِ.
عن مسروق رحمه الله قال: «شَامَمْتُ(15) أصحابَ مُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فوجدتُ عِلْمَهم انتَهى إلى سِتَّةٍ: إلى عمرَ، وعليٍّ، وعبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، ومُعاذٍ، وأبي الدَّرْداءِ، وزَيدِ بنِ ثابتٍ.
ثمَّ شَامَمْتُ السِّتَّةَ، فوجدتُ عِلْمَهم انتَهى
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 51إلى عليٍّ وعبدِ اللهِ»(16)
وإلى هذين الصَّحابيَّينِ وعمرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنهم يعودُ الامتِدَادُ الثَّقافِيُّ لمَدرَسةِ أهلِ الرَّأيِ الفِقهيَّةِ ومَدرَسةِ الأحنَافِ الأصُوليَّةِ.
المطلب الثاني منهج الصحابة في استنباط الأحكام
تَوصِيفُ الخُطَّةِ القَضائيَّةِ(17) :
لفُقَهَاءِ الصَّحابَةِ مَنهَجٌ اقتفَوْهُ، وجَعلُوه مَرجِعًا لمن أرادَ أن يتصدَّى للقَضاءِ أو الفُتيا، تَظهرُ مَعالِمُه من خِلالِ الآليَّةِ التَّالِيَةِ:
قَالَ مَيمُونُ بنُ مِهْرانَ (ت 117 هـ) رحمه الله(18) : «كان أبو بكر رضي الله عنه إذا وردَ عليه الخَصْمُ؛ نظرَ في كتابِ اللهِ، فإنْ وجدَ فيه ما يَقضي بينهم، قضَى به. وإنْ لم يكنْ في الكتابِ، وعَلِمَ من رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في ذلك الأمرِ سُنَّةً، قضَى به.
فإنْ أعياه؛ خرجَ فسألَ المُسلِمينَ، وقالَ: أتاني كذا وكذا، فهلْ عَلِمتم أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قضَى في ذلك بقَضاءٍ؟
فربَّما اجتمعَ إليه النَّفرُ كلُّهم يَذكرُ من رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فيه قَضاءً.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فيقولُ أبو بكرٍ رضي الله عنه : الحَمدُ للهِ الذي جعلَ فينا من يَحفظُ على نَبيِّنا صلى الله عليه وسلم.
فإنْ أعياه أن يَجِدَ فيه سُنَّةً من رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، جمعَ رُؤوسَ النَّاسِ وخِيارَهم فاستشارَهم، فإذا اجتمعَ رأيُهم على أمرٍ، قضَى به»(19) .
قال ميمون رحمه الله: «إنَّ عمرَ بنَ الخطَّاب رضي الله عنه كانَ يفعلُ ذلك؛ فإنْ أعيَاه أنْ يَجِدَ في القُرآنِ والسُّنَّةِ نَظرَ:
هلْ كانَ لأبي بَكرٍ رضي الله عنه فيه قَضاءٌ؟ فإنْ وَجَدَ أبَا بكرٍ رضي الله عنه قَد قَضَى فيه بقَضَاءٍ قَضَى به.
وإلا دَعَا رُؤوسَ المُسلِمينَ وعُلماءَهم، فاستشارَهم؛ فإذا اجتمَعُوا على الأمرِ قَضَى بينَهم»(20) .
وإنَّما كانَ عمرُ رضي الله عنه يَرجعُ إلى أقضِيَةِ أبي بَكرٍ رضي الله عنه ؛ لأنَّها مَبنِيَّةٌ على مَا ذُكِرَ، فربَّما ذَكَّرَتْه بدَليلٍ كانَ عنه ذَاهِلاً. ولئلا يُخالِفَ قضاءً قَضَى به أبو بَكرٍ رضي الله عنه ، على مَا عُرِفَ مِن أنَّ الاجتِهَادَ لا يُنقَضُ بالاجتِهَادِ.
مِن خِلالِ هذا النَّصِّ العَزِيزِ، يُمكِنُنَا أنْ نُوجِزَ مَنهجَ الصَّحابَةِ في استِنبَاطِ الأحكَامِ بنُقطَتينِ، هما:
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الهَرميَّةُ في استِنبَاطِ الأحْكَامِ. عَدَمُ الفَرَضِيَّاتِ.
تميُّزُ منهجِ الصَّحابةِ:
إنَّ ما اعتمدَه الخُلفاءُ الرَّاشدون رضي الله عنهم -وعليٌّ رضي الله عنه رابعُهم-، ودَرَجُوا عليه من استشَارةِ الصَّحابةِ الفُقهاءِ رضي الله عنهم ، يَمتازُ بخَلَّتينِ اثنتينِ:
أمَّا أوَّلاً، فإنَّه تَرجمةٌ عَمليَّةٌ لمَنطوقِ كتابِ اللهِ تعالى ومَفهومِه، امتثَلُوا فيها أمرَ الشَّارعِ الحَكيمِ في قَولِه تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ(21) ﴾ ، وقَولِه تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ(22) ﴾ . وأمَّا ثانيًا، فإنَّه يَتَّفقُ معَ ما أرشدَ إليه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وشَقَّ لنا طَرِيقَه، في المَسلكيَّةِ العِلْميَّةِ للاجتهادِ في القَضَايَا المُتَجدِّدةِ التي لم يَرِدْ فيها نَصٌّ، والبَحثِ لها عن الأحكامِ التَّكليفيَّةِ، في سُؤالِ عَلِيٍّ رضي الله عنه إيَّاه، حينَ قالَ:
يا رَسُولَ اللهِ، الأمْرُ يَنزِلُ بِنَا لم يَنزِلْ فيه القُرْآنُ، ولم تَمْضِ فيه مِنكَ سُنَّةٌ؟ قالَ: «اِجمعُوا له العَالِمينَ -أو قال: العَابِدينَ- من المُؤمنِينَ، فاجعلُوه شُورَى بينَكم، ولا تَقضُوا فيه برَأيِ واحدٍ»(23) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الثالث موارد الاجتهاد الأصولي عند الصحابة
مَصَادِرُ الاجتِهَادِ في عَهدِ الصَّحابةِ:
اتَّضحَ لنا من خِلالِ الدِّراسَةِ، أنَّ اعتمادَ الصَّحابةِ رضي الله عنهم في استِصْدارِ الأحكامِ، كان مُتوجِّهًا إلى العَملِ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ، إلا أنَّ ثمَّةَ عَوامِلَ طرأَت حدَت بالصَّحابةِ رضي الله عنهم إلى تَوسيعِ نِطَاقِ مَواردِهم؛ لضَرُورَةِ مُواكَبةِ الحَياةِ المَدنيَّةِ للنَّاسِ، وهم يعيشون التَّقدُّمَ والانفتاحَ... إلخ.
فمَا هذه العَوامِلُ؟ وهل للعَملِ بمَوجِبِها أصلٌ في الشَّرعِ؟ وإلى كم بلغَت هذه المصادرُ؟ وما الأقسَامُ العِلميَّةُ التي تَندَرِجُ ضِمْنَها؟
عَوامِلُ دَفَعَت بالصَّحَابةِ إلى تَوسِيعِ دَائرَةِ الاجتِهَادِ:
لم يَغْفُلِ الصَّحابةُ رضي الله عنهم جَانِبَ الإفَادَةِ من مَعارفِهم الدِّينيَّةِ، في مُواكَبةِ التَّطوُّراتِ المُتزَامِنَةِ مع تَواجُدِهم في أصْقَاعِ المَعمُورَةِ، يومَ أنِ اتَّسعَت دَائِرَةُ الفَتْحِ الإسلاميِّ، ودَخَلَ الآلافُ من أهَالِي تلك البِلادِ في دِينِ اللهِ أفواجًا.
ممَّا حتَّمَ على الصَّحابةِ رضي الله عنهم الانتشارَ أكثرَ لتَبصيرِ المُسلِمينَ الجُددِ بأحكامِ شَرعِهم الحَنيفِ، في الوَقتِ الذي رَأوا أنفسَهم يَعيشون
PDF 55عاداتٍ غيرَ تلك التي ألِفوها، ويُجابِهون مُشكلاتٍ لا عَهْدَ لهم بها، معَ انفتاحِ الإسلامِ على أصحابِ الحَضَارَاتِ القَدِيمَةِ، واعتِنَاقِ أهلِها لدِينِ اللهِ تعالى. وكانَ في هؤلاءِ مَن لا يَزالُ يَحمِلُ في ذِهْنِه رَواسِبَ دِيَانَتِه القَدِيمَةِ، ويُقارِنُ بينَها وبينَ الإسلامِ، ممَّا كان سَببًا في إثارةِ بَعضِ الجَدَلِ في المُجتَمعِ الذي يَحْيَا فيه!
هذه العَوامِلُ وغَيرُها حَدَت بالصَّحابةِ رضي الله عنهم إلى تَوسِيعِ نِطَاقِ الاجتهادِ، واعتِمَادِ أسَالِيبَ جَدِيدَةٍ، لئلا يَجلِسُوا مَكتُوفي الأيدي أمامَ هذه المُتغيِّراتِ وتلك المُستَجدَّات.
ولهم في هذا أصلٌ أصِيلٌ:
وَقفَةٌ مَعَ حَدِيثِ مُعاذٍ يُحَاوِرُه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
عندَما أرَادَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يُرسِلَ مُعاذًا رضي الله عنه إلى بِلادِ اليَمنِ، ارتَأى أنْ يَستوثِقَ مِن الخُطَّةِ القَضائيَّةِ لَدَيْه، فدَارَ بينَهما هذا الحِوَارُ:
«كيف تَقضِي إذا عَرَضَ لك قَضَاءُ؟» . قالَ: أقضِي بكِتَابِ اللهِ.
قالَ: «فإنْ لمْ تَجِدْ في كتابِ اللهِ؟» . قالَ: فبسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
قالَ: «فإنْ لمْ تَجِدْ في سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله
PDF 56عليه وسلم ولا في كتابِ اللهِ؟» قالَ: أجتهدُ رَأيي، ولا آلُو(24)
فضَرَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَدْرَه ، وقالَ: «الحَمْدُ للهِ الذي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم(25) » .
في الحَديثِ تَأسِيسٌ لقَاعدةِ تَرتيبِ مَصادرِ التَّشريعِ عندَ البَحثِ عن الحُكْمِ الشَّرعيِّ «وإثباتُ القِيَاسِ وإيجابُ الحُكْمِ به»(26) . كما يُشكِّلُ طَرِيقةً من أروعِ ما تكونُ في سِياسَةِ التَّربيةِ والتَّعليمِ؛ باعتمادِ التَّدرُّجِ في التَّوجيهِ والإرشَادِ، واستِنْطَاقِ المَواهبِ الكَامِنَةِ في طَالِبِ العِلْمِ.
ولِسَائلٍ أن يَسألَ: مِنْ أينَ عَرَفَ مُعَاذٌ رضي الله عنه هذه القَاعِدةَ؟
الجَوَابُ: مِن خِلالِ تَدبُّرِه لكِتَابِ اللهِ تعالى، ومُعَايَشَتِه للوَحيِ يتنزَّلُ على رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ومُصاحَبتِه للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومُلاحظتِه لسُلوكِه ومَنهَجِه في تَعليمِ الأحْكَامِ للمُسلِمينَ.
ارتِبَاطُ المَنهجِ الأصُوليِّ عندَ الصَّحابَةِ بمصَادرِ التَّلقِّي:
إذاً، فالمنهجُ الأصُوليُّ عندَ الصَّحابةِ رضي الله عنهم في مَواردِ الاجتهادِ ومَصادرِ التَّشريعِ يتلخَّصُ في البَحثِ عن الحُكمِ من كتابِ اللهِ تعالى، فإنْ لم يكنْ فمن سنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فإنْ وَجدُوا بُغيتَهم؛ اقتصَرُوا على ذلك، وإلا لجَؤوا إلى الرَّأيِ والمَشُورَةِ.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
بِناءً على ذلك، كانَت مَصَادِرُ الأحْكَامِ في هذا العَصْرِ على الوَجْهِ التَّالِي:
القسمُ الأوَّلُ: النَّقلُ، بفروعِه الأربَعةِ:
الكتابُ، وهو العُمدَةُ، السُّنَّةُ، الإجماعُ، والسَّوَابِقُ القَضَائيَّةُ.
القسمُ الثَّاني: العَقلُ وإعمالُ الرَّأيِ، بفروعِه الثَّلاثَةِ:
القِياسُ، المَصلحةُ المُرسَلةُ، وسَدُّ الذَّرائعِ.
وعليه، فلا يمكنُ لمن أرادَ أن يُزاوِلَ مِهنةَ القَضاءِ، في أنْ يَفصِلَ بين النَّاسِ، ويَحكُمَ في شَيءٍ مِن القَضايَا، إنْ لم يكنْ عَالِمًا بهذه المَصادرِ. وإنَّما يُمكِنُه القَضَاءُ بالحقِّ إذا كان عَالِمًا بالكتابِ والسُّنَّةِ واجتهادِ الرَّأيِ، لأنَّ الحَوادِثَ مَمدُودةٌ والنُّصُوصَ مَعدُودةٌ. فلا يَجِدُ القَاضي في كُلِّ حَادِثَةٍ نَصًّا يَفصِلُ به الخُصُومَةَ، فيَحتاجُ إلى استنباطِ المَعنَى من المَنصُوصِ عليه، وإِنَّما يُمكِنُه ذلك إذا كان عَالِمًا بالاجتهادِ(27) .
***
المبحث الثالث أثر الاجتهاد الأصولي في السابقة القضائية
ويَشتَمِلُ على مَطلبَينِ اثنَينِ، هما:
المَطلَبُ الأوَّلُ: فَوَائِدُ المَلَكةِ الأصُوليَّةِ عندَ الصَّحابَةِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: أهمِّيَّةُ دِرَاسَةِ الخُطَّةِ التَّشرِيعيَّةِ للصَّحابَةِ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الأول فوائد الملكة الأصولية عند الصحابة
امتَازَ الصَّحابَةُ رضي الله عنهم بمَلَكَةٍ أصُوليَّةٍ عَظيمةِ المنالِ، مكَّنتهم من الإحَاطَةِ بمَبادئِ العُلومِ، والاجتهادِ حَسْبَ القَواعدِ الأصُوليَّةِ، وإبرَازِ الوُجوهِ الفِقهيَّةِ على ما أسَّسوهُ وحرَّروهُ، من تَخريجِ الفُروعِ على الأصُولِ، وإلحَاقِ الشَّبيهِ بالشَّبيهِ...
فكانَ من ثِمَارِ هذه الكَفاءةِ العِلْميَّةِ المُنطَوِيَةِ على الملَكَةِ الأصُوليَّةِ ذاتِ النُّضوجِ العَقليِّ والمُستوَى الفِكْريِّ المُتقدِّمِ:
الحَذْقُ في الفِقْهِ والتَّفنُّنُ فيه والاستِيلاءُ عليه، والمَقدِرةُ على استِخْرَاجِ الأحكامِ الخَفيَّةِ من الأدلَّةِ البَعيدةِ؛ بإيجَادِ الحُلولِ الشَّرعيَّةِ المُناسِبَةِ للمُشكلاتِ الطَّارئَةِ، ووَضعِ الأجوبةِ السَّليمَةِ للتَّساؤلاتِ المُلِحَّةِ
المُستَجِدَّةِ إبَّانَ انفتاحِ الحَضاراتِ على بَعضِها، واتِّساعِ رُقْعةِ الخِلافَةِ الجُغرافيَّةِ، وامتدادِ البُقعَةِ الإسلاميَّةِ، عبرَ الزَّمانِ والمَكانِ، نتيجةً طَبيعيَّةً للفُتوحاتِ الإسلاميَّةِ. شِدَّةُ الحَذَرِ في الفَتوى شدَّدَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم من الفَتوى أيما تَشديدٍ، فقالَ: «مَن أفتى بفتيا مِن غَيرِ ثَبَتٍ(28) فإنَّما إثمُه على مَن أفتاه»(29) وأدركَ الصَّحابةُ رضي الله عنهم خطورةَ الفَتوى والتَّسوُّرَ عليها بلا علمٍ، والاستعجالَ بالأحكامِ بلا رَويَّةٍ، لذا نجدُهم يُحذِّرون من الفتيا، ويتَّقون التَّعرُّضَ لها.
عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي ليلَى (ت 82 هـ) رحمه الله(30) قالَ: «لقد أدركتُ في هذا المَسجدِ، عشرينَ ومئةً من الأنصارِ رضي الله عنهم وما منهم من أَحَدٍ يُحدِّثُ بحَديثٍ، إلا ودَّ أنَّ أخاه كفاهُ الحَدِيثَ. ولا يُسألُ عن فُتيا، إلا ودَّ أنَّ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 60أخاهُ كَفاهُ الفُتيا»(31)
إذًا، كانَ الصَّحابةُ رضي الله عنهم يتهيَّبون جدًّا من مَنصبِ القَضاءِ، كما يتهيَّبون من مَنصبِ الإفتاءِ، ويَضعُون مَنهجًا قَوِيمًا لمن يُزاوِلُها، عن عليٍّ رضي الله عنه قالَ: «إذا سُئلتُم عمَّا لا تَعْلَمُون فاهرُبُوا». قيل: وكيف الهربُ؟ يا أميرَ المؤمنين! قال: «تقولون: اللهُ أعلمُ»(32) .
الانضِبَاطُ في الاجتِهَادِ ، وعَدَمُ التَّوسُّعِ في الاعتِمَادِ على الرَّأيِ لئلا يَجتَرِئَ أحدٌ على القَولِ في دِينِ اللهِ بغَيرِ عِلْمٍ! الوَاقعيَّةُ في الاجتهادِ ، فلا يُبدونَ رأيًا في شَيءٍ حتَّى يَحدُثَ.
المطلب الثاني أهمية دراسة الخطة التشريعية
تَكمنُ أهمِّيَّةُ دِرَاسَةِ هذه الخُطَّةِ من خِلالِ استِخَلاصِ المُلاحَظاتِ التَّاليةِ:
إنَّها تُعطِينا تَصوُّرًا عَامًّا عن المَناهجِ العِلْميَّةِ التي احتوَاها الفِكْرُ الأصُولِيُّ الذي كانَ يَضبِطُ العَمليَّةَ الاجتِهاديَّةَ عند مُجتَهدِي الصَّحابةِ رضي الله عنهم هذا الفِكْرُ الذي اقتَبسُوه من مِشْكَاةِ الوَحيِ بقِسمَيهِ: المَتلوِّ، والمَروِيِّ. وما وهبَهم اللهُ إيَّاه من سَعةِ الأُفُقِ، وبُعدِ النَّظرِ في تَأمُّلِ مَقاصدِ الشَّرِيعَةِ، والوُقوفِ على أبعادِها العِلْميَّةِ والتَّربويَّةِ والاجتماعيَّةِ في آنٍ،... فكانَ أن أثمرَ الفِقْهَ القَضائيَّ عند
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الخُلفاءِ الرَّاشدين. كما تُوَضِّحُ لنا النَّتائجَ العَمليَّةَ المُثمِرةَ، التي تُزوِّدُنا بها النَّظرةُ الشُّموليَّةُ للواقعِ الاجتهاديِّ في عصرِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم إذ تُعطِينا صُورةً حَيويَّةً عن الإسلامِ السَّماويِّ، وأنَّه يَنبعُ من مِشكَاةٍ وَاحدةٍ، وأنَّ هذا المُجتمعَ كان يتمتَّعُ بقُدراتٍ خلاَّقةٍ في مَيادينِ العَقْلِ كافَّةً -إنْ على المُستوَى التَّنظِيريِّ أو التَّطبِيقيِّ- دُونَ أن تَشُذَّ لهم فَتوى، أو تُخطِئَ قَضيَّةٌ مَسارَها الصَّحيحَ. وهي تُبيِّنُ للنَّاسِ كافَّةً فَضْلَ الصُّحبةِ وشَرَفَ الانتسابِ إليها، التي من خِلالِها اهتدَى هؤلاءِ الفُقهاءُ إلى وَضعِ هذا المَنهجِ، لما كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يعملُ على تَدريبِهم، ويشحذُ أذهانَهم، ويعدُّهم لِيتمكَّنوا من استنباطِ الأحكامِ.
لذلك كان لِزامًا على من جاءَ بعدَهم اتِّباعُ طَريقتِهم، والنَّهجُ على أساسِها(33) ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا(34) ﴾ .
وإذْ تَمَّ الحَدِيثُ عن التَّمهيدِ بمَباحثِه، فلنَلجِ الآنَ أبْوَابَ الرِّسَالَةِ بمَعُونَةٍ مِن اللهِ وتَسدِيدٍ، مَعَ البَابِ الأوَّلِ: عليُّ بنُ أبِي طَالبٍ فَاتِقُ عِلْمِ القَضَاءِ.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الباب الأول علي بن أبي طالب فاتق علم القضاء
لمَّا كانَ البَابُ الأوَّلُ مِن الرِّسَالَةِ يتَحدَّثُ عن عليٍّ القَاضِي، كانَ مِن مُقتَضَياتِ ذلك أنْ أجْعَلَ البَحْثَ ضِمْنَ فَصْلَينِ اثْنَينِ:
الفَصْلُ الأوَّلُ: عليُّ بنُ أبي طالبٍ ومَلامِحُ شَخصيَّتِه العِلْميَّةِ.
الفَصْلُ الثَّانِي: عليٌّ قَاضِيًا .
الفصل الأول علي بن أبي طالب وملامح شخصيته العلمية
في هذا الفَصْلِ سَأبحَثُ حَياةَ عليٍّ رضي الله عنه الشَّخصِيَّةَ كعَلَمٍ رَائدٍ في مَجَالِ الحَضَارَةِ الإسْلامِيَّةِ، ومَا له مِن عَظِيمِ الفَضْلِ في الإسْلامِ، مُسلِّطًا الضَّوْءَ على مَنزِلَتِه العِلْميَّةِ في مَجَالَيِ الفِقْهِ عُمومًا والقَضَاءِ خُصُوصًا. لأنتَقِلَ بعدَ ذلك إلى الحَدِيثِ عمَّا يتَعلَّقُ بمُقوِّمَاتِ شَخصِيَّتِه الفَذَّةِ مِن المَوَاهبِ الفِطْريَّةِ والمَهارَاتِ المُكْتَسَبَةِ. وأخْتِمَ هذا الفَصْلَ في دِرَاسَةِ الأسْبَابِ التي دَعَت إلى قِلَّةِ الأقْضِيَةِ المُتَوَارَثةِ عنه.
لذا، اقتَضَت طَبِيعَةُ هذا الفَصْلِ، أنْ يَكُونَ في مَبحثَينِ اثنَينِ، على النَّحوِ الآتِي:
المَبحَثُ الأوَّلُ: مَنزِلَةُ عليٍّ في الإسْلامِ، والعَوَامِلُ التي أصقلَت مَواهِبَه.
المَبحَثُ الثَّانِي: مَآثِرُه العِلميَّةُ، وأسبابُ قِلَّةِ القَضَاءِ عنه.
المبحث الأول منزلة علي في الإسلام
ويَشتَمِلُ على ثَلاثَةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلَبُ الأوَّلُ: عليٌّ مِيزَانُ عَقَائِدِ النَّاسِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: مَكَانَةُ عليٍّ العِلميَّةُ، ودَرَجَتُهُ القَضَائِيَّةُ.
المَطلَبُ الثَّالِثُ: العَوامِلُ التي أَصْقَلتْ مَواهِبَهُ.
المطلب الأول علي ميزان عقائد الناس
عن عليٍّ رضي الله عنه قَالَ: دَعانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فقَالَ: «يا عليُّ، إنَّ فِيكَ من عِيسَى مَثَلاً: أبغَضتْه يهودُ حتَّى بهتوا أُمَّه. وأحبَّتْه النَّصارَى حتَّى أنزلته بالمنزلَةِ التي ليسَت له».
ثمَّ قَالَ عليٌّ رضي الله عنه : «ألا وإنَّه يهلكُ فِيَّ رَجُلانِ:
مُحِبٌّ مُفرِطٌ، يُقرِّظُنِي بما ليسَ فِيَّ. ومُبغِضٌ مُقتِرٌ (مُفْتَرٍ)، يَحمِلُه شَنآنِي على أن يَبْهَتني»(35) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقَالَ: «لَيُحِبُّني قومٌ حتى يدخلوا النَّارَ فِيَّ. ولَيبغضني قومٌ حتَّى يدخلوا النَّارَ في بُغضي»(36) . وقد تبرَّأ مِن طَرِيقَةِ الفَرِيقَينِ، ودَعَا عليهم، فقَالَ: «اللَّهمَّ، العَنْ كلَّ مُبْغِضٍ لنا قَالٍ، وكلَّ مُحِبٍّ لنا غَالٍ»(37) .
فلو ضُرِبَ خَيشُومُ المُؤمنِ بسَيفٍ بتَّارٍ على أن يُبغِضَ عليًّا رضي الله عنه ما أبغضَه، ولو صُبَّتِ الدُّنيا بجماعِها على المُنافقِ على أن يُحِبَّه ما أحبَّه، هذا ما قضَى به رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في حَديثِه السَّابقِ: «لا يُحِبُّكَ إلا مُؤمِنٌ، ولا يُبغِضُكَ إلا مُنافِقٌ» .
حتى كانَ الصَّحابةُ يَعرِفُون المُنافِقينَ في زَمانِهم ببُغْضِ هؤلاءِ عليًّا رضي الله عنه(38) .
مِن هذا المُنطَلقِ اِتَّخذَ أهلُ العلمِ عليًّا رضي الله عنه مِيزَانًا يَزِنُون عليه عَقائِدَ النَّاسِ، ويَقِيسون به مَدَى قُربِهم من الحَقِّ وبُعدِهم عنه(39) .
يقولُ ابنُ حزمٍ رحمه الله: «فلَوِ انحَرَفْنا عنه -ونَعُوذُ باللهِ من ذلك- لَذَهبْنا فيه مَذهبَ الخَوارِجِ. وقد نزَّهَنا اللهُ عن هذا الضَّلالِ في التَّعصُّبِ. ولو غَلوْنَا فيه، لَذَهبْنا فيه مَذهبَ الغالين فيه. وقد أَعاذَنا
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 69اللهُ تعالى من هذا الإفْكِ في التَّعصُّبِ. فصَارَ غَيرُنا من المُنحَرِفينَ عنه، أو الغَالِينَ فيه هم المُتَّهَمونَ فيه: إمَّا له، وإمَّا عليه»(40)
وعليٌّ وأهلُ البَيتِ جَمِيعًا، مَعَ إخوَانِهم من الصَّحابةِ رضي الله عنهم ، يُشكِّلون بوتقةً مُتناغِمةً من الحُبِّ العَميقِ، الذي أرسَى جُذورَه في قُلوبِهم رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ونَادَى بالمُحافَظةِ عليه صِدِّيقُ الأُمَّةِ أبو بكرٍ رضي الله عنه ، في قَولِه الشَّهيرِ عنه: «ارقُبُوا محمَّدًا في أهلِ بَيتِه»(41) ، يُخاطِبُ النَّاسَ بذلك، ويَعظُهم به. والمُراقَبةُ للشَّيءِ: المُحَافظةُ عليه، يقولُ: اِحفَظوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في أَهلِ بَيتِه(42) ، فلا تُؤذُوهم، ولا تُسِيئُوا إليهم.
وهو القَائِلُ: «والذي نَفسِي بيَدِه، لَقرابَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَحبُّ إِليَّ أن أَصِلَ مِن قَرابَتِي»(43) .
وممَّا يُؤسَفُ له أنَّ هذه العَلاقةَ الحَمِيمةَ، وتلك الرَّابِطةَ الإيمانيَّةَ الوَطِيدةَ التي كانَت بين الصَّحابةِ والقَرابةِ، لا يَزالُ يَكتنِفُها كَثِيرٌ من الغُموضِ لَدَى شَرِيحَةٍ كَبِيرَةٍ من المُسلِمينَ! رَاحَ ضَحيَّةَ الجَهلِ بها عَددٌ سَحِيقٌ مِن أَبناءِ أمَّتنِا، إذْ نَصَبُوا العَدَاءَ لأَهلِ البَيتِ، وغَمطُوا الصَّحابةَ حقَّهم وفَضْلَهم! فخَرجُوا عن جَادَّةِ الحَقِّ والصَّوابِ بانسِلاخِهم عن أوَّلِ هذه الأمَّةِ.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
لذا كان من المُقرَّرِ أنَّ:
مَن تَكلَّمَ في الصَّحابةِ الكِرَامِ رضي الله عنهم ، فهو: غالٍ مذمومٌ. ومَن تَكلَّمَ في أهلِ البيتِ رضي الله عنهم ، فهو: نَاصِبيٌّ(44) . ومَن تَكلَّمَ في الصَّحابةِ وأَهلِ البَيتِ رضي الله عنهم ، فهو: خَارِجيٌّ. ومَنِ اعتَصمَ بالصَّحابةِ وأَهلِ البَيتِ رضي الله عنهم جَمِيعًا على السَّواءِ، فهو: سُنِّيٌّ.
المطلب الثاني مكانة علي العلمية، وتأثيره في الفقه الإسلامي
أوَّلاً- مَكَانَةُ عليٍّ العِلميَّةِ:
بعدَ أن حظيَ عليٌّ رضي الله عنه باهتمامِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وخَصَّه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم برعَايةٍ كَرِيمَةٍ منه، ففَاضَت رُوحُه بينَابِيعِ الحِكْمَةِ الإلَهيَّةِ، وجَاشَت نَفسُه بأَسرارِ النُّبوَّةِ المُحمَّديَّةِ... اِستطاعَ أن يُسجِّلَ وَقائعَ عَظِيمةً لاقَت قَبُولاً حَسَنًا مِن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وشَهِدَت إعجَابًا شَدِيدًا من قِبَلِ الصَّحابةِ الكِرَامِ رضي الله عنهم .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
توَالَت عليه أوْسِمَةُ العِلْمِ، والفِقْهِ، والاجتِهادِ، يُعلِّقُها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بيَدَيه الكَرِيمتَينِ على صَدْرِ عليٍّ رضي الله عنه ، حتى أذعنَ له بذلك كلُّ مَن عَايشَه من الصَّحابةِ والتَّابعين، أو دَرَسَ اجتهَاداتِه من الفُقهاءِ والمُجتَهدِين، أو وَقَفَ على سِيرَتِه العِلْميَّةِ، وحَياتِه الفِكْريَّةِ من الكُتَّابِ والمُؤرِّخين. فغدَت أقضيتُه وفَتاوِيه -منذ فَجرِها الأوَّلِ- مَرجِعًا لعُمومِ المُسلِمينَ، في عَهْدِ كلٍّ من الصِّدِّيقِ، والفَارُوقِ، وذي النُّورين رضي الله عنهم . حتى نَدرَت مَسألةٌ من مَسائلِ الشَّريعةِ لم يكن له رَأيٌ فيها فيُؤخَذُ به، أو تَنهضُ له الحُجَّةُ من بين أفضلِ الآراءِ.
حَظِيَ عليٌّ رضي الله عنه بثِقَةِ كِبَارِ الصَّحابةِ والتَّابعين، ممَّا جعلَهم يَلتزِمونَ بقَضائِه، ولا يُخالِفُونَه أو يَعدِلونَ عنه إلى سِوَاه، ويَحفظُون أقضيتَه، ويَتذاكرُونَ فَتاوِيه، عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه قالَ: «كُنَّا إذا أتَانَا الثَّبْتُ عن عليٍّ رضي الله عنه لم نَعدِلْ به»(45) وقالَ: «إذا حَدَّثَنا ثِقَةٌ عن عليٍّ رضي الله عنه بفُتْيَا لا
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وعن ابنِ شُبْرُمةَ (ت 144 هـ) رحمه الله(47) قالَ: «إذا ثَبَتَ لنا الحَدِيثُ عن عليٍّ رضي الله عنه أخَذْنَاه وتَرَكْنَا ما سِوَاهُ»(48) .
وَرَدَ عن الشَّافعيِّ رحمه الله أنَّ رَجُلاً ذَكَرَ له يَومًا مَسألةً، فأجابَ فيها. فقالَ له: خَالَفْتَ عليَّ بنَ أبي طَالبٍ رضي الله عنه ! فقالَ له: «ثَبِّتْ لي هذا عن عليِّ بنِ أبي طَالبٍ حتى أضعَ خَدِّي على التُّرابِ، وأقولُ: قد أخطَأْتُ، وأرْجِعُ عن قَولِي إلى قَولِه»(49) .
ولا ضَيْرَ في مُخالفَةِ بَعضِ كِبارِ عُلماءِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم وأجلَّةِ التَّابعِينَ؛ كشُرَيحٍ القَاضي (ت 78 هـ) رحمه الله، فلا زَالَ العُلماءُ يُؤخَذُ منهم ويُرَدُّ عليهم.
كانَ جَامِعةً حَضاريَّةً مُتنقِّلةً، أرسَى قَواعِدَها بحِكْمَةٍ ثَاقبةٍ، ورَفَعَ بُنيانَها بنَظْرَةٍ عِلميَّةٍ فَاحصةٍ، حتى آتَتْ أُكُلَها، مُتجلِّيةً على رُبوعِ الفِقْهِ الإسلاميِّ عَبْرَ تَاريخِه الزَّاهرِ، وبمَدارسِه الشَّتَّى.
لا غَرْوَ في ذلك، فقد تَحصَّل عليٌّ رضي الله عنه على مَزَايَا فِكْريَّةٍ لا تَقِلُّ عن صِفَاتِه النَّفسيَّةِ، ومَحاسنِه الخُلُقيَّةِ. فاتَّفقت الآراءُ على بَلاغتِه، وعِلْمِه، وفِطْنَتِه، وفَرَاسَتِه. عن الرَّبِيعِ بنِ خُثَيْم (ت 63 هـ) رحمه الله(50) أنَّهم ذَكرُوا عندَه عليًّا رضي الله عنه فقالَ: «مَا رَأيتُ أحدًا مُبغضِيه أشدَّ له بُغضًا، ولا مُحبِّيه أشدَّ له حُبًّا، ولم أرَهم يَجِدُونَ عليه في حُكمِه، واللهُ تعالى
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 73يقولُ: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا(51)(52) ﴾
وجَاءَ في صِفَتِه رضي الله عنه : «أنَّه كانَ مَزْكُوتًا»، أي: مَمْلوءًا عِلْمًا، من قَولِهم: زَكَتُّ الإنَاءَ، إذا مَلأتُه. وزَكتُّه الحَدِيثَ زَكْتًا، إذا أوعَاه إيَّاه(53) .
كان فَقِيهَ نَفْسٍ، شَدِيدَ الفَهْمِ بالطَّبْعِ لمَقاصِدِ الكَلامِ، يَقرَأُ ما بين السُّطورِ، ويَتأمَّلُ تَعابيرَ الوَجهِ، ويُلاحِظُ تَقاطِيعَ الكَلامِ، ويُجِيبُ على السَّلِيقَةِ كالرَّعدِ القَاصفِ. أتَاه رَجُلٌ يَمدحُه وقد كانَ يَقَعُ فيه! فقالَ له: «مَا أنَا كمَا تَقُولُ، وإنِّي لَخيرٌ ممَّا في نَفسِك»(54) .
كانَ -في زَمانِه- أعلمَ أهلِ الدُّنيا، سُئِلَ عطاء (ت 114 هـ) رحمه الله(55) : أكانَ في أصحابِ مُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أحدٌ أعلمَ من عليٍّ رضي الله عنه ؟ قالَ: «لا، واللهِ لا أعْلَمُه»(56) .
وقالَ ابنُ المُسيّبِ رحمه الله: «مَا كانَ أحدٌ يقولُ: سَلُونِي، غيرَ عليٍّ رضي الله عنه(57) » .
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
«وإنَّما ظهرَ علمُ عليٍّ رضي الله عنه في الكُوفَةِ بحسبِ مُقامِه فيها -عندَهم- مُدَّةَ خِلافَتِه»(58) .
ثَانِيًا- تَأثِيرُهُ في الفِقْهِ:
بلغَ عليٌّ رضي الله عنه في الإسلامِ -بعَامَّةٍ- مَنزِلةً عَالِيةً رَفِيعةً، وتَبوَّأ في الفِقْهِ وعُلومِه - بخَاصَّةٍ- مَكانةً سَاميةً مَرمُوقةً. خلَّفَ لنا ثَروةً عِلميَّةً هَائلةً، وتَرَكَ لنا مَسائلَ عِلميَّةً وَافِرةً، تَتلمذَ على مَائدتِها كِبارُ الأئمَّةِ، وتخرَّجَ بها مُجتَهِدُو المِلَّةِ، وفرَّعَ عليها فُقهاءُ الرَّأيِ والسُّنَّةِ.
عدَّه ابنُ حزْمٍ رحمه الله(59) - وتَبِعَه ابنُ القَيِّمِ رحمه الله(60) - من الطَّبقةِ الأولى من فُقهَاءِ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم ، وهي طَبقَةُ المُكثرِينَ في الفَتوَى، التي يُمكِنُ أن يُجمعَ من فَتوَى كُلِّ وَاحدٍ منهم سِفْرٌ ضَخمٌ. وتأتي مَرتبتُه فيما وَرَدَ عنه من المَسائلِ التي أفتَى بها بعدَ مَرتبةِ عمرَ رضي الله عنه ، بينما يُعَدُّ من أهلِ المَرتَبةِ الأُولَى فِقْهًا وعِلْمًا.
عن عَبدِ اللهِ بنِ عيَّاشٍ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 75رضي الله عنه (ت 64 هـ)(61) وقد سُئِلَ عن عليٍّ رضي الله عنه فقالَ: «إنَّ عليًّا رضي الله عنه كانَ له ما شِئْتَ من ضِرْسٍ قَاطعٍ(62) في العِلْمِ، وكانَ له السَّطةُ(63) في العَشِيرَةِ، والقِدَمُ في الإسلامِ، والصِّهْرُ برَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، والفِقهُ بالسُّنَّةِ، والنَّجدةُ في الحَربِ، والجُودُ في المَاعونِ»(64)
عُرِفَ بدَورِه البَارزِ في إنعَاشِ الحَياةِ العلميَّةِ، والوُقوفِ على المَقاصدِ التَّشريعيَّةِ لمَعرفةِ الأسرارِ الإلهيَّةِ في الأحكامِ التَّكليفيَّةِ، وحُسْنِ تَعليمِها للنَّاسِ وإبلاغِها للرَّعيَّةِ.
وله مُساهَمةٌ مَشكُورةٌ في الفِقْهِ بصِفَةٍ عامَّةٍ، وإنجَازاتٌ عَظِيمةٌ في الفقهِ القَضائيِّ بصفةٍ خاصَّةٍ. كَانَ يَستَفتِيه النَّاسُ في الوَقائِعِ فيُفتِيهم، وتُرفَعُ إليه القَضَايَا فيَقضِي فيها على سَننٍ قَويمةٍ، ومِنهَاجٍ أصُوليٍّ مُستقيمٍ.
حتى طَارَت شُهرَتُه في الآفاقِ، وقَصدَه القَاصِي والدَّاني، من
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 76مَشارقِ الأرضِ ومَغاربِها، لمَكانتِه العلميَّةِ التي أصبحَت غيرَ خَافيةٍ على أحدٍ. قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ رحمه الله: «لولا عليٌّ لَمَا عُرِفَ شَيءٌ من أحكامِ أهلِ البَغيِ»(65) إذ لم يكنِ المُسلِمونَ قبلَ حَربِ الجَمَلِ(66) يَعرِفُونَ كَيفيَّةَ قِتَالِ أهلِ القِبْلَةِ! وإنَّما تَعلَّمُوا فِقْهَ ذلك منه(67)
شَكَّلَ إلى جانبِ عمرَ وابن مسعودٍ رضي الله عنهما النَّواةَ الأولى، وحَجَرَ الزَّاويةِ في نُشوءِ المَدارسِ الاجتهاديَّةِ على تَنوُّعِ تَخصُّصاتِها. ذلك أنَّ الجُذورَ التَّارِيخيَّةَ لمَدرسةِ أهل الرَّأيِ الفِقهيَّةِ، ومَدرسةِ الفُقهاءِ الأصُوليَّةِ، يَعودُ امتِدادُها الثَّقافيُّ والعِلميُّ إلى كلٍّ من الصَّحابةِ المُتقدِّمِ ذِكرُهم، وتَلاميذِهم من بَعدِهم.
وإنْ شِئتَ تلمَّسَت ذلك من فُقهاءِ هذه المَدرسةِ السِّتَّةِ الذين تَخرَّجُوا بجَامعةِ الإمامِ، وأضحوا كَوادرَ تلك المَدرسةِ، وهم:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
عَلقمةُ بنُ قَيسٍ النَّخعيُّ (ت 62 هـ) رحمه الله(68) . مَسرُوقُ بنُ الأجْدَعِ الهَمدانيُّ (ت 63 هـ) رحمه الله. الحَارِثُ بنُ عبدِ اللهِ الأعورُ (ت 65 هـ) رحمه الله(69) . عَبِيدَةُ بنُ عَمرٍو السَّلْمانيُّ (ت 72 هـ) رحمه الله(70) . الأسْوَدُ بنُ يَزيدَ النَّخعيُّ (ت 75 هـ) رحمه الله(71) . شُريحُ بنُ الحَارثِ القَاضِي (ت 78 هـ) رحمه الله.
فليسَ من الغَريبِ إذًا أن تَتأثَّرَ مَدرَسةُ الكُوفةِ بهذا الإمَامِ العَظيمِ،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 78حيث كانت اجتِهاداتُه مَصدرَ تَشريعٍ عندَهم(72) فإنَّنا نَجِدُ مَدرسةَ الإمامِ أبي حَنِيفةَ النُّعمانِ رحمه الله قد أخذَت باجتهَاداتِه، واستَضَاءَت بآرَائِه، فوَافقتْه في كَثيرٍ من القَضايَا، وإليه كانَ مُنتهَى الدِّرايةِ باتِّصالِ سَندِ الفِقْهِ والرِّوايةِ(73)
قالَ وَليُّ اللهِ الدَّهلَويُّ (ت 1176 هـ) رحمه الله: «أصلُ مذهبِ أبي حَنِيفةَ: فَتاوَى عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ وقَضَايَا عليٍّ وفَتاوَاه»(74) .
ومن أروَعِ ما وَقفتُ عليه في تَقعيدِ هذه المَسألةِ قَولُ بَعضِ أهلِ العِلْمِ وهو يُبيِّنُ مُستنَدَ الإمَامِ أبي حَنِيفةَ رحمه الله في تَضمينِ هَلاكِ الأَجيرِ المُشترَكِ مَا هذا نَصُّه: «قولُ أبي حَنِيفةَ قَولُ عَطاءٍ وطَاوُسٍ (ت 106 هـ) رحمه الله(75) -وهما من كِبَارِ التَّابِعينَ- وقَولُهما قَوْلُ عُمرَ وعليٍّ، وبه يُفتَى احتِشَامًا لعمرَ وعليٍّ رضي الله عنهما»(76) .
ولمَّا كانَ عليٌّ رضي الله
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 79عنه من فُقهاءِ الرَّأيِ، وله في القِيَاسِ اجتِهادٌ وَاضحٌ وبَاعٌ طَوِيلٌ، أخذَ بأحْكَامِه(77) حَفِيدُه الإمَامُ زَيدُ بنُ عليٍّ (ت 122 هـ) رحمه الله، واعتَبرَه حُجَّةً ومَصدَرًا من مَصادرِ ابتِنَاءِ مَذهَبِه. ولا يَجوزُ لأحدٍ إذا ثبتَ لديه قَضاءٌ لعليٍّ رضي الله عنه أن يُخَالِفَه(78)
فكانت بَصَماتُ عليٍّ رضي الله عنه في فِقْهِ الزَّيديَّةِ(79) أشهرَ من نَارٍ على عَلَمٍ، وسَجَّلَ في مَذهَبِهم الصِّبغةَ العِلميَّةَ ذات المَنحَى الاجتهاديِّ، حتى تَضمَّخَت آراءُ الحَفيدِ بأحكامِ جَدِّه، فانبَثقَت عنهما جَنَّةٌ فِقهيَّةٌ وَارِفةُ الظِّلالِ.
المطلب الثالث العوامل التي أصقلت مواهبه
إلى جانبِ ما عُرِفَ عن سيِّدِنا عليٍّ رضي الله عنه من شِدَّةِ الذَّكاءِ والنَّباهةِ، ودقَّةِ النَّظرِ والفَطانةِ، وقُوَّةِ العَارِضَةِ والفَراسَةِ(80) وما اشتُهِرَ عنه من سَعَةِ العِلْمِ، والتَّبحُّرِ فيه... كان مَرجِعًا يُلاذُ بجَانبِه إذا نَزَلَت
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 80النَّوازِلُ، واستَجدَّت الوَقائِعُ، وخَطَبَت الحَوادِثُ على المَنائرِ والمَنابرِ. فإذا تَشتَّتتْ أفكَارُ القَومِ، واختَلَفَت أنظَارُهم، وتضَاربَت آرَاؤُهم، وطَاشَت عُقولُهم، واحتَارَت ألبَابُهم، لَجؤوا إليه، واستعَانُوا به.
بالنَّظَرِ في هذه المَزايَا يُمكِنُ أنْ نُرجِعَها إلى جُملةٍ من العَواملِ مُجتَمِعةً، سَاهمَت في صَقْلِ مَواهبِ عليٍّ الأصوليَّةِ، وعَمِلَت على نُضُوجِه العَقليِّ المُبكِّرِ، كما أسَّسَت لتقدُّمِه الفِكريِّ، وبُلوغِه مَلَكًة فِقْهيَّةً دَانَت لها البَشرِيَّةُ بسَعَةِ الأُفُقِ، والدِّقَّةِ في التَّحليلِ، والعُمقِ في التَّخريجِ والتَّأصيلِ، وهي على قِسمَينِ(81) :
الاستِعدادُ الفِطريُّ الذي جَبلَه اللهُ تعالى عليه منذ نَشأتِه الأولى، لا يدَ له فيه، فضلاً عن انعِكَاسَاتِ البِيئَةِ المُؤاتيةِ للنُّبوغِ الفِكريِّ. وهذه مِنَّةُ اللهِ يُؤتِيها من يَشاءُ. العَامِلُ الكَسبِيُّ الذي عَمِلَ على تَوطينِ نَفسِه عليه وتَطويرِها. بالإضَافةِ إلى
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
التَّوعِيَةِ التَّربويَّةِ والتَّنشئةِ العِلميَّةِ العَمليَّةِ، التي لَعِبَت دَورًا مُبرِّزًا منذ سِنٍّ مُبكِّرةٍ بصَقْلِ شَخصيَّةِ عليٍّ رضي الله عنه وهذه سُنَّةُ اللهِ يُهيِّئُها لمَن يَشاءُ.
يقولُ ابنُ خَلْدونَ رحمه الله: «إنَّ البَشَرَ يَأخُذُونَ مَعارِفَهم وأخْلاقَهم ومَا ينتَحِلُونَ به مِن المَذاهبِ والفَضَائلِ، تَارةً عِلْمًا وتَعلِيمًا وإلْقَاءً، وتَارةً مُحاكَاةً وتَلْقِينًا بالمُباشَرَةِ. إلا أنَّ حُصُولَ المَلَكَاتِ عن المُباشَرَةِ والتَّلْقِينِ أشَدُّ استِحْكَامًا، وأقْوَى رُسُوخًا. فعلَى قَدْرِ كَثْرَةِ الشُّيوخِ يكونُ حُصُولُ المَلَكَاتِ ورُسُوخُها»(82) .
القِسْمُ الأوَّلُ: العَوامِلُ الفِطْريَّةُ:
إسلامُه المُبكِّرُ الذي جَعلَه يَعِيشُ حَقائِقَ إيمانيَّةً، ويَتذوَّقُ المَعارِفَ الوِجدانيَّةَ، ويتَعرَّفُ إلى لَطائفِ الإشاراتِ الإلهيَّةِ. ثِقَةُ الخُلفاءِ به، إذ أثبتَ جَدارتَه فيما يُعرَضُ عليه من الأقضيةِ، كما أبدعَ في مَجالِ الإفتاءِ، حتى إنَّه سجَّلَ سَبْقَ النَّظَرِ في أعوَصِ المَسائلِ وأشدِّها حَيْرةً لأوْلي القُلوبِ والنُّهى. مدَّةُ حَياتِه الطَّويلَةِ إذا ما قِيسَت بالنِّسبةِ لمَن سَبقَه من الخُلفاءِ. فكَثرةُ مُمارستِه ووِزَارتِه للخُلفاءِ، وتَحمُّلُه مَسؤوليَّةَ السَّفارةِ عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى بَعضِ البُلدانِ والأمْصَارِ، ومُزاوَلتُه مَهمَّةَ القَضاءِ والإفتاءِ منذ رَيعانِ شَبابِه، واختِلاطُه بمُختلِف الشُّعوبِ والحَضارَاتِ... كلُّ هذا أكْسبَه نَصِيبًا وَافِرًا وخِبْرةً عَظِيمةً في مَجالاتِ العُلومِ كافَّةً، وكَيفيَّةَ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
تَوظيفِها في خِدْمَةِ الإنسانيَّةِ. فَهمُه العَمِيقُ للإسلامِ، ووُقوفُه على مَقاصدِ الشَّريعةِ الغرَّاءِ. استِعدادُه النَّفسِيُّ لتَلقِّي المَسائلِ المَطرُوحةِ على بِسَاطِ النِّقاشِ، وبَحثُها في ضَوءِ مَعارفِه وخِبراتِه الطَّويلةِ، وما طُبِعَ عليه من ذِهْنٍ وقَّادٍ وفِقْهِ النَّفسِ. وهو القَائلُ: «إنَّ ربِّي وَهَبَ لي قَلبًا عَقُولاً، ولِسَانًا سَؤُولاً»(83)
القِسْمُ الثَّانِي: العَوامِلُ المُكتَسبَةُ:
تلقِّيه عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُباشَرةً، وفَوْزُه برِعَايَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم له، وتَربِيَتِه إيَّاه التَّربِيةَ العَرِيقةَ، وإرشَادِه وتوجيهِه(84) فقَد قِيلَ له: مَا لَك أكْثرُ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ حَدِيثًا؟ قالَ: «إنِّي كُنْتُ إذا سَألتُه أنبَأنِي، وإذا سَكَتُّ ابتَدأنِي»(85) دُعاءُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم له في مَجالِ القَضَاءِ -على الخُصُوصِ- الذي هو مَفْخَرةُ الاجتِهَادِ، في قَولِه: «اللَّهم ثبِّتْ لِسَانَه، واهدِ قلبَه»(86) جِدُّه في التَّحصِيلِ، وصَبرُه على التَّعلُّمِ رَغْمَ شِدَّةِ حَيائِه، وتَعدُّدِ مَشاغلِه المَوكُولَةِ إليه. والسُّؤَالُ في طَلبِه، أو
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
التَّوكِيلُ في تَحصيلِه حيث لَزمَ الأمرُ. الاستِفادةُ من الوَسائلِ التي كانَت مَعهُودةً في زَمانِه في ضَبطِ العُلومِ، واستِخدامُها والبَراعةُ فيها: (من تَعهُّدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ولُزُومِه، وسُؤالِ غَيرِه، والكِتَابةِ إذ كان على مَعرِفَةٍ تامَّةٍ بأصُولِها وضَوابطِها وعَواملِ الإتقانِ فيها... إلخ). مُذاكَرةُ ما تَعلَّمَه، ومُدَارَسَةُ ما تَلقَّاه مَعَ إخوَانِه من الصَّحابةِ. وتَعهُّدُه بتَطبيقِه، والعَملِ به، والدَّعوةِ إليه وتَبليغِه النَّاسَ. التَّحرِّي في قَبولِ العِلْمِ، وعَدمُ التَّساهلِ بحَملِه عن كُلِّ أحدٍ! والانتِقاءُ فيه عن الرُّواةِ. دَورُه التَّعلِيميُّ البَارِزُ في تَثقِيفِ المُجتَمعاتِ، وإنجَازَاتُه المُتوَالِيةُ في الحَقلَينِ: الدَّعَويِّ والتَّربَويِّ، وتَقدُّمُه في جَانبِ السُّلوكِ والأخلاقِ، وبِنَاءِ دَولَةِ الإنسَانِ، وتَخريجِ كِبَارِ العُلمَاءِ من بينِ يَديه. وُقوفُه على تَاريخِ المَاضِينَ، واستِلهامُه من سِيَرِهم الدُّروسَ والعِبَرَ كأنَّه عَاشَ معَهم. يَظْهَرُ هذا جَلِيًّا في وَصيَّتِه لابنِه الحَسَنِ رضي الله عنهما (ت 50 هـ)، إذ يَقُولُ له: «إنِّي -وإنْ لم أكنْ عُمِّرتُ عُمُرَ مَن كان قَبلِي- فقد نَظرْتُ في أعمَالِهم، وفَكَّرْتُ في أخبَارِهم، وسِرْتُ في آثَارِهم، حتَّى عُدْتُ كأحَدِهم، بلْ كأنَّي بمَا انتَهى إليَّ من أمُورِهم قد عُمِّرْتُ معَ أوَّلِهم إلى آخرِهم، فعَرَفْتُ صَفْوَ ذلك مِن كَدَرِه، ونَفْعَه من ضَررِه»(87)
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
التَّجرِبَةُ التي خَلَصَ إليها مِن بين مُعتَرَكِ الحَيَاةِ. فعليٌّ رضي الله عنه عَلَّمَ وتَعلَّمَ، ودَرَسَ وتَفقَّهَ، ونَاظرَ العُلماءَ، وشَاورَ الأُمرَاءَ، وخَاضَ تَجارِبَ عِدَّةً أَكسَبَتْه حِكْمةً فَاضِلةً، ورَأيًا سَدِيدًا. فاجتَمعَت لَديه -مَعَ الوَرعِ والعِلْمِ- حَصِيلَةُ خِبرَاتٍ وتَجارِبَ. قالَ عليٌّ رضي الله عنه «لا حَلِيمَ إلا ذو عَثْرَةٍ، ولا حَكِيمَ إلا ذو تَجرِبَةٍ»(88) وقَالَ: «العَاقِلُ مَن وَعَظَتْهُ التَّجارِبُ»(89) ويَقُولُ: «العَقْلُ حِفْظُ التَّجارِبِ»(90)
فمُجرَّدُ الإحَاطةِ بالنُّصُوصِ الشَّرعيَّةِ، والاطِّلاعِ على فَتاوَى السَّابِقينَ وأقضِيَتِهم، لا تَصنَعُ من الدَّاعيةِ حَكِيمًا عَارِفًا بشُؤونِ الحَياةِ... ولكنَّها التَّجرِبةُ التي مَارَسَها عليٌّ رضي الله عنه في العَملِ الدَّعويِّ، والنَّشاطِ السِّياسيِّ، والإبدَاعِ الفِكريِّ، مُذْ كان تِلمِيذًا في بَيتِ الرِّسالَةِ المُحمَّدِيَّةِ، إلى أنِ اشتدَّ عُودُه وعَلا كَعْبُه، مُضَافةً إلى ما فُطِرَ عليه من العِلْمِ الصَّحيحِ الذي زَرَعَه اللهُ في صَدرِه، ولِسَانُ حَالِه يَقُولُ:
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
هذه العَوَامِلُ وغَيرُها كانَ لها الأثَرُ البَالِغُ في حَياةِ عليٍّ رضي الله عنه على مُستوَى مَهامِّه القَضائيَّةِ، وتَبليغِه للفَتاوَى الشَّرعيَّةِ، وما أَضْفَتْه على اجتِهَاداتِه من الصِّبغةِ الحَضارِيَّةِ والتَّقدُّمِ العِلْميِّ.
فهل ستَلتَزِمُ الأجيَالُ المُتعَاقِبةُ هذه المَهاراتِ العَالِيةَ، وتُطوِّرُها، علَّها أن تَستفِيدَ منها في مُوَاكَبةِ المَدَنيَّةِ والعُلومِ الكَونيَّةِ والاكتِشَافَاتِ الحَدِيثَةِ ؟؟؟ أم أنَّها ستَجعلُها دُبُرَ أُذُنِها، وتتَطفَّلُ على مَوائدِ الغَربِ، فتَظلُّ في ذَيْلِ الرَّكْبِ؟؟
المبحث الثاني مآثره العلمية، وأسباب قلة القضاء عنه
ويَشتَمِلُ على ثَلاثةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلَبُ الأوَّلُ: مَآثِرُعّلِيٍّ العِلميَّةُ.
المَطلَبُ الثَّانِي: أسبَابُ قِلَّةِ القَضَاءِ عنه.
المطلب الأول مآثر علي العلمية
قالَ ابنُ حَجَرٍ رحمه الله: «لم يَزَلْ بعدَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مُتصدِّيًا لنَصْرِ العِلْمِ والفُتيَا»(93) .
كَلِمَةٌ خَطَّتها يَراعُ إمامِ الجَرحِ والتَّعديلِ، وخَاتِمَةُ الحُفَّاظِ والمُحدِّثينَ، بكُلِّ دِقَّةٍ وأَمَانةٍ، وهو يَستَحضِرُ قَولَ السَّيِّدَةِ عائشَةَ أُمِّ المُؤمنينَ رضي الله عنها: «أمَرَنا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ نُنزِلَ النَّاسَ مَنازِلَهم»(94) .
فكَانَ لعَليٍّ رضي الله عنه في مَجَالاتٍ مُتنوِّعةٍ سَبْقٌ عِلميٌّ،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 87وآثَارٌ خَالِدَةٌ.
أوَّلاً- أوَّلِيَّاتُ عليٍّ:
عُرِفَ عن عليٍّ رضي الله عنه نَظرَتُه الثَّاقِبَةُ في العُلومِ، وتَأمُّلُه الدَّقِيقُ للأمُورِ المُستقبليَّةِ لجِهَةِ العُلومِ الإنسَانيَّةِ والمَعارِفِ البَشريَّةِ، وحَاجةِ المُجتَمعِ العُمرَانيِّ لها. فكانَت له ما يُعرَفُ بالأوَائلِ والبِدَاياتِ(95) ، فهو سَبَّاقُ غَاياتٍ، حائزٌ قَصَباتِ السَّبْقِ في مَجالاتٍ عِدَّة.
في اللُّغَةِ العَرَبيَّةِ:
خلَّفَ لِلحضَارَةِ العَربيَّةِ، والعُلومِ الإسلاميَّةِ آثَارًا بَاقِيةً في مَواضِيعَ شتَّى، وله فَضْلُ سَبْقٍ على العَربيَّةِ وأهلِها ما بَقِيَتِ اللغةُ وقَواعِدُها. قالَ بَعضُ أصحابِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لقد كانَ لعليٍّ رضي الله عنه من السَّوابقِ(96) ما لو أنَّ سَابِقةً منها قُسِمَتْ بينَ الخَلائقِ لَوَسِعَتْهم خَيرًا»(97) .
في التَّأرِيخِ:
مِن أوَّليَّاتِه المَشهُورَةِ عنه، أنَّه اقتَرحَ على أمِيرِ المُؤمنِينَ عُمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه أنْ يُؤرِّخَ بهِجرَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من مكَّةَ إلى المَدِينَةِ،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 88فاستَحسنَ ذلك عُمرُ ومعه الصَّحابةُ رضي الله عنهم وأمرَ به(98) عن سَعيدِ بنِ المُسيّبِ رحمه الله قالَ: جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ، فسَألَهم: من أيِّ يَومٍ يكتبُ التَّارِيخَ؟ فقالَ عليُّ بنُ أبي طَالبٍ رضي الله عنه «مِن يَومِ هَاجرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وتَركَ أرضَ الشِّرْكِ». ففَعلَه عمرُ رضي الله عنه(99)
«فكانَ التَّقوِيمُ الإسلاميُّ البَاقِي ما بَقِيَ المُسلِمونَ، وكانَ ذلك في حِكَمِ ومَصَالِحَ إسلاميَّةٍ إنسانيَّةٍ دَعَويَّةٍ، وكانَ ذلك العُنوانُ مُنِيرًا مُثِيرًا للمُفكِّرينَ والمُنصِفينَ، وفيه تَفاؤُلٌ وتَبشِيرٌ؛ فقد كانَت الهِجرَةُ بِدَايةَ عَهدٍ جَديدٍ في التَّارِيخِ البَشرِيِّ والسِّيرَةِ الإنسَانيَّةِ»(100) .
ثَانِيًا- آثارُه العِلميَّةُ:
عليٌّ رضي الله عنه وَاحِدٌ من قَلائلِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم الذين كَانُوا يَعرِفونَ القِراءةَ والكِتابةَ. ولأمَانتِه، وثِقَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم به، وحُسْنِ خَطِّه، وجُودةِ فَهمِه، اتَّخذَه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَاتِبًا بين يَدَيْه. فكانَ من كَتَبَةِ الوَحيِ والرَّسائلِ إلى المُلوكِ ووُلاةِ الأمصَارِ وقَادةِ الجُيوشِ...
قال مُحمَّدُ بنُ أبي يَعقُوبَ الورَّاقُ (ت 438 هـ)(101) وهو يَصِفُ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 89خِزانةً للكُتُبِ، لم يُرَ لأحَدٍ مِثْلُها كَثْرةً، تَحتَوي على قطعةٍ من الكُتبِ العَربيَّةِ في النَّحوِ واللغةِ والأدبِ والكُتبِ القَديمَةِ، قالَ: «ورَأيْتُ أمَانَاتٍ وعُهودًا بخَطِّ أميرِ المُؤمنِينَ عليٍّ عليه السلام(102)
هذا، وقد نُسِبَ إلى عليٍّ رضي الله عنه الكَثِيرُ من المُؤلَّفاتِ في فُنونٍ مُختَلِفةٍ، غَالِبُ مَضَامِينِها مَنحُولةٌ عليه، لا تَصِحُّ عنه سَنَدًا ولا مَتْنًا(103) .
ومَا سَأورِدُه من آثَارِ عليٍّ رضي الله عنه إنَّما هو على ضَربَينِ:
بَعضُه خطَّه بيَدِه، «كالمُصحَفِ» الذي جَمَعَ فيه القُرآنَ الكَرِيمَ، و «صَحيفتِه» التي أودعَها بَعضَ الأحَاديثِ. وبَعضُه الآخَرُ إنَّما هي نُقُولاتٌ أملاهَا على تَلاميذِه، فدَوَّنُوها في الكُتُبِ.
لذلك تَرْجَمَ له غَيرُ وَاحدٍ مِن الأعْلامِ المُتأخِّرينَ في المُصنَّفاتِ المُعدَّةِ لتَراجمِ المُؤلِّفينِ(104) .
آثَارُه في القُرآنِ الكَريمِ:
جَمعَ عليٌّ رضي الله عنه القُرآنَ الكَرِيمَ في مُصحَفٍ، مشَى فيه مُرتَّبًا
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 90حَسبَ النُّزولِ، وجَعلَ على هَامشِه تَفسِيرًا لبَعضِ آياتِه، وشَرحًا للغَريبِ من مُفرَداتِه، وبَيانًا بأسبابِ النُّزولِ(105)
عن محمَّدِ بنِ سِيرينَ (ت 110 هـ) رحمه الله، قالَ: «لمَّا تُوفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أبْطَأ عليٌّ رضي الله عنه عن بَيعَةِ أبي بَكْرٍ رضي الله عنه ! فلَقِيَه أبو بكرٍ، فقالَ: أكَرِهْتَ إمَارَتِي؟ يَا أبَا الحَسنِ.
فقالَ: لا، ولكنْ آلَيْتُ بيَمينٍ ألا أرْتَدِي برِدَائِي إلا إلى الصَّلاةِ، حتى أجمعَ القُرآنَ(106) ». فقالَ أبو بكرٍ رضي الله عنه : «نِعْمَ ما رَأيتَ». فبَايَعَه ثُمَّ رَجعَ(107) .
قالَ: فزَعمُوا أنَّه كَتبَه على تَنزيلِه. قالَ ابنُ سِيرينَ: «فلَو أصَبْتُ ذلك الكِتابَ كانَ فيه العِلْمُ الكَثِيرُ»(108) .
قالَ مُحمَّدُ بنُ أبي يَعقُوبَ الوَرَّاقُ: «كانَ المُصحَفُ عند أهلِ جعفرٍ، ورَأيْتُ أنا في زَمانِنا (...) مُصْحفًا قد سَقَطُ منه أوراقٌ بخَطِّ عليِّ بنِ أبي طَالبٍ رضي الله عنه ، يَتوارَثُه بنو حَسَنٍ على مَرِّ الزَّمانِ»(109) .
آثَارُه في السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ: الصَّحِيفَةُ:
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
اشتَهرَت عنه صَحِيفَتُه التي كانَ يُعلِّقُها في سَيْفِه، لتَكُونَ معَه في حِلِّه وترحالِه، في أمنِه وسِلْمِه، وهو الفَارِسُ الذي لا يَستَغنِي عن سِلاحِه لَحْظةً.
خَطَبَ يَومًا على المِنْبَرِ وعليه سَيْفٌ فيه صَحِيفَةٌ مُعلَّقَةٌ في قِرَابِه، فقالَ: «واللهِ، ما عندَنا كِتَابٌ نَقرَأه، إلا كِتابَ اللهِ، وما في هذه الصَّحِيفَةِ»(110) . دوَّن فيها أسنانَ الإبلِ(111) ، وأشياء من الجِراحَاتِ(112) ، وحرمَ المَدينةِ، وأنْ لا يُقتلَ مُسلمٌ بكَافرٍ.
وسألَه أبو جُحَيفةَ (ت 64 هـ) رضي الله عنه(113) قالَ: قُلْتُ لعليٍّ رضي الله عنه : هلْ عندَكم كِتَابٌ؟ قالَ: «لا، إلا كِتَابُ اللهِ، أو فَهْمٌ أُعطِيه رَجُلٌ مُسلِمٌ، أو مَا في هذه الصَّحِيفَةِ».
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قالَ: قُلْتُ: فمَا في هذه الصَّحِيفَةِ؟ قالَ: «العَقْلُ، وفَكاكُ الأسيرِ، ولا يُقتَلُ مُسْلِمٌ بكَافرٍ»(114) .
أمَّا عن سَبَبِ قَولِ عليٍّ رضي الله عنه ، فقَد كانَ يَأمرُ بالأمرِ، فيُقَالُ له: قَد فَعلْنَاه. فيقولُ: «صَدَقَ اللهُ ورَسُولُه صلى الله عليه وسلم». فقيل له: إنَّ هذا الذي تقولُ أهو شَيءٌ عَهِدَه إليك رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قالَ: «مَا عَهِدَ إليَّ شَيئًا (...) إلا شَيئًا سَمِعْتُه منه فهو في صَحِيفَةٍ في قِرَابِ سَيفِي(115) (...)» .
قالَ النَّووِيُّ: «هذا تَصرِيحٌ مِن عليٍّ رضي الله عنه بإبْطَالِ مَا تَزعمُه الغلاة ويَختَرِعُونَه، مِن قَولِهم: إنَّ عليًّا رضي الله عنه أوْصَى إليه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بأمُورٍ كَثِيرَةٍ مِن أسْرَارِ العِلْمِ، وقَواعدِ الدِّينِ، وكُنُوزِ الشَّرِيعَةِ. وأنَّه صلى الله عليه وسلم خَصَّ أهْلَ البَيتِ بمَا لمْ يَطَّلِعْ عليه غَيرُهم! وهذه دَعَاوَى باطلة، واختِرَاعَاتٌ فَاسِدَةٌ، لا أصْلَ لها، ويَكْفِي في إبْطَالِها قَولُ عليٍّ رضي الله عنه هذا»(116) .
كِتَابُ الصَّدَقَةِ:
رَوَى مُحمَّدُ ابنُ الحَنفيَّةِ (ت 81 هـ) رحمه الله(117) قالَ: أرسَلنِي أبي، قالَ: «خُذْ هذا الكِتابَ،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 93فاذهَبْ به إلى عُثمانَ رضي الله عنه فإنَّ فيه أمْرَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالصَّدقةِ»(118)
أي: إنَّ هذا الكِتابَ(119) الذي أُرسِلَ به إلى عُثمانَ رضي الله عنه مَكتُوبٌ فيه بَيانُ مَصارفِ الصَّدقَاتِ(120) .
آثَارُه في القَضاءِ:
تَرَكَ عليٌّ رضي الله عنه بَصَماتِه في عِلْمِ القَضاءِ، وخلَّفَ لنا لمَسَاتِه على كَثيرٍ من مَسائلِه التي أرَّقَت مَضاجِعَ أهلِ الحُكْمِ آنذَاك، وقد حَفِظَت لنا دَواوِينُ التُّراثِ من تَرِكَتِه في هذا الخُصوصِ -فيما اطَّلعتُ عليه- مُصنَّفيْنِ اثنَينِ:
أحدُهما: يُؤسِّسُ فيه لعِلْمِ القَضاءِ، ويُؤصِّلُ أحكَامَه. والآخَرُ: يتَضمَّنُ بَعْضَ المَسائلِ التي قَضَى بها.
وهاكَ التَّفصِيلَ:
رِسَالةٌ في القَضَاءِ:
لعليٍّ رضي الله عنه رِسَالةٌ دُستُورِيَّةٌ نَصَّ فيها على
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 94الصَّلاحيَّاتِ المَمنُوحَةِ للوُلاةِ، ومِن جُملَتِها تَشكِيلُ الجِهَازِ القَضائيِّ في الوِلايَةِ. وهي مِن أقدَمِ الدَّسَاتيرِ في هذا المَيدَانِ(121) أوْدَعَ فيها جُملةَ النُّظُمِ العَامَّةِ التي يَنبَغي لكُلِّ قاضٍ أن يَسِيرَ في ضَوئِها.
وهو عَهْدُهُ الذي كَتَبَه لمَالكٍ الأشترِ (ت 37 هـ)(122) حِينَ ولاَّهُ على مِصرَ وأعمَالِها(123) .
كِتابٌ فيه: «قَضاءُ عليٍّ»(124) :
كان الصَّحابَةُ والتَّابِعون ومَن دُونَهم، يَسألونَ عن قَضاءِ عليٍّ رضي الله عنه ، ويَبحثُونَ عن مَسَائلِه التي حَكَمَ بها، فيكتبُونَها ويُدوِّنونَها في الصُّحفِ والدَّواوينِ، لِمَا ثَبَتَ عندَهم من أهميَّةِ هذه الأقضيَةِ.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقد جُمِعَ في مَسَائلِه التي قضَى بها كِتابٌ ذاعَ صِيتُه في الأوسَاطِ العِلْميَّةِ آنذَاك، حتَّى سَعَى في طَلبِه غَيرُ واحدٍ ممَّن يَعرِفونَ مَنزِلةَ عليٍّ رضي الله عنه في القَضاءِ. عن ابنِ أبي مُلَيْكةَ (ت 117 هـ) رحمه الله(125) قَالَ: كَتبْتُ إلى ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أسألُه أن يَكتُبَ لِي كِتَابًا ويُخفِي عنِّي. فقَالَ: ولدٌ نَاصِحٌ، أنا أَختَارُ له الأمُورَ اختِيارًا وأُخفِي عنه.
قالَ: فدَعَا بـ «قَضَاءِ عَلِيٍّ رضي الله عنه » ، فجَعلَ يَكتُبُ منه أَشياءَ. ويَمرُّ به الشَّيءُ، فيقُولُ: واللهِ، ما قَضَى بهذا عَلِيٌّ رضي الله عنه إلا أنْ يكونَ ضَلَّ(126) !! أُتيَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما بكِتَابٍ فيه «قضاءُ عليٍّ رضي الله عنه » ، فمحَاه إلا قَدْرًا. وأشارَ سُفيانُ بنُ عَيينةَ (ت 198 هـ) رحمه الله-أحَدُ رِجَالِ السَّنَدِ- بذِرَاعِه(127) .
«فالظَّاهرُ أنَّ الكتابَ الذي محاه إلا قَدْرَ ذراعٍ منه كانَ هَيئةَ دَرْجٍ(128) مُستَطيلٍ»(129) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
يُستفَادُ من هذين الأثرَينِ أمُورٌ عِدَّةٌ، منها:
جوازُ أن يُخفِيَ العَالِمُ عن المُستعلِمِ بَعْضَ ما يَعلمُ لأغرَاضٍ، منها: إنَّ هذا النَّوعَ ربَّما كان مما لا يَلزَمُ السَّائِلَ مَعرِفتُه. وإنْ كانَ ممَّا يَضطرُّ إليه فإنَّه يُمكِنُه أن يَحصُلَ عليه بطَريقِ المُشافَهةِ، خَشيةَ أن يَقعَ الكِتابُ بيَدِ من لا يُحسِنُ، فتكون العَاقبةُ وَخِيمةً !
ج - ولعلَّه يُرِيدُ أن يَكتمَ عنه أشياءَ لما يَخشَى إذا ظَهرَت أن يَحصُلَ منها قِيلٌ وقَالٌ، من جَماعةِ النَّواصبِ، والخَوارجِ، ونَاهِيكَ بشَوكَتِهما في ذلك العَصْرِ. فلِفَرطِ مَيلِهما لمُشاقَّةِ عليٍّ رضي الله عنه اختارَ عَدمَ كِتَابةِ بَعضِ الأمُورِ دَفْعًا للمَحظُورِ.
إنَّ لأقضيةِ عليٍّ رضي الله عنه مَزيَّةً لم تَخفَ على سَائرِ النَّاسِ، ما حَدا بأهلِ العِلْمِ أن يُدوِّنوها في القَراطيسِ بُغيةَ المُحافظَةِ عليها، والرُّجوعِ إليها عندَ اللزُومِ(130) مَعرِفَةُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما بالقِرَاءةِ والكِتَابةِ، واهتِمَامُه بالعِلْمِ ومُحافَظتُه على كُتبِه ومُصنَّفاتِه، خَاصَّةً على آثَارِ عليٍّ رضي الله عنه لما تَقرَّرَ عندَه بلا أدنَى مُدافَعةٍ ما لها من شَأنٍ عَظيمٍ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
سُؤَالُ أهلِ العِلْمِ بعضِهم بَعضًا عن أمُورٍ أَشكَلَت عليهم في العِلْمِ، وذلك أنَّ ابنَ أبي مُلَيْكَةَ استقضاه عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ (ت 73 هـ) رضي الله عنهما قضاءَ الطَّائفِ، يَقولُ: «بَعثَنِي ابنُ الزُّبَيرِ على قَضاءِ الطَّائفِ. فقُلْتُ لابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما:
إنَّ هذا قد بَعثَنِي على قَضاءِ الطَّائفِ، ولا غِنَى بِي عَنكَ أنْ أسألَكَ!
فقَالَ لي: نعم، فاكتُبْ إليَّ فيمَا بدا لك. أو: سَلْ عمَّا بَدا لكَ»(131) .
جَوَازُ مُخَالَفةِ العُلماءِ لبَعضِهم، وعَدمُ الحَرَجِ في ذلك لمَن كانَ أهلاً له. ليس من الغِيبَةِ رَدُّ العُلماءِ على بَعضِهم صَونًا لشَرعِ اللهِ، متى خَلصَت النِّيَّةُ. فيه أنَّ العِلمَ والسُّنَّةَ قد قُيِّدا في عَصرٍ مُبَكِّرٍ منذ عَهدِ الصَّحابةِ وأوَائلِ التَّابعِينَ، وأنَّ الأمَّةَ عَمِلَت على تَوثِيقِ شَرِيعَةِ نَبيِّها صلى الله عليه وسلم، ولم تَترُكْها هَمَلاً لأيدِي العَابِثينَ. احتِمَالُ امتِدَاد يَدٍ أجنَبيَّةٍ أثِيمَةٍ عَمِلَت في هذا الكِتَابِ، زَادَت عليه ما ليسَ منه، ممَّا شَوَّه من صَفاءِ جَوهرِه! لا أنَّه مُجرَّدُ اختِلافِ نَظرٍ قَابَلَ به ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما بعضَ ما قَضَى به عليٌّ رضي الله عنه ، مَعَ إمكَانِ وُرُودِه.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
يَدلُّ عليه قَوْلُ أبي إسحَاقَ السَّبِيعيِّ (ت 127 هـ) رحمه الله(132) : لمَّا أحدَثُوا تلك الأشياءَ بعدَ عليٍّ رضي الله عنه ، قَالَ رَجُلٌ من أصحَابِ عليٍّ رضي الله عنه : «قَاتلَهم اللهُ، أيَّ عِلْمٍ أفسَدُوا!»(133) .
يؤكِّدُه قَولُ المُغِيرَةِ (ت 136 هـ) رحمه الله(134) : «لم يَكُنْ يَصْدُقُ على عليٍّ رضي الله عنه في الحَدِيثِ عنه إلا من أصحَابِ عَبدِ اللهِ بنِ مَسعُودٍ رضي الله عنه(135) » .
وقَد تَفطَّنَ - قَدِيمًا- لِمَا اختَرْتُه مِن كَونِ تَحرِيفٍ قَد طَرَأ على كِتَابِ عليٍّ رضي الله عنه الإمَامُ مُسلِمُ بنُ الحَجَّاجِ النَّيسابوريُّ (ت 261 هـ) رحمه الله، حيث سَاقَ هذين الأثَرينِ بعدَ أنْ أوردَ حَدِيثَ ابنِ أبي مُلَيْكَةَ وابنِ عُيَيْنةَ.
ثمَّ إنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما نَفْسَه يُبرِّئُ عليًّا رضي الله عنه من هذا القَضاءِ بقَولِه: «واللهِ، ما قَضَى عليٌّ بهذا إلا أنْ يكونَ ضلَّ». أي: إنَّ عليًّا رضي الله عنه لم يَقضِ به؛ لأنَّه لم يَضِلَّ،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 99وحَاشَاه.
لعلَّ هذا الدَّخَلَ كانَ من صَنِيعِ الأَصْبَغِ بنِ نُباتَةَ(136) ، فإنَّ له كِتابًا في «أقضية عليٍّ رضي الله عنه » فيها أَشياءُ عَجِيبَةٌ. والرَّجلُ كذَّبَه غَيرُ وَاحدٍ من أئمَّةِ الجَرْحِ والتَّعديلِ، وكانَ قَد «فُتِنَ بحُبِّ عليٍّ رضي الله عنه ، فأتَى بالطَّامَّاتِ في الرِّوايَاتِ، فاستَحقَّ مِن أَجلِها التَّركَ»(137) .
المطلب الثاني أسباب قلة القضاء عنه
باتَ وَاضِحًا ما لأميرِ المُؤمنِينَ عليِّ بنِ أبي طَالبٍ رضي الله عنه من المَنزِلَةِ الجَلِيلَةِ في الإسلامِ وشَرَائعِه، لِمَا سَبَقَ أنْ أوضَحتُه. وقد كانَ أكثرَ الصَّحابةِ فُتيَا لجُرأتِه عليها، وعَدمِ مَهابَتِه منها. فكمَا أنَّ قِلَّةَ العِلْمِ والجَهلِ تَدعُو المَرْءَ إلى التَّجاسُرِ على الفَتوَى، فكذلك غَزارةُ العلمِ وسَعَتُه(138) ! ولكن شتَّانَ بين الاثنينِ.
بَيْدَ أنَّ ما نُسِبَ إلى عليٍّ رضي الله عنه من الأقْضِيَةِ والفَتاوَى قَلِيلٌ إذا ما
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 100قُورِنَ بمُدَّةِ حَياتِه، وما وَرَدَ عن أعلامِ الصَّحابةِ وفُقهائِهم؛ كعُمرَ، وابنِ عبَّاسٍ، وابنِ مَسعُودٍ رضي الله عنهم وقد أرجعَ بَعضُ البَاحثِينَ(139) السَّببَ في ذلك إلى جُملَةِ قَضايَا، أهمُّها:
أولاً: إنَّ أكثرَ اجتِهَاداتِ عليٍّ رضي الله عنه تَبلْورَت في الأنظِمَةِ والأحكامِ التي كانَت تَصدرُ عن الدَّولَةِ، حِينَما كانَ مُستشَارًا للخُلفاءِ الثَّلاثةِ قَبلَه. وبذلك كانَ عليٌّ رضي الله عنه الجُندِيَّ المَجهُولَ الذي سَاهمَ -بَعِيدًا عن الأضْوَاءِ- في تَنظيمِ الدَّولةِ وحَلِّ مُشكِلاتِها.
ثَانِيًا: اختِلافُ طَرائقِ الحُكْمِ في القَضيَّةِ، فعمرُ رضي الله عنه كانَ يُشاوِرُ كِبارَ الصَّحابةِ رضي الله عنهم ويُناظِرُهم حتى تَنكشِفَ الغُمَّةُ، فصَارَت جلُّ قَضايَاه وفَتاوَاه مُتَّبَعةً في مَشارقِ الأرضِ ومَغاربِها. بينما عليٌّ رضي الله عنه كانَ لا يُشاوِرُ في الغالِبِ ، وأغْلَبُ أقْضيَتِه بالكُوفَةِ ولم يَحمِلْها عنه إلا نَاسٌ قَليلُونَ لا يَسْلَمُ منهم إلا الأقلُّ(140) .
ثَالِثًا: قِصَرُ مُدَّةِ خِلافتِه مُقارنةً بخِلافةِ عمرَ وعثمانَ رضي الله عنهما. إذْ كانَت مُدَّةُ خِلافَةِ الأوَّلِ عشرَ سِنينَ، والآخرِ اثنتَي عشرةَ سنةً. أمَّا مُدَّةُ خِلافَةِ عليٍّ رضي الله عنه فكانَت خمسَ سِنينَ إلا أشهرًا.
رَابِعًا: بالرَّغمِ من قِصَرِ مُدَّةِ خِلافَتِه، غيرَ أنَّها اتَّصفَت بعَدمِ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 101الاستِقرَارِ، وكَثْرَةِ القَلائلِ. لأنَّ مُعظمَ وَقتِه كانَ يُمضِيه في المُعسكَراتِ الحَربيَّةِ، والمَعاركِ القِتاليَّةِ، يَذُودُ عن حِيَاضِ الأمَّةِ الإسلاميَّةِ.
خَامِسًا: نُشوءُ نَابِتَةِ السُّوءِ من المُغالِينَ له والمُتنقِّصِينَ لحقِّه العَظيمِ، وبالتَّالي كَثُرَ الكَذِبُ عليه من المُحبِّينَ من أجلِ الزِّيَادَةِ في رِفْعَتِه، ومن المُبغضِينَ للتَّقلِيلِ من مَكانَتِه. عِلْمًا أنَّ الجَمِيعَ مَغرُورٌ إذ لم يَزِيدُوا في حَقِّه ولم يُنقِصُوا منه شَيئًا، إنَّما هي وَساوِسُ! فتَحرَّزَ مُحقِّقُو العُلماءِ من الإكثَارِ في الأخذِ ممَّا نُسِبَ إليه خَشيةَ أنْ يكونَ مَكذُوبًا عليه.
لعلَّ هذا الأخِيرَ هو أوجَهُها؛ فلَئنْ قَصُرَت مُدَّةُ خِلافَتِه مُقارنةً بخِلافَةِ مَن سَبقَه، ولَئنْ كَثُرَت الاضطِراباتُ في عَصرِه وانشِغَالُه بها... فإنَّ عليًّا رضي الله عنه لم يَزَلْ يَقضِي ويَحكُمُ، ويَنظُرُ في الفَتاوَى، ويُراجِعُ أقضِيَةَ القُضاةِ وأحكامَ الخُلفاءِ، منذُ عَهْدِ الخَلِيفَةِ الرَّاشدِ أبي بَكْرٍ رضي الله عنه ، بَلْهَ منذُ أنْ وَلاَّهُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قَضاءَ اليَمَنِ السَّعيدِ. فتَرجَّحَ السَّببُ الخَامِسُ مَعَ ما في الثَّاني أيضًا من المَوضُوعيَّةِ.
يُؤكِّدُه أنَّ ابنَ سِيرِينَ (ت 110 هـ) رحمه الله كانَ يَرَى أنَّ عامَّةَ ما يُروَى عن عليٍّ رضي الله عنه الكَذِبُ(141) ، أي: مَوضُوعٌ عليه. وقالَ لأبي معشرٍ (ت 119 هـ) رحمه الله(142) : «إنِّي أتَّهِمُكم في كَثيرٍ ممَّا تَقولُونَ عن عليٍّ رضي الله عنه(143) » .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
بَلْ سَبقَتْه إلى ذلك أمُّ المُؤمنِينَ عَائِشةُ رضي الله عنها إذْ قالَت وهي تتَرحَّمُ على عليٍّ رضي الله عنه : «يَرحَمُ اللهُ عليًّا إنَّه كانَ مِن كَلامِه لا يَرَى شَيئًا يُعجِبُه إلا قالَ: صَدَقَ اللهُ ورَسُولُه. فيَذهبُ أهلُ العِرَاقِ فيَكذِبونَ عليه، ويَزِيدونَ عليه في الحَديثِ!(144) » .
تَوجِيهُ هذا الاتِّهَامِ مِن ابنِ سِيرِينَ هو لأهلِ الكُوفَةِ عُمومًا الذين رَكِبُوا الصَّعْبَ والذَّلُولَ في اصطِنَاعِ الأحَادِيثِ على لِسَانِ سَيِّدِنا عليٍّ وأهلِ بَيتِه المُطهَّرِينَ رضي الله عنهم !
قالَ ابنُ حَجَرٍ رحمه الله: «أبو معشرٍ المَذكورُ هو: زيادُ بنُ كليبٍ الكوفيُّ، وهو ثِقَةٌ، مُخرَّجٌ له في «صَحيحِ مسلمٍ» وإنَّما أرادَ ابنُ سيرينَ تُهْمةَ مَن يَروِي عنه زيادٌ، فإنَّه يَروِي عن مِثْلِ الحارثِ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 103الأعورِ(145) والمُرادُ بذلك ما تَروِيه الغلاة عن عليٍّ رضي الله عنه من الأقوَالِ المُشتَمِلَةِ على مُخالَفةِ الشَّيخَينِ»(146)
المَقصودُ بالمُخالَفةِ هنا: اختِلافُ التَّضَادِ لا اختِلافُ التَّنوُّعِ، والمُخالَفةُ من أجْلِ المُخالَفةِ لا الانقِيادُ إلى الدَّليلِ والعَمَلِ به!
هنا تَمَّت دِرَاسَةُ الفَصْلِ الأوَّلِ بمَباحثِه، ولنَشْرَعِ الآنَ في الفَصْلِ الثَّانِي عنِ القَضَاءِ عندَ عليٍّ رضي الله عنه .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الفصل الثاني علي قاضياً
منذُ أنْ وُلِدَت التَّجمُّعاتُ في العَالَمِ المَدَنيِّ، ظَهرَت المُنازَعاتُ، وهي إلى ازدِيَادٍ معَ عُمرِ الإنسانِ الحَضاريِّ. فأعْوَزَه الحُصولُ على حِقِّه أن لَجأ إلى قُوَّتِه الذَّاتِيَّةِ، مُستَعِينًا في تَحقيقِ مُرادِه بمَن وَراءَه مِن أُسْرَةٍ أو عَشِيرَةٍ، أو قَبيلَةٍ... ويَبقَى الحَقُّ رَهِينَ ما تُفرِزُه القُوَّةُ مِن قَرارَاتٍ قد تَكونُ في الغَالِبِ بَطَرَ الحَقِّ أو الشَّطَطَ فيه. لأنَّ القَوِيَّ حِينَ فَرَضَ نفسَه بما يَمتلِكُه، صارَ خَصْمًا وحَكَمًا في آنٍ وَاحدٍ!!
فوَجبَ قِيَامُ القَضاءِ بينَ النَّاسِ، وبَعْثُ مَن يَفصِلُ قَضايَاهُم بالحَقِّ في كُلِّ نَاحيَةٍ، بِسُلطَةٍ اكتَسبَت شَرعيَّتَها من مَرجعيَّةٍ مُقدَّسةٍ تَحظَى بالرِّضَا والقَبولِ لَدَى مَن يتَحاكَمُونَ إليها، وقَادِرَةٍ على إقنَاعِهم بالحُجَّةِ والبُرهَانِ، لما اتَّسمَت به من رَبَّانيَّةِ المَصْدَرِ.
في هذا الفَصْلِ سيَتِمُّ البَحْثُ عن القَضَاءِ ومَا يتَعلَّقُ به، مِن مَنظُورِ صَاحِبِ الدِّراسَةِ، خِلالَ فَترَةِ النُّبوَّةِ، فعَصْرِ
PDF 106الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ عُمومًا، مُنتَهِيًا بالبَحْثِ إلى النَّظَرِ في القَضَاءِ العَلويِّ في عَهْدِهِ.
وبِنَاءً عليه، جَاءَ في مبحثين اثنين، هما:
المَبحثُ الأوَّلُ: القَضَاءُ العَلوِيُّ في عَهدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والخُلَفاءِ.
المَبحثُ الثَّانِي: القَضَاءُ العَلوِيُّ في عَهْدِ عليٍّ.
المبحث الأول القضاء العلوي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء
ويَشتمِلُ على مَطلَبَينِ اثنَينِ، هما:
المَطلَبُ الأوَّلُ: القَضَاءُ العَلويُّ في عَهدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
المَطلَبُ الثَّانِي: القَضَاءُ العَلويُّ في عَهدِ الخُلَفاءِ الرَّاشدِينَ.
المطلب الأول القضاء العلوي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم
مرَّ معَنا أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كانَ يُدرِّبُ صَحابتَه رضي الله عنهم وهم بينَ يَدَيه على القَضَاءِ، وأنَّه كانَ يَختَارُ مِن بَينِهم مَن يتَوسَّمُ فيهم المَقدِرَةَ على تَولِّي زِمَامِ هذه المَهمَّةِ في الأقَاليمِ والوِلايَاتِ الإسْلاميَّةِ. كانَ صَاحِبَ النَّصِيبِ الأوْفَرِ مِن عِنايَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذا المَقَامِ سَيِّدُنا عليٌّ رضي الله عنه ، الذي انتَدبَه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ليَقُومَ مَقامَه في بِلادِ اليَمَنِ السَّعيدِ، التي شَغلَت حَيِّزًا كَبِيرًا مِن اهتِمَامَاتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
أهمِّيَّةُ اليَمَنِ بالنِّسْبَةِ إلى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم:
بعدَ فَتْحِ مَكَّةَ سَنةَ عَشرٍ للهِجرَةِ، استجَابتِ القَبائِلُ العَربيَّةُ بشِبَهِ
PDF 108الجَزيرَةِ إلى الإسْلامِ. وكانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُرسِلُ الدُّعاةَ إلى القَبائلِ المُتأنِّفةِ التي لم تَستَجِبْ بعدُ! وكانَ حَرِيصًا أشدَّ الحِرْصِ على الجَبهَةِ الجَنوبيَّةِ للدَّولَةِ الإسلاميَّةِ، وأنْ تَدْخُلَ قَبائِلُ اليَمنِ في الإسْلامِ.
ظَهَرَ هذا الاهتِمامُ في النَّتائجِ البَاهرةِ التي حقَّقتها الدَّعوةُ في كَثرةِ أعدَادِ الوُفودِ التي كانَت تَنسَابُ من كُلِّ أطرَافِ اليَمنِ مُتَّجِهةً إلى المَدينةِ، ممَّا يدلُّ على أنَّ نَشاطَ المَبعُوثِينَ كانَ مُتواصِلاً وبعيدَ المَدَى. إلى جَانبِ هذا النَّشاط الدَّعويِّ السلميِّ، كانَت تُسانِدُه سَرايَا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
كانَ صلى الله عليه وسلم يُركِّزُ على مَفاصلِ القُوَى ومَراكزِ التَّأثيرِ في المُجتمعَاتِ(147) ، ليَبنِيَ الدَّولةَ على طِرَازٍ مُتمَاسكٍ، يَنطلِقُ من كَلمةِ التَّوحيدِ التي هي أصلُ تَوحيدِ الكَلمةِ، مُرورًا بالعَقباتِ الكَؤودِ التي تَحولُ دُونَ مُواصَلةِ هذه المَسيرةِ، فيَعملُ على تَذليلِها، ليتَجاوزَها وُصولاً إلى الهَدفِ المَنشودِ منها، وهو: إعلاءُ كَلمةِ الحقِّ صَرخةً مُدوِّيةً في الآفَاقِ، وتَأهِيلُ الإنسانِ، وتَشييدُ حَضارةِ الإسْلامِ...
وبمَا أنَّ بَحْثَنا مُنصَبٌّ على الإمَامِ عليٍّ رضي الله عنه ، فسنتَوقَّفُ في هذه المَرْحَلَةِ على وَاقِعِ القَضَاءِ العَلويِّ في عَهْدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يُعِدُّ عليًّا إلى اليَمنِ:
في سَبِيلِ تَحقِيقِ ما يَطْمَحُ إليه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أمرَ عليًّا رضي الله عنه
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 109أن يَنطَلِقَ إلى اليَمَنِ، يَقضِي بينَ النَّاسِ، ويَدْعُو هَمْدانَ(148) لعلَّها تَدْخلُ في الإسْلامِ. فيَعتَذِرُ عليٌّ رضي الله عنه أوَّلَ الأمْرِ، مُتعلِّلاً بصِغَرِ سِنِّه، وعَدَمِ صَلاحيَّتِه للقَضاءِ! ويدُورُ بينَه وبينَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم هذا الحِوَارُ:
يقولُ عليٌّ رضي الله عنه : بَعثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى اليَمَنِ وأنا شَابٌّ! فقلتُ له: يَا رَسُولَ اللهِ! تَبعَثُنِي إلى قَومٍ أسنَّ منِّي، وأنا حَدَثٌ لا أبْصِرُ القَضاءَ؟!
فقالَ: «اُدْنُ» . فدَنَوْتُ، فوَضَعَ يدَه على صَدرِي، وقالَ: «اللَّهمَّ، ثَبِّتْ لِسَانَه، واهْدِ قَلبَه.
يا عليُّ، إذا جَلَسَ إليكَ الخَصْمَانِ، فلا تَقْضِ بينَهما حتى تَسمعَ من الآخَرِ مَا سَمِعتَ من الأوَّلِ. فإنَّكَ إذا فَعلْتَ ذلك تَبيَّنَ لك القَضَاءُ» .
قالَ: «فمَا شَككْتُ في قَضَاءٍ بينَ اثنَينِ». أو قالَ: «فمَا اختَلَفَ عليَّ قَضَاءٌ بَعْدُ». أو: «مَا أشْكَلَ عليَّ قَضَاءٌ بَعْدُ»(149) .
بعدَ ذلك ذُكِرَ عندَ النَّبيِّ صلى
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 110الله عليه وسلم قَضَاءٌ قَضَى به عليٌّ رضي الله عنه فأُعْجِبَ به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وقالَ: «الحَمْدُ للهِ الذي جَعَلَ فِينَا الحِكْمَةَ أهلَ البَيتِ»(150)
عليٌّ في اليَمنِ:
بالإضَافةِ إلى كَونِ القَضَاءِ عِلمًا، فهو مَوهِبةٌ من اللهِ، والمَواهِبُ خَصائِصُ يختَصُّ اللهُ بها مَن يَشَاءُ من عِبَادِه. والعِلْمُ يُغذِّي المَوهِبةَ، ويُعطِيها أبعَادًا وَاسِعةً. فكَيفَ إذا اجتَمعَ العِلْمُ والتَّقوَى مَعَ المَوهِبةِ؟ وكَيفَ إذا اقتَرَنَ ذلك كُلُّه بالمَهابَةِ!؟
اجتَمعَت تلك الصِّفاتُ كلُّها في عليٍّ رضي الله عنه ، فكانَ ذا حُكمٍ عَادلٍ وقَضاءٍ صَائبٍ نَافذٍ. وقد أدْرَكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَخصِيَّةَ عليٍّ رضي الله عنه ، فقلَّدَه مَهامَّ القَضاءِ وهو لا يَزالُ يَافِعًا في رَيْعَانِ الشَّبابِ. فخَبَرَ منه ما جَهِلَه غيرُه وأحَاطَ بزِمَامِه، فلم تتَفلَّتْ منه قَضيَّةٌ وَاحِدةٌ.
ومَا بَرِحَ عليٌّ رضي الله عنه يتقلَّبُ في القَضَاءِ منذُ عَهِدَه إليه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، مُرُورًا بخِلافَةِ إخوَانِه الثَّلاثةِ الذين وزرَ لهم، إلى عَصرِه الرَّشيدِ. حتى اعتبرَه الصَّحابةُ رضي الله عنهم أقضَى أهلِ المَدِينَةِ. ولا غَرْوَ أن بَلَغَ عليٌّ رضي الله عنه في القَضَاءِ الكَعْبَ المُعلَّى، فقد انتَدبَه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم من بينِ سَائرِ الأصْحَابِ رضي الله عنهم ليُرسِلَه إلى بلادِ اليَمنِ السَّعيدِ، دَاعِيًا، ومُعلِّمًا، وقَاضِيًا ومُفتِيًا، ومُرشِدًا ومُوَجِّهًا.
وإنْ لمْ يَكُنْ عليٌّ رضي الله عنه أفْقَهَ مِن غَيرِه في شُؤونِ الفَتوَى والقَضاءِ،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 111وأكَثْرَ عِلْمًا بمَا تَقتضِيه هذه المَهمَّةُ العِلميَّةُ والمَسِيرةُ الدَّعويَّةُ، فلا أقلَّ مِن أنْ يكونَ في مَرتبةِ فُقهاءِ الصَّحابةِ وكِبَارِ عُلمائِهم وقُضَاتِهم.
نَجَحَ عليٌّ رضي الله عنه في مَهمَّتِه المَوكُولَةِ إليه، وأسْلمَت هَمْدانُ. وعمَّا حَصَلَ في اليَمنِ إبَّانَ قُدومِ عليٍّ رضي الله عنه إليها، يُحدِّثنا البَراءُ بنُ عِازبٍ (ت 72 هـ) رضي الله عنه ، إذْ كانَ رَفِيقَ دَربِه، يقولُ:
بَعَثَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم خَالِدَ بنَ الوَليدِ (ت 21 هـ) رضي الله عنه إلى أهلِ اليَمنِ يَدعُوهم إلى الإسْلامِ، فلمْ يُجِيبُوه! ثمَّ إنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ عليَّ بنَ أبِي طَالبٍ رضي الله عنه ، وأمرَه أنْ يُقْفِلَ خَالِدًا ومَن كان معَه إلا رَجُلاً ممَّن كانَ معَ خَالدٍ أحبَّ أن يُعقِّبَ معَ عليٍّ رضي الله عنه فليُعقِّبْ معَه.
قالَ البَرَاءُ رضي الله عنه : فكُنْتُ ممَّن عَقَّبَ معَه، فلمَّا دَنَوْنَا مِنَ القَومِ خَرجُوا إلينا، فصلَّى بنَا عليٌّ رضي الله عنه الفَجْرَ. فلمَّا فَرَغَ، صَفَّنا صفًّا وَاحِدًا، ثمَّ تَقدَّمَ بينَ أيدِينَا، فحَمِدَ اللهَ، وأثنَى عليه. ثمَّ قَرأَ عليهم كِتَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فأسْلَمَت هَمْدانُ كلُّها في يَومٍ وَاحدٍ، وكَتَبَ بذلك إلى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلمَّا قَرأ كِتَابَه خَرَّ سَاجِدًا، ثمَّ رَفَعَ رَأسَه، وقالَ: «السَّلامُ على هَمْدانَ، السَّلامُ على هَمْدانَ»(151) .
أصَابَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في تَفرُّسِه وحُسْنِ انتِقَائِه، كمَا أحْسَنَ عليٌّ رضي الله عنه في أدَاءِ مَا ائتُمِنَ عليه، والقيامِ بالمَهمَّةِ المُسنَدةِ إليه. واستَجابَ اليَمنيُّونَ لرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 112وسلم، فانتَشرَ الإسْلامُ في بِلادِهم، وعمَّ الخَيرُ أرْجَاءَها، وفَقِهُوا دِينَهم الحَنِيفَ، وأفَادُوا من وُجودِ عليٍّ رضي الله عنه بينَ أظْهُرِهم حُكْمًا عَدْلاً، وقَضَاءً صَائِبًا، ما استَحصَلُوا به على دَعوَةٍ من نَبيِّهم صلى الله عليه وسلم تَجُوبُ الآفَاقَ، وتُفتَحُ لها أبوابُ السَّبعِ الطِّباقِ، وتَلقَى عندَ ربِّها قَبولاً ووِفَاقًا.
مَزَجَ عليٌّ رضي الله عنه بينَ الفِقْهِ والدَّعوَةِ ليوجِّه سُلوكَ المُكلَّفِينَ، فأخذَ يُقلِّبُهم معَ آيَاتِ الكِتَابِ وأحَاديثِ السُّنَّةِ. وفيهما يَرِدُ التَّرغِيبُ مَقرُونًا بالتَّرهيبِ، والوَعْدُ بالوَعيدِ، فتتَجلَّى العِنايةُ القُصوَى من الفِقْهِ الذي يَربِطُ قُلوبَ العِبَادِ برَبِّهم، ويتَسامَى بهم عن دَاعِيَةِ الهَوَى إلى طَاعَةِ المَولَى.
مَكَثَ عليٌّ رضي الله عنه ومَن معَه باليَمَنِ إلى أنْ قَدِمَ حَاجًّا إلى مَكَّةَ، فوَافَى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم في حَجَّةِ الوَداعِ(152) . وقد ضَرَبَ أرْوَعَ الأمثِلَةِ في أدَاءِ الأمَانَةِ.
أقْضِيَةُ عليٍّ في بِلادِ اليَمَنِ السَّعيدِ:
لعلَّ أخطرَ ما قامَ به عليٌّ رضي الله عنه في سَفْرَتِه إلى اليَمنِ أنَّه قَامَ قَاضِيًا بينَ أهلِها، وهو الفَتَى الشَّابُّ وهم الكُهُولُ، وفيهم ذَوُو الأسْنَانِ. وربَّما تَحرَّجَ عليٌّ رضي الله عنه في بِدَايةِ الأمْرِ عندَما انتَدبَه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لهذه الغَايةِ، خَشيةَ أن يُخطِئَ فيمَا يحكمُ بينَهم! بَيْدَ أنَّه عندَما
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 113دَعَا له رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بأنْ يَهدِيَ اللهُ قَلْبَه ويُثبِّتَ لِسَانَه، انطَلقَ وكأنَّما أُنشِطَ من عِقَالٍ، خَاصَّةً وقد أنَارَ له الطَّرِيقَ بوَصيَّةٍ أوْصَاه إيَّاها، ضَمِنَت له صِحَّةَ الإجَابةِ في الحُكْمِ، إنْ هو التَزمَ بها.
فكانَ أنِ اعتَرَفَ عليٌّ رضي الله عنه بأنَّ قَضَاءً لمْ يُشكِلْ عليه بعدَ ذلك، ولا اختَلَفَ عليه حُكْمٌ. ذلك أنَّ الوَصيَّةَ هذه قد فَتَقَت له العِلْمَ فَتْقًا، وفتَحَت له أبْوَابَ القَضَاءِ فَتْحًا.
حَفِظَت لنا كُتُبُ الحَديثِ والفِقْهِ والتَّارِيخِ... مَجمُوعةً من قَضايَاه التي حَكَمَ بمَوجبِها وأصدرَها أثناءَ إقَامتِه في اليَمَنِ، دلَّت على عَظيمِ تَصوُّرِه عن الإسْلامِ، وإحَاطتِه به جُملةً وتَفصِيلاً. فأتَت تلك الوَقائِعُ مُدلِّلةً على دِقَّةِ التَّقدِيرِ النَّبويِّ لهذه الشَّخصيَّةِ العَظِيمَةِ في مَجالِ القَضاءِ.
مِن أشْهَرِ تلك الأقضِيَةِ:
قِصَّةُ الزُّبْيَةِ(153) :
هذه أوَّلُ قَضيَّةٍ تُواجِهُ القَاضِي الشَّابَّ في أُولَى تَسلُّمِه لمَنْصبِه الجَديدِ.
قالَ عليٌّ رضي الله عنه «لمَّا بَعثَنِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلى اليَمَنِ، انتَهينَا إلى قَوْمٍ قد بَنَوا زُبْيَةً للأسَدِ. فازْدحَم النَّاسُ على الزُّبْيَةِ، ووَقعَ فيها
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 114الأسدُ. فبينَا هم كذلك يَتدافعُونَ، إذ سَقطَ فيها رَجلٌ، وتَعلَّقَ برَجلٍ، وتَعلَّقَ الآخَرُ بآخَر، حتى صَارُوا أربعةً، فجرحَهم الأسدُ فيها.
فانتدبَ له رجلٌ بحَربةٍ فقتلَه، وماتُوا من جِراحَتِهم كلُّهم. وحملَ القومُ السِّلاحَ، فكادَ أن يكونَ بينَهم قِتالٌ. فأتيتُهم فقلتُ: أتَقتُلونَ مائتَي رَجلٍ من أجلِ أربعةِ أناسٍ (وفي رواية: تُرِيدونَ أنْ تَقاتلُوا ورَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حيٌّ). تَعَالَوا أقْضِي بينَكم بقَضَاءٍ، فإنْ رَضِيتمُوه فهو قَضاءٌ بينَكم، وإنْ أبيتُم رَفعْتُم إلى رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم وهو أحَقُّ بالقَضاءِ. (وفي رواية: وإلا حُجِزَ بَعضُكم عن بَعضٍ حتى تَأتُوا النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فيكون هو الذي يَقضِي بينَكم، فمَن عَدا بعدَ ذلك فلا حقَّ له).
اجمَعُوا في القَبائلِ الذين حَضرُوا البِئْرَ رُبْعَ الدِّيَةِ، وثُلُثَ الدِّيَةِ، ونِصْفَ الدِّيَةِ، والدِّيَةَ كَامِلةً. فللأوَّلِ الرُّبْعُ من أجلِ أنَّه أهلَك مَن يَلِيه، والثَّانِي ثُلُثُ الدِّيَةِ من أجلِ أنَّه أهلَك مَن فوقَه، والثَّالِثُ نِصْفُ الدِّيَةِ مِن أجلِ أنَّه أهلَك مَن فوقَه، والرَّابِعُ الدِّيَةُ كَامِلةً.
فسَخِطَ بَعضُهم، ورَضِيَ بَعضُهم. ثمَّ قَدِمُوا على رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلقوه عندَ مقامِ إبراهيمَ صلى الله عليه وسلم، فقصُّوا عليه القِصَّةَ. فاحتبَى بُرْدَه، ثمَّ قالَ: «أنَا أقضِي بينَكم» فقالَ قَائِلٌ: إنَّ عليًّا رضي الله عنه قد قَضَى بينَنا. فأخبرَه بمَا قَضَى عليٌّ رضي الله عنه فأمضَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَضاءَ عليٍّ رضي الله عنه وقالَ: «القَضَاءُ كمَا
تُرسِّخُ هذه الحَادِثةُ مَبدأ تَعدُّدِ دَرجَاتِ التَّقاضِي(155) ، ويكونُ الحقُّ للمُتداعِينَ في رَفْعِ الدَّعوَى مرَّةً ثانيةً أمامَ مَحكمةٍ أعلَى مِنَ الأولَى للنَّظَرِ في الحُكْمِ الذي أصدرَتْه، فتُؤيِّدُه أو تَنقُضُه(156) . «الوَجْهُ من الحَديثِ: أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نَظَرَ في القَضيَّةِ التي حَكَمَ فيها قَاضِيه باليَمنِ، ممَّا يُعَدُّ إقْرَارًا لمَبدَأ استِئنَافِ الدَّعوَى مِن جَديدٍ أمامَ مَن هو أعلَى دَرجةً في الفِقْهِ القَضائيِّ، بسَببِ عَدمِ رِضَى المَحكومِ عليه بقَضاءِ القَاضِي الأقلِّ دَرجةً»(157) .
واستَخْلَصَ الفُقَهَاءُ مِن هذه الحَادِثَةِ القَاعِدَةَ الفِقْهيَّةَ التَّالِيةَ: «الغَائِبُ على بَيِّنَتِه إنْ قَدِمَ بعدَ الحُكْمِ وجَرَحَ الشُّهُودَ بأمْرٍ كانَ قَبْلَ الشَّهَادَةِ بَطَلَ الحُكْمُ»(158) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
بِنَاءً على هذا التَّأصيلِ، يُمكِنُنا أن نزعمَ أنَّ الفِقْهَ الإسلاميَّ عَرَفَ في عَهدِ عليٍّ رضي الله عنه نَوعَينِ منَ المَحاكمِ الشَّرعيَّةِ:
مَحكَمةُ المَوضُوعِ ، وهي: مَحاكِمُ الدَّرجَةِ الأولَى التي تَنظرُ في الدَّعاوَى، وتَفصِلُ في النِّزَاعِ، وتُصدِرُ الأحكامَ. المَحكَمةُ العُلْيَا ، أو مَحكَمةُ المُراقَبةِ، وهي: التي تَقومُ بمُراقَبةِ أعمَالِ القُضَاةِ، وتَنظرُ في أحكَامِ القُضَاةِ. فمَا وَافَقَ الحَقَّ والشَّرعَ منها أمضَاه على مَا هو عليه، وما خَالفَه نَقَضَه ورَدَّه إلى القَاضِي ليُعِيدَ النَّظرَ فيه(159) .
ثَلاثَةٌ وَقَعُوا على امرَأةٍ في طُهْرٍ:
أُتِيَ عليٌّ رضي الله عنه بثَلاثَةِ نَفَرٍ – وهو في اليَمنِ- وَقعُوا على امرَأةٍ في طُهْرٍ وَاحدٍ! فولَدَت وَلدًا، فادَّعوه! فقالَ عليٌّ رضي الله عنه لأحَدِهم: «تَطِيبُ به نَفْسًا لهذا؟». قالَ: لا. وقالَ لآخَر: «تَطِيبُ به نَفْسًا لهذا؟». قالَ: لا. وقالَ للآخَر: «تَطِيبُ به نَفْسًا لهذا؟». قال: لا.
فقالَ: «أرَاكُم شُركاءَ مُتشاكِسونَ، وأنَا مُقرِعٌ بينَكم، فأيُّكم أصَابَتْه القُرْعَةُ أغرَمْتُه ثُلُثَي القِيمَةِ وألْزَمتُه الوَلَدَ».
فذَكرُوا ذلك للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فضَحِكَ حتى بدَت نَواجِذُه، وقالَ: «مَا أجِدُ فيها إلا مَا
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ضَحِكَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إقرَارًا لهذا الحُكْمِ بالصِّحَّةِ، وذلك أنَّ ضَحِكَه إنَّما كانَ فَرَحًا وسُرُورًا بتَوفِيقِ اللهِ تعالى عليًّا رضي الله عنه للصَّوابِ.
ويُحتَملُ أنَّ ما حَصَلَ من النَّفرِ الثَّلاثَةِ إنَّما كانَ قَبْلَ إسلامِهم، لأنَّ فِعلَهم مُحرَّمٌ في دِينِ اللهِ تعالى، كمَا لا يَخْفَى. أو أنَّ المَرْأةَ ممَّن يَطولُ طُهْرُها، فأصابَ منها ثَلاثَةُ أزْواجٍ.
والقُرْعَةُ إحدَى وَسائلِ الإثبَاتِ التي اعتَمدَها عليٌّ رضي الله عنه في إصْدَارِ الأحكَامِ متَى تَشاحَّ المُدَّعونَ في حَقٍّ من الحُقوقِ وقد استَووا في استِحقَاقِه، ولا مِيزَةَ لوَاحدٍ منهم على الآخَرِ، أو أُبهِمَ صَاحِبُ الحَقِّ ولا مُرَجِّحَ، وعلى هذا جَرَى نَظْمُ بَعضِ أهَلِ العِلْمِ:
| تُستَعملُ القُرْعَةُ عندَ المُبهَمِ | من الحُقُوقِ أو لَدَى التَّزَاحُمِ(161) ( 161 ) |
|---|
المطلب الثاني القضاء العلوي في عهد الخلفاء الراشدين
حَصَلَ في عَهْدِ الخُلفَاءِ -عُمُومًا- تَقعِيدٌ وتَأصِيلٌ وتَأسِيسٌ للأقضِيَةِ والأحكَامِ، على مَا جَمعُوه من سُننِ الرَّسولِ صلى الله عليه وسلم وحَفِظُوه عنه فيها. لذا يُعتبَرُ القَضاءُ في عَهدِ الخُلفاءِ الرَّاشدِينَ المَرحلةَ التَّطبِيقيَّةَ للقَضاءِ تَأسِيسًا على نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ، و تَأصِيلاً للأحكَامِ على ما فُهِمَ من سُنَنِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم في هذا البَابِ من بَعدِه.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
تَظهَرُ - في هذه المَرحَلةِ- الطَّرِيقةُ الصَّحِيحةُ للنَّظَرِ والاجتِهَادِ في أَعيَانِ الحَوادثِ المُستجِدَّةِ في وَاقِعِ النَّاسِ، ولم يكُنْ لهَا نَصٌّ يَخُصُّ آحَادَها من المُشرِّعِ. فيتَحقَّقُ قِيَامُ المُقتَضِي لاستِخرَاجِ العِلَلِ، وتَحقيقِ المَناطَاتِ، واستِجلاءِ الأقيِسَةِ السَّالِمَةِ من العَوارضِ والنَّواقضِ.
بلغَ عليٌّ رضي الله عنه من ثِقَةِ الصَّحابةِ به، وإجلالِ الخُلفاءِ له، أن جَعلُوه وَزِيرَ خِلافَتِهم، ونَصبُوه مُستشارَ دَولتِهم، والنَّاطِقَ الرَّسميَّ باسمِهم في أعوَصِ القَضايَا وأخطرِها. قالَ النَّوويُّ رحمه الله: «سُؤالُ كِبَارِ الصَّحابةِ له، ورُجوعُهم إلى فتَاوِيه وأقوَالِه، في المَواطنِ الكَثِيرَةِ، والمَسائلِ المُعْضِلاتِ مَشهُورٌ»(162) .
عادَ إليه الفَارُوقُ أبو حَفْصٍ رضي الله عنه في غَيرِ ما قضيَّةٍ، فلم يَجدِ الجَوابَ الكَافِي إلا عندَه، حتى قالَ فيه: «عليٌّ أقضَانَا»(163) ، لذا يُعتبَرُ عليٌّ رضي الله عنه أقضَى الصَّحابَةِ رضي الله عنهم على الإطْلاقِ.
وهذا ابنُ عمرَ رضي الله عنهما يَسِيرُ على خُطَى وَالدِه، فيُشِيرُ على مَن سَألَه أن يَعُودَ إلى عليٍّ رضي الله عنه فيسألُه. قالَ: إنِّي رَمَيْتُ الجَمرةَ، ولم أدرِ: رَميْتُ سِتًّا أو سَبعًا! قالَ: ائْتِ ذاك الرَّجلَ - يُرِيدُ: عليًّا- فذهبَ فسألَه، فقالَ: «أمَّا أنَا لو فعلتُ في صَلاتي؛ لأعدْتُ الصَّلاةَ». فجاءَ فأخبرَه بذلك. فقالَ: صدقَ، أو أحْسَنَ(164) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فابنُ عمرَ رضي الله عنهما يُحِيلُ إلى عليٍّ رضي الله عنه ويدلُّ النَّاسَ على أن يَسألوه ويَستفِيدُوا من علمِه.
ولم يكن مَعاويةُ رضي الله عنه يأنفُ أن يكتبَ فيما يَنزلُ به، ليَسألَ عليًّا رضي الله عنه عن ذلك. ولمَّا بلغَه مَقتلُه، قال مُتألِّمًا على خَسارتِه به: «ذَهَبَ الفِقهُ والعِلمُ بمَوتِ عليِّ بن أبي طَالبٍ رضي الله عنه(165) » .
حدثَ أنَّ رجلاً من أهل الشَّامِ يُقالُ له: ابنُ خَيْبَري(166) ، وَجَدَ مع امرأتِه رَجلاً، فقتلَه، أو قتلَهما. فأشكلَ على مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ القَضاءُ فيه! فكتبَ إلى أبي موسى الأشعريِّ رضي الله عنه يسألُ له عليَّ بنَ أبي طَالبٍ رضي الله عنه عن ذلك(167) . فسألَ أبو مُوسَى عن ذلك عليَّ بنَ أبي طَالبٍ رضي الله عنهما. فقالَ له عليٌّ رضي الله عنه : «إنَّ هذا الشَّيءَ ما هو بأرضِي! عَزَمْتُ عليك لتُخْبِرَنِّي».
فقالَ له أبو مُوسَى رضي الله عنه : كَتَبَ إليَّ مُعاويةُ بنُ أبي سُفيانَ أن أسألَكَ عن ذلك.
فقالَ عليٌّ رضي الله عنه : «أنا أبو حَسَنٍ القَرْم(168) ، إنْ لم يَأتِ بأربَعَةِ شُهداءَ، فليُعْطَ برُمَّتِه(169)(170) ) ( ».
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
يشير عليٌّ رضي الله عنه إلى التحديث بنعمة ربه الذي أعطاه من العلوم ما يحتاج إليه الخصوم.
جاءَ رجلٌ إلى مُعاويةَ رضي الله عنه ، فسألَه عن مَسألةٍ. فقالَ: «سَلْ عنها عليَّ بنَ أبي طَالبٍ، فهو أعلمُ». فقالَ: يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ، جَوابُكَ فيها أحبُّ إليَّ من جَوَابِ عليٍّ.
فقالَ: «بِئسَ ما قُلْتَ! ولُؤْمَ ما جِئْتَ به! لقد كَرِهْتَ رجلاً كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَغُرُّه العِلْمَ غَرًّا(171) وكانَ عمرُ إذا أشكلَ عليه شَيءٌ؛ يأخذُ منه. ولقَد شَهِدْتُ عمرَ وقد أشكلَ عليه شَيءٌ، فقالَ: «هَا
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 121هُنا عليٌّ». قُمْ، لا أقامَ اللهُ رِجلَيكَ»(172)
وهذا سائلٌ يَستفْتِي سُوَيدَ بنَ غَفَلةٍ (ت 81 هـ) رحمه الله(173) عن فَرِيضَةٍ. فيُجِيبُه بقَضاءٍ لعليٍّ رضي الله عنه . فيَكْتَفي السَّائِلُ بقَضَائِه، كأنَّه استَحسنَه أو استَصوبَه. عن سُوَيدٍ أنَّه جَاءَه رَجلٌ يَسألُه عن فَرِيضَةِ رَجلٍ تَرَكَ ابنتَه وامرأتَه؟ فقال: أنا أُنبِئُك قَضَاءَ عليٍّ رضي الله عنه . قالَ: حَسبِي قَضاءُ عليٍّ رضي الله عنه .
قالَ: قضَى عليٌّ رضي الله عنه : لامرَأتِه الثُّمُنُ، ولابنتِه النِّصْفُ، ثمَّ رَدَّ البَقيَّةَ على ابنَتِه(174) .
هذه المَنزِلةُ العليَّةُ خوَّلته أن يتَصدَّرَ للتَّعليمِ والإفتاءِ، وأن يتأهَّبَ للإرشادِ والقَضاءِ. وإذا ما رأى النَّاسَ قد انشَغلُوا عن التَّفقُّه في دينِ اللهِ حثَّهم على العلمِ؛ بأن يسألُوه عمَّا يُشكِلُ عليهم تارةً، وبمُذاكَرتِهم فيما يُحسِنونَه تارةً أخرى. فإنَّه واحدٌ ممَّن أُمِرنَا بالأخذِ عنهم، في قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ فَاسأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(175) ﴾ .
وهذا سَائلٌ يَسألُ عُمرَ رضي الله عنه عن بَيْضِ النَّعامِ يُصِيبُه
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 122المُحرِمُ. فقالَ له عُمَرُ رضي الله عنه «أرأيتَ عليًّا، فَاسْأَلْه، فإنَّا قد أُمِرنا أن نُشاوِرَه»(176) ومرَّةً أخرَى يَقُولُ عمرُ رضي الله عنه لرَجُلٍ: «اجْعَلْ بَينِي وبَينَكَ مَن كُنَّا إذا اختَلفنا في شيءٍ أن نُحكِّمَه»، يعني: عليًّا رضي الله عنه(177)
وقد تقرَّرَ في (الأصُولِ)(178) أنَّ صِيغَةَ الأدَاءِ متى وَرَدَت على هذا النَّحوِ –من بِنَاءِ الفِعْلِ للمَجهُولِ من قَوْلِ الصَّحابيِّ- أفادَت أنَّ للحَديثِ حُكْمَ الرَّفْعِ، فيكون الآمِرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فيتعيَّنُ العملُ به.
دَرَجَتُهُ في القَضَاءِ:
عُيِّنَ عليٌّ رضي الله عنه في مَنصبِ القَضاءِ منذ زَمنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكان يُدرِكُ في حينِها أنَّ فَصْلَه في أيَّةِ قَضيَّةٍ لا يَكُونُ مُبرَمًا. فكانَ إذا قَضَى في مَسألَةٍ ما، أخبرَ أطرافَها أنَّ بإمكانهم- في حَالِ عَدمِ قَبولِهم بالحُكمِ الذي يُصدِرُه- مُراجعةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ليتولَّى فَصْلَ القَضيَّةِ بنَفسِه.
فعليٌّ رضي الله عنه في قَضائِه زَمَنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يُشبِهُ ما يُسمَّى اليَومَ: بمَحكَمةِ البِدَايةِ(179) ، التي تَقبلُ أحكامُها –أو القَضايَا المَعرُوضةُ أمَامَها- النَّظرَ من قِبَلِ مَحكَمةٍ عُليَا.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أمَّا فِي مَا بعدُ، فغدَا وَاحِدًا منِ القِلَّةِ الذين يُرجَعُ إليهم في مُشكلاتِ القَضايَا، وممَّن كانوا يَملكونَ صَلاحيَّةَ النَّقْضِ لأحكامِ من توَزَّرَ لهم، بما يَملِكُه من علمٍ، وما يُقدِّمُ من حُجَّةٍ، وما يُزِيلُ من التِبَاسٍ. وبالمُقارَنةِ معَ ما هو كَائِنٌ اليومَ، فقد كانَ عليُّ بنُ أبي طَالبٍ رضي الله عنه يُمثِّلُ مَا تَقُومُ به مَحاكِمُ التَّمييزِ(180) ، التي تَملِكُ الحقَّ في إبرَامِ الأحكامِ ونَقْضِها.
عُلمَاءُ الصَّحابَةِ يَشهدُونَ لعليٍّ:
هذه شَهادَاتُ بَعضِ عُلمَاءِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم تُنبِئُك عن مَنزِلَةِ عَليٍّ رضي الله عنه في القَضَاءِ:
كانَ سَيِّدُنا عمرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه يقولُ: «عليٌّ أقضَانا»(181) ويَتعوَّذُ باللهِ من مُعْضِلَةٍ ليس لها أبو الحَسَنِ(182) يَنقلُ لنَا ابنُ مَسعُودٍ رضي الله عنه حِكَايةً عن مُجتَمعِ الصَّحابَةِ أنَّهم
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
كانُوا يتَحدَّثونَ: «أنَّ أقضَى أهلِ المَدِينَةِ: عليُّ بنُ أبي طَالبٍ رضي الله عنه(183) وابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما-بدَورِه- يُخبِرُنا بكُلِّ أمَانَةٍ وتَواضُعٍ أنَّه «إذا بَلغَنا شَيءٌ تَكلَّمَ به عليٌّ رضي الله عنه قَضاءً أو فُتيَا، لم نُجاوِزْه إلى غَيرِه»(184)
إنَّ الدَّورَ الذي لَعِبَه عليٌّ رضي الله عنه طِيلةَ وِزَارتِه للخُلفاءِ، والذي يَستنِدُ إلى ما تَمتَّعَ به من شَخصيَّةٍ تميَّزَت بجَميعِ ما يَلزمُ القَاضِي أنْ يَتميَّزَ به، من سَعَةِ أُفقٍ، وعلمٍ، ودِرَايةٍ بأصُولِ التَّقاضِي، والفِقْهِ بكتابِ اللهِ وسنَّةِ رَسُولِه صلى الله عليه وسلم... هو دَوْرُ المَرجعِ الأعْلَى في القَضاءِ، الذي له سُلْطةٌ فوقَ سُلْطةِ الخَليفةِ، الذي يُقرُّ له دَائمًا بهذه المَرجعيَّةِ، ولا يمنعُه شغلُه لأعلى مَنصبٍ في دَولةِ الإسلامِ، من أنْ يَنتقلَ بنَفْسِه إلى حيث يكونُ عليٌّ رضي الله عنه ، ليَعرِضَ عليه قَضيَّةً أشكلَت عليه، أو أدركَ أنَّه ليس بمُستطاعِه إصدارُ الحُكْمِ الصَّحيحِ فيها، فيطلبُ إليه أن يُصدِرَ حُكْمَه دون أيِّ غَضَاضَةٍ.
وكانَ كِبَارُ الصَّحابَةِ وخُلفَاؤُهم رضي الله عنهم يَدلُّونَ المُستَفتِي عليه، رُفِعَت إلى عثمانَ رضي الله عنه مَسألَةٌ، فقالَ: «هذا أمرٌ ليسَ لي به عَلْمٌ. ارفَعُوه إلى عليِّ بنِ أبِي
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ اختيارَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لعليٍّ رضي الله عنه ، ودُعاءَه له، وهو الشَّابُّ الغِرُّ وفي المَدينةِ الشُّيوخُ الكِبارُ؛ كانَ له أكبرُ الأثرِ في حَياتِه العِلميَّةِ، حتى صارَ مَضرِبَ المَثلِ السَّائرِ، لِمَ لا؟ «وهو أجلُّ القُضَاةِ»(186) . وممَّا قِيلَ فيه:
| لا يكونُ السَّريُّ مِثلَ الدَّنيِّ | لا ولا ذُو الذَّكاءِ مِثلَ الغبيِّ |
|---|---|
| قِيمةُ المَرءِ كُلَّما يُحسِنُ المَر | ءُ قَضاءً من الإمَامِ عليِّ(187) ( 187 ) |
قال أبو نُعَيمٍ الأصَفهانِيُّ (ت 430 هـ) رحمه الله وهو يُعدِّدُ مَواهِبَ عليٍّ رضي الله عنه : «أقومُهم قَضِيَّةً وإيقَانًا، وأعظمُهم حِلْمًا، وأوفرُهم عِلْمًا»(188) .
لقد أثَّرَ أمِيرُ المُؤمنِينَ عليٌّ رضي الله عنه في المُؤسَّسةِ القَضائيَّةِ بدَورِه الفَعَّالِ وإصلاحَاتِه في المَجالاتِ كَافَّةً، كمَا أنَّه سَاهمَ في تَطوِيرِ المَدارسِ الفِقهيَّةِ الإسلاميَّةِ، باجتِهادَاتِه الدَّالَّةِ على سَعَةِ اطِّلاعِه، وغَزَارَةِ عِلْمِه، وعُمْقِ فِقهِه، ودِقَّةِ فَهمِه، واستيعابِه لمَقاصدِ الشَّريعَةِ الغرَّاءِ.
فلا عَجبَ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 126بعدئذٍ أن يكونَ لعليٍّ رضي الله عنه مَنزِلةٌ جَلِيلةٌ في الإسلامِ، تُجَسِّدُ عَظمةَ هذا الرَّجلِ، وتُترجِمُ ما يَحمِلُه من مَواهِبَ كَامِنَةٍ في وِجدانِه عَمليًّا في وَاقعِ ودُنيَا النَّاسِ.
** *
المبحث الثاني القضاء العلوي في عهد علي
ويَشتمِلُ على ثَلاثَةِ مَطالِبَ، هي:
المطلب الأول القضاء من منظور أمير المؤمنين
المَطلَبُ الثَّانِي: الإبْقَاءُ على أسْلُوبِ القَضَاءِ.
المَطلبُ الثَّالِثُ: مَوقِفُ
PDF 127عليٍّ من الأحْكَامِ السَّابقَةِ.
المَطلبُ الثَّالِثُ: القَضَاءُ مِن مَنظُورِ أميرِ المُؤمنِينَ:
الإنسَانُ المَدَنِيُّ لا يَستقِلُّ وَحدَه بجَميعِ ما تَقتَضِيه الحَياةُ الاجتِماعيَّةُ من ضَروريَّاتٍ وحَاجيَّاتٍ وتَحسينيَّاتٍ، وهذا يَعودُ إلى أصْلِ خِلقَتِه التي جُبِلَ عليها، من كَونِه مَدنيًّا بطَبعِه(189) ، يَأنسُ ببَني جِنْسِه، فيألفُهم ويألفُونَه، ويُشكِّلونَ معَ بَعضِهم مَنظُومةً مُتناغِمةً من الحَياةِ البَشريَّةِ المُتكامِلَةِ، التي يَفتَقِرُ فيها آحادُ أفرادِها إلى غيرِه(190) ، فكانَ لا بُدَّ «مِن أنْ يكونَ مُنضمًّا إلى أشْخَاصٍ من بني جِنْسِه، ومُتمدِّنًا في مَكانٍ بعَينِه»(191) .
لاحَظَ هذا المَعنَى
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 128عليٌّ رضي الله عنه وقَسَّمَ النَّاسَ بِناءً عليه إلى طَبقاتٍ، فأحْسَنَ السِّيرَةَ في رَعيَّتِه، وتمكَّنَ من وَضْعِ أسمَى قَوانينِ الإدَارَةِ وقَوَاعدِ الحُكْمِ، التي حَفِظَها له التَّارِيخُ الحَدِيثُ، وشَهِدَ له بالسَّبْقِ في هذا المِضْمَارِ.
يقولُ عليٌّ رضي الله عنه في وَثيقَتِه الدُّستوريَّةِ: «اعْلَمْ أنَّ الرَّعيَّةَ طَبقاتٌ. لا يَصْلُحُ بَعضُها إلا ببَعضٍ. ولا غِنًى ببَعضِها عن بَعضٍ»(192) . وقالَ: «أيُّها النَّاسُ، إنَّه لا يَستَغنِي الرَّجُلُ -وإنْ كانَ ذَا مَالٍ- عن عَشِيرَتِه»(193) .
وإنَّ من الحَاجَاتِ التي يَكثُرُ وُقوعُها، وتَشتدُّ مَفسدتُها، المُناقشَاتِ في النَّاسِ، والخُصومَاتِ فيمَا بينَهم. وغَالِبًا ما تكونُ بَاعِثةً على العَداوَةِ والبَغضَاءِ وفَسادِ ذَاتِ البَيْنِ، كمَا تَهِيجُ على غَمْطِ الحَقِّ وألا يَنقادَ المَرْءُ للدَّليلِ(194) !
ولمَّا كانَ مِن وُجوهِ القَضاءِ الدَّالَّةِ على أهميَّتِه في المُجتمعَاتِ، وأنَّه سِمَةٌ بَارِزةٌ على رُقيِّها: حَسمُه للخِلافَاتِ، وقَطْعُ دَابرِ الفِتْنَةِ، والقَضاءُ على سَائرِ النِّزاعَاتِ... أُنِيطَ برَقَبةِ القَاضِي إحكامُ الأحكَامِ وتَنفِيذُها، حَسبَ ما تقتَضِيه الأدِلَّةُ الشَّرعيَّةُ، وما تستَرعِيه مَصالِحُ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 129الرَّعيَّةِ، دُونَ إخلالٍ بالقَوانينِ العَامَّةِ والقَواعدِ المَرعيَّةِ.
وفي الوُقوفِ على حِكْمَتِه القَاضِيَةِ بأهمِّيَّتِه دَلالةٌ على عَظيمِ مَنزِلَتِه في وَاقعِ النَّاسِ، هذا ما عبَّرَ عنه العلامةُ ابنُ فرحونَ المَالكيُّ رحمه الله إذ يَقولُ: «وأمَّا حِكْمتُه: فرَفْعُ التَّهارُجِ، ورَدُّ النَّوائبِ، وقَمْعُ الظَّالمِ، ونَصْرُ المَظلُومِ، وقَطْعُ الخُصومَاتِ، والأمرُ بالمَعرُوفِ، والنَّهْيُ عن المُنكَرِ»(195) .
هذا مَا قامَ به عليٌّ رضي الله عنه ، ومَارسَه فِعليًّا حينَما رَفعَ إليه رَجلٌ امرأةً خَطبَها، فأبَت، فادَّعى أنَّه تزوَّجها وأقامَ شَاهِدَينِ!
فقضَى عليٌّ رضي الله عنه بينَهما بالزَّوجيَّةِ. فقالَت المَرأةُ: إنَّهما شَهِدَا بالزُّورِ، فزوِّجني أنتَ منه، فقَد رَضِيتُ.
فقالَ عليٌّ رضي الله عنه : «شَاهِدَاكِ زَوَّجاكِ»(196) ، وأمضَى عليها النِّكاحَ(197) .
هذا، وقد تَجلَّت أهمِّيَّةُ القَضاءِ في فِكْرِ عليٍّ رضي الله عنه من خِلالِ عَرْضِ مَشاهِدَ كَثِيرَةٍ، كانَ من بَينِها هذانِ المَشهدَانِ:
المَشهَدُ الأوَّلُ:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 130القَضاءُ عُرْضَةٌ للأخطَاءِ:
إنَّ اللهَ عز وجل أقامَ الحَقَّ بينَ عِبَادِه، وجَعلَ الحُكْمَ بينَهم أرفعَ الأشياءِ، وأجلَّها خَطرًا. قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَن جُعِلَ قَاضِيًا بينَ النَّاسِ، فقَد ذُبِحَ بغَيرِ سِكِّينٍ»(198) .
ولمَّا كانَ مَنصِبُ القَضاءِ بهذه الخُطورَةِ؛ كانَ احتِمَالُ الانزِلاقِ إلى الخَطَأ فيه كَبِيرًا، لأنَّه حِمْلٌ ثَقِيلٌ، والإقدامُ عليه مَظِنَّةُ الهَلاكِ(199) . فعلَى الرَّغْمِ من أنَّ القَضاءَ يُعَدُّ مَظِنَّةً لحُدوثِ الأخْطَاءِ، إلا أنَّ حَاجةَ الأمَّةِ إليه دَاعِيةٌ إلى مُزاوَلتِه، ممَّا يَدلُّ على مَزيدِ اهتِمَامٍ به، وأنَّ وَقْعَه في المُجتَمعِ عَظِيمٌ.
أشَارَ عليٌّ رضي الله عنه إلى هذا المَعنَى بقَولِه: «لَوْ يَعلَمُ النَّاسُ ما في القَضاءِ ما قَضَوا في ثَمَنِ بَعْرَةٍ! ولكن لا بُدَّ للنَّاسِ من القَضاءِ، ومِن إمْرَةٍ: برَّةٍ أو فَاجرةٍ»(200) .
أمَّا احتِمَالُ الانزِلاقِ المُشَارِ إليه، فهو وَاحِدٌ من اثنَينِ:
إمَّا أنْ يكونَ إمَاتةَ حَقٍّ. أو إحْيَاءَ بَاطلٍ. وكِلاهُما على خَطرٍ عَظيمٍ.
لم يُخفِ عليٌّ رضي الله عنه هذه المَسألةَ، بلْ تَوقَّفَ عندَها مُحذِّرًا ومُنبِّهًا، فهو يقولُ: «القُضَاةُ ثَلاثَةٌ: فاثنَانِ في النَّارِ، ووَاحِدٌ في الجنَّةِ.
فأمَّا اللذانِ في النَّارِ:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فرَجلٌ جَارَ عن الحَقِّ مُتعمِّدًا. ورَجلٌ اجتَهدَ رَأيَه فأخطَأ.
وأمَّا الذي في الجنَّةِ: فرَجلٌ اجتَهدَ رَأيَه في الحَقِّ فأصَابَ»(201) .
قالَ قَتادةُ (ت 118 هـ)رحمه الله(202) لأبي العَالِيَةِ (ت 90 هـ) رحمه الله(203) : «مَا بَالُ هذا الذي اجتَهدَ رَأيَه في الحَقِّ فأخطَأ؟».
قالَ أبو العَالِيَةِ رحمه الله: «لو شَاءَ لم يَجلِسْ يَقضِي وهو لا يُحسِنُ يَقضِي»(204) . وفي رِوايَةٍ: «ذَنبُه أنْ لا يكونَ قَاضِيًا إذا لم يَعْلَمْ»(205) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ولَطَالَمَا حَذَّرَ مِن قَاضِي السُّوءِ قَمَّاشِ الجَهْلِ، الذي يُرِيدُ أنْ يَطِيرَ ولمَّا يُرَيِّشْ! وله خُطبَةٌ خَاصَّةٌ في ذَمِّ مَن يتَصدَّى للحُكْمِ بينَ النَّاسِ وليسَ أهلاً لذلك، جَاءَ فيها: «(...) جَلَسَ بينَ النَّاسِ قَاضِيًا ضَامِنًا لتَخلِيصِ مَا التَبَسَ على غَيرِه؛ فإنْ نَزَلَت به إحْدَى المُبْهَمَاتِ هيَّأ لها حَشْوًا رَثًّا مِن رَأيِه، ثُمَّ قَطعَ به! فهو مِن لَبْسِ الشُّبُهَاتِ في مِثْلِ نَسْجِ العَنكَبُوتِ، لا يَدرِي أصَابَ أمْ أخْطَأ. فإنْ أصاَبَ خَافَ أنْ يكونَ قَد أخْطَأ، وإنْ أخْطَأ رَجَا أنْ يكونَ قَد أصَابَ!(206) (...)» .
المَشهَدُ الثَّانِي: أثَرُ العَدْلِ في رِفعَةِ القَضَاءِ:
ممَّا أدركَ النَّاسُ قِيمتَه وأثرَه في وَاقعِهم ومُجتمعَاتِهم، عَبْرَ العُصورِ المُتعاقِبَةِ، وعَرَفُوا حَاجتَهم له واضطِرَارَهم إليه، إقَامةُ العَدْلِ بينَهم، وإشَاعَتُه في عُمومِ شُؤونِهم، حتى أصبحَ استِمساكُ الأمَمِ بهذا الأمْرِ عُنوانَ سَعادَتِها، وسِمةَ قُوَّتِها وسِيادَتِها.
والعَدْلُ هو الأصلُ والأسَاسُ في وَضْعِ النُّظُمِ والتَّشرِيعَاتِ الحَاكِمَةِ لجَميعِ أحوَالِهم في مُعامَلاتِهم وتَفاعُلاتِ حَياتِهم. قالَ ابنُ القَيِّمِ (ت 751 هـ) رحمه الله: «إنَّ اللهَ أرسلَ رُسلَه، وأنزلَ كُتبَه، ليَقُومَ النَّاسُ بالقِسْطِ، وهو العَدْلُ الذي قَامَت به الأرضُ والسَّماواتُ. فإذا ظَهرَت أمَارَاتُ العَدْلِ، وأسْفرَ وَجهُه بأيِّ طَريقٍ كانَ، فثَمَّ شَرْعُ اللهِ ودِينُه»(207) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ولمَّا كانَ العَدْلُ بهذه المَنزِلَةِ شَرَفًا ورِفْعةً، غَدَا في نَظرِ النُّظارِ من أهمِّ الوَظائفِ المَنوطَةِ بمَنصبِ الإمَامةِ العُظمَى والسِّياسَةِ العُليَا للأمَّةِ، تَحقِيقًا لمَصالِحها، ودَرءًا للمَفاسدِ عنها، لنَبذِ كُلِّ مَا مِن شَأنِه الإخلالُ بنِظَامِها مِن الشِّقَاقِ والنِّزَاعِ والمُخاصَمةِ.
جَاءَ النَّصُّ بالحَضِّ على العَدْلِ والأمْرِ به في مَقامِ الحُكْمِ بينَ النَّاسِ خَاصَّةً لعَظيمِ حَاجتِهم إليه، ولكَونِ أحوَالِهم لا تَستقِيمُ إلا به. قالَ اللهُ تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا(208) ﴾ .
«هذه الآيَةُ من أمَّهاتِ الآيَاتِ المُشتَمِلَةِ على كَثيرٍ من أحكامِ الشَّرعِ؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّ الخِطابَ يشملُ جَمِيعَ النَّاسِ في جَميعِ الأمَاناتِ (...) وتَدخلُ الوُلاةُ في هذا الخِطَابِ دُخولاً أوَّليًّا. فيَجِبُ عليهم تَأدِيَةُ ما لديهم مِن الأمَاناتِ ورَدُّ الظُّلامَاتِ، وتَحرِّي العَدْلِ في أحكَامِهم. ويَدخلُ غيرُهم من النَّاسِ في الخِطَابِ، فيَجِبُ عليهم رَدُّ ما لديهم من الأمَانَاتِ، والتَّحرِّي في الشَّهادَاتِ والأخبَارِ (...).
والعَدْلُ هو: فَصْلُ الحُكومَةِ على مَا في كِتَابِ اللهِ عز وجل وسُنَّةِ رَسُولِه صلى الله عليه وسلم، لا الحُكْمُ بالرَّأيِ المُجرَّدِ، فإنَّ ذلك ليسَ من الحَقِّ في شَيءٍ، إلا إذا لم يُوجَدْ دَلِيلُ تلك الحُكومَةِ في كِتَابِ اللهِ، ولا في سُنَّةِ رَسُولِه صلى الله عليه وسلم، فلا بَأسَ باجتِهَادِ الرَّأيِ من الحَاكمِ الذي يَعلمُ بحُكْمِ اللهِ عز وجل ، وبمَا هو أقرَبُ إلى الحَقِّ عندَ عَدمِ وُجودِ النَّصِّ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وأمَّا الحَاكِمُ الذي لا يَدرِي بحُكْمِ اللهِ ورَسُولِه صلى الله عليه وسلم، ولا بمَا هو أقرَبُ إليهما، فهو لا يَدرِي ما هو العَدْلُ؛ لأنَّه لا يَعقِلُ الحُجَّةَ إذا جَاءَته، فضلاً عن أنْ يَحكُمَ بها بينَ عِبَادِ اللهِ»(209) .
وقَد رَفَعَ عليٌّ رضي الله عنه لِوَاءَ العَدْلِ بينَ النَّاسِ، بَعْدَ أنْ تَضَافَرَت لَدَيْه الخِصَالُ الحَمِيدَةُ والمُعطَيَاتُ العِلميَّةُ التي جَعَلَتْه مُؤهَّلاً للقِيَامِ بهذا الدَّوْرِ. فدَعَا في خِطَابِه الذي تَوجَّه به إلى كُلٍّ من الإمَامِ والرَّعيةِ بالعَملِ فيمَا أرْشَدَت إليه الآيَةُ في مَضامينِها كَافَّةً، يقولُ: «حَقٌّ على الإمَامِ أن يَحكُمَ بمَا أنزلَ اللهُ، وأن يُؤدِّيَ الأمَانةَ. فإذا فَعَلَ ذلك، فحَقٌّ على النَّاسِ أن يَسمَعُوا له، وأن يُطِيعُوا، وأن يُجِيبُوا إذا دُعُوا»(210) .
لا شَكَّ أنَّ العَدْلَ الذي تَبلْورَ في فِكْرِ عليٍّ رضي الله عنه ، هو مَا نَطقَت به نُصُوصُ الوَحيَينِ، العَدْلُ الذي هو إحْدَى الدَّعائمِ الرَّئِيسَةِ لبِنَاءِ مُجتَمعٍ مُسْلمٍ(211) . لذا حَذَّرَ في المُقَابلِ مِن الظُّلمِ الذي لا بُدَّ أنْ يَقَعَ فيه مَن جَعَلَ الدُّنيَا نُصْبَ عَينَيه.
يقولُ في وَاحِدَةٍ مِن رَوائعِه: «كيفَ أظْلِمُ أحَدًا لنَفْسٍ يُسرِعُ إلى البِلَى قُفُولُها، ويَطُولُ في الثَّرَى حُلُولُها؟! واللهِ، لوْ أُعْطِيتُ الأقَالِيمَ السَّبْعةَ بمَا تحتَ أفْلاكِها، على أنْ أعْصِيَ اللهَ في نَمْلَةٍ أسْلُبُها جِلْبَ شَعِيرَةٍ(212) مَا فَعَلْتُ. وإنَّ دُنيَاكُم عندِي لأهْوَنُ مِن وَرَقَةٍ في فَمِ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 135جَرادَةٍ تَقْضَمُها. مَا لعليٍّ ولنَعيمٍ يَفْنَى، ولَذَّةٍ لا تَبْقَى!!»(213)
من النَّماذجِ التَّطبِيقيَّةِ على هذا الأصْلِ مَا يَلِي:
المُساوَاةُ في العَطَاءِ:
أقَامَ عليٌّ رضي الله عنه قَضاءَه على تَحقيقِ العَدلِ؛ بجَلبِ النَّفعِ ودَفعِ الضَّرِّ، وتَرسِيخِ مَعانِي المُساوَاةِ، فلا إجحَافَ بالضُّعفاءِ، ولا مُحابَاةَ للأقوِيَاءِ.
لذا سارَ سِيرةَ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه حينَ اعتَمدَ المُساوَاةَ بينَ النَّاسِ في تَقسيمِ الفَيْءِ(214) ، فلمُ يُفضِّلِ المُهاجرِينَ على غَيرِهم، ولا فَاضَلَ بينَ العَرَبِ والمَوالِي. ولمْ يَذهَبْ مَذْهبَ عمرَ الذي ارْتَأى أنْ يُفَاضِلَ في العَطيَّةِ(215) .
مَلحَظُه فيمَا ذَهَبَ إليه: أنَّ المُسلِمينَ إنَّما هم بَنُو الإسلامِ، فكَانُوا كالإخْوَةِ وَرِثُوا آبَاءَهم، فهم شُركَاءُ في المِيرَاثِ، تتَسَاوَى فيه سِهَامُهم، وإنْ كانَ بَعضُهم أعلى من بَعضٍ في الفَضائلِ ودَرجَاتِ الدِّينِ والخَيْرِ، قالَه سُفيَانُ بنُ عُيَيْنةَ (ت 198
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فرجَّحَ عليٌّ رضي الله عنه جَانِبَ الأخوَّةِ على جَانبِ الفَضيلَةِ، وقالَ مُعتَذِرًا لمَّا عُوتِبَ على التَّسْوِيَةِ: «لوْ كانَ المَالُ لي لسَوَّيْتُ بينَهم، فكَيفَ وإنَّما المَالُ مَالُ اللهِ!»(217) .
وعليه سارَ الشَّافِعيُّ (ت 204 هـ) رحمه الله مُعتَمِدًا حُكْمَه، قالَ: «وسوَّى عليُّ بنُ أبِي طَالبٍ رضي الله عنه بينَ النَّاسِ، فلمْ يُفضِّلْ أحدًا عَلِمنَاه. وهذا الذي أختَارُ، وأسألُ اللهَ التَّوفِيقَ»(218) .
أتَت عليًّا رضي الله عنه امرأتَانِ تَسألانِه؛ عربيَّةٌ ومَولاةٌ لها. فأمرَ لكُلِّ وَاحِدَةٍ منهما بكُرٍّ من طَعامٍ وأربَعِينَ دِرْهمًا. فأخذَت المَولاةُ الذي أُعطِيَتْ وذَهبَت! وقالَت العَربيَّةُ: يا أمِيرَ المُؤمنِينَ، تُعطِيني مِثْلَ الذي أعطَيتَ هذه، وأنا عَربيَّةٌ وهي مَولاةٌ!
قالَ لها عليٌّ رضي الله عنه : «إنِّي نَظرْتُ في كِتَابِ اللهِ تعالى ، فلم أرَ فيه فَضْلاً لوَلَدِ إسمَاعِيلَ على وَلَدِ إسحَاقَ عليهما السلام»(219) .
ويومَ أنْ أتَاه مَالٌ مِن أصْبَهانَ، قَسَمَه بسَبْعَةِ أسْبَاعٍ. ففَضلَ رَغِيفٌ! فكَسرَه بسَبْعَةِ كِسَرٍ، فوَضعَ على كلِّ جُزءٍ كِسْرةً، ثمَّ أقْرَعَ بينَ النَّاسِ: أيُّهم يأخذُ أوَّل(220) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
في هذا تَأكِيدُ مَبدأ العَدلِ والمُسَاواةِ، وأنَّه لا فَرْقَ بينَ أبناءِ المُجتَمعِ الوَاحدِ، قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «المُسلِمونَ تتَكافَأ دِمَاؤُهم، ويَسْعَى بذِمَّتِهم أدنَاهُم، ويُجِيرُ عليهم أقصَاهم، وهم يَدٌ على مَن سِوَاهم...»(221) .
المطلب الثاني الإبقاء على أسلوب القضاء
عَزَمَ عليٌّ رضي الله عنه - حَسبَ جَداوِلِ أعْمَالِهِ، وهو الخَلِيفَةُ الجَدِيدُ- أنْ يُدخِلَ بَعضَ التَّعدِيلاتِ في أسْلُوبِ القَضاءِ. ويَقومَ ببَعضِ الإجْرَاءَاتِ في أصُولِ المُحَاكمَاتِ، بمَا يتنَاسَبُ والتَّطوُّراتِ الجَديدةَ التي طَرَأتْ على المُجتَمعِ الحَديثِ.
لكنْ كانَ يَمنَعُه مِن ذلك: اشتِغَالُه بحَرْبِ البُغَاةِ والخَوارجِ، التي كانَ يُؤَمِّلُ استِوَاءَ قَدمَيه منها، فأرْجَأ ذلك إلى أنْ تَستَقِرَّ له الأمُورُ مَخَافةَ أنْ تَزدَادَ سُوْءًا وتَأتِي بمَا لا تُحمَدُ عُقبَاه! ولهذا قالَ لقُضَاتِه: «اقْضُوا كمَا كنتُم تَقضُونَ، فإنِّي أكْرَه الاخْتِلافَ، حتى يكونَ النَّاسُ جَمَاعَةً، أو أمُوتَ كمَا مَاتَ أصْحَابِي»(222) .
فلَفْظَةُ «حتى» ههنا مُؤذِنَةٌ بأنَّه فَسَحَ لهم في اتِّبَاعِ عَادَتِهم في القَضَايا والأحكَامِ التي يَعهدُونَها، إلى أنْ يَصِيرَ للنَّاسِ جَمَاعةٌ. ومَا بعدَ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 138«حتى» ينبغي أنْ يكونَ مُخالِفًا لمَا قبلَها. فحَمَلَه بَعضُ النَّاسِ على أنَّه لا يجوزُ لأحدٍ مُخالَفتُه! والصَّحيحُ أنَّه كانَ فيمَا يُحاوِلُ أنْ يَحكُمَ بينَ النَّاسِ مُجتَهِدًا، ويَجُوزُ لغَيرِه مِن المُجتَهدِينَ مُخالفَتُه.
وهذا يُشعِرُ بأنَّ خِلافةَ الأئمَّةِ قَبلَه وطَرائقَهم في القَضَاء صَحِيحةٌ سَلِيمةٌ من أيِّ نَقْضٍ، بدَليلِ أنَّه أبقَى الأمْرَ على مَا هو عليه، ولم يُحدِثْ تَغييرًا في ذلك، والإمَامُ لا يَجُوزُ في حَقِّه السُّكوتُ عن خَطَأ في الحُكْمِ أو التَّصوُّرِ، والأمْرُ إليه لا يُنَازِعُه فيه أحَدٌ.
إنَّ امتِناعَ أميرِ المُؤمنِينَ عليٍّ رضي الله عنه عن إجْرَاءِ أيِّ تَعديلٍ هو في حَدِّ ذَاتِه مَعقولُ المَعنَى لمَا أعْرَبَ عنه بصَرِيحِ العِبَارَةِ مِن دَرْءِ الفِتنَةِ والمُحافَظةِ على الجَماعَةِ. وأنَّ الأمرَ لا يَعدُو أنْ يكونَ مُجرَّدَ اجتِهَادٍ قَابلٍ للتَّعديلِ مِن مُجتَهدٍ لآخرَ بحَسَبِ المُعطيَاتِ لَدَى كلِّ وَاحدٍ. والأمْرُ فيه سَعَةٌ، والكُلُّ على بَيِّنَةٍ مِن الحَقِّ وبُرْهَانٍ.
وله في هذا الفَهْمِ الدَّقيقِ سَلَفٌ، فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أرَادَ يَومًا أنْ يُعِيدَ بِناءَ الكَعبَةِ كمَا أقَامَ قَواعِدَها نَبيُّ اللهِ إبراهيمُ يُعاوِنُه وَلَدُه إسمَاعِيلُ عليهما السلام، لكنَّه صَرَفَ نَظرَه عن ذلك خَشيةً مِن إحْدَاثِ فِتنَةٍ في صُفوفِ النَّاسِ. يقولُ صلى الله عليه وسلم: «يَا عَائشةُ، لولا أنَّ قَومَك حَدِيثُ عَهْدٍ بجَاهِليَّةٍ، لأمَرْتُ بالبَيتِ فهُدِمَ، فأدخَلْتُ فيه مَا أُخرِجَ منه، وألزَقْتُه بالأرضِ، وجَعَلْتُ لَهُ بَابَينِ: بَابًا شَرقيًّا، وبَابًا غَربيًّا، فبَلَغْتُ به أسَاسَ إبرَاهِيمَ»(223) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الثالث موقف علي من الأحكام السابقة
حَرِصَ عليٌّ على استِقرَارِ الأمُورِ بَعْدَ أنْ وَلِيَ الخِلافةَ عَقِبَ مَقتَلِ الشَّهيدِ عُثمانَ رضي الله عنه . فتميَّزَت سِياسَتُهُ الحَكِيمةُ بعدَمِ نَقضِ الأحْكَامِ السَّابِقَةِ، وكذا التي صَدرَت عن أحَدِ قُضاتِه، إذا كانَ مُجتَهِدًا، صَالِحًا لوِلايَتِه التي هو عليها، وإنْ حَصَلَ أنْ خَالفَ بحُكْمِه اجتِهَادَ عَالِمٍ آخَرَ.
لذلك «مَا غيَّرَ حُكْمًا مِن أحْكَامِ أبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ رضي الله عنهم ، ولا أبْطَلَ عَهْدًا مِن عُهودِهم»(224) . ومِن ثَمَّ اشتَهَرَ عنه قولُه: «مَا كنتُ لأحلَّ عُقدةً شدَّها عمرُ رضي الله عنه(225) » .
ورَأى أنَّه لا يَحِقُّ للقَاضِي أنْ يَنقُضَ حُكْمًا أصْدرَه قَاضٍ آخرُ مَا لمْ يُخَالفْ نَصًّا أو يُفوِّتْ مَصلَحةً(226) ، وهاك المِثالَ:
عن عَبدِ خَيرٍ رحمه الله(227) ، قالَ: «لو كانَ عليٌّ رضي الله عنه طَاعِنًا على عمرَ رضي الله عنه يَوْمًا مِن الدَّهْرِ، لطَعنَ عليه يَوْمَ أتَاه أهْلُ نَجْرانَ».
وكانَ عليٌّ رضي الله عنه كَتَبَ الكِتَابَ بينَ أهلِ نَجرانَ وبينَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 140فكَثُرُوا في عَهْدِ عمرَ رضي الله عنه حتى خَافَهم النَّاسُ! فوَقَعَ بينَهم الاختِلافُ، فأتوا عمرَ رضي الله عنه يسألُونَه البَدَلَ، فأبْدلَهم. ثمَّ نَدِمُوا! ووَضَعَ عليهم شَيئًا فأبَوه! فاستَقالُوه، فأبَى أنْ يُقِيلَهم.
فلمَّا وَلِيَ عليٌّ رضي الله عنه أتَوه، فسلَّمُوا واصْطَفُّوا بينَ يَدَيه. ثمَّ أدْخَلَ بَعضُهم يدَه في كُمِّه فأخْرَجَه كِتَابًا فوَضَعَه في يَدِ عليٍّ رضي الله عنه ، فقَالُوا: يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ، شَفاعتُك بلِسَانِك، وخَطُّك بيَمِينِك، وإمْلاءُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
قالَ عبدُ خَيرٍ: فرَأيْتُ عليًّا رضي الله عنه وقَد جَرَتِ الدُّموعُ على خَدِّه. قال: ثمَّ رَفَعَ رَأسَه إليهم، فقالَ: «يَا أهْلَ نَجرانَ، إنَّ هذا لآخِرُ كِتَابٍ كَتبْتُه بينَ يَدَي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم».
قالوا: فأعْطِنا مَا فيه. قالَ: «سأُخبِرُكم عن ذاك. إنَّ الذي أخَذَ منكم عمرُ رضي الله عنه ، لمْ يأخُذْه لنَفْسِه، إنَّما أخَذَه لجَماعَةٍ مِن المُسلِمينَ. وكانَ الذي أخَذَ منكم خَيرًا ممَّا أعطَاكم.
واللهِ، لا أرُدُّ شَيئًا ممَّا صَنعَه عمرُ رضي الله عنه ، إنَّ عمرَ رضي الله عنه كانَ رَشِيدَ الأمْرِ» . وفي لفظ: «وَيحَكم، إنَّ عمرَ كانَ رَشِيدَ الأمْرِ(228) ، ولنْ أرُدَّ قَضاءً قَضَى به عمرُ»(229) .
وقال عليٌّ رضي الله عنه لمَّا قَدِمَ الكُوفةَ: «مَا قَدِمتُ لأحلَّ عُقدةً شدَّها عمرُ رضي الله عنه(230) » .
ذلك أنَّ عمرَ رضي الله عنه عَمِلَ بوَصيَّةِ النَّبيِّ صلى الله
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 141عليه وسلم: «أخْرِجُوا المُشرِكينَ مِن جَزيرَةِ العَرَبِ»(231)
في هذه الحَادِثَةِ دَلِيلٌ على عَظِيمِ مَنزِلَةِ عمرَ عندَ عليٍّ رضي الله عنهما، قالَ الأعمشُ (ت 148 هـ) رحمه الله: «فكَانُوا يقُولونَ: لو كانَ في نَفْسِه عليه شَيءٌ لاغْتَنمَ هذا»(232) .
عَمِلَ عمرُ رضي الله عنه بعُمومِ الحَديثِ المُتقدِّمِ، ولحَديثٍ آخرَ يُروَى فيهم خَاصَّةً: إنَّ آخرَ مَا تَكلَّمَ به النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: « أخْرِجُوا اليَهُودَ مِن الحِجَازِ، وأخْرِجُوا أهلَ نَجرانَ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ»(233) .
قال أبو عبيد: القاسم بن سلام (ت 224 هـ) رحمه الله: «وإنَّما نَرَاه قالَ ذلك صلى الله عليه وسلم لنَكْثٍ كانَ منهم، أو لأمْرٍ أحْدَثُوه بعدَ الصُّلْحِ. وذلك بيِّنٌ في كِتَابٍ كَتبَه عمرُ رضي الله عنه إليهم قَبْلَ إجْلائِه إيَّاهم منها»(234) .
لقَد أوْصَى عليٌّ رضي الله عنه عَامِلَه على مِصْرَ الأشْتَرَ النَّخَعيَّ (ت 37 هـ) رحمه الله بوَصيَّةٍ عَصْماءَ وَرَدَ فيها نَهيُ عليٍّ رضي الله عنه عن نَقْضِ السُّنَنِ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 142الصَّالحَةِ التي عَمِلَ بها الصَّالِحُونَ مِن الأمَراءِ، فيكونُ الوِزْرُ عليه بمَا نَقَضَ، والأجْرُ لأولئك بمَا أسَّسُوا، فيقولُ له:
«ولا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالحةً عَمِلَ بها صُدورُ هذه الأمَّةِ، واجتَمَعَت بها الأُلفَةُ، وصَلَحَت عليها الرَّعيَّةُ. ولا تُحدِثنَّ سنَّةً تَضُرُّ بشَيءٍ من مَاضِي تلك السُّننِ، فيكونَ الأجرُ لمَن سنَّها، والوِزرُ عليك بما نَقضتَ منها»(235) .
إذًا، فمَذهبُ عليٍّ رضي الله عنه أنَّ الاجتِهادَ لا يُنقَضُ بمِثْلِه، اللَّهمَّ إلا إذا أخلَّ بشَرطٍ ممَّا سبقَ تَحرِيرُه؛ كأنْ يُخالِفَ الحُكْمُ الصَّادِرُ نَصًّا شَرعيًّا أو إجمَاعًا مُبرَمًا.
أمِيرُ المُؤمنِينَ ينقضُ حُكمَ قَاضِيه:
وَرَدَ أنَّ شُرَيحًا قَاضِيه حَكَمَ في ابْنَي عمٍّ، أحدُهما أخٌ لأمٍّ: بأنَّ المَالَ للأخِ لأمٍّ، مُستَدِلاً على ذلك بنَصٍّ مِن القُرآنِ! فنَقَضَ عليٌّ رضي الله عنه حُكْمَه لمُخَالفَتِه الشَّرْعَ، وأبطَلَ عليه استِدلالَه بالآيةِ لأنَّها في غَيرِ مَناطِها! ثمَّ أعطَى عليٌّ رضي الله عنه الأخَ لأمٍّ السُّدُسَ، وقسَّمَ البَاقي بينَهما. كلُّ ذلك في حِوَارٍ علميٍّ، هذا نَصُّه(236) :
إنَّ شُرَيحًا رحمه الله أتِيَ في امرأةٍ تركَت ابنَي عمٍّ، أحدُهما: زَوجُها، والآخرُ: أخوها لأمِّها. فقالَ شُرَيحٌ: للزَّوجِ النِّصْفُ، وللأخِ مِن الأمِّ مَا
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 143بَقِيَ: السُّدُسُ له فَرْضًا، والبَاقي له رَدًّا.
فارتَفعُوا إلى عليٍّ رضي الله عنه ، فقالُوا: إنَّ شُرَيحًا قالَ كذا وكذا. فأرسلَ إليه، قالَ: ادعُوا لي العَبْدَ. فأتَاه، فقالَ: مَا قَضيْتَ؟ قالَ: أعطَيْتُ الزَّوْجَ النِّصْفَ، والأخَ مِن الأمِّ مَا بَقِيَ.
فقالَ عليٌّ رضي الله عنه : أفي كتابِ اللهِ وَجدتَ هذا؟ أو في سنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ قالَ: بلْ في كتابِ اللهِ.
قالَ: أينَ؟ قالَ شُرَيحٌ: قالَ اللهُ: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ(237) ﴾ .
فقالَ عليٌّ رضي الله عنه : للزَّوجِ النِّصْفُ، ولهذا مَا بَقِيَ؟! يُنكِرُ عليه. ثمَّ أعطَى الزَّوْجَ النِّصْفَ، والأخَ مِن الأمِّ السُّدسَ، ثمَّ مَا بَقِيَ قسَّمَه بينَهما(238) .
استَلهَم عليٌّ رضي الله عنه حُكْمَه الذي قَضَى به مِن قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ(239) ﴾ .
المُرَادُ هنا: الأخُ والأخْتُ مِن أمٍّ إجْمَاعًا، يدلُّ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 144عليه قِرَاءةُ سعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ رضي الله عنه «وله أخٌ أو أختٌ من أمٍّ»(240)
وإنَّما عادَ فورَّثَ الزَّوجَ نِصْفَ مَا بَقِيَ، فلأنَّه ابنُ العمِّ، وحيثُ إنَّه مِن العَصَبةِ، فإنَّه يأخذُ البَاقِي. وهذا مَا يُعرَفُ باستِحقَاقِ الإرثِ بالقَرابَةِ. فإذا تعدَّدَت جِهَةُ القَرابَةِ وَرِثَ بجَمِيعِ القَرابَاتِ.
ذلك أنَّ الشَّخْصَ قد تجتَمِعُ فيه أحيانًا قَرابتانِ: يستَحقُّ بإحداهما الفَرْضَ، ويستَحِقُّ بالأخرى: التَّعصِيبَ. فيَرِثُ بهما جَمِيعًا، لأنَّ كلَّ صِفَةٍ منهما تَصْلُحُ سَببًا في الإرثِ، فإذا اجتَمعَتا معًا لم يكنْ هناك مُبرِّرٌ لإلغَاءِ إحداهما.
وأسبَابُ التَّوارُثِ هنا: الزَّواجُ، والقَرابَةُ.
فاستَحقَّ النِّصْفَ لأنَّه زَوْجٌ، ولم يكنْ للزَّوجَةِ فَرْعٌ وَارِثٌ مِن ابنٍ، أو ابنِ ابنٍ وإنْ نَزَلَ. أو بنتٍ، أو بنتِ ابنٍ وإنْ نَزَلَت. والأصْلُ فيه: قَولُ اللهِ تعالى: ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزواجُكُم إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ(241) ﴾ .
فالوَلَدُ يَشْمَلُ: الذَّكَرَ، والأنثَى. كمَا يَشْمَلُ: المُبَاشِرَ، أيْ: الابنَ، والبِنتَ. وغَيرَ المُباشرِ، أيْ: ابنَ الابنِ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 145وإنْ نَزَلَ، وبِنتَ الابنِ وإنْ نَزَلَت.
ووَرِثَ الأخُ لأمٍّ السُّدسَ لتَوَافُرِ الشُّروطِ الثَّلاثَةِ الآتِيَةِ:
كونُه وَاحِدًا فقَط، فإنْ تعدَّدَ استَحقَّ الثُّلُثَ. عَدَمُ وُجُودِ الفَرْعِ الوَارثِ، وإلا لحُجِبَ. عَدَمُ الأصْلِ الوَارثِ: الأبُ، أو الجَدُّ وإنْ علا، وإلا لحَجَبَه أحدُهما(242) .
وتكونُ المَسألةُ على الوَجْهِ التَّالِي:
تُوُفِّيَت عن ابنَي عمٍّ، أحدُهما: زَوْجٌ، والآخَرُ: أخٌ لأمٍّ.
هذه الصُّورَةُ تُسمَّى (رديَّة)، لأنَّه نقصَ مَجمُوعُ السِّهامِ عن أصلِ المَسألةِ. فنردُّ البَاقي من السِّهامِ على أصحابِ الفُروضِ.
تُصبِحُ المَسألةُ من ( 6 ): المَخرَجُ المُشترَكُ ل 2/1 و 6/1 .
للزَّوجِ منها النِّصفُ: 3 .
62/1 زوج 3 6/1 أخ لأم 1 62/1 زوج 3 6/1 أخ لأم 1 وللأخِ لأمٍّ السُّدسُ: 1 .
6
2/1 زوج 3
6/1 أخ لأم 1
ثم يُرَدُّ عليهما البَاقي تَعصِيبًا بالتَّنصِيفِ لكَونِهما ابنَي عمٍّ، وهم عصبةٌ(243) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
في عُدُولِ عليٍّ رضي الله عنه عن إجْرَاءِ أيِّ تَغييرٍ في نِظَامِ الحُكْمِ ومِنهَاجِ القَضاءِ، ومُواصلَتِه العَمَلَ بسِيرَةِ المُتقدِّمِينَ مِن الخُلَفاءِ، والحُكْمِ بمَسَالكِ الأئمَّةِ السَّابِقينَ؛ تَضييقٌ لدَائرَةِ الخِلافِ، وتَقلِيلٌ لبَوادرِ النِّزاعِ. فلا يفسحُ في المَجالِ أمامَ المُغرِضينَ من التَّشويشِ على المُسلِمينَ، وزَرْعِ إسفِينِ الطَّعْنِ واللَّمْزِ بإخوَانهِ السَّابقِينَ. وفيه إبرَازٌ لمَعانِي الوِحدَةِ والوِئَامِ بينَ أفرَادِ المُجتَمعِ الوَاحدِ.
معَ نِهَايَةِ الفَصْلِ الثَّانِي، أكُونُ قَد خَتَمْتُ الحَدِيثَ عن البَابِ الأوَّلِ، لأبدَأ الحَدِيثَ في البَابِ الثَّانِي عنِ المَواردِ الأصُوليَّةِ في الأقْضِيَةِ العَلويَّةِ.
الباب الثاني الموارد الأصولية في الأقضية العلوية
أكثَرَ عليٌّ رضي الله عنه من التَّفارِيعِ الفِقهيَّةِ، وأجَادَ في مَيْدَانِ المَسَائلِ الاجتِهاديَّةِ. والمُتأمِّلُ في دِرَاسَتِها يَرَاهَا وَثِيقةَ الشَّجَى ببَعضِها البَعضِ، مُترَابِطةً معَ أصُولِها، مُلْتَحِمةً بتَفصِيلاتٍ مُحكمَةٍ، فلا بُدَّ إذًا أنْ تكونَ قَائِمةً على أصُولٍ عِلْميَّةٍ، وقَواعِدَ شَرعيَّةٍ سَلِيمَةٍ.
فما مَصادِرُ التَّلقِّي في فِكْرِ عليٍّ رضي الله عنه الأصُوليِّ؟ وما قَواعِدُ الأحكَامِ التي استَندَ إليها في القَضاءِ بينَ النَّاسِ؟ وكَيْفَ رَسَمَ مَنهَجَه الاستِدْلالِيَّ؟
وهلْ ثبتَت عنه قَضيَّةٌ أضاعَت وِجهةَ سَيرِها؟ أم أنَّه كانَ يَسِيرُ على بَصيرَةٍ من رَبِّه، ودَعَواتٍ من نَبيِّه صلى الله عليه وسلم لاقَت أبوابَ السَّماءِ مُفتَّحةً، فاستَجابَها اللهُ له أحْكَامًا مُبرَمةً، وأقضِيةً مُحكَمةً، ومَسائِلَ عِلميَّةً رَاسِخةً في رَحِمِ الدَّليلِ؟
في هذا البَابِ من الرِّسَالةِ سنَقِفُ معَ مَا وَرَدَنا عن عليٍّ رضي الله عنه فيمَا يَخُصُّ هذا المَجَالَ، وأُحَاوِلُ جَاهِدًا أن أَستَخلِصَ مَسلَكَه، من خِلالِ تَحلِيلِ أقضِيَتِه والمَسَائلِ التي حَكَمَ فيها، كي نَأخُذَ تَصوُّرًا أشْبَهَ مَا يكونُ بمَا كانَ عليه فِكْرُ عليٍّ رضي الله عنه في التَّأصِيلِ ومَنهجُه في التَّطبيقِ.
وحيثُ إنَّ الوَحْيَ الإلهيَّ يَنقَسِمُ إلى وَحْيٍ مَتلُوٍّ وآخرَ مَرويٍّ، جَعَلْتُ كلاًّ منهما في فَصْلٍ على حِدَةٍ. ثُمَّ تَناوَلتُ في فَصْلٍ وَاحدٍ المَصَادِرَ النَّقلِيَّةَ التَّبَعِيَّةَ التي اعتَمدَها عليٌّ رضي الله عنه في مَنظُومَتِه الاجْتِهَاديَّةِ.
وأخِيرًا، خَتَمْتُ بفَصْلٍ تَحدَّثْتُ فيه عن مَصَادرِ عليٍّ العَقلِيَّةِ.
لِذَا جَاءَ هذا البَابُ في أَرْبَعَةِ فُصُولٍ، هي:
الفَصْلُ الأوَّل: الكِتَابُ المُبِينُ أسُّ المَصَادرِ التَّشرِيعيَّةِ.
الفَصْلُ الثَّانِي: السُّنَّةُ النَّبوِيَّةُ المُطهَّرَةُ.
الفَصْلُ الثَّالِثُ: المَصادِرُ النَّقليَّةُ التَّبعِيَّةُ.
الفَصْلُ الرَّابِعُ: المَصادِرُ العَقليَّةُ.
الفصل الأول الكتاب المبين أسُّ المصادر التشريعية
بمَا أنَّ دِراسَتَنا تتَمحْوَرُ حَوْلَ فِكْرِ عليٍّ الأصُوليِّ، والقُرآنُ الكَرِيمُ هو أوَّلُ المَصَادرِ التَّشرِيعيَّةِ اعتِمَادًا في استِنبَاطِ الأحْكَامِ. والعَادَةُ عندَ الأصُوليِّينَ دَرَجَت أنْ يَبْحَثُوا هذا المَصْدَرَ مِن أوْجُهٍ مُتعدِّدَةٍ، تتَعلَّقُ بنُزولِه وجَمْعِه، وصُوَرِ إعْجَازِه... إلخ.
فلا يَجُوزُ أنْ نَغْفُلَ الحَدِيثَ عن خَواطرِ عليٍّ القُرآنِيَّةِ، وعن دَوْرِ القُرآنِ في حَيَاةِ عليٍّ الإيمَانِيَّةِ والفِكْرِيَّةِ والمَنهَجِيَّةِ.
وبمَا أنَّ القُرآنَ لمْ يَكُنْ مَجمُوعًا في مُصحَفٍ وَاحدٍ، كمَا أنَّه لمْ يكنْ مَحفُوظًا بأجْمَعِه إلا عندَ ثُلَّةٍ مِن الرَّعيلِ الأوَّلِ، فلا بُدَّ أنْ يكونَ لعليٍّ رضي الله عنه دَوْرٌ في مَجَالِ المُحافَظَةِ على وَحْيِ السَّمَاءِ.
وحيثُ إنَّ عليًّا رضي الله عنه كانَ وَاحِدًا مِن مُجتَهدِي الصَّحابَةِ وقُضَاتِهم ثُمَّ صَارَ خَلِيفَةً عليهم، إذًا فله مَنهَجٌ اتَّبعَه في الاستِنبَاطِ والاستِدْلالِ لا مَحَالَةَ.
أمَامَ هذه المُعطَياتِ، وَجَدْتُ مِن المُناسِبِ تَقسِيمَ هذا الفَصْلِ إلى خَمْسَةِ مَباحِثَ:
المَبحثُ الأوَّلُ: عليٌّ والوَحْيُ الإلهِيُّ.
المَبحثُ الثَّانِي: القُرآنُ بينَ الإعْجَازِ والاحتِوَاءِ.
المَبحثُ الثَّالِثُ: عليٌّ في خِدْمَةِ القُرآنِ.
المَبحثُ الرَّابِعُ: مَنهَجُ عليٍّ في فَهْمِ القُرآنِ.
المَبحثُ الخَامِسُ: نَماذِجُ تَطبِيقيَّةٌ في اعْتِمَادِ القُرآنِ.
المبحث الأول علي والوحي الإلهي
ويَشتمِلُ على مَطلبَينِ، هما:
المَطلَبُ الأوَّل: الوَحْيُ الإلهيُّ في فِكْرِ عليٍّ.
المَطلَبُ الثَّانِي: أهمِّيَّةُ القُرآنِ في حَياةِ عليٍّ.
المطلب الأول الوحي الإلهي في فكر علي
اِحْتَلَّ مُقدِّمَةَ المَرجعيَّةِ العُليَا لدَولَةِ عليٍّ الإسْلاميَّةِ، ما تَبوَّأ الصَّدارةَ في إمَامتِه الفِقْهيَّةِ على وَجْهِ العُمومِ، وَحْيُ السَّماءِ، المُتضمِّنُ للكِتَابِ والسُّنَّةِ. يقولُ اللهُ تعالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(244) ﴾ . و﴿ الذِّكْرَ ﴾، هو: الوَحْيُ الإلهيُّ المُشتَملُ على الكِتَابِ والسُّنَّةِ جَمِيعًا، فهو إمَّا قُرآنٌ يُتلَى، أو سنَّةٌ تُروَى.
في مَورِدِ تَأكيدِ مَرْجَعيَّةِ الوَحْيِ السَّماويِّ، يَنُصُّ عليٌّ رضي الله عنه على أنَّ الحُجَّةَ قد تمَّت على الخَلْقِ جَمِيعًا ببِعْثَةِ الأنْبِيَاءِ ودَعوَتِهم أمَمَهم إلى الحَقِّ، وخَتْمِهم بنَبيِّنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فلا عُذْرَ بعدَ ذلك لأحَدٍ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثُمَّ أعطَى الوَحْيَ بقِسْمَيه: المَتلوِّ والمَرْويِّ، أهمِّيَّةً بَالِغةً، وذلك من خِلالِ تَعظيمِ صَاحبِ الشَّرعِ الحَكيمِ، والمُبلِّغِ عنه وَحْيَه الشَّريفَ صلى الله عليه وسلم، بَدَا ذلك جَلِيًّا في تَرسِيخِ مَعنَى الائتِمَارِ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ والرُّجوعِ إليهما، والتِزَامِ هَديِهما؛ بالعَملِ بأوَامرِهما، والكَفِّ عن نَواهِيهما.
يقولُ في خُطبَةٍ لَهُ بَعْدَ انصِرَافِهِ مِنْ مَعرَكَةِ النَّهروَانِ: «اقْتَدُوا بهَدْيِ نَبيِّكم صلى الله عليه وسلم فإنَّه أفْضَلُ الهَدْيِ، واستَنُّوا بسُنَّتِه فإنَّه أهْدَى السُّنَنِ. وتَعلَّمُوا القُرآنَ فإنَّه أحْسَنُ الحَدِيثِ. وتَفقَّهُوا فيه فإنَّه رَبِيعُ القُلوبِ. واستَشْفِعُوا بنُورِه فإنَّه شِفَاءُ الصُّدُورِ. وأحْسِنُوا تِلاوَتَه فإنَّه أنْفَعُ القَصَصِ. فإنَّ العَالِمَ العَامِلَ بغَيرِ عِلْمِه كالجَاهلِ الحَائرِ الذي لا يَستَفِيقُ مِن جَهلِه. بلِ الحُجَّةُ عليه أعْظَمُ، والحَسْرَةُ له ألْزَمُ، وهو عندَ اللهِ ألْوَمُ»(245) .
قَضَى في رَجُلٍ تزَوَّجَ امرَأةً، على أنَّ عليها الصَّداقَ، وبيَدِها الفُرقَةَ والجِمَاعَ! فقالَ رضي الله عنه : «خَالفْتَ السُّنَّةَ، ووَلَّيْتَ الأمرَ إلى غَيرِ أهلِه. عليكَ الصَّداقُ، وبيَدِكَ الجِمَاعُ والفُرقَةُ. وذلك السُّنَّةُ»(246) .
وبدَوْرِه –كإمَامٍ- تَعهَّدَ لأمَّتِه بالسَّيْرِ فيهم على نَهْجِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ، فقالَ رضي الله عنه «ألا وإنَّ لَكُمْ عَليْنَا العَمَلَ بكِتَابِ اللهِ تعالى وسُنَّةِ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 153رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، والقِيَامِ عَليْكُمْ بحَقِّه، والتَّنفيذِ لسُنَّتِه»(247)
وقد سَجَّل لنا ما يُؤكِّدُ على مَرجعيَّتِهما في حَياتِه، فقالَ: «ألا وإنِّي لسْتُ بنَبيٍّ، ولا يُوحَى إليَّ، ولكنِّي أعْمَلُ بكِتَابِ اللهِ وسُنَّةِ نَبيِّه صلى الله عليه وسلم ما استَطعْتُ. فمَا أمَرْتُكم به من طَاعةِ اللهِ تعالى؛ فحَقٌّ عليكم طَاعَتِي فيمَا أحْبَبتْم أو كَرِهْتُم، ومَا أمَرْتُكم بمَعصيَةٍ أنا وغَيرِي؛ فلا طَاعَةَ لأحَدٍ في مَعصيةِ اللهِ تعالى ؛ إنَّما الطَّاعةُ في المَعرُوفِ»(248) .
في ضَوءِ هذا النَّصِّ العَزيزِ يَرسِمُ عليٌّ رضي الله عنه لنَفْسِه المَنهجِيَّةَ المُثلَى في استِنبَاطِ الأحكَامِ، ويُبيِّنُ للأمَّةِ مَرجعيَّتَه العُليَا في الفَتوَى والقَضاءِ. إنَّه الإمامُ المُجتَهدُ الذي يُعرِبُ عن مَنهجِه العِلْميِّ، ويُفصِحُ عن مَواردِ فِكْرِه الأصُوليِّ، في التَّعامُلِ معَ القَضايَا المُتجدِّدةِ، والنَّوَازلِ الحَادثةِ. وأنَّه على مَقدِرَةٍ عَالِيَةٍ من الفَهْمِ المُستَوعِبِ لآيَاتِ الكِتَابِ وأحَاديثِ السُّنَّةِ، مَصدَريِ التَّشريعِ الإلهيِّ، وما يُخوِّلُه أنْ يَعمَلَ بهما، ويَستَلْهمَ الأحكامَ الشَّرعيَّةَ منهما، دُونَ أيِّ تَحايُلٍ على الشَّرِيعَةِ الغَرَّاءِ، أو لَيِّ أعنَاقِ نُصُوصِها لتَتوَافقَ وما يُملِيه عليه هواه! حاشاه!
بل هو الإمامُ المُتواضعُ ليِّنُ الجانبِ، الذي لا يتحرَّجُ أن يطلبَ العونَ من إخوانِه الفقهاءِ، لمساندتِه في إيجادِ الحلولِ الملائمةِ لكلِّ ما يطرأُ في المجتمعِ، مما ينتظرُ من الشَّريعةِ الربَّانيَّةِ إصدارَ الأحكامِ المناسبةِ بخصوصِها.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
إذًا، فقد شكَّلَ القُرآنُ الكَرِيمُ - بالإضَافَةِ إلى السُّنَّةِ النَّبويَّةِ المُطهَّرةِ- المَصدرَ الأوَّلَ في التَّشريعِ الإسلاميِّ الحَنيفِ، كذا في مَنظُومةِ عليٍّ الأصوليَّةِ والفِقْهيَّةِ. وفي سُؤالِه للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عن: «الأمرُ يَنزِلُ بنَا لمْ يَنزِلْ فيه القُرآنُ، ولمْ تَمضِ فيه منكَ سنَّةٌ؟»(249) إشَارةٌ من الإمَامِ إلى وُجوبِ العَمَلِ بما تَضمَّنَه الوَحيُ الرَّشِيدُ، وأنَّ الكِتَابَ والسُّنَّةَ هما الحَكَمُ في القَضَايا، وإليهما المَلاذُ في الأحكامِ. وفيه أيضًا: سَبْقٌ للنَّوَازلِ قبلَ حُدوثِها لئلا تُباغِتَهم فلا يَجدُونَ لها جَوابًا.
يقولُ: «واردُدْ إلى اللهِ ورَسُولِه صلى الله عليه وسلم ما يُضْلِعُكَ(250) من الخُطوبِ، ويَشتَبهُ عليك من الأمُورِ، فقَدْ قالَ اللهُ تعالى لقَومٍ أحبَّ إرشادَهم: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى(251) ﴾ . فالرَّدُّ إلى اللهِ: الأخْذُ بمُحْكَمِ كِتَابِه. والرَّدُّ إلى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: الأخْذُ بسنَّتِه الجَامِعةِ غَيرِ المُفرِّقَةِ»(252) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الثاني أهمية القرآن في حياة علي
حَرِصَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على تَوحيدِ مَصدَرِ التَّلقِّي وتَفرُّدِه عن سِوَاهُ، وعملَ على أنْ يكونَ القُرآنُ الكَرِيمُ وَحْدَه هو المَنْهجُ، معَ ما يُوحِي الشَّارِعُ إليه من الحِكْمَةِ. قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آياتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا(253) ﴾ .
وقَدْ ربَّى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الفَرْدَ المُسْلِمَ، كمَا الأسْرةَ المُسلِمةَ، والجَمَاعةَ المُسْلِمةَ على العَقائدِ والعِبَاداتِ والمُعامَلاتِ والأخْلاقِ الإسْلاميَّةِ، التي نَضحَت بها الآيَاتُ البيِّناتُ والأحَادِيثُ النَّيِّراتُ.
أصْقلَت آيَاتُ القُرآنِ وأحَادِيثُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مَعانِي الطُّهرِ في قَلبِ عليٍّ رضي الله عنه ، وزَكَّت نَفْسَه وهيَّأتْها لتتَلقَّى عن اللهِ وعن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فأثَّرَت آيَاتُ الكِتَابِ العَظيمِ التي كان يَسمَعُها عليٌّ رضي الله عنه من فِي رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في صِيَاغةِ شَخصيَّتِه الإسْلاميَّةِ الفَذَّةِ، وتَفَاعلَت معَها رُوحُه الخَلاَّقةُ بنَبضِ العِلْمِ والمَعرِفَةِ والغَوصِ على المَعانِي الشَّرعيَّةِ... فتَحوَّلَ عليٌّ رضي الله عنه إلى إنْسَانٍ جَديدٍ بقِيمَتِه ومَشاعرِه، وأهْدَافِه وسُلوكِه وتَطلُّعاتِه(254) .
تجلَّت أهمِّيَّةُ القُرآنِ عندَ عليٍّ رضي الله عنه في مَسلكيَّتِه التي سَلكَها، وخِطَّتِه التي اخْتَطَّها ليَسِيرَ في ضَوئِها أهلُ إمَارتِه، إذ يقولُ: «اعرِضُوا ما
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 156أُشكِلَ عليكم على القُرآنِ، فمَا عَرَفَه القُرآنُ فالزَمُوه، ومَا أنكرَه فردُّوه. وارْضُوا باللهِ تعالى ربًّا، وبالإسْلامِ دِينًا، وبمُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم نبيًّا، وبالقُرآنِ حَكمًا وإمَامًا»(255)
فقَدِ اتَّخذَ من القُرآنِ مِيزَانًا تُعرَضُ عليه الأقوالُ والأفعالُ، في زَمنٍ التَبَسَ فيه الحَقُّ بالبَاطلِ، وطَاشَت فيه عُقولُ كَثيرٍ من النَّاسِ! فلا غِنًى لهم عن مِقيَاسٍ عَمليٍّ ثَابتٍ لا يغيَّرُ ولا يتبدَّلُ، يكونُ عَوْنًا لهم في جلاءِ حَقائِقَ عَلقَت بها كَثِيرٌ من الادِّعاءاتِ الفَارغةِ المُبطِلَةِ. فيردُّ الأمورَ إلى نِصَابِها الطَّبِيعيِّ، ويخلصُ الشَّريعةَ ممَّا يكدِّرُها.
ومن جَانبٍ آخر، فإنَّ عليًّا رضي الله عنه يؤكِّدُ حَاكِميَّةَ القُرآنِ وفَسَادَ القَوانينِ الوَضعيَّةِ – قَبْلَ حُدُوثِها، وكأنِّي به يستَشِفُّ الغَيْبَ مِن سِتْرٍ رَقِيقٍ-، وضَلالَ أصْحَابِها، وأنَّ فيها مُضاهاةً للمُشرِّع العَظيمِ! وما ضَعُفَتِ الأمَّةُ الإسْلاميَّةُ ولا هَانَت إلا يومَ أنْ نحَّت شَرِيعةَ ربِّها جَانِبًا، واستَعاضَت عنها بالنُّظُمِ المُستحدَثةِ التي سنَّها البَشرُ للبَشرِ، والتي هي في غَالِبِها تُخالِفُ حُكمَ اللهِ تعالى !
لقد بدَا هذا وَاضِحًا في كَلامِه الصَّارمِ وخِطَابِه المُباشرِ الذي انتقَى فيه عليٌّ رضي الله عنه كَلماتِه بكلِّ دقَّةٍ، ليكونَ أدلَّ على المُرادِ: «هو الفَصْلُ ليس بالهَزْلِ. من تَرَكَه من جبَّارٍ؛ قَصَمه اللهُ. ومن ابتَغَى الهُدَى في غَيرِه؛ أضلَّه اللهُ ومَن عَمِلَ به؛ أُجِرَ. ومن حَكمَ به؛ عَدلَ. ومن
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 157دَعا إليه؛ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُستَقيمٍ»(256)
إنَّها مُوازَنةٌ دَقِيقَةٌ قَامَ بها عليٌّ رضي الله عنه ليُقَارِنَ بينَ أمَّةٍ تَجْعَلُ من كِتَابِ رَبِّها نِبرَاسًا لها وهَادِيًا على طَريقِ عُبورِها إلى سُدَّةِ الحَضَارةِ والمَدنِيَّةِ، وبينَ أمَّةٍ لا تُقِيمُ لكِتَابِ خَالقِها وَزْنًا. تستَبدِلُه بمُخترَعاتِ العُقولِ القَاصِرَةِ عن إدْرَاكِ حَقِيقَةِ نَفْسِها التي بينَ جَنْبَيها!! واللهُ تعالى يقولُ مُحذِّرًا ومُتَوعِّدًا: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(257) ﴾ .
ومرَّةً أخرَى تُطالِعُنا خِطَاباتُ عليٍّ رضي الله عنه بالخُطُوطِ العَرِيضَةِ، تُنَادِي بوُجوبِ تَطبِيقِ أحكَامِ الشَّرِيعَةِ الإسْلاميَّةِ، بمَا نصَّ عليه الكِتَابُ المَجِيدُ، وأنَّها إحدَى ثَلاثِ خِصَالٍ ما اجتَمعَت في إمَامٍ إلا صَلَحَ أمرُه، ورَضِيَ عنه ربُّه، ودَانَت له الدُّنيا وهي رَاغِمةٌ: «ثلاثةٌ من كنَّ فيه من الأئمَّةِ صَلُحَ أنْ يكُونَ إمامًا اضطَلَعَ(258) بأمَانَتِهِ:
إذا عدلَ في حكمِه. ولم يَحْتَجِبْ دون رعيَّتِه. وأقامَ كِتابَ اللهِ في القَريبِ والبَعيدِ(259) » .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وأنَّه لا اجتِهَادَ معَ وُرُودِ النَّصِّ الإلهيِّ، ولا يَجُوزُ أنْ نُخضِعَ الآيَاتِ القُرآنيَّةَ لعُقولِنا البَشريَّةِ، وأنْ نَحكُمَ عليها بمَحْضِ آرَائِنا أو أهْوَائِنا، بلِ الوَاجِبُ كمَا قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «استَنْصِحُوه على أنْفُسِكم، واتَّهِمُوا عليه آرَاءَكم، واستَغِشُّوا فيه أهْوَاءَكم»(260) .
يقولُ: إذا أشَارَ عليكم القُرآنُ بأمْرٍ وأشَارَت عليكم أنْفُسُكم بأمْرٍ يُخَالِفُه، فاقْبَلُوا مَشُورَةَ القُرآنِ دُونَ مَشُورَةِ أنْفُسِكم. وإذا خَالَفَت آرَاؤُكم القُرآنَ، فاتَّهِمُوها بالخَطَأ، وظنُّوا فيها
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 159الغُشَّ، وارْجِعُوا إلى القُرآنِ؛ ففيه الأمْنُ والسَّلامَةُ.
وفي وَصيَّتِه لبَنِيه وأهْلِ بَيتِه على أَثَرِ طَعْنَةِ ابنِ مُلْجَمٍ، حَثَّهم على التَّمسُّكِ بالكِتَابِ، وحَذَّرَهم مِن الانْغِرَارِ بالنَّسَبِ الرَّفِيعِ دُونَ العَمَلِ به، فيتأخَّرونَ ويَسبِقُهم النَّاسُ! يقولُ: «اللهَ اللهَ في القُرآنِ، لا يَسبِقُكم بالعَمَلِ به غَيرُكم»(261) . يُشِيرُ إلى قَولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَن بَطَّأ به عَملُه، لم يُسْرِعْ به نَسَبُه»(262) .
إنَّه القُرآنُ بصُورَتِه العَظيمةِ التي رَسَمَها عليٌّ رضي الله عنه بفَلْسَفتِه الإسْلاميَّةِ، حتى سَطَعَ نُورُه في قَلْبِه، فأشْرَقَ على جَوارحِه هَالةً من القَداسةِ، تُبرْهِنُ على أهمِّيَّةِ القُرآنِ في حَياةِ المُجتَمعاتِ، وحَاجةِ الأمَمِ إليه للنُّهوضِ من رُقَادِها، وأنَّه السَّبيلُ الوَحِيدُ لتَقدُّمِها وسَعادتِها.
المبحث الثاني الكتاب المبين بين الإعجاز والاحتواء
ويَشتمِلُ على مَطلبَينِ، هما:
المَطلَبُ الأوَّل: إعْجَازُ القُرآنِ دَلِيلٌ على حُجِّيَّتِه.
المَطلَبُ الثَّانِي: احتِوَاءُ القُرآنِ على سَائرِ الأدلَّةِ.
المطلب الأول إعجاز القرآن دليل على حجيته
يقولُ العَلاَّمةُ ابنُ خَلْدونَ رحمه الله وهو يَستعرِضُ الأدِلَّةَ في إثْبَاتِ حُجَجِ المَصَادرِ الأرْبَعةِ: «أمَّا الكِتَابُ، فدَلِيلُه: المُعْجِزَةُ القَاطِعَةُ في مَتْنِه، والتَّوَاتُرُ في نَقْلِه. فلمْ يَبْقَ فيه مَجَالٌ للاحْتِمَالِ»(263) .
انفَردَ القُرآنُ مِن بَينِ سَائرِ أقْسَامِ الوَحيِ بخَاصِّيَّةِ الإعْجَازِ وتَنوُّعِه في مُخْتَلِفِ نَواحِيه(264) ذلك أنَّ اللهَ قَد تَحدَّى العَرَبَ ولا يَزَالُ التَّحدِّي قَائِمًا إلى يَومِ القِيَامةِ- أن يَأتُوا بقُرآنٍ يُعارِضُه، فعَجِزُوا عن مُحاكَاتِه والإتْيَانِ بمِثْلِه، أو بعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِه، أو بمِثْلِ أقْصَرِ سُورَةٍ منه، وهم العَرَبُ الأقْحَاحُ، فُرْسَانُ البَلاغةِ، وسَادَةُ البَيانِ، وامتَنعَ الجَمِيعُ، وأيقنَ البَشرُ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 160على مرِّ الأزْمانِ أنَّ القُرآنَ مُعجِزٌ، وأنَّ نَواحِي الإعْجَازِ لا يُمكِنُ حَصْرُها، بلْ هي مُتجدِّدَةٌ لا مَحَالةَ كلَّما زَادَ تَدبُّرُ آيِ القُرآنِ، وتَوَالَت الاكتِشَافاتُ العِلْميَّةُ لأسْرَارِ الكَونِ، ممَّا يُثبِتُ دَائِمًا أنَّ القُرآنَ من عندِ اللهِ، وأنَّه مُعجِزَةُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم الدَّالَّةُ على صِدْقِ نُبوَّتِه، مهمَا طَالَ الزَّمانُ(265)
وإذا كانَ العُلَماءُ قد تَوقَّفوا طَوِيلاً عند بَعضِ آيَاتِه النَّاطقةِ بما اكتَشفَه العِلْمُ الحَدِيثُ من الحَقائقِ العِلْميَّةِ ذاتِ الصِّلَةِ الوَثيقةِ بالإنسانِ والكَونِ، مِصدَاقَ قَولِ البَارِي سبحانه وتعالى : ﴿ سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الآفاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ(266) ﴾ . ممَّا تَضمَّنَه القُرآنُ من الإشَارةِ إلى المَعارفِ الكَونيَّةِ التي باتَت مَعلُومةً لكلِّ أحدٍ أنَّها من المُسلَّماتِ غَيرِ القَابلةِ للنِّقاشِ؛ ككَونِ الأرضِ بَيضاوِيَّةً، وأنَّها تَدُورُ حَوْلَ نَفْسِها خِلالَ أرْبَعٍ وعِشرِينَ سَاعَةً، وتَدُورُ حَوْلَ الشَّمسِ مُدَّةَ ( 365 ) يَومًا. إضَافةً إلى الأطْوَارِ التي يمرُّ بها الجَنِينُ حتى يُصْبِحَ عِظامًا فيكسُوها اللهُ بأبهَى حُلَّةٍ... إلى غَيرِ ذلك ممَّا تحدَّثَت عنه آياتُ الكتابِ العَزيزِ، ممَّا لم يُكتَشفْ إلا في العُصورِ الرَّاهنةِ بعد تَقدُّمِ العلمِ وتطوُّرِ آلاتِه... يقولُ اللهُ تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاختِلافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِّأُولِي الأَلبابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَـذَا باطِلًا سُبحانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ(267) ﴾ .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
إذا كانَ العُلمَاءُ قد توقَّفوا عندَ هذه الحَقائقِ ودَلالتِها الإيمانيَّةِ من القُرآنِ الكَريمِ ليُثبِتُوا أنَّه من عندِ اللهِ وليسَ بصُنْعِ البَشَرِ! فإنَّ عليًّا رضي الله عنه لم يَغْفُلْ عن مَوضُوعِ حُجِّيَّةِ القُرآنِ وأثَرِها في تَمكينِ العَقيدةِ في القُلوبِ، وبَيانِ صُوَرِ إعجَازِه ممَّا يتَلاءَمُ ومَدارِكَ القَومِ واستِعدَاداتِهم النَّفسيَّةَ لتَلقِّي مثلِ هذه المَفاهيمِ.
جَاءَ في خَواطرِه(268) الإيمانيَّةِ عن القُرآنِ وَصْفُه بقَولِه: «كِتَابُ اللهِ فيه نَبأُ مَن قبلَكم، وخَبَرُ مَا بَعدَكم، وحُكْمُ ما بينَكم. هو الفَصْلُ ليسَ بالهَزْلِ. مَن تَرَكَه مِن جبَّارٍ قَصَمه اللهُ. ومَن ابتَغَى الهُدَى –أو قالَ: العِلْمَ- في غَيرِه؛ أضلَّه اللهُ.
وهو الحَبْلُ المَتِينُ. وهو الذِّكرُ الحَكِيمُ، وهو الصِّراطُ المستقيمُ. وهو الذي لا تَزِيغُ به الأهْوَاءُ، ولا تَلتَبِسُ به الألْسِنَةُ، ولا تَنقَضِي عَجائِبُه، ولا يَشبَعُ منه العُلمَاءُ، ولا يَخْلَقُ عن كَثْرَةِ الرَّدِّ(269) . هو الذي تَناهَى الجِنُّ إذ سَمِعَتْه، حتى قالُوا: ﴿ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرآنًا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى(270) ﴾ .
مَن قالَ به صَدَقَ. ومَن عَمِلَ به أُجِرَ. ومن حَكَمَ به عَدَلَ. ومن
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 162دَعَا إليه؛ هُدِيَ إلى صِرَاطٍ مُستَقيمٍ»(271)
1 - أشَارَ عليٌّ رضي الله عنه بحَديثِه عن خَصائصِ القُرآنِ ومَا تَضمَّنَه مِن المَفَاهِيمِ القُرآنيَّةِ، والمَعَارِفِ الإنسَانيَّةِ، والعُلومِ الكَونيَّةِ، إلى جُمْلَةٍ وَافِرَةٍ من أوجُهِ الإعْجَازِ؛ كحَديثِه عن اتِّسَاقِ نَظْمِه ومَعانِيه لمَن تدبَّرَه وأمعنَ فيه، تَحقِيقًا لقَولِ اللهِ تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِلافًا كَثِيرًا(272) ﴾ .
كمَا عرَّجَ على الإشَادةِ بفَصَاحَةِ آيَاتِه وبَلاغَةِ عِبَارَاتِه وقُوَّةِ تَأثيرِه ، وهذا مَا يُخبِرُنا عنه اللهُ في قَولِه: ﴿ وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشّاهِدينَ(273) ﴾ ، وقَولِه تعالى: ﴿ لَوْ أَنزَلْنَا هَـذَا القُرآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمثالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(274) ﴾ .
وهذا ما شهدَ به الوليدُ بنُ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 163المغيرةِ (ت 1 هـ)(275) وقد أرسلَه كفَّارُ قُريشٍ ليُفَاوِضَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بالمَالِ والسُّلطَانِ والنِّساءِ على أنْ يَترُكَ الإسْلامَ! فردَّه صلى الله عليه وسلم وتلا عليه القُرآنَ، فرَقَّ له الوَليِدُ، وعَادَ مُتأثِّرًا، ولِسَانُ حَالِه يقولُ: «واللهِ مَا فِيكُم رَجُلٌ أعلمُ بالأشْعَارِ مِنِّي، ولا أعلمُ برَجزِه ولا بقَصِيدِه منِّي، ولا بأشْعَارِ الجِنِّ. واللهِ ما يُشبِهُ الذي يقولُ شَيئًا من هذا. وواللهِ إنَّ لِقَولِه الذي يقولُ حَلاوةً، وإنَّ عليه لَطَلاوةً، وإنَّه لَمُثمِرٌ أعلاه، مُغدِقٌ أسفلُه، وإنَّه لَيعلُو وما يُعلَى، وإنَّه لَيحطِمُ مَا تَحتَه»(276)
وممَّا جَاءَ في حَديثِه: إخْبَارُ القُرآنِ عن الغَيْبِ ﴿ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ(277) ﴾ ، وهو على قِسْمَينِ:
(أحدُهما): وَقائِعُ ستَحدُثُ، لا يَعلمُها إلا علامُ الغُيوبِ ، ثمَّ كانَ كمَا أخْبَرَ. ومَعلُومٌ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم لا دِرَايةَ له بعِلْمِ النُّجومِ، ولا الكَهانةِ، ولا جَالَسَ أهلَها قط.
منها على سبيل المثال، قولُ اللهِ تعالى: ﴿ غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 164وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ(278) ﴾ وغيرُ ذلك مِن وَعْدِه إيَّاه بالفُتوحِ في زَمانِه وبعدَه.
(ثَانِيهما): مَا فيه من الخَبَرِ عن قِصَصِ الأوَّلِينَ من غَيرِ خِلافٍ ادُّعِيَ عليه فيها فيمَا وَقَعَ الخَبَرُ عنه، ممَّن كانَ من أهلِ تلك الكُتُبِ. ومَعلُومٌ من سِيرَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وحِفْظِ اللهِ له، أنَّه لم يُجالِسْ أهلَ الكِتَابِ ليَأخُذَ عنهم. وحِينَ زَعَمَ بعضُهم أنَّ بَشَرًا يُعلِّمُه! رَدَّ اللهُ تعالى ذلك عليه، فقالَ: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ(279) ﴾ . مَا مِن شَأنِه أنْ يُعجِزَ البَشرَ عن مَعرِفَتِه فَضْلاً عن الإحَاطَةِ به، خَاصَّةً من أمَّةٍ أميَّةٍ، قالَ تعالى: ﴿ تِلْكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلَا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ(280) ﴾ .
لعلَّ مِن أهمِّ ما تَناولَهُ كَلامُ عليٍّ رضي الله عنه تَأكِيدَ مَصدريَّةِ القُرآنِ، وأنَّه مُتضمِّنٌ لجَميعِ الأحكَامِ الشَّرعيَّةِ التي أقامَت شَرِيعةَ اللهِ في الأرضِ، وأنَّ البَشرَ عَاجِزُونَ أنْ يَضعُوا شِرْعةً تُسَامِي شَرِيعةَ اللهِ، وتُصلِحُ الأممَ والشُّعوبَ كمَا فعلَ القُرآنُ الكَرِيمُ.
إنَّ عليًّا رضي الله عنه إذ يُشِيرُ إلى هذه الخَصَائصِ، فإنَّه يَعْلمُ عَيْنَ اليَقينِ أمِّيَّةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأنَّه مَا تَخرَّجَ بمَدرَسةٍ ولا جَامِعَةٍ، ولا عَرَفَ القِرَاءةَ أو الكِتَابةَ، ﴿ وَمَا كُنتَ تَتلو مِن قَبْلِهِ مِن كِتابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 165لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظّالِمونَ(281) ﴾
بَعْدَ هذا، أيَجُوزُ لأحَدٍ أن يُشكِّكَ في القُرآنِ العَظيمِ، أو أنْ يتَخلَّفَ عن العَمَلِ به، وتَطبيقِ أحكَامِه ؟؟
المطلب الثاني احتواء القرآن على سائر الأدلة
هنا مَسألَتانِ:
الأولَى: هَلِ احتَوى القُرآنُ الكَرِيمُ على جَمِيعِ أبوَابِ الفِقْهِ الإسْلاميِّ؟
و الثَّانيةُ: هلْ نَصَّ القُرآنُ على مَصادرَ أخرَى للتَّشرِيعِ الإسْلاميِّ؟
الجَوابُ عن القَضيَّةِ الأولَى هو فَرْعٌ عن تَصوُّرِ المَسألَةِ الثَّانِيَةِ، في حين أنَّ اللهَ عز وجل قَد أجَابَ عنهما جُملةً وَاحِدةً في قَولِه تعالى: ﴿ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكِتابَ تِبيانًا لِّكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ(282) ﴾ . ولا شَكَّ أنَّ المَقصُودَ من صِيغَةِ العُمومِ: ﴿ لِّكُلِّ شَيءٍ ﴾ أنَّه: «عُمومٌ عُرفيٌّ في دَائرَةِ مَا لمِثْلِه تَجِيءُ الأدْيَانُ والشَّرائِعُ»(283) .
يُعتَبرُ القُرآنُ الكَرِيمُ الوَثِيقةَ الإلهيَّةَ الأولَى التي يَنبَغِي الانْطِلاقُ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 166منها. كمَا أنَّه المَصدرُ التَّشرِيعيُّ والأصْلُ الذي تَعُودُ إليه سَائِرُ المَصادرِ بالتَّبعِ. فلا يجوزُ لأحَدٍ أنْ يتَوَانَى عن اتِّخَاذِه مَنْهجَ حياةٍ وقَانُونًا لضَبطِ سَيرِ النَّاسِ. وبالنَّظرِ إلى دَولَةِ عليٍّ رضي الله عنه في أقضِيَتِه وفَتاوِيه، نَراهُ قد جَعَلَ من كتابِ اللهِ تعالى المَلاذَ الأوَّلَ والمَصْدرَ الرَّئِيسَ لسَائرِ النَّوَازلِ، وجَميعِ الأحْكَامِ الفِقهيَّةِ. فليسَ مِن أنْوَاعِ العُلومِ «بَابٌ ولا مَسْألةٌ هي: أصْلٌ- إلا وفي القُرآنِ ما يَدلُّ عليها»(284)
مِن جِهَتِه، يَعتَقِدُ عليٌّ رضي الله عنه اعتِقادًا جَازِمًا لا يُخالِجُه أدنَى شكٍّ أنَّ القُرآنَ قد حوَى ذلك كلَّه، إمَّا صَراحةً أو ضِمْنًا. فقد فَتحَ عَينَيه على الدُّنيَا وهو يَسْمعُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقرأُ القُرآنَ ويَتلُوه بتدبُّرٍ وتمعُّنٍ آناءَ الليلِ وأطرافَ النَّهارِ، ممَّا رَسَّخَ مَعانِيه في ذِهْنِه وهو لا يَزالُ فتًى صَغِيرًا.
تعلَّم عليٌّ رضي الله عنه من القُرآنِ مَا جَعلَه يرَى فيه الحُلولَ لجَميعِ النَّوازلِ والمُستَجدَّاتِ، وأنَّه مُتضمِّنٌ للأحكَامِ الشَّرعيَّةِ جَميعِها بالتَّصريحِ أو التَّلويحِ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 167وهذا إنَّما يُبرْهنُ على شدَّةِ عِنايَتِه به، وحِرْصِه عليه، وأنَّ له فَهْمًا خَاصًّا تَميَّزَ به في استِنبَاطِ الأحكَامِ من القُرآنِ الكَريمِ، وبُلوغِ مَعانِيه.
يقولُ في هذا الصَّددِ - وقد اجتَمعَ رَأيُ عمرَ وعثمانَ رضي الله عنهما على أنَّ الأعْوَرَ إنْ فَقأَ عَيْنَ آخَرَ، فعليه مثلُ دِيَةِ عَينِه-: «أقامَ اللهُ القِصاصَ في كتابِه: ﴿ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ(285) ﴾ ، وقد عُلِمَ هذا(286) ، فعليه القِصاصُ؛ فإنَّ اللهَ لم يكُ نَسِيًّا(287) » .
وإذا كانَت الأدلَّةُ المُعتَدُّ بها – من حيثُ الجُملةُ- أربعةً، وهي: الكتابُ، السُّنَّةُ، الإجمَاعُ، والقِيَاسُ، كمَا قالَ الإمامُ الشَّافعيُّ (ت 204 هـ) رحمه الله: «وجِهَةُ العِلْمِ الخَبَرُ في الكِتَابِ، أو السُّنَّةِ، أو الإجمَاعِ، أو القِيَاسِ»(288) .
فقَدْ اتَّفقَت كَلِمَةُ أهلِ العلمِ على أنَّ هذه الأدلَّةَ الأربعةَ ترجعُ إلى أصْلٍ وَاحدٍ، وهو: الكِتَابُ، والسُّنَّةُ. إذْ هما مَلاكُ الدِّينِ، وقِوامُ الإسلامِ(289) ، قالَ الشَّافعيُّ رحمه الله: «وإنَّه لا يَلْزَمُ قَوْلٌ بكلِّ حَالٍ إلا بكتابِ اللهِ، أو سنَّةِ رَسُولِه، وإنَّ ما سِواهما تَبعٌ لهما»(290) .
ثمَّ تَرجِعُ السُّنَّةُ إلى الكِتَابِ، بدلالتِه عليها، وتَكليفِه بامتِثَالِ أمرِها، والكَفِّ عن نَهيِها، قالَ الشَّافعيُّ رحمه الله: «إنَّ اللهَ –جلَّ ثَنَاؤُه- أقامَ على خَلقِه الحُجَّةَ من وَجهَينِ، أصلُهما في الكِتَابِ: كِتَابُه، ثمَّ سُنَّةُ نَبيِّه؛ بفَرضِه في كِتَابِه اتِّباعَها»(291) .
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وعليه، فدلالةُ السُّنَّةِ – مثلاً- على أحكامٍ لم يَنصَّ عليها القُرآنُ، هي في الوَقتِ عينِه دلالةٌ للكتابِ عليها. وعلى كلِّ حَالٍ فلا شَكَّ أنَّ الُقرآنَ فيه بَيانُ كلِّ شَيءٍ. والسُّنَّةُ كلُّها تَدخُلُ في آيَةٍ وَاحدةٍ منه، وهي قَولُ اللهِ تعالى: ﴿ وَمَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهاكُم عَنْهُ فَانتَهُوا(292) ﴾ ».
إنَّ القُرآنَ نَفْسَه أحَالَ على جُمْلَةٍ وَافرةٍ من الأدلَّةِ التي تُعتَبرُ مَصادِرَ تَشرِيعيَّةً، فالكِتَابُ قد دلَّ على حُجِّيَّةِ السُّنَّةِ، والكتابُ والسُّنَّةُ دلاَّ على حُجِّيَّةِ الإجمَاعِ، وهذه الأدلَّةُ الثَّلاثةُ دلَّت على حجِّيَّةِ القياسِ(293) .
هذا، وحَمَلَ بَعْضُ أهلِ العلمِ قولَ اللهِ تعالى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنازَعتُم فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ(294) ﴾ ، على هذه الأدلَّةِ الأربعةِ، وبَيانُ ذلك على الوَجْهِ التَّالي:
إنَّ الأمْرَ بإِطَاعةِ اللهِ والرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم أمْرٌ باتِّبَاعِ القُرآنِ والسُّنَّةِ. والأمرَ باتِّباعِ أولي أمْرِ المُسلِمينَ في مَجالِ العلمِ والشَّرعِ أمرٌ باتِّبَاعِ ما اتَّفقَ عليه المُجتَهِدونَ من الأحكَامِ. والأمرَ برَدِّ الوَقائعِ المُتنَازَعِ فيها إلى اللهِ والرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم أمرٌ باتِّباعِ القِيَاسِ حيثُ لا نصَّ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ولا إجماعَ(295)
فكِتابُ اللهِ تعالى يَشتَمِلُ على جَميعِ الأحكامِ الشَّرعيَّةِ التي تتعلَّقُ بشُؤونِ الحَياةِ – حسبَ النَّظرِ الأصوليِّ- وفي مُقدِّمتِها تلك الأسُسُ الهَامَّةُ التي يحتَاجُها المُسلِمونَ في قيامِ دَولتِهم عليها. وقد سبقَ أنِ استَحضَرْتُ نصَّينِ من نُصوصِ عليٍّ رضي الله عنه ، يُرَسِّخُ فيهما هذا المَعنَى بأسلوبِه العَربيِّ الرَّصينِ، فها هو يقولُ في التَّعريفِ بالقُرآنِ: «فيه (...) حُكْمُ مَا بينَكم (...). مَن قالَ به صَدَقَ (...) ومَن حَكَمَ به عَدَلَ»(296) .
***
المبحث الثالث علي في خدمة القرآن
ويَشتمِلُ على مَطلبَينِ، هما:
المَطلَبُ الأوَّل: مُسَاهَمةُ عليٍّ في المُحافَظةِ على القُرآنِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: صُوَرٌ من تَعظيمِ عليٍّ للقُرآنِ.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الأول مساهمة علي في المحافظة على القرآن
حِفظُه في الصُّدورِ وجَمْعُه في السُّطورِ: حِفْظُ عليٍّ للقُرآنِ:
عليٌّ وَاحِدٌ مِن الصَّحابةِ رضي الله عنهم الذين مَاتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وغَالِبُ القُرآنِ مَحفُوظٌ عندَهم عن ظَهرِ قَلْبٍ، يستَظهِرُونَه غَيْبًا(297) ، فَضْلاً عن تَوَافرِ مَصاحفِهم المُستَنِيرَةِ بآيَاتِ الكِتَابِ العَزِيزِ. مَا دَعَا عَدَدًا مِن القُرَّاءِ أنْ يتَلقَّوا عنه كِتَابَ اللهِ تعالى، منهم:
أبو الأسود الدؤلي (ت 69 هـ). أبو عبد الرحمن السلمي
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
(ت 73 هـ). عبد الرحمن بن أبي ليلى (ت 82 هـ). تَدوِينُ عليٍّ للقُرآنِ:
عليٌّ رضي الله عنه من القلَّةِ الذين يَعرِفُونَ القِرَاءةَ والكِتَابةَ في صَدْرِ الإسْلامِ، كمَا أنَّه زَاوَلَ مَنصِبَ (الكُتَّابِ) حيثُ كانَ من كَتَبَةِ الوَحْيِ لرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. لذا فقَد شَغَلَ تَدوِينُ القُرآنِ حيِّزًا كَبِيرًا من اهتِمَامَاتِ عليٍّ رضي الله عنه التي لا تَفْتأُ تُنجَزُ حتى يَنشِغلَ بغَيرِها! وقد تَعهَّدَ على نَفْسِه إثْرَ وَفاةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أن لا يخرجَ من بَيتِه إلا وقد انتَهى من جَمْعِ القُرآنِ بينَ لَوحَينِ(298) .
وحَشَّى على نُسْخَتِه مِن المُصْحَفِ: النَّاسِخَ والمَنسُوخَ. وقَد جَهِدَ ابنُ سِيرينَ في البَحْثِ عن هذه النُّسْخَةِ، فلمْ يَحْظَ بها! قالَ: «طَلَبْتُ ذلك الكِتَابَ، وكَتَبْتُ فيه إلى المَدِينَةِ، فلم أقدِرْ عليه»!(299) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ولأهمِّيَّةِ التَّدوينِ عندَ عليٍّ رضي الله عنه ، كانَ يدعُو لأبي بكرٍ رضي الله عنه ، ويَشْهدُ له بسَابقيَّتِه في جَمْعِ كلامِ اللهِ تعالى والمُحافَظةِ عليه، فاستَمِعْ إليه وهو يقولُ: «أعظمُ النَّاسِ في المُصحَفِ أجْرًا أبو بكرٍ، رَحْمةُ اللهِ على أبي بكرٍ، هو أوَّلُ من جَمعَ كتابَ اللهِ بينَ اللَّوحَينِ(300)(301) ) ( ».
ورَضِيَ من عثمانَ رضي الله عنه جَمْعَه القُرآنَ على المُصْحَفِ الإمَامِ، وعدَّ هذا الصَّنِيعَ منه وَاحِدًا من حَسناتِ اجتِهادَاتِه. ودَافَعَ عنه فيها، وتوعَّدَ مَن يَعِيبُه على هذا الفِعْلِ الكَريمِ، فَقَالَ: «يَا أيُّها النَّاسُ، لا تَغْلُوا في عُثمانَ، ولا تقُولُوا له إلا خَيْرًا في المَصَاحفِ. فواللهِ مَا فَعَلَ الذي فَعَلَ في المَصَاحفِ(302) ، إلا عن مَلأٍ منَّا جَمِيعًا(303) (...) واللهِ لو وُلِّيتُ، لفَعلتُ مثلَ الذي فعلَ»(304) .
فعليٌّ رضي الله عنه شَكَرَ عثمانَ على دَورِه الفعَّالِ في الحِفَاظِ على كِتَابِ اللهِ تعالى، وبالتَّالي المُحافَظةِ على وِحْدَةِ كَلمةِ المُسلِمينَ، وجَمْعِ شَمْلِ
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 173الأمَّةِ من التَّفرُّقِ والتَّشرذُمِ، والإبقاءِ على استمرَاريَّةِ اللسَانِ العَربيِّ أمدَ الدَّهرِ، وأكَّدَ أنَّه كانَ على مَشُورَةٍ من جَميعِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم
فدَافعَ عنه أمامَ المُغرِضينَ، وذَبَّ عن عِرْضِه الشَّريفِ في وَجهِ المُرجفِينَ، لئلا يكونَ غَرضًا لسهامِ القتَّاتِينَ!! وزَادَ الأمْرَ تَأكِيدًا أنَّه لو كانَ الخَلِيفةَ مَا زَادَ على صَنيعِ عثمانَ رضي الله عنه شَيئًا، ولا تأخَّرَ عن العَملِ بما ذَهبَ إليه.
لِمَا ترجَّحَ عندَه مِن صَوابيَّةِ هذا الفِعْلِ، وكَونِه من المَصَالحِ العامَّةِ التي تحتَاجُها الأمَّةُ...
المنهج في التدوين:
يَومَ أنْ وَصَلَ الدَّورُ إليه، وأرَادَ أن يستَنسِخَ القُرآنَ في المَصاحفِ، جَعَلَ للنُّسَّاخِ مِنهَاجًا، ضَبطَه لهم فلا يَحِيدُونَ عنه قَيْدَ أنْمُلَةٍ، لضَمانِ نَجاحِ سَيْرِ هذه المَهَمَّةِ المَوكُولَةِ إليه بحُكْمِ إمْرَتِه.
فأوْجَبَ عليهم أنْ يكتُبوا القُرآنَ بخَطٍّ وَاضحٍ جَليٍّ، معَ التَّفريجِ بينَ السُّطورِ، والتَّقريبِ بينَ الحُروفِ، وأنْ تكونَ كَبِيرةً مُنوَّرةً، لتَسْهلَ قِرَاءتُه، ويُؤمَنَ من وُرودِ اللَّحْنِ عليه، أو الخَطأِ في تِلاوتِه، ونَسخِه من جَديدٍ.
هذا مَا أمرَ به كَاتِبَه عُبيدَ اللهِ بنَ أبي رَافعٍ(305) بقولِه: «ألقِ دَواتَك،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 174وأطِلْ سنَّ قَلمِك، وافرجْ بين السُّطورِ، وقَرمِطْ(306) بين الحُروفِ»(307)
وكَرِهَ أن يُكتَبَ القُرآنُ في المَصاحفِ الصَّغيرةِ(308) . ولعلَّه هو القَائِلُ: «أعْظِمُوا القُرآنَ –يَعنِي: المَصَاحِفَ- ولا تتَّخِذُوها صِغَارًا»(309) .
وكانَ يتَعَاهَدُ النُّسَّاخَ والكتَبَةَ بنَفْسِه، ويُراقِبُهم مُراقَبةً دَقِيقةً، ويحثُّهم بكلِّ عَزْمٍ وحَزْمٍ على إتْقَانِ عَملِهم، وكانَ يمرُّ بكُتَّابِه وهم يكتبون المَصاحِفَ بالكُوفةِ، فيقومُ فيقولُ: «اُجْلُ قَلمَك».
قالَ أبو حُكَيمةَ العَبدِيُّ(310) فقططْتُ(311) منه، ثمَّ كَتبْتُ. فقالَ: «هكذا نوِّرُوا مَا نوَّرَ اللهُ»(312) ويقولُ رضي الله عنه «الخَطُّ عَلامةٌ، فكلَّما كانَ
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وصَدقَ مَن جَعَلَ حُسْنَ الخَطِّ مِن كَمَالِ الأدَبِ إذْ أنشَدَ:
| تَعلَّمْ قِوَامَ الخَطِّ يَا ذا التَّأدُّبِ | فمَا الخَطُّ إلا زِينةُ المُتأدِّبِ |
|---|---|
| فإنْ كُنْتَ ذا مَالٍ فحَظُّك وَافِرٌ | وإنْ كنتَ مُحتَاجًا فأفْضَلُ مَكسَبِ(314) ( 314 ) |
قالَ النَّوويُّ رحمه الله: «وأجْمَعُوا على استِحبَابِ كِتَابَةِ المُصحَفِ، وتَحسِينِ كِتابَتِه، وتَبيينِها وإيضَاحِها، وإيضَاحِ الخَطِّ دُونَ مَشقَّةٍ»(315) .
يَدلُّ هذا على عَظيمِ حُرْمةِ القُرآنِ عندَ عليٍّ رضي الله عنه وشَرفِه، وفيه تَعظِيمُ عليٍّ رضي الله عنه لكِتَابِ اللهِ تعالى. ألا فليُحَافظِ المُسلِمونَ على كِتَابِ ربِّهم، ويعتَمِدُوا الرَّسْمَ العُثْمَانيَّ في كِتَابتِه، عندَ الاستِشهَادِ بآيَاتِه في مَعرِضِ الحُجَّةِ والاستدلالِ.
المطلب الثاني صُور من تعظيم علي للقرآن
القُرآنُ الكَرِيمُ كَلامُ اللهِ تعالى للبَشريَّةِ جَمعاءَ، فتَعظِيمُه تَعظِيمٌ للمُتكلِّمِ به، وهو اللهُ سبحانه وتعالى . وفيه مَعرِفَةُ قَدْرِ البَشريَّةِ لخَالقِها، ولنَبيِّها صلى الله عليه وسلم، ولنَفْسِها.
مِن فِقْهِ عليٍّ رضي الله عنه في تَعظيمِ حُرْمَةِ القُرآنِ أنِ استَنبطَ أحكَامًا خَاصَّةً به،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 176يُفهَمُ مِن التَّأمُّلِ فيها حَجْمُ ما يَكُنُّه عليٌّ رضي الله عنه لهذا الكِتَابِ العَظيمِ من احتِرَامٍ وتَبجِيلٍ...
مِن ذلكَ على سَبيلِ المِثَالِ:
تَنزِيهُ القُرآنِ عن بَعضِ الأمَاكنِ:
أنْ لا يُتلَى القُرآنُ في الأمَاكنِ المَنهيِّ عن قِرَاءَتِه فيها ؛ كالمَقْبَرةِ، لوُرودِ النَّهيِ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لا تَجعَلُوا بُيوتَكم مَقابِرَ، إنَّ الشَّيطَانَ يَنفِرُ مِن البَيتِ الذي تُقرَأُ فيه سُورَةُ البَقرَةِ»(316) .
يُشِيرُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى أنَّ القُبورَ ليسَت مَوضِعًا للقِراءَةِ شَرْعًا، لذلك حَضَّ على قِراءَةِ القُرآنِ في البُيوتِ، ونَهَى عن جَعْلِها كالمَقابرِ التي لا يُقرَأُ فيها.
و أنْ لا يُتلَى في الأمَاكنِ غَيرِ المُحترَمةِ ؛ كالحمَّامِ(317) ونَحوِه، لاجتِمَاعِ القَاذُورَاتِ، ولحُصُولِ التَّكشُّفِ فيها، والتَّساهُلِ في سَتْرِ العَورَاتِ، ورَفْعِ الأصْوَاتِ! وكَونِها غَيرَ مُعَدَّةٍ للإنْصَاتِ إلى القُرآنِ والاستِمَاعِ له، واللهُ تعالى يقولُ: ﴿ وَإِذَا قُرِئَ القُرآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(318) ﴾ .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فكَرِهَ ذلك، وقالَ: «بِئْسَ البَيْتُ الحمَّامُ»(319) ؛ لأنَّه يُنزَعُ فيه الحَيَاءُ، ولا تُقرَأُ فيه آيةٌ من كِتَابِ اللهِ. فهذا حُكْمٌ منه بالمَنْعِ معَ بَيَانِ عِلَّتِه والمَقصدِ مِن النَّهيِ.
مَنْعُ المُحدِثِ مِن مَسِّ المُصحَفِ: أنْ لا يمَسَّه مَن هو على غَيرِ طَهارةٍ:
حرَّمَ على المُحدِثِ حَدثًا أصْغَرَ أو أكْبَرَ أن يَمسَّ المُصْحفَ الشَّرِيفَ(320) .
وفرَّقَ بينَ الحَدَثينِ في القِرَاءةِ:
فأجَازَها للمُحدِثِ حَدَثًا أصْغَرَ؛ رَفْعًا للحَرَجِ عن النَّاسِ. حَكَى عليه الإجْمَاعَ النَّوويُّ(321) .
وحرَّمَها عليه في حَالَةِ الجَنابةِ، أو الحَيْضِ، أو النِّفاسِ(322) . يقولُ: «اقْرَؤُوا القُرآنَ مَا لم يُصِبْ أحدَكم جَنابةٌ، فإنْ أصَابَتْه جَنابةٌ فَلَا ولا حَرْفًا وَاحِدًا»(323) . ويقولُ: «اقْرأِ القُرآنَ على كلِّ حَالٍ ما لم تكنْ جُنبًا»(324) .
مَنْعُ
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الأجْرَةِ على تَعليمِه:
ومِن صُوَرِ تَعظيمِ القُرآنِ عند عليٍّ رضي الله عنه : مَنْعُ بَذْلِ الأجْرَةِ على تَعليمِه ، ذلك أنَّه حَضَّ على مجَّانيَّةِ الحُصولِ على القُرآنِ، ونَهَى القُرَّاءَ أنْ يَأخُذوا أجْرًا على تَعليمِه، وأبْغَضَ مَن يُخَالِفُ هذا الأمرَ. أتى رَجُلٌ إلى عليٍّ رضي الله عنه ، فقالَ: يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ، واللهِ، إنِّي لأحبُّكَ في اللهِ. فقالَ: «ولكنِّي أبْغِضُكَ في اللهِ»!
قالَ: ولمَ ذاكَ؟ قالَ: «لأنَّكَ تتَغنَّى بأذَانِكَ، وتَأخذُ على تَعليمِ القُرآنِ أجْرًا، وقد سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَن أخذَ على تَعليمِ القُرآنِ أجْرًا؛ كانَ حظَّه يومَ القِيَامةِ»(325) .
هكذا يُرِيدُ عليٌّ رضي الله عنه أن يُحافِظَ على كِتَابِ اللهِ تعالى؛ بإتْقَانِ كِتَابَتِه في المَصَاحفِ، وضَبْطِ حِفْظِه في الصُّدورِ، والإحْسَانِ في تَبليغِه للنَّاسِ بلا أجْرٍ أو مُقابلٍ، رَغْبةً في تَكثيرِ الحُفَّاظِ والقُرَّاءِ ليَعمَّ الخَيرُ، ويَظلَّ مُتوارَثًا جِيلاً بعدَ جِيلٍ، وفي مُتناوَلِ أيدي الأعقَابِ القَادمةِ، خاصَّةً طَبقةَ المَعدُومِينَ منهم، الذين بالكَادِ يَجِدُونَ قُوْتَ يَومِهم.
إنَّه الأمْرُ بالتَّعلُّمِ والتَّعليمِ معَ تأمينِ مُتطلِّباتِ الدِّراسةِ، للقَضَاءِ على الأمِّيَّةِ، ورَفْعِ الجَهْلِ من صُدورِ الرَّعيَّةِ، بكلِّ وَسِيلَةٍ مُتاحَةٍ. والمُحافَظةُ على حُقوقِ المَرأةِ والطِّفلِ، في حَقْلِ التَّربيَةِ والتَّعليمِ والإرشَادِ والتَّوجيهِ... إنَّها بالفِعْلِ السَّابقةُ الإسْلاميَّةُ في جَميعِ مَجالاتِ الحَياةِ، وتَكافؤُ الفُرَصِ في التَّعليمِ. إنَّه مثالٌ حيويٌّ يُحتذى في العَهْدِ الرَّاشديِّ الرَّابعِ.
المبحث الرابع منهج علي في فهم القرآن
ويَشتمِلُ على مَطلَبينِ، هما:
المَطلَبُ الأوَّلُ: النُّبوغُ الفِكْرِيُّ وأثرُه في فَهْمِ الخِطَابِ الإلهيِّ.
المَطلَبُ الثَّانِي: قَوَاعِدُ فَهْمِ النَّصِّ القُرآنيِّ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الأول النبوغ الفكري وأثره في فهم الخطاب الإلهي
إنَّ فَهْمَ الخِطَابِ الإلهيِّ المُوْحَى به إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مَرْتَبةٌ جَلِيلَةٌ تَصدَّى لها عُلمَاءٌ أفذاذٌ، نَالُوا بها حَظْوةً عَظِيمةً في نُفوسِ الخَلْقِ. إلا أنَّ استِنبَاطَ المَعانِي والعِلَلِ، ونِسْبةَ بَعضِها إلى بَعضٍ، لاعتِبَارِ ما يَصِحُّ منها بصحَّةِ مثلِه ونَظيرِه، ويُلغِي ما لا يَصِحُّ. ومَعرفةُ الأشباهِ والنَّظائرِ ومَقاصدِ المُتكلِّمِ، لا يَعقِلُه إلا مَن خَلَصَ قَلبُه للهِ، وصَفَت نَفْسُه عن حُظوظِ الدُّنيَا، فسَمَت بجَوهرِ الحقيقةِ إلى عَرشِ السَّماءِ.
وغَيْرُ خَافٍ أنَّ هذا القَدْرَ زَائِدٌ على مُجرَّدِ فَهْمِ النَّظْمِ الذي يُحْوِجُ صَاحِبَه معَه إلى الوُقوفِ على أسْرَارِ الشَّريعةِ ومَقاصدِها العَظيمةِ، معَ مُلازَمةِ التَّقوَى ومُراقَبةِ اللهِ. وقد ذمَّ اللهُ من سَمِعَ ظَاهِرًا مُجرَّدًا، فأذَاعَه
PDF 180وأفشَاه. وحَمِدَ مَن استَنبَطَ مِن أوْلِي العِلْمِ حَقِيقتَه ومَعْنَاه.
فكانَ من هؤلاءِ الصَّفوةِ عليٌّ رضي الله عنه أحَدُ كِبَارِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم ، الذين مَلكُوا الشَّرِيعةَ فأحْكَمُوا أصُولَها وفُروعَها، وقَعَّدُوا أُسُسَها ومَبانِيها.
«أعْطَى عليٌّ القُرآنَ عَزَائِمَه، ففَازَ منه برِيَاضٍ مُونِقَةٍ(326)(327) )( ». سُئِلَ عليٌّ رضي الله عنه : هلْ عندَكم كِتَابٌ؟ قالَ: «لا، إلا كِتَابُ اللهِ، أو فَهْمٌ أُعطِيه رَجُلٌ مُسلِمٌ، أو مَا في هذه الصَّحِيفَةِ»(328) .
قالَ ابنُ القيِّمِ (ت 751 هـ) رحمه الله: «ومَعلُومٌ أنَّ هذا الفَهْمَ قَدْرٌ زَائِدٌ على مَعْرِفَةِ مَوضُوعِ اللفْظِ، وعُمومِه، وخُصُوصِه. فإنَّ هذا قَدْرٌ مُشْتَركٌ بينَ سَائرِ مَن يَعرِفُ لُغةَ العَرَبِ، وإنَّما هذا فَهْمُ لوَازمِ المَعنَى، ونَظائرِه، ومُرَادُ المُتكلِّمِ بكَلامِه، ومَعرفَةِ حُدودِ كَلامِه؛ بحيثُ لا يدخلُ فيها غيرُ المُرادِ، ولا يخرجُ منها شَيءٌ من المُرادِ»(329) .
المطلب الثاني قواعد فهم النص القرآني
إنَّ تَفْسِيرَ النَّصِّ القُرآنيِّ والسَّعيَ لمَعرفةِ دَلالتِه، ومَا تَنضَوِي عليه مِن مَعانٍ، واستِنبَاطَ الحُكْمِ منه، يَجِبُ أن يَتَّبعَ طُرُقًا عِلميَّةً صَحِيحةً. وقد
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 181اتَّسمَت مَدارِكُ عليٍّ رضي الله عنه في فَهْمِ كَلامِ اللهِ تعالى، والغَوصِ في أعمَاقِ كِتَابِه بمَزيدٍ من الذَّكاءِ والفِطْنَةِ وسُرْعَةِ البَديهةِ، ممَّا يُعدُّ مِن مَزايَاه التي امتَازَ بها على سَائرِ أقرَانِه.
لَسْتُ هنا في صَدَدِ إثْبَاتِ هذه الحَقيقةِ، لكن يكفي للتَّمثيلِ عليها أنَّ رَجُلاً من الخَوارجِ نَادَاه يَومًا بقَولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرينَ(330) ﴾ ! فأجَابَه عليٌّ رضي الله عنه على الفَوْرِ(331) :﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ(332) ﴾ .
وعندَما احتَجُّوا عليه بقَولِ اللهِ تعالى: ﴿ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ(333) ﴾ ؛ ظنًّا منهم أنَّ الآيةَ دَلِيلٌ لهم على مَا ذَهبُوا إليه من الخُروجِ على الإمَامِ الحَقِّ! كانَ جوابُ عليٍّ رضي الله عنه أنْ قالَ قولتَه التي طارَت بها الرُّكْبانُ: «كَلِمَةُ حقٍّ أُرِيدَ بها بَاطِلٌ»(334) !
ذلك أنَّهم أخْطَأوا في الاستِدْلالِ بالآيَةِ، إذِ استَشْهدُوا بها في غَيرِ مَناطِها، فلمْ يَكُنِ الصَّوابُ حَلِيفَهم! وفي هذا مَلْحَظٌ هَامٌّ ينبَغي الالتِفَاتُ إليه، فيمَا يَخُصُّ عَملِيَّةَ الاستِدْلالِ على الأحْكَامِ، ألا وهو رَبْطُ الدَّليلِ
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 182بالمَسْألَةِ رَبْطًا مُحْكَمًا، يَتبيَّنُ منه وَجْهُ الدَّلالةِ على الحُكْمِ، ممَّا يكونُ مُساعِدًا على التَّثبُّتِ من صِحَّةِ كَوْنِ الدَّليلِ في مَحِلِّه.
كمَا امتَازَ المَنهجُ العِلميُّ عندَ عليٍّ رضي الله عنه في الوُقوفِ على أسْرَارِ القُرآنِ ببُعدِ النَّظرِ، وعُمْقِ الفِكْرِ، والدِّقَّةِ في مُعالَجةِ قَضايَاه، وعَدمِ الخَوضِ فيمَا استَأثرَ اللهُ تعالى بعِلْمِه، ومَعرِفَةِ كلِّ امرئٍ قَدْرَ نَفْسِه.
فما تلك الأسُسُ التي أصْقلَت مَواهِبَ عليٍّ رضي الله عنه في فَهْمِ القُرآنِ، وكانَت سَببًا في إدْرَاكِ مَعانِيه على الوَجْهِ الصَّحيحِ؟ وما المُنطلَقاتُ الأسَاسيَّةُ التي اعتَمدَها في تَفسيرِ النُّصُوصِ الشَّرعيَّةِ؟ وهلْ كانَ لهذه القَواعدِ أثرٌ في اختِيارَاتِه الفِقْهيَّةِ؟
إنَّها جُمْلَةٌ من القَواعدِ الرَّئيسَةِ التي انطَلقَ بها عليٌّ رضي الله عنه لضَبْطِ المِيزَانِ العِلْميِّ في سَبْرِ أغْوَارِ الكِتَابِ العَزيزِ، ووُقوفِه على أحْكَامِه الفِقْهيَّةِ، ومَقاصدِه الشَّرعيَّةِ. أُجمِلُ الحَدِيثَ عنها في النِّقاطِ الخَمْسَةِ التَّاليةِ:
القَاعِدَةُ الأولَى: فَهْمُ النَّصِّ وَفْقَ اللُّغةِ:
النَّظرُ في لُغَةِ العَرَبِ:
القُرآنُ الكَرِيمُ عَربيُّ اللِّسانِ، فَصِيحُ البَيانِ، نَزَلَ على قَومٍ عَرَبٍ لم تدخُلِ اللُّكْنَةُ ألسِنتَهم، ولا عُرِفَ عنهم لَحْنٌ بكَلمةٍ. قالَ اللهُ تعالى: ﴿ الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنزَلناهُ قُرآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(335) ﴾ كي يَجعلَه مُعجِزةً شَاهِدةً لنَبيِّه صلى الله عليه وسلم ودَلالةً قَاطِعةً على
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 183صِدْقِه، ولا يتَأتَّى ذلك إلا إذا كانَ بلِسَانٍ عَربيٍّ مُبينٍ، قالَ تعالى: ﴿ وَلَوْ جَعَلناهُ قُرآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آياتُهُ أَأَعجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ(336) ﴾
فتَحتَّمَ على عليٍّ رضي الله عنه -وهو الذي نَشَأ في بَيْتِ مَن طَوَّعَ اللهُ له الكَلامَ- في إدْرَاكِ المَقاصدِ القُرآنيَّةِ، ومَعرفةِ مَعانِي مُفرَداتِه، أنْ يتَأمَّلَ القُرآنَ بلُغَةِ مَن نَزَلَ عليهم، على امتِدَادِ ثَلاثٍ وعِشْرينَ سَنةً؛ هي عُمْرُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الرِّسَالةِ، فيفسِّرُه بها، ويَكْشِفُ بوَاسِطَتِها اللِّثامَ عن آيَاتِ أحكَامِه.
وذلك مُمكِنٌ بأن يلتَزِمَ طُرُقَ دَلالَةِ اللُّغَةِ العَربيَّةِ على مَعانِيها، بحَسَبِ مُفرَداتِها وتَراكِيبِها، معَ مُراعَاةِ جَانبِ الحَقيقةِ والمَجازِ فيها، والصَّريحِ والكِنَايَةِ، والعَامِّ والخَاصِّ، والمُطلَقِ والمُقيَّدِ، والوَاضحِ والمُبهَمِ...
وهذا الأمْرُ مِن الصُّعوبةِ أنَّه يُوجِبُ مَعرِفةً تامَّةً باللُّغةِ، وإتقَانَها، ومَعرِفةَ صِيَغِها وأسَاليبِها. في حين أنَّ اللِّسانَ العَربيَّ أوسَعُ ألْسِنَةِ الأمَمِ، وأعظَمُه مَعاني، وأغزَرُه مُفردَاتٍ حتى قالَ الإمَامُ الشَّافِعيُّ –وهو مَن هو في اللُّغةِ-: «لا يُعلَمُ مِن إيضَاحِ جُمَلِ عِلْمِ الكِتَابِ أحَدٌ جَهِلَ سَعَةَ لِسَانِ العَرَبِ، وكَثرَةَ وُجُوهِه، وجِمَاعَ مَعانِيه وتَفرُّقَها. ومَن عَلِمَه انتَفَتْ عنه الشُّبَهُ التي دَخَلَتْ على مَن جَهِلَ لِسَانَها»(337) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
التَّطبِيقُ على هذا الأصْلِ:
لهذا المَنحَى اليدُ الطُّولَى فيمَا تَوَصَّلَ إليه عليٌّ رضي الله عنه من أحكَامٍ، منها على سَبيلِ المِثَالِ:
تَفسِيرُ القَرْءِ بالحَيضِ:
نصَّ القُرآنُ الكَرِيمُ على عدَّةِ المُطلَّقةِ الحَائلِ، وقدَّرَها بثَلاثةِ قُروءٍ في قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَالمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ(338) ﴾ . فلا تَنقَضِي العِدَّةُ حتى تَطهُرَ من الحَيْضَةِ الثَّالثةِ(339) .
لذا قَالَ عليٌّ رضي الله عنه عن المُطلَّقةِ: «لا تَحِلُّ لزَوجِها الرَّجْعَةُ عليها، حتى تَغتَسِلَ من الحَيْضَةِ الثَّالثةِ، وتَحِلَّ لها الصَّلاةُ»(340) .
ذلك أنَّ القُرُوءَ في كَلامِ العَرَبِ: جَمْعُ قَرْءٍ، وهو مِن المُشتَركِ اللَّفْظيِّ الذي يَحمِلُ أكثرَ مِن مَعنى، بلْ قد يَحمِلُ المَعنَى وضِدَّه. وهذه المُفرَدةُ (القَرْءُ) من هذا القَبيلِ، يُقالُ: أقرَأتِ المَرأةُ: حَاضَت. وأقرَأت: طَهرَت(341) .
والحَيْضُ: هو الدَّمُ الأسودُ العَبِيطُ(342) أمَّا مَا تَرَاه الحَائِضُ من
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 185الصُّفرَةِ أو الكُدْرَةِ، فليسَ بحَيضٍ. يقولُ عليٌّ رضي الله عنه «إذا تَطهَّرتِ المَرأةُ من المَحِيضِ، ثمَّ رَأتْ بعدَ الطُّهْرِ ما يُرِيبُها، فإنَّما هي رَكْضَةٌ من الشَّيطانِ في الرَّحمِ.
فإذَا رَأتْ مِثْلَ الرُّعافِ، أو قَطْرةِ الدَّمِ، أو غُسالةِ اللَّحمِ؛ تَوضَّأَتْ وُضُوءَها للصَّلاةِ، ثمَّ تُصلِّي. فإنْ كانَ الدَّمُ عَبِيطًا –الذي لا خَفاءَ به- فَلْتَدعِ الصَّلاةَ»(343) .
اللَّمْسُ هو الجِمَاعُ وما يَجرِي مَجْرَاه:
ومن ذلك تَفسِيرُه لقَولِ اللهِ تعالى: ﴿ الْغَائِطِ أَوْ لامَستُمُ(344) ﴾ بالجِمَاعِ، قالَ: «اللَّمْسُ: هو الجِمَاعُ، ولكنَّ اللهَ كنَّى عنه»(345) .
والدُّخولُ بالمَرأةِ هو أحَدُ اثنَينِ يَجِبُ بهما المَهْرُ، والثَّانِي هو الخَلْوةُ الشَّرعيَّةُ، إذ تُعتَبرُ في حُكْمِ الدُّخولِ. وقد حملَ (المسَّ) في قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ(346) ﴾ ، على الخَلْوةِ الصَّحيحةِ، فقالَ: «إذا أرْخَى سِتْرًا على امْرَأتِه، وأغْلَقَ بَابًا؛ وَجَبَ الصَّداقُ والعِدَّةُ»(347) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وممَّا أجرَاهُ مِن الأحكَامِ الفِقهيَّةِ على هذا الفَهْمِ:
إيجابُ العدَّةِ وكاملِ الصَّداقِ، بخِلافِ ما لو طلَّقَها قَبْلَ حُصُولِ الدُّخولِ أو الخَلْوةِ المُوجِبَةِ للمَهْرِ، فلا عدَّةَ عليها. تَقدِيمُ مُتْعَةِ الطَّلاقِ، وهي: مَا يدفعُه الرَّجلُ إلى مُطلَّقتِه من لِبَاسٍ ونَحوِه. جاءَ ذِكْرُها في قولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ(348) ﴾ . فرَأى أنَّ لكلِّ مُطلَّقةٍ مُتْعةً، ويقولُ: «لكلِّ مُطلَّقةٍ مُتعَةٌ»(349) .
القَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: فَهْمُ النَّصِّ وَفْقَ الشَّرعِ:
فَهْمُ النَّصِّ بنَصٍّ آخرَ: فَهْمُ النَّصِّ وَفْقَ القُرآنِ الكَريمِ:
خيرُ ما يُفسَّرُ به القُرآنُ الكَرِيمُ هو كَلامُ اللهِ تعالى نَفْسُه، وقَد أمرَنا المَولى سبحانه وتعالى بتَدبُّرِ كِتَابِه للوُصُولِ إلى أحْكَامِه، فقالَ تعالى: ﴿ كِتابٌ أَنزَلناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلبابِ(350) ﴾ . ومِن جِهَةٍ أخرى نَعَى القَوْمَ الذين يُعرِضُونَ عن آيَاتِه، فلا يُعِيرُونَها أدْنَى اهتِمَامٍ، فقالَ جَلَّ ثَناؤُه: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(351) ﴾ .
كانَ مَنْهَجُ عليٍّ رضي
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 187الله عنه في حَلِّ مَا أُشْكِلَ عليه فَهْمُه من القُرآنِ، أنَّه يَعُودُ إليه فيَدرُسُه مِن جَديدٍ، علَّه أن يَهْتَدِيَ إلى جَوَابٍ يرتَضِيه. وإلا عَادَ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فيسألُه وهو يَعْلمُ أنَّه سيروي بذلك ظَمأ نَفْسِه. ولا يَحُولُ حَياؤُه من رَسُول ِاللهِ صلى الله عليه وسلم أن يتَعلَّمَ منه، بل ينتَخِبُ مَن يَثِقُ بعِلْمِه وتثبُّتِه ليَسألَ له النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم عن مَسألَتِه، على مَا سيأتي تَحرِيرُه.
عن محمَّدِ ابنِ الحَنفيَّةِ (ت 81 هـ) رحمه الله قَالَ: قَالَ عليٌّ رضي الله عنه : «أشْكَلَ عليَّ أمْرَانِ: قَولُه تعالى: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا(352) ﴾ . فدَرَستُ القرآنَ ، فعَلِمْتُ أنَّه يعني: إذا طلَّقَها زَوْجُها الآخَرُ رَجَعَت إلى زَوْجِها الأوَّلِ المُطلِّقِ ثَلاثًا(353) (...)» .
من ذلك مَا فَهِمَه من قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ(354) ﴾ بأنَّه: السَّماءُ الدُّنيا، ثمَّ تلا قولَ اللهِ تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ(355)(356) ﴾ )( .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فهمُ النَّصِّ وفقَ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ:
لم يَقتَصِرْ هذا الفَهْمُ على إيضَاحِ القُرآنِ بالقُرآنِ، بل استَعَانَ أيضًا بالسُّنَّةِ النَّبويَّةِ المُطهَّرةِ في فَهْمِ الكِتَابِ العَزيزِ.
المُرَادُ بالصَّلاةِ الوُسْطَى:
يقولُ اللهُ تعالى: ﴿ حافِظوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتينَ(357) ﴾ .
فَهِمَ عليٌّ رضي الله عنه مِن هذه الآيَةِ أنَّ الصَّلاةَ الوُسْطَى هي: صَلاةُ العَصْرِ تَحدِيدًا، مُعْتَمِدًا على نَصٍّ مِن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الأحْزَابِ، جَاءَ فيه: «شَغلُونَا عن الصَّلاةِ الوُسْطى، صَلاةِ العَصْرِ، مَلأَ اللهُ بُيوتَهم وقُبورَهم نَارًا»(358) .
قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «الصَّلاةُ الوُسْطَى: صَلاةُ العَصْرِ»(359) .
الكَبَائِرُ المَنهيُّ عن ارتِكَابِها:
مِن هذا البَابِ مَا وَرَدَ في فَهْمِه لقَولِ الحَقِّ عز وجل ﴿ إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُم وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 189كَرِيمًا(360) ﴾ كانَ يَخطبُ النَّاسَ على المِنبَرِ بمَسْجدِ الكُوفةِ، فقالَ: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، إنَّ الكَبائِرَ سَبْعٌ».
فأصَاخَ النَّاسُ! فأعَادَها ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ قالَ: «ألا تَسألُونِي عنها؟».
قَالُوا: يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ، مَا هي؟ قالَ: «الإشْرَاكُ باللهِ، وقَتْلُ النَّفْسِ التي حَرَّمَ اللهُ، وقَذْفُ المُحصَنَةِ، وأكْلُ مَالِ اليَتيمِ، وأكْلُ الرِّبَا، والفِرَارُ يَومَ الزَّحْفِ، والتَّعرُّبُ بعدَ الهِجْرَةِ»(361) .
هذا الفَهْمُ مَبنِيٌّ على حَديثِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الذي قالَ فيه: «اجتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبِقَات(362) (...) » الحديث(363) .
الوَصِيَّةُ والدَّيْنُ:
تَقدِيمُ الدَّينِ على الوَصيَّةِ إجْمَاعٌ لا خِلافَ فيه، معَ العِلْمِ بأنَّ القُرآنَ قَدَّمَ الوَصيَّةَ على الدَّينِ في وُجُوبِ الوَفَاءِ بكلٍّ. وخَشيةً مِن أنْ يَحمِلَ الجُمهورُ النَّصَّ على ظَاهرِه غَيرِ المُرادِ، بيَّنَ عليٌّ رضي الله عنه المَقصُودَ مِن ذلك، فقالَ عليٌّ رضي
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 190الله عنه «إنَّكم تَقرَأونَ هذه الآيَةَ: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ(364) ﴾ وإنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى بالدَّينِ قبلَ الوَصيَّةِ، وإنَّ أعْيَانَ بَنِي الأمِّ يتَوارَثُونَ دُوْنَ بَنِي العلاتِ(365)
العِلْمُ بمُنَاسَبةِ النَّصِّ:
غَالِبًا مَا كانَت آيَاتُ الأحْكَامِ تَنزِلُ على رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم جَوَابًا لحَوادِثَ في المُجتَمعِ المُسْلمِ. تُعرَفُ هذه الحَوادِثُ بأسْبَابِ النُّزولِ(366) .
بِنَاءً عليه، يَجِبُ أن نَفْهمَ النَّصَّ الشَّرعيَّ في ضَوْءِ سَبَبِ نُزولِه، إنْ كانَ قُرآنًا، أو سَبَبِ وُرودِه، إنْ كانَ حَدِيثًا. ذلك أنَّ مَعرِفةَ حَيثيَّاتِ النُّزولِ وأسبابِه عَامِلٌ مُساعِدٌ في تَوضِيحِ المَعنَى المُرادِ، ممَّا يَزِيدُه وُضُوحًا وجَلاءً، كمَا تُعِينُ كَثِيرًا على مَعرفةِ الحِكْمةِ البَاعثةِ على تَشريعِ الحُكْمِ به، والمَقصدِ الدَّاعِي إلى انتِقَاءِ هذا الحُكمِ بعَينِه دُونَ سِوَاه. وإلاَّ فإنَّ «الغَفلَةَ عن أسبَابِ التَّنزِيلِ تُؤدِّي إلى الخُرُوجِ عن المَقصُودِ بالآيَاتِ»(367) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
لذَا كانَ مِن جُمْلَةِ اهتِمَامَاتِ عليٍّ رضي الله عنه في عُلومِ القُرآنِ أنَّه رَاعَى جَانِبَ أسْبَابِ النُّزولِ، يقولُ: «واللهِ، ما أُنزِلَت آيَةٌ، إلا وقَد عَلِمْتُ فِيمَ نَزلَت؟ وأينَ نَزلَت؟»(368) .
بَلَغَ عليٌّ رضي الله عنه مَبْلَغًا في العِلْمِ بأسْبَابِ نُزولِ الآيَاتِ، حتى غَدَا يَدْعُو النَّاسَ أنْ يتَعلَّمُوا منه، يقولُ: «سَلُونِي، وسَلُونِي، وسَلُونِي، عن كِتَابِ اللهِ تعالى، فواللهِ، مَا مِن آيَةٍ إلا وأنَا أعلمُ أنَزلَت بلَيلٍ أو نَهارٍ»(369) .
إنَّها طَبِيعةُ طَالبِ العِلْمِ الجَادِّ في تَحْصِيلِ العُلومِ، النَّهمِ على اقْتِنَاصِ الفَرائدِ والفَوائدِ، فلا يُضيِّعُ سَاعةً من عُمْرِه إلا في التَّزوُّدِ من العِلْمِ النَّافعِ المُوَرِّثِ للعَملِ الصَّالحِ.
هي الثِّقَةُ بالنَّفْسِ عندَ عَالمٍ كعليِّ بنِ أبي طَالبٍ رضي الله عنه ، تَربَّى في حِجْرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وغُذِي مُنْذُ نَسَماتِ الصَّباحِ الأولى بلِبَانِ النُّبوَّةِ ورُوحِ الرِّسالةِ المُحمَّديَّةِ.
فَهْمُ اللَّفْظِ بحَسَبِ وُرودِه في النَّصِّ:
عَمليَّةُ اجتِزَاءِ النُّصُوصِ، ثمَّ الاستِدْلالُ بها، في إثْبَاتِ حُكْمٍ شَرعيٍّ، أو بَيانِ مَسْألةٍ فِقهيَّةٍ، هي عَادةُ المُغرِضينَ مِن أهلِ البِدَعِ والأهْوَاءِ. أمَّا عند عليٍّ رضي الله عنه فإنَّ فَهْمَ النَّصِّ بحَسَبِ سِبَاقِه، أو سِيَاقِه،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 192أو لِحَاقِه، وَاحِدٌ مِنَ القَواعدِ المُتَّبعَةِ في تَفْسيرِ النُّصوصِ.
هذا الصَّنِيعُ المَوضُوعيُّ في البَحْثِ يُساهِمُ مُساهَمةً فعَّالةً في تَحديدِ دَلالةِ النَّصِّ، وبَيانِ مَعنَاه، ويَصُونُه عن أنْ يُحْملَ على غَيرِ المُرادِ منه؛ كمَن يَجتَزِئُ قولَ اللهِ تعالى: ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ(370) ﴾ عن لِحَاقِه، وهو قولُه تعالى : ﴿ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ(371) ﴾ ، ثمَّ يَنفَرِدُ بهَا في الاسْتِدلالِ على ذَمِّ المُصلِّينَ، سُبْحَانكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ!!
أو كالذي يَستَدِلُّ على مَا يُفِيدُ النَّهيَ عن الصَّلاةِ بقَولِ اللهِ تعالى: ﴿ آمَنوا لَا تَقْرَبُوا(372) ﴾ ، فيَقِفُ عليها مُتَجاهِلاً تَكْمِلةَ الآيةِ: ﴿ الصَّلاةَ وَأَنتُمْ(373) ﴾ !!
فَهِمَ عليٌّ رضي الله عنه قولَ اللهِ تعالى: ﴿ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلكافِرينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(374) ﴾ أنَّ ذلك حَاصِلٌ يَوْمَ القِيامَةِ، اعتِمَادًا منه على سِبَاقِ الآيةِ، وتَدبُّرِها بأكْمَلِها، في قولِه تعالى: ﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ(375) ﴾ .
وذلك في جَوابٍ لقَادمٍ يَسْألُه: يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ، أرَأيتَ قَولَ اللهِ
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 193(وفي رِوَايَةٍ: كيفَ هذه الآيةُ): ﴿ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلكافِرينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(376) ﴾ وهم يُقاتِلُونَنا فيَظهرُونَ ويَقتُلونَ؟ قالَ عليٌّ رضي الله عنه «ادنُه، ادنُه، ﴿ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القِيامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلكافِرينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا(377) ﴾ يَوْمَ القِيَامَةِ«»(378)
القَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: فَهْمُ النَّصِّ وَفْقَ البِيئَةِ:
تَنزِيلُ الحُكْمِ الشَرعيِّ على أيِّ مَسألَةٍ فِقهيَّةٍ، أو وَاقِعَةٍ إنسانيَّةٍ، أو ظَاهِرَةٍ اجتِمَاعيَّةٍ، أو على أيِّ حِقْبَةٍ تَارِيخيَّةٍ، لا بدَّ فيه مِن فَهْمٍ عَمِيقٍ لمُلابسَاتِ ذلك الوَاقعِ الذي يُحِيطُ بالمَسْألَةِ قَيْدِ البَحْثِ، ومَعرِفَةٍ دَقِيقَةٍ بمُستَلزَماتِ ذلك المُجتَمعِ وظُروفِه، مَصْحُوبٍ بإدْرَاكٍ جيِّدٍ لمَقاصدِ الشَّريعةِ الغرَّاءِ، وأبعَادِها ومَرامِيها.
وإذَا نَظَرنَا بتأمُّلٍ في المُجتَمعِ الذي عَاشَه عليٌّ رضي الله عنه في خِلافَتِه، تلك الفَتْرَةُ الزَّمنِيَّةُ المَحفُوفَةُ بالمَخَاطرِ، والمُتَّسِمَةُ بالتَّداخُلِ والتَّعْقيدِ إلى أبْعَدِ حُدودِه، فَضْلاً عن نُشوءِ الطَّوائفِ والفِرَقِ والمَذاهبِ، وانْفِتَاحِ الحَضَارَاتِ على بَعْضِها، وتَلاقحِ الثَّقافَاتِ المُتَزامنِ وُجودُها في البِيئَةِ نَفْسِها معَ طُروءِ الكَذِبِ، وبُزوغِ الشِّقاقاتِ والخِلافَاتِ، وفَسادِ ذَاتِ البَينِ...! لَلَمسْنا كم أنَّ الأمْرَ بحَاجةٍ ماسَّةٍ إلى التَّأنِّي في إصْدَارِ الأحْكَامِ، ودِرَايةٍ تَامَّةٍ بفِقْهِ الوَاقعِ.
وإنَّ مُحاوَلةَ فَهْمِ النَّصِّ بَعِيدًا عن وَاقعِه المُعاشِ، من شَأنِه أن
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 194يُحدِثَ خَللاً في المَعنَى، يُؤدِّي إلى اضْطِرَابٍ في التَّصَوُّرِ والحُكْمِ!! لِذَا وَجَبَ أنْ نفهمَ النَّصَّ في ضَوْءِ الوَاقعِ الذي يُحِيطُ به، وأن يُفسَّرَ بحَسَبِ المَرْحَلةِ التي نَزَلَ فيها، والظُّروفِ المُلابِسَةِ له.
ولمَعْرِفَةِ طَبِيعَةِ العَرَبِ وعَاداتِهم ومَن حَولَهم مِن أهلِ الكِتَابِ وغَيرِهم، زَمَنَ نُزولِ القُرآنِ ومَكانَه، دَوْرٌ كَبِيرٌ في الإعَانَةِ على فَهْمِ الخِطَابِ الإلهيِّ. ممَّا يكونُ سَببًا وَجِيهًا في صَوابيَّةِ الأحْكَامِ المُنزَلَةِ على وَاقعٍ حَقِيقيٍّ مَلْمُوسٍ.
وإذا كانَ الوَاقِعُ في تَغيُّرٍ ظَاهرٍ، فهلْ تَبقَى هذه الأحْكَامُ رَهِينةَ مَرْحلَةٍ زَمنِيَّةٍ مُعيَّنةٍ؟ بالطَّبعِ لا، فالوَاقِعُ إذا تَغيَّرَ أو تَبدَّلَ، فإنَّه سيؤدِّي –لا مَحَالةَ- إلى تَغيُّرٍ في الحُكْمِ المَنُوطِ به ، جَرْيًا على مُا عُرِفَ مِنَ القَاعِدَةِ الأصُوليَّةِ: «لا يُنْكَرُ تَغيُّرُ الأحْكَامِ بتَغيُّرِ الأزْمَان»، وكذا لا يُنْكَرُ تَغيُّرُ الأحْكَامِ بتَغيُّرِ المَكانِ، والأعْرَافِ، والأحْوَالِ. وعليٌّ رضي الله عنه عَاشَ زَمَانَ نُزولِ الوَحْيِ، وعَرَفَ الكَثِيرَ مِن عَادَاتِ العَرَبِ وأحْوَالِ المَاضِينَ، ممَّا أقرَّها القُرآنُ، أو بَعْضًا منها، أو نَهَى عنها بالكلِّيَّةِ، أو جَرَى عليها بشَيءٍ من التَّعديلِ.
وهو يخبرُ عن نفسِه بهذا الخصوصِ، فيقولُ لابنِه الحسنِ: «إنِّي –وإنْ لم أكنْ عُمِّرتُ عُمُرَ مَن كان قَبلِي- فقد نَظرْتُ في أعمَالِهم، وفَكَّرْتُ في أخبَارِهم، وسِرْتُ في آثَارِهم، حتَّى عُدْتُ كأحَدِهم، بلْ كأنَّي بمَا انتَهى إليَّ من أمُورِهم قد عُمِّرْتُ معَ أوَّلِهم إلى آخرِهم، فعَرَفْتُ
PDF 195صَفْوَ ذلك مِن كَدَرِه، ونَفْعَه من ضَررِه»(379)
مِن التَّطبِيقَاتِ العَمليَّةِ على هذا الفَهْمِ:
أكْلُ مَا ذُبِحَ فَخْرًا:
نَافَرَ ابنُ وَثِيلٍ(380) يومًا أبَا الفَرَزْدقِ(381) بمَاءٍ بظَهْرِ الكُوفَةِ(382) حَاصِلُ القِصَّةِ: أنَّ غَالِبًا وسُحَيمًا خَرَجَا في رِفْقَةٍ وقد حُزِبَت(383) بِلادُهم في خِلافَةِ عُثمَانَ رضي الله عنه فنَحَرَ غَالِبٌ بذلك المَوْضعِ نَاقةً، وأمَرَ أنْ يُصْنَعَ منها طَعَامٌ، وجَعَلَ يُهْدي إلى قَوْمٍ مِن بَنِي تَميمٍ جِفَاناً(384) وأهْدَى إلى
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 196سُحَيْمٍ جَفْنَةً، فكَفَأهَا وقالَ: أمُفْتَقِرٌ أنَا إلى طَعَامِ غَالِبٍ إذا نَحَرَ ناقَةً؟
ونَحَرَ سُحَيْمٌ نَاقةً، فقِيلَ لغَالبٍ: إنَّه يُؤَاثِمُكَ! فقالَ: بَلْ هو كَرِيمٌ. ثم نَحَرَ غَالِبٌ نَاقَتيْنِ، فَنَحَرَ سُحَيْمٌ مِثلَهُنَّ. ثمَّ نَحَرَ غَالِبٌ عَشْرًا، فنَحَرَ سُحَيْمٌ عَشْرًا. فقالَ غَالِبٌ: الآنَ عَلِمْتُ أنَّه يُؤاثِمُنِي. فسَكَتَ إلى أنْ وَرَدَت إبِلُه، وكانَت مائتَينِ –وقِيلَ: أربعمائة- فعَقرَها كلَّها، فلمْ يَعقِرْ سُحَيمٌ شَيئًا!
فلمَّا وَرَدَ سُحَيمٌ الكُوفةَ وبَّخَه قَومُه، فاعتَذَرَ بغَيبةِ إبلِه عنه، ثمَّ استَدْرَك ذلك في خِلافَةِ عليٍّ رضي الله عنه ، فعَقرَ بالكُناسَةِ(385) مِثلَها! فخَرَجَ النَّاسُ على الحَميرِ والبِغَالِ يُريدُونَ اللَّحمَ! فخَرَجَ عليٌّ رضي الله عنه على بَغلةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم البَيضاءِ وهو يُنادِي: «يَا أيُّها النَّاسُ، لا تَأكلُوا مِن لُحومِها؛ فإنَّها أُهِلَّ بهَا لغَيرِ اللهِ». فبَقِيَ مَوضِعَه حتى أكَلَتْه الوُحوشُ والكِلابُ(386) .
وَجْهُ الدَّلالَةِ مِن القِصَّةِ أنَّ عليًّا رضي الله عنه خَبَرَ من حَالِ هَؤُلاءِ القَومِ، وعَرَفَ مِن عَادَاتِ العَرَبِ في وَقتِه أنَّ مِثلَ هذه المُنافَرةِ إنَّما يَقصدُون بها وَجْهَ النَّاسِ في الدُّنيَا، لا رَغْبةً فيمَا عندَ اللهِ! فلذلك نهَى عنها مُقتَبِسًا
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 197مِن الكِتَابِ المُبِينِ مَوضِعَ الشَّاهدِ مِن قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ(387) ﴾
يُؤيِّدُه قولُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «لا تَأْكُلُوا مِن تَعاقُرِ الأَعْرَابِ(388) ؛ فإنِّي لا آمَنُ أَنْ يَكُونَ ممَّا أُهِلَّ به لغَيرِ اللهِ»(389) . وهو يَروِي عن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم نَهْيَه عن طَعَامِ المُتبارِيَيْنَ أنْ يُؤكلَ(390) .
القَاعِدَةُ الرَّابِعَةُ: المَعُونَةُ في فَهْمِ النَّصِّ:
إنَّه مَنْهجٌ مُتكَامِلٌ في فَهْمِ القُرآنِ، وإدْرَاكِ مَعانِيه، وتَفْسيرِ آيَاتِه، واستِنْبَاطِ الأحْكَامِ الشَّرعيَّةِ من نُصُوصِه. كانَ إذا عَلِمَ؛ قَضَى وأفْتَى. وإذا لمْ يعلمْ؛ مَا كانَ ليتأخَّرَ عن السُّؤالِ والاستِيضَاحِ والاستِفْسَارِ، لظُلمةِ الجَهلِ، ومَرارةِ العِيِّ، وحُرْمةِ التَّسوُّرِ على آيَاتِ اللهِ تعالى بغَيرِ علمٍ.
كانَ عليٌّ رضي الله عنه صَاحِبَ لسَانٍ سَؤولٍ، وقَلبٍ عَقولٍ،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 198وهو إذ يَحْمَدُ اللهَ تعالى على هذه النِّعمِ، فإنَّه يتَحدَّثُ بهَا مِن بَابِ قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ(391) ﴾ فيقولُ: «إنَّ ربي وَهَبَ لي قَلْبًا عَقُولاً، ولِسَانًا سَؤُولاً»(392)
ولا زَالَ الصَّحابةُ رضي الله عنهم يستَفِيدُ بَعضُهم من بَعضٍ؛ الفَاضِلُ من المَفضُولِ، مِن غَيرِ أنْ ينقُصَ مِن قَدْرِه شَيءٌ(393) . فلعلَّ أنْ يكونَ عندَ الأوَّلِ علمُ قَضيَّةٍ مُعيَّنةٍ لم يعلمْها الآخَرُ، فيستَفِيدُ منه، «ولا يُوجِبُ ذلك أنْ يكونَ هذا أعلمَ منه مُطلقًا، ولا أنَّ هذا الأعلمَ يتعلَّمُ من ذلك المَفضُولِ مَا امتَازَ به. ولهذا كانَ الخُلَفاءُ يستَفِيدُونَ من بَعضِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم عِلمًا لمْ يكنْ عندَهم»(394) .
مَعنَى المُنْجِيَاتِ:
استَفادَ عليٌّ رضي الله عنه من كَعْبِ الأحْبَارِ (ت 32 هـ)(395) مَعنَى (المُنجِيَاتِ). كمَا حدَّثَه بدَورِه عليٌّ رضي الله عنه عن (المُوبِقَاتِ). قالَ كَعْبٌ: يَا عَليُّ، أسَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ في المُنجِيَاتِ؟ فقالَ: لا.
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 199ولكنْ سَمِعْتُه يقولُ في المُوبِقَاتِ.
فقالَ كَعْبٌ: حَدِّثْنِي بالمُوبِقَاتِ حتى أحَدِّثَك بالمُنجِيَاتِ. فقالَ عليٌّ رضي الله عنه : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «المُوبِقَاتُ: تَرْكُ السُّنَّةِ، ونَكْثُ البَيعَةِ، وفِرَاقُ الجَماعَةِ» .
فقالَ كَعْبٌ لعَليٍّ رضي الله عنه : «المُنجِيَاتُ: كَفُّ لِسَانِك، وجُلُوسٌ في بَيتِك، وبُكاؤُك على خَطِيئَتِك»(396) .
القَاعِدَةُ الخَامِسَةُ: السُّؤَالُ عن مُشْكلِه:
اتَّخذَ عليٌّ رضي الله عنه من سُؤَالِ أهلِ العلمِ مِنهاجًا اتَّبعَه وسَارَ عليه في مَعرفةِ كَلامِ اللهِ تعالى، وفَهمِ ما أُغلِقَ عليه منه؛ استِجَابةً لقَولِ اللهِ تعالى : ﴿ فَاسأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(397) ﴾ وعَمَلاً بقَولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «ألا سَألُوا إذْ لم يَعلمُوا، فإنَّما شِفَاءُ العِيِّ السُّؤالُ»(398) .
بلْ إنَّ عليًّا رضي الله عنه بصَنيعِه هذا يُكرِّسُ عَملِيًّا مَا تَلقَّاه عن حَبيبِه رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم في سُؤالٍ تقدَّمَ إليه به، قالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنْ نَزَلَ بنا أمرٌ ليسَ فيه بَيانُ أمرٍ ونَهيٍ، فمَا تأمرُنا؟ قالَ صلى الله عليه وسلم: «شَاوِرُوا الفُقَهاءَ والعَابدِينَ، ولا تمضُوا فيه خَاصَّةً»(399) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ولعلَّ كَثْرةَ سُؤالاتِه تَعُودُ إلى مَا انطَبعَ عليه مِن فِقْهٍ ووَفْرةِ علمٍ. هذا مَا يُبيِّنُ سَبَبَ تَقدُّمِه على غَيرِه، وهو ما عبَّرَ عنه بقَولِه: «كنتُ إذا سَألتُ أُعطِيتُ، وإذا سَكتُّ ابتُدِيتُ»(400) .
مِن ذلك على سَبيلِ المِثَالِ:
الحَجُّ الأكْبَرُ:
سألَ عليٌّ رضي الله عنه رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن يَومِ الحَجِّ الأكْبرِ، في قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَأَذانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ(401) ﴾ ؟ فقالَ صلى الله عليه وسلم: «يَوْمُ النَّحْرِ»(402) .
ولحِكْمَةٍ أرَادَها المَولى الكَرِيمُ عز وجل يعُودُ السُّؤالُ قَائِمًا، ولكن هذه المرَّةَ يُسألُ عنه عليٌّ رضي الله عنه نَفْسُه، جَاءَ إليه رَجُلٌ، وقد رَكِبَ بَغْلةً بَيضَاءَ، وهو يُرِيدُ الجَبَّانَ، يومَ النَّحرِ، فأخذَ بلِجَامِها، فقالَ: أخْبِرْنا عن يَومِ الحَجِّ الأكْبَرِ؟ فقالَ: «هو يَومُنا هذا»(403) .
هذا مَنْهجُ عليٍّ رضي الله عنه في التَّعامُلِ معَ النُّصُوصِ فَهْمًا وتَفسِيرًا واستِنبَاطًا، بالاعْتِمَادِ على مُنطلَقاتٍ عِلْميَّةٍ سَاهمَت في تَصْويبِ اجتهَاداتِه، وكانَ لها دَوْرٌ مُبرِّزٌ في خِدْمَةِ القُرآنِ الكَريمِ والمُحافَظةِ عليه.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 201كمَا لَعِبَت دَوْرًا فعَّالاً في تَرشيدِ الصَّحوةِ الإسْلاميَّةِ المُبارَكةِ أينَما حلَّت بظِلالِها، حتى أسْفَرَت لأبْنَاءِ الإسْلامِ عن مَهَارَاتٍ هَامَّةٍ وقَوَاعِدَ رَئِيسةٍ في كَيفيَّةِ التَّعامُلِ معَ كِتَابِ اللهِ تعالى.
فهَلْ سيعتَمِدُ المُسلِمونَ هذه الثَّوابِتَ كي تنهضَ بهم من رَكْدَتِهم وغَفْلَتِهم عن كِتَابِ رَبِّهم؟ أمْ أنَّه قد صَدقَ فيهم قَولُ اللهِ: ﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَـذَا القُرآنَ(404) ﴾ ؟
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المبحث الخامس نماذج تطبيقية في اعتماد القرآن
كَثُرَت الفُروعُ الفِقهيَّةُ التي خرَّجها عليٌّ رضي الله عنه على كِتَابِ اللهِ تعالى، حتى بَلغَت من الوَفْرَةِ أقصَاها، إذ هو الأصْلُ. واللافتُ في الأمْرِ أنَّ الطَّابِعَ العَامَّ الذي اكتَنَفَ عَمليَّةَ الاجتِهَادِ لدى الصَّحابةِ رضي الله عنهم أنَّهم ما كانوا ينصُّون على دَليلِ مَسْألتِهم إلا في النَّادرِ، وقد حَاولْتُ أنْ أسلِّطَ الضَّوءَ على بَعضِ القَضايَا التي نَاقشَها عليٌّ رضي الله عنه ، بحَسَبِ اعتِمَادِه على كِتَابِ اللهِ تعالى، في استِنبَاطِ الحُكْمِ الشَّرعيِّ المُنَاسبِ لها.
فجَاءَت في ثَلاثَةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلَبُ الأوَّل: في فِقْهِ العِبَادَاتِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: في فِقْهِ المُعَامَلاتِ.
المَطلَبُ الثَّالِثُ: في الحُدُودِ والجِنايَاتِ.
المطلب الأول في فقه العبادات
الصِّيَامُ:
الإفْطَارُ للشَّيخِ الفَانِي:
قالَ عليٌّ رضي الله عنه مُستَنبِطًا من قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ(405) ﴾ : «الشَّيخُ الكَبِيرُ الذي لا يستَطِيعُ الصَّومَ؛ يُفطِرُ، ويُطعِمُ مكانَ كُلِّ يَومٍ مِسكينًا»(406) .
الحَجُّ:
قَتْلُ المُحْرمِ الحَيوانَ الصَّائلَ:
قَضَى عليٌّ رضي الله عنه في الضَّبُعِ إذَا عَدَا على المُحْرمِ، أنْ يُقْتلَ، بخلافِ مَا لو قَتلَه قَبْلَ أن يَعدُوَ عليه، فعليه شَاةٌ، قالَ رضي الله عنه : «إذا عَدَا الضَّبُعُ على المُحْرمِ، فليَقتُلْه. فإنْ قَتلَه قَبْلَ أن يَعدُوَ عليه، فعليه شَاةٌ مُسنَّةٌ»(407) .
دَلِيلُه في المَسْألةِ، قَولُ اللهِ تعالى: ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(408) ﴾ .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وَجْهُ الدَّلالةِ مِن الآيَةِ أنَّ المُحْرِمَ إنْ لم يَقتُلِ الضَّبُعَ أو نَحوَه، عَدَا عليه هذا فقَتلَه! فيتحقَّقُ منه الاضْطِرارُ في ارتِكَابِ المَنهيِّ عنه لدَفْعِ الأذَى المُتوقَّعِ حُصُولُه. ثمَّ إنَّه انقَلبَ بذلك حَيوَانًا شرِّيرًا، فيُلحَقُ بالمُؤذِيَاتِ المُهلِكَاتِ التي يُستَباحُ قَتْلُها.
الذَّبائِحُ:
إدْرَاكُ المَيتةِ قَبْلَ مَوتِها:
يُشترَطُ في الحَيوانِ المَأكولِ أنْ يكونَ حيًّا قبلَ الذَّبحِ، حتَّى يَحِلَّ أكلُه، فإنْ لم يكنْ كذلك لم يَجُزْ أكلُه. وعَلامةُ حَياتِه قَبْلَ ذَبحِه: أنْ يتَحرَّكَ منه عُضوٌ بعدَ ذَبحِه(409) . فإذا أدْرَكَ الإنسانُ الحَيوانَ الآيِلَ إلى المَوتِ قبلَ مَوتِه بوَقتٍ قَصيرٍ، فذَبحَه؛ جَازَ أن يأكلَه. قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «إذَا ضَرَبَت برِجْلِها أو ذَنبِها، أو طَرفَت بعَينِها؛ فهي ذَكِيٌّ»(410) .
وقالَ: «إذَا أدْرَكْتَ ذَكَاةَ المَوقُوذةِ، والمُتَردِّيةِ، والنَّطِيحَةِ، ومَا أصَابَ السَّبُعُ؛ وهي تُحرِّكُ يَدًا، أو رِجْلاً؛ فذَكِّها وكُلْ»(411) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
دَلِيلُه: قَولُ اللهِ تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالأَزلامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ(412) ﴾ .
مَوضِعُ الشَّاهدِ من الآيَةِ: قَولُه تعالى: ﴿ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ ﴾، الوَجْهُ منهَا أنَّه استِثْنَاءٌ ممَّا سَبَقَ، أيْ: إلا مَا أمْكَنَ تَدارُكُه بذَكَاةٍ وفيه حَيَاةٌ مُستقِرَّةٌ، فيَحِلُّ أكلُه.
هكذا كانَ عليٌّ رضي الله عنه ، يستَحضِرُ في اجتِهَاداتِه الفِقْهيَّةِ مَا جَاشَ في مَلَكَتِه الأصُوليَّةِ مِن القَواعدِ الكلِّيَّةِ التي تَضْبِطُ له المَسَارَ الصَّحِيحَ في القَضَاءِ بينَ النَّاسِ، والإجَابةِ على استِفْتَاءَاتِهم اليَوميَّةِ...
المطلب الثاني في فقه المعاملات
أوَّلاً- الأحْوَالُ الشَّخْصِيَّةُ:
النَّفقةُ:
حَقُّ الأبِ في مَالِ ابْنِه:
ذَهَبَ عليٌّ رضي الله عنه إلى أنَّه لا يَثْبتُ للابنِ دَينٌ على أبيه، وقَضَى بمَالِ الوَلَدِ للوَالدِ(413) عَمَلاً بمَوجِبِ قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 206رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ(414) ﴾
فالنَّصُّ القُرآنِيُّ بعِبارَتِه(415) يدلُّ على وُجُوبِ نَفَقَةِ المُرْضِعَاتِ وكِسْوَتهنَّ على الوَالدِ دُونَ الأمِّ. ويَلْزمُ منه بِنَاءً على إشَارةِ النَّصِّ(416) أنَّ للوَالدِ –عندَ الحَاجَةِ- أنْ يتَملَّكَ مِن مَالِ ابنِه مَا يسدُّ به حَاجتَه، لأنَّ وَلدَه له وهو مِن كَسْبِه، فمَالُ الوَلدِ للأبِ.
الوَجْهُ مِن ذلك: أنَّ المَولُودَ نُسِبَ لأبِيه بحَرْفِ اللامِ، الذي يُفِيدُ المِلْكَ والاخْتِصَاصَ(417) :﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ ﴾. يُؤيِّدُه أنَّ رَجُلاً جَاءَ إلى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ لي مَالاً ووَلَدًا، وإنَّ أبي يَجتَاحُ(418) مَالِيَ! قالَ صلى الله عليه وسلم: «أنتَ ومَالُكَ لوَالدِكَ. إنَّ أولادَكم مِن أطْيَبِ كَسبِكم، فكُلُوا مِن كَسْبِ أوْلادِكم»(419) .
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المُعَاشَرَةُ الزَّوجِيَّةُ:
التَّوبَةُ مِن وَطْءِ الحَائضِ:
أجْمَعَتِ الأمَّةُ على حُرْمَةِ وَطْءِ الحَائضِ دُونَ خِلافٍ(420) ، لقَولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَيَسأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ(421) ﴾ .
كَشَفَتِ الآيةُ الكَرِيمَةُ عندَ بَيَانِ الحُكْمِ الشَّرعيِّ عن الضَّرَرِ النَّاجمِ مِن مُعَاشَرةِ الحَائضِ، وأنَّ فيه مُخالَطةً للنَّجاسَةِ، وهو «خُلُقٌ فَاسِدٌ تَمجُّه الطَّبِيعَةُ السَّلِيمَةُ (...) وفي جِمَاعِ الحَائضِ الغَمْسُ في النَّجَاسَةِ»(422) .
سَألَ عمرُ عليًّا رضي الله عنهما: مَا تَرَى في رَجُلٍ وَقعَ على امْرَأتِه(423) وهي حَائِضٌ؟ قالَ: «ليسَ عليه كفَّارةٌ، إلا أنْ يَتُوبَ»(424) . دَلِيلُه أنَّ اللهَ ذَيَّلَ الآيَةَ بمَا يُشعِرُ بعَدَمِ إيجَابِ الحَدِّ أو الكَفَّارَةِ، إنَّما هي التَّوبَةُ لمَن وَاقَعَ المَحظُورَ.
ولعلَّ عليًّا رضي الله عنه يُلمِحُ إلى أنَّ الحُكْمَ بالكفَّارَةِ في حَديثِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «يتَصدَّقُ بدِينَارٍ أو نِصْفَ دِينَارٍ»(425)
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 208مَنسُوخٌ عندَه. أو أنَّه مَحمُولٌ على النَّدْبِ بقَرِينَةِ التَّخييرِ في لَفْظِ الأمْرِ الدَّالِّ على أنَّ بَعْضَ مَدلُولِه ليسَ مُرادًا منه الوُجوبُ وهو الزَّائِدُ عن القَليلِ. فخَرجَ بذلك عن الحَقِيقَةِ إلى المَجَازِ في كُلِّ مَدلُولِه(426)
النِّكاحُ: العَوْدَةُ إلى الزَّوْجِ بعدَ الطَّلْقَةِ الثَّالِثَةِ:
إذا أوْقعَ الزَّوجُ على زَوجتِه الطَّلقةَ الثَّالِثةَ؛ لمْ تَحِلَّ له حتى تتَزوَّجَ رَجُلاً غيرَه، زَوَاجًا صَحِيحًا، ويَدْخُلَ بها. قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «مَن طلَّقَ امْرَأتَه ثَلاثًا، فلا تَحِلُّ له، حتى تَنكِحَ زَوْجًا غَيرَه»(427) .
هذا اقْتِبَاسٌ من قَوْلِ اللهِ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 209تعالى: ﴿ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ(428) ﴾
وسُئِلَ عن امْرَأةٍ: تَزوَّجَت بعدَ أنْ طُلِّقَتْ ثَلاثًا؟ قالَ الشَّعْبيُّ (ت 104 هـ) رحمه الله: رَأيْتُ عليًّا رضي الله عنه وسُئِلَ عنها، فأخْرَجَ ذِرَاعًا له، شَعْرَاءَ، فقَالَ: «لا، حتى يَهزَّها به هَزِيزةَ البِكْرِ»(429) ، أي: لا تَحِلُّ للأوَّلِ حتى يُجامِعَها الثَّانِي ويَدخُلَ بها.
وهو يَنحُو بهذا مَا تلقَّاه عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حذوَ القُذَّةِ بالقذَّةِ، عن عليٍّ رضي الله عنه قالَ: سَمِعَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً طلَّقَ البَتَّةَ، فغَضِبَ، وقالَ: «تتَّخِذُونَ دِينَ اللهِ هُزُوًا ولَعِبًا! مَن طلَّقَ البَتَّةَ؛ ألزَمْنَاه ثَلاثًا، لا تَحِلُّ له حتى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَه [يَدخلُ بهَا بِلا خِدَاعٍ]»(430) .
حَقُّ المَرْأةِ في المَهْرِ:
تتَفاوَتُ أحْكَامُ المَهْرِ بينَ أنْ يُعطَى كَامِلاً، وبينَ أنْ يُنَصَّفَ، وبينَ أنْ يُستَبدلَ، فهذه ثَلاثةُ أحْوَالٍ. كمَا أنَّ المَرْأةَ قد تُعطَى المَهْرَ المُسمَّى، وقد تُعطَى مَهْرَ المِثْلِ.
فمتى تستَحِقُّ المَرْأةُ المَهْرَ المُسمَّى كَامِلاً؟ ومتى يُنصَّفُ في حَقِّها؟ ومتى يُستَبْدَلُ بغَيرِه؟ ومتى تُعطَى مَهْرَ المِثْلِ؟
تستَحِقُّ المَرْأةُ المَهْرَ المُسمَّى كَامِلاً في إحْدَى ثَلاثِ حَالاتٍ:
بالدُّخولِ. أو الخلوةِ الصَّحيحةِ. أو الموتِ.
قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «إذا أُرْخِيَتِ السُّتورُ، وغُلِّقَتِ الأبْوَابُ؛ فقَد وَجَبَ المَهْرُ»(431) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وتستَحِقُّ نِصْفَ المَهْرِ المُسمَّى في حَالَةِ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخولِ. بدَليلِ قَولِه تعالى: ﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(432) ﴾ وإنْ لم يُسَمِّ لها مَهْرًا، وطُلِّقَت قَبْلَ الدُّخولِ؛ وَجبَتِ المُتْعَةُ. لقَولِ اللهِ تعالى: ﴿ لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ(433) ﴾ وإنْ لم يُسَمِّ المَهْرَ في العَقْدِ، أو سمَّى مَا لا يَصِحُّ مَهْرًا، فالمَرْأةُ تَستَحِقُّ عندَئذٍ مَهْرَ المِثْلِ بالدُّخولِ، أو الخَلوةِ الصَّحِيحةِ. فإنْ مَاتَ أحدُهما قَبْلَ تَسْمِيَةِ المَهْرِ، وقَبْلَ الدُّخولِ؛ وَرِثَه صَاحِبُه، ولا مَهْرَ للمَرأةِ، قَضَى عليٌّ رضي الله عنه في المَرأةِ يتَزوَّجُها الرَّجُلُ،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فيَمُوتُ عنها ولم يَدْخُلْ بها، ولم يَفْرِضْ لها: بأنَّ لها المِيرَاثَ، وعليها العِدَّةَ، ولا يَجْعَلُ لها صَداقًا»(434)
المطلب الثالث في الحدود والجنايات
استِتابَةُ المُرتَدِّ:
كانَ عليٌّ رضي الله عنه يَستَتِيبُ المُرتَدَّ ثَلاثةَ أيَّامٍ، فإنْ تَابَ وإلا قَتلَه، قالَ رضي الله عنه : «يُستَتابُ المُرتَدُّ ثَلاثًا، فإنْ عَادَ وإلا قُتِلَ»(435) .
واستَتابَ المُستوردَ بنَ قَبِيصَةَ العِجليَّ(436) ، فلمْ يَتُبْ! فقتلَه(437) . واستَتابَ رَجُلاً –شَهْرًا- كَفَرَ بعدَ إسْلامِه، فأبَى! فقتلَه(438) .
ممَّا تَقدَّمَ يَظهَرُ أنَّ عليًّا رضي الله عنه كانَ يستَتِيبُ المُرتدَّ حتى يَغلِبَ على
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 212ظَنِّه أنَّه لن يعودَ إلى الإسْلامِ، فمرَّةً ثَلاثًا، ومرَّةً شَهْرًا.
وقَدِ استَدلَّ عليٌّ(439) لمَا ذَهَبَ إليه مِن قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا(440) ﴾ . وأنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم استَتابَ رَجُلاً ارتدَّ عن الإسْلامِ أربعَ مرَّاتٍ(441) .
معَ خِتَامِ هذه النَّمَاذجِ التَّطبِيقيَّةِ، أكونُ قَدِ انتَهَيْتُ مِن الفَصْلِ الأوَّلِ، فيمَا يتَعلَّقُ بالكِتَابِ المُبينِ، لألِجَ إلى الفَصْلِ الثَّانِي المُتعَلِّقِ بالسُّنَّةِ النَّبويَّةِ المُطهَّرَةِ.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الفصل الثاني السنة النبوية المطهرة
هذا هو الأصْلُ الثَّانِي الذي اعتَمَدَه عليٌّ رضي الله عنه وسَارَ عليه في استِنبَاطِ الأحْكَامِ. وقَد حَظِيَتِ السُّنَّةُ في فِكْرِ عليٍّ الأصُوليِّ –إنْ في ظِلالِ النُّبوَّةِ، أو في عَهدِ الخُلفَاءِ الرَّاشدِينَ، أو في إمْرَتِه السَّعِيدَةِ- بأهمِّيَّةٍ بَالِغَةٍ، بَدَا ذلك جَلِيًّا في اعتِنَائِه بهَا من حيثُ التَّدوِينُ، والحِفْظُ، والفَهْمُ، والتَّبلِيغُ، والإفَادَةُ منها تَأصِيلاً وتَفرِيعًا.
فمَاذا تُشَكِّلُ السُّنَّةُ بالنِّسبَةِ إلى عليٍّ رضي الله عنه ؟ وما الجُهودُ التي بَذلَها في المُحافَظةِ عليها؟ وما المَناحِي الفِكْريَّةُ ذَاتُ البُعْدِ الأصُولِيِّ في مَخزُونِ عليٍّ الثَّقافِيِّ المُتعَلِّقِ بالسُّنَّةِ؟
اعتِمَادًا على هذه المَواضِيعِ، فقَد انتَظَمَ هذا الفَصْلُ في أربَعةِ مَباحِثَ:
المَبحثُ الأوَّلُ: عليٌّ والسُّنَّةُ.
المَبحثُ الثَّاني: مَنهَجُ عليٍّ في التَّعامُلِ معَ السُّنَّةِ.
المَبحثُ الثَّالِثُ: جُهودُ عليٍّ في مُقاوَمةِ الوَضْعِ والمُحافَظةِ على السُّنَّةِ.
المَبحثُ الرَّابِعُ: نَماذِجُ تطبِيقيَّةٌ في اعتِمَادِ السُّنَّةِ.
المبحث الأول علي والسنة
ويَشتمِلُ على ثَلاثَةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلبُ الأوَّل: عِلْمُ عليٍّ بالسُّنَّةِ.
المَطلبُ الثَّاني: أسْبَابُ قِلَّةِ الرِّوَايةِ عن عليٍّ.
المَطلَبُ الثَّالِثُ: مَوقِفُ عليٍّ من السُّنَّةِ.
المطلب الأول علم علي بالسنة
من البَدهيَّاتِ العَقليَّةِ المُنضَبِطَةِ بالسَّمْعِ، والتي تُقعِّدُ لأصُولِ الاجتِهَادِ المُوَفَّقِ، أنْ يَعِيَ المُجتَهِدُ صَراحةً أنَّه مُسْلِمٌ مُنقَادٌ لنُصُوصِ الوَحيِ، مَحكُومٌ بعدَ آيَاتِ القُرآنِ الكَريمِ بالحَديثِ النَّبويِّ الشَّريفِ، يَخضَعُ له ولا بُدَّ، وأنَّه لا يكتَشِفُ طَرِيقَه عَبْرَ عَقلانيَّةٍ مَحْضَةٍ... ذلك أو التَّخبُّطُ!
هذا مَا يُقعِّدُه الإمَامُ مَالِكُ بنُ أنسٍ الأصْبَحيُّ (ت 179 هـ) رحمه الله بقَولِه: «مَا قَلَّتِ الآثَارُ في قَومٍ إلا كَثُرَت فيهم الأهْوَاءُ»(442) .
إنَّها الخِبْرَةُ الحَياتِيَّةُ يُهدِينَا إيَّاها إمَامُ دَارِ الهِجرَةِ النَّبويَّةِ وقد خَبَرَها بنَفْسِه،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 216وعَاينَها بمُمارَساتِه الدَّؤوبَةِ في الاجتِهَادِ، تَجعلُنا نَجفِلُ ونكونُ بغَايةِ التَّأهُّبِ والحَساسيَّةِ من تَسلُّلِ الأهْوَاءِ إلى دَارِنا الفِكْريَّةِ(443)
سَبقَه إلى هذا المَعنَى -بحُكْمِ الحِقْبَةِ الزَّمنيَّةِ والسَّبْقِ التَّارِيخيِّ- عليٌّ رضي الله عنه ومعَه خِرِّيجُو بَيْتِ النُّبوَّةِ، إذْ يقولُ مُعبِّرًا عن هذا المَلحَظِ الأصُوليِّ بطَرِيقَةِ الأقْدَمِينَ: «لو كانَ الدِّينُ بالرَّأيِ؛ لكانَ أسْفَلُ الخُفِّ أوْلَى بالمَسْحِ من أعْلاه»(444) .
لذلك، وَجَدَ عليٌّ رضي الله عنه الحَاجةَ مُلِحَّةً إلى مُلازَمةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والتَّعلُمِ منه عن كَثَبٍ، وحِفْظِ أحَاديثِه، ومُذاكَرةِ سُنَّتِه، وكِتَابَةِ أقوَالِه وأفْعَالِه وتَقرِيرَاتِه، حيثُ المَرْتَعُ الخَصْبُ إذا مَا استَجدَّتِ الحَوادِثُ وطَرَأت على الأمَّةِ النَّوازِلُ، يَجِدُ فيها الحُكْمَ الشَّرعيَّ، إمَّا عن طَريقِ النَّصِّ، أو عن طَريقِ الاجتِهَادِ، بمَا خلَّفَه من حِكْمَةٍ مَعقُولَةِ يُمكِنُ أنْ نَقِيسَ عليها... إلخ.
فلا زَالَ عليٌّ يتَقلَّبُ في مَجالسِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم من حَلْقَةٍ لأخرى، منذُ نُعومَةِ أظْفَارِه، ولمَّا يَنبُتْ على لِحْيَيهِ شَعْرٌ. فعَرَفَ من سِيرَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وشَاهدَ من تَصرُّفاتِه، وعَاينَ من أحْوَالِه مَا غَابَ عِلْمُه عن غَيرِه. وحَفِظَ من سُنَّتِه وسِيرَتِه وهَديِه مَا لم يَحفَظْه الآخَرون. فكانَ مُشارِكًا لكِبَارِ الصَّحابةِ بمَا عندَهم من عِلْمٍ، لا يَفُوتُه إلا نَزْرٌ يَسِيرٌ. قالَ ابنُ عبَّاٍس رضي الله عنهما:
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 217«لقَد أُعطِيَ عليٌّ رضي الله عنه تِسْعةَ أعْشَارِ العلمِ، وايمُ اللهِ لقَد شَاركَكم في العُشْرِ العَاشرِ»(445)
حتى غَدَا أعْلمَ أهْلِ زَمانِه بالسُّنَّةِ رِوَايةً ودِرَايةً، حِفْظًا وفِقْهًا. وكانَ مَوضِعَ فَخْرٍ واعتِزَازٍ عندَ أمِّ المُؤمنِينَ عَائِشةَ، أعْربَت عن ذلك في ثَنائِها عليه في عِلْمِه، إذ تَقولُ: «أمَا إنَّه أعْلَمُ النَّاسِ بالسُّنَّةِ»(446) . وحِينَما سُئِلَت عن حُكْمِ المَسْحِ على الخُفَّينِ، ارتَضَت عليًّا رضي الله عنه للسَّائلِ أنْ يُفتِيَه في حُكْمِ اللهِ، وشَهِدَت له بالعِلْمِ، فقالَت: «ائْتِ عليًّا، فإنَّه أعْلَمُ بذلك منِّي(447)(448) )( ».
سَبَبُ هذه الأعْلَميَّةِ:
يَعُودُ ذلك إلى أسْبَابٍ عَديدَةٍ، لعلَّ من أهمِّها مَا كَشَفَ اللِّثَامَ عنها ابنُ حَزْمٍ (ت 456 هـ) رحمه الله فيمَا ذَهَبَ إليه مِن خِلالِ تَأمُّلِه في حَيَاةِ عليٍّ رضي الله عنه ، فرَأى أنَّه:
عَاشَ بعدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَحْوًا من ثَلاثِينَ سَنةً. وقَد ذَهَبَ جُمْهورُ الصَّحابَةِ.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فكَثُرَ لِقَاءُ النَّاسِ إيَّاه، وحَاجَتُهم إلى مَا عندَه. وكَثُرَ سَمَاعُ أهْلِ الآفَاقِ منه: مرَّةً بصفِّينَ، وأخرَى بالبَصرَةِ والمَدِينَةِ، وأعْوَامًا بالكُوفَةِ(449)
ومعَ هذا، فقَد ذَكرَه ابنُ حَزمٍ رحمه الله في المَرتَبةِ الثَّالِثَةِ، التي جَعلَها لأصْحَابِ المِئينِ من الصَّحابَةِ الرُّوَاةِ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم(450) . ثمَّ عدَّ له خَمْسَ مئةِ حَديثٍ وسِتَّةً وثَلاثِينَ حَدِيثًا ( 536 حَدِيثًا)، وقِيلَ غَيرُ ذلك(451) .
وأخرجَ الإمَامُ أحمدُ بن حنبلٍ (ت 241 هـ) رحمه الله في «مُسنَدِ عليِّ بنِ أبِي طَالبٍ» ، من كِتَابِه العُبابِ: «المُسنَد» مَا وَقَفَ عليه مِن رِوايَاتِ عليٍّ رضي الله عنه ، بَلَغَ بها ثَمان مئةِ حَديثٍ وتِسعةَ عَشَرَ حَدِيثًا ( 819 حَدِيثًا) بالمُكرَّرِ(452) .
واتَّفقَ الإمَامُ أبو عَبدِ اللهِ مُحمَّدُ بنُ إسمَاعِيلَ البُخارِيُّ (ت 256 هـ) رحمه الله، والإمَامُ مُسْلِمُ ابنُ الحَجَّاجِ النَّيسَابُورِيُّ (ت 261 هـ) رحمه الله على عِشرينَ حَدِيثًا. ثمَّ انفَردَ البُخارِيُّ بتِسعَةِ أحَادِيثَ، ومُسْلِمٌ بخَمسةَ عَشرَ حَدِيثًا(453) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
إذًا، فعليٌّ رضي الله عنه مِن المُكثرِينَ عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، بَيْدَ أنَّه ابتُلِيَ بشِرْذِمَةٍ كَذَبَت عليه، وأكثرَت من الوَضْعِ عنه على رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ونَسَبَت إليه أشياءَ لا تَلِيقُ به في شُؤونِ الإسْلامِ كافَّةً، وكأنَّها بذلك تُرِيدُ أن تُؤسِّسَ لدِينٍ تَكونُ دِعَامتُه الأولَى مُجرَّدَ كِذْبةٍ ادَّعاها هؤلاءِ، وصدَّقَها الهَمَجُ الرَّعَاعُ!!
المطلب الثاني أسباب قلة الرواية عن علي
مَا رَوَاه عليٌّ رضي الله عنه يُعتَبرُ أقلَّ ممَّا رَوَاه بَعضُ الصَّحابةِ رضي الله عنهم عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم! ويَعودُ السَّببُ في هذا الأمْرِ إلى جُملَةِ أمُورٍ(454) ، هي:
انشِغَالُه بالوِزَارَةِ وغَيرِها لمَن سَبقَه مِن الخُلفَاءِ، ثمَّ تَفرُّغُه للخِلافَةِ التي جَعلَتْه يُصَارِعُ الفِتَنَ الدَّاخلِيَّةَ منهَا والخَارِجيَّةَ، التي أخَذَت تَعصِفُ بأرْجَاءِ الخِلافَةِ، يقُودُها المَوتُورونَ من جَهلَةِ القَومِ. انصِرَافُه إلى القَضَاءِ والإفْتَاءِ عن أنْ يَعقِدَ حَلقاتِ العِلْمِ والتَّدرِيسِ، كتلك التي كانَ يَعقِدُها فُقهَاءُ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم ممَّا أضْحَت سَببًا في انتِشَارِ فِقْهِهم ورِوَايتِهم عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كابنِ مَسعودٍ، وابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وغَيرِهما. ظُهورُ أهلِ البِدَعِ والأهْوَاءِ من الذين أفْرَطُوا فيه، أو فَرَّطُوا به
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
على حدٍّ سواء!! حتى انتَشرَ مِن قِبَلِهم الكَذِبُ له وعليه، مَا بينَ غَالٍ يَضَعُ الحَدِيثَ في فَضائلِه ومَناقبِه، ويقدحُ بإخوانِه من الصَّحابةِ. وبينَ حَانقٍ عليه مُبغضٍ له، يختَلِقُ الحَدِيثَ في مَثالبِه والانتِقَاصِ منه!! لذلك ترَى نُقَّادَ المُحدِّثينَ قد بَذلُوا غَايةَ جُهدِهم –مَشكُورِينَ- في مَعرِفَةِ أصَحِّ الطُّرُقِ المُوصِلَةِ إليه من سَقِيمِها(455) وجَيِّدِها من رَدِيئِها. كَثْرَةُ الفِتَنِ في زَمانِه، وانشِغَالُ بَعضِ النَّاسِ بها، حَالَ دُونَ ثِقَتِه بمَن يَضَعُ عندَهم هذا المَخزُونَ من العِلْمِ، حتى قَالَ مُتَحسِّرًا: «إنَّ هَهنا –وأشَارَ إلى صَدرِه- لَعِلْمًا جَمًّا، لو أَصَبْتُ له حَمَلَةً»(456) تَهَيُّبُ الرَّاغبِينَ في طَلَبِ العِلْمِ منه! حيثُ إنَّهم يَروْنَ أنَّ جَمِيعَ الصَّحابةِ ثِقَاتٌ فقَد اكتَفَوا بمَا عندَهم دُونَ الاعتِكَافِ عليه، وهو الجَبَلُ الأشَمُّ والبَحْرُ الوَاسِعُ.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
مَنْهجُه المُتشدِّدُ في قَبُولِ حَدِيثٍ لم يَحْمِلْه عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، خَاصَّةً بعدَ وَفَاةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقَد كانَ يستَحلِفُ الرُّواةَ، ويستَوثِقُهم في مَرويَّاتِهم.
المطلب الثالث موقف علي من السنة
عُرِفَ عليٌّ رضي الله عنه بشِدَّةِ حِرْصِه على تَبلِيغِ الهَدْيِ النَّبويِّ إلى المُسلِمينَ عامَّةً، وبالأخصِّ إلى أبنَاءِ المَوالِي والأعَاجمِ الذين دَخلُوا في الإسْلامِ حَدِيثًا، وفَاتَهم مَا شَرُفَ به الأصْحَابُ رضي الله عنهم من لُقْيَا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، والنَّهلِ من مَعينِه الصَّافِي غِذاءً عَذْبًا زُلالاً، يرتَشِفونَه بعُقولِهم وقُلوبِهم، ما خَوَّلَهم أنْ يُصبِحُوا بالحَقِّ سَادةً، في فَترةٍ زَمنيَّةٍ لا تُساوِي في حِسَابِ الأمَمِ شَيئًا يُذكَرُ.
وإذ ينبَغي على الخَلِيفَةِ أنْ يُعلِّمَ النَّاسَ سُنَّةَ نَبيِّهم صلى الله عليه وسلم، ويُشرِفَ بنَفْسِه على تَربِيَتِهم عليها وتَرشِيدِهم بها، ليَسِيرُوا على نُورٍ من أمرِهم وهُدى من رَبِّهم، فقد خَطَا عليٌّ رضي الله عنه في هذا المِضمَارِ خُطُوَاتٍ جَبَّارةً نَحْوَ الأمَامِ، استَطاعَ أنْ يُدْخِلَ السُّنَّةَ إلى كلِّ بَيتٍ من بُيوتِ حَاضرِي الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ، بكُلِّ ثَباتٍ وعَزِيمَةٍ وَصبرٍ، وتَصوُّرٍ لمُستَقبلٍ زَاهرٍ وغَدٍ وَاعدٍ، بنَى خُيوطَه على ضَوءِ القَمرِ ووَميضِ السِّرَاجِ، حتى غَدَتِ الكُوفَةُ ومَا حَولَها مَحجَّةَ العُلماءِ وبُغيةَ الأدَباءِ، ومَقصِدَ مَن رَغِبَ العِلْمَ
PDF 222ينهلُه بسَندِ عَالٍ من بَابِ مَدينَتِه.
نَهضَ عليٌّ رضي الله عنه بوَاجبِ نَشرِ السُّنَّةِ، لما ثبتَ لديه بيَقينٍ لا يُزاوِلُه أدنى شَكٍّ، من أنَّ الحَاجةَ دَاعِيةٌ إلى التَّصدِّي لذلك، وإلا فإنَّ الخَطَرَ المُحدِقَ بالرُّبوعِ الإسْلاميَّةِ سيَجتاحُ الأجيَالَ الصَّاعِدةَ بلا مُوارَبةٍ! والرَّغبَةُ الجَامِحَةُ التي امتَلكَت قلبَه لا تزالُ تُساوِرُه رَجاءَ أنْ يَبلُغَه شَيءٌ من دَعوَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم العَامَّةِ: «نضَّر اللهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا شَيئًا فبلَّغَه كمَا سَمِعَ، فربَّ مبلَّغٍ أوعى من سامعٍ»(457) .
لم يَقتَصِرْ في تَعلِيمِه على الدَّعوَةِ إلى العِلْمِ دُونَ مُمارَسةٍ تَطبيقيَّةٍ له، بلْ لم تَمنَعْه حُروبُه، وهُمومُ الحُكْمِ ومَشاغِلُ الرَّعيَّةِ، من أنْ يُدرِجَ على جَدولِ أعمَالِه: أن يُعلِّمَ الأمَّةَ -على سَبيلِ المِثَالِ- وُضوءَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالمُمارَسَةِ العَمليَّةِ، عن عَبْدِ خَيْرٍ رحمه الله قَالَ: علَّمنَا عليٌّ صلى الله عليه وسلم وُضُوءَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فصَبَّ الغُلامُ(458) على يَدَيه حتى أنْقَاهُما، ثمَّ أدْخَلَ يدَه في الرَّكْوَةِ(459) فمَضْمَضَ واستَنشقَ، وغَسَلَ وَجْهَه ثَلاثًا ثَلاثًا، وذِرَاعَيْه إلى المِرفَقينِ ثَلاثًا ثَلاثًا، ثمَّ أدْخَلَ يدَه في الرَّكْوَةِ فغَمزَ أسْفلَها بيَدِه، ثمَّ أخْرَجَها فمَسَحَ بها الأخْرَى، ثمَّ مَسَحَ بكفَّيه رَأسَه مرَّةً، ثمَّ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 223غَسَلَ رِجلَيه إلى الكَعبَينِ ثَلاثًا ثَلاثًا، ثمَّ اغتَرَفَ هُنيَّةً من مَاءٍ بكَفِّه فشَرِبَه، ثمَّ قالَ: «هكذا كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يتَوضَّأُ»(460)
شكَّلت السُّنَّةُ في حَياةِ عليٍّ رضي الله عنه قُطْبَ الرَّحَى التي عليها مَدارُ الإسْلامِ وشَرائِعُ الحَلالِ والحَرَامِ. فكانَ لِزَامًا عليه أن يتَقدَّم بمَشرُوعٍ عِلميٍّ رَصينٍ يَحمِي به السُّنَّةَ، ويُحافِظُ على دَورِها الرَّائدِ في البِنَاءِ وتَقدُّمِ الشُّعوبِ المُسلِمَةِ، لا يَغْفُلُ فيه عن ذِكْرِ المُحفِّزَاتِ على العَمَلِ بهَا والدَّعوَةِ إليها، كما لا يُقصِي جَانِبَ العُقوبَاتِ من التَّعرُّضِ لبيَانِها، في سَبيلِ الذَّبِّ عنها وصِيانَتِها عن طَريقِ المُحافَظةِ عليها ممَّا قد يقدحُ فيها.
في سَبيلِ هذه الغَايَةِ نَحَا عليٌّ رضي الله عنه مَنحَيينِ اثنَينِ:
المَنْحَى الأوَّلُ: مَا يُقِيمُ أركَانَها، ويُثبِّتُ قَواعِدَها، ويُساهِمُ في نَشْرِها، ويُفْسِحُ في المَجَالِ أمَامَ كُلِّ رَاغبٍ بالاطِّلاعِ عليها، أنْ تكونَ تحتَ مُتناوَلِ يَدِه.
المَنْحَى الثَّانِي: مَا يَدرَأ عنها الخَللَ الذي قد يَلحقُ بها، مِن مَعاولِ الكَيدِ لها، ممَّن يُرِيدُ بها وبأهلِها شَرًّا.
بِناءً على هذينِ التَّصوُّرَينِ، كانَ لعليٍّ رضي الله عنه مَنهجٌ في التَّعامُلِ معَ السُّنَّةِ، بَيانُه فيما يأتي...
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المبحث الثاني منهج علي في التعامل مع السنة
النَّاظِرُ في حَياةِ عليٍّ رضي الله عنه يَلمِسُ كمْ كانَ مُتضَلِّعًا بالسُّنَّةِ النَّبويَّةِ عِلْمًا بها وتَعلِيمًا لها. ويَجِدُ أنَّ وَاجِبَ العَمَلِ بها، والدَّعوَةِ إليها، قَد أخذَ مِن وَقتِه حظًّا كَبِيرًا، كمَا حَظِيَ بنَصِيبٍ وَافرٍ مِن اهتِمَامِه ورِعَايَتِه. ومَا فَتِئَتِ السُّنَّةُ تَلقَى منه رِعَايةً خَاصَّةً حَسْبَ الخُطَّةِ التي رَسمَها لنَفْسِه في كَيفيَّةِ تَقدِيمِها لرَعيَّتِه، دُونَ أنْ تتَدَاخلَ الأولويَّاتُ ببَعضِها، فيَخْفُقُ في تَحقيقِ المُرادِ.
وله مَنهَجٌ سَارَ عليه في سَبيلِ اقتِفَائِهَا والنَّعشِ بها والتِزَامِهَا والتزوُّدِ منها والحُصُولِ عليها.
لذلك، جَاءَ هذا المَبحَثُ في مَطلبَينِ، هما:
المَطلبُ الأوَّل: تَدوِينُ السُّنَّةِ والعَمَلُ بها.
المَطلبُ الثَّاني: مَهَارَاتٌ في اكتِسَابِ السُّنَّةِ.
المطلب الأول تدوين السنة والعمل بها
أوَّلاً- تَدوِينُ السُّنَّةِ:
لعلَّ أبرزَ عِنايَةٍ شَقَّت طَرِيقَها مُبكِّرةً، تجلَّت معَ الحَرفِ الأوَّلِ الذي خطَّه عليٌّ رضي الله عنه بيَمينِ يَراعِه في كِتَابةِ السُّنَّةِ، ليَجْمَعَ بينَ فَضِيلَتينِ: القِرَاءةِ والكِتَابَةِ، فيحظَى بمَنقَبتَينِ: حِفْظِها في الصُّدورِ، وتَدوِينِها في السُّطورِ.
بيدَ أنَّه كانَ يخشَى من النَّاسِ أنْ يُهمِلُوا كِتَابَ اللهِ إذا مَا دُوِّنَتِ السُّنَّةُ، وانشَغلَ المُسلِمونَ بكِتابَتِها عن تَدارُسِ كِتَابِ ربِّهم! لذا نَرَاه يَمنَعُ النَّاسَ أنْ يتَّخِذُوا كِتَابًا معَ القُرآنِ الكَريمِ، فيخْطبُ ويقُولُ: «أعزِمُ على كلِّ مَن كانَ عندَه كِتَابٌ إلا رَجَعَ فمَحَاه، فإنَّما هَلكَ النَّاسُ حيثُ تتبَّعُوا أحَادِيثَ عُلمَائِهم، وتَركُوا كِتَابَ رَبِّهم»(461) .
وإذا تأمَّلنا مَلْحظَ عليٍّ رضي الله عنه لعَلِمْنا أنَّه دَارَ في إصْدارِ حُكْمِه معَ المَصلَحةِ، فكانَ حُكْمُه مَعقُولَ المَعنَى، يَدورُ معَ علَّتِه وُجودًا وعَدمًا. يؤكِّدُ هذا الفَهْمَ صَنِيعُ عليٍّ رضي الله عنه نَفْسِه، حيثُ كانَ يَحُضُّ على طَلَبِ العِلْمِ وكِتَابتِه، ويستَثِيرُ أرِيحيَّةَ النَّاسِ في ذلك. فقَدِ اشتَهرَ عنه أنَّه خَطَبَ النَّاسَ يَومًا فقالَ: «مَن يشتَرِي منِّي عِلْمًا بدِرْهَمٍ؟(462)(463) )( ».
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثمَّ سُرعَانَ مَا استَجابَ طُلاَّبُ العلمِ لهذا الإرشَادِ العَلويِّ، يقولُ الحَارِثُ الأعورُ: «فذَهبْتُ فاشتَريْتُ صُحُفًا بدِرهمٍ، ثمَّ جِئْتُ بها»(464) .
وقد سَارَ على خُطَى أبِيه الحَسَنُ بنُ عليٍّ (ت 50 هـ) رضي الله عنهما في وَصيَّتِه لبَنِيه وبَنِي أخِيه، فقالَ: «يَا بَنِيَّ وبَنِي أخِي، إنَّكم صِغَارُ قَومٍ يُوشِكُ أنْ تَكونُوا كِبَارَ آخَرين، فتعلَّمُوا العلمَ، فمَن لم يستَطِعْ منكم أنْ يَروِيَه فليَكْتُبْه، وليَضَعْه في بَيتِه»(465) .
اهتمَّ عليٌّ رضي الله عنه بتَدوينِ السُّنَّةِ منذُ العَهْدِ النَّبويِّ، لا أقولُ: كلَّها، بلْ مَا رآه هامًّا ويحتَاجُ أنْ يكونَ مَكتُوبًا كَوثِيقَةٍ دُستوريَّةٍ، يَنتَفِعُ بهَا فيمَا بَعْدُ، من ذلك(466) :
«الصَّحِيفَةُ» الشَّهِيرَةُ التي كانَ يُعلِّقُها في سَيْفِه لتُرَافِقَه أينَما حلَّ. «كِتَابُ الصَّدقةِ» الذي أرسلَه إلى أميرِ المُؤمنِينَ عُثمانَ بنِ عفَّانَ رضي الله عنه مَكتُوبٌ فيه بَيانُ مَصارفِ الصَّدقَاتِ.
ثَاِنيًا- الحِرْصُ على العَمَلِ بالسُّنَّةِ:
كانَ عليٌّ رضي الله عنه يتَعهَّد مَا تَعلَّمَه بالعَمَلِ به، ويَحرِصُ على تَطْبِيقِه، إذ كانَ من أحْرَصِ القَوْمِ على طَاعَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، لا يَحِيدُ عن سُنَّتِه
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 227–العَمَليَّةِ منها والقَوليَّةِ- طَرْفةَ عَينٍ، ولو كانَ ذلك في أحْلَكِ الظُّروفِ وأشَدِّ الأوقَاتِ، فعنِ الذِّكْرِ الذي عَلَّمَه إيَّاه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يقولُ عليٌّ رضي الله عنه مَا تركتُه منذُ سَمِعتُه من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم». قِيلَ له: ولا ليلةَ صِفِّين؟ قالَ: «ولا لَيلةَ صِفِّينَ»(467)
ولمَّا أنكرَت عليه زَوجُه الزَّهراءُ فَاطِمةُ بنتُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن شقَّ كِسوةً أهدَاها له رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، اعتذرَ إليها عن ذلك بأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نهَى الرِّجالَ عن لُبسِها، في حَادثةٍ هذا نَصُّ خَبرِها:
عن عليٍّ رضي الله عنه قالَ: «نَهانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن تَختُّمِ الذَّهَبِ، وعن لُبْسِ القَسِّ والمُعَصْفَرِ، وقِراءَةِ القُرآنِ وأنَا رَاكِعٌ. وكَسَانِي حُلَّةً من سِيَرَاءَ، فخَرَجْتُ فيها!
فقالَ: «يَا عليُّ، إنِّي لم أَكْسُكَها لتَلْبَسَها» .
قالَ: فرَجَعْتُ بها إلى فَاطِمةَ، فأعطَيْتُها نَاحِيتَها. فأخَذَتْ بها لتَطوِيَها معي، فشَقَقْتُها بثِنْتَينِ. فقَالَت: تَرِبَت يَداكَ يَا ابنَ أبِي طَالبٍ! مَاذا صَنَعْتَ؟ فقلتُ لها: نَهانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن لُبسِها، فالبَسِي واكْسِي نِسَاءَك»(468) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وأشارَ على أصْحَابِه أن يَضْبِطُوا النَّصَّ، وذلك بالعَمَلِ به، وعَدَمِ مُخالفَتِه، يقولُ: «تعلَّمُوا العلمَ؛ تُعرَفُوا به. واعْملُوا به؛ تكونُوا من أهلِه»(469) .
من هذا المُنطلَقِ نُدرِكُ الحدَّ الذي جَعلَه للعَالِمِ، فإنَّه لا يُسمِّي الرَّجُلَ عَالِمًا إلا إذا علمَ مِن سِيرَتِه أنَّه عَامِلٌ بعِلْمِه، وقَّافٌ عندَ حُدودِه وشَرائعِه. يُخاطِبُ حَمَلةَ العلمِ وطُلاَّبَه: «يَا حَملةَ العلمِ، اعمَلُوا به، فإنَّ العالِمَ مَن عَمِلَ بمَا عَلِمَ، ووَافَقَ عِلْمَه عَمَلُه»(470) .
ومِن مَشهُورِ كَلِمَاتِه التي غَدَت مِثَالاً قولُه(471) : «هَتَفَ العِلْمُ بالعَمَلِ، فإنْ أجَابَه وإلا ارتَحلَ»(472) .
مِن النَّماذجِ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 229التَّطبيقيَّةِ على ذلك:
عَمَلُه بالسُّنَّةِ العَمليَّةِ: غَسْلُ اليَدينِ عَقِبَ النَّومِ:
دعَا عليٌّ رضي الله عنه بمَاءٍ، فغسلَ يَدَيه ثَلاثًا قَبْلَ أن يُدخِلَهما الإناءَ، ثمَّ قالَ: «هكذا رَأيتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَنَعَ»(473) . والعِلَّةُ مَعقُولَةُ المَعنَى لاحتِمَالِ أنْ يكونَ قَد جَسَّ بها مَوضِعًا نَجِسًا في بَدنِه وهو نَائِمٌ، بلا أدْنَى شُعورٍ منه.
دُعَاءُ رُكُوبِ الدَّابَّةِ:
وَرَدَ هذا الذِّكْرُ عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم برِوَايةِ عليٍّ رضي الله عنه ، وقد أُتِيَ بدابَّةٍ ليَرْكبَها، فلمَّا وَضَعَ رِجْلَه في الرِّكَابِ(474) قالَ: بِاسْمِ اللهِ. فلمَّا استَوَى على ظَهرِها، قالَ: الحَمْدُ للهِ. ثمَّ قالَ: ﴿ لِتَستَووا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَـذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ(475) ﴾ .
ثُمَّ قالَ: الحَمْدُ للهِ –ثَلاثَ مرَّاتٍ-، ثمَّ قال: اللهُ أكبرُ –ثَلاثَ مرَّاتٍ-. ثمَّ قالَ: سُبحَانَكَ لا إلهَ إلاَّ أنتَ، قد ظَلمْتُ نَفسِي، فاغفِرْ لي، فإنَّه لا يَغفِرُ الذُّنوبَ إلا أنتَ. ثمَّ ضَحِكَ!
فقِيلَ: يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ! مِن أيِّ شَيءٍ ضَحِكْتَ؟ قالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 230فَعَلَ كمَا فَعَلْتُ، ثمَّ ضَحِكَ. فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مِن أيِّ شَيءٍ ضَحِكْتَ؟
قالَ: «إنَّ ربَّكَ يَعجبُ مِن عَبدِه إذَا قالَ: اغفِرْ لي ذُنوبِي. يَعلمُ أنَّه لا يَغفِرُ الذُّنوبَ غَيرِي»(476) .
امتِثالُه للسُّنَّةِ القَوليَّةِ: الغُسْلُ لصَلاةِ الجُمعَةِ:
كانَ عليٌّ رضي الله عنه يَرَى أنَّ غُسْلَ الجُمعَةِ سُنَّةٌ، ويقولُ: «مَا أحِبُّ أنْ أدَعَه، لأنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «مَن أتَى الجُمعةَ فليَغْتَسِلْ»(477) .
طَمْسُ القُبورِ المُشرِفَةِ:
هَديُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في القُبورِ(478) أنْ تُبنَى مَدرُوسةً مَعالِمُها(479) ، لا تُرفَعُ إلا قَدْرَ شِبرٍ، لتُعرَفَ فتُصَانَ، وتُزارَ فلا تُهجَرَ.
لذلك حَرَصَ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 231عليٌّ رضي الله عنه على أنْ تكونَ القُبورُ كذلك، قالَ مرَّةً لأبي الهيَّاجِ الأسديِّ(480) ألا أبعثُكَ على مَا بَعثَنِي عليه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أنْ لا تَدَعَ تِمْثَالاً إلا طَمَسْتَه، ولا قَبْرًا مُشرِفًا إلا سَوَّيْتَه»(481)
ثَالِثًا- الدَّعوَةُ إلى الالتِزَامِ بالسُّنَّةِ:
أرسَى عليٌّ رضي الله عنه مَا نَطقَت به نُصُوصُ الوَحيِ من وُجوبِ العَملِ بالسُّنَّةِ، فكانَ إلى جَانبِ حِرْصِه على العَمَلِ بالسُّنَّةِ، يَدعُو النَّاسَ إلى الالتِزَامِ بها في غَيرِ مَا مُناسَبةٍ سَنحَت له، إذْ كانَ يستَفِيدُ منها في تَوجيهِ المُسلِمينَ إلى ضَرُورَةِ اتِّبَاعِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم والاهتِدَاءِ به، والأخْذِ بسُنَّتِه وعَدَمِ الغَفْلَةِ عنهَا، ويَحثُّهم على اتِّخَاذِها مَنْهجَ حَياةٍ. حتى أفلحَ بهذه المَهمَّةِ، وبلغَ مِن الغَايَةِ مُنتَهاهَا.
له في تأكِيد مَرجعيَّةِ السُّنَّةِ أقوَالٌ كَثِيرَةٌ، منها مَا ثَبَتَ عنه بَعْدَ رُجوعِه مِن قِتَالِ الخَوَارجِ: «اقتَدُوا بهَديِ نَبيِّكم صلى الله عليه وسلم، فإنَّه أفْضَلُ الهَدْيِ. واستَنُّوا بسنَّتِه، فإنَّها أهْدَى السُّنَنِ»(482) .
وفي خُطْبَةٍ له ألقَاهَا بالرَّبَذَة(483) جَاءَ فيها: «الزَمُوا دِينَكم، واهتَدُوا
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 232بهَدْيِ نَبيِّكم، واتَّبِعُوا سُنَّتَه»(484)
ومِن جِهَةٍ أخْرَى يُحذِّرُ عليٌّ رضي الله عنه مِن الرُّكُونِ إلى الأهْوَاءِ ومَا تُملِيه الأنْفُسُ مُضاهَاةً للسُّنَّةِ، واتِّبَاعًا لدَاعِي الشَّيطَانِ.
المطلب الثاني مهاراتٌ في اكتساب السنة
سَبَقَ أنْ تَحدَّثْتُ عنِ السَّبَبِ في أعْلَميَّةِ عليٍّ رضي الله عنه التي شَهِدَت بها أمُّ المُؤمنِينَ عَائِشةُ رضي الله عنها. وفي هذا المَطلَبِ سيَتِمُّ البَحْثُ عن المَهارَاتِ التي كانَ يتَكيَّفُ بها أثْنَاءَ تَزوُّدِه بالسُّنَّةِ، وكيفَ تمَكَّنَ أنْ يَنْهَلَ منها هذا الكَمَّ مِن الرِّوايَةِ وذاكَ الفِقْهَ مِن الدِّرايَةِ.
السُّؤالُ عن السُّنَّةِ واستِفَادتُها من الصَّحابةِ:
كانَ من حِرْصِ فُقهَاءِ الصَّحابةِ –ألا تَغِيبَ عنهم سُنَّةٌ مِن هَدْيِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم- أنَّهم يستَفِيدُونَها من بَعضِهم، ذلك أنَّ كَثِيرًا منهم كانَ يَشْغَلُه الصَّفْقُ في الأَسْواقِ فيَغِيبُ عنه مَا حَضَرَه سَائِرُ الأصْحَابِ. لذلك لم يَأنَفْ وَاحِدٌ منهم أنْ يتَعلَّمَ من أخِيه، أو أنْ يتَناوبَا على حُضورِ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 233مَجَالسِ الذِّكْرِ عندَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. ممَّا يدلُّ على رَغْبَةٍ شَديدَةٍ عندَ الصَّحابةِ رضي الله عنهم في سَمَاعِ حَديثِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، ممَّا يَعكِسُ لنا حَالَ البِيئَةِ العِلْميَّةِ آنذاكَ التي سَجَّلَت لنا اندِفَاعَ الصَّحابةِ رضي الله عنهم بجِدٍّ وإخْلاصٍ إلى سَمَاعِ سُنَّةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
إنَّه دَلِيلٌ وَاضِحٌ على النَّشاطِ العِلْميِّ الذي كانَ بينَهم، يَتبادَلُونَ الأحَادِيثَ عن بَعضِهم، ويَسمَعُونَ ويُسمَعُ منهم، ويَروُونَ ويُرْوَى عنهم. كلُّ هذا في مَعرِفَةِ سَبيلِ الحَقِّ، وحِفْظِ سُنَّةِ سَيِّدِ الخَلْقِ صلى الله عليه وسلم(485) .
وعندَما يكونُ الحَياءُ من رِسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَائِقًا في سَبيلِ التَّعلُّمِ منه واستِفْتَائِه عمَّا بدَا له؛ يتَغلَّبُ عليٌّ رضي الله عنه عليه بأنْ يُرشِّحَ وَاحِدًا من الصَّحابةِ الكِرَامِ رضي الله عنهم ، ممَّن يَثِقُ بجُودَةِ ذَاكِرَتِه وفِقْهِه ليَسْألَ له النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم.
كما يُحذِّرُ النَّاسَ مِن تَرْكِ العلمِ بحُجَّةِ الحَياءِ، فيقولُ: «ولا يَستَحِي أحدُكم إذا لمْ يَعلمْ أنْ يتعلَّمَ، ولا يَستَحِي جَاهِلٌ أنْ يَسْألَ عمَّا لا يَعلمُ»(486) .
يُحدِّثُنا محمَّدُ ابنُ الحَنفيَّةِ رحمه الله قالَ: قالَ عليٌّ رضي الله عنه كنتُ رَجُلاً مذَّاءً(487) وكنتُ أستَحيِي
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 234أنْ أسْألَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم؛ لمَكانِ ابنَتِه. فأمَرْتُ المِقدادَ بنَ الأسْوَدِ (ت 33 هـ) رضي الله عنه(488) فسَألَه، فقالَ: «يَغسِلُ ذَكرَه ويتَوضَّأُ(489)
سَاهمَ عليٌّ رضي الله عنه بهذا السُّؤَالِ –مَشكُورًا- في نَشْرِ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ، وتَعمِيمِها على الرَّعيَّةِ، في مَسألَةٍ ممَّا تعمُّ بها البَلْوَى. ومِن خِلالِ التَّأمُّلِ فيمَا قَامَ به، يُمكِنُنا أنْ نُسجِّلَ هذه الإفَادَاتِ:
السُّؤَالُ عمَّا لا يُعلَمُ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ. جَوَازُ التَّوكيلِ في السُّؤالِ بشَرطِ تَوفُّرِ الثِّقَةِ في الوَكيلِ وأمَانَتِه في النَّقلِ. عَدَمُ الحَرجِ في الدِّينِ معَ الرَّغبَةِ في التَّعلُّمِ، ومُرَاعَاةِ جَانبِ الحَياءِ. قُرْبُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من صَحابتِه رضي الله عنهم تَواضُعُ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
عليٍّ رضي الله عنه وشِدَّةُ حَيائِه. تَوقِيرُ الصَّحابةِ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأهلِ بَيتِه رضي الله عنهم فَضْلُ السَّيِّدَةِ فَاطِمةَ رضي الله عنها.
التَّفَقُّهُ فيها وإدْرَاكُ مَرامِيها:
الفِقْهُ مَعْرِفَةُ أحْكَامِ الله تعالى في أفْعَالِ المُكلَّفِينَ، وهي عَمَليَّةٌ اجتِهَادِيَّةٌ تَعتَمِدُ الأدِلَّةَ في استِنبَاطِ الأحْكَامِ، فلا يُتصوَّرُ فِقْهٌ بلا دَليلٍ. والسُّنَّةُ النَّبويَّةُ أحَدُ الثَّقلَينِ الرَّئيسَينِ اللَّذينِ هما مَصْدرُ التَّشريعِ الإسْلاميِّ.
وقد نعَى ابنُ حِبَّانَ (ت 354 هـ) رحمه الله على طَائفتَينِ من أدْعيَاءِ العلمِ:
انتَسبَت الأولَى إلى (الحَديثِ)، وغَايةُ مَا عندَهم الكِتابةُ دُونَ الحِفْظِ والفَهْمِ.
والثَّانِيةُ انتَسبَت إلى (الفِقْهِ)، وجُلُّ اشتِغَالِهم بالآرَاءِ والجَدَلِ، وأغَضُّوا عن الرِّوايَةِ وكَيفيَّةِ قَبُولِها(490) .
وبدَورِه انتَقدَ ابنُ الجَوزيِّ (ت 596 هـ) رحمه الله قَوْمًا استَغرَقُوا أعمَارَهم في سَماعِ الحَديثِ والرِّحلةِ في طَلَبِه، فانشَغلُوا بهذا عمَّا هو فَرْضُ عَيْنٍ؛ من مَعرفةِ مَا يَجِبُ عليهم، والاجتِهَادِ في أدَاءِ اللازمِ، والتَّفقُّهِ في الحَديثِ(491) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
تَفطَّنَ عليٌّ رضي الله عنه لأهمِّيَّةِ التَّفقُّهِ في الأحَاديثِ النَّبويَّةِ، مُدرِكًا أنَّها ليسَت مُجرَّدَ مُستوعَباتٍ ضمَّت كَلامًا يُعالِجُ مَسألَةً قد وَقعَت وانتَهت، لا عَلاقةَ له بالجَديدِ من شُؤونِ الأمَّةِ ومَصالحِها. بلْ دَعَا إلى العِلْمِ بها، وحضَّ على التَّعلُّمِ، مُحافِظًا على الأصَالَةِ في النَّصِّ الشَّرعيِّ، مُلاحِظًا المَصلَحةَ في صُدورِه، مُراعِيًا سَببَ وُرودِه، غيرَ جَامدٍ عليه، نَاظرًا إلى المَقصدِ التَّشريعيِّ منه، لامِحًا الحَاجةَ القَائِمةَ عليه والدَّاعِيةَ إلى النَّظَرِ فيمَا وَرَاءَ النَّصِّ وأبعدَ من مُجرَّدِ الوُقُوفِ على ظَاهرِه.
فكانَ يُوجِّهُهم في هذا المَوردِ إلى التَّمعُّنِ في النُّصوصِ الشَّرعيَّةِ، ومَعرِفَةِ دَلالاتِها اللُّغويَّةِ، ومَقاصدِ الشَّارعِ من تَوجِيه الخِطَابِ بهَا، فهذا أوْلَى من الاقْتِصَارِ على حِفْظِها واستِظْهَارِها عَن ظَهْرِ قَلْبٍ –معَ مَا يَحمِلُه هذا الجُهْدِ من أهمِّيَّةِ المُحافَظةِ عليها بنَصِّها، وضَمانِ تَوارُثِها عَبْرَ الأجْيَالِ- مَا كانَ ليَقنعَ منهم دُونَ الفِقْهِ فيها، وسَبْرِ أغوَارِها، وإدْرَاكِ الأحْكَامِ التي تتَضمَّنُّها، فإنَّه أجدَى نَفْعًا، يقولُ: «اعقِلُوا الخَبرَ إذا سَمِعتمُوه عَقْلَ رِعَايَةٍ لا عَقْلَ رِوَايَةٍ؛ فإنَّ رُواةَ العِلْمِ كَثِيرٌ، ورُعَاتَه قَلِيلٌ»(492) .
الحَضُّ على مُذاكَرتِها:
لمْ يَكتَفِ عليٌّ رضي الله عنه بدِرَاسَةِ الحَديثِ معَ إخوَانِه مِن الصَّحابةِ،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 237ولا رَضِيَ بالمُذَاكَرَةِ التَّقليديَّةِ معَهم، بلْ حَثَّ طُلابَه على حِفْظِ السُّنَّةِ، وأرْشدَ تَلامِيذَه إلى مُجالَسةِ أهلِ العلمِ، والأخْذِ عنهم، والتَّزاوُرِ فيمَا بينَهم، لئلا يَضِيعَ العلمُ بفَقْدِ العُلماءِ، فقالَ: «تَذاكَرُوا هذا الحَدِيثَ، وتَزاوَرُوا؛ فإنَّكم إنْ لا تَفْعلُوا يَدْرُسِ العِلْمُ»(493)
مُلازَمةُ العَالِمِ بها:
دَعَا عليٌّ رضي الله عنه غَيْرَ مَرَّةٍ إلى مُلازَمةِ الشُّيوخِ، والحِرْصِ على الأخْذِ منهم، ومُصاحَبتِهم طَويِلاً، يقولُ عليٌّ رضي الله عنه : «ولا تَشْبَعْ مِن طُولِ صُحْبَتِه، فإنَّما هو كالنَّحلةِ تنتَظِرُ حتى يَسقُطَ عليكَ منها شَيءٌ»(494) .
وقد تَهيَّأ لعليٍّ رضي الله عنه مُلازَمةُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم صَغِيرًا حيثُ تربَّى في حِجْرِه، وكَبِيرًا حيثُ كانَ صِهرَه ووَالِدَ سِبْطَيه. حتى غَدا قَرِيبًا من رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يأخذُ منه، ويَروِي عنه، ويُعايِنُ حالَه. حتى حَظِيَ بهذه المُلازَمةِ الأكِيدَةِ على شَهادَةِ أمِّ المُؤمنِينَ عَائِشةَ رضي الله عنها، عندَما سَألَها شُرَيحُ بنُ هَانئ (ت 78 هـ)(495) رحمه الله: أخْبرِيني برَجُلٍ مِن أصْحَابِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 238أسْألُه عن المَسْحِ على الخُفَّينِ؟ فقالَت: «ائْتِ عليًّا فسَلْه، فإنَّه كانَ يَلْزمُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم»(496)
ومعَ هذا فلم يدَّعِ الاستقلاليَّة لنَفْسِه، والأعْلَميَّةَ المُطلَقةَ، التي تَحولُ دُونَ الاطِّلاعِ على مَا عندَ الآخَرِينَ. وإنَّما كانَ عليٌّ رضي الله عنه معَ عُلماءِ زَمانِه كالحَديقةِ الغنَّاء يَنتَقِي منها طَالِبُ العلمِ مَا يَشتَهي ممَّا لذَّ وطابَ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المبحث الثالث جهود علي في مقاومة الوضع والمحافظة على السنة
في سَبيلِ الدِّفَاعِ عن السُّنَّةِ النَّبويَّةِ، والذَّوْدِ عن حِيَاضِها العَليَّةِ، والصِّيانَةِ لها عن أنْ يَضعُفَ العَملُ بها، أو يُخالِطَها مَا ليسَ مِن جِنْسِها؛ فيكدِّرَ صَفاءَ جَوهْرِها، وثَمَّةَ الطَّامَّةُ الكُبرَى... قامَ عليٌّ رضي الله عنه بتَدابِيرَ إصْلاحيَّةٍ وخُطوَاتٍ استِبَاقيَّةٍ، فعُرِفَ من تَاريخِه أنَّه كانَ يحتَاطُ في رِوَايةِ السُّنَّةِ، كمَا أنَّه كانَ يتَثبَّتُ في قَبولها، خَشْيةً مِن التَّسرُّعِ إلى الطَّعْنِ في حِفْظِ الرَّاوِي، فيَقعُ في مَغبَّةِ تَكذيبِ سُنَّةٍ مِن سُنَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
ذلك كلُّه بُغيةَ الإبْقَاءِ على صَفاءِ الشَّرِيعَةِ، بصِيانَةِ مَصادرِها من وُقوعِ التَّحريفِ فيها، أو تَطرُّقِ احتِمَالِ الزِّيَادَةِ والنُّقصَانِ على مَضامِينِها، امتِثَالاً لخَبرِ اللهِ تعالى الذي لا يحتَمِلُ الخُلْفَ: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ(497) ﴾ .
وحيثُ إنَّ الرِّوايَةَ لهَا طَرفَانِ، فقد اقتَضَتْ طَبِيعَةُ المَبحَثِ أنْ يتَضمَّنَ ثَلاثَةَ مَطالِبَ، هي:
المَطلبُ الأوَّل: مُرَاعَاةُ جَانبِ الرُّواةِ.
المَطلبُ الثَّاني: مُرَاعَاةُ جَانبِ الرِّوَايَةِ.
المَطلَبُ الثَّالِثُ: مُرَاعَاةُ جَانبِ المُتلَقِّي.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الأول مراعاة جانب الرواة
بلغَ مِن حِفْظِ اللهِ تعالى لسُنَّةِ نَبيِّه صلى الله عليه وسلم ورِعايَتِه لها أنْ نَصَبَ لها أئمَّةً أعْلامًا، وجَهابِذةً نُقَّادًا، قيَّدُوا شَوارِدَها، وجَمعُوا فَرائدَها بكلِّ دقَّةٍ وأمَانةٍ، حتى تمَّتِ الهِدَايةُ باتِّصالِ الرِّوايَةِ، وكَمُلَت العِنَايةُ ببُلوغِ الغَايةِ مِن الدِّرايَةِ. عن يَحيَى بن يَمانٍ (ت 189 هـ) رحمه الله(498) قالَ: «إنَّ لهذا الحَديثِ رِجَالاً خَلقَهم اللهُ تعالى منذُ يَومَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ»(499) .
التَّثبُّتُ في الأخْذِ بالحَديثِ:
عن عَمرِو بن قَيْسٍ (ت 140 هـ) رحمه الله(500) قال: «ينبَغي لصَاحبِ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 241الحَديثِ أنْ يكونَ مِثْلَ الصَّيرَفيِّ الذي ينتَقِدُ الدَّراهِمَ، فإنَّ الدَّرَاهِمَ فيهَا الزَّائِفُ
والبَهْرَجُ، وكذلك الحَديثُ(501) .
لم يكنْ خَافِيًا على أحَدٍ تَثبُّتُ عليٍّ رضي الله عنه في قَبُولِ الرِّوايَةِ، فقَد كانَ إمَامًا عَالِمًا مُتحرِّيًا في الأخْذِ، بحيثُ إنَّه كانَ يستَحلِفُ الرَّاوِي إذَا حدَّثَه للاستِيثَاقِ مِن صِدْقِه فَضْلاً عن جُودَةِ عَقْلِه وفِقْهِه، إلا الصِّدِّيقَ أبَا بكرٍ رضي الله عنه ، كانَ يَقْبلُ مَرويَّاتِه بمُجرَّدِ أنْ يسمَعَها منه.
يقولُ عليٌّ رضي الله عنه : «كنتُ إذا سَمِعْتُ من رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا؛ نَفعَني اللهُ بمَا شَاءَ أنْ يَنفَعنِي منه. وكانَ إذَا حدَّثنِي عنه غَيرُه استَحْلَفْتُه، فإذا حَلَفَ صَدَّقْتُه. وحدَّثني أبو بكرٍ رضي الله عنه ، وصَدَقَ أبو بكرٍ رضي الله عنه(502)(503) )( .
يُستَفادُ مِن هذا الأثَرِ:
بِرُّ عليٍّ بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. استِفَادَةُ عليٍّ من الصِّدِّيقِ رضي الله عنهما صَلاةَ التَّوبَةِ. عليٌّ رضي الله عنه من فُقهاءِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم وليسَ أعلمَهم. ظهورُ فَضْلِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
على غَيرِه من الصَّحابةِ رضي الله عنهم رِوَايَةُ الأقْرَانِ عن بَعضِهم: عليٌّ عن أبِي بَكرٍ رضي الله عنهما.
هَلْ وَقَعَ الكَذِبُ مِن الصَّحابَةِ؟!
هذا المَسْلَكُ الاحتِيَاطِيُّ لا يَدلُّ البتَّةَ على أنَّ عليًّا رضي الله عنه كانَ يظنُّ جَريَانَ الكَذِبِ على واحدٍ من صَحابةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، وإنْ كانَت عِبارَتُه من العُمومِ بحيثُ تَشْمَلُ الصَّحابةَ كلَّهم، بلْ هو أرفَعُ من ذلك، وأجَلُّ قَدْرًا «مِن أنْ يتوقَّعَ الكَذِبَ من الصَّحابةِ جَمِيعًا بلا استِثْنَاءٍ، بمَا فيهم المُهاجرُونَ الأوَّلُونَ وأهلُ العَقَبَةِ. لكنَّه التَّوثُّقُ والتَّثبُّتُ، ودَعْوَةُ الرَّاوِي إلى الإتْقَانِ»(504) . فإنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم مَا كانُوا يَكذِبونَ، ولا عَرَفُوا الكَذِبَ في حَياتِهم، بَلْ «كانَ الصَّحابيُّ إذا سَمِعَ مِن صَحابيٍّ آخرَ حَدِيثًا صَدَّقَ به، ولم يُخالِجْه الشَّكُّ في صِدْقِه، وأسْندَه إلى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم كمَا لو كانَ سَمِعَه بنَفْسِه»(505) .
وإلا فهَلْ كانَ ثمَّةَ مِن كذَّابٍ يستَطِيعُ إخْفاءَ نَفْسِه زَمَنَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم دُونَ أنْ يَفضَحَه ويُجدِّدَ له تَوبتَه؟! تقولُ السَّيِّدةُ عائشةُ رضي الله عنها: «مَا كانَ خُلُقٌ أبْغَضَ إلى أصحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من الكَذبِ. ولقَد كانَ الرَّجُلُ يَكذِبُ عندَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الكِذْبةَ، فمَا يَزالُ في نَفْسِه عليه حتى يَعلمَ أنَّه قَد أحْدثَ منها تَوْبةً»(506) .
ثمَّ إنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 243قد رَوَى بَعضُهم عن بَعضٍ، ولمْ يُحلِّفْ بَعضُهم بَعضًا. وسَمِعَ عليٌّ رضي الله عنه من عمرَ رضي الله عنه ولمْ يستَحلِفْه، وجَاءَت عنه رِوَايةٌ عن المِقدَادِ، وأخرَى عن عمَّارٍ (ت 37 هـ)، ورِوايَةٌ عن فَاطِمةَ الزَّهراءِ، وليسَ في شَيءٍ مِن طُرقِهم أنَّه استَحلَفَهم(507)
فلا الصَّحابةُ كَذَبُوا، ولا كَذَّبَ عليٌّ رضي الله عنه أحَدًا منهم. ولكنَّها رِسَالةٌ إلى مَن بعدَهم أنْ يكونُوا مِثْلَهم، ويتَأسَّوا بسِيرَتِهم، ويقتَدُوا بمَا تحلَّوا به من دِقَّةٍ في الرِّوايةِ، ليسَ إلا.
فأينَ الذينَ يدَّعونَ الانتِسابَ إلى عِصاميَّتِه مِن هذا المَنهجِ القَويمِ في التَّثبُّتِ والتَّبيُّنِ والاحتِيَاطِ لجَنابِ السُّنَّةِ المُطهَّرةِ؟ وهو القَائِلُ في الذَّودِ عنِ الرَّاوِي العَدْلِ: «ليسَ مِن العَدْلِ القَضَاءُ على الثِّقَةِ بالظَّنِّ»(508) .
الالتِزَامُ بالإسْنَادِ:
بدَأ الاهتِمَامُ بإسْنَادِ الرِّوَايةِ إلى قَائلِها منذُ البِدَايةِ الأولى، يومَ أنْ نَزَلَ أمِينُ وَحْيِ السَّماءِ على أمِينِ أهلِ الأرضِ صلى الله عليه وسلم بالرِّسَالَةِ الخَاتِمَةِ، قالَ ابنُ سِيرِين (ت 110 هـ) رحمه الله: «إنَّ هذا العلمَ دِينٌ، فانْظُرُوا عمَّن تأخذُونَ دِينَكم»(509) .
وعليٌّ رضي الله عنه بدَورِه ينهجُ هذا
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 244النَّهجَ الرَّصِينَ. بَدَا هذا جَلِيًّا في تَحدِيثِه للبَراءِ بنِ عَازبٍ رضي الله عنه «أنَّ فَاطِمةَ أخْبرَتْه أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أمَرَها أنْ تحلَّ(510)
وفي المِثَالِ السَّابقِ أنَّ عليًّا رضي الله عنه قالَ: «كنتُ إذا سَمِعْتُ من رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا؛ نَفعَني اللهُ بمَا شَاءَ أنْ يَنفَعنِي منه. وكانَ إذَا حدَّثنِي عنه غَيرُه استَحْلَفتُه، فإذا حَلَفَ صَدَّقْتُه. وحدَّثني أبو بكرٍ رضي الله عنه ، وصَدَقَ أبو بكرٍ رضي الله عنه . قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقولُ: الحديث(511) .
فالتِزَامُه بذِكْرِ الإسْنَادِ عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حِينًا، وتَعلِيقِ الحَديثِ عنه أحيَانًا أخرَى، دَلِيلٌ وَاضِحٌ أنَّ عليًّا رضي الله عنه كانَ يتَعمَّدُ إيرَادَ السَّنَدِ ليُبرهِنَ على أهمِّيَّتِه في المُحافَظةِ عَمليًّا على السُّنَّةِ النَّبويَّةِ. وأنَّه مَا أسْقَطَ الإسْنَادَ إذْ أسْقَطَه إلا لمَعرِفَتِه – يَقِينًا- بعَدَالَةِ الصَّحابةِ.
نعَم، مَا كانَ الصَّحابةُ رضي الله عنهم يتشدَّدُونَ في ذِكْرِ السَّنَدِ، ولكنَّ الرِّوَايةَ به كانَت مُتوافِرةً، عن ابنِ سِيرِينَ رحمه الله قالَ: «لمْ يكونُوا يَسألُونَ عنِ الإسْنَادِ، فلمَّا وَقَعَتِ الفِتْنَةُ قالُوا: سَمُّوا لنا رِجَالَكم. فيُنْظَرُ إلى أهلِ السُّنَّةِ، فيُؤخَذُ حَدِيثُهم. ويُنْظَرُ إلى أهلِ البِدَعِ، فلا يُؤخَذُ حَدِيثُهم»(512) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الحَذَرُ مِن الكَذِبِ في الرِّوَايةِ:
كانَ عليٌّ رضي الله عنه كمَا الصَّحابةُ جَمِيعًا رضي الله عنهم يخشونَ أنْ يَقعُوا في الكَذبِ، خاصَّةً على رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «إذا حدَّثْتُكم عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا، فلأنْ أَخِرَّ مِن السَّماءِ أحبُّ إليَّ مِن أنْ أقُولَ عليه مَا لمْ يَقُلْ»(513) . وكانَ يَخطُبُ في التَّحذيرِ مِن الكَذبِ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، إذْ هو أحَدُ الرُّوَاةِ لقَولِه صلى الله عليه وسلم: «لا تَكْذِبُوا عليَّ، فإنَّه مَن يَكذِبْ عليَّ مُتعمِّدًا يَلِجِ النَّارَ»(514) .
ويتَوعَّدُ على ذلك بالحَدِّ، على مَا سيَأتِي.
هذا كلُّه لئلا يَقعُوا في تَشريعِ مَا لمْ يأذَنْ به اللهُ تعالى ، فيُحِلُّوا حَرَامًا، أو يُحرِّمُوا حَلالاً! وهم يَظنُّونَ أنَّهم يُحسِنونَ صُنْعًا! قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : «إنَّ كَذِبًا عليَّ ليسَ ككَذبٍ على أحَدٍ. فمَن كَذبَ عليَّ مُتعمِّدًا فليتبوَّأ مَقعدَه مِن النَّارِ»(515) .
فالكَذِبُ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أعْظَمُ أنوَاعِ الكَذبِ، لكَونِه يُؤدِّي إلى هَدْمِ قَواعدِ الدِّينِ، وإفْسَادِ الشَّريعَةِ، وإبْطَالِ الأحْكَامِ. وأثَرُه عَامٌّ على الأمَّةِ، فإثْمُه أكْبَرُ، وعِقَابُه أشَدُّ، عِياذًا باللهِ.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
تَتبُّعُ الكَذَبةِ والإجْهَازُ عليهم:
أرَادَ عليٌّ رضي الله عنه أنْ يَحُدَّ مِن نَشاطِ الوَضَّاعِينَ والكَذَّابِينَ، ويَقضِي على آثَارِهم السَّيِّئَةِ، فأخذَ يتتَبَّعُهم حيثُ يتَواجَدُونَ. وحَدَثَ أنْ ظَهرَت بِدْعَةُ القصَّاصِ، وفَشَتْ مَجالِسُ القَصَّاصِينَ والوُعَّاظِ في أوَاخرِ العَهْدِ بالخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ، ومعَ بِدَايَاتِ عَهْدِ عليٍّ رضي الله عنه ، على أثَرِ مَقْتَلِ الشَّهيدِ عُثمانَ رضي الله عنه . عنِ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: «إنَّه لمْ يُقَصَّ على عَهْدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولا عَهْدِ أبِي بكرٍ، ولا عُمرَ، ولا عُثمانَ رضي الله عنهم ، وإنَّما قُصَّ حيثُ وَقَعَتِ الفِتْنَةُ»(516) .
ثمَّ كَثُرَت هذه المَجَالِسُ فيمَا بعدُ في مُختَلفِ المَساجدِ في الأقْطَارِ الإسْلاميَّةِ، لرِقَّةٍ في الدِّينِ شَابَتِ المُجتَمعَ، فأحدَثَت فَرَاغًا عندَ كَثيرٍ من أبنَائِه، فكانَ لا بُدَّ مِن أنْ يملَؤوه بمَا يَدْفَعُ عنهم السَّآمةَ! ويُشعِرُهم وكأنَّهم يَعِيشُونَ مَجْدًا من المِثاليَّاتِ!
ولمَّا كانَت مِثْلُ هذه المَجالسِ لا ضَوابِطَ شَرعيَّةً لها، وتُشكِّلُ مَقْبِضًا يَعمَلُ في جِسْمِ الأمَّةِ، يُخدِّرُ شَبابَها، ويُسْكِرُ أهلَ شَيْبَتِها... انصَرَفَ عليٌّ رضي الله عنه إليهَا يُقلِّمُ أظْفَارَها، خَشيةَ أنْ تُصْبِحَ حَالةً، فتُشكِّلَ خَطَرًا مُحدِقًا على وَاحدٍ من مَواردِ الفِقْهِ الإسْلاميِّ.
والقُصَّاصُ هم الوُعَّاظُ الذين يَعقِدُونَ مَجالِسَ للوَعْظِ تُضَاهِي تلك
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 247التي يُقِيمُها العُلمَاءُ لهِدَايَةِ النَّاسِ وتَرْبيَتِهم، يَعظُونَ فيها بالحِكَايَاتِ والإسْرائيليَّاتِ ونَحوِها، ممَّا لا أصْلَ له أو مَوضُوعٌ، أو ممَّا لا تُدرِكُه عُقولُ العَامَّةِ!!!
أمَامَ هذا الوَاقعِ المُريعِ الذي يُهدِّدُ فِكْرَ النَّاسِ، ويُشوِّشُ عليهم صَفاءَ عَقيدَتِهم وشَريعَتِهم كانَ لا بُدَّ من عليٍّ رضي الله عنه أن يَمنَعَهم، ويتَّخِذَ فيهم إجْراءَاتٍ قَاسِيةً.
هذا، ولمَّا كانَ في القَصِّ نَوْعٌ مَن الوَعْظِ، ورَبْطِ قُلوبِ النَّاسِ بالآخِرَةِ، وتَرغيبِهم وتَرهيبِهم، بالتَّحوُّلِ بهم عن مُعايَشَةِ البُعْدِ الأوَّلِ الذي يَحيَوْنَ فيه، إلى مُعايَنَةِ البُعْدِ الآخَرِ الذي سيُقِيمُونَ فيه أبدًا... حَاوَلَ عليٌّ رضي الله عنه تَرشِيدَ مَجالسِ القُصَّاصِ، وإعَادةَ بَرمَجَتِها، لتَقُومَ بدَوْرٍ مُكمِّلٍ لدَورِ الفُقهَاءِ والعُلماءِ.
فكانَ يتَفقَّدُهم حيثُ يَنزِلُونَ، ويزُورُهم أينمَا يَعقِدُونَ مَجالِسَهم، فيأذَنُ لمَن تمكَّنَ منهم من العِلْمِ الشَّرعيِّ أنْ يقصَّ على مُريدِيه. وربَّما تَحرَّى عنهم، أو امتَحنَهم؛ كأنْ يسألَهم ليتَبيَّنَ ما عندَهم من الفِقْهِ
PDF 248في الدِّينِ.
خرجَ عليٌّ رضي الله عنه إلى سُوقِ الكُوفَةِ ومعَه الدِّرَّةُ، وهو يقولُ: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ، خُذُوا الحَقَّ وأعْطُوا الحَقَّ تَسْلَمُوا. لا تَردُّوا قَلِيلَ الرِّبْحِ فتُحرَمُوا كَثِيرَه». حتى انتَهَى إلى قَاصٍّ(517) يقصُّ. فوقفَ عليه، فقالَ: «أيُّها القاصُّ، تقصُّ ونحن حَدِيثُو عَهْدٍ برَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم! أمَا إنِّي أسْألُك عن مَسألَتينِ، فإنْ تَخرُجْ عمَّا سَألْتُكَ، وإلا أدَّبْتُك (وفي رِوَايةٍ: فإنْ أصَبْتَ وإلا أوجَعتُكَ ضَرْبًا) بهذه الدِّرَّةِ»!
قالَ القَاصُّ: سَلْ، يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ عمَّا شِئْتَ.
فقالَ عليٌّ رضي الله عنه : مَا ثَباتُ الدِّينِ، ومَا زَوالُه؟ فقالَ القاصُّ: ثَباتُ الإيمَانِ الوَرَعُ، وزَوَالُه الطَّمَعُ.
قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «أحسَنتَ، قُصَّ فمِثلُك مَن يقصُّ»(518) .
فلمْ يُرْهِبْه ولا أرْعَبَه، ولا حَجَرَ على حُرِّيَّتِه الفِكْريَّةِ مَا إنْ وَثِقَ بمَا لديه مِن العلمِ، بلْ أمرَه بالقِيَامِ على هذه الوَظِيفَةِ، ومَدَحَه على شُغْلِه، كي يَحُثَّه على الاضْطِلاعِ بوَاجبِ الدَّعوَةِ إلى اللهِ على بَصِيرَةٍ.
إقَامَةُ الحَدِّ على مَن كَذَبَ في الرِّوايَةِ:
مِن تَوقيرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وصِدْقِ مَحبَّتِه دَفْعُ الكَذبِ عنه، والتَّندِيدُ بمَن يَهُمُّ به، وإنزالُ أشَدِّ العُقوبَاتِ في حَقِّه. فإنَّ المُفتَرِيَ على رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُتعمِّدٌ لتَشوِيه الإسْلامِ دِينِ اللهِ الذي ارتَضَاه للعبَادِ، وقَلْبِ مَعالمِه بالكَذبِ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ووَضْعِ الأحَاديثِ على لِسَانِه!
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فلمْ يَجِدْ عليٌّ رضي الله عنه بُدًّا مِن مُلاحقَةِ مَن هذه صَنعتُه، وتَقديمِ رَقَبَتِه ليَقتصَّ منه، رَدْعًا لشرِّه، وكفًّا لأذيَّته، يقولُ: «مَن كَذَبَ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يُضرَبْ عُنُقُه»(519) .
المطلب الثاني مراعاة جانب الرواية
إحْسَانُ الظَّنِّ بالحَديثِ:
لا زَالَ عليٌّ رضي الله عنه يَدعُو رَعِيَّتَه وأهلَ دَوْلَتِه إلى إحسانِ الظَّنِّ بحَديثِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ويحثُّهم على أنْ يُفسِّرُوا سُنَّةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بمَا هو ألْيَقُ بكَمَالِ هَدْيِه صلى الله عليه وسلم وأنْسَبُ بعَظِيمِ حَقِّه وتَقْوَاه. فيقولُ: «إذا حُدِّثْتُم عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بحَدِيثٍ، فظُنُّوا به الذي هو أهْدَى، والذي هو أتْقَى، والذي هو أهْيَأ»(520) .
يَكمنُ السِّرُّ وَراءَ الدَّافِعِ له على حِرْصِه هذا في أنْ لا يُكذِّبَ أحَدٌ سُنَّةً مِن سُنَنِ الإسْلامِ عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
التَّحذِيرُ مِن مُعارَضةِ السُّنَّةِ:
لطَالمَا كانَ عليٌّ رضي الله عنه يُحذِّرُ طُلابَ العلمِ وجَماعةَ العُلماءِ مِن
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 250التَّطفُّلِ على مَائدةِ السُّنَّةِ، لئلا تُضرَبَ لها أنواعٌ من الأقْيِسَةِ غَيرِ السَّديدَةِ، والآرَاءِ الكَاسِدَةِ، فيُعارِضُونها بنَوعٍ من الاجتِهَادِ، يعتَمِدُونَ فيه على مَحْضِ عُقولِهم قِيَاسًا أو استِحسَانًا في مَعرِضِ وُرودِ الحَديثِ.
لذا كانَ يُنبِّهُ الأمَّةَ من خُطورَةِ السَّيْرِ خَلْفَ الرَّأيِ الذَّميمِ، المُجرَّدِ عن الدَّليلِ. فيقولُ في هذا الإطَارِ كمِثَالٍ فَرعيٍّ يُمكِنُنا أنْ نُؤسِّسَ عليه هذه القَاعِدةَ: «لو كانَ الدِّينُ بالرَّأيِ؛ لكانَ أسْفَلُ الخُفِّ أوْلَى بالمَسْحِ مِن أعلاه»(521) . ولكنَّه الشَّرْعُ الحَنِيفُ الذي تَجسَّدَ في يَومٍ من الأيَّامِ بشَخْصِ عليِّ بنِ أبي طَالبٍ رضي الله عنه ، فحوَّله إلى مَنهجِ حَياةٍ في دُنيَا النَّاسِ، يقول: «ليسَ الدِّينُ بالرَّأيِ، إنَّما هو اتِّبَاعٌ»(522) .
يقولُ الدَّهلَويُّ (ت 1176 هـ) رحمه الله: «لمَّا كانَ المَسْحُ إبْقاءً لنَمُوذجِ الغَسْلِ، لا يُرَادُ منه إلا ذلك، وكانَ الأسْفَلُ منه مَظِنةً لتَلوِيثِ الخُفِّ عندَ المَشْيِ على الأرضِ، كانَ المَسْحُ على ظَاهرِهما دُونَ بَاطنِهما مَعقُولاً مُوافِقًا بالرَّأيِ.
وكانَ رضي الله عنه مِن أعلمِ النَّاسِ بعلمِ مَعانِي الشَّرائعِ، كمَا يَظهرُ مِن كَلامِه وخُطَبِه، لكنْ أرادَ أن يَسُدَّ مَدْخلَ الرَّأيِ، لئلا يُفسِدَ العَامَّةُ على أنفُسِهم دِينَهم»(523) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
التَّحذِيرُ مِن الابتِدَاعِ في الدِّينِ:
سَبَقَ أنْ أشَرْتُ إلى جَلَدِ عليٍّ رضي الله عنه في نَشْرِ السُّنَّةِ وتَعلِيمِها، ودَعْوَةِ الأمَّةِ إلى الاتِّبَاعِ. وهو في الجِهَةِ المُقابِلَةِ يُحذِّرُهم مِن الابْتِدَاعِ في الدِّينِ. ليُحقِّقَ بنَشَاطِه هذا مَعْنَى الكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ والعُروَةِ الوُثقَى: «لا إلَه إلا اللهُ، محمَّدٌ رَسُولُ اللهِ»، وهي تَشْمَلُ بفَرْعَيها: تَوحِيدَ اللهِ تعالى بالعِبَادَةِ، وإفْرَادَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بالاتِّبَاعِ.
لمْ تَشْغَلْه الفِتَنُ عن دَعوَةِ أصْحَابِه إلى كلِّ خَيرٍ، ونَهيِهم عن أيِّ شَرٍّ، فكانَ يخطبُ ويُرشِدُ النَّاسَ ويقولُ: «إنَّ عَوازِمَ الأمُورِ أفْضَلُها، وإنَّ مُحدَثاتِها شِرارُها، وكُلَّ مُحدَثةٍ بِدْعَةٌ، وكُلَّ مُحدِثٍ مُبتَدِعٌ، ومَن ابتَدَعَ فقَد ضيَّعَ. ومَا أحْدَثَ مُحدِثٌ بِدْعةً إلا تَرَكَ بها سُنَّةً»(524) .
تَصحِيحُ النَّقْلِ عن صَاحبِ الرِّسَالَةِ صلى الله عليه وسلم :
لمْ يكنْ ليَمنَعَه استِرسالُه في القَضاءِ، والنَّظَرُ في مَظالمِ العِبَادِ مِن أنْ يُصحِّحَ خَطأً سَمِعَتْه أذُنَاه، أو رَأتْه عَينَاه، خَشْيةَ أنْ يُحمَلَ المَعنَى على غَيرِ وَجهِه الصَّحيحِ، أو تُتْلا آيَةٌ أو تُروَى كَلمَةٌ على غَيرِ مَا أنزلَ اللهُ، أو حدَّثَ به رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ممَّا ثَبَتَ عندَه!
لذا عَمَدَ عليٌّ رضي الله عنه إلى تَصْحيحِ النَّقْلِ إذا أخْطَأ الرَّاوِي، وإيضَاحِ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 252وَجْهِ الحَقِّ والصَّوابِ إذا رَوَى بالمَعنَى وهو يظنُّ أنَّ رِوايتَه تُؤدِّي المَقصدَ نَفْسَه الذي حَوَاه نَظْمُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم الذي أوتِيَ جَوامِعَ الكَلِمِ! لئلا يَحدُثَ خَلَلٌ في القَصْدِ الذي أوْمَأ إليه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
تَصْحِيحُ تِلاوَةِ وَلَدَيْه:
عن أبِي عَبدِ الرَّحمنِ السُّلَميِّ (ت 73 هـ)(525) قالَ: «قَرَأ عليَّ الحَسنُ والحُسينُ رضي الله عنهما، فقَرآ: «وأرْجُلِكُم –بالخَفْضِ- إلى الكَعبَينِ». فسَمِعَ عليٌّ رضي الله عنه ذلك –وكانَ يَقضِي بينَ النَّاسِ- فقالَ: ﴿ بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى(526) ﴾ ، هذا مِن المُقدَّمِ والمُؤخَّرِ مِن الكَلامِ»(527) .
تَصحِيحُ رِوايَةِ الحَدِيثِ:
من ذلك أيضًا أنَّ عُقْبةَ بنَ عَمرٍو الأنصاريَّ (ت 40 هـ) رضي الله عنه(528) دَخَلَ على مَجلسِ عليٍّ رضي الله عنه ، فقالَ له عليٌّ رضي الله عنه : يَا فروخُ، أنتَ القَائِلُ: لا يَأتِي على النَّاسِ مِئَةُ سَنَةٍ وعلى الأرضِ عَينٌ تَطْرُفُ؟ أخطأت اسْتُكَ الحُفرةَ!
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
إنَّما قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لا يَأتِي على النَّاسِ مِئةُ سَنةٍ وعلى الأرضِ عَينٌ تطرفُ ممَّن هو حَيٌّ اليَوْمَ» .
واللهِ إنَّ رَخَاءَ هذه الأمَّةِ وفَرَجَها بعدَ مِئةِ عامٍ (وفي رواية: أخطَأت اسْتُك الحُفرةَ، وأخْطَأتَ في أوَّلِ فتياك! إنَّما قالَ ذاك لمَن حَضرَه يَومئذٍ. هلِ الرَّخاءُ إلا بعدَ المئةِ؟)(529) .
تِلْكُم هي طَرِيقَةُ عليٍّ رضي الله عنه ومَنهجُه في المُحَافظَةِ على سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، خَشيةَ الوُقوعِ في الخَطَأ، أو تَسرُّبِ الدَّسِّ إليها مِن الجُهلاءِ وأصْحَابِ الأهْوَاءِ، أو أنْ تُحملَ بَعضُ الأحَاديثِ على غَيرِ وَجْهِ الحَقِّ والصَّوَابِ، فيَتصَوَّرُونَ حُكْمًا على خِلافِ المَنصُوصِ عليه، أو يكونُ مُخالِفًا لرُوحِ الشَّرِيعَةِ ونُصُوصِها العَامَّةِ.
المطلب الثالث مراعاة جانب المتلقي
مُراعَاةُ أحْوَالِ المُخاطَبِينَ:
لاحَظَ عليٌّ رضي الله عنه بدِقَّةٍ مُتنَاهِيَةٍ أحْوَالَ طُلابِه، كمَا رَاعَى هذا
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 254الجَانِبَ في عُمومِ الأمَّةِ، فكانَ لا يُحدِّثُهم إلا بمَا يتَناسَبُ ومَدارِكَهم العَقليَّةَ. لا يقتَصِرُ على مُجرَّدِ البَلاغِ، بلْ يَشرَحُ الأحَادِيثَ لهم، ويَربِطُها بأسبابِ وُرودِها. كلُّ ذلك ليُحافِظَ على السُّنَّةِ بصَفائِها، ويَبتَعِدَ بالمُسلِمينَ عن التَّلبُّسِ بأسبابِ تَكذِيبِها، وذلك:
كمَن يُحدِّثُ النَّاسَ بمَا لا تُدرِكُه عُقولُهم، فيَقعُون في مَا لا تُحمَدُ عُقبَاه مِن مَحظُورِ هذا الصَّنيعِ الآثِمِ، ألا وهو فَتْحُ بَابِ شَرٍّ يكونُ سَببًا في شِقَاقِ المُسلِمينَ، وبُزوغِ قَرْنِ الشَّيطانِ. يقولُ: «حَدِّثُوا النَّاسَ بمَا يَعرِفُون(530) ، [ودَعُوا مَا يُنكِرونَ(531) ]. أتُحِبُّونَ أنْ يُكذَّبَ اللهُ ورَسُولُه صلى الله عليه وسلم؟!»(532) .
«لأنَّ الشَّخْصَ إذا سَمِعَ مَا لا يَفْهمُه ومَا لا يتَصوَّرُ إمْكانَه، يعتَقِدُ استِحالتَه –جَهْلاً-، فلا يُصدِّقُ وُجُودَه، فإذا أسْنِدَ إلى اللهِ ورَسُولِه يَلْزَمُ تَكذِيبُهما»(533) . يَشهَدُ لهذا الفَهْمِ قولُ ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه : «مَا أنتَ بمُحدِّثٍ قَومًا حَدِيثًا لا تَبلُغُه عُقولُهم إلا كانَ لبَعضِهم فِتنةً»(534) .
إذًا، ينبَغي على العَالِمِ والمُدرِّسِ... إلخ «أنْ يُكلِّمَ كلَّ طَالبٍ
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 255على قَدْرِ فَهْمِه وعَقْلِه، فيُجِيبُه بمَا يَحتَمِلُه حَالُه»(535)
فالأثَرُ يدلُّ على فقهِ عليٍّ رضي الله عنه ، وعُمْقِ تَفكيرِه، وبُعْدِ نَظَرِه، وأنَّه لا يَجُوزُ التَّحدِيثُ بالمُتشابِه في مَحضرٍ من عامَّةِ النَّاسِ، ممَّن لا يُحسِنونَ فَهمَه على الوَجْهِ الصَّحيحِ. قالَ ابنُ حجرٍ رحمه الله: «فيه دَلِيلٌ على أنَّ المُتشابِهَ لا ينبَغِي أنْ يُذكرَ عند العَامَّةِ. (...) وضَابِطُ ذلك: أنْ يكونَ ظَاهِرُ الحَديثِ يُقوِّي البِدْعةَ، وظَاهِرُه في الأصْلِ غَيرُ مُرادٍ، فالإمسَاكُ عنه –عندَ مَن يَخشَى عليه الأخْذُ بظَاهرِه- مَطلُوبٌ»(536) .
أو كالَّذي يتتَبَّعُ المُنكَرَ والشَّاذَّ مِن الحَديثِ، ممَّا مِن شَأنِه أنْ يُوقِعَ النَّاسَ في حَيْصَ بَيْصَ مِن أمْرِ دِينِهم، ويَفْتِنَهم في خَالقِهم.
فالحَدِيثُ عن عليٍّ رضي الله عنه أصْلٌ من أصُولِ العلمِ، اعتَمدَه العُلماءُ وبنوا عليه، قالَ الذهبيُّ رحمه الله: «فقَد زَجَرَ الإمَامُ رضي الله عنه عن رِوايَةِ المُنكَرِ، وحَثَّ على التَّحديثِ بالمَشهُورِ. وهذا أصْلٌ كَبِيرٌ في الكَفِّ عن بَثِّ الأشْيَاءِ الوَاهيَةِ والمُنكَرةِ مِن الأحَاديثِ في الفَضائلِ والعَقائدِ والرَّقائقِ»(537) .
الحَدِيثُ لمَن هو أهْلٌ له:
بالإضَافةِ إلى مَا تَقدَّمَ ذِكْرُه مِن حِرْصِ عليٍّ رضي الله عنه على مُراعَاةِ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 256الفَوارقِ الفَرديَّةِ لطُلابِ حَلقاتِه العِلْميَّةِ، رَاعَى عليٌّ رضي الله عنه في الوَقتِ نَفسِه أنْ لا يَنشُرَ حَدِيثَه إلا بينَ أهلِه وطُلابِه، ويَرْفعَه عن السُّوقَةِ ورِعَاعِ النَّاسِ. فالفِتَنُ كَثُرَت في زَمانِه، وتلبَّسَ بها جَمْعٌ غَفِيرٌ مِن حَاضرِي الخِلافَةِ، ممَّا أدَّت إلى زَعزَعةِ الثِّقَةِ في أكثَرِهم.
فكانَ حَرِيصًا على انتِقَاءِ مَن يَجعلُه خِزَانةَ عِلْمِه ومُستَودعَ فِقْهِه، وكانَ يتَحسَّرُ في بَعضِ الأحيَانِ على نُدْرَةِ هؤلاءِ مِن بينِ عُمومِ المَلأ، فيقولُ: «إنَّ هَهنا –وأشارَ إلى صَدرِه- لَعِلمًا جَمًّا، لو أصَبْتُ له حَمَلَةً، بلى أصَبْتُ لَقِنًا غيرَ مَأمُونٍ«(538) ، أي: فَهِمًا غيرَ ثِقَةٍ(539) .
بِنَاءً على مَا تَقدَّمَ مِن بَيَانِ جُهودِ عليٍّ رضي الله عنه المَبذُولَةِ في المُحافَظةِ على السُّنَّةِ النَّبويَّةِ، بنَشرِها صَافِيةً نَقيَّةً، ودَرْءِ مَا عَلِقَ بها. وبِنَاءً على سِيرَتِه في الدَّعْوَةِ إلى الاتِّبَاعِ والتَّحذِيرِ مِن الابْتِدَاعِ... إلخ. لَعلِّي لَسْتُ مُجَانِبًا للصَّوابِ إنِ ادَّعَيْتُ أنَّ عَليًّا رضي الله عنه قَد أعْطَى مَقامَ الوَحْيِ حَقَّه، وأنَّه عَمِلَ على إيضَاحِ مَعالِمِه، وتَبلِيغِ أحْكَامِه، بلِسَانِ حَالِه ومَقَالِه.
** *
المبحث الرابع نماذج تطبيقية في اعتماد السنة
هذه جُملَةٌ مِن المَسائلِ الفِقهيَّةِ لا أقْصِدُ بهَا الاستِيعابَ، بلِ التَّمثِيلَ فقط لمَا تَقرَّرَ سَابِقًا من أنَّ عليًّا رضي الله عنه اتَّخذَ مِن السُّنَّةِ مَصدَرًا لأحْكَامِه.
نَظَمْتُهَا في مَطلَبينِ، هما:
المَطلبُ الأوَّل: في فِقْهِ العِبَادَاتِ.
المَطلبُ الثَّاني: في فِقْهِ الحُدودِ والجِنَايَاتِ.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الأول في فقه العبادات
الطَّهارَةُ: المُتوضِّئُ يَنامُ جَالِسًا:
النَّومُ مَظِنَّةُ خُروجِ الحَدَثِ، لذا عدَّه عليٌّ رضي الله عنه وَاحِدًا مِن نَواقضِ الوُضوءِ، مُفرِّقًا بينَ مَا إذَا كانَ النَّائمُ جَالِسًا، فهو بمَأمَنٍ مِن عَدَمِ التَّنبُّهِ إذَا خَرَجَ منه شَيءٌ. وبينَ مَن نَامَ على غَيرِ هَيئَةِ المُتَمكِّنِ؛ كأنْ يَنامَ مُستلْقِيًا على الأرضِ، فهو على هَيئَةٍ تَحولُ دُونَ أن يتفطَّنَ مَا إنْ لو خَرَجَ منه شَيءٌ!
قالَ في الرَّجُلِ ينامُ جَالِسًا: «ليسَ عليه وُضُوءٌ»(540) . مُعتَمِدًا في إصْدَارِ هذا الحُكْمِ على ِروَايَتِهِ عَنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «العَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ(541) ، فمَن نَامَ فليتَوضَّأ»(542) .
معنى الحديث: أنَّ الإنسانَ مهْما كان مُسْتَيْقظًا كانت اسْتُه كالمشْدُودَةِ المَوْكِيِّ عليها، فإذا نامَ انحَلَّ وِكاؤُها. كَنَى بهذا اللَّفظِ عن الحَدَثِ وخُرُوجِ الرِّيحِ وهو من أحْسَنِ الكِنايَاتِ وألْطَفِها(543) . جَعلَ اليَقَظَة للاسْتِ كالوِكَاءِ للقِرْبَةِ، كمَا أنَّ الوِكَاءَ يَمْنعُ مَا في القِرْبَةِ أنْ يَخْرُجَ، كذلك اليَقظَةُ تَمْنَعُ الاسْتَ أنْ تُحْدِثَ إلا باخْتيَارٍ(544) .
مُباشَرةُ الحَائضِ:
يمتَنِعُ على الرَّجُلِ أنْ يُباشِرَ زَوجَه وهي حَائضٌ، يَحرمُ عليه أنْ يَأتِيَها ممَّا تحتَ الإزَارِ، وأجَازَ عليٌّ رضي الله عنه مَا سِوَى ذلك مِن فَوقِ السُّرَّةِ ودُونَ الرُّكبَتينِ، ليَقطَعَ على الشَّيطانَ حَبائلَه في الإيقَاعِ بالمُسلمِ فيمَا هو
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 259مُحرَّمٌ عليه من غِشْيَانِها بنَصِّ القُرآنِ.
سُئِلَ عليٌّ رضي الله عنه : مَا لكَ من امرَأتِك إذا كانَت حَائِضًا؟ قالَ: «مَا فوقَ الإزارِ»(545) .
دَلِيلُه في هذا الحُكْمِ: حَدِيثُ عَائِشةَ رضي الله عنها قالَت: «كانَت إحْدانَا إذَا كانَت حَائِضًا، أمَرَها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فتَأتَزِرُ بإزَارٍ، ثمَّ يُباشِرُها»(546) .
فأجَازَ مُباشَرتَها بالضَّمِّ والتَّقبِيلِ، وحرَّمَ الإيلاجَ، كمَا سَبقَ بَيانُه في بَحْثِ القُرآنِ(547) .
الرَّجلُ يُغسِّلُ زَوجَتَه المُتوَفَّاةَ:
يَرَى عليٌّ رضي الله عنه أنَّه يَجُوزُ للرَّجُلِ أنْ يُغَسِّلَ زَوْجَه بعدَ مَوتِها. وقَد أوْصَت فَاطِمةُ بنتُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم زَوجَةُ عليٍّ رضي الله عنه إنْ هي مَاتَت أنْ يتَولَّى زَوجُها تَغسِيلَها(548) .
وقَدِ اشتَهرَ هذا الفِعْلُ في الصَّحابةِ رضي الله عنهم فلمْ يُنْكِرُوه ولم يُعرَفْ له مُخالِفٌ، «فكانَ إجْمَاعًا»(549) بَلْ وَرَدَ مِثْلُ صَنِيعِه عن عَدَدٍ
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 260مِنهم رضي الله عنهم(550)
حُجَّةُ عليٍّ رضي الله عنه : قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لعَائِشةَ رضي الله عنها: «مَا ضَرَّكِ لو مِتِّ قَبلِي فغَسَّلْتُكِ، ثمَّ صَلَّيْتُ عليكِ ودَفَنْتُكِ»(551) .
الوَجْهُ مِن الحَديثِ: أنَّ الرَّجُلَ هو «أحَدُ الزَّوجَينِ، فأُبِيحَ له غَسْلُ صَاحبِه كالآخَرِ. والمَعنَى فيه: أنَّ كُلَّ وَاحدٍ مِن الزَّوجَينِ يَسْهُلُ عليه اطِّلاعُ الآخَرِ على عَورَتِه دُونَ غَيرِه؛ لمَا كانَ بينَهما في الحَياةِ. ويَأتِي بالغُسْلِ على أكْمَلِ مَا يُمكِنُه؛ لمَا بينَهما مِن المَودَّةِ والرَّحْمَةِ»(552) .
الحَجُّ:
قَتْلُ الفَواسقِ:
يَحْظُرُ على المُحْرمِ أنْ يَصِيدَ، وذلك بنَصِّ القُرآنِ، قال تعالى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ(553) ﴾ ، وقالَ تعالى: ﴿ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا(554) ﴾ . بيدَ أنَّه يَجُوزُ له قَتْلُ مَا يَخشَى منه لإيذَائِه، كالفَواسقِ الخَمْسَةِ إنْ وُجِدَت، ومنها: الغُرَابُ. قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «يَقْتلُ المُحرِمُ الغُرابَ»(555) .
دَلِيلُه: قولُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم:
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 261«خَمْسٌ فَواسِقُ يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ: -وعَدَّ منها:- الغُرَاب»(556)
النِّيابَةُ في الحَجِّ:
يقولُ اللهُ تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا(557) ﴾ .
مَن استَطاعَ أنْ يحجَّ بمَالِه ولمْ يستَطِعْ ببَدَنِه؛ لشَيخُوخَةٍ، أو مَرَضٍ، يجبُ عليه أنْ يُنِيبَ عنه غَيرَه عندَ عليٍّ رضي الله عنه(558) . وقَضَى في الشَّيْخِ الكَبيرِ: «يُجهِّزُ رَجُلاً بنَفقَتِه، فيحجُّ عنه»(559) .
دَلِيلُه: أنَّ امرأةً قالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أبي شَيْخٌ كَبِيرٌ، عليه فَرِيضَةُ اللهِ في الحَجِّ، وهو لا يستَطِيعُ أن يَستَوِيَ على ظَهرِ بَعيرِه! فقالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «فحُجِّي عنه»(560) .
هذا يدلُّ على أنَّ الاستِطَاعةَ بالمَالِ كَافِيةٌ لوُجوبِ الحَجِّ على المُكلَّفِ عندَ عليٍّ رضي الله عنه . أمَّا الاستِطَاعةُ بالبَدَنِ، فيَكفِي أنْ يستَطِيعَ بغَيرِه إذَا وُجِدَ، سَواءٌ أكانَ بمؤنةٍ، أم إجَارةٍ، أم غَيرِهما.
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
بناءً عليه، فالاستِطَاعةُ البَدنيَّةُ التي هي جُزْءٌ مِن عُمومِ الاستِطَاعةِ الوَارِدَةِ في آيَةِ الحَجِّ، ليسَت شَرطًا في المُكلَّفِ نَفْسِه، بلْ يُمكِنُ حُصولُ النِّيابَةِ فيها في حَالِ عَجَزَ صَاحِبُ الشَّأنِ جَسدِيًّا عن أدَاءِ فَريضَةِ الحَجِّ. وذلك أنَّ الاستِطَاعةَ على ثَلاثَةِ أقسَامٍ:
استِطَاعةٌ مَاليَّةٌ. واستِطَاعةٌ أمنِيَّةٌ. واستِطَاعةٌ بَدنِيَّةٌ.
فمتى تَحقَّقتِ الاستِطَاعةُ المَاليَّةُ، والأخْرَى الأمنِيَّةُ في حَقِّه؛ وَجَبَ عليه الحَجُّ، ولا تَحُولُ الشَّيخُوخَةُ أو العَجْزُ البَدنيُّ، لمَرَضٍ أو غَيرِه عن أدَاءِ هذه الفَرِيضَةِ.
إذًا، فمَن أصِيبَ بعِلَّةٍ لا يستَطِيعُ معَها الحَجَّ وله مَالٌ، وَجَبَ عليه أنْ يُرْسِلَ مَن يَحُجُّ عنه. وفي هذه الحَالِ، هلْ يُشتَرطُ فيمَن يَخرجُ ليَحجَّ عن غَيرِه أنْ يكونَ قَد سَبَقَ وحَجَّ عن نَفْسِه؟
مَذهَبُ عليٍّ رضي الله عنه : أنَّه لا بَأسَ أنْ يحجَّ الرَّجُلُ عن غَيرِه، ولمْ يحجَّ قط(561) .
المَلْحظُ الأصُولِيُّ في المَسألةِ:
رَبَطَ عليٌّ رضي الله عنه بينَ القِيَامِ بأدَاءِ الوَاجِبَاتِ وبينَ القُدْرَةِ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 263عليها، مُستَلهِمًا مِن ذلك أنَّ العَجْزَ رُخْصَةٌ في التَّخلُّفِ عنها. وهذا مَا سنَعملُ على تَوضِيحِه في المَبحثِ الخَاصِّ به.
المطلب الثاني في فقه الحدود والجنايات
عُقوبَةُ المُرتَدِّ:
انعَقدَ الإجْمَاعُ على أنَّ عُقوبةَ المُرتَدِّ القَتْلُ(562) ، وقَد كَثُرَ نَقْلُ ذلك عن عليٍّ رضي الله عنه قَولاً وعَمَلاً. وحُجَّتُه في قَتْلِه السَّمْعُ، والنَّظَرُ الصَّحِيحُ:
أمَّا مِن حيثُ النَّقْلُ، فقَد رَوَى ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ: «مَن بدَّلَ دِينَه فاقْتلُوه»(563) .
وأمَّا مِن حيثُ النَّظَرُ، فإنَّ في قَتْلِ المُرتَدِّ حِفْظًا للدِّينِ وأهْلِه. والمُحافَظةُ على الدِّينِ وَاحِدَةٌ مِن الضَّروريَّاتِ الخَمسةِ التي جاءَت الشَّريعةُ الخَاتِمةُ بالحِفَاظِ عليها.
قالَ ابنُ تيميةَ رحمه الله: «فإنَّه لوْ لمْ يُقتَلْ ذلك –يعني: المُرتدَّ- لكانَ الدَّاخِلُ في الدِّينِ يَخرجُ منه! فقَتْلُه حِفْظٌ لأهْلِ الدِّينِ والدِّينِ، فإنَّ ذلك يَمنَعُ مِن النَّقْصِ، ويَمنعُهم من الخُروجِ عنه»(564) فيَجِبُ أنْ تُقامَ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 264اللائِمَةُ الشَّدِيدَةُ على الخُروجِ مِن المِلَّةِ، وإلا لانفَتَحَ بَابُ هَتْكِ حُرْمَةِ المِلَّةِ(565)
وهذا يُبرهِنُ على حِرْص ِعليٍّ رضي الله عنه في تَنفِيذِ حُكْمِ اللهِ فيمَن يستَحِقُّه، وعلى اتِّبَاعِه لهَدْيِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في قَولِه: «لا يَحِلُّ دَمُ امرئٍ مُسلمٍ، يشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وأنِّي رَسُولُ اللهِ، إلا بإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي، والنَّفْسُ بالنَّفْسِ، والتَّارِكُ لدِينِه المُفارِقُ للجَماعةِ»(566) .
كَيفيَةُ القَتْلِ:
رَغْمَ أنَّ الإجماعَ انعقدَ على وُجوبِ قَتْلِ المُرتَدِّ، إلا أنَّ كَيفيَّةَ تَطبِيقِ هذا الحُكْمِ لمْ تُحدَّدْ. يَبدُو أنَّ الشَّارِعَ الحَكِيمَ تَرَكَ تبيَانَ هذه المَسألةِ لاجتِهادَاتِ الحَاكمِ ومَا يَرَاه مُناسِبًا في السِّياسَةِ الشَّرعيَّةِ، بِناءً على أنَّ عليًّا رضي الله عنه كانَ يَرَى القَتْلَ بالكَيفيَّةِ التي تُحقِّقُ الرَّدْعَ والمَصلَحةَ العَامَّةَ.
مِن هنا نَرَاه قد قَتَلَ مرَّةً بالسَّيْفِ، وأمَرَ به(567) ومَرَّةً بالوَطْءِ بالأقْدَامِ،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
والرَّكْلِ بالأرْجُلِ، فَعَلَه وتُوبِعَ عليه(568) ومرَّةً بالإحْرَاقِ(569) ومرَّةً يَجمَعُ بينَ القَتْلِ والإحْرَاقِ(570)
في خِتَامِ هذا المَطلَبِ أكونُ قَد أتَيْتُ على نِهَايَةِ الفَصْلِ الثَّانِي، لأَبدَأَ بالفَصْلِ الثَّالِثِ المُتعلِّقِ بالمَصَادرِ النَّقْلِيَّةِ التَّبعيَّةِ.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الفصل الثالث المصادر النقلية التبعية
تَحدَّثْتُ في الفَصْلَينِ السَّابِقَينِ عن المَصدَرينِ النَّقلِيَّينِ الرَّئِيسَينِ، وهما: الكِتَابُ والسُّنَّةُ. في هذا الفَصْلِ سأتحدَّثُ عن سَائرِ المَصَادرِ النَّقلِيَّةِ التَّبعيَّةِ التي عَمِلَ بمُوجَبِها عليٌّ رضي الله عنه في أجْوِبَةِ المَسَائلِ، وأحْكَامِ القَضَايَا، وهي: الإجْمَاعُ، والسَّوابِقُ القَضَائيَّةُ، وشَرْعُ مَن قَبْلَنا، ضِمْنَ ثَلاثَةِ مَباحِثَ، مُوزَّعَةٍ على الشَّكْلِ التَّالِي:
المَبحثُ الأوَّلُ : الإجْمَاعُ.
المَبحثُ الثَّانِي: السَّوَابِقُ القَضائيَّةُ.
المَبحثُ الثَّالِثُ: شَرْعُ مَن قَبْلَنَا.
المبحث الأول الإجماع
الإجماع هو: اتِّفَاقُ مُجتَهدِي أمَّةِ مُحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بعدَ وَفاتِه في عَصْرٍ مِن العُصورِ على حُكْمٍ شَرعيٍّ(571) .
يُؤكِّدُ التَّعرِيفُ أهمِّيَّةَ حُصولِ الاتِّفَاقِ مِن قِبَلِ المُجتَهدِينَ، الذي يعمُّ الأقوالَ والأفْعالَ، والسُّكوتَ، والتَّقرِيرَ.
وحيثُ إنَّ الفُقهَاءَ قد تَواجَدُوا في صَدْرِ الإسلامِ؛ فقد أمكنَ حُصُولُ الإجمَاعِ.
في هذا المَبحَثِ سنُلاحِقُ هذا المَصدَرَ التَّشرِيعيَّ منذُ بُذُورِهِ الأُوْلَى، ونَعرِضُ لبَعضِ مُتعلِّقاتِهِ مِمَّا لَهُ مَسَاسٌ بدِرَاسَتِنَا، فجَاءَ مُشتَمِلاً على خَمْسَةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلَبُ الأوَّل: بُذُورُ الإجْمَاعِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: شُرُوطُ الإجْمَاعِ.
المَطلَبُ الثَّالِثُ: مَوقِفُ عليٍّ مِن الإجْمَاعِ السُّكُوتيِّ.
المَطلَبُ الرَّابِعُ: الأحْكَامُ المُترَتِّبَةُ على الإجْمَاعِ.
المَطلَبُ الخَامِسُ: النَّماذِجُ التَّطبِيقيَّةُ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الأول بُذُور الإجماع
خَطرَت فِكْرَةُ الإجْمَاعِ في عَهْدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم عندَما تَقدَّمَ إليه عليٌّ رضي الله عنه بالسُّؤَالِ التَّالِي: يَا رَسُولَ اللهِ، الأمْرُ يَنزِلُ بنَا بعدَك لم يَنزِلْ فيه قُرآنٌ، ولمْ يُسمَعْ منكَ فيه شَيءٌ!
قالَ: «اجمَعُوا له العَالِمينَ مِن أمَّتي، واجعَلُوه شُورَى بينَكم، ولا تَقضُوه برَأيٍ وَاحدٍ»(572) .
يُسْتفَادُ مِن هذا الحَديثِ بَعْضُ القَضَايا الهَامَّةِ، منها:
ظُهورُ عَبقريَّةِ عليٍّ رضي الله عنه ونَظرَتُه الثَّاقبَةُ إلى مُتغيِّرَاتِ الأزْمَانِ، والسُّؤالُ عن كيفيَّةِ التَّعامُلِ معَها تَحسُّبًا لأيِّ طَارئٍ يُعوِزُه إيجَادُ الحُكْمِ له. المَعرِفةُ بمَواردِ الاستِدْلالِ ومَصادرِ الاستِنبَاطِ، وأنَّها تَكمنُ في الخِطَابِ الإلهيِّ والخَبرِ النَّبويِّ. واعتِمادُه على الدَّليلِ السَّمعيِّ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ابتِداءً، ثمَّ اللُّجُوءُ إلى غَيرِه من الأدلَّةِ العَقليَّةِ عندَ الحَاجَةِ إليها. وهذا يُبرهِنُ لنا أنَّ العِلْمَ بهذا الفَنِّ كانَ مُنطَبِعًا في مَلَكَتِه الأصُوليَّةِ لا مَحالةَ. تَأكِيدُ لُزومِ الجَماعَةِ، وعَدَمُ الانفِرَادِ بالرَّأيِ خَاصَّةً في أمْرِ الدِّينِ، فهو القَائِلُ: «قد خَاطَرَ بنَفْسِهِ مَن استَغنَى برَأيِهِ»(573)
ثُمَّ تَحوَّلَت هذه الفِكْرَةُ إلى بذْرَةٍ في عَهدِ الخَليفةِ الأوَّلِ رضي الله عنه ، ومَا لَبِثَت أنْ تَبلْوَرَت في زَمَنِ عُمرَ رضي الله عنه الذي أكَّدَ مَصدريَّتَه في غَيرِ مَا مَوقفٍ، منه كِتابُه إلى شُرَيحٍ القَاضِي رحمه الله، جَاءَ فيه: «إذا أتَاكَ أمْرٌ في كِتَابِ اللهِ فَاقْضِ به، ولا يَلفِتَنَّكَ عنه الرِّجَالُ. فإنْ جَاءَك أمْرٌ مَا ليسَ في كِتَابِ اللهِ، فانظُرْ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَاقْضِ بها.
فإنْ جَاءكَ أمْرٌ مَا ليسَ في كِتَابِ اللهِ، ولمْ يكنْ في سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فانْظُرْ مَا اجْتَمعَ عليه النَّاسُ ، فخُذْ به (وفي رِوَايةٍ: فاقْضِ بمَا قَضَى به أئمَّةُ الهُدَى ).
فإنْ لمْ يكنْ في كِتَابِ اللهِ، ولمْ يكنْ فيه سُنَّةٌ مِن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولمْ يتَكلَّمْ فيه أحَدٌ قَبْلَك، فاختَرْ أيَّ الأمْرَينِ شِئْتَ:
إنْ شِئْتَ أنْ تَجتَهِدَ برَأيِك وتُقدِمَ، فتَقدَّمْ.
وإنْ شِئْتَ أنْ تتَأخَّرَ، فتَأخَّرْ. ولا أرَى التَّأخُّرَ إلا خَيْرًا لكَ»(574) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
في رِوايَةٍ أخرَى عبَّرَ عن التَّأخُرِ بـ (المُؤامرَةِ)، وهي: المُشاوَرةُ، فربَّما يكونُ عندَه من الأصُولِ مَا لمْ يبلغْ شُريحًا، فيُخبِرُه به(575) .
وغذَّى عليٌّ رضي الله عنه -بدَورِه- هذا المَورِدَ الأصُوليَّ الذي فيه وِحْدَةُ الأمَّةِ، وجَمْعُ شَمْلِها، والتِحَامُ صَفِّها، فيمَا جاءَ عنه في خُطبَةٍ تَوجَّه بها إلى رَعيَّتِه، يقولُ: «الْزَمُوا السَّوَادَ الأعْظَمَ، فإنَّ يَدَ اللهِ على الجَماعَةِ. وإيَّاكُم والفُرْقةَ فإنَّ الشَّاذَّ مِن النَّاسِ للشَّيطانِ، كمَا أنَّ الشَّاذَّ مِن الغَنمِ للذِّئْبِ. ألا مَن دَعَا إلى هذا الشِّعَارِ(576) فاقْتُلُوه، ولوْ كانَ تحتَ عِمَامَتِي هذه»(577) .
يتَّضِحُ من هذا العَرْضِ المُوجَزِ أنَّ الصَّحابةَ رضي الله عنهم كانُوا يَسْعَونَ إلى حُصولِ الإجْمَاعِ بطَريقِ الشُّورَى، واستِخرَاجِ آرَاءِ مُجتَهدِي الصَّحابَةِ من الفُقهاءِ في ذلك العَصْرِ، وذلك بعدَ أنْ تَنالَ المَسألةُ قِسْطًا وَافِرًا مِن البَحْثِ في الأدلَّةِ السَّمعيَّةِ.
وعليه، فإنَّ مَشُورةَ الخُلفَاءِ رضي الله عنهم لأهلِ الحَلِّ والعَقْدِ، وأخْذَ الحُكْمِ بهذه الطَّرِيقَةِ، لا تُجِيزُ المُخالَفةَ بشَكْلٍ مِن الأشْكَالِ.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الثاني شُرُوط الإجماع
مِن خِلالِ النَّظَرِ في تَعرِيفِ الإجْمَاعِ، نَرَاه قَدِ اشْتَملَ على قُيودٍ هي في حَقِيقَةِ الأمْرِ شُروطٌ في صِحَّةِ انعِقَادِه، وهي على الشَّكْلِ التَّالِي:
أنْ يَصدُرَ الاتِّفَاقُ عن كُلِّ المُجتَهدِينَ، ولا يَكْفِي حُصُولُه مِن البَعْضِ دُونَ الجَميعِ. حُصُولُ المُوافَقةِ مِن أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ، والمُرَادُ بهم: «كُلُّ مُجتَهدٍ مَقبُولِ الفَتْوَى»(578) . لا بُدَّ أنْ يكونَ المُجمِعُونَ مِن المُسلِمينَ، ولا عِبْرةَ بإجْمَاعِ المِلَلِ الأخْرَى. يكونُ الإجْمَاعُ حُجَّةً بعدَ وَفَاةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولا يَقَعُ في حَياتِه. أنْ تكونَ المَسألَةُ المُجمَعُ عليها مِن الأمُورِ الدِّينيَّةِ. أنْ لا يُعارَضَ بنَصٍّ أو إجْمَاعٍ سَابقٍ. أنْ يكونَ مُستَنِدًا إلى دَليلٍ شَرْعيٍّ. هَلْ يُشتَرَطُ في الإجْمَاعِ دُخُولُ جَميعِ الأمَّةِ؟
عَرَفْنا أنَّه يُشتَرَطُ في الحُصُولِ على الإجْمَاعِ أنْ يَصدُرَ الاتِّفَاقُ عن جَميعِ الفُقهَاءِ المُجتَهدِينَ، ولا يَدخلُ عُمومُ الأمَّةِ المُحمَّديَّةِ فيهم، لأنَّه
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 274مِن اخْتِصَاصِ أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ جَميعِهم مِن كُلِّ عَصْرٍ.
رَاعَى عليٌّ رضي الله عنه هذين الأمْرَينِ في حَيَاتِه المِهنيَّةِ كقَاضٍ، وثَبَتَت عنه الإشَارَةُ إليهما بلَطِيفِ بَيَانِه في بَعْضِ نُصُوصِه. خَاصَّةً فيمَا يتَعلَّقُ بشَأنِ المُجتَهدِينَ مِن أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ في الأمَّةِ، في مَعرِضِ الاحتِجَاجِ على شَرعيَّةِ بَيعَتِه قِيَاسًا على شَرعيَّةِ خِلافَةِ السَّابِقينَ، بجَامعِ أنَّ كُلاًّ مِن الخُلفَاءِ الرَّاشِدينَ قَد بَايَعَهم أهلُ الحَلِّ والعَقْدِ في الأمَّةِ، فانعَقَدَت خِلافَتُهم بذلك صَحِيحةً، والوَاجِبُ على عُمومِ الرَّعيَّةِ اتِّبَاعُهم، ولا يَحُقُّ لهم نَقْضُ اتِّفَاقِهم.
جَاءَ في خِطَابٍ أرْسلَه عليٌّ رضي الله عنه إلى مُعاويةَ رضي الله عنه : «إنَّه بَايَعَنِي القَومُ الذين بَايَعُوا أبَا بَكرٍ وعمرَ وعُثمانَ، على مَا بَايَعُوهم عليه، فلمْ يكنْ للشَّاهدِ أنْ يَختَارَ، ولا للغَائبِ أنْ يَرُدَّ. وإنَّما الشُّورَى للمُهاجرِينَ والأنْصَارِ، فإنِ اجْتَمَعُوا على رَجُلٍ، وسَمَّوْهُ إمَامًا؛ كانَ ذلك للهِ رِضًا»(579) .
فالعَامِيُّ يَلْزمُه المَصِيرُ إلى أقْوَالِ العُلمَاءِ، أمَّا مُوافَقتُه فَضْلاً عن مُخَالفَتِه فلا اعتِبَارَ لها. والمَعهُودُ مِن الخُلفَاءِ أنَّهم كانُوا يَستَدعُونَ العُلمَاءَ ومَن فيهم أهْلِيَّةُ النَّظَرِ ويُقرِّبُونَهم إليهم(580) ثُمَّ يتَشاوَرُونَ معَهم في شُؤونِ القَضَايَا والنَّوازلِ المُستَجِدَّةِ ومَا يَطْرَأ عليهم مِن سُؤالاتٍ.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 275«وقَد أجْمَعُوا على أنَّه لا عِبْرَةَ بالعَوَامِّ في هذا البَابِ»(581)
والعِلَّةُ في ذلك أنَّ العَامِّيَّ ليسَ أهْلاً لطَلَبِ الصَّوابِ، وليسَ له آلَةُ هذا الشَّأنِ. وفي تَكلِيفِه بذلك تَحمِيلُه مَا لا يُطَاقُ! ولا يُفْهَمُ في عِصْمَةِ الأمَّةِ مِن الخَطَأ والضَّلالِ إلا عِصْمةُ مَن يُتصوَّرُ منه الإصَابَةُ لأهْلِيَّتِه(582) .
هَلْ يَنخَرِمُ الإجْمَاعُ بمُخَالَفَةِ التَّابعيِّ؟
عن شُرَيحٍ (ت 78 هـ) رحمه الله قالَ: «لمَّا تَوجَّه عليٌّ رضي الله عنه إلى حَرْبِ مُعاوِيةَ رضي الله عنه ، افْتقدَ دِرْعًا له. فلمَّا انقَضَتِ الحَرْبُ ورَجعَ إلى الكُوفَةِ، أصَابَ الدِّرْعَ في يَدِ يَهودِيٍّ يَبِيعُها في السُّوقِ! فقالَ له عليٌّ رضي الله عنه : يَا يَهودِيُّ، هذه الدِّرْعُ دِرْعِي، لمْ أبِعْ ولمْ أهَبْ! فقالَ اليَهودِيُّ: دِرْعِي، وفي يَدِي.
فقالَ عليٌّ رضي الله عنه : نَصِيرُ إلى القَاضِي. فتَقدَّما إلى شُريحٍ، فجَلسَ عليٌّ رضي الله عنه إلى جَنْبِ شُرَيحٍ، وجَلسَ اليَهُودِيُّ بينَ يَدَيه (...).
فقالَ شُرَيحٌ: قُلْ، يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ. فقالَ: نعم، إنَّ هذه الدِّرْعَ التي في يَدِ اليَهُودِيِّ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 276دِرْعِي، لمْ أبِعْ ولمْ أهَبْ.
فقالَ شُرَيحٌ: مَا تَقولُ يَا يَهُودِيُّ؟ فقالَ: دِرْعِي وفي يَدِي.
فقالَ شُرَيحٌ: يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ بَيِّنَةٌ. قالَ: نعم، قَنْبرُ(583) والحَسَنُ يَشهَدانِ أنَّ الدِرْعَ دِرْعِي.
قالَ: شَهادَةُ الابْنِ لا تَجُوزُ للأبِ. فقالَ: رَجُلٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ لا تَجُوزُ شَهادَتُه!(584) (...) ». وقَضَى بالدِّرْعِ لليَهُودِيِّ.
يُستَفَادُ مِن هذا المَشهَدِ أمُورٌ عِدَّةٌ، منها:
عَظَمَةُ الإسْلامِ في المُحافَظةِ على الحُقوقِ والحُرِّيَّاتِ، وعَدَمُ مُحَابَاةِ أحَدٍ. أهمِّيَّةُ القَضَاءِ، ودَوْرُ القَاضِي في حَلِّ النِّزَاعَاتِ، ورُجُوعُ الجَميعِ إليه. مَذهَبُ عليٍّ رضي الله عنه جَوَازُ شَهادَةِ الأبْنَاءِ للآبَاءِ. تَسوِيغُ خِلافِ التَّابِعيِّ.
لقَد وَلَّى عليٌّ رضي الله عنه شُرَيحًا القَضَاءَ، وإذا بالقَاضِي يَحكمُ على أمِيرِ المُؤمنِينَ في هذه الخُصُومَةِ، عندَما عُرِضَت عليه، ويُخَالِفُ بها رَأيَ عليٍّ رضي الله عنه . وفي الوَقْتِ نَفْسِه، نَرَى تَقبُّلَ عليٍّ رضي الله عنه لهَذا الحُكْمِ، بَلْ لهَذه المُخالَفةِ، دُونَما أيِّ إنْكَارٍ منه، أو اعتِرَاضٍ يُسجِّلُه.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
دَوَّنَت لنَا كُتُبُ الآثَارِ مَواقِفَ للصَّحابَةِ دَلَّت على تَسوِيغِ الخِلافِ للتَّابعيِّ، وعَدَمِ إنْكَارِهم عليه، فكانَ منهم إجْمَاعٌ على جَوَازِ الخِلافِ. وعُلِمَ أنَّ كَثِيرًا مِن أصْحَابِ عليٍّ وابنِ مَسعُودٍ رضي الله عنهما كانُوا يُفتُونَ في عَصْرِ الصَّحابَةِ، فكيفَ لا يُعْتَدُّ بخِلافِهم(585) ؟
تُشِيرُ هذه القَضيَّةُ بأنَّ مَذهَبَ عليٍّ رضي الله عنه في التَّابعيِّ طَالَمَا أنَّه مِن أهْلِ النَّظَرِ والاجْتِهَادِ، فإنَّه يُعتَدُّ بخِلافِه، ويندَفِعُ إجْمَاعُهم به، لأنَّه مِن الأمَّةِ ولا يَنعَقِدُ دُونَ مُوافَقَتِه(586) .
وبِنَاءً عليه، فإجْمَاعُ غَيرِه لا يكونُ إجْمَاعَ جَميعِ الأمَّةِ، بَلْ هو اتِّفَاقُ البَعضِ، والحُجَّةُ إنَّما هي في إجْمَاعِ الكُلِّ.
هَلِ انقِرَاضُ العَصْرِ شَرْطٌ في انعِقَادِ الإجْمَاعِ؟
قَضَى عليٌّ رضي الله عنه لأهْلِ العِرَاقِ باستِرقَاقِ أمَّهاتِ الأوْلادِ. وقَد كانَ رَأى أنْ يُعتَقنَ كمَا كانَ يرَى عمرُ رضي الله عنه بأنْ لا يُبَعْنَ(587) ، وأنَّها حُرَّةٌ مِن رَأسِ مَالِ سيِّدِها إذا مَاتَ.
قالَ عليٌّ رضي الله عنه «اجتَمعَ رَأيي ورَأيُ عمرَ رضي الله عنه في بَيعِ أمَّهاتِ الأولادِ أنْ لا يُبَعْنَ، ثمَّ رَأيْتُ بَيعَهنَّ»! على عتق أمهات الأولاد ثم رأيت بعد أن أرقهن في كذا وكذا فعَارَضَه قَاضِيه عَبِيدةُ السَّلْمَانِيُّ (ت 72 هـ) رحمه الله
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 278قَائِلاً: «يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ، رَأيُك معَ رَأيِ عمرَ رضي الله عنه في الجَماعةِ أحبُّ إلينا مِن رَأيِك وَحدَك في الفُرقَةِ»(588)
احتَجَّ بهذا الأثَرِ مَن يَرَى أنَّ انقِرَاضَ العَصْرِ شَرْطٌ في انعِقَادِ الإجْمَاعِ!
وَجْهُ الدَّلالَةِ مِن الأثَرِ: أنَّه مُركَّبٌ مِن صَنيعِ عليٍّ رضي الله عنه وجَوَابِ عَبِيدَةَ عليه، وذلك أنَّ عليًّا رضي الله عنه أظْهَرَ الخِلافَ بَعْدَ الوِفَاقِ! فلو كانَ الإجْمَاعُ مُنعَقِدًا، مَا وَسِعَه أنْ يُخَالِفَه، وإلا كانَ عَاصِيًا!
الجَوَابُ: لا يُسَلَّمُ بدَعْوَى الإجْمَاعِ، لأنَّ الأثَرَ لا يدلُّ على اتِّفَاقِ المُجتَهدِينَ، وإلا قالَ: رَأيي ورَأيُ الفُقَهاءِ. يدلُّ على هذا المَعنَى أنَّ عَبدَ اللهِ بنَ الزُّبيرِ رضي الله عنهما كانَ يَرَى جَوَازَ بَيعِهنَّ(589) ، ومَعَ مُخَالَفَتِه، فلا إجْمَاعَ.
هذا إنْ سلَّمْنَا بدَلالَةِ الأثَرِ على مَا زَعمُوه مِن الإشَارَةِ إلى اشتِرَاطِ انقِرَاضِ العَصْرِ لو صَحَّ إجْمَاعُ الصَّحابَةِ، وإلا فَلا الأثَرُ يدلُّ على ذلك، ولا هو مَسْبُوقٌ بإجْمَاعِ الصَّحابَةِ(590) .
أمَّا تَعقُّبُ السَّلْمَانيِّ، فليسَ فيه مَا يدلُّ على اتِّفَاقِ الجَماعَةِ على ذلك لأنَّه مُحتَمِلٌ!
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 279«ولا حُجَّةَ فيمَا ليسَ صَرِيحًا في نَفْسِه(591) فإنَّه أرَادَ بِه: أنَّ رَأيَكَ في زَمَانِ الألْفَةِ والجَماعَةِ والاتِّفَاقِ في الطَّاعَةِ للإمَامِ أحَبُّ إلينَا مِن رَأيِكَ في الفُرْقَةِ واختِلافِ الكَلِمَةِ.
والمُلاحَظَةُ التي سَجَّلَها عَبِيدَةُ رحمه الله لا تَعدُو أنْ تكونَ سِوَى أمْرٍ وِجدَانيٍّ مِن بَابِ التَّمنِّي والرَّجَاءِ، لا تَعلُّقَ لها بالرَّأيِ والاجتِهَادِ تَصحِيحًا أو تَضْعِيفًا، كمَا هو وَاضِحٌ في تَعبيرِ عليٍّ جَوابًا له: «اقْضُوا كمَا كنتم تَقضُونَ؛ فإنِّي أبْغِضُ الاختِلافَ، حتى يكونَ للنَّاسِ جَماعةٌ، أو أموتَ كمَا ماتَ أصحابي»(592) .
نِهَايَةُ القَولِ: متَى اتَّفَقَ المُجتَهِدُونَ، انعَقدَ الإجْمَاعُ صَحِيحًا، ووَجَبَتِ العِصْمَةُ. ولا يُشترَطُ في انعِقَادِه انقِرَاضُ العَصرِ ومَوتُ الجَميعِ، لأنَّ الحُجَّةَ في اتِّفَاقِهم لا في مَوتِهم(593) . وبمَا أنَّ الاتِّفَاقَ قَد حَصَلَ قَبْلَ المَوتِ، فلا يَزِيدُه المَوتُ إلا تَأكِيدًا.
وبالعَوْدَةِ إلى حُجَّةِ الإجْمَاعِ نَرَاها خَالِيةً عن الإشَارَةِ إلى اعتِبَارِ العَصْرِ لانعِقَادِه، وبمَا أنَّ حُجَّتَه هي
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 280الآيَةُ والخَبرُ، فإنَّ ذلك لا يُوجِبُ اعتِبَارَ العَصْرِ بحَالٍ(594)
هل يُهجَرُ القَولُ بمَوتِ صَاحبِه؟
جَاءَ في خِطَابِ عليٍّ لوَفْدِ نَجرَانَ قَولُه: «وَيحَكم، إنَّ عمرَ كانَ رَشِيدَ الأمْرِ، ولنْ أرُدَّ قَضاءً قَضَى به عمرُ»(595) .
يتَخرَّجُ هذا الأثَرُ على أصْلِه في أنَّ مَذهَبَ المَيْتِ لا يَصِيرُ مَهجُورًا بمَوتِه، لأنَّ دَلِيلَه لا يَزَالُ مَوجُودًا. ولو صَارَ مَهجُورًا لصَارَ مَذهبُ الجَميعِ كالمُنعَدمِ عندَ مَوتِهم، حتَّى يَجُوزُ لمَن بعدَهم أنْ يُخَالِفَهم! فالمَذَاهِبُ لا تَمُوتُ بمَوْتِ أرْبَابِها، ولا بفَقدِ أصْحَابِها.
هذا مَا كانَ يُحذِّرُ منه عليٌّ رضي الله عنه ، وقَد صَرَّحَ به في وَصيَّتِه للأشْتَرِ النَّخعيِّ: «ولا تَنْقُضْ سُنَّةً صَالحةً عَمِلَ بها صُدورُ هذه الأمَّةِ، واجتَمَعَت بها الأُلفَةُ، وصَلَحَت عليها الرَّعيَّةُ»(596) .
إذًا فقَد ذَهبَ عليٌّ رضي الله عنه في هذه المَسألَةِ إلى عَدَمِ القَولِ بهُجْرَانِ أقْوَالِ المُجتَهدِينَ لمَوتِهم، بَلْ دلَّ الوَاقِعُ أنَّه يَحفَظُها لهم، ويَعرِفُ لهم عَظِيمَ حَقِّهم في الدِّينِ.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الثالث موقف عليٍّ من الإجماع السكوتي
يُلْحَظُ مِن خِلالِ التَّأمُّلِ في النُّصُوصِ الوَارِدَةِ عن عَصْرِ الخِلافَةِ، فيمَا يَخصُّ هذا الشَّأنَ، أنَّ عليًّا رضي الله عنه يَذهَبُ إلى عَدمِ اعتِبَارِ مَا يُعرَفُ عندَ الأصُوليِّينَ (بالإجْمَاعِ السُّكوتيِّ)، كأنُ يُفتِي بَعضُ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم بفَتْوَى ويَسكُتَ الآخَرُونَ(597) ، فلا يَنعَقِدُ الإجْمَاعُ بهذا النَّحوِ، على أسَاسِ أنَّه «لا يُنسَبُ إلى سَاكتٍ قَولُ قَائلٍ، ولا عَمَلُ عَاملٍ»(598) .
ذلك أنَّ فَتْوَى المُجتَهدِ إنَّما تُعلَمُ بقَولِه الصَّرِيحِ الذي لا يتَطرَّقُ إليه احتِمَالٌ وتَردُّدٌ، و«السُّكوتُ تَردُّدٌ»(599) .
مِن الأخْبَارِ التي يُستفَادُ منها هذا المَوقِفِ للثُّنائيِّ: عمرَ وعليٍّ رضي الله عنهما، مَا وَردَ في قَضيَّةِ تَقسِيمِ فَضْلَةٍ مِن الغَنائمِ، كانَ عمرُ رضي الله عنه قَدِ استَشَارَ فيها بَعْضَ الصَّحابَةِ، فأشَارُوا عليه بتَأخِيرِ القِسْمَةِ، والإمْسَاكِ إلى وَقْتِ الحَاجَةِ! قَائلِينَ: «يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ، لك حَوائِجُ، وتَنُوبُكَ أشيَاءُ. فخُذْه فَاقْضِ به حَاجتَك، فإنَّ أنفُسَنا لك به طَيِّبَةٌ».
وعليُّ رضي الله عنه سَاكِتٌ، فقالَ له: ألا تتَكلَّمُ، يَا أبَا الحَسنِ. فقالَ: «يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ أتَجْعَلُ عِلْمَك جَهْلاً، ويَقِينَك ظَنًّا؟ -ثُمَّ رَوَى حَدِيثًا، ثُمَّ قالَ: أرَى أنْ تُقَسِّمَ ذلك بينَ المُسلِمينَ»(600) .
وَجْهُ الدَّلالَةِ: أنَّ عمرَ رضي الله عنه لمْ يَجعَلْ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 282سُكوتَ عليٍّ رضي الله عنه تَسلِيمًا ودَلِيلاً على المُوافَقَةِ، حتَّى سَألَه. ثُمَّ إنَّ عليًّا رضي الله عنه استَجَازَ السُّكوتَ معَ كَونِ الحَقِّ عندَه في خِلافهِم. ولم يُنكِرْ عليٌّ رضي الله عنه على عمرَ رضي الله عنه سُؤالَه إيَّاه، فدلَّ ذلك على أنَّ عليًا رضي الله عنه هو أيضًا يَرَى أنَّ السُّكوتَ ليسَ بحُجَّةٍ.
وهذه ليسَت مِن قَبيلِ (وَاقِعَةِ عَينٍ) فلا يُقَاسُ عليها! بدَليلِ أنَّ المَشاهِدَ مِن هذا النَّوعِ تَعدَّدَت خَاصَّةً في خِلافَةِ عمرَ رضي الله عنه ، وكانَ لعليٍّ رضي الله عنه حُكْمٌ مُغايِرٌ فيها، استَنطَقَه به عمرُ رضي الله عنه إذْ سَكَت عليٌّ رضي الله عنه عندَ إدْلاءِ ُكلِّ مُجتَهدٍ بدَلوِه.
منها: قِصَّةُ المَرأةِ التي غَابَ عنها زَوجُها، فبَلَغَ عمرَ رضي الله عنه أنَّها تُجَالِسُ الرِّجَالَ! فأشْخَصَ إليها ليَمنَعَها عن ذلك. فأجْهَضَت جَنِينَها مِن هَيبَتِه! فلمَّا شَاورَ الصَّحابَةَ رضي الله عنهم في ذلك، قَالُوا: «إنَّما أنتَ مُؤدِّبٌ، ولا شَيءَ عليكَ». وعليٌّ رضي الله عنه سَاكِتٌ. فأقبَلَ عليه، فقالَ: فمَا تَقولُ أنتَ يَا أبَا الحَسَنِ؟
قالَ: أقولُ: إنْ كانُوا قَارَبُوكَ في الهَوَى، فقَد أثِمُوا، ولم ينصَحُوا لكَ. وإنْ كانَ هذا جَهْدَ رَأيِهم، فقَد أخطَأ رأيُهم. أرَى أنَّ دِيتَه عليك، يَا أميرَ المُؤمنِينَ. فإنَّك أنتَ أفْزَعْتَها، وألْقَت وَلدَها في سَببِكَ.
قالَ: صَدَقْتَ. اذْهَبْ فاقْسِمها على قَومِك»(601) .
وقَد وَرَدَت بَعضُ الأخْبَارِ سَكتَ فيها عليٌّ رضي الله عنه ، فلمَّا استَنطَقَه عمرُ رضي الله عنه ، تَبيَّنَ أنَّه مُوافِقٌ لفَتْوَى غَيرِه(602) .
إذًا فالقَاسِمُ المُشتَرَكُ مِن هذه الصُّوَرِ جَمِيعِها، أنَّ السُّكوتَ لمْ يُعتَبرْ –عندَ وَاحدٍ مِن هذين الخَليفَتينِ على وَجهِ التَّحدِيدِ- إجْمَاعًا. وإلا لَمَا احتَاجَ معَه الحَاكِمُ إلى استِجْوَابِ بَعضِ المُجتَهدِينَ السَّاكِتينَ!
كَشفَ الإمَامُ الشَّافِعيُّ رحمه الله عن سَبَبِ هذا السُّكوتِ مِن عليٍّ وإخْوَانِه مِن الصَّحابَةِ رضي الله عنهم في بَعضِ المَواردِ الأخْرَى عنهم، مُستَدِلاًّ بجُملَةٍ مِن القَضَايَا التي حَصَلَت بينَ خُلفَاءِ المُسلِمينَ ومُجتَهدِي الأمَّة، «على أنَّهم يُسلِّمُونَ لحَاكمِهم وإنْ كانَ رَأيُهم خِلافَ رَأيِه، وإنْ كانَ حَاكِمُهم قَد يَحكمُ بخِلافِ آرَائِهم، لا أنَّ جَمِيعَ أحْكَامِهم مِن جِهَةِ الإجْمَاعِ منهم»(603) .
يُؤكِّدُه مَا صَرَّحَ به جَابِرُ بنُ عَبدِ اللهِ الأنْصَارِيُّ رضي الله عنهما، إذْ قالَ في أمَّهاتِ الأوْلادِ: «بِعْنَا أمَّهاتِ الأوْلادِ على عَهدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأبي بَكرٍ رضي الله عنه ، فلمَّا كانَ عمرُ نَهَانَا، فانْتَهَيْنَا(604) » .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الرابع الأحكام المترتبة على الإجماع
إذَا انعَقدَ الإجْمَاعُ، تَرتَّبَت عليه آثَارُه، وهذا مَعنَى كَونِه حُجَّةً(605) .
رَسَّخَ عليٌّ رضي الله عنه هذا المَفْهُومَ في غَيرِ ما مُناسَبةٍ سَنَحَت له، وقَالَ في بَعْضِ المَواردِ: «إيَّاكُم والتَّلوُّنَ في دِينِ اللهِ، فإنَّ جَماعةً فيمَا تَكرَهُونَ مِن الحَقِّ خَيرٌ مِن فُرقَةٍ فيمَا تُحِبُّونَ مِن البَاطلِ»(606) .
فمَا وَرَدَ عنه مِن أقضِيَةٍ تَفُوحُ منها رَائِحةُ المُخالفَةِ لمَن سَلفَه مِن الخُلفاءِ رضي الله عنهم ، ونَحْوِ ذلك ممَّا لا يَلِيقُ به... فغَالِبُها مَسائِلُ مَنحُولَةٌ عليه، لا تَصِحُّ عنه، كمَا أشَارَ إليه ابنُ سِيرينَ رحمه الله(607) ، بَلْ إن عليًّا رضي الله عنه نَفْسَه يقولُ: «الخِلافُ يَهْدِمُ الرَّأيَ»(608) ، وهو القائل: «كَدَرُ الجَمَاعَةِ خَيرٌ مِن صَفْوِ الفُرْقَةِ»(609) .
ويَترَتَّبُ على هذا الحُكْمِ مَا يَأتِي:
لا يَجُوزُ لأهْلِ الإجْمَاعِ أنفُسِهم مُخَالَفةُ مَا أجْمَعُوا
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
عليه(610) ولا تَجُوزُ المُخَالَفةُ لمَن يَأتِي بعدَهم.
إنَّ هذا الإجْمَاعَ حَقٌّ وصَوَابٌ، ولا يَكونُ خَطأً(611) .
أشَارَ إلى هذا الأصْلِ عليٌّ رضي الله عنه في خِطَابِه إلى مُعاوِيةَ رضي الله عنه : «إنَّمَا الشُّورَى للمُهاجرِينَ والأنْصَارِ، فإنِ اجْتَمَعُوا (...) كانَ ذلك للهِ رِضًا»(612) .
ويتَرتَّبُ على هذا الحُكمِ مَا يَأتِي:
لا يُمكِنُ أنْ يَقعَ إجْمَاعٌ على خِلافِ نَصٍّ أبَدًا(613) . لا يُمكِنُ أنْ يَقعَ إجْمَاعٌ على خِلافِ إجْمَاعٍ سَابقٍ(614) .
مُرَاعَاةُ الخِلافِ:
هذه المَسألَةُ وهي مُرَاعَاة الخِلافِ عندَ العُلمَاءِ، يتَجلَّى فيها تَواضُعُ الفُقَهَاءِ، واحتِرَامُهم لآرَاءِ بَعضِهم. وهي تَنمُّ عن فِقْهٍ دَقِيقٍ، وبُعدِ نَظَرٍ في تَرتِيبِ الأوْلَويَّاتِ، والأخْذِ بالحَزْمِ. فقَد يَرَى المُجتَهِدُ جَوَازَ أمْرٍ، فيَترُكُه لِقَولِ مَن يَرَاهُ حَرَامًا، أو يَستَحِبُّه إنْ كانَ غَيرُه يُوجِبُه.
إذًا، في الأخْذِ بها تَضيِيقٌ لمَسَاحَةِ الخِلافِ، وفي الوَقْتِ نَفْسِه دَعوَةٌ غَيرُ مُباشِرَةٍ إلى التَّوافُقِ قَدْرَ المُستَطَاعِ للوُصُولِ إلى الإجْمَاعِ.
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقَد لَمَسْنَا مُرَاعَاةَ هذه المَسْألَةِ بوُضُوحٍ عندَ عليٍّ رضي الله عنه في أكْثرَ مِن مَشْهَدٍ، منها قَولُه المُتقَدِّمُ لقُضَاتِه: «اقْضُوا كمَا كنتُم تَقضُونَ، فإنِّي أكْرَه الاخْتِلافَ، حتى يكونَ النَّاسُ جَمَاعَةً، أو أمُوتَ كمَا مَاتَ أصْحَابِي»(615) .
المطلب الخامس النماذج التطبيقية
إنَّ بَحْثَ النَّمَاذجِ العَملِيَّةِ مِن فُرُوعِ المَسَائلِ الفِقْهيَّةِ التي ابتَناهَا عليٌّ رضي الله عنه على الإجْمَاعِ، تَختَلِفُ في الانتِقَاءِ والعَرْضِ والتَّحلِيلِ عن تلك التي استَنبَطَها مِن مُختَلِفِ المَصَادرِ التَّشرِيعيَّةِ، لكَونِ التَّطبِيقِ على مَصْدَرِ الإجْمَاعِ إنَّما يكونُ على أحكَامٍ سَبقَت عَهْدَه، وتَناولَها الخُلفَاءُ قَبلَه، وأشْبَعُوها مُناقَشةً واستِدْلالاً، ثُمَّ جَاء هو والتَزمَ بها ولمْ يُعارِضْها، أو استَشهدَ بها إذا لَزِمَ الأمْرُ.
فهَاتَانِ صُورَتانِ، سَأمَثِّلُ لكُلِّ وَاحِدَةٍ منهما بمِثَالٍ وَاحدٍ فقط:
حُكْمُ شَاربِ الخَمرِ:
تَهَاوَنَ النَّاسُ في زَمَنِ عُمرَ رضي الله عنه في شُرْبِ الخُمورِ وتَحاقَرُوا العُقُوبَةَ، بَعْدَ أنْ فَاضَتْ بأيدِيهم الأمْوَالُ، خَاصَّةً في بِلادِ الشام حيثُ يَكْثرُ العِنَبُ، فأبْرَقَ خَالِدٌ رضي الله عنه إلى أمِيرِ المُؤمنِينَ يستَشِيرُه مَاذا يَصْنَعُ؟ فجَمَعَ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 287عمرُ الصَّحابةَ رضي الله عنهم واستَشارَهم في زِيَادَةِ عُقوبَةِ شَاربِ الخَمرِ.
فاتَّفقَ أهْلُ الحَلِّ والعَقْدِ على رَأيِ عليٍّ ومَن مَعَه في أنْ «يُجلَدَ في قَليلِ الخَمرِ وكَثِيرِه ثَمانُونَ»(616) . قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ (ت 463 هـ) رحمه الله: «انعَقدَ إجْمَاعُ الصَّحابةِ رضي الله عنهم في زَمَنِ عمرَ رضي الله عنه على الثَّمانِينَ في حَدِّ الخَمرِ، ولا مُخالِفَ لهم منهم»(617) .
وإجْمَاعُهم مَبنِيٌّ لا على نَصٍّ في المَسألَةِ، بَلْ على الاجْتِهَادِ(618) .
حُكْمُ بَيعَتِه:
احتَجَّ عليٌّ رضي الله عنه على شَرعيَّةِ خِلافَتِه، بالإجْمَاعِ الحَاصلِ على شَرعيَّةِ خِلافَةِ الثَّلاثَةِ السَّابِقينَ رضي الله عنهم ، دُونَما أيِّ مُخالِفٍ لهم. وأنَّ بَيعتَه تمَّت عن طَرِيقِ أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ في الأمَّةِ، كمَا هو الحَاصِلُ في بَيعَةِ إخْوَانِه. يقول:
«إنَّه بَايَعَنِي القَومُ الذين بَايَعُوا أبَا بَكرٍ وعمرَ وعُثمانَ، على مَا بَايَعُوهم عليه، فلمْ يكنْ للشَّاهدِ أنْ يَختَارَ، ولا للغَائبِ أنْ يَرُدَّ. وإنَّما الشُّورَى للمُهاجرِينَ والأنْصَارِ، فإنِ اجْتَمَعُوا على رَجُلٍ، وسَمَّوْهُ إمَامًا؛ كانَ ذلك للهِ رِضًا. فإنْ خَرَجَ عن أمرِهم خَارِجٌ بطَعْنٍ أو بِدْعَةٍ، رَدُّوه إلى مَا خَرَجَ منه. فإنْ أبَى قَاتلُوه على اتِّباعِه غَيرَ سَبيلِ المُؤمنِينَ، ووَلاَّه
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فعليٌّ رضي الله عنه إذ يَحتَجُّ بالإجْمَاعِ على شَرعيَّةِ خِلافَتِه، فإنَّه يُؤكِّدُ مَصدريَّتَهُ، وأنَّه وَاحِدٌ مِن الأدلَّةِ التي يُرجَعُ إليها. ولا تَجُوزُ مُخالَفةُ مَا يَتِمُّ الاتِّفَاقُ عليه.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المبحث الثاني السوابق القضائية
ويَشتمِلُ على أربَعةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلَبُ الأوَّلُ: أقضِيَةُ الخُلفَاءِ سَوابِقُ دُستُوريَّةٌ.
المَطلَبُ الثَّانِي: مَوقِفُ السَّلفِ مِن أقضِيَةِ الخُلفَاءِ.
المَطلَبُ الثَّالِثُ: أهْلُ البَيْتِ وقَضَاءُ الخُلفَاءِ.
المَطلَبُ الرَّابِعُ: نَماذِجُ تَطبِيقيَّةٌ.
المطلب الأول أقضية الخلفاء سوابق دستورية
تَعرِيفُ السَّوابقِ القَضائيَّةِ:
السَّوَابِقُ القَضائيَّةُ: هي الأحْكَامُ التَّكلِيفيَّةُ التي قَضَى بها السَّابِقُونَ مِن الخُلفاءِ الرَّاشدِينَ وفُقهَاءِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم وأئمَّةِ التَّابِعينَ في المَسائِلِ الشَّرعيَّةِ، مِن عَهْدِ خَلِيفَةٍ إلى خَلِيفَةٍ آخر.
هذا ما عبَّرَ عنه صَراحةً أميرُ المُؤمنِينَ عمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه في سَوَابقِ أبي بكرٍ رضي الله عنه ، وأمرَ به قُضَاتَه ووُلاتَه، بَلِ التَزَمَ به بنَفسِه.
قالَ مَيمُونُ رحمه الله في تَوصِيفِ خُطَّةِ عمرَ القَضَائيَّةِ: فإنْ
PDF 290أعياه أنْ يجدَ في القُرآنِ والسُّنَّةِ، نَظرَ: هلْ كانَ لأبي بَكرٍ رضي الله عنه فيه قَضَاءٌ؟ فإنْ وَجَدَ أبَا بَكرٍ رضي الله عنه قَد قَضَى فيه بقَضَاءٍ قَضَى به. وإلا دَعَا رُؤوسَ المُسلِمينَ وعُلماءَهم، فاستَشارَهم؛ فإذا اجتمَعُوا على الأمرِ قضَى بينَهم»(620)
وعن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه قالَ: «إذا بَلغَنا شَيءٌ تَكلَّمَ به عليٌّ رضي الله عنه : قَضاءً أو فُتيَا، لم نُجاوِزْه إلى غَيرِه»(621) .
حُجِّيَّةُ السَّوَابقِ القَضَائيَّةِ:
إنَّ أبا بَكرٍ وعمرَ وعثمانَ – ومعَهم عليٌّ رضي الله عنهم - خُلفاءٌ رَاشِدُونَ يُقتدَى بهم، ومَواقِفهم تُشكِّلُ سَوَابِقَ دُستوريَّةً في هذه الأمَّةِ. وقد كانُوا مِن العِلْمِ والأمَانَةِ والفَضْلِ والنَّزاهَةِ مَا كَتبَ اللهُ لاجتِهادَاتِهم القَبُولَ، حيثُ لاقَت آذَانًا صَاغِيةً وقُلوبًا وَاعِيةً. أرجَعَ الشَّاطِبيُّ (ت 790 هـ) رحمه الله اجتِهَادَهم إلى حَقِيقَةِ الإجْمَاعِ، مِن جِهَةِ حَمْلِ النَّاسِ عليه، حَسبَما اقتَضَاهُ النَّظَرُ المَصلَحِيُّ عندَهم(622) .
وقَدْ أمَرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالاقتِدَاءِ بسِيرَتِهم، والسَّيْرِ على مِنوَالِهم(623) وجَعَلَ الوَصيَّةَ بهم في سِيَاقِ وَاحدةٍ مِن أهمِّ خُطَبِه وأخطَرِها على الإطْلاقِ، رَسَمَ فيها الطَّرِيقَ المُثلَى لِسَيرِ الأمَّةِ إذا وَقَعَتِ الفِتَنُ وادْلَهمَّتِ الخُطوبُ، حتى استَرعَت انتِباهَ الصَّحابةِ رضي الله
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 291عنهم وأخذَت بألبَابِهم.
عن العِرْبَاضِ بنِ سَارِيةَ (ت 75 هـ) رضي الله عنه قالَ: صلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ صَلاةَ الغَداةِ، ثمَّ أقْبَلَ علينا، فوَعظَنا مَوعِظةً بَلِيغةً، ذَرَفَت منها العُيونُ، ووَجِلَت منها القُلوبُ. فقالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، كأنَّ هذه مَوعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فمَاذا تَعهَدُ إلينا؟
فقالَ: «(...) فعليكم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفَاءِ الرَّاشدِينَ المَهديِّينَ، تمَسَّكوا بها، وعَضُّوا عليها بالنَّواجذِ»(624) .
ونَصَّ أحَدُ فُقهاءِ الصَّحابةِ على لُزُومِ مَنهَجِ الخُلفَاءِ بالقَضاءِ، فعَن ابنِ مسعودٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «(...) فمَن عُرِضَ له منكم قَضاءٌ بعدَ اليَومِ، فليَقْضِ بمَا في كِتَابِ اللهِ. فإنْ جَاءَه أمْرٌ ليسَ في كِتَابِ اللهِ، ولا قَضَى به نبيُّه صلى الله عليه وسلم، فليَقضِ بمَا قَضَى به الصَّالِحُونَ(625) » .
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمه الله: «هذا يُوضِّحُ لك أنَّ الاجْتِهَادَ لا يكونُ إلا على أصُولٍ يُضَافُ إليها التَّحلِيلُ والتَّحرِيمُ، وأنَّه لا يَجتَهِدُ إلا عَالِمٌ بها»(626) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الثاني موقف السلف من أقضية الخلفاء
تَحصِيلُ أقضِيَةِ الخُلفاءِ مَدعَاةُ افتِخَارٍ:
كانَ أهلُ العلمِ يتَباهونَ فيمَن هو أحفَظُ لقَضَايَا السَّابِقينَ، قيلَ لعِرَاكِ بنِ مَالكٍ (ت 104 هـ) رحمه الله(627) : مَن أفقَهُ أهلِ المَدينةِ؟ قالَ: «أمَّا أفقَهُهم فِقهًا، وأعلَمُهم بقَضايَا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وقَضَايا أبي بكرٍ، وقَضَايا عمرَ، وقَضَايا عثمانَ، وأعلَمُهم بمَا مَضَى عليه النَّاسُ، فسَعِيدُ بنُ المُسيّب»(628) .
الخُلفَاءُ يعتَمِدُونَ أقْضِيَةَ بَعضِهم:
اعتَمدَ الخُلفاءُ الرَّاشِدونَ رضي الله عنهم على أقضِيَةِ بَعضِهم، فكانَ التَّالِي منهم ينظرُ في أحْكَامِ مَن سَبقَه، قَبْلَ أن يتَجَاوزَها إلى اجتِهَادِه، عِرفَانًا لسَلَفِه بفَضْلِه في هذا المَجالِ.
وليسَ هذا مِن قَبِيلِ تَقلِيدِ العَالِمِ للعَالِمِ، وإنَّما هو حُسْنُ الاعتِقَادِ في عِلْمِهم ودِينِهم ومَحلِّهم عندَ اللهِ تعالى(629) .
ثمَّ سارَ على سِيرَتِهم فُقهَاءُ الصَّحابةِ، وتَابَعَهم التَّابِعُونَ لهم بإحسَانٍ.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
عمرُ يعتَمِدُ حُكْمَ الصِّدِّيقِ في الكَلالَةِ:
الكَلالَةُ: كَلَّ الرَّجُلُ يَكِلُّ كَلالةً. والعَرَبُ تقولُ: لم يَرِثْه كَلالةً، أيْ: لمْ يَرِثْه عن عُرُضٍ، بَلْ عن قُرْبٍ واستِحْقَاقٍ. ويُقَالُ: هو مَصْدَرٌ مِن تَكلَّلَه النَّسَبُ، أيْ: تَطرَّقَه، كأنَّه أخَذَ طَرَفَيْه مِن جِهَةِ الوَالدِ والوَلَدِ، وليسَ له منهما أحَدٌ، فسُمِّيَ بالمَصْدَرِ(630) . مُشتَقَّةٌ مِن الإكْلِيلِ، وهو: الذي يُحِيطُ بالرَّأسِ مِن جَوانبِه(631) .
وقَد وَرَدَ بَيَانُها في قَوْلِ أبِي بَكْرٍ رضي الله عنه الذي وَافَقَه عليه عُمومُ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم(632) . عنِ الشَّعبيِّ رحمه الله قالَ: سُئِلَ أبو بَكرٍ رضي الله عنه عن الكَلالَةِ؟ فقالَ: «إنِّي قَد رَأيْتُ في الكَلالَةِ رَأيًا، فإنْ كانَ صَوابًا فمِنَ اللهِ وَحْدَه لا شَرِيكَ له، وإنْ يَكُ خَطَأً فمِنِّي ومِنَ الشَّيطَانِ، واللهُ منه بَرِيءٌ: الكَلالَةُ مَا خَلا الوَلَدَ والوَالِدَ».
فلمَّا استُخْلِفَ عمرُ رضي الله عنه قالَ: « إنِّي لأستَحْيِي مِن اللهِ أنْ أخَالِفَ أبَا بكرٍ رضي الله عنه في رَأيٍ رَآهُ(633) » .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
عثمانُ يتَّبِعُ قَوْلَ عمرَ في الجَدِّ:
عن عثمانَ رضي الله عنه أنَّ أبَا بكرٍ رضي الله عنه كانَ يَجعَلُ الجَدَّ أبًا(634) ، يُنزِلُه مَنزِلتَه، وأنَّه أوْلَى مِن الأخِ. ثُمَّ رَأى عمرُ رضي الله عنه أنَّ الجَدَّ أوْلَى بمِيرَاثِ ابنِ ابنِه مِن إخْوَتِه(635) . وذلك لمَّا طُعِنَ، استَشَارَ الصَّحابَةَ رضي الله عنهم في الجَدِّ، فقالَ: «إنِّي كنتُ رَأيْتُ في الجَدِّ رَأيًا، فإنْ رَأيْتُم أنْ تتَّبِعُوه، فاتَّبِعُوه».
فقالَ له عثمانُ رضي الله عنه : « إنْ نتَّبِعْ رَأيَك فإنَّه رَشَدٌ، وإنْ نَتَّبِعْ رَأيَ الشَّيْخِ قَبْلَك، فنِعْمَ ذُو الرَّأيِ كانَ»(636) .
عثمانُ يعملُ بحَديثِ عليٍّ:
أكْلُ المُحرِمِ ممَّا صِيدَ لأجْلِه:
ذَهَب أمِيرُ المُؤمنِينَ عثمانُ رضي الله عنه إلى جَوَازِ أنْ يَأكُلَ المُحرِمُ مِن
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 295صَيدِ الحَلالِ، طَالَمَا أنَّه لم يَصِدْه بيَدِه، ولمْ يَأمُرْ بذلك، وقالَ: «صَيْدٌ لمْ أصْطَدْه ولمْ نَأمُرْ بصَيْدِه، اصْطَادَه قَومٌ حِلٌّ فأطْعَمُوناه، فمَا بَأسٌ».
فخَالفَه عليٌّ رضي الله عنه بعُمومِ النَّهيِ، فاستَجَابَ له الخَلِيفَةُ وقَد نَبَّهَه إلى حَدِيثٍ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فتَنبَّه، وثَنَى وِرْكَه عنِ الطَّعَامِ، فدَخَلَ رَحْلَه(637) .
معاويةُ يُجِيزُ قَضاءَ عليٍّ ويتَبنَّاه:
الرَّجُلُ يُخيِّرُ امرَأتَه: فماذا يَملِكُ منها؟
عنِ العبَّاسِ بنِ خرشةَ الكلابيِّ الكُوفيِّ(638) ، قالَ له بَنُو عَمِّه وبَنُو عَمِّ امْرَأتِه: إنَّ امْرَأتَك لا تُحِبُّكَ، فإنْ أحْبَبْتَ أنْ تَعلَمَ ذلك فخَيِّرْها. فقال: يَا بَرْزةَ بنتَ الحُرِّ(639) ، اخْتَارِي.
فقالَت: وَيحَكَ، اختَرْتُ ولسْتَ بخيَارٍ. قالَت ذلك ثَلاثَ مَرَّاتٍ. فقَالُوا: حَرُمَت عليكَ.
فقالَ:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 296كَذَبْتُم. فأتَى عليًّا رضي الله عنه فذَكَرَ ذلك له. فقال: «لَئِنْ قَرَبْتَها حتى تَنكِحَ زَوْجًا غَيرَك، لأغيِّبَنَّك بالحِجَارَةِ. أو قالَ: أرْضَخُك بالحِجَارَةِ».
قال: فلمَّا استُخْلِفَ مُعاوِيةُ رضي الله عنه أتَاه، فقالَ: إنَّ أبَا تُرابٍ رضي الله عنه فرَّقَ بيني وبينَ امرَأتِي بكَذا وكذا! قالَ: « قد أجَزْنَا قَضاءَه عليك. أو قالَ: مَا كُنَّا لِنَرُدَّ قَضَاءً قَضَاه عليكَ(640) » .
فُقهَاءُ الصَّحابةِ والتَّابعِينَ يَحتَجُّونَ بأقْضِيَةِ خُلفَائِهم: الصَّحابَةُ يلتَزِمُونَ قَضَاءَ الخُلفَاءِ:
مِن أصُولِ مَذهَبِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه يعتَمِدُ قولَ الشَيخينِ: أبي بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما فيمَا سَبقَاه إليه من الأحْكَامِ الشَّرعيَّةِ، ويُفتِي بقَولِهما. كانَ إذا سُئِلَ عن شَيءٍ هو في كِتَابِ اللهِ قالَ به. وإذا لمْ يكنْ في كِتَابِ اللهِ، وقالَ به رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قالَ به. وإنْ لم يكنْ في كِتَابِ اللهِ ولمْ يَقُلْه رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وقالَه أبو بكرٍ وعمرُ رضي الله عنهما قالَ به. وإلا اجتَهدَ رَأيَه(641) .
وفي الثَّنَاءِ على الطَّرِيقَةِ العُمريَّةِ ومَنهجِ صَاحبِها في استِنبَاطِ الأحْكَامِ والقَضَاءِ بينَ النَّاسِ، يقولُ ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه : «كانَ عمرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه إذا سَلَكَ بنا طَرِيقًا فاتَّبعنَاه ؛ وَجَدنَاه سَهْلاً»(642) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قالَ زيدُ بنُ ثابتٍ لمُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ رضي الله عنهم : «إنَّك كَتبْتَ إليَّ تَسألُني عن الجَدِّ؟ واللهُ أعلمُ، وذلك ممَّا لم يكنْ يَقضِي فيه إلا الأمَرَاءُ ، وقد حَضرْتُ الخَليفَتينِ قبلَك – يُرِيدُ: عمرَ وعثمانَ رضي الله عنهما- يُعطِيَانِه النِّصْفَ معَ الأخِ الوَاحدِ، والثُّلثَ معَ الاثنينِ، فإنْ كَثُرَتِ الإخْوَةُ لم يُنقِصُوه مِن الثُّلثِ»(643) .
التَّابِعُونَ يَقضُونَ بأحكَامِ الخُلفَاءِ:
سُئِلَ الفَقِيهُ القَاسِمُ بنُ محمَّدٍ بنِ أبي بَكرٍ (ت 107 هـ) رحمه الله عن الرَّجُلِ: يَجمَعُ بينَ الحَجِّ والعُمرَةِ؟ فقالَ: «مَا فَعلَه أبو بكرٍ، ولا عمرُ، ولا عثمانُ رضي الله عنهم(644) » .
وقالَ ابنُ شِهَابٍ الزُّهرِيُّ (ت 124 هـ) رحمه الله: «مَضَتِ السُّنَّةُ مِن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم والخَليفَتينِ مِن بَعدِه: ألاَّ تَجُوزَ شَهادَةُ النِّساءِ في الحُدودِ»(645) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الثالث أهل البيت وقضاء الخلفاء
العَمَلُ بسِيرَةِ الخُلفَاءِ والاستِشهَادُ بمَحَاسنِ فِعَالِهم، هو نَهْجُ أهلِ البَيتِ الأطْهَارِ، وهذا مَشهَدٌ يُنبِئُك عن مَدَى تَعظيمِ قَرابةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لأصْحَابِه الأخيارِ، ومَعرِفَةِ حَقِّهم، وأنَّهم كانُوا يَرَوْنَ فيهم القُدْوةَ الحَسَنةَ والمِثالَ الصَّالِحَ، في التَّمسُّكِ بالحَقِّ المُبينِ والمَنهجِ القَويمِ:
عن عُروةَ بنِ عَبدِ اللهِ رحمه الله(646) أنَّه قالَ: أتَيْتُ أبَا جَعْفَرٍ: محمَّدَ بنَ عليٍّ (ت 114 هـ) رحمه الله، فقُلْتُ: مَا قَوْلُكَ في حِلْيَةِ السُّيوفِ؟ فقالَ: «لا بَأسَ به، قَد حلَّى أبو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه سَيفَه». قالَ: فقُلْتُ: وتَقولُ: الصِّدِّيقُ؟!
قالَ: فوَثَبَ وَثْبةً، واستَقبَلَ القِبْلةَ، ثُمَّ قالَ: «نعم الصِّدِّيقُ، نعم الصِّدِّيقُ، نعم الصِّدِّيقُ - ثَلاثَ مَرَّاتٍ- فمَنْ لمْ يَقُلْ له: الصِّدِّيقَ، فلا صَدَّقَ اللهُ له قَولاً في الدُّنيَا ولا في الآخِرَةِ»(647) .
هذا المَذهَبُ إنَّما تَناقَلَه أئِمَّةُ أهْلِ البَيتِ كَابِرًا عن كَابرٍ، حتى انتَهوا بسِلْسِلَةِ الذَّهَبِ إلى عليٍّ رضي الله عنه .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
عَمَلُ عليٍّ بسِيرَةِ الخُلفاءِ قَبلَه(648) :
ليسَ لعليٍّ رضي الله عنه رَأيٌ مُخالِفٌ في ذلك، بلْ على العَكْسِ منه تَمامًا، فقَد وَرَدَ عنه مَا يُفِيدُ تَعمِيمَ هذه المَنهجيَّةِ مِن قِبَلِ الإمَامِ في عَهدِه إلى القُضاةِ والوُلاةِ. ومرَّ معَنا قَرِيبًا أنَّ عَبِيدةَ السَّلْمانيَّ رحمه الله قالَ: «أرسلَ عليٌّ رضي الله عنه إليَّ وإلى شُرَيحٍ: اقضُوا كمَا كنتم تَقضُونَ فإنَّي أبغِضُ الاختِلافَ»(649) .
وكانَ عليٌّ رضي الله عنه يُغيِّرُ حُكْمَه لحُكْمِ أهلِ الحَلِّ والعَقْدِ متى تَبيَّنَ له وَجْهُ الصَّوابِ في قَولِهم .
نعم، قَد يَرَى رَأيًا اجتِهَادِيًّا، فيَعْدِلُ عنه لرَأيِ أمِيرِ المؤمنين، ثُمَّ يَبْدُو له في خِلافَتِه أنْ يَعُودَ إليه لمَصْلَحَةٍ دَعَت إلى ذلك. وهذا حيثُ كانَ في الأمْرِ سَعَةٌ، ولمْ يكنْ مُنفَرِدًا، ولا تَعلُّقَ للاجْتِهَادِ بالسِّيَاسَةِ العَامَّةِ للخِلافَةِ ونِظَامِ الحُكْمِ.
هذا، وحُكْمُه الأخِيرُ ليسَ بأَوْلَى مِن حُكْمِه الأوَّلِ، ولا هو مِن قَبيلِ نَقْضِ الأحْكَامِ، بَلْ هو مِن جِهَةِ تَعدُّدِ الاجْتِهَادَاتِ في المَسْألَةِ الوَاحِدَةِ، ومُرَاعَاةِ مَصْلَحَةِ العِبَادِ في اخْتِيَارِ الحُكْمِ الأَوْفَقِ. ولكنْ في المَبْدَأ العَامِّ الأصْلُ عندَه السَّيْرُ على هَدْيِ مَن قَبْلَه.
مِن ذلك على سَبيلِ المِثَالِ:
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قَضِيَّةُ المَرأةِ المُخيَّرَةِ:
قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «سَألَنِي أمِيرُ المُؤمنِينَ عمرُ رضي الله عنه عن الخِيَارِ. فقلتُ: إنِ اختَارَت نَفْسَها فهي وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ. وإنِ اختَارَت زَوْجَها فهي وَاحِدَةٌ، وهو أحَقُّ بها.
فقالَ عمرُ رضي الله عنه : ليسَ كذلك، ولكنَّها إنِ اختَارَت زَوْجَها فليسَ بشَيءٍ، وإنِ اختَارَت نَفْسَها فوَاحِدَةٌ وهو أحَقُّ بهَا.
فلمْ أستَطِعْ إلا مُتابَعةَ أمِيرِ المُؤمنِينَ عمرَ رضي الله عنه . فلمَّا خَلَصَ الأمْرُ إليَّ، وعَلِمْتُ أنِّي مَسؤُولٌ عن الفُرُوجِ، أخَذْتُ بالذي كنتُ أرَى.
فقَالُوا: واللهِ لئنْ جَامَعْتَ عليه أمِيرَ المُؤمنِينَ عمرَ رضي الله عنه وتَرَكْتَ رَأيَك الذي رَأيْتَ أنَّه لأحَبُّ إلينَا مِن أمْرٍ تَفرَّدْتَ به بَعْدَه.
فضَحِكَ، ثُمَّ قالَ: أمَا إنَّه قَد أرْسَلَ إلى زَيدِ بنِ ثَابتٍ رضي الله عنه فسَألَ زَيدًا فخَالَفَنِي وإيَّاه . فقالَ زيدٌ رضي الله عنه : إنِ اختَارَت نَفْسَها فثَلاثٌ، وإنِ اختَارَت زَوْجَها فوَاحِدَةٌ وهو أحَقُّ بها»(650) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الرابع نماذج تطبيقية
مَفقُودٌ يَعُودُ وقَد تَزوَّجت امْرَأتُه:
عن سهيمةَ بنتِ عميرٍ الشَّيبانيَّةِ(651) : أنَّها فَقَدَت زَوجَها في غَزاةٍ غَزَاها، فلمْ تَدرِ: أهَلَكَ أمْ لا؟ فتربَّصَت أربعَ سِنينَ، ثُمَّ تزوَّجَت، فجَاءَ زَوجُها الأوَّلُ وقَد تزوَّجَت! قالَت: فرَكِبَ زَوجَايَ إلى عثمانَ رضي الله عنه ، فوَجدَاه مَحصُورًا، فسَألاه وذَكرَا له أمْرَهما.
فقالَ عثمانُ رضي الله عنه : «أعلى هذه الحَالِ؟». قالا: قَد وَقَعَ، ولا بُدَّ. قالَ عثمانُ رضي الله عنه : «فخَيَّرَ الأوَّلَ بينَ امرَأتِه وبينَ صَدَاقِها».
قالَ: فلمْ يَلبَثْ أنْ قُتِلَ عثمانُ رضي الله عنه ! فرَكِبَا بعدُ حتى أتيَا عليًّا رضي الله عنه بالكُوفَةِ فسَألاه. فقالَ: «أعلى هذه الحَالِ؟». قالا: قَد كانَ مَا تَرَى، ولا بُدَّ مِن القَولِ فيه. قالَت: وأخبرَاه بقَضاءِ عثمانَ رضي الله عنه ، فقالَ: « مَا أرَى لهما إلا مَا قالَ عثمانُ رضي الله عنه(652) » .
عليٌّ يعتَمِدُ رأيَ عثمانَ في العُذرِ بالجَهْلِ:
أُتِيَ أمِيرُ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 302المُؤمنِينَ عمرُ رضي الله عنه بجَارِيَةٍ زَنَت وكانَت ثَيِّبًا، وهي حِينَئذٍ تَستَهِلُّ بالزِّنَى-تَذْكرُ ذلك لا تَرَى به بَأسًا-! فقالَ عمرُ لعليٍّ وعَبدِ الرَّحمنِ وعثمانَ رضي الله عنهم وهم عندَه جُلوسٌ: «أشِيرُوا عليَّ».
قالَ عليٌّ وعبدُ الرَّحمنِ رضي الله عنهما: «نَرَى أنْ تَرجُمَها».
فقالَ عمرُ لعثمانَ رضي الله عنهما: «أشِرْ عليَّ». قالَ: «قَد أشَارَ عليكَ أخَوَاكَ».
قالَ: «أقْسَمْتُ عليكَ إلا مَا أشَرْتَ عليَّ برَأيِك». قالَ: «فإنِّي لا أرَى الحَدَّ إلا على مَن عَلِمَه، وأرَاها تَستَهِّلُ به كأنَّها لا تَرَى به بَأسًا».
فقالَ عمرُ رضي الله عنه : «صَدَقْتَ، والذي نَفْسِي بيَدِه، مَا الحَدُّ إلا على مَن عَلِمَه». فضَرَبَها مِئةً، وغَرَّبَها عَامًا(653) .
ولمَ يُنقَلْ مَا يُفِيدُ أنَّ عليًّا رضي الله عنه عَارَضَ رَأيَ عثمانَ رضي الله عنه ، بَلْ أيَّدَه، ثُمَّ عَمِلَ بمَا رَآهُ حِينَما آلَتِ الخِلافَةُ إليه(654) .
في قِسْمَةِ الغَنَائمِ:
عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: «إنَّ الخُمْسَ كانَ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم على خَمْسَةِ أسْهُمٍ: للهِ وللرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم سَهْمٌ، ولِذِي القُرْبَى سَهْمٌ، ولليَتَامَى والمَسَاكِينِ وابنِ السَّبِيلِ ثَلاثَةُ أسْهُمٍ. ثمَّ قَسَّمَه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ رضي الله عنهم على ثَلاثَةِ أسْهُمٍ، وسَقَطَ سَهْمُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وذَوِي القُرْبَى، وقُسِّمَ على الثَّلاثَةِ البَاقِي.
ثمَّ قَسَّمَه عليُّ بنُ أبي طَالبٍ رضي الله عنه على مَا قَسَّمَه عليه أبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ رضي الله عنهم(655) » .
فقِيلَ لأبي جَعفرٍ البَاقرِ رحمه الله:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 303مَا كانَ رَأيُ عليٍّ رضي الله عنه في الخُمْسِ؟ قالَ: «كانَ رَأيُه فيه رَأيَ أهلِ بَيتِه، ولكنَّه كَرِه أنْ يُخالِفَ أبَا بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما»(656)
أخْذُ الجِزْيَةِ مِن المَجُوسِ:
حَكَمَ عليٌّ رضي الله عنه على المَجُوسِ أنْ تُؤخَذَ منهم الجِزْيةُ(657) ، مُستَدِلاً بصَنيعِ الشَّيخَينِ رضي الله عنهما يُقرِنُهما بسُنَّةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، يقولُ: «إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأبَا بكرٍ وعمرَ أخَذُوا الجِزْيةَ مِن المَجُوسِ»(658) .
ثُمَّ يُفرِّقُ بينَهم وبينَ أهْلِ الكِتَابِ في الذَّبَائحِ والمُناكَحَةِ، فلا يَستَحِلُّها منهم، ويقولُ: «أنَا أعْلَمُ النَّاسِ بهم، كانُوا أهْلَ كِتَابٍ يقرَأونَه، وعِلْمٍ يَدرُسُونَه، فنُزِعَ مِن صُدُورِهم»(659) . «فأخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الخَراجَ لأجْلِ كِتَابِهم، وحَرَّمَ مُناكَحتَهم وذَبائِحَهم لشِرْكِهم»(660) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المبحث الثالث شرع من قبلنا
ويَشتمِلُ على ثَلاثَةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلبُ الأوَّلُ: مَضْمُونُ شَرْعِ مَن قَبْلَنا.
المَطلبُ الثَّانِي: مَوقِفُ عليٍّ مِن شَرْعِ مَن قَبلَنا.
المَطلبُ الثَّالِثُ: النَّمَاذِجُ التَّطبِيقيَّةُ.
المطلب الأول مضمون شرع من قبلنا
تَعرِيفُ شَرْعِ مَن قَبْلَنَا:
المَقصُودُ بشَرْعِ مَن قَبلَنا: الأحْكَامُ التي شَرَعَها اللهُ للأمَمِ السَّابِقَةِ عن طَرِيقِ رُسُلِه عليهم السلام.
حُجِّيَّةُ شَرْعِ مَن قَبلَنا:
هذا أصْلٌ مُختَلَفٌ فيه عندَ العُلمَاءِ: هَلْ يَلزَمُنا الأخْذُ به، أمْ لا؟
قَبْلَ الشُّروعِ في بَيَانِ مَوقفِ عليٍّ رضي الله عنه مِن الأحْكَامِ السَّابِقَةِ للأمَمِ المَاضِيَةِ، يَجمُلُ بنَا أنْ نُحَرِّرَ مَوضِعَ النِّزَاعِ في المَسْألَةِ، لأنَّ المَوضُوعَ هذا له أطْرَافٌ مُتشَابِكَةٌ.
تَحرِيرُ مَحِلِّ النِّزَاعِ:
شَرْعُ مَن قَبْلَنا أقْسَامٌ مُتعَدِّدَةٌ، بَعْضُ هذه الأقْسَامِ مُتَّفَقٌ عليها،
PDF 305وبَعْضُها هو مَحِلُّ الاخْتِلافِ على النَّحْوِ الآتِي:
القِسْمُ الأوَّلُ: أحْكَامٌ لمْ يَرِدْ لها ذِكْرٌ في كِتَابِنا ولا في سُنَّةِ نَبيِّنا صلى الله عليه وسلم. هذا النَّوعُ ليسَ شَرْعًا لنا باتِّفَاقٍ عندَ العُلمَاءِ.
القِسْمُ الثَّانِي: أحْكَامٌ قَصَّها وَحْيُ السَّمَاءِ، وهذه ثَلاثَةُ أنْوَاعٍ، هي:
النَّوْعُ الأوَّلُ: الأحْكَامُ التي قَامَ الدَّلِيلُ مِن شَرِيعَتِنا على كَونِها مَنسُوخةً في حَقِّنا. فلَزِمَ العَمَلَ بها القَومُ المَاضُونَ، واتَّفَقَ مُجتَهِدُو الأمَّةِ على أنَّها ليسَت شَرْعًا لنا.
كقَولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيناهُم بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقونَ(661) ﴾ .
فتَحرِيمُ كُلِّ ذِي ظُفُرٍ، وهو: كُلُّ مَا له مِخْلَبٌ مِن الطَّيْرِ وحَافِرٌ من الدَّوابِّ؛ كالإبِلِ والإوَزِّ والبَطِّ. وتَحرِيمُ شُحومِ البَطْنِ المُحِيطَةِ بالكَرْشِ مَا عدا السَّنامَ، والحَوايَا، أيْ: الأمْعَاءُ، نُسِخَ في شَرِيعَتِنا، بقَولِ اللهِ تعالى:
﴿ قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 306مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ(662) ﴾
النَّوْعُ الثَّانِي: الأحْكَامُ التي أُقِرَّت في شَرِيعَتِنا، وقَامَ الدَّلِيلُ على أنَّنا مُخَاطَبُونَ بها، فهذه شَرْعٌ لنا دُونَ خِلافٍ عندَ أهْلِ العِلْمِ.
كالصِّيَامِ، في قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ(663) ﴾ .
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الأحْكَامُ التي سَكَتَ عنها الوَحْيُ بعدَ الإخْبَارِ بهَا، فلمْ يَقُمْ دَلِيلٌ مِن هذه النُّصُوصِ على إقْرَارِها صَراحَةً ولا على إنْكَارِها.
كقَولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ(664) ﴾ ، الآيَة.
فهَلْ يُعتَبرُ هذا النَّوْعُ شَرْعًا لنَا أمْ لا؟ هو مَحِلُّ خِلافٍ عندَ الأصُوليِّينَ(665) .
المُلاحَظُ مِن خِلالِ استِعْرَاضِ الأنْوَاعِ سَابِقَةِ الذِّكْرِ، أنَّ ثمَّةَ شَرْطًا مُتَكرِّرًا يَجِبُ تَوفُّرُه في الأحْكَامِ المَنقُولَةِ عن الأمَمِ السَّابِقَةِ،
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 307وهو: أنْ يأتي ذِكْرُها عن طَرِيقِ شَرِيعَتِنا بالنَّصِّ عليها، في الكِتَابِ أو السُّنَّةِ. ولا التِفَاتَ لِمَا نُقِلَ عن الكُتُبِ السَّابِقَةِ لعَدَمِ الاطْمِئنَانِ إلى مَضمُونِهَا، لمَا دَخَلَها مِن التَّحرِيفِ.
المطلب الثاني موقف علي من شرع من قبلنا
لمْ أقِفْ في مَا وَرَدَنا مِن آثَارٍ وخِطَابَاتٍ عن عليٍّ رضي الله عنه ، على نَصٍّ حَوْلَ هذا الأصْلِ لا تَصرِيحًا ولا تَلمِيحًا، بخِلافِ الأصُولِ السَّابِقِ ذِكْرُها!
نعم، مرَّ معَنا قَولُه لابنِه الحَسنِ: «إنِّي – وإنْ لم أكنْ عُمِّرتُ عُمُرَ مَن كان قَبلِي- فقد نَظرْتُ في أعمَالِهم، وفَكَّرْتُ في أخبَارِهم، وسِرْتُ في آثَارِهم، حتَّى عُدْتُ كأحَدِهم، بلْ كأنِّي بمَا انتَهى إليَّ من أمُورِهم؛ قد عُمِّرْتُ معَ أوَّلِهم إلى آخرِهم، فعَرَفْتُ صَفْوَ ذلك مِن كَدَرِه، ونَفْعَه من ضَررِه»(666) .
ولكنَّ هذا النَّصَّ لا يُسعِفُنا فيمَا نحنُ في صَدَدِ بَحْثِه، لأنَّ غَايةَ مَا يُستَفادُ منه أنَّ عليًّا رضي الله عنه كانَ يَنظُرُ في أخْبَارِ المَاضِينَ، ويتَأمَّلُ في عَادَاتِهم وتَقالِيدِهم، ويُلاحِظُ خِبْرَاتِهم وتَجارِبَهم. وهذا فيه نَوْعٌ من الاعتِبَارِ والاتِّعَاظِ، وهو إلى عِلْمِ الأخْلاقِ والاجْتِمَاعِ أقْرَبُ منه إلى عِلْمِ الأصُولِ والفِقْهِ.
إذًا،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 308فلا سَبِيلَ إلى مَعرِفَةِ مَوقِفِ عليٍّ رضي الله عنه في هذا الأصْلِ، إلا باستِقْرَاءِ أقضِيَتِه، ثُمَّ تَحلِيلِها أصُوليًّا لاستِخْلاصِ رَأيِه في هذا المَوضُوعِ.
ومِن جَرَّاءِ النَّظَرِ في أقْضِيَتِه، تَبيَّنَ أنَّه كانَ يَعْتَدُّ بأحْكَامِ شَرْعِ مَن قَبلَنا، ويَعتَمِدُها في الاحتِجَاجِ، واستِنبَاطِ الأحْكَامِ. وهذا وَاضِحٌ مِن خِلالِ استِعْرَاضِ النَّمَاذجِ التَّالِيَةِ:
المطلب الثالث النماذج التطبيقية
أوَّلاً- في فِقْهِ العِبَادَاتِ:
قَضَاءُ الفَوائتِ:
استَدلَّ أهْلُ العِلْمِ على وُجُوبِ قَضَاءِ الصَّلاةِ المَفرُوضَةِ بقَولِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إذَا رَقَدَ أحَدُكم عنِ الصَّلاةِ أو غَفَلَ عنها، فليُصَلِّها إذا ذَكرَها، فإنَّ اللهَ يقولُ: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي(667)(668) ﴾ )( .
وَجْهُ الدَّلالَةِ: أنَّ الآيَةَ خِطَابٌ لكَليمِ اللهِ مُوسَى عليه السلام ، فلو لمْ يكنِ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مُطالَبًا بشَرْعِ مَن قَبلَه، لمَا كانَ لتِلاوَةِ هذه الآيَةِ فَائِدَةٌ. فدَلَّ على ثُبوتِ هذا الحُكْمِ، وأخْذِه مِن الآيَةِ التي تضَمَّنَتِ الأمْرَ لمُوسَى عليه السلام ، وأنَّه ممَّا يَلْزَمُنا اتِّبَاعُه.
قالَ عليٌّ رضي الله عنه
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 309«إذَا نَامَ الرَّجُلُ عن صَلاةٍ، أو نَسِيَ، فليُصَلِّ إذا ذَكرَ»(669)
جَاءَ إليه رَجُلٌ، فقالَ: إنِّي نِمْتُ، فنَسِيتُ الوِتْرَ حتى طَلعَتِ الشَّمْسُ! فقالَ: «إذا استَيقَظْتَ وذَكَرْتَ، فصَلِّ»(670) .
ثَانِيًا- في فِقْهِ المُعامَلاتِ:
مُكَافَأةُ مَن يَأتِي بالعَبْدِ الآبِقِ:
الإبَاقُ: هو هَرَبُ العَبدِ مِن سَيِّدِه تَمرُّدًا، بلا سَبَبٍ مَشرُوعٍ. «وهو مِن سُوءِ الأخْلاقِ، ورَداءَةٍ في الأعْرَاقِ (...) وإعَادَتُه إلى مَثْوَاه إحْسَانٌ وامتِنَانٌ، وإنَّما جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّ الإحْسَانُ»(671) .
الوَاجِبُ على مَن وَقَعَ في سُلْطَتِه عَبدٌ آبِقٌ أنْ يَرُدَّه إلى سَيِّدِه إنْ عَرَفَه، قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «المُسلِمُونَ يَردُّ بَعضُهم على بَعضٍ»(672) .
وفَرَضَ لمَن يَردُّ العَبدَ الآبِقَ على صَاحبِه جُعْلاً ثَابِتًا: دِينَارٌ أو اثنَا عَشرَ دِرْهَمًا، سَوَاءٌ أخِذَ قَرِيبًا أو بَعِيدًا(673) .
استُدِلَّ لِمَا قَضَى بِه مِن جَوَازِ الجَعَالَةِ بقَولِ اللهِ تعالى: ﴿ قَالُوا
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 310نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ(674) ﴾
وَجْهُ الدَّلالَةِ: أنَّه حِكَايَةٌ عن شَرْعِ مَن قَبلَنا في فَرْضِ جُعْلٍ لمَن أتَى بصُوَاعِ المَلكِ.
ثَالِثًا: في فِقْهِ الحُدُودِ والجِنَايَاتِ:
عَمِلَ عليٌّ رضي الله عنه بعُمومِ اللَّفْظِ في قَولِ اللهِ تعالى حِكَايةً عن شَرِيعَةِ بَنِي إسْرَائِيلَ: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَـئِكَ هُمُ الظّالِمونَ(675) ﴾ .
فكانَ مِن الأحْكَامِ التي أجْرَاها بِنَاءً على هذه الآيَةِ:
قَتْلُ المُسْلمِ بالذِّمِّيِّ:
إنَّ عِصْمةَ الدَّمِ شَرْطٌ في وُجُوبِ القِصَاصِ، فسَاوَى عليٌّ رضي الله عنه بينَ نَفْسَيِّ المُسلمِ والذِّمِّيِّ، وكذا بينَ دِيتَيهما.
فالمُسلِمُ إذا جَنَى على ذِمِّيٍّ عَمْدًا، قُتِلَ به. علَّلَ عليٌّ رضي الله عنه مَذْهبَه بأنَّ أهْلَ الذِّمَّةِ «إنَّما بَذَلُوا الجِزْيةَ لتَكونَ دِمَاؤُهم كدِمَائِنا، وأمْوالُهم كأمْوَالِنا»(676) وعندَما اعتَدَى مُسلِمٌ على ذِمِّيٍّ فقَتلَه، قَضَى عليه بالقَتْلِ، وقالَ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 311رضي الله عنه :«أنَا أحَقُّ مَن وَفَّى بذِمَّةِ محمَّدٍ صلى الله عليه وسلم»(677)
وإنْ كانَ قَتْلُه مُوجِبًا للدِّيَةِ، فدِيَةُ الذِّمِّيِّ مِثْلُ دِيَةِ المُسلمِ سَواءً بسَواءٍ، قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «دِيَةُ اليَهُوديِّ والنَّصرَانيِّ وكُلِّ ذِمِّيٍّ مِثْلُ دِيَةِ المُسْلمِ»(678) .
دَلِيلُه: عُمُومُ اللَّفْظِ في قَولِ اللهِ تعالى حَكَايَةً عن شَرِيعَةِ بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ(679) ﴾ .
الأعْوَرُ يَفْقَأ عَينَ الصَّحِيحِ:
إذا فَقَأ أعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ، لَزِمَ القَصَاصُ، قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «أقَامَ اللهُ القَصَاصَ في كِتَابِه: ﴿ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ(680) ﴾ ». وقَد عُلِمَ هذا فعليه القَصَاصُ، فإنَّ اللهَ لمْ يكنْ نَسِيًّا»(681) .
فنَصَّ عليٌّ رضي الله عنه على الحُكْمِ، وكَشَفَ عن عِلَّتِه، وذَكَرَ دَلِيلَه، وهذه مِن الوَقَائعِ القَلِيلَةِ جِدًّا التي يُشِيرُ فيها إلى الدَّلِيلِ في المَسألَةِ.
تَمَّ البَحثُ في الفَصْلِ الثَّالِثِ عنِ المَصَادرِ النَّقلِيَّةِ التَّبعِيَّةِ، وسيَدُورُ الحَدِيثُ في الفَصْلِ الرَّابِعِ حولَ المَصَادرِ العَقلِيَّةِ، أبْدَأُهَا بالقِيَاسِ.
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الفصل الرابع الأدلة العقلية
مَزَجَتِ الشَّرِيعَةُ في قَواعدِها ومَصَادرِ فِقْهِها بينَ المَنقُولِ والمَعقُولِ، ونَصَّت على أنَّ في الأخْذِ بهما نَجَاةً مِن التَّناقُضِ، وحَكَت على لِسَانِ الفُجَّارِ مِن أهْلِ النَّارِ تَألُّمَهم في قَولِهم: ﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصحابِ(682) ﴾ .
وإذ قَد تَكلَّمْتُ فيمَا سَبَقَ عمَّا يتَعلَّقُ بالأدِلَّةِ النَّقلِيَّةِ، فقَد خَصَّصْتُ هذا الفَصْلَ لبَحْثِ الأدِلَّةِ العَقلِيَّةِ.
وبما أنَّ القِيَاسَ هو أوَّلُها، يَلِيه الاستِحْسَانُ، ثُمَّ الاستِصْحَابُ آخِرُ مَدَارِ الفَتْوَى، فقَد جَاءَ هذا الفَصْلُ في ثَلاثَةِ مَبَاحِثَ، هي:
المَبحثُ الأوَّلُ: القِيَاسُ.
المَبحثُ الثَّانِي: الاستِحْسَانُ.
المَبحثُ الثَّالِثُ: الاستِصْحَابُ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المبحث الأول القياس
اختَلَفَ الأصُوليُّونَ في حَقِيقَةِ القِيَاسِ: هل هو دَلِيلٌ مُستَقِلٌّ؟ أو هو مِن فِعْلِ المُجتَهدِ؟ على مَذهَبينِ(683) ، ثُمَّ اشتَهَرَ بأنَّهُ: «إلحَاقُ أمرٍ غيرِ مَنصُوصٍ على حُكْمِه، بأمرٍ مَنصُوصٍ على حُكْمِه، لعِلَّةٍ جَامِعَةٍ بينَهما»(684) .
يَتَبيَّنُ مِن التَّعرِيفِ أنَّ القِيَاسَ كَشْفٌ وإظْهَارٌ للحُكْمِ الشَّرْعيِّ في الوَاقِعَةِ، وليسَ مِن بَابِ الإنْشَاءِ، لأنَّ الحُكْمَ ثَابِتٌ شَرْعًا في الأصْلِ المَقِيسِ عليه، وإنَّما تَأخَّرَ ظُهورُه إلى وَقْتِ بَيَانِ المُجتَهدِ بوَاسِطَةِ العِلَّةِ.
يَهُمُّنا في هذا المَبحَثِ أنْ نتَناوَلَ القِياسَ مِن جَوانِبَ وَثيقَةِ الصِّلَةِ باجتِهَادِ عليٍّ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 316الأصُولِيِّ، لذا جَاءَ في خَمسَةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلَبُ الأوَّلُ: مَوقِفُ عليٍّ مِن القِيَاسِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: بينَ عمرَ وعليٍّ.
المَطلَبُ الثَّالِثُ: هَلْ أطْلَقَ العِنَانَ للقِيَاسِ؟
المَطلَبُ الرَّابِعُ: هل خَرَجَت بَعضُ قَضَايَاه عن سَنَنِ القِيَاسِ؟
المَطلَبُ الخَامِسُ: نَماذِجُ تَطبِيقيَّةٌ.
المطلب الأول موقف علي من القياس
يقولُ عليٌّ رضي الله عنه : «كلُّ قَومٍ على بيِّنةٍ من أمرِهم، ومَصْلَحةٍ في أنفُسِهم، يُزرُونَ(685) على مَن سِواهُم. ويُعرَفُ الحَقُّ بالمُقايَسةِ عند ذَوِي الألبَابِ»(686) .
في هذا الأثَرِ تَقرِيرٌ لمَبدَأ (المَشُورَةِ)، كمَا يشقُّ الطَّرِيقَ بأمَانٍ لمَن يَعتَمِدُونَ (الرَّأيَ) – والقِيَاسُ وَاحِدٌ منه- كأصْلٍ من أصُولِ (الاجتِهَادِ التَّطبِيقيِّ) في حَياتِهم ومَعاشِهم، ويَلوذُونَ بجَانبِ (المَصْلَحةِ) متى دَعَت إلى ذلك احتِياجَاتُ الوَاقعِ الذي يَعِيشُونَ.
إنَّ عليًّا رضي الله عنه إذ يُؤسِّسُ لهذا المَبدَأ بكُلِّيَّتِه، فإنَّه يردُّ على مَن
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 317يَرفُضُ التَّجاوُبَ معَ هذين الأصْلَينِ. ويَعِيبُ عليهم عَدمَ تَقبُّلِهم لمَا عندَ غَيرِهم من الحَقِّ الذي جَاءَت به الشَّرِيعَةُ الغرَّاءُ، وما انطوَت عليه دَلائِلُ الفِطرَةِ السَّويَّةِ من الاعتِمَادِ على القِيَاسِ والمَصْلَحةِ كمَنهجيَّةٍ مُتكامِلَةٍ في استِنبَاطِ الأحْكَامِ.
ولِشدَّةِ ثِقَةِ عليٍّ رضي الله عنه بصَوابيَّةِ مَنهجِه في الأخْذِ بالقياسِ والتِمَاسِ المَصالحِ، خاصَّةً إبَّانَ حُكمِه الرَّشيدِ؛ مُراعَاةً لتَعقِيدَاتِ الحَياةِ الجَديدةِ، التي فَرَضَت نَفْسَها بعدَ التَّطوُّرِ المَدنيِّ الذي ارْتَقبَه في انْفِتَاحِ الأُمَمِ على بَعضِهم، واخْتِلاطِ الثَّقافَةِ الأجْنَبيَّةِ بما تَحمِلُه من عَاداتٍ وتَقالِيدَ ومَورُوثاتٍ دينيَّةٍ، بالشَّرِيعَةِ الإسلاميَّةِ والأعْرَافِ العَربيَّةِ، فإنَّه يحقُّ لمَن يَرَى رأيَه أن يَعتِبوا على الذين يُنكِرونَ عليهم، بلْ دَعَاهم إلى تَحكيمِ القياسِ.
بِناءً على مَا وَرَدَ بَيانُه، وانطِلاقًا من قَاعدةِ مُراعاةِ الأعرافِ وصَالحِ المُجتمَعاتِ في فِكْرِ عليِّ بن أبي طالبٍ رضي الله عنه ، فإنَّه يُرسِّخُ لمَفهُومِ العُمرَانِ الذي عَناه ابنُ خَلْدونَ في تَفاعُلِ أفْرادٍ فيمَا بينَهم ليُشكِّلوا مُجتمَعًا يُمثِّلُ وِحْدتَهم ووِجْهتَهم، في انتِظَامِ سَيرِ حَياتِهم.
وهذا لا يتأتَّى إلا إذا كانَ لكُلِّ قَومٍ الحَقُّ في تَقديرِ أمُورِهم وتَقريرِ مَواقفِهم؛ كونُهم أدْرَى بمَصالحِهم، وأعلمَ بما يتَحقَّقُ منها أو يَهْدِرُها، لذلك هم يَجتهِدونَ اجتِهَادًا هو أَليَقُ بهم، وأكثرُ تَلاؤُمًا معَ ظُرُوفِ حَياتِهم، وإنْ لمْ يَفهَمْه غَيرُهم.
إنَّ المُتأمِّلَ في كَلامِه يَجِدُه يُنظِّرُ للسِّياسَةِ الشَّرعيَّةِ
PDF 318ومُنطلَقاتِها(687) ويُقعِّدُ لأوْلَويَّاتِ العَملِ الإسلاميِّ على أنَّها مَبنيَّةٌ على جَلْبِ المَصالحِ ودَرْءِ المَفاسدِ، والمُوَازَنةِ بينَ الأشْبَاهِ والنَّظَائرِ، حيثُ جَمَعَ بينَ التَّقديرِ المَصلَحيِّ والقياسِ معًا، فَاسِحًا المَجالَ أمَامَ الدُّعاةِ والمُصلِحينَ وسَائرِ المُثقَّفِينَ أنْ يَنهَضُوا بأمَّتِهم، مُعتَمِدينَ على الجَديدِ ممَّا تُوَلِّدُه الحَضَارةُ، مَا لمْ يكنْ إثمُه أكبرَ مِن نَفعِه، في سَبيلِ الإبْقَاءِ على مُهجَةِ هذه الحَضَارةِ الكَرِيمَةِ، وإنْعَاشِ الدَّعوَةِ الإسْلاميَّةِ التي عَمِلَ على فَلْسَفتِها وبَلْوَرتِها وكَيفيَّةِ تَجاوُبِها معَ مُشكِلاتِ الوَاقعِ، منذُ بِعْثَتِه إلى اليَمَنِ السَّعيدِ حتى قِتَالِه مَن بَغَى عليه في مَعرَكتيْ: صِفِّينَ والنَّهرَوانِ.
المطلب الثاني بين عمر وعلي
إذا قُمْنَا بمُقارَنةٍ سَريعةٍ بينَ القَاضِيَينِ الفَاضِلَينِ: عمرَ بنِ الخطَّابِ، وعليِّ بنِ أبي طالبٍ رضي الله عنهما، لوجَدْناهما يتَّبِعانِ الخُطَّةَ نَفْسَها بحَذافِيرِها، فيمَا دَعَت إليه السَّلِيقةُ الفِقْهيَّةُ التي وَرِثَاها مِن صَاحبِ الحَنِيفيَّةِ صلى الله عليه وسلم.
فالأوَّلُ يُخاطِبُ عَامِلَه على العِرَاقِ أبَا مُوسَى الأشْعرِيَّ رضي الله عنه بالمَفهُومِ نَفْسِه الذي أدْرَكَه عليٌّ رضي الله عنه بحُكْمِ مُخالَطَتِه وتَجربتِه ومَا فَتَحَ اللهُ عليه من مَعانِي الوَحيِ.
يقولُ أميرُ المُؤمِنينَ عمرُ بنُ الخطَّابِ رضي الله عنه «الفَهْمَ الفَهْمَ فيمَا
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 319يَختَلِجُ في صَدْرِكَ ممَّا لمْ يَبلُغْكَ في الكِتَابِ أو السُّنَّةِ. اعرِفِ الأمْثَالَ والأشْبَاهَ، ثُمَّ قِسِ الأمُورَ عندَ ذلك، فاعْمَدْ إلى أحبِّها إلى اللهِ وأشبَهِها بالحَقِّ فيمَا تَرَى»(688)
ويقولُ أمِيرُ المُؤمنِينَ عليُّ بنُ أبي طَالبٍ رضي الله عنه : «ويُعرَفُ الحَقُّ بالمُقايَسةِ عندَ ذَوِي الألْبَابِ»(689) .
إنَّه الحَقُّ يَخرُجُ مِن مِشكَاةٍ وَاحدةٍ، ويَنطِقُ على ألسِنَةِ المُلهَمِينَ بعِبَارَاتٍ مُختلِفَةٍ، ذات مَعانٍ وَاحدةٍ مُتجدِّدَةٍ لا تَبلَى على طُولِ الأزْمَانِ.
فالمُجتَهِدُ في قَضيَّةٍ خلَت عن الإشَارةِ إلى حُكْمِها النُّصُوصُ الشَّرعيَّةُ، أمَامَه طَرِيقَانِ:
إمَّا أن يَلجَأ إلى تَحديدِ نَصٍّ يُمكِنُ أن يَكُونَ أصْلاً في المَسألَةِ، فيَقِيسُ عليه قَضيَّتَه لِعلَّةٍ تَعرَّفَ إليها، تَجمَعُ بينَهما. وإمَّا أنْ يَعُودَ إلى المَعانِي المَصلَحيَّةِ التي يُمكِنُ أن يستَدِلَّ بها، والمَقاصدِ الشَّرعيَّةِ العَامَّةِ التي تَشهَدُ لقَضيَّتِه متى أعْوَزَه الأمْرُ، مُراعِيًا أعْرَافَ النَّاسِ، وظُرُوفَ مَعِيشَتِهم في المِنْطَقَةِ التي يَعِيشُونَ فيها. حِينَئذٍ تتَّضِحُ له مَعَالِمُ القَضيَّةِ، ويَرَى الحُكْمَ يُطِلُّ عليه مِن وَرَاءِ الأفُقِ، مُجَلْببًا بعَباءَةِ التَّواضُعِ والانْكِسَارِ للهِ تعالى، وهَضْمِ النَّفْسِ، عَازِيًا العِلْمَ للهِ، مُعتَرِفًا بجَهْلِ نَفْسِه.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الثالث هل أطلق العِنان للقياس؟
عَمِلَ عليٌّ رضي الله عنه بالقِيَاسِ، ونَصَّ عليه، واتَّخذَه مَصْدرًا تَشرِيعيًّا يَستمِدُّ منه أحْكَامَ قَضَاياه، وأجْوِبةَ مَسائِله وفَتاوَاه. لكنَّه لم يَغْلُ فيه إلى حَدِّ أنْ يُعارِضَ بينَه وبينَ نُصُوصِ الشَّارعِ! وإنَّما أمِنَ مِن مَفازَةِ ذلك لأنَّه أَوْلَى الكِتَابَ والسُّنَّةَ عِنايةً وَافِيةً، فخَبَرَ منهما كَثِيرًا مِن الأحْكَامِ التي جَهِلَها غَيرُه أو غَفَلَ عنها.
وبالتَّالِي أثْبَتَ أنَّ نُصُوصَ الوَحْيِ شَامِلَةٌ للحَوادثِ ومُتجدِّداتِها، غَيرُ قَاصِرَةٍ عن بَيانِها بالإشَارَةِ إلى غَيرِ مَا مَصدَرٍ يُمكِنُ الاعتِمَادُ عليه في تَبيُّنِ الحُكْمِ الشَّرعيِّ. فحَفِظَ عُمُومَ الشَّرِيعَةِ في كلِّ شَيءٍ مِن الدِّينِ: أصُولِه وفُروعِه. كمَا حَفِظَ للنَّصِّ مَكانَتَه وضَمِنَ له عَدَمَ مُعارَضَتِه بالرَّأيِ والاجتِهَادِ.
وإنَّما وَسِعَه ذلك لأنَّه وَلَجَ الآيَاتِ القُرآنيَّةَ والأحَادِيثَ النَّبويَّةَ إلى مَضامِينِها، فأدْرَكَ مِن خِلالِ نَظَرِه العَميقِ مَقصدَ المُتكلِّمِ منها، لفَهْمِه وإدرَاكِه، وجُودَةِ فِكْرِه وقَريحَتِه، وصَفَاءِ ذِهْنِه، ومَعرِفَتِه بدَلالاتِ الألفَاظِ ومَراتِبِها.
فقَولُ عليٍّ رضي الله عنه السَّابِقُ لا يتَناقَضُ معَ المَشهُورِ عنه مِن قَولِه: «لو كانَ الدِّينُ بالرَّأيِ، لكانَ أسْفَلُ الخُفِّ أوْلَى بالمَسْحِ مِن أعْلاه»(690) وفي رِوَايةٍ: «كنتُ أرَى أنَّ بَاطِنَ القَدَمينِ أحَقُّ بالمَسْحِ مِن ظَاهرِهما،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 321حتى رَأيتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَمسَحُ ظَاهِرَهما». لأنَّه حذَّرَ مِن اتِّبَاعِ الهَوَى والرَّأيِ الذي لا يعتَمِدُ على رُوحِ النُّصُوصِ والمَقاصدِ العَامَّةِ للتَّشريعِ.
هذا مِن جِهَةٍ، ومِن جِهَةٍ أخرَى، فإنَّه تَقرِيعٌ لمَن يُنَصِّبُ العَقْلَ حَكَمًا في تَشريعِ الأحْكَامِ، ويَجعَلُه مِيزَانًا في قَبولِها أو رَدِّها! ذلك أنَّ العَقْلَ ليسَ له سُلطَانٌ على الشَّريعَةِ، غَايَتُه أنَّه رُكْنٌ رَئِيسٌ في عَمليَّةِ الاجتِهَادِ والاستنبَاطِ والتَّرجيحِ... إلخ.
المطلب الرابع هل خرجت بعض قضاياه عن سنن القياس؟
كانَ عليٌّ رضي الله عنه مُتضلِّعًا بالفِكْرِ الأصُوليِّ على السَّجيَّةِ، عاملاً بمُقتَضَاه إلى حَدِّ أنَّ قَضيَّةً من قَضَايَاه لم تُخطِئْ مَسارَها الصَّحِيحَ، بلْ كانَت سَائِرُ أقضيَتِه على سَنَنٍ وَاحدةٍ، وتَسِيرُ باتِّجاهٍ وَاحدٍ، وهو القَائِلُ: «إنَّ مَعِي لبَصِيرَتي، ما لَبَّسْتُ ولا لُبِّسَ عليَّ»(691) . حتى «حَلَفَ المُغِيرَةُ باللهِ أنَّ عليًّا رضي الله عنه مَا أخْطَأ في قَضَاءٍ قَضَى به قط»(692) .
إلا أنَّ بَعضَ المَسَائلِ التي قَضَى بها عليٌّ رضي الله عنه أَشْكَلَ الحُكْمُ بها على بَعضِ أهْلِ العِلْمِ، وظَنُّوهَا مِن أبْعَدِ الأحْكَامِ عنِ القِيَاسِ، منها المَسْألَتَانِ الآتِيتَانِ:
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
مَسألَةُ الزُّبيَةِ(693) :
ذَهَبَ بَعضُ أهْلِ العِلْمِ إلى أنَّ الحُكْمَ بهذه القَضيَّةِ تَوقِيفِيٌّ، على خِلافِ القِيَاسِ(694) !
واستَشْكَلُوا على قَضَائِه بأنَّه أوْجَبَ الدِّيَةَ على عَاقِلَةِ مَن حَضَرَ البِئْرَ ولمْ يُبَاشِرْ، ولم يُوجِبْ على عَاقِلَةِ الجَاذِبِ شَيئًا معَ أنَّه مُبَاشِرٌ، وهذا خِلافُ القِيَاسِ!!
نَاقَشَ ابنُ القَيِّمِ رحمه الله هذه المَسألَةَ، وخَلَصَ إلى أنَّ حُكْمَ عليٍّ رضي الله عنه فيها مَحْضُ الصَّوَابِ، وأنَّه مُقتَضَى القِيَاسِ والعَدْلِ(695) . وقَدَّمَ لذلك بأصْلٍ، بَيَّنَ فيه وَجْهَ الحَقِّ في القَضيَّةِ:
وهو أنَّ الجِنَايةَ إذا حَصَلَت مِن فِعْلٍ (مَضمُونٍ) و(مُهدَرٍ)، سَقَطَ مَا يُقَابِلُ المُهْدَرَ، واعتُبِرَ مَا يُقابِلُ المَضمُونَ.
فلمْ يُوجِبْ عليٌّ رضي الله عنه على عَاقِلَةِ الجَاذبِ شَيئًا معَ أنَّه مُباشِرٌ، وأوْجَبَ على عَاقِلَةِ مَن حَضَرَ البِئْرَ ولمْ يُباشِرْ. الوَجْهُ في ذلك أنَّ الجَاذِبَ لمْ يُبَاشرِ الإهْلاكَ، وإنَّما تَسبَّبَ إليه، والحَاضِرُونَ تَسبَّبُوا بالتَّزَاحُمِ، وكانَ تَسبُّبُهم أقْوَى مِن تَسبُّبِ الجَاذبِ، لأنَّه أُلجِئَ إلى الجَذْبِ، فهو كمَا لو ألْقَى إنسَانٌ إنسَانًا على آخَرَ، فنَفَضَه عنه لئلا
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 323يَقتُلَه، فمَاتَ! فالقَاتِلُ هو المُلقِي.
ولمَّا كانَ المُبَاشِرُ للتَّلفِ هو الأسَدَ، ولا يُمكِنُ الإحَالَةُ عليه، ألْغَى فِعْلَه، وصَيَّرَ الحُكْمَ للسَّبَبِ.
فالصَّوَابُ مَا قَضَى به أمِيرُ المُؤمنِينَ رضي الله عنه ، وهو أحْسَنُ مِن تَحمِيلِ دِيَةِ الرَّابعِ لعَاقِلَةِ الثَّالثِ، وتَحمِيلِ دِيَةِ الثَّالثِ لعَاقِلَةِ الثَّانِي، وتَحمِيلِ دِيَةِ الثَّانِي لعَاقِلَةِ الأوَّلِ، وإهْدَارِ دِيَةِ الأوَّلِ بالكُلِّيَّةِ.
فإنَّ هذا القَوْلَ، وإنْ كانَ له حَظٌّ مِن القِيَاسِ، فإنَّ الأوَّلَ لمْ يَجْنِ عليه أحَدٌ وهو الجَانِي على الثَّانِي، فدِيَتُه على عَاقِلَتِه. والثَّانِي على الثَّالثِ. والثَّالِثُ على الرَّابعِ. والرَّابِعُ لمْ يَجْنِ على أحَدٍ، فلا شَيءَ عليه.
لذا، فإنَّ مَا قَضَى به عليٌّ رضي الله عنه أفْقَهُ، لأنَّ الحَاضِرينَ ألْجَؤُوا الوَاقِعينَ بُمزَاحمَتِهم لهم، فعَواقِلُهم أوْلَى بحَمْلِ الدِّيَةِ مِن عَوَاقلِ الهَالِكينَ، وأقْرَبُ إلى العَدْلِ مِن أنْ يَجْمعَ عليهم بينَ هَلاكِ أوْلِيَائِهم وحَمْلِ دِيَاتِهم، فتتَضَاعَفَ عليهم المُصِيبَةُ ويُكسَرُوا مِن حيثُ يَنبَغِي جَبْرُهم(696) .
مَسألَةُ القُرْعَةِ بينَ المُتنَازعِينَ على الوَلَدِ:
قَضَى عليٌّ رضي الله عنه بالقُرعَةِ في الثَّلاثَةِ الذين وَقَعُوا على امْرَأةٍ في طُهْرٍ وَاحدٍ، ثُمَّ تَنازَعُوا الوَلَدَ! فألحَقَ الوَلدَ بالذي صَارَت له القُرعَةُ،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 324وجَعلَ لصَاحِبَيه عليه ثُلُثَيِ الدِّيَةِ(697)
فنَازَعَ الإمَامُ أحمدُ رحمه الله هذا الحُكْمَ، مُرجِّحًا العَمَلَ بـ (القَافَةِ)(698) في هذا المَوردِ على العَمَلِ بـ (القُرعَةِ)، وقالَ: «حَدِيثُ عمرَ في القَافَةِ أعْجَبُ إليَّ»(699) !
وأُجِيبَ بأنَّه يَجُوزُ استِعمَالُ القُرْعَةِ عندَ فِقدَانِ مُرَجِّحٍ سِوَاها، مِن بَيِّنَةٍ أو إقْرَارٍ أو قَافَةٍ. ولَئِنْ تَدْخُلْ في النَّسَبِ الذي يَثبُتُ بمُجرَّدِ الشَّبَهِ الخَفيِّ المُستَنِدِ إلى قَولِ القَائفِ، أوْلَى وأحْرَى مِن دُخُولِها في دَعْوَى الأمْلاكِ المُرسَلَةِ التي لا تَثبُتُ بقَرِينَةٍ ولا أمَارَةٍ.
واستُشكِلَ تَغرِيمُ مَن خَرَجَت له القُرعَةُ ثُلُثَيْ دِيَةِ وَلَدِه لصَاحِبَيه، وليسَ هو بقَتْلٍ يُوجِبُ الدِّيَةَ، وإنَّما هو تَفوِيتُ نَسَبِه بخُرُوجِ القُرْعَةِ له!
وأجَابَ ابنُ القَيِّمِ رحمه الله بوَجهَينِ:
الوَجْهُ الأوَّلُ: أنَّه لمَّا كانَ وَطْءُ كُلِّ وَاحدٍ صَالِحًا لجَعْلِ الوَلَدِ له، وقَد فَوَّتَه كُلُّ وَاحدٍ منهم على صَاحبِه بوَطئِه، فلمْ يتَحقَّقْ مَن كانَ له الوَلَدُ منهم. وإذْ قَد أخْرَجَتْه القُرْعَةُ لأحَدِهم، فصَارَ مُفوِّتًا لنَسَبِه على صَاحِبَيه.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فأجْرَى ذلك مَجْرَى إتْلافِ الوَلَدِ، وأنْزَلَ الثَّلاثَةَ مَنزِلَةَ أبٍ وَاحدٍ. وحُصَّةُ المُتلِفِ منه ثُلُثُ الدِّيَةِ، إذْ قَد عَادَ الوَلَدُ له، فيُغْرَمُ لكُلٍّ مِن صَاحِبَيه ما يَخُصُّه، وهو ثُلُثُ الدِّيَةِ.
الوَجْهُ الثَّانِي: أنَّه لمَّا أتْلَفَه عليهما بوَطْئِه ولُحُوقِ الوَلَدِ به، وَجَبَ عليه ضَمَانُ قِيمَتِه. وقِيمَةُ الوَلَدِ شَرْعًا هي دِيَتُه، فلَزِمَه لهما ثُلُثَا قِيمَتِه، وهي ثُلُثَا الدِّيَةِ.
والقِيَاسُ والعَدْلُ يقتَضِي أنَّ مَن تَسبَّبَ إلى إتْلافِ مَالِ شَخْصٍ أو تَغرِيمِه، أنَّه يَضمَنُ مَا غَرَّمَه، كمَا يَضمَنُ مَا أتْلَفَه، إذْ غَايَتُه أنَّه إتْلافٌ بسَبَبٍ، وإتْلافُ المُتَسبِّبِ كإتْلافِ المُبَاشرِ في أصْلِ الضَّمانِ. وهذا مِن ألطَفِ مَا يكونُ مِن القِيَاسِ وأدَقِّه، ولا تَهتَدِي إليه إلا أفْهَامُ الرَّاسِخينَ في العِلْمِ(700) .
المطلب الخامس نماذج تطبيقية؟
أوَّلاً- في فِقْهِ المُعَامَلاتِ:
الأحْوَالُ الشَّخصِيَّةُ:
تَحرِيمُ وَطءِ الزَّوجةِ في دُبُرِها:
حَرَّمَ الشَّارِعُ الحَكِيمُ وَطءَ الزَّوجةِ في دُبُرِها، لما في ذلك من الأذيَّةِ. يقولُ اللهُ تعالى: ﴿ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 326فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُلاقوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ(701) ﴾
وقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَلْعُونٌ مَن أتى امرَأتَه في دُبُرِها»(702) .
سَارَ على هذا الحُكْمِ عليٌّ رضي الله عنه ، وكانَ يعتَبِرُه لُوَاطةً في الزَّوجةِ، ويَرَى أنَّ سَبَبَ غَضَبِ اللهِ على قَومِ لُوطٍ عليه السلام ، أنَّهم كانُوا يَطؤُونَ نِسَاءَهم في أحشَائهنَّ.
نَادَى عليٌّ رضي الله عنه على المِنبَرِ، فقالَ: سَلونِي. فقالَ: رَجُلٌ: أتُؤتَى النِّسَاءُ في أدْبَارِهنَّ؟
فقالَ: «سَفُلْت، سَفُلَ اللهُ بك! ألمْ تَرَ أنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿ وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الفاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ العالَمينَ(703)(704) ﴾ )( ؟».
وإنَّه إذ رَبَطَ المَسألَتينِ ببَعضِهما، وقَاسَ حُكْمَ لُوَاطَةِ الزَّوجَةِ بلُوَاطَةِ الرَّجُلِ، فلا بُدَّ وأنْ يُنزِلَ العُقوبةَ نَفْسَها على مَن وَاقَعَ امرَأتَه في دُبُرِها. وإنَّني وإنْ لمْ أقِفْ له على نَصٍّ في هذه المَسألَةِ بخُصُوصِها، ولكنْ مُقتَضَى التَّخريجِ يَفرِضُ ذلك.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وَجْهُ الدَّلالةِ:
إنَّ تَوجِيهَ اللَّعْنِ على الشَّيءِ، وهو: الطَّرْدُ مِن رَحمَةِ اللهِ(705) ، وتَرْتِيبَ العُقوبَةِ عليه يَدلُّ على التَّحريمِ(706) ، بلْ على مَا هو أعظَمُ مِن ذلك، فإنْ لَعَنَ الشَّارِعُ أمْرًا دَلَّ على أنَّ إتيانَ هذا الأمْرِ مِن الكَبائرِ(707) .
فقَاسَ وَطءَ المَرأةِ في أحشَائِها على دُبُرِ الرَّجلِ، معَ العِلْمِ أنَّ الآيَةَ في وَطءِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ. ولعلَّه لَجَأ إلى القِيَاسِ معَ وُرُودِ النَّصِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه لمْ يَصِلْه! أو أنَّه أرَادَ أنْ يتَوصَّلَ إلى العُقوبَةِ على هذه الفِعْلَةِ الشَّنِيعَةِ.
تَحقُّقُ أركَانِ القِيَاسِ:
الأصْلُ (المَقِيسُ عليه) وَطءُ الرَّجُلِ في دُبُرِه. الفَرْعُ (المَقِيسُ) وَطءُ الزَّوجَةِ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
في دُبُرِها. العِلَّةُ الجَامِعَةُ: عَدَمُ تَعيُّنِ المَحِلِّ للإيلاجِ، ممَّا يُسَبِّبُ الأذَى. الحُكْمُ: التَّحرِيمُ.
نِكَاحُ الخَصيِّ:
نَهَى عليٌّ رضي الله عنه الخَصِيَّ أنْ يتَزوَّجَ، وجَعَلَ السَّلامةَ مِن الخِصَاءِ(708) شَرْطًا لصِحَّةِ عَقْدِ النِّكَاحِ فيمَا يَخُصُّ أحدَ طَرفَيه وهو الزَّوجُ. فقالَ رضي الله عنه : «لا يَحِلُّ للخَصيِّ أنْ يَتزوَّجَ امرأةً مُسلِمةً عَفِيفةً»(709) . واعتَبرَه عَيبًا في الزَّوجِ، وعُذرًا مُبِيحًا لفَسْخِ النِّكاحِ. فقَد تزوَّجَ رَجُلٌ امرأةً فوَجَدته خَصيًّا، وهي لا تَعلَمُ! ففرَّقَ بينهما(710) .
الدَّلالَةُ الأصُوليَّةُ:
(الخِصَاءُ) عَيْبٌ يَعْجَزُ معَه الجِماعُ فَضْلاً عن الإنزالِ، ممَّا يُفوِّتُ على الزَّوجةِ الحقَّ في اللَّذَّةِ والاستِمتَاعِ! فقَاسَه على غَيرِه من العُيوبِ التي جَازَ بها التَّفرِيقُ؛ (كالعُنَّةِ)(711) والجَبِّ(712) ، بجَامعِ أنَّها عُيوبٌ مُنفِّرَةٌ يَصعبُ معَها الجِماعُ أو يَنعدِمُ.
تَحقُّقُ أركَانِ القِيَاسِ:
الأصْلُ (المَقِيسُ عليه) العُنَّةُ والجَبُّ.
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الفَرْعُ (المَقِيسُ) الخِصَاءُ. العِلَّةُ الجَامِعَةُ: فَوَاتُ حَقِّ الزَّوجَةِ بالاستِمتَاعِ. الحُكْمُ: جَوَازُ التَّفرِيقِ.
ج) العُبوديَّةُ سَبَبٌ في التَّنصِيفِ:
جَعلَ عليٌّ رضي الله عنه العَبْدَ على النِّصْفِ مِن الحُرِّ في النِّكَاحِ والطَّلاقِ والعِدَّةِ(713) قِيَاسًا على مَا نَصَّ اللهُ عليه مِن قَولِه تعالى: ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحصَناتِ مِنَ الْعَذَابِ(714) ﴾ .
عن عليٍّ رضي الله عنه قالَ: «يَنكِحُ العَبْدُ اثنَتَينِ»(715) . وقالَ رضي الله عنه : «عِدَّةُ الأمَةِ حَيضَتانِ، فإنْ لم تَكُنْ تَحِيضُ فشَهرٌ ونِصْفٌ»(716) .
الدَّلالَةُ الأصُوليَّةُ:
وَاضِحٌ جِدًّا أن اعتِمَادَ عليٍّ رضي الله عنه في هذا القَضَاءِ مَبنَاه على القِيَاسِ، حينَ نَظَرَ فرَأى أنَّ المُشَرِّعَ نَصَّفَ الحُكْمَ في حَقِّ الأمَةِ، فرَأى عليٌّ رضي الله عنه أنَّه لا فَرْقَ بينَ الأمَةِ والعَبْدِ لاجتِمَاعِهما في سَلْبِ الحُرِّيَّةِ منهما. فنَصَّفَ حُكْمَه قِيَاسًا على تَنصِيفِ اللهِ الحدَّ على
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 330الأمَةِ.
تَحقُّقُ أركَانِ القِيَاسِ:
الأصْلُ (المَقِيسُ عليه) : الأمَةُ. الفَرْعُ (المَقِيسُ) : العَبْدُ. العِلَّةُ الجَامِعَةُ: العُبودِيَّةُ. الحُكْمُ: تَنصِيفُ الحُكْمِ في كليهما.
الإمَامَةُ العُظْمَى:
استِخْلافُ الصِّدِّيقِ:
بعدَما تُوفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى الصَّحابةُ رضي الله عنهم بخِلافَةِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه وإمَامَتِه بالاجتِهَادِ، حيثُ لمْ يَرِدْ نَصٌّ صَرِيحٌ في ذلك. قالَ الغَزاليُّ (ت 505 هـ) رحمه الله: «نَعلمُ قَطْعًا بُطْلانَ دَعوَى النَّصِّ عليه (...) إذ لو كانَ لنُقِلَ، ولتَمسَّك به المَنصُوصُ عليه، ولمْ يَبْقَ للمَشُورَةِ مَجَالٌ»(717) . فقَاسُوا الإمَامَةَ الكُبرَى على إمَامَةِ الصَّلاةِ(718) .
مَردُّ اجتِهَادِهم أنَّهم استَشهَدُوا بإنَابَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم له أنْ يُصلِّيَ بالنَّاسِ في مَرَضِه الأخيرِ، فَضْلاً عمَّا ثَبتَ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 331مِن قَولِه: «مُروا أبا بكرٍ فليُصَلِّ بالنَّاسِ»(719)
قالَ عليٌّ رضي الله عنه في جَوَابِه لأبي بكرٍ رضي الله عنه بعدَ مُبايَعتِه إذ طَلبَ الإقَالةَ: «واللهِ لا نَقِيلُك ولا نَستَقِيلُك أبدًا، قدَّمَكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم تُصلِّي بالنَّاسِ، فمَن ذا يُؤخِّرُكَ»(720) . كأنَّه يقولُ له: ارتَضَاكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لدِينِنَا، أفلا نَرتَضِيكَ لدُنيَانَا.
وقالَ رضي الله عنه : «لمَّا قَبَضَ اللهُ تعالى نَبيَّه صلى الله عليه وسلم نَظَرْنا في أمُورِنا، فاختَرْنا لدُنيَانا مَن رَضِيَه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم لدِينِنَا(721) . وكانَت الصَّلاةُ أصْلَ الإسْلامِ وقِوَامَ الدِّينِ. فبَايَعْنا أبا بكرٍ رضي الله عنه ، وكانَ لذلك أهْلاً، لمْ يختَلِفْ عليه منَّا اثْنَانِ»(722) . وقالَ رضي الله عنه عن اختِيَارِ أبِي بَكرٍ خَلِيفةً للمُسلِمينَ: «مَا ضَرَّ الإسْلامَ وأهْلَه شَيئًا، إنَّا رَأيْنَا أبَا بَكرٍ لها أهْلاً»(723) .
الدَّلالَةُ الأصُوليَّةُ:
هذا تَصرِيحٌ من عليٍّ رضي الله عنه بالقِيَاسِ، إذ جَعَلَ مِن إمَامَةِ أبي بكرٍ رضي الله عنه في الصَّلاةِ بأمْرٍ مِن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أصْلاً، وفَرَّعَ عليها استِحقَاقَ أبي بكرٍ رضي الله عنه للخِلافَةِ مِن بَابٍ أوْلَى، بجَامعِ الأهليَّةِ والكَفاءةِ في كُلٍّ.
تَحقُّقُ أركَانِ القِيَاسِ:
الأصْلُ (المَقِيسُ عليه) إمَامَةُ أبي بكرٍ
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
رضي الله عنه في الصَّلاةِ. الفَرْعُ (المَقِيسُ) إمَامَةُ أبي بكرٍ رضي الله عنه الكُبرَى (الخلافة). العِلَّةُ الجَامِعةُ: الأهليَّةُ والكَفاءَةُ. الحُكْمُ: أولَويَّةُ أبي بكرٍ رضي الله عنه بالإمَامةِ مِن غَيرِه.
ثَانِيًا- في فِقْهِ العُقُوبَاتِ:
كُلُّ مَا أسْكَرَ فهو حَرَامٌ:
نَظَرَ عليٌّ رضي الله عنه إلى عِلَّةِ تَحرِيمِ الخَمْرِ فوَجدَها مَنصُوصًا عليها في حَدِيثِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم- وهو أحَدُ رُوَاتِه- وهي: السُّكْرُ وذَهَابُ العَقلِ. قالَ صلى الله عليه وسلم: «نَهيْتُكم عن الأوْعِيَةِ، فاشْرَبُوا فيها، واجتَنِبُوا كلَّ مَا أسْكَرَ(724) » . وقال صلى الله عليه وسلم: «كُلُّ شَرابٍ أسْكَرَ فهو حَرَامٌ»(725) .
لذا عمَّمَ حُكْمَه في التَّحريمِ وإنزَالِ العُقوبَةِ بمَن يُعاقِرُ أيَّ مُسْكرٍ، وقالَ مُنكِرًا على مَن شَرِبَ من النَّبيذِ حتى سَكِرَ: «لِمَ شَرِبَ منه حتى سَكِرَ؟»(726) . «حَدُّ النَّبيذِ ثَمانُونَ»(727) . حتى قالَ: «لا أُوتَى بأحَدٍ شَرِبَ خَمْرًا، أو نَبِيذًا، أو مُسْكِرًا إلا حَددْتُه»(728) ، وفي رِوَايةٍ: «لا أُوتَى بأحَدٍ شَرِبَ خَمْرًا ولا نَبِيذًا مُسْكِرًا إلا جَلَدْته الحدَّ»(729) .
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فحُكْمُه هذا ينسَحِبُ على سَائرِ المُسكِرَاتِ التي عُرِفَت في عَصْرِه والتي استَجدَّت فيمَا بعدُ، كالمُخدِّراتِ ونَحوِها.
تَحقُّقُ أركَانِ القِيَاسِ:
الأصْلُ (المَقِيسُ عليه) : الخَمْرُ. الفَرْعُ (المَقِيسُ) : كلُّ مَا أسْكَرَ. العِلَّةُ الجَامِعةُ: السُّكْرُ. الحُكْمُ: التَّحرِيمُ. حُكْمُه فيمَن قَدَّمَه على الشَّيخَينِ:
قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في حَقِّ أبي بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما: «أبو بكرٍ وعمرُ مِن هذا الدِّينِ كمَنزِلَةِ السَّمْعِ والبَصَرِ مِن الرَّأسِ»(730) .
لذا رَأى عليٌّ رضي الله عنه أنَّ تَفضِيلَه على شَيخَيِ الإسْلامِ: أبي بكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما فيه نَوْعٌ مِن القَذْفِ والتَّعرِيضِ بحَقِّهما وجَميلِ صَنيعِهما. فكانَ أنْ تَشدَّدَ فيمَن يُقدِّمُه عليهما حِفَاظًا على حَقِّهما، وخَوْفًا مِن وُقُوعِ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 334الفِتْنَةِ بينَ المُسلِمينِ، وخَشيةً مِن التَّهاوُنِ في تَكذِيبِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. وتَوعَّدَ مُرتَكِبَ ذلك بالحَدِّ ثَمانِينَ جَلْدةً، مَثَلُه كمَن يَقذِفُ مُؤمِنًا في عِرْضِه، بجَامعِ أنَّ في كلٍّ منهما أذِيَّةً للآخَرِ.
عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «بَلغَنِي أنَّ قَومًا يُفضِّلونَني على أبي بكرٍ وعمرَ! ومَن قالَ شَيئًا مِن هذا فهو مُفتَرٍ، عليه مَا على المُفتَرِي»(731) . وقالَ: «لا أُوتَى برَجُلٍ فضَّلنِي على أبي بَكرٍ وعمرَ إلاَّ جَلَدْتُه حَدَّ الفِرْيَةِ»(732) .
الدَّلالَةُ الأصُوليَّةُ:
كَوْنُ تَفْضِيلِ أميرِ المُؤمنِينَ عليٍّ رضي الله عنه على الشَّيخَينِ رضي الله عنهما فيه جِنايةٌ على عِرْضِهما وتَكذِيبٌ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في خَبَرِه عنهما، فشَابَه مِن هذا الوَجهِ مَن يَقذِفُ المُسلِمَ في عِرْضِه بجَامعِ الجِنَايَةِ على كلٍّ.
تَحقُّقُ أركَانِ القِيَاسِ:
الأصْلُ (المَقِيسُ عليه) القَذْفُ. الفَرْعُ (المَقِيسُ) تَقدِيمُ عليٍّ رضي الله عنه على الشَّيخَينِ. العِلَّةُ الجَامِعَةُ: الافتِرَاءُ. الحُكْمُ: الحَدُّ ثَمانُونَ جَلْدةً.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
حُكْمُ اللَّعِبِ بالشِّطرَنجِ:
حَرَّمَ عليٌّ رضي الله عنه اللَّعبَ بالشِّطرنج(733) وسَاوَاه بالنَّرْد(734) ، فقالَ رضي الله عنه : «النَّردُ والشِّطرنجُ من المَيسِر»(735) . وبيَّنَ أنَّ «الشِّطرنجَ مَيسِرُ الأعَاجمِ»(736) .
مرَّ يَومًا على قَومٍ يَلعبُونَ به، فقالَ(737) : ﴿ مَا هَـذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عاكِفونَ(738) ﴾ ؟ لأنْ يَمَسَّ أحدُكم جَمرًا حتى يَطْفَأ خَيرٌ له مِن أنْ يَمسَّها»(739) .
حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وفي رِوَايةٍ أنَّه وَقَفَ عليهم فقالَ: «أمَا واللهِ لغَيرِ هذا خُلِقتُم، أمَا واللهِ لولا أنْ تكونَ سُنَّةً(740) لضَرَبْتُ بها وُجوهَكم»(741) .
ونَهَى عن السَّلامِ على مُمَارسِ هذه اللُّعبَةِ زَجْرًا له(742) ، فقالَ: «سِتَّةٌ لا يُسلَّمُ عليهم: (...) – وعدَّ منهم:- وأصحابُ الشِّطرَنجِ»(743) . ونبَّهَ على أنَّ «صَاحِبَ الشِّطرَنجِ أكذبُ النَّاسِ؛ يقولُ أحدُهم: قَتَلْتُ. ومَا قَتَلَ!»(744) .
الدَّلالَةُ الأصُوليَّةُ:
قَاسَ اللَّعِبَ بالشِّطرَنجِ على اللَّعبِ بالنَّردِ(745) ، وذلك أنَّ حُكْمَ النَّردِ مَنصُوصٌ على تَحرِيمِه في قَولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَن لَعِبَ بالنَّردشِيرِ، فكأنَّما صَبغَ يدَه في لَحْمِ الخِنزيرِ ودَمِه»(746) . وقالَ صلى الله عليه وسلم: «مَن لَعِبَ بالنَّردِ فقَد عصَى اللهَ ورَسُولَه»(747) .
«وإذا ثبت أنَّ اللعبَ بالنَّردِ مُحرَّمٌ، يُقاسُ عليه الشِّطرَنجُ». بَلْ إنَّ
حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 337«الشِّطرَنجَ شرٌّ من النَّردِ وألهَى منها. وهذا الحَدِيثُ وإنْ كانَ وَرَدَ في النَّردِ، فقِيسَت الشِّطرَنجُ عليها لاشتِرَاكِهما في كَونِهما شَاغِلَينِ عمَّا يُفِيدُ في الدِّينِ والدُّنيا، مُوقِعَينِ في القِمَارِ، أو التَّشاجُرِ الحَادثِ فيهما عندَ التَّغَالُبِ معَ كَونِهما غَيرَ مُفِيدَينِ»(748)
وإنَّما كانَ الشِّطرَنجُ شَرًّا مِن النَّردِ مِن وَجهَينِ:
أحدُهما: أنَّ النَّردَ ليسَ فيه مِن شُغلِ القَلبِ بطُولِ الفِكْرِ مِثلُ مَا في الشِّطرَنجِ، فإنَّها تحتاجُ إلى طُولِ الفِكْرِ، فتُؤدِّي إلى تَضييعِ الوَقتِ. الثاني: إنَّ النَّردَ ليسَ فيه بينَ أهلِه مِن المُنازَعةِ مِثلُ مَا في الشِّطرَنجِ، فإنَّ لَغوَهم عليها كَثِيرٌ، وجِدالَهم فيها شَدِيدٌ. ومعَ ذلك فإنَّ مَيْلَ النَّاسِ إلى الشِّطرَنجِ أشَدُّ واشتِغالَهم به أكْثرُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ (ت 620 هـ) رحمه الله: «فأمَّا الشِّطرَنجُ فهو كالنَّردِ في التَّحريمِ(749) إلا أنَّ النَّردَ آكَدُ منه في التَّحرِيمِ، لوُرودِ النَّصِّ في تَحرِيمِه، لكنْ هذا في مَعنَاه، فيَثبتُ فيه حُكْمُه قِيَاسًا
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
تَحقُّقُ أركَانِ القِيَاسِ:
الأصْلُ (المَقِيسُ عليه) : النَّردُ. الفَرْعُ (المَقِيسُ) : الشِّطرَنجُ. العِلَّةُ الجَامِعَةُ: اللَّهوُ عن ذِكْرِ اللهِ وإفْضَاؤُهما إلى التَّشاجُرِ. الحُكْمُ: التَّحرِيمُ.
***
المبحث الثاني الاستحسان
الاستِحْسَانُ وَاحِدٌ مِن مَصَادرِ الفِقْهِ الإسْلاميِّ،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 339التي تَدلُّ على تَفقُّهٍ دَقِيقٍ وتَعمُّقٍ في الرَّأيِ وفَهْمِ المَسَائلِ. وهو عَمَلٌ بأقْوَى الدَّلِيلَينِ، لوَجْهٍ لاحَ للمُجتَهدِ، فرَجَّحَ أحَدَهما على الآخَرِ(751)
تتَجلَّى في الأخْذِ به رُوحُ الشَّرِيعَةِ وسَماحَتُها، في رَفْعِ الكُلْفَةِ عن العِبَادِ، وإرَادَةِ اليُسْرِ لهم دُونَ العُسْرِ(752) . وهذا أصْلٌ في الدِّينِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ(753) ﴾ .
رَاعَى عليٌّ رضي الله عنه دَلالَةَ الاستِحْسَانِ في المَسَائلِ الشَّرعِيَّةِ، وكانَ له وَقَائِعُ كَثِيرَةٌ قَضَى فيها بمُقتَضَى الاستِحْسَانِ.
سنَقتَصِرُ في هذا المَبحَثِ على الجَانبِ العَمَليِّ مِن الاستِحسَانِ، لذا فهو يَشتَمِلُ على ثَلاثَةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلبُ الأوَّلُ: الاستِحسَانُ بالنَّصِّ.
المَطلبُ الثَّانِي: الاستِحسَانُ بالأدِلَّةِ التَّبعيَّةِ.
المَطلبُ الثَّالِثُ: الاستِحسَانُ بالأدِلَّةِ الاستِثنَائِيَّةِ.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الأول الاستحسان بالنص
وهو: أنْ يَرِدَ نَصٌّ مُعيَّنٌ يتَضمَّنُ حُكْمًا لمَسألَةٍ خِلافًا للحُكْمِ الكُلِّيِّ الثَّابِتِ بالدَّلِيلِ العَامِّ أو القَاعِدَةِ العَامَّةِ.
وهو نَوعَانِ:
الاستِحْسَانُ بالكِتَابِ:
الحُكْمُ بجَوَازِ الوَصيَّةِ:
مُقتَضَى القِيَاسِ: عَدَمُ جَوَازِ الوَصيَّةِ، لأنَّها تَملِيكٌ مُضَافٌ إلى زَمَنِ زَوَالِ المِلْكِيَّةِ، وهو مَا بعدَ المَوتِ(754) . إلا أنَّها استُثنِيَت مِن القَاعِدَةِ العَامَّةِ بقَولِ اللهِ تعالى: ﴿ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ(755) ﴾ . فعَمِلَ بها عليٌّ رضي الله عنه ، واشتَرَطَ لجَوَازِها أنْ يَكُونَ المُوصِي مَيسُورًا، على مَا سَيأتِي بَيَانُه.
ومِمَّا يتَخرَّجُ على هذا الأصْلِ، لو أوصَى الرَّجُلُ بمَالِه كُلِّه صَدَقةً:
فالقِيَاسُ أنْ يتَصدَّقَ به كُلِّه.
ولكنَّ الاستِحْسَانَ يَقضِي بأنْ يُرادَ منه:
مَالُ الزَّكَاةِ، لقَولِ اللهِ تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَموالِهِم صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا(756) ﴾
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أو: الثُّلثُ، قالَ عليٌّ رضي الله عنه «له ثُلثُ مَالِه»(757)
وفَضَّلَ عليٌّ رضي الله عنه أنْ يُوصِيَ الرَّجُلُ بأقَلِّ مِن ذلك، فقالَ: «لأنْ أُوصِيَ بالخُمْسِ أحَبُّ إليَّ مِن أنْ أُوصِيَ بالرُّبْعِ، وأنْ أُوصِيَ بالرُّبْعِ أحَبُّ إلِيَّ مِن أنْ أُوصِيَ بالثُّلثِ. ومَن أَوْصَى بالثُّلثِ، فلم يَترُكْ شَيئًا»(758) .
الاستِحْسَانُ بالسُّنَّةِ:
الحُكْمُ ببَقَاءِ الصَّومِ معَ الأكْلِ أو الشُّرْبِ نَاسِيًا:
مُقتَضَى القِيَاسِ: أنَّ مَن أكَلَ أو شَرِبَ فَسَدَ صَومُه، لوُصُولِ شَيءٍ إلى الجَوْفِ، وهذا يتَنَافَى معَ مَبدَأ الإمْسَاكِ عنِ المُفطِّرَاتِ.
ولكنَّ عليًّا رضي الله عنه قَضَى بصِحَّةِ صِيَامِه استِحْسَانًا، استِثْنَاءً مِن الأصْلِ العَامِّ، فقالَ: «إذا أكَلَ الرَّجُلُ نَاسِيًا وهو صَائِمٌ، فإنَّما هو رِزْقٌ رَزَقَه اللهُ تعالى إيَّاه»(759) ، لقَولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَن نَسِيَ وهو صَائِمٌ، فأكَلَ أو شَرِبَ، فليُتِمَّ صَومَه، فإنَّما أطْعَمَه اللهُ وسَقَاه»(760) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الثاني الاستحسان بالأدلة التبعية
الاستِحْسَانُ بالإجْمَاعِ:
وهو: أنْ يُفتِيَ المُجتَهِدُونَ في مَسألَةٍ على خِلافِ الأصْلِ في أمْثَالِها.
الجُعْلُ لمَن أتَى بالآبِقِ:
فَرَضَ عليٌّ رضي الله عنه جُعْلاً لمَن يَرُدُّ الآبِقَ على سَيِّدِه(761) .
ومُقتَضَى القِيَاسِ: أنْ لا جُعْلَ له، لأنَّه تَبرَّعَ عليه بعَيْنٍ مِن مَالِه لمْ يستَوجِبْ عليه عِوَضًا بمُقَابلَتِه، فكذلك إذا تَبرَّعَ بمَنَافعِه(762) .
ولكنْ جَرَى عَمَلُ الصَّحَابَةِ على مَشرُوعِيَّةِ الجُعْلِ استِحْسَانًا. فرَضَه عليٌّ وقالَ به ابنُ مَسعُودٍ رضي الله عنهما(763) ، ولمْ يُعرَفْ لهما مُخالِفٌ.
الاستِحْسَانُ بالقِيَاسِ:
وهو: العُدُولُ عن مُقتَضَى القِيَاسِ الجَليِّ إلى القِيَاسِ الخَفيِّ.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المَرأةُ تُسقِطُ جَنِينَها خَوفًا مِن السُّلْطَانِ:
أرسلَ أمِيرُ المُؤمنِينَ عمرُ رضي الله عنه لامْرَأةٍ حَاملٍ ذُكِرَت عندَه بسُوءٍ أنْ تَأتِيَه، فأجْهَضَت جَنِينَها بفَزَعِها! فاستَشَارَ الصَّحابةَ رضي الله عنهم ، فقالَ له عثمانُ وعبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ (ت 32 هـ) رضي الله عنهما: «إنَّما أنتَ مُؤدِّبٌ، ولا شَيءَ عليكَ».
أمَّا عليٌّ رضي الله عنه فنَحَا مَنْحًى آخرَ، حيثُ رَأى أنْ يُضمِّنَه، وقالَ: «أمَّا المَأثَمُ، فأرجُو أنْ يكونَ مَحطُوطًا عنك. وأرَى عليك الدِّيةَ».
فاتَّبَعَ عمرُ قِيَاسَ عليٍّ رضي الله عنهما، وقال له: «عَزَمْتُ عليك أنْ لا تَجلِسَ حتى تَضرِبَها على قَومِكَ»(764) . يعني: يأخذُ عَقلَه(765) من قُريشٍ لأنَّه خَطَأٌ.
الدَّلالَةُ الأصُوليَّةُ:
نُلاحِظُ أنَّ المَسألةَ المَطرُوحةَ تَنازَعها قِياسَانِ، وهذا أمرٌ وَارِدٌ،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 344قالَ بكلِّ قياسٍ أعلامٌ مِن مُجتَهدِي الصَّحابَةِ رضي الله عنهم
أمَّا عثمانُ وعبدُ الرَّحمنِ رضي الله عنهما فقَاسَاها على مُؤدِّبِ امرَأتِه وغُلامِه ووَلَدِه. وهذا قياس جليٌّ. وقَاسَها عليٌّ رضي الله عنه على قَاتلِ الخَطَأ. وهذا قِيَاسٌ خَفِيٌّ.
فرَجَّحَ القِيَاسَ الخَفيَّ على القِيَاسِ الجَلِيِّ بمَا انقَدَحَ في ذِهْنِه مِن كَونِه الأولى، ووَافَقَه عليه الفَارُوقُ رضي الله عنه .
المطلب الثالث الاستحسان بالأدلة الاستثنائية
الاستِحْسَانُ بالمَصلَحةِ:
وهو: أنْ تُوجدَ مَصلَحةٌ تَقتَضِي استِثنَاءَ المَسْألَةِ مِن الأصْلِ العَامِّ.
الحُكْمُ في تَبرُّعاتِ المَرِيضِ:
الأصْلُ أنَّه لا يَصِحُّ مِن المَرِيضِ مَرَضَ المَوْتِ عَقْدٌ بالتَّبرُّعِ، لأنَّ فيه تَبدِيدًا لمَالِه.
ولكنَّ المَصلَحةَ اقتَضَتِ الجَوَازَ، لتَمكِينِه مِن تَحصِيلِ الثَّوَابِ. وقَضَى الاستِحْسَانُ بصِحَّةِ التَّصرُّفِ في حُدُودِ ثُلثِ مَا يَملِكُ، لعَدَمِ إلحَاقِ الضَّرَرِ به حَالَ حَيَاتِه. على مَا مَرَّ في الوَصِيَّةِ، بشَرْطِ يُسْرِ ذَاتِ اليَدِ.
دَخَلَ عليٌّ رضي الله عنه على رَجُلٍ مِن بَنِي هَاشمٍ –وهو مَرِيضٌ- يَعُودُه. فأرَادَ أنْ يُوصِيَ، فنَهَاه! وقالَ: «إنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ(766) ﴾ : مَالاً، وإنَّكَ إنَّما تَدَعُ شَيئًا يَسِيرًا، فدَعْه لعِيَالِك، فإنَّه أفْضَلُ»(767) .
تَضمِينُ الأجِيرِ: الأجِيرُ على ضَربَينِ(768) :
الأوَّلُ- أجِيرٌ خَاصٌّ: وهو الذي يَعمَلُ لشَخْصٍ ولا يَعمَلُ لسِوَاه، ويُجرِي العَقْدَ معَه على الوَقْتِ والعَمَلِ، ويستَحِقُّ الأجْرَةَ بتَسلِيمِ نَفْسِه في المُدَّةِ وإنْ لم يَعمَلْ، كمَن استُؤجِرَ شَهْرًا للخِدْمَةِ أو لرَعيِ الغَنَمِ(769) .
الثَّانِي- أجِيرٌ عَامٌّ (مُشْتَرَكٌ): وهو الذي لا يَخُصُّ أحَدًا بعَملِه، بلْ يَعمَلُ لكلِّ مَن يَقصِدُه بالعَملِ؛ كالخَيَّاطِ، والنَّجَّارِ... إلخ في مَقاعدِ الأسْوَاقِ، ولا يَستَحِقُّ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 346الأجْرَةَ حتى يَعمَلَ(770)
القَولُ فيه:
الأصْلُ في الأجِيرِ أنَّ يَدَه أمِينَةٌ، وبناءً عليه، فإنَّه غَيرُ ضَامنٍ، قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لا ضَمانَ على مُؤتَمَنٍ»(771) . وقالَ صلى الله عليه وسلم: «مَن استُودِعَ وَدِيعةً، فلا ضَمانَ عليه»(772) .
هذا الحُكْمُ النَّبويُّ كانَ في عَصْرِ الرِّسَالَةِ حيثُ الأمَانةُ مُتوفِّرَةٌ في جَذْرِ قُلوبِ الرِّجَالِ، والوَازِعُ الدِّينيُّ يَصُونُ النَّاسَ عن الوُقُوعُ في الحَرَامِ. فكانَ مَن اؤتُمِنَ على عَيْنٍ مِن الأعْيَانَ لا يَضْمَنُ؛ لأنَّ السِّلْعَةَ في يَدِه أمَانةٌ، وهو لن يُفرِّطَ في صِيَانَتِها والحِفَاظِ عليها.
أمَّا في الأزْمِنَةِ اللاحِقَةِ وقد خَرِبَت الذِّمَمُ، ومَالَت بَعضُ النُّفوسِ عن جَادَّةِ الحَقِّ، وأخَذَت الخِيانةُ تُطِلُّ برَأسِها... فلا بُدَّ مِن إيجَادِ حلٍّ لهذه الحَالَةِ التي استَجَدَّت وغَدَت ظَاهِرةً، وهي مُتكَرِّرَةٌ بصُورَةٍ أو بأخرَى، كي يُستَأصَلَ الدَّاءُ مِن جُذورِه.
فقَضَى عليٌّ رضي الله عنه في المَسألَةِ بحُكْمٍ اقتَضَاه العَصْرُ الرَّاهِنُ آنذاك، عِلاجًا يجعلُ الأمِينَ أشدَّ حِرْصًا على حِفْظِ ما تحت يَدِه، كمَا هو الوَاجِبُ في حقِّه، والقَضاءُ عن عليٍّ رضي الله عنه في هذا المَوضُوعِ: أنَّه ضَمَّنَ الأجِيرَ(773) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
هكذا على العُمومِ، إذ لم تُفرِّقِ الرِّوَايةُ بينَ الأجيرِ الخَاصِّ والأجيرِ المُشترَكِ.
نعم لم يَرِدْ نَصٌّ خَاصٌّ عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه كان يَقضِي بتَضمينِ الأجيرِ الخَاصِّ الذي لم يَعتدِ، إلا أنَّ سُنَّةَ عليٍّ رضي الله عنه كانت الفَيْصلَ، حيث وَردَ عنه من قَولِه وفِعْلِه ما يُفِيدُ أنَّه يُضَمِّنُ العَامِلَ المُشترَكَ خَاصَّةً، كالخَيَّاطِ والصَّبَّاغِ والصَّنَّاعِ والنَّجَّارِ(774) وأشباه ذلك، ممَّن انتَصبُوا للنَّاسِ في أعمَالِهم، ما أهلَكُوا في أيدِيهم، احتِيَاطًا للنَّاسِ أن لا تَضِيعَ أمتِعَتُهم وأمْوَالُهم، ويقولُ رضي الله عنه : «لا يُصْلِحُ النَّاسَ إلاَّ ذلك»(775) .
استَأجرَ رَجُلٌ نَجَّارًا يَضرِبُ له مِسمَارًا، فانكَسَرَ المِسمَارُ! فخَاصمَه إلى عليٍّ رضي الله عنه . فقالَ: «أعطِه دِرْهمًا مَكسُورًا»(776) .
إذًا، فمَذهبُ عليٍّ رضي الله عنه أنَّ الأجِيرَ العَامَّ يَضمَنُ مَا تَلِفَ تحتَ يَدِه، سَواءٌ أتلَفَه عَمْدًا أو خَطَأ، لأنَّه مَظِنَّةُ التَّهاوُنِ.
أمَّا مَا رُوِيَ: أنَّ عليًّا رضي الله عنه لا يُضمِّنُ القَصَّارَ، ولا الصَّوَّاغَ، ولا الحَائِكَ(777) ! فليسَ بمَحفُوظٍ عنه، وهو خِلافُ مَا رَوَاه الجَمْعُ مِن أهلِ العلمِ في طُرُقٍ مُتعدِّدَةٍ، حتى صَارَ حُكْمُه في المَسألَةِ من المَشهُورَاتِ.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وبذلك يكونُ مَذهبُه تَرْكَ تَضمِينِ الأجيرِ الخَاصِّ ، لأنَّ هذا «نَائبٌ عن المَالكِ في صَرْفِ مَنافعِه إلى مَا أمرَه به، فلم يَضمَنْ مِن غَيرِ تَعدٍّ، كالوَكيلِ والمُضارِبِ. فأمَّا ما يَتلَفُ بتَعدِّيه فيَجِبُ ضَمَانُه»(778) ، لأنَّ ما تحتَ يَدِه أمَانَةٌ، والأمَاناتُ لا تُضمَنُ إلا بالاعتِدَاءِ، كأنْ تُسْرَقَ منه، أو تُغتَصبَ، أو تُتلَفَ... إلخ.
الدَّلالَةُ الأصُوليَّةُ:
إنَّ في تَرْكِ عليٍّ رضي الله عنه للنَّصِّ والعُدولِ عنه إلى دَليلٍ آخر يتَماشَى معَ الظَّرْفِ الذي تَعِيشُه رَعيَّتُه، ويَضبِطُ لهم حُسْنَ مُعامَلاتِهم، إنَّ فيه وَجْهًا مِن وُجُوهِ الاستِحسَانِ بالاستِثنَاءِ، لا الإعْرَاضِ عنِ الشَّرْعِ لهَوى أو مُجرَّدِ رَأيٍ!
فالاستِحسَانُ -وهو: إيثَارُ تَرْكِ مُقتَضَى الدَّليلِ على طَريقِ الاستِثنَاءِ والتَّرخُّصِ لمُعارَضَةِ مَا يُعارَضُ به في بَعضِ مُقتَضيَاتِه(779) - عَمَلٌ بأقْوَى الدَّلِيلَينِ.
ومَا قَضَى به عليٌّ رضي الله عنه مِن تَضمينِ الصُّنَّاعِ، سَارَ به على سَنَنِ الاستِحسَانِ بالمَصلَحةِ، حيثُ استَثنَى حُكْمًا جُزئيًّا مِن قَاعدةٍ عَامَّةٍ. فالأجَراءُ «مُؤتَمنُونَ بالدَّليلِ لا بالبَراءَةِ الأصْليَّةِ، فصَارَ تَضمِينُهم في حَيِّزِ المُستَثنَى مِن ذلك الدَّليلِ، فدَخلَت
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 349تحتَ مَعنَى الاستِحسَانِ بذلك النَّظَرِ»(780)
وقد رَأى عليٌّ رضي الله عنه أنَّ نَصَّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم ليسَ على عُمومِه، بلْ هو مَخصُوصٌ بعَدَمِ التَّفرِيطِ في الحِفْظِ أو التَّعدِّي على مَا في يَدِ الصَّانعِ من الأمَانَةِ. فلو لم يُضَمِّنْه لتَهاوَنَ في عَمَلِه، وضيَّعَ أموالَ النَّاسِ التي جَاءَت الشَّرِيعةُ بحِفْظِها.
فاجتَهدَ عليٌّ رضي الله عنه واستَحْسَنَ بالمَصلَحةِ. والمَقصُودُ من جَرَّاءِ ذلك: أن تُحفَظَ حُقوقُ النَّاسِ، وتُؤمَّنَ حَاجتُهم مِن الصِّناعةِ. وذلك أنَّ النَّاسَ بحَاجَةٍ إلى الصُّنَّاعِ، وهم يُغيِّبونَ أمتِعتَهم عندَهم، والغَالِبُ على هؤلاءِ التَّفرِيطُ، فإذا لم يُلزَمُوا بالضَّمانِ لأفْضَى الأمْرُ إلى أحَدِ شَيئَينِ(781) :
1 - إمَّا تَرْكُ الاستِصنَاعِ بالكلِّيَّةِ، وهذا فيه نَوْعٌ مِن المَشقَّةِ تُنَافِي الوَجْهَ مِن تَشرِيعِه!
وإمَّا أن يَعمَلُوا ولا يَضمَنُوا شَيئًا، فيُفتَحُ لهم بَابُ الكَذبِ والاحتِيَالِ!
لذا كانَت
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 350المَصلَحةُ في التَّضمِينِ رَاجِحةً، وهي مَصلَحةٌ عَامَّةٌ، وفي العَمَلِ بهَا سَدٌّ لذَرِيعَةِ التَّحايُلِ.
قالَ الشَّاطبيُّ رحمه الله: «اتِّفَاقُ السَّلَفِ على تَضمِينِ الصُّنَّاعِ معَ أنَّ الأصْلَ فيهم الأمَانةُ (...) وذلك يَقضِي بتَقدِيمِ مَصلَحةِ العُمومِ على مَصلَحةِ الخُصُوصِ، لكنْ بحيثُ لا يَلحَقُ الخُصُوصَ مَضرَّةٌ»(782) .
إلزَامُ الطَّبيبِ بالدِّيَةِ (تَضمِينُ الأطبَّاءِ):
سَيْرًا منه على قَاعِدَةِ تَضمِينِ الأجيرِ المُشترَكِ، حمَّلَ عليٌّ رضي الله عنه الطَّبِيبَ مَسؤوليَّةَ خَطَئِه، فإنْ مَاتَ المَرِيضُ بينَ يَديه نَتِيجةً لتَقصيرِ الطَّبيبِ أو خَطئِه، أوجَبَ عليه الدِّيةَ.
حَكَمَ على امرَأةٍ خَفضَت(783) جَارِيةً فأعنَّتْها(784) ! فضَمَّنَها الدِّيةَ(785) .
وإنَّ مَا تَقُومُ به المُستَشفياتُ اليَومَ مِن إبْرَامِ وَثِيقَةِ إبْرَاءٍ للذِّمَّةِ بينَ إدَارَتِها والمَرضَى المُعالَجِينَ لدَيها(786) ، يَعُودُ الأمْرُ فيه إلى مَا دَلَّ عليه عليٌّ رضي الله عنه وسَنَّه في خُطْبةٍ، جَاءَ فيها:
«يَا مَعشَرَ الأطِبَّاءِ، والبَياطِرَةِ، والمُتَطبِّبينَ.
مَن عَالجَ منكم إنسانًا، أو دَابَّةً، فليَأخُذْ لنَفْسِه البَراءَةَ. فإنَّه إنْ
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 351عَالَجَ شَيئًا ولم يأخُذْ لنَفْسِه البَراءَةَ، فعَطِبَ، فهو ضَامِنٌ(787)
الاستِحْسَانُ بالضَّرُورَةِ:
وهو أنْ تُوجَدَ ضَرُورَةٌ تَحْمِلُ المُجتَهِدَ على تَرْكِ القِيَاسِ والأخْذِ بمُقتَضَاها.
تَطْهِيرُ الآبَارِ بالنَّزْحِ:
مُقتَضَى القِيَاسِ ألا تَطْهُرَ الآبَارُ بنَزْحِ المَاءِ، كُلِّه أو بَعضِه، لاختِلاطِ البَاقِي بالنَّابعِ، وتَنجُّسِ الدَّلْوِ بمُلاقَاةِ المَاءِ بعَوْدَتِها المُتَكرِّرَةِ في البِئْرِ.
إلا أنَّ عليًّا رضي الله عنه استَحْسَنَ تَرْكَ الأصْلِ، وحَكَمَ بطَهارَتِها بالنَّزْحِ. فقَد سُئِلَ عن بِئْرٍ، وَقعَت فيه فَأرَةٌ فمَاتَت؟ فقالَ: «يُنزَحُ مَاؤُها»(788) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المبحث الثالث الاستصحاب
الحُكْمُ بثُبُوتِ أمْرٍ أو نَفْيِه في الزَّمَانِ الحَاضرِ أو المُستَقبَلِ، بِنَاءً على ثُبوتِه أو عَدَمِه في الزَّمَانِ المَاضِي، لعَدَمِ قِيَامِ الدَّلِيلِ على تَغييرِه(789) .
يُلاحَظُ أنَّ للاستِصْحَابِ في الحَاضرِ والمُستَقبَلِ حَالَتَينِ، مَبنَاهُما على الحُكْمِ في الزَّمَنِ المَاضِي، هما:
الحَالَةُ الأولَى: استِدَامَةُ إثْبَاتِ أمْرٍ، (استِصْحَابُ أمْرٍ وُجُوديٍّ).
الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: استِدَامَةُ نَفْيِ أمْرٍ، (استِصْحَابُ أمْرٍ عَدَميٍّ)(790) .
فالجَامِعُ بينَهما هو: عُنْصُرُ استِدَامَةِ الحُكْمِ على كِلْتا الحَالَتَينِ، فمَا تَحقَّقَ وُجُودُه أو عَدَمُه في حَالَةٍ مِن الأحْوَالِ، فإنَّه يَستَلزِمُ ظَنَّ بَقَائِه.
سنتَطرَّقُ في هذا المَبحَثِ إلى مَوقِفِ عليٍّ رضي الله عنه مِن الاستِصحَابِ كدَليلٍ تَشرِيعيٍّ، لنِعُالِجَ تَالِيًا بَعْضَ الأمثِلَةِ التَّطبِيقيَّةِ، لذا جَاءَ في مَطلبَينِ اثنَينِ، هما:
المَطلَبُ الأوَّلُ: مَوقِفُ عليٍّ مِن الاستِصْحَابِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: نَماذِجُ تَطبيقيَّةٌ.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الأول موقف علي من الاستصحاب
الاستِصْحَابُ أحَدُ الأدِلَّةِ العَقْلِيَّةِ التي اعتَمَدَها عليٌّ رضي الله عنه في مَنظُومَتِه الاجْتِهَادِيَّةِ، وهو وإنْ لمْ يُعْرِبْ عنه صَرَاحَةً، شَأنُه كبَعضِ المَصَادرِ الأخْرِى، إلا أنَّ الاحْتِجَاجَ به والعَمَلَ بمُقتَضَاه، ظَاهِرٌ في مَسَائلِه الفِقْهيَّةِ.
مِن ذلك على سَبيلِ المِثَالِ:
بَراءَةُ الذِّمَّةِ مِن التَّكَالِيفِ حتى يَقُومَ الدَّلِيلُ على المُخَاطَبَةِ بها، فإذا لمْ يَقُمِ الدَّلِيلُ بَقِيَ مَا كانَ على مَا كانَ(791) ، وهو: استِصحَابُ أمْرٍ عَدَميٍّ، نَحْوُ قَولِه في حُكْمِ صَلاةِ الوِتْرِ: «الوِتْرُ ليسَ بحَتْمٍ مِثْلَ الصَّلاةِ، ولكنَّه سُنَّةٌ سَنَّها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم»(792) .
لمَّا كانَ مَنَاطُ الحُكْمِ هو الشَّرْعَ، وقَد طُلِبَ الدَّلِيلُ على الوُجُوبِ فلمْ يُوجَدْ، تَبيَّنَ أنَّ عَدَمَ وُجُودِ الدَّلِيلِ على الوُجُوبِ دَلِيلٌ على عَدَمِ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 354الوُجُوبِ، وأنَّ الذِّمَّةَ بَرِيئَةٌ منه، فهو إذًا مَندُوبٌ.
هذا، وقَد وَرَدَ عن عليٍّ صلى الله عليه وسلم أنَّه خَالَفَ في مَسألَةٍ حَكَمَ بها بخِلافِ مُوجبِ هذا الأصْلِ (العَدَمُ الأصْلِيُّ المَعْلُومُ)، حينَما أفْتَى بانتِقَاضِ الوُضُوءِ ممَّا يَخرُجُ مِن غَيرِ السَّبِيلَينِ، والأصْلُ عَدَمُ النَّقْضِ! قالَ: «إذا وَجَدَ أحَدُكم في بَطْنِه رِزًّا، أو قَيئًا، أو رُعَافًا، فليَنْصَرِفْ، فليَتوَضَّأ ثُمَّ ليَبْنِ على صَلاتِه، مَا لمْ يتَكلَّمْ»(793) .
ويُجَابُ عنه بجَوَابَينِ:
الجَوَابُ الأوَّلُ: إنَّ هذا الحُكْمَ ليسَ على سَبِيلِ الحَتْمِ والإلْزَامِ، وإنَّما هو على الاستِحْبَابِ، لقَرِينَتَينِ:
الأولَى: قَولُه: «لا يُتوضَّأ مِن القَيْءِ»(794) . والجَامِعُ بينَهما خُرُوجُ شَيءٍ مِن غَيرِ السَّبِيلَينِ.
الثَّانِيَةُ: قالَ في الرَّجُلِ يَحتَجِمُ، أو يَحلِقُ عَانَتَه، أو يَنتِفُ إبْطَه: «يَغْتَسِلُ»(795) وهذا الغُسْلُ يُرَادُ منه التَّنظِيفُ قَطْعًا، بِدَلالَةِ مَا رُوِيَ عنه: أنَّه «كانَ يَستَحِبُّ أنْ يُغتَسَلَ مِن الحِجَامَةِ»(796) والعِلَّةُ في ذلك أنْ يُنَظِّفَ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 355مَوَاضِعَ الأذَى مِن بَدَنِه.
الجَوَابُ الثَّانِي: الرِّوَايَةُ السَّابِقَةُ مُختَصَرَةٌ جِدًّا، يُوَضِّحُها قَولُ عليٌّ رضي الله عنه : «أيُّمَا رَجُلٍ دَخَلَ في الصَّلاةِ، فأصَابَه رِزٌّ في بَطْنِه، أو قَيْءٌ، أو رُعَافٌ، فخَشِيَ أنْ يُحدِثَ ، قَبلَ أنْ يُسَلِّمَ الإمَامُ، فليَجْعَلْ يَدَه على أنْفِه: فإنْ كانَ يُرِيدُ أنْ يَعتَدَّ بمَا قَد مَضَى، فلا يتَكلَّمْ حتى يتَوضَّأ، ثُمَّ يُتِمَّ مَا بَقِيَ، فإنْ تَكلَّمَ فليَستَقْبِلْ(797) (...)» الحَدِيث.
الوَجْهُ مِن الحَدِيثِ: أنَّ عليًّا رضي الله عنه فَرَّقَ بينَ الأسْبَابِ التي يَحدُثُ منها –عَادَةً- وَسْواسُ الحَدَثِ: (الرِّزُّ، القَيْءُ، الرُّعَافُ)، وبينَ التَّلبُّسِ بالحَدَثِ حَقِيقةً: (سَمَاعُ الصَّوْتِ، أو وُجُودُ الرِّيحِ). فأرْشَدَ إلى الالتِفَاتِ مِن الصَّلاةِ دُونَ كَلامٍ، على أنْ يُجَدِّدَ وُضُوءَه، ويَبنِيَ على مَا صَلَّى.
ولو كانَ يَعدُّ مَا جَاءَ في الرِّوَايَةِ حَدَثًا، لَمَا كانَ في اشْتِرَاطِه عَدَمَ الكَلامِ أدْنَى فَائِدَةٍ، لكَونِه تَلبَّسَ بمَا قَطَعَ عليه صَلاتَه، ومَنَعَه مِن المُضِيِّ فيها، وإلا كانَ يُصلِّي على غَيرِ طَهَارَةٍ!
وثَمَّةَ وَجْهٌ آخَرُ يتَّضِحُ مِن تَعرِيفِ الرِّزِّ وهو: الصَّوْتُ الخَفِيُّ، يُرِيدُ به القَرْقَرةَ. وقِيلَ: هو غَمْزُ الحَدَثِ وحَرَكتُه للخُرُوجِ. فأمَرَه بالوُضُوءِ لئلا يُدَافِعَ أحَدَ الأخْبَثَينِ(798) ، لوُرُودِ النَّهيِ عن ذلك.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
القَواعِدُ المُخرَّجَةُ على الاستِصْحَابِ:
بَنَى عليٌّ رضي الله عنه على الاستِصْحَابِ بَعْضَ القَوَاعدِ الفِقْهيَّةِ، التي تَمَّ رَصْدُها مِن خِلالِ النَّظَرِ في أحْكَامِه الشَّرْعيَّةِ، منها:
الأصْلُ بَقَاءُ مَا كانَ على مَا كانَ حتى يَثْبُتَ مَا يُغيِّرُه. الأصْلُ في الذِّمَّةِ البَرَاءَةُ مِن التَّكَالِيفِ والحُقُوقِ. اليَقِينُ لا يَزُولُ بالشَّكِّ.
المطلب الثاني نماذج تطبيقية
حُكْمُ المَفقُودِ:
تَعرِيفُه:
المَفقُودُ: الغَائِبُ الذي انقَطَعَ خَبَرُه وخَفِيَ أثَرُه، فلا يُدْرَى أحيٌّ هو أم مَيْتٌ(799) .
أنْوَاعُ الفَقْدِ:
الفَقْدُ على نَوعَينِ:
فَقْدٌ فيمَا ظَاهِرُه السَّلامَةُ؛ كالسَّفَرِ في أغْرَاضِه المُتَنوِّعَةِ:
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
كالتِّجَارَةِ، وطَلَبِ العِلْمِ، والطَّبابَةِ، وزِيَارَةِ عَزِيزٍ... إلخ. فَقْدٌ فيمَا ظَاهِرُه الهَلاكُ: كالفَقْدِ في الحُرُوبِ، أو مَن انكَسَرَت به السَّفِينَةُ في عَرْضِ البَحْرِ وغَرِقَ رِفَاقُه، أو مَن سَقَطَت به الطَّائِرَةُ فتَحَطَّمَت، ونَحْوِ ذلك...
المَفقُودُ عندَ عليٍّ:
لمْ يُفرِّقْ عليٌّ رضي الله عنه بينَ هذين النَّوعَينِ مِن حيثُ مَا يتَرتَّبُ عليهما مِن أحْكَامٍ(800) . وقَد نَظَرَ في أحْكَامِ المَفقُودِ على ضَوْءِ استِصْحَابِ حَيَاتِه. وذلك أنَّ الحُكْمَ بوَفَاتِه أمْرٌ مَظْنُونٌ به في مُقَابلِ الحُكْمِ ببَقَاءِ حَيَاتِه، حيثُ هو الأصْلُ، والأصْلُ بَقَاءُ مَا كانَ على مَا كانَ حتى يُثبِتَ الدَّلِيلُ تَغيِيرَه، وهو: استِصحَابُ أمْرٍ وُجُوديٍّ.
بِنَاءً عليه، حَظَّرَ عليٌّ رضي الله عنه على زَوْجَةِ المَفقُودِ أنْ تتَزَوَّجَ(801) مَا لمْ تتَثبَّت مِن وَفَاةِ زَوْجِها فقالَ: «زَوْجَةُ المَفقُودِ لا تتَزَوَّجْ حتى يتَبيَّنَ لها مَوْتُ زَوْجِها»(802) . وقالَ: «هي امْرَأةٌ ابتُلِيَت فَلْتَصْبِرْ، لا تَنكِحْ حتى يَأتِيَها يَقِينُ(803) مَوتِه»(804) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وقَد رَجَمَ امْرَأةً كانَت ذَاتَ زَوْجٍ، فجَاءَت أرْضًا فتَزوَّجَت، ولمْ تَعْتَلْ أنَّه جَاءَها مَوتُ زَوجِها ولا طَلاقُه(805) .
لأنَّ الفَقْدَ شَكٌّ في زَوَالِ رَابطِ الزَّوجِيَّةِ الثَّابِتَةِ بيَقِينٍ، فلا تَثْبتُ به الفُرْقَةُ لأنَّ اليَقِينَ لا يَزُولُ بالشَّكِّ.
وإذَا قَدِمَ زَوجُها المَفقُودُ، وقَد تَزوَّجَت امْرَأتُه، فهو أوْلَى بها، قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «هي امْرَأتُه، إنْ شَاءَ طَلَّقَ، وإنْ شَاءَ أمْسَكَ، ولا تَخيُّرَ(806)(807) ) ( ». «ولهَا الصَّدَاقُ مِن هذا، بمَا استَحلَّ مِن فَرْجِها، ونِكَاحُه بَاطِلٌ»(808) .
وإذ قَد مَنَعَ امْرَأتَه مِن الزَّوَاجِ، فإنَّ الحُكْمَ نَفْسَه ينسَحِبُ على مَالِه فلا يُورِّثُ، ولا يُتصرَّفُ في استِحقَاقِه إلى أن يُعلَمَ حَالُه، ويَظْهرَ أمْرُه مِن مَوتٍ أو حَيَاةٍ، أو تَمضِي مُدَّةٌ يَغلِبُ على الظَّنِّ أنَّه مَاتَ فيها، أو يَحْكُمَ القَاضِي بمَوتِه.
في هذا الحُكْمِ عَمَلٌ بقَاعِدَةِ: الأصْلُ بَقَاءُ مَا كانَ على مَا كانَ حتى يَثبُتَ مَا
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 359يُغيِّرُه.
المُعتَدَّةُ تتَزوَّجُ مِن غَيرِ مُطلِّقِها:
قَضَى عمرُ رضي الله عنه في المُعتدَّةِ إذا تَزوَّجَت مِن غَيرِ مُطَلِّقِها بأنَّها تَحرُمُ على الزَّوْجِ الثَّانِي إنْ دَخَلَ بهَا حُرْمةً مُؤبَّدةً(809) . مُعَامَلةً لها بنَقِيضِ مَقصدِها، وزَجْرًا عن مُخالَفَةِ أمْرِ اللهِ تعالى ومُحافَظةً على الأنْسَابِ أنْ تَختَلِطَ، آخِذًا بالمَصلَحةِ.
بينَما قَضَى عليٌّ رضي الله عنه بالخِيَارِ إذا انقَضَت عِدَّتُها مِن الأوَّلِ، فلها أنْ تتَزوَّجَ مِن الآخَرِ إنْ شَاءَت(810) ، تَمسُّكًا بالبَرَاءَةِ الأصْلِيَّةِ، وهو: استِصحَابُ أمْرٍ عَدَميٍّ.
ثُمَّ نَاقَشَ عمرَ بذلك حتى أقْنَعَه، وعَادَ عمرُ إلى رَأيِ عليٍّ رضي الله عنهما(811) .
الشَّكُّ في العِبَادَاتِ: الشَّكُّ في عَدَدِ الرَّكَعَاتِ:
العَمَلُ بالمُستيقَنِ وهو الأقلُّ احتِياطًا للدِّينِ، عَسَى أنْ يكونَ في الزِّيادةِ إرْغَامٌ لأنْفِ الشَّيطَانِ. فعليٌّ رضي الله عنه يحكمُ بالأقلِّ في حَالَةِ الشَّكِّ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 360وعَدَمِ استِبَانِ وَجْهِ الصَّوابِ، ويَأمرُ بالإتْيَانِ بالزِّيادةِ، ويقولُ: «إذا كُنتَ لا تَدرِي: أرْبعًا صلَّيتَ، أمْ ثَلاثًا! فتَوخَّ الصَّوابَ، ثمَّ قُمْ فاركَعْ رَكعةً، ثمَّ اسجُدْ سَجدتَينِ، فإنَّ اللهَ لا يُعذِّبُ على الزِّيادَةِ»(812)
حُكْمُ صِيَامِ يَومِ الشَّكِّ:
النِّيَّةُ قَصْدٌ لا يُتصوَّرُ تَوجُّهُه إلى أمْرٍ مَظنُونٍ، وبالتَّالِي فلا تتَعلَّقُ بمَشكُوكٍ فيه، كمَا لا تتَعلَّقُ بالمَوهُوم(813) ، فمَن نَوَى مَا يتَردَّدُ فيه، فإنْ كانَ عَدَمُ مَا نَواهُ رَاجِحًا بالاستِصْحَابِ لمْ تَصِحَّ نِيَّتُه، لأنَّها لا تتَحقَّقُ إلاَّ مَعَ عِلْمٍ أو ظَنٍّ رَاجحٍ. كمَا لو نَوَى الصِّيَامَ لَيلَةَ الثَّلاثِينَ مِن شَعبَانَ، فنَهَى عليٌّ رضي الله عنه مِن هذا المُنطَلَقِ عن صِيَامِ يَومِ الشَّكِّ(814) .
بخِلافِ مَا لوْ كانَ تَحقُّقُ النِّيَّةِ رَاجِحًا، فإنَّها تَصِحُّ، كمَن نَوَى صِيَامَ لَيلَةِ الثَّلاثِينَ مِن رَمضَانَ، فتَصِحُّ نِيَّتُه، لأنَّ مَا نَواهُ ثَابِتٌ مُحقَّقٌ باستِصْحَابِ الأصْلِ.
الشَّكُّ في عَدَدِ الأشْوَاطِ:
عن عليٍّ رضي الله عنه قالَ: «إذا طُفتَ بالبَيتِ فشَكَكتَ، فلم تَدرِ أَتمَمْتَ أمْ لَمْ تُتْمِمْ! فأَتِمَّ مَا شَكَكْتَ،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 361فإنَّ اللهَ لا يُعذِّبُ على الزِّيَادَةِ»(815)
في هذه الأمْثِلَةِ عَمَلٌ بقَاعِدَةِ: اليَقِينُ لا يَزُولُ بالشَّكِّ.
في خِتَامِ هذا المَبحَثِ أكونُ قَد أتَيْتُ على نِهَايَةِ البَابِ الثَّانِي، لأستَقبِلَ البَابَ الثَّالِثَ الَّذي يتَحدَّثُ عنِ الاجْتِهَادِ المَقَاصدِيِّ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الباب الثالث الاجتهاد المقاصدي وموارده
الحَدِيثُ عنِ اجْتِهَادِ عَلَمٍ يَعنِي: تَصوُّرَه الكَامِلَ والشَّامِلَ لأصُولِ الشَّرِيعَةِ وفُرُوعِها التي يَنتَمِي إليها، وعمَّا تَركَت فيه مِن أثَرٍ حَوْلَ مَقاصدِها التَّشرِيعيَّةِ، ومَا خَلَّفَه مِن لمَسَاتٍ، سَاهَمَت في تَطوِيرِ هذا المَفهُومِ إلى أبْعَدِ مَدًى.
وإذا كانَ الحَدِيثُ عن الاجْتِهَادِ ذا شُجُونٍ وفُنُونٍ، فقَد اقتَضَت طَبِيعَةُ مُعالَجَتِه أنْ يَتِمَّ بَحْثُه مِن خِلالِ رَصْدِ مَعالمِه، في الفُصُولِ الآتِيَةِ:
الفَصلُ الأوَّل: الاجْتِهَادُ والتَّقلِيدُ عندَ عليٍّ.
الفَصلُ الثَّاني: الاجْتِهَادُ المَقاصِديُّ في أقْضِيَةِ عليٍّ.
الفَصلُ الثَّالِثُ: مَوارِدُ الاجتِهَادِ المَقاصديِّ في الأقْضِيَةِ العَلَوِيَّةِ.
الفصل الأول الاجتهاد والتقليد عند علي
كَونُ هذا الفَصْلِ يَحتَوِي على عُنوَانَينِ رَئِيسَينِ، ألا وهما: (الاجْتِهَادُ، والتَّقلِيدُ) عندَ صَاحبِ الدِّرَاسَةِ، لذا نَاسَبَ أنْ أجْعلَ الحَدِيثَ في مَبحثَينِ، على الوَجْهِ التَّالِي:
المَبحثُ الأوَّل: الاجْتِهَادُ عند عليٍّ.
المَبحثُ الثَّاني: التَّقلِيدُ عندَ عليٍّ.
المبحث الأول الاجتهاد عند علي
ويَشتمِلُ على ثَلاثَةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلَبُ الأوَّلُ: مَضْمُونُ الاجْتِهَادِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: مَجَالاتُ الاجْتِهَادِ وتَغيُّرُه.
المَطلَبُ الثَّالِثُ: الاجْتِهَادُ في دَوْرِ الصَّحَابَةِ.
المطلب الأول مضمون الاجتهاد
أوَّلاً- تَعرِيفُ الاجْتِهَادِ وضَوابِطُه:
تَعرِيفُ الاجْتِهَادِ: الاجْتِهَادُ لُغةً:
الاجْتِهَادُ: افْتِعَالٌ مِن الجهْدِ -بفتح الجيم وضمِّها-:
بفَتْحِ الجِيمِ: المَشقَّةُ، وقِيلَ: المُبَالَغةُ والغَايَةُ. وبالضَّمِّ: الوُسْعُ والطَّاقَةُ.
يُقَالُ: جَهَدَ جَهْدًا وجُهْدًا، أيْ: جَدَّ وطَلبَ الأمْرَ حتى بَلَغَ المَشقَّةَ
PDF 368ووَصَلَ إلى الغَايَةِ. ففيه بَذْلٌ للمَجهُودِ، واستِفْرَاغُ الوُسْعِ في تَحقِيقِ أمْرٍ مِن الأمُورِ، أيْ: غَايَةُ مَا يَقدِرُ على استِفْرَاغِه لتَحصِيلِ أمْرٍ شَاقٍّ. فهو خَاصٌّ بمَا فيه كُلْفَةٌ، ولهذا يُقَالُ: اجْتَهدَ في حَمْلِ حَجَرِ الرَّحَى، ولا يُقَالُ: اجْتَهدَ في حَمْلِ الخَردَلةِ والنَّوَى(816)
و الاجْتِهَادُ: أخْذُ النَّفْسِ ببَذْلِ الطَّاقَةِ وتَحَمُّلِ المَشقَّةِ، يُقَالُ: جَهَدْت رَأيِي، واجتَهَدت: أتعبتُه بالفِكْرِ(817) .
الاجْتِهَادُ اصْطِلاحًا:
بَذْلُ الوُسْعِ في استِنبَاطِ حُكْمٍ شَرعيٍّ ممَّا اعتَبرَه الشَّارِعُ دَلِيلاً(818) .
وبعِبَارَةٍ أخرَى: استِفَراغُ الوُسْعِ في طَلَبِ الظَّنِّ بشَيءٍ من الأحْكَامِ الشَّرعيَّةِ على وَجْهٍ يَحُسُّ مِن النَّفْسِ العَجْزَ عن المَزيدِ عليه(819) .
يتَبيَّنُ مِن التَّعرِيفِ أنَّ مَقصُودَ الاجْتِهَادِ التَّوصُّلُ إلى الأحْكَامِ الشَّرعيَّةِ العَمَليَّةِ عن طَرِيقِ النَّظَرِ في أدِلَّةِ الشَّرْعِ، سَواءٌ نَتَجَ عن ذلك قَطْعٌ بالحُكْمِ أو ظَنٌّ به.
ضَوَابِطُ التَّعرِيفِ:
اشتَمَلَ تَعرِيفُ الاجْتِهَادِ على الضَّوَابِطِ الآتِيَةِ:
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الاجْتِهَادُ أعَمُّ مِن القِيَاسِ، لأنَّه بَذْلُ الوُسْعِ في النَّظرِ في الأدِلَّةِ. لا يَجُوزُ الاجْتِهَادُ إلا لفَقِيهٍ عَالمٍ بالأدِلَّةِ وكَيفيَّةِ الاستِنْبَاطِ منها. قَد يَنتجُ عنِ الاجْتِهَادِ القَطْعُ بالحُكْمِ أو الظَّنُّ به. الاجْتِهَادُ هو رَأيُ المُجتَهدِ في مُحاوَلَةٍ منه للكَشْفِ عن حُكْمِ اللهِ تعالى، فلا يُسمَّى اجْتِهَادُه: تَشرِيعًا.
ثَانِيًا- أرْكَانُ الاجْتِهَادِ وأنْوَاعُه:
أرْكَانُ الاجْتِهَادِ:
للاجْتِهَادِ أرْبَعَةُ أرْكَانٍ، هي(820) :
المُجتَهِدُ، وهو: الفَقِيهُ الذي له القُدْرَةُ على استِفَادَةِ الأحْكَامِ الشَّرعيَّةِ العَملِيَّةِ مِن أدِلَّتِها
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
التَّفصِيليَّةِ(821) المُجتَهدُ فيه، وهي: المَسَائِلُ، والوَقَائِعُ والنَّوَازِلُ التي تَحتَاجُ إلى حُكْمٍ شَرْعيٍّ. أدِلَّةُ الاجْتِهَادِ، وقَد اتَّسَمَتِ المَدَارِكُ الاجْتِهَادِيَّةُ عندَ عليٍّ رضي الله عنه بالمَنَاحِي التَّالِيَةِ:
أوَّلاً: أخْذُ الحُكْمِ مِن ظَوَاهرِ النُّصُوصِ إذا كانَت مُتضَمِّنَةً له.
ثَانِيًا: أخْذُ الحُكْمِ مِن مَعقُولِ النَّصِّ؛ بأنْ كانَ للنَّصِّ عِلَّةٌ مُصرَّحٌ بها أو مُستَنبطَةٌ، ومَحِلُّ الحَادِثَةِ ممَّا يُوجَدُ في تلك العِلَّةِ، والنَّصُّ لا يَشْمَلُه. وهذا هو المَعرُوفُ بالقِيَاسِ.
ثَالِثًا: إنْزَالُ الوَقائِعِ على القَواعدِ العَامَّةِ المُتلقَّاةِ مِن رُوحِ الشَّرِيعَةِ ونُصُوصِها العَامَّةِ، وهذا مَا يَقَعُ تحتَ اسمِ الاستِحسَانِ، والمَصَالحِ المُرسَلَةِ، وسَدِّ الذَّرَائعِ.
رَابِعًا: افْتِرَاضُ مَسَائِلَ لمْ تَقَعْ، واستِحْضَارُ مَا يُنَاسِبُها مِن الأحْكَامِ الشَّرعِيَّةِ.
الاجْتِهَادُ نَفْسُه. أنْوَاعُ الاجْتِهَادِ:
الاجْتِهَادُ النَّاقِصُ: وهو بَذْلُ الجُهْدِ في تَعرِيفِ الأحْكَامِ. الاجْتِهَادُ التَّامُّ: وهو بَذْلُ الوُسْعِ في الطَّلَبِ إلى غَايَتِه(822) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
والمَعرُوفُ عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه كانَ فَقِيهَ نَفْسٍ في الأمَارَاتِ ودَلائلِ الحَالِ ومَعرِفَةِ شَواهدِه، وفي القَرائنِ الحَاليَّةِ والمَقاليَّةِ، فَقِيهًا في كُلِّيَّاتِ الأحْكَامِ لا يُجارَى(823) . لذلك لم تُعهَدْ عنه قَضيَّةٌ ضلَّ فيها وَجْهَ الصَّوابِ، ولم يُفْتِ بمَسألَةٍ مُناقِضَةٍ للأصُولِ الشَّرعيَّةِ – بحَسَبِ وُسْعِه واطِّلاعِه- ولا أضَاعَ حَقًّا على صَاحبِه.
تحلَّى عليٌّ رضي الله عنه بنَوعَينِ مِن الفِقْهِ لا بدَّ للمُجتَهدِ منهما:
فِقْهٌ في أحْكَامِ الحَوادثِ الكلِّيَّةِ. وفِقْهٌ في الوَاقعِ نَفْسِه وأحْوَالِ النَّاسِ.
فاستَطاعَ أنْ يُميِّزَ بينَ الصَّادقِ والكَاذبِ، والمُحقِّ والمُبطلِ. ثمَّ يُطابِقَ بينَ هذا وهذا، فيُعطِيَ الوَاقِعَ حُكْمَه مِن الوَاجبِ، ولا يَجعَلَ الوَاجِبَ مُخالِفًا للوَاقعِ(824) .
ثَالِثًا- شُرُوطُ الاجْتِهَادِ(825) :
الإحَاطَةُ بمَدَاركِ الأحْكَامِ وتَرتِيبِها، والعِلْمُ بنُصُوصِها مِن الكِتَابِ والسُّنَّةِ. مَعرِفَةُ المَسَائلِ المُجمَعِ عليها
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ومَواقعِ الخِلافِ فيها. العِلْمُ بأصُولِ الفِقْهِ وقَواعدِ الاستِدْلالِ. مَعرِفَةُ وُجُوهِ القِيَاسِ وشَرائِطِه المُعتَبرَةِ. مَعرِفَةُ اللُّغَةِ العَربيَّةِ وخَواصِّها في إفَادَةِ المَعنَى، ومَا يَتعلَّقُ بدَلالاتِ الألفَاظِ. مَعرِفَتُه بفِقْهِ الوَاقعِ والإلْمامُ بحَيثيَّاتِه، والاطِّلاعُ على مُعامَلاتِ النَّاسِ وأعْرَافِهم. بَذْلُ الوُسْعِ قَدْرَ الاستِطَاعَةِ، وألا يُقصِّرَ في البَحْثِ وتَقلِيبِ وُجْهاتِ النَّظَرِ.
وإنَّ مِن نَافِلَةِ القَوْلِ أنْ أثبِتَ تَوافُرَ هذه الشُّروطِ في شَخْصِ عليٍّ رضي الله عنه ، ونحن على بَيِّنَةٍ أنَّ مَنهجَ عليٍّ في الاجْتِهَادِ وَاضِحٌ في رُجُوعِه إلى كُلِّ مَا يتَّصِلُ بالوَاقِعَةِ مِن آيَاتٍ قُرآنِيَّةٍ، وأحَادِيثَ نَبويَّةٍ، ومَعَانٍ لُغويَّةٍ، يُقلِّبُ فيها نَظرَه، ويُعمِلُ فيها عَقْلَه.
رَابِعًا- هَلْ كُلُّ مُجتَهدٍ مُصِيبٌ؟
قالَ عليٌّ رضي الله عنه في الأخْتَينِ المَملُوكتَينِ: «أحلَّتْهما آيةٌ، وحَرَّمَتْهما آيةٌ»(826) .
احتجَّ بهذا الأثَرِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّ كُلَّ مُجتَهدٍ مُصِيبٌ(827) وأنَّ كُلَّ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 373مُفْتٍ مُحِقٌّ في فُتيَاهُ على تَضَادِّه!
وهذا لا حُجَّةَ لهم فيه لوُجُوهٍ، منها(828) :
إنَّ قَولَ عليٍّ رضي الله عنه وقَولَ كُلِّ أحَدٍ دُونَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فلا يَلزَمُ قَبُولُه إلا بمُوافَقَةِ نَصِّ قُرآنٍ أو سُنَّةٍ له أو إجمَاعٍ. إنَّ عليًّا رضي الله عنه لمْ يُرِدْ مَا ذَهبُوا إليه مِن كَونِ الشَّيءِ حَرَامًا حَلالاً معًا في وَقْتٍ وَاحدٍ على إنسَانٍ وَاحدٍ! فهذا غَايَةُ المُحَالِ المُمتَنعِ.
وإنَّما أرَادَ أنَّه لمْ يَلُحْ له فيها حُكْمٌ يَقِفُ عليه، لأنَّه رَأى قَولَه تعالى: ﴿ إِلَّا عَلَى أَزواجِهِم أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمانُهُم فَإِنَّهُمْ غَيْرُ(829) ﴾ ، ورَأى قَولَه تعالى: ﴿ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا(830) ﴾ ، فلمْ يَبنْ له أيُّ الأمرَينِ تَغلَّبَ.
فأخْبَرَ عن ظَاهرِ الآيَةِ الوَاحِدَةِ أنَّها قَد تَحتَمِلُ أنْ تكونَ مُحلِّلَةً لهما مَخصُوصَةً مِن الأخرَى، وأنَّ ظَاهِرَ الثَّانِيَةِ قَد يُحتَمَلُ أنْ يكونَ مُحرِّمًا لهما مُخصَّصًا مِن الأخرَى، فوَقَفَ في ذلك.
فقَولُ عليٍّ رضي الله عنه «لا أفْعَلُه أنا ولا أهلُ بَيتِي»(831) إخْبَارٌ برَأيِه
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 374بعدَما ذُكِرَ له التَّعارُضُ بينَ الآيَتينِ. قالَ ابنُ حَزْمٍ رحمه الله: «فأخبرَ أنَّه خَفِيَت عليه رُتبَةُ هاتينِ الآيَتينِ، ولم يَدْرِ أيَّهما يُغَلِّبُ ويَستَثنِي مِن الأخْرَى»(832)
المطلب الثاني مجالات الاجتهاد وتغيره
أوَّلاً- مَجَالاتُ الاجْتِهَادِ:
مَحِلُّ اجْتِهَادِ الفِقيهِ هي الوَقَائِعُ، ولا تَخْلُو –عُمُومًا- مِن وَصفَينِ:
وَاقِعَةٌ وَرَدَ بشَأنِ الحُكْمِ فيها نَصٌّ مِن الكِتَابِ أو السُّنَّةِ، أو إجْمَاعٌ. وَاقِعَةٌ لمْ يَرِدْ بشَأنِ الحُكْمِ فيها نَصٌّ ولا إجْمَاعٌ. فمَجَالُ الاجْتِهَادِ فيها هو البَحْثُ عن حُكْمِها مِن الأدِلَّةِ الأخْرَى.
وفي كِلْتا الحَالَتَينِ يَخضَعُ عَمَلُ المُجتَهدِ للاعتِبَارَاتِ التَّالِيَةِ:
مَا لا يَجُوزُ الاجْتِهَادُ فيه، وهي: النُّصُوصُ القَطعِيَّةُ في الثُّبُوتِ والدَّلالَةِ. الأحْكَامُ المُجمَعُ عليها.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
مَا يَجُوزُ الاجْتِهَادُ فيه، وهي:
النُّصُوصُ القَطعِيَّةُ الثُّبُوتِ الظَّنِّيَّةُ الدَّلالَةِ. النُّصُوصُ الظَّنِّيَّةُ الثُّبُوتِ الظَّنِّيَّةُ الدَّلالَةِ. مَا لا نَصَّ فيه ولا إجْمَاعَ.
في ضَوْءِ مَا تَقدَّمَ يَتَّضِحُ لنا المَقصُودُ ممَّا أصَّلَه العُلمَاءُ من أنَّه «لا مَسَاغَ للاجْتِهَادِ في مَورِدِ النَّصِّ»، وأنَّ هذه القَاعِدَةَ ليسَت على إطْلاقِها.
ثَانِيًا- تَغيُّرُ الاجْتِهَادِ ونَقْضُه:
إذا تَغيَّرَ الحُكْمُ الصَّادِرُ عن اجتِهَادِ الحَاكمِ، أو القَاضِي، أو المُجتَهدِ، في مَحِلٍّ يَسُوغُ فيه الاجتِهَادُ، فلا يُنقَضُ الأوَّلُ إلا بشُرُوطٍ مُعيَّنَةٍ(833) ، تَقدَّمَ الحَدِيثُ عنها والتَّمثِيلُ لهذه المَسألَةِ مِن وَاقعِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ وأقْضِيَةِ عليٍّ رضي الله عنه(834) .
أمَّا فيمَا يَخصُّ تَغيُّرَ الاجْتِهَادِ، والمَعنِيُّ به انْتِقَالُ المُجتَهِدِ مِن حُكْمٍ شَرْعيٍّ إلى آخَر، فلا يَجُوزُ –ابْتِدَاءً- للمُجتَهدِ أنْ يُغيِّرَ اجْتِهَادَه، فيَرجِعَ عنه لقَولِ غَيرِه، لأنَّ مَنَاطَ الحُكْمِ هو الدَّلِيلُ، فمتَى ظَفَرَ المُجتَهِدُ به وَجَبَ عليه الأخْذُ بمُوجَبِه.
ولكنْ قَد يَطْرَأ على الوَاقِعَةِ المُجتَهَدِ فيها مَا يَصْرِفُها عن حَقِيقَتِها المَعهُودَةِ سَلَفًا إبَّانَ الحُكْمِ السَّابقِ، فيَعْدِلُ المُجتَهِدُ عن رَأيِه، لا تَقلِيدًا، وإنَّما اتِّبَاعًا لرُوحِ الشَّرِيعَةِ ومُنطلَقاتِها في المُحافَظَةِ على المَقاصدِ العَامَّةِ في مِثْلِ هذه القَضيَّةِ. فكُلُّ مَا حُكِمَ عليه
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 376مِن مَسَائلِ الشَّرِيعَةِ أنَّه تَبَعٌ للعَوَائدِ، فإنَّه «يَتغيَّرُ الحُكْمُ فيه عندَ تَغيُّرِ العَادَةِ إلى مَا تَقتَضِيه العَادَةُ المُتجَدِّدَةُ»(835)
إذًا يَجُوزُ أنْ يكونَ للمُجتَهِدِ قَولانِ في مَسألَةٍ وَاحِدَةٍ في وَقتَينِ مُختَلِفَينِ . ويَعُودُ تَجدُّدُ الاجْتِهَادِ لديه إلى الطَّبِيعَةِ البَشرِيَّةِ التي جُبِلَت على التَّغيُّرِ والتَّجْدِيدِ كُلَّمَا سَنَحَت فُرْصَةٌ مُلائِمَةٌ، وهذا الأمْرُ لا يَنفَكُّ عن وَاحدٍ مِن العَوَاملِ التَّالِيَةِ:
الوُقُوفُ على دَلِيلٍ جَدِيدٍ كانَ غَافِلاً عنه، أو لمْ يَصِلْ إليه، سُئِلَ عليٌّ رضي الله عنه عن مَسألَةٍ، فقالَ فيها. فقالَ رَجُلٌ: ليسَت كذلك يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ، ولكنْ كَذا وكَذا. فقالَ عليٌّ رضي الله عنه : «أصَبْتَ وأخْطَأتُ، ﴿ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ(836)(837) ﴾ )( ».
يَظهَرُ مِن هذه الوَاقِعَةِ بَعضُ الفَوائدِ العِلْميَّةِ والمَسلَكيَّةِ، منها:
عَدَمُ ادِّعَاءِ العِصمَةِ. بَيَانُ العِلْمِ وعَدَمُ كِتمَانِه. قُرْبُ عليٍّ رضي الله عنه مِن رَعِيَّتِه. إنْصَافُ عليٍّ رضي الله عنه ومَعرِفَتُه قَدْرَ نَفْسِه، وحِفْظُه لغَيرِه حَقَّه مِن
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الفَضْلِ. النَّصِيحَةُ لإمَامِ المُسلِمينَ وعَامَّتِهم، بالأمْرِ بالمَعرُوفِ والنَّهْيِ عنِ المُنكَرِ، وعَدَمُ التَّزلُّفِ للحُكَّامِ على حِسَابِ الدِّينِ.
تَغيُّرُ الزَّمَانِ والمَكَانِ اللَّذينِ يَستَلحِقَانِ العُرْفَ والمَصلَحةَ ومُرَاعاةَ الضَّرُورَةِ. ومَا كانَ كذلك فالحُكْمُ فيه تَابِعٌ لاخْتِلافِ العَصْرِ والزَّمَانِ، وليسَ هو اخْتِلافَ حُجَّةٍ وبُرْهَانٍ، فلا يُنْكَرُ تَغيُّرُ الأحْكَامِ بتَغيُّرِ الأزْمَانِ. وهذا شَأنُ تَعدُّدِ البُلدَانِ، وتَنوُّعِ أعْرَافِ النَّاسِ.
لهذا كانَ المُجتهِدُ يُغيِّرُ حُكْمَه إذَا انتَقَلَ مِن بَلدٍ إلى آخرَ، كمَا حَصَلَ معَ الإمَامِ الشَّافعيِّ (ت 204 هـ) رحمه الله عندَما انتَقَلَ مِن الحِجَازِ إلى العِرَاقِ ثُمَّ استَوْطَنَ مِصْرَ، وأمْلى مَذْهبَه الجَدِيدَ مُخَالِفًا فيه بَعضَ اجْتِهَادَاتِه التي عُرِفَت (بالمَذهَبِ القَدِيمِ).
وعندَما انتَقَلَ عليٌّ رضي الله عنه بالخِلافَةِ إلى العِرَاقِ غَيَّرَ كَثِيرًا مِن الأحْكَامِ، منها:
مِيرَاثُ الجَدِّ معَ الإخْوَةِ:
كانَ عليٌّ رضي الله عنه يتَهيَّبُ مِن هذه القَضيَّةِ، سَألَه رَجُلٌ عن فَرِيضَةٍ؟ فقالَ: «هَاتِ، إنْ لمْ يكنْ فيها جَدٌّ(838) ». وقالَ مَرَّةً: «مَن سَرَّه أنْ يتَقحَّمَ جَراثِيمَ(839) جَهنَّمَ، فليَقْضِ بينَ جَدٍّ وإخْوَةٍ»(840) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
كانَ يَجْعلُ الجَدَّ معَ الإخْوَةِ أبًا(841) ، فلا يُورِّثُهم معَه شَيئًا.
ثُمَّ تَرجَّحَ لديه تَورِيثُ الإخْوَةِ معَ الجَدِّ، «فكانَ يُعْطِي الجَدَّ الثُلُثَ، ثُمَّ تَحوَّلَ إلى السُّدُسِ»(842) . عن عَبِيدَةَ السَّلْمَانيِّ (ت 72 هـ) رحمه الله أنَّه قالَ: «كانَ عليٌّ رضي الله عنه يُعْطِي الجَدَّ معَ الإخْوَةِ الثُّلُثَ (...). فلمَّا قَدِمَ عليٌّ رضي الله عنه هَهُنا – يَعنِي: العِرَاقَ- أعْطَاهُ السُّدُسَ»(843) .
وبذلك يكونُ قَد تَبدَّلَ اجْتِهَادُ عليٍّ رضي الله عنه بعدَ قُدُومِه إلى العِرَاقِ، حتى إنَّ أهْلَ العِرَاقِ أنْكَرُوا على عَطَاءٍ (ت 114 هـ) رحمه الله عندَما حَدَّثَ عن عليٍّ رضي الله عنه برَأيِه الأوَّلِ(844) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الثالث الاجتهاد في دور الصحابة
أوَّلاً- مَفْهُومُ الاجْتِهَادِ في هذه المَرحَلَةِ:
تَقدَّمَ الكَلامُ حَوْلَ حَدِيثِ مُعَاذٍ رضي الله عنه ، وقَد أقَرَّه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على اجتِهَادِ رَأيِه فيمَا لم يَجِدْ فيه نَصًّا عنِ اللهِ ورَسُولِه صلى الله عليه وسلم(845) . يُعتَبرُ هذا الحَدِيثُ أصْلاً في بَابِ الاجْتِهَادِ، فمَاذا نَعْنِي باجْتِهَادِ الرَّأيِ؟
(اجْتِهَادُ الرَّأيِ) في حَدِيثِ مُعَاذٍ رضي الله عنه يُفسِّرُه مَا وَرَدَ في عَهْدِ عمرَ لأبي مُوسَى رضي الله عنهما حِينَ وَلاَّه القَضَاءَ، فقد جَاءَ فيه قَولُه: «القَضَاءُ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ، أو سُنَّةٌ مُتَّبَعةٌ»، ثمَّ قالَ: «الفَهْمَ الفَهْمَ فيما تَلَجْلَجَ في صَدرِك ممَّا ليس في كتابٍ ولا سُنَّةٍ. فاعرفِ الأشباهَ والأمثالَ، وقِسِ الأمورَ عند ذلك. واعمدْ إلى أقربِها إلى اللهِ، وأشبهِها بالحَقِّ»(846) .
فمُعَاذٌ رضي الله عنه «يُرِيدُ الاجتهادَ في رَدِّ القَضِيَّةِ من طَرِيقِ القِيَاسِ إلى مَعنَى الكِتَابِ والسُّنَّةِ. ولم يُرِدِ الرَّأيَ الذي يَسْنَحُ له من قِبَلِ نَفْسِه أو يَخطرُ ببالِه من غيرِ أصلٍ من كتابٍ أو سنَّةٍ»(847) .
«ويُمكِنُ القَوْلُ بأنَّ مَفْهُومَ (الاجْتِهَادِ) أو (الرَّأيِ) في هذا الدَّورِ لا يَعدُو أنْ يكونَ وَاحِدًا مِن الأمُورِ التَّالِيَةِ:
حَمْلُ مَا يَحتَمِلُ مِن الكَلامِ مَحمَلَينِ أو أكْثرَ على أحَدِهما، كمَا في أمْرِه
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صلى الله عليه وسلم لهم بالصَّلاةِ في بَنِي قُرْيظَةَ. قِيَاسٌ تَمثِيليٌّ، تُلحَقُ فيه وَاقِعَةٌ وَقَعَت وحَدثَت، بوَاقِعَةٍ مُمَاثِلَةٍ لها، تَعرَّضَ لها الكِتَابُ أو السُّنَّةُ، كمَا في قِيَاسِ عمَّارٍ (ت 37 هـ) رضي الله عنه التَّيمُّمَ مِن الجَنَابَةِ على الاغْتِسَالِ منها وتَمَعُّكِه بالتُّرَابِ(848) الاجْتِهَادُ في مُلاحَظَةِ مَصلَحةٍ، أو سَدِّ ذَرِيعَةٍ، أو تَخصِيصِ عُمُومٍ، أو أخْذٍ بمَفْهُومٍ، أو نَحْوِ ذلك»(849)
ثَانِيًا- تَجزُّؤُ الاجْتِهَادِ:
إنَّ جَرَيَانَ الاجْتِهَادِ مِن صَاحبِه في بَعضِ المَسَائلِ دُونَ بَعضٍ هو رَأيُ جُمهُورِ أهْلِ الصَّنعَةِ، قالَ الغَزالِيُّ رحمه الله: «يَجُوزُ أنْ يكونَ مُنتَصِبًا للاجْتِهَادِ في بَابٍ دُونَ بَابٍ»(850) .
ووَاقِعُ الصَّحَابَةِ قَائِمٌ على تَجزُّؤِ الاجْتِهَادِ، لا غَضَاضَةَ في ذلك ولا مِرْيَةَ فيه. ولَعلَّ في قَبُولِ عُثمَانَ بشَرْطِ عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ عَوفٍ رضي الله عنهما أنْ يُتَابِعَ شَيخَيِ الإسْلامِ قَبْلَه، دَلِيلاً على جَوَازِ تَجزُّؤِ الاجْتِهَادِ؛ لاحْتِمَالِ أنْ يُرَادَ بالاقْتِدَاءِ بهما فيمَا لمْ يَظْهَرْ للتَّابعِ فيه الاجْتِهَادُ، فيَعمَلُ بقَولِهما للضَّرُورَةِ.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وعلى تَجزُّؤِ الاجْتِهَادِ، مَشَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في تَصنِيفِ الصَّحَابَةِ بقَولِه: « (...) وأقْرَؤُهم لكِتَابِ اللهِ: أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ (ت 21 هـ) ، وأفْرَضُهم: زَيدُ بنُ ثَابتٍ، وأعْلَمُهم بالحَلالِ والحَرامِ: مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ(851) (...) » .
وجَاءَ في خُطبةٍ لأميرِ المُؤمنِينَ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه : «مَن أرَادَ أنْ يَسألَ عنِ القُرآنِ، فَلْيأتِ أُبيَّ بنَ كَعبٍ. ومن أرادَ أنْ يَسْألَ عن الفَرائِضِ، فلْيأتِ زَيدَ بنَ ثَابتٍ. ومَن أرَادَ أنْ يَسْألَ عنِ الفِقْهِ، فَلْيَأتِ مُعاذَ بنَ جَبَلٍ»(852) .
قالَ ابنُ القَيِّمِ رحمه الله: «الاجْتِهَادُ حَالَةٌ تَقبَلُ التَّجزُّؤَ والانقِسَامَ، فيكونُ الرَّجُلُ مُجتَهِدًا في نَوعٍ مِن العِلْمِ، مُقلِّدًا في غَيرِه أو في بَابٍ مِن أبْوَابِه»(853) .
وعليٌّ رضي الله عنه كانَ أقْضَى الصَّحَابَةِ، ومِن أعْلَمِهم بالتَّفسِيرِ، وأكثَرِهم وُقُوفًا على مَقاصدِ الشَّرِيعَةِ.
يَنبَنِي على القَولِ بجَوَازِ تَجزُّؤِ الاجْتِهَادِ أنَّ المُجتَهِدَ يُعتَبرُ في بَعضِ المَسَائلِ عَامِيًّا، يَجُوزُ له التَّقلِيدُ فيها، مِن هنا تَأتِي أهمِّيَّةُ الاجْتِهَادِ الجَمَاعيِّ.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثَالِثًا- الاجْتِهَادُ الجَمَاعِيُّ:
«هو استِفْرَاغُ أغْلَبِ الفُقَهَاءِ الجُهْدَ لتَحْصِيلِ ظَنٍّ بحُكْمٍ شَرْعيٍّ بطَرِيقِ الاستِنْبَاطِ، واتِّفَاقُهم جَمِيعًا أو أغْلَبِهم على الحُكْمِ بعدَ التَّشَاوُرِ»(854) .
أصْبَحَ غَيرَ خَافٍ أنَّ اجْتِهَادَ العَصْرِ الأوَّلِ مِن الصَّحَابَةِ كانَ يَخْطُو بهذه الخَطْوَةِ الوَاثِبَةِ، التي أسَّسَت فيمَا بَعْدُ لتَبَلْوُرِ مَفهُومِ الإجْمَاعِ. وقَد كانَ هذا النَّوْعُ مِن الاجْتِهَادَاتِ ضَرُورَةً مُلِحَّةً، فَرَضَها في البِدَايَةِ وَرَعُ الخُلفَاءِ مِن الإقْدَامِ على الفَتْوَى وتَحمُّلِ المَسؤُوليَّةِ مُنفَرِدينَ. ثُمَّ هو يَعكِسُ بِيئةَ العَربيِّ الاجْتِمَاعيَّةَ التي تَرفُضُ النَّزْعةَ الأحَادِيَّةَ في اتِّخَاذِ القَرارِ، والتَّفرُّدَ بالحُكْمِ دُونَ مَشُورَةٍ.
لقَد تميَّزَ مِنهَاجُ عليٍّ رضي الله عنه في الاجْتِهَادِ أنَّه اعتَمدَ النَّمَطَ الاجتِماعيَّ (الشُّورَى) في الاستِنبَاطِ(855) ، فلا تَرَاه يَخلُو مُنعَزِلاً ليَجتَهِدَ مُنفَرِدًا، وإنَّما تَجِدُه اختَارَ مِن بينِ تَلاميذِه أصْحَابًا له يجتَمِعونَ إليه ويَلتَقِي بهم(856) . وعندَ كلِّ وَاحدٍ من التَّخصُّصِ بصَنعةٍ مَا ليسَ عندَ الآخَرِ. فيَطرَحُونَ المَسْألةَ، ويتنَاظَرُونَ فيها، فلرُبَّما انتَهَى بهم المَقامُ إلى الاتِّفاقِ معَ الإمَامِ، ولربَّما استَقلُّوا، وهو القَائِلُ: «مَن استَقْبَلَ وُجُوهَ الآرَاءِ؛ عَرَفَ مَواقِعَ الخَطَأَ»(857) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
رَابِعًا- هَلْ كانَ عليٌّ يَستَأثِرُ بالاجْتِهَادِ؟
بِنَاءً على القَوْلِ بتَجزُّؤِ الاجْتِهَادِ، ومَشرُوعِيَّةِ الاجْتِهَادِ الجَمَاعيِّ، دَعَا عليٌّ رضي الله عنه إلى الاجْتِهَادِ، بَلْ كانَ في زَمَانٍ كَثُرَ فيه المُجتَهِدُونَ، فمِنَ المُحتَمَلِ جِدًّا أنْ تتَعدَّدَ الاجْتِهَادَاتُ في الآنِ الوَاحدِ تُجَاه قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، فمَا هو مَوقِفُ عليٍّ مِن ذلك؟
لمْ يكنُ عليٌّ رضي الله عنه بثَقافَتِه الوَاسِعَةِ ممَّن يُنكِرُ تَعدُّدَ الاجْتِهَادَاتِ في المَسْألَةِ الوَاحِدَةِ، ولمْ يَمنَعْ مِن حُدُوثِ ذلك، كمَا أنَّه لمْ يَحْملِ النَّاسَ على رَأيِه –وهو أمِيرُ المُؤمنِينَ- وإنَّما تَرَكَ لهم فُسْحةً مِن الرَّأيِ، يتَخيَّرُونَ فُتْيةَ أيِّ مُجتَهِدٍ، طَالَمَا اتَّصَفَ بأهْلِيَّةِ الاجْتِهَادِ(858) .
الأمرُ الذي نَلمَحُ مِن خِلالِه مَدَى اتِّسَاعِ دَائِرَةِ الحُرِّيَّةِ في ذلك العَصْرِ، والتي تَجلَّت في عَدَمِ حَمْلِ الخَلِيفَةِ النَّاسَ على تَقلِيدِه. كمَا تَجلَّت في الدَّعْمِ المُستَمِرِّ مِن الخَلِيفَةِ للعُلمَاءِ على الاجْتِهَادِ، إذْ لمْ يتَوجَّهْ إليهم بالأمْرِ باتِّبَاعِه. بَلِ اتَّسَعَت دَائِرَةُ الحِوَارِ، ونَشِطَ الاجْتِهَادُ الفِقْهيُّ في مَجَالاتِ الحَيَاةِ كَافَّةً، سَواءٌ في القَضَاءِ أو الإفْتَاءِ.
وقَد مَرَّ(859) نَمُوذَجٌ في التَّطبِيقِ لهذه المَسْألَةِ حينَما اختَلَفَت آرَاءُ الصَّحَابَةِ في المَرْأةِ المُخيَّرَةِ، على ثَلاثَةِ مَذاهِبَ:
فذَهَبَ عمرُ رضي الله عنه إلى أنَّها إنِ اخْتارَت نَفْسَها فهي وَاحِدَةٌ،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وهو أحَقُّ بها. وإنِ اخْتارَت زَوْجَها، فلا شَيءَ. وذَهَبَ عليٌّ رضي الله عنه إلى أنَّها إنِ اخْتَارَت زَوْجَها فهي وَاحِدَةٌ، وهو أحَقُّ بها. وإن اخْتَارَت نَفْسَها، فهي وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ. وذَهَبَ زَيدُ بنُ ثَابتٍ رضي الله عنه إلى أنَّها إنِ اخْتَارَت زَوْجَها، فهي وَاحِدَةٌ، وزَوْجُها أحَقُّ بها. وإنِ اخْتَارَت نَفْسَها، فهي ثَلاثٌ.
قالَ ابنُ القَيِّمِ رحمه الله: «وهذا رَأيٌ منهم كُلِّهم ، ورَأيُ عمرَ رضي الله عنه أقْوَى وأصَحُّ»(860) .
مِن النَّمَاذجِ التي اجْتَهدَ بهَا عليٌّ رضي الله عنه : عُقُوبَةُ شَارِبِ الخَمْرِ، ولاتِّبَاعِه للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وشِدَّةِ حِرْصِه على أرْوَاحِ المُسْلِمينَ وأعْرَاضِهم، كانَ يَجِدُ في نَفْسِه شَيئًا إنْ مَاتَ الرَّجُلُ تَحتَ الجَلْدِ!
حُكْمُ مَن مَاتَ في الحَدِّ:
لمْ يَكُنْ عليٌّ رضي الله عنه يَرَ حَرَجًا فيمَن مَاتَ في حَدٍّ، إلا في صَاحبِ الخَمْرِ. فمَن مَاتَ في حَدٍّ وَجَبَ عليه، فدَمُه هَدَرٌ، ولا دِيَةَ له. قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «مَن مَاتَ في حَدٍّ، فإنَّما قَتَلَه الحَدُّ، ولا عَقْلَ له، مَاتَ في حَدٍّ مِن حُدُودِ اللهِ»(861) .
لا يُستَثْنَى مِن ذلك إلا الذي يَمُوتُ في عُقُوبَةِ الخَمْرِ، لأنَّه حَدٌّ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 385دَخَلَه الاجْتِهَادُ فإنْ مَاتَ المَحدُودُ بَعْدَ الأرْبَعِينَ جَلْدةً، تُدْفَعُ دِيَتُه مِن بَيتِ مَالِ المُسْلِمينَ، وإلاَّ فلا دِيَةَ له.
قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «مَا كنتُ أُقِيمُ على أحَدٍ حَدًّا، فيَمُوتُ فيه، فأجِدُ منه في نَفْسِي شَيئًا، إلا صَاحِبَ الخَمْرِ، لأنَّه إنْ مَاتَ وَدَيْتُه، لأنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لم يَسُنَّه«(862) .
** *
المبحث الثاني التقليد عند علي
ويَشتمِلُ على مَطلَبينِ، هما:
المَطلَبُ الأوَّلُ: مَضْمُونُ التَّقلِيدِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: مَوقِفُ عليٍّ مِن التَّقلِيدِ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الأول مضمون التقليد
أوَّلاً- تَعرِيفُ التَّقلِيدِ:
التَّقلِيدُ لُغةً:
التَّقلِيدُ: وَضْعُ الشَّيءِ في العُنُقِ مُحِيطًا به، ومنه: القِلادَةُ، يُقَالُ: قَلَّدْتُها قِلادَةً: جَعَلْتُها في عُنُقِها. ثُمَّ استُعمِلَ في تَفوِيضِ الأمْرِ إلى الغَيرِ، كأنَّه رَبَطَه بعُنُقِه، يُقَالُ: أعْطَيْتُهُ قِلْدَ أمْرِي: فَوَّضْتُهُ إليه، ومنه: تَقْليدُ الوُلاةِ الأعْمَالَ، وتَقلِيدُ البَدَنَةِ شَيئًا
PDF 387يُعْلَمُ به أنَّها هَدْيٌ(863)
التَّقلِيدُ اصْطِلاحًا:
قَبُولُ قَوْلِ الغَيرِ مِن غَيرِ مَعرِفَةِ دَلِيلِه(864) .
ثَانِيًا- ضَوَابِطُ التَّعرِيفِ:
الأخْذُ باجْتِهَادِ الغَيرِ تَقلِيدٌ، أمَّا الأخْذُ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ والإجْمَاعِ فهو اتِّبَاعٌ. التَّقلِيدُ لا يكونُ إلا معَ عَدَمِ مَعرِفَةِ الدَّلِيلِ، ولا يتَأتَّى هذا إلا مِن العَاميِّ. مَوضُوعُ التَّقلِيدِ هو مَوضُوعُ الاجْتِهَادِ نَفْسِه، فمَا جَازَ فيه الاجْتِهَادُ مِن المَسَائلِ جَازَ فيه التَّقلِيدُ. المُقلِّدُ تَابِعٌ للمُجتَهدِ في اجْتِهَادِه، وليسَ له أنْ يَنظُرَ في المَسَائلِ، فكأنَّه وَضَعَ أمْرَه وفَوَّضَه إلى المُجتَهدِ، كالقِلادَةِ إذا جُعِلَت في العُنُقِ.
ثَالِثًا- مَوضُوعَاتُ التَّقلِيدِ:
العُلُومُ مِن حيثُ جَوَازُ وُقُوعِ التَّقلِيدِ فيها مِن عَدَمِه على ضَربَينِ:
الأوَّلُ: مَا لا يَجُوزُ التَّقلِيدُ فيه؛ كأصُولِ الدِّينِ وأصُولِ العِبَادَاتِ، فهذا لا يَسُوغُ فيه التَّقلِيدُ، لأنَّ العَقائِدَ يَجِبُ الجَزْمُ فيها، وغَايَةُ التَّقلِيدِ إنَّما يُفِيدُ الظَّنَّ، «فيجبُ النَّظَرُ لأنَّ المَطلُوبَ فيه اليَقِينُ»(865) .
الثَّانِي: مَا يَجُوزُ التَّقلِيدُ فيه؛ كفُرُوعِ الدِّينِ، فهذا يَسُوغُ التَّقلِيدُ فيه، فيُقلِّدُ العَامِيُّ العَالِمَ بها، لأنَّه لا يَستَطِيعُ مَعرِفَةَ الحُكْمِ استِقْلالاً.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الثاني موقف علي من التقليد
أمَرَ اللهُ بالاجْتِهَادِ، وبيَّنَ مَصَادِرَه، ثُمَّ نَهَى المُسْلِمَ أنْ يتَعدَّاها فثَمَّ الهَوَى، ﴿ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ(866) ﴾ .
والقَاضِي إذا كانَ مُتأهِّلاً للاجْتِهَادِ، مُستَكمِلاً شُرُوطَه، عَارِفًا بأصُولِ الاستِنْبَاطِ، وَجَبَ عليه أنْ يجتَهِدَ وحَرُمَ عليه التَّقلِيدُ، وعُذِرَ في خَطَئِه. أيْ: إنَّ المُجتَهِدَ إذا أخْطَأ أُجِرَ على اجْتِهَادِه في طَلَبِ الحَقِّ، لأنَّ اجْتِهَادَه عِبَادَةٌ. ولا يُؤجَرُ على الخَطَأ، بَلْ يُوضَعُ عنه الإثْمُ فقط(867) .
كانَ عليٌّ رضي الله عنه على سَجِيَّتِه مُؤْثِرًا للاجْتِهَادِ مَا استَطَاعَه، مُعْرِضًا عنِ التَّقلِيدِ مَا استَغْنَى عنه. وَافَقَ الخُلَفاءَ مَن قَبْلَه في أمُورٍ، وخَالَفَهم في أمُورٍ. وأبَى أنْ يَأتَمَّ بعَمَلِهم تَقلِيدًا(868) ، كمَا جَاءَ في خَبَرِ المُبَايَعَةِ(869) .
إشَارَةً إلى مَا ذَهَبَ إليه عَبْدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوفٍ (ت 32 هـ) رضي الله عنه مِن اشتِرَاطِ العَمَلِ بسِيرَةِ الشَّيخَينِ: أبِي بَكرٍ وعمرَ إضَافةً لشَرْطِ العِلْمِ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ، كي يَأخُذَ له البَيعَةَ بَعْدَ استِشْهَادِ عمرَ رضي الله عنه قَالَ عبدُ الرَّحمنِ: «هَلْ أنتَ –يَا عليُّ- مُبَايِعِي إنْ وَلَّيْتُك هذا الأمْرَ على سُنَّةِ اللهِ وسُنَّةِ رَسُولِه –بعَهْدِ اللهِ ومِيثَاقِه- وسُنَّةِ المَاضِينَ قَبْلُ؟». قالَ عليٌّ رضي الله عنه
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 389«لا، ولكنْ على طَاقَتِي»، فأعَادَها ثَلاثًا(870)
فعليٌّ رضي الله عنه يُتَابِعُ الشَّيخَينِ رضي الله عنهما، بَلْ تَابَعَ عُثمانَ رضي الله عنه أيضًا، ولكنْ لا يُقَلِّدُ وَاحِدًا غَيرَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، في الأحْكَامِ الشَّرعِيَّةِ، إنْ لمْ يَعلَمْ دَلِيلَه.
ومِن عَدْلِ عليٍّ رضي الله عنه وإنصَافِه، أنَّه لمْ يَرفُضِ الشَّرْطَ كُلِّيًّا، وإنَّما تَحفَّظَ عليه، فإذَا كانَت مُبايَعَةُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم على السَّمْعِ والطَّاعَةِ فيمَا يُطَاقُ، كمَا هو المُشتَرَطُ في أصْلِ التَّكلِيفِ، فمِن بَابِ أوْلَى أنْ تَكُونَ مُبايَعَةُ غَيرِه على الشَّرْطِ نَفْسِه، هذا مَا تَمسَّكَ به عليٌّ رضي الله عنه .
ومَا اشْتَرَطَه ابنُ عَوفٍ رضي الله عنه كانَ مَحْضَ اجْتِهَادٍ منه، بَعْدَ أنْ عَلِمَ أنَّ النَّاسَ قَد صَلَحُوا على سِيرَتِهما، وفُتِحَت الفُتوحُ في أيَّامِهما، ووُجِدَت فيهم الصِّفَةُ التِي وَصفَهم اللهُ تعالى بها، ورَأى مَوعُودَ اللهِ قَد صَحَّ فيهم، في قَولِه تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا(871) ﴾ .
فعَاهَدَ عليٌّ ابنَ عوفٍ رضي الله عنهما على العَمَلِ بالكِتَابِ والسُّنَّةِ فقَط، أمَّا اشتِرَاطُ سُنَّةِ الشَّيخَينِ فرَأى أنَّها لا تُلْزِمُه وهو الفَقِيهُ المُجتَهِدُ. فكأنَّه رَأى في هذا الشَّرْطِ تَقيِيدًا لصَلاحِيَّاتِ الوَالِي الجَدِيدِ، أو إلْزَامًا له بأمْرٍ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 390غَيرِ مُلزِمٍ شَرْعًا لمِثْلِه
في حِينِ أنَّ عليًّا رضي الله عنه يَعلَمُ جَيِّدًا أنَّ سُنَّةَ الخُلَفاءِ الرَّاشدِينَ رضي الله عنهم -وهو رَابِعُهم- وَاجِبَةُ الاتِّبَاعِ على سَائرِ العَامَّةِ(872) ، بدَلِيلِ قَولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «اقْتَدُوا باللَّذَينِ مِن بَعدِي: أبي بَكرٍ، وعمرَ»(873) . وقوله صلى الله عليه وسلم: «فعليكُم بسُنَّتي وسُنَّةِ الخُلفاءِ الرَّاشدِينَ المَهدِيِّينَ»(874) .
وعليٌّ رضي الله عنه كانَ يَعرِفُ للشَّيخَينِ رضي الله عنهما مَنزِلَتَهما مِن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ومَكانَتَهما في الدِّينِ، فقَد جَاءَ عنه أنَّه قالَ: «قَبَضَ اللهُ نَبِيَّه صلى الله عليه وسلم على خَيرِ مِلَّةٍ قُبِضَ عليها نَبِيٌّ مِن الأنبِيَاءِ. ثمَّ استُخلِفَ أبو بَكرٍ، فعَمِلَ بعَمَلِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وبسُنَّتِه. ثمَّ قُبِضَ أبو بَكرٍ على خَيرِ مَا قَبَضَ اللهُ عليه أحَدًا. وكانَ خَيْرَ هذه الأمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّها. ثمَّ استُخلِفَ عمرُ، فعَمِلَ بعَملِهما وسُنَّتِهما، ثمَّ قُبِضَ عمرُ على خَيْرِ مَا قُبِضَ عليه أحَدٌ. وكانَ خَيْرَ هذه الأمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّها وبَعْدَ أبِي بَكرٍ»(875) .
وإذْ قَد تَأكَّدَ لَدى عليٍّ رضي الله عنه عَدَمُ صَلاحيَّةِ التَّقليدِ في مِثْلِه، فقَد دَعَا إلى الاجتِهَادِ الذي هو صُلْبُ عَمليَّةِ القَضَاءِ، والأسَاسُ الذي يَقومُ عليه. مُتحرِّيًا وَجْهَ الصَّوابِ مَا وَجدَ إلى
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 391ذلك سَبِيلاً، مُستَضِيئًا بنُورِ قَولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «إذا حَكَمَ الحَاكِمُ فاجْتَهدَ ثُمَّ أصَابَ، فله أجرَانِ، وإذا حَكَمَ فاجْتَهدَ، ثُمَّ أخْطَأ، فله أجرٌ»(876)
فأفْتَى بقَوَاعِدَ مُنضَبِطَةٍ، وقَضَى في حَوادِثَ جَدِيدَةٍ لمْ تَقَعْ قَبْلَه، واجْتَهَدَ في مَسَائِلَ ذَاتِ أقْوَالٍ مُتبَايِنَةٍ، لاستِخْلاصِ الصَّوَابِ منها.
وأشَارَ على مَن ضَعُفَت هِمَّتُه عن الاجْتِهَادِ، ولم يَملِكْ أدَوَاتِه، أنْ يُقلِّدَ الأمْوَاتَ، وحَظَّرَ عليه تَقلِيدَ الأحْيَاءِ، لِعلَّةٍ أبَانَها في قَولِه: «إيَّاكُم والاستِنَانَ بالرِّجَالِ، فإنَّ الرَّجُلَ يَعمَلُ بعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ ينَقلِبُ لعِلْمِ اللهِ فيه، فيَعمَلُ بعَمَلِ أهْلِ النَّارِ فيَمُوتُ وهو مِن أهْلِ النَّارِ. وإنَّ الرَّجُلَ ليَعمَلُ بعَمَلِ أهْلِ النَّارِ، فيَنقَلِبُ لعِلْمِ اللهِ فيه فيَعمَلُ بعَمَلِ أهْلِ الجَنَّةِ فيَمُوتُ وهو مِن أهْلِ الجَنَّةِ. وإنْ كنتُم لا بُدَّ فَاعِلينَ فبِالأمْواتِ لا بالأحْيَاءِ»(877) .
فمَن أرَادَ أنْ يَستَنَّ بالرِّجَالِ فليَعمَلْ بهَدْيِ مَن مَاتَ، لأنَّ الحَيَّ لا تَأمَنُ عليه الفِتْنَةُ.
وإذْ قَد انتَهَى الفَصْلُ الأوَّلُ عنِ الاجْتِهَادِ والتَّقلِيدِ، فالفَصْلُ الثَّانِي يَدُورُ حَوْلَ الاجْتِهَادِ المَقَاصِديِّ في أقْضِيَةِ عليٍّ رضي الله عنه .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الفصل الثاني الاجتهاد المقاصدي في أقضية علي
مُرَاعَاةُ المَقاصدِ التَّشرِيعيَّةِ أمْرٌ مَلحُوظٌ في المَنظُومَةِ الفِقْهيَّةِ، تَوَالَت على تَقرِيرِه أدِلَّةٌ وبَراهِينُ ومُسلَّماتٌ كَثِيرَةٌ، وهي مِن المُعطَياتِ الهَامَّةِ والضَّرُوريَّةِ في عَمليَّةِ الاجتِهَادِ والاستِنبَاطِ.
وعليه، فلا بُدَّ مِن بَيَانِ حَقِيقَةِ هذه المَقَاصِدِ، ليَكُونَ المُطَّلِعُ عليها على بَيِّنَةٍ بمَفهُومِها، قَبْلَ التَّطرُّقِ إلى مُعالَجَتِها في ضَوْءِ نُصُوصِ الوَحيَينِ، ومَوقِفِ عليٍّ رضي الله عنه منها، لعَظِيمِ أهمِّيَّتِها، والحَاجَةِ المُلِحَّةِ إلى مُرَاعَاتِها في استِنْبَاطِ الأحْكَامِ، لنَتبَيَّنَ بعدَ ذلك أثَرَ هذا الاجْتِهَادِ في قَضَاءِ عليٍّ رضي الله عنه .
لذا سيَنتَظِمُ الحَدِيثُ في هذا الفَصْلِ ضِمْنَ المَبْحَثَينِ التَّالِيَينِ:
المَبحثُ الأوَّلُ:
مَضمُونُ الاجتِهَادِ المَقاصِديِّ.
المَبحثُ الثَّانِي: أَثَرُ الاجتِهَادِ المَقَاصِديِّ عندَ عليٍّ.
المبحث الأول مضمون الاجتهاد المقاصدي
ويَشتمِلُ على مَطلَبينِ، هما:
المَطلَبُ الأوَّلُ: تَعرِيفُ الاجْتِهَادِ المَقَاصِديِّ.
المَطلَبُ الثَّانِي: أهمِّيَّةُ الاجْتِهَادِ المَقَاصدِيِّ.
المطلب الأول تعريف الاجتهاد المقاصدي
الاجْتِهَادُ المَقَاصدِيُّ مُصطَلَحٌ مُركَّبٌ مِن مُضَافٍ ومُضَافٍ إليه، فلا يُمكِنُ تَعرِيفُه إلا بعدَ مَعرِفَةِ مُفرَدَيهِ، وقَد سَبَقَ التَّعرِيفُ بالاجْتِهَادِ، فلنُعرِّفِ المَقَاصِدَ:
تَعرِيفُ المَقاصدِ: المَقاصِدُ لُغةً:
مَادَّةُ: (ق ص د) تَعنِي حَسَبَ مَوَاقِعِها في كَلامِ العَرَبِ: التَّوجُّهَ نَحْوِ الشَّيءِ، على اعتِدَالٍ كانَ ذلك أو جَوْرٍ(878) تقولُ: قَصَدْتُ الشَّيءَ، وله، وإليه قَصْدًا: طَلَبْتُه بعَيْنِه. وإليه قَصْدِي ومَقْصَدِي بفَتْحِ الصَّادِ- واسْمُ المَكَانِ: بكَسْرِها- نَحْوُ: مَقْصِدٍ مُعيَّنٍ. وقَصَدَ في الأمْرِ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 396قَصْدًا: تَوسَّطَ، وطَلَبَ الأسَدَّ ولم يُجَاوِزِ الحَدَّ. وهو على قَصْدٍ، أيْ: رُشْدٍ. وطَرِيقٌ قَصْدٌ، أيْ: سَهْلٌ(879) والقَصْدُ في الشَّيءِ: خِلافُ الإِفْرَاطِ، وهو مَا بينَ الإسْرَافِ والتَّقْتِيرِ(880)
المَقاصِدُ اصطِلاحًا:
هي الحِكْمَةُ البَاعِثَةُ على التَّشريعِ، دُنيويَّةً كانَت أو أخرَويَّةً، بجَلْبِ مَصلَحةٍ أو دَفْعِ مَفْسدَةٍ، أو تَحصِيلِ أجْرٍ وثَوَابٍ(881) .
بِنَاءً عليه، فالمَصالِحُ كمَا المَفَاسِدُ قِسمَانِ(882) :
المَصَالِحُ الآجِلَةُ، وهي: الحُصُولُ على الثَّوَابِ، والنَّجَاةُ مِن العِقَابِ. ومَفاسِدُها: الحُصُولُ على العِقَابِ، وفَوَاتُ الثَّوَابِ.
المَصَالِحُ العَاجِلَةُ: مَا تَدعُو إليه الضَّرُورَاتُ أو الحَاجَاتُ أو التَّحسِينَاتُ. ومَفَاسِدُها: فَوَاتُ ذلك بالحُصُولِ على أضْدادِهِ.
تَعرِيفُ الاجتِهَادِ المَقاصِديِّ:
أثْمَرَ عن مَقاصدِ الشَّريعَةِ مَا عُرِفَ بالاجتِهَادِ المَقاصديِّ، وهو: العَمَلُ بمَقاصدِ الشَّريعَةِ، والالتِفَاتُ إليها، والاعتِمَادُ عليها، في عَمليَّةِ الاجتِهَادِ الفِقْهيِّ.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فكانَ لهذا العِلْمِ أهمِّيَّتُه ومَنزِلتُه على صَعيدِ الدِّراسَةِ المَعرِفيَّةِ والأكَادِيميَّةِ، وله فَوائِدُه وآثَارُه على مُستوَى الوَاقعِ الإنسَانيِّ ومُشكِلاتِه وأحْوَالِه ومُستَجدَّاتِه.
ولهذا كانَ الاجتِهَادُ شَرْطًا في القَاضِي – في بِيئَةٍ غَدَا التَّقلِيدُ فيها مَنقَصةً- لوُجُوبِ تَطْبيقِ الأحْكَامِ على المَنفَعةِ في كُلِّ زَمَانٍ ومَكَانٍ بحَسَبِه.
المطلب الثاني أهمية الاجتهاد المقاصدي
تَظهَرُ أهمِّيَّةُ الاجْتِهَادِ المَقَاصِديِّ في اعْتِمَادِ الشَّرْعِ على التَّعلِيلِ بالحُكْمِ وابْتِنَاءِ الأحْكَامِ على المَصَالحِ، وقَد كَشَفَ الشَّارِعُ الحَكِيمُ عن أوْجُهِ الرَّبطِ بينَ الشَّرائعِ والغَايةِ المَرجُوَّةِ منها. فلا مَجَالَ للعَبثيَّةِ في الشَّرِيعَةِ، واللهُ تعالى يقولُ: ﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقناكُم عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ(883) ﴾ وقالَ تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبينَ مَا خَلَقناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ(884) ﴾ .
ثم دَرَجَ على هذه السَّننِ الصَّحابةُ رضي الله عنهم في اجتِهادَاتِهم، ثمَّ لم يَزَلِ التَّابِعونَ، ومِن بَعدِهم العُلَماءُ المُجتهِدونَ يُعلِّلونَ الأحْكَامَ بالمَصَالحِ، ويَفهمُونَ مَعانِيها، ويقفُونَ على الهَدَفِ منها، ويُخرِّجونَ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 398للحُكْمِ المَنصُوصِ عليه مَناطًا مُناسِبًا لدَفْعِ ضَرٍّ أو جَلْبِ نَفْعٍ.
وكانَ العِراقيُّونَ يعتَبرُونَ أنَّ أحْكَامَ الشَّرِيعَةِ مَعقُولَةُ المَعنَى، مُشتَمِلَةٌ على مَصَالحَ رَاجعَةٍ إلى الأمَّةِ. وكانوا يستَنِدُونَ إلى أقضِيَةِ عليٍّ رضي الله عنه وفَتاوِيه التي ازْدَانَت بها مَدرَسةُ الرَّأيِ.
قالَ وَليُّ اللهِ الدَّهلَويُّ (ت 1176 هـ) رحمه الله: «مَعرِفةُ المَقاصدِ التي بُنِيَت عليها الأحْكَامُ عِلْمٌ دَقِيقٌ، لا يَخوضُ فيه إلا مَن لَطُفَ ذِهْنُه واستَقامَ فَهْمُه. تَلقَّى الصَّحابةُ رضي الله عنهم قَوانِينَ التَّشرِيعِ والتَّيسيرِ وإحْكَامِ الدِّينِ مِن مُشاهَدةِ مَواقعِ الأمْرِ والنَّهيِ، كمَا أنَّ جُلسَاءَ الطَّبِيبِ يَعرِفونَ مَقاصِدَ الأدْوِيَةِ التي يأمرُ بها بطُولِ المُخالَطَةِ والمُمارَسةِ. وكانُوا في الدَّرجَةِ العُلْيَا مِن مَعرِفَتِها»(885) .
ثمَّ إنَّ حِيازةَ الشَّرِيعةِ الإسلاميَّةِ على المَقاصدِ التَّشريعيَّةِ لهو أدلُّ دَليلٍ على مُرونَتِها وخُصُوبَتِها، وقُدرَتِها على التَّفاعُلِ الحَيويِّ بكلِّ وَاقعيَّةٍ وجَدارَةٍ معَ كلِّ جَديدٍ ومُستحدَثٍ، فيمَا لا يتعَارَضُ معَ ثَوابتِها، مِن ذلك على سَبيلِ المِثَالِ:
تُراعَى المَصلَحةُ في استِنبَاطِ الأحْكَامِ، فالشَّرِيعةُ مَا شُرِّعَت إلا لتَحْقيقِ مَصَالحِ العِبَادِ في العَاجلِ والآجلِ. تُشرَعُ الرُّخَصُ والتَّخفِيفاتُ حيثُ وُجِدَت المَشقَّاتُ. انبثَقت أحْكَامُ الشَّرِيعَةِ على اعتِبَارِ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
العِلَلِ. سَدُّ الذَّرائعِ المُفضِيَةِ إلى الحَرامِ، والحَدُّ مِن الحِيَلِ التي يُرَادُ بها لَيُّ أعنَاقِ النُّصُوصِ لتُصادِفَ هَوى عندَ النَّاسِ. مُراعَاةُ الشَّرِيعَةِ لأعْرَافِ النَّاسِ.
المبحث الثاني أثر الاجتهاد المقاصدي عند علي
ويَشتمِلُ على ثَلاثَةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلَبُ الأوَّلُ: مُراعَاةُ عليٍّ المَقاصِدَ.
المَطلَبُ الثَّانِي: نَماذِجُ تَطبِيقيَّةٌ.
المطلب الأول مراعاة علي المقاصد
أدركَ عليٌّ رضي الله عنه -كمَا كِبَارُ الصَّحابةِ رضي الله عنهم - مَقاصِدَ الشَّارعِ وحِكْمَةَ التَّشريعِ، لِمَا اتَّصفُوا به مِن صَفاءِ الخَاطرِ، وحِدَّةِ الذِّهْنِ، وجُودَةِ القَرِيحَةِ. عن عليٍّ رضي الله عنه قالَ: قلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إذا بَعثتَنِي في شَيءٍ: أكونُ كالسِّكَّةِ المُحْمَاةِ(886) ؟ أمِ الشَّاهدُ يَرَى مَا لا يَرَى الغَائِبُ؟ قالَ: «بلِ الشَّاهِدُ يَرَى مَا لا يَرَى الغَائبُ»(887) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
هذا دَلِيلٌ على أنَّ مُرَاعَاةَ المَصَالحِ والمَنافعِ هي الأصلُ في القَضَاءِ؛ لأنَّ الأحكامَ القَضائيَّةَ ليسَت مِن الأمُورِ التَّعبُّديَّةِ، وإنَّما هي وَسائِلُ لمَعرِفَةِ الحُقوقِ وإعْطَاءِ كلِّ ذي حَقٍّ حَقَّه، ولذلك لا يَحِلُّ لمَن حُكِمَ له بشَيءٍ يَعلَمُ أنَّه ليسَ له أنْ يَأخُذَه. قالَ الغَزَالِيُّ رحمه الله: «جَلْبُ المَنفَعةِ، ودَفْعُ المَضرَّةِ مَقَاصِدُ الخَلْقِ، وصَلاحُ الخَلْقِ في تَحْصيلِ مَقَاصِدِهم»(888) .
الرِّفْقُ بالحَيوَانِ وعَلاقَتُه بمَقاصدِ التَّشرِيعِ:
رَاعَى عليٌّ رضي الله عنه مَقاصِدَ الشَّرِيعَةِ الغَرَّاءِ في إِصدَارِ أحْكَامِه على العِبَادِ، ولمْ يَقتَصِرْ في ذلك على الجَانِبِ الإنْسَانيِّ فقَط، بَلْ شَمَلَ كُلَّ مَظَاهرِ الحَيَاةِ، في سَبِيلِ تَأمِينِ حَيَاةٍ طَبيعِيَّةٍ وبِيئَةٍ آمِنَةٍ، يَأمَنُ بها الإنسَانُ الكَرِيمُ.
سَارَ في ضَوءِ هذه الحَقِيقَةِ أمِيرُ المُؤمنِينَ عليٌّ رضي الله عنه إذْ قالَ: «اتَّقُوا اللهَ –عِبَادَه- في عِبَادِه وبِلادِه، فإنَّكم مَسؤُولُونَ حتى عنِ البِقَاعِ والبَهائمِ»(889) .
ورَأى ثَلاثةً على بَغْلٍ يَسِيرُ بهم! فاستَوقَفَهم، قَائِلاً: «لَيَنزِلَنَّ أحَدُكم، فإنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَعَنَ الثَّالِثَ»(890) وقالَ: «إذا رَأيْتُم ثَلاثَةً
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 402على دَابَّةٍ، فارْجُمُوهم حتى يَنزِلَ أحَدُهم»(891)
قلتُ: يتَّجِهُ الزَّجْرُ إذا ما كانَتِ الدَّابَّةُ غَيْرَ مُطِيقَةٍ، ولا مَانِعَ مَعَ القُدرَةِ.
يُستَفَادُ مِن هذا الحُكْمِ المَعَانِي التَّالِيَةُ:
العَمَلُ بالأحْكَامِ المَقاصِديَّةِ. الرِّفْقُ بالحَيوَانِ، ورِعَايَةُ غِذَائِه وأمْنِه ورَاحَتِه(892) . العَمَلُ بهَدْيِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ومُرَاعَاةُ سُنَّتِه في الأمُورِ كُلِّها. التَّندِيدُ بمَن يُؤذِي الحَيوَانَ ويُرهِقُه، ويُحمِّلُه فَوقَ طَاقَتِه. جَوَازُ أنْ يَمتَطِيَ الحَيوَانَ المُعَدَّ لذلك أكْثرُ مِن وَاحدٍ بشَرْطِه.
المطلب الثاني نماذج تطبيقية
سَأقتَصِرُ على إيرَادِ مَثَلَينِ عَملِيَّينِ، يُنبِئَانِ عن لَحْظِ عليٍّ لِقضيَّةِ المَقاصِدِ في اجتِهَادِهِ الأصُوليِّ.
في المِثَالِ الآتِي صُورَةٌ مُعبِّرَةٌ عن الاهتِمَامِ بالجَانبِ المَقاصِديِّ في التَّشريعِ، وأنَّ الشَّرْعَ لا يَبتَغِي الانتِقَامَ مِن العِبَادِ، وإنَّما يُرِيدُ تَقوِيمَهم وإرشَادَهم:
الحَدُّ كفَّارةٌ للذَّنبِ:
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الحَدُّ عُقوبةٌ زَاجِرةٌ يُؤتَى به لكَونِه مُطهِّرًا لمَن وَجبَ عليه، ولِمَا يتَحقَّقُ مِن القِيَامِ به مِن الزَّجْرِ والرَّدْعِ والاتِّعاظِ، وكَفِّ النَّفْسِ عن التَّطلُّعِ إلى مَا حرَّمَ اللهُ تعالى . فليسَ هو أمْرًا اعتِباطيًّا يُقصَدُ منه إنزَالُ الألَمِ بالنَّاسِ وإرْهَابُهم!
وإنَّما يكونُ الحَدُّ كفَّارةً لأحَدِ وَجهَينِ(893) :
لأنَّ العَاصِي إمَّا أنْ يكونَ مُنقَادًا لأمْرِ اللهِ وحُكْمِه، مُسلِمًا وَجْهَه له. فالكَفَّارَةُ في حَقِّه تَربِيَةٌ عَظِيمَةٌ. وإمَّا أنْ يكونَ إيلامًا له وقَسْرًا عليه. وسِرُّ ذلك أنَّ العَمَلَ يقتَضِي في حِكْمَةِ اللهِ أنْ يُجَازَى في نَفْسِه أو مَالِه.
لذا تَرَى أنَّ الشَّارِعَ الحَكِيمَ نَهَى أنْ يَتنَاولَ النَّاسُ المَحدُودَ بالشَّتِيمَةِ، وهاك التَّفصِيلَ:
مِن رَحمَةِ اللهِ بعِبَادِه ولُطْفِه بهم أنَّ مَن نُفِّذَ عليه الحَدُّ في الدُّنيَا، كانَت هذه العُقوبَةُ كفَّارةً له يومَ القِيامَةِ، وبالتَّالِي أمِنَ العَذابَ في نَارِ جهنَّمَ. قالَ عليٌّ رضي الله عنه «مَن عَمِلَ سُوءًا، فأُقِيمَ عليه الحدُّ،
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فهو كفَّارةٌ»(894) كمَا أنَّه لا يَجُوزُ شَتْمُ المَحدُودِ أو سَبُّه ولَعْنُه. عن عبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبي لَيلَى (ت 82 هـ) رحمه الله قالَ: كنتُ معَ عليٍّ رضي الله عنه حينَ رَجَمَ شُرَاحةَ الهَمدانيَّةَ(895) فقلتُ: مَاتَت هذه على شَرِّ أحْوَالِها! قالَ: فضَربَني بقَضِيبٍ كانَ في يَدِه، وقلتُ: أوجَعتَني! فقالَ: «وإنْ أوجعتُكَ، إنَّها لن تُعذَّبَ بعدَها أبدًا، لأنَّ اللهَ لم يُنزِلْ في القُرآنِ حدًّا فأُقِيمَ على صَاحبِه، إلا كانَ كَفَّارةً له، كالدَّينِ بالدَّينِ»(896)
وقالَ عليٌّ رضي الله عنه : «أيُّها النَّاسُ، لا تَلْعَنُوها، لأنَّه مَن أُقِيمَ عليه عَصَا حدٍّ، فهو كفَّارتُه، جَزاءَ الدَّينِ بالدَّينِ»(897) .
أخْلُصُ من هذا إلى أنَّ مِن المَقاصدِ التَّشريعيَّةِ للحَدِّ مَا يلي:
الحَدُّ كفَّارَةٌ لمَن أقِيمَ عليه. فلا يَجُوزُ لَعْنُ المَحدُودِ أو شَتْمُه. ولا يَجتَمِعُ على المَحدُودِ عَذابانِ.
في المِثَالِ التَّالِي نَمُوذَجٌ مِن اهتِمَامِ عليٍّ رضي الله عنه برِعَايَةِ المَصلَحةِ في استِنبَاطِ الأحْكَامِ، وإنزَالِ العُقوبَاتِ، مِن بِابِ السِّياسَةِ الشَّرعيَّةِ(898)
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 405والمُحافَظةِ على سَلامَةِ المُجتَمعِ ونَظافَتِه مِن أيِّ لَوثَةٍ مِن شَأنِها أنْ تُؤثِّرَ في أبنَائِه:
إتْلافُ أدَاةِ الجَرِيمَةِ:
نَظَرَ عليٌّ رضي الله عنه إلى قَريَةٍ، فقالَ: «مَا هذه القَريَةُ؟». قالُوا: قَريَةٌ تُدعَى: زُرَارَةَ(899) ، يُلحَّمُ فيها، تُبَاعُ فيها الخَمرُ! فأتَاها بالنِّيرَانِ، وقالَ: «أضرِمُوها(900) فيها، فإنَّ الخَبِيثَ يأكلُ بَعضُه بَعضًا»، فاحتَرقَت(901) .
لقَد أحرقَ أمِيرُ المُؤمنِينَ رضي الله عنه في هذه القَريةِ الخَمرَ ومَا يَتبعُه مِن مَوادَّ وأدَواتٍ تُستَخدمُ لصِناعَتِه، كلُّ ذلك مِن بَابِ المَصلَحةِ.
فلو بَقِيَت قَائمةً لشكَّلَت عَامِلاً استِفزَازِيًّا لمَرضَى القُلوبِ التَّائهِينَ خَلْفَ الشَّهواتِ، وسُرعانَ مَا سَيعُودُ تَأثِيرُ مَلذَّاتِ الدُّنيَا في نُفوسِهم! أمَّا إنْ أتى بها الأرضَ انعَدمَ هذا التَّخوُّفُ أو أوشكَ.
معَ انْتِهَاءِ البَحْثِ عنِ المَقاصِدِ في الأحْكَامِ العَلوِيَّةِ، يَنتَهِي الفَصْلُ الثَّانِي، ليَبْدَأ الفَصْلُ الثَّالثُ عن مَوَاردِ الاجْتِهَادِ المَقَاصِديِّ عندَ عليٍّ رضي الله عنه .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الفصل الثالث موارد الاجتهاد المقاصدي عند علي
مِن خِلالِ تَفحُّصِ قَضَاءِ عليٍّ رضي الله عنه ، والنَّظَرِ في المَسَائلِ التي رُفِعَت إليه، ومِن جَرَّاءِ رَصْدِ فُروعِه الفِقهيَّةِ، وضَمِّها إلى بَعضِها، تَبيَّنَ أنَّ اعتِمَادَ عليٍّ رضي الله عنه في مَجالِ الاجْتِهَادِ المَقَاصِديِّ يَقُومُ على جَلْبِ المَصلَحةِ، ودَفْعِ المَفسَدةِ، وسَدِّ الذَّرِيعَةِ.
ذلك أنَّ المُجتَهِدَ عندَما يَشرَعُ في إبْدَاءِ رَأيِه في أيَّةِ مَسألَةٍ أُلقِيَت عليه، يَنبَغِي أنْ يُلاحِظَ في عَزِيمَتِه الرُّخْصةَ والاستِثنَاءَ، مُرَاعِيًا طُروءَ الضَّرُورَاتِ ووُرودَ الإكْرَاه، مُتفطِّنًا إلى القَولِ بالمَصلَحةِ إذا أدَّى إلى مَفْسَدةٍ سَدَّ الذَّرِيعَةَ.
ولمَّا كانَ في المُحافَظةِ على الكُلِّيَّاتِ الخَمْسِ حِفَاظٌ على الضَّرورِيَّاتِ، التي تَندَرِجُ ضِمْنَ الأخْذِ بالمَصلَحةِ، وإذْ قَد طَالَ الكَلامُ عنها، فقَد جَعلْتُها في مَبحَثٍ خَاصٍّ.
بِنَاءً عليه سيَنتَظِمُ الكَلامُ في المَباحثِ الأرْبَعَةِ التَّالِيَةِ:
المَبحثُ الأوَّلُ: المَصْلَحةُ المُرْسَلَةُ.
المبحث الثَّانِي: الكُلِّيَّاتُ الخَمْسُ.
المَبحثُ الثَّالِثُ: العُرْفُ.
المَبحثُ الرَّابِعُ: سَدُّ الذَّرَائعِ.
المبحث الأول المصلحة المرسلة
المَصلَحةُ مِن حيثُ إضَافتُهَا إلى الشَّرْعِ الحَنيفِ، على ثَلاثَةِ أنْوَاعٍ(902) :
المَصلَحةُ المُعتَبرَةُ شَرْعًا: هي التي جَاءَتِ الأدِلَّةُ على وَفْقِها، وقَامَت بطَلَبِها. المَصلَحةُ المُلغَاةُ شَرْعًا: هي التي ألْغَاهَا الشَّرْعُ ولم يَلتَفِتْ إليها. وإنَّما سُمِّيَت بالمَصلَحةِ مِن الجَانبِ المَرجُوحِ، وإلا فهي مَفسَدةٌ، وإنْ رَآها البَعْضُ مَصلَحةً! المَصلَحةُ المَسْكُوتُ عنها: هي التي لم يَرِدْ في اعتِبَارِها أو إبْطَالِها دَلِيلٌ خَاصٌّ، ولكنَّها تَستَنِدُ إلى عُمُومِيَّاتِ الشَّرِيعَةِ. وهذه تُسمَّى بـ (المَصلَحةِ المُرسَلَةِ) .
فمَا المَصلَحةُ المُرسَلَةُ؟ ومَا عَلاقَتُها بالكُلِّيَّاتِ الخَمْسِ؟ وهَلْ رَجَعَ إليها عليٌّ رضي الله عنه في إصْدَارِ الأحْكَامِ؟
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
بِنَاءً عليه، تَضَمَّنَ هذا المَبحَثُ ثَلاثةَ مَطالِبَ، هي:
المَطلَبُ الأوَّلُ: مَضْمُونُ المَصلَحةِ المُرسَلةِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: طَبِيعَةُ المَصلَحةِ وتَكيُّفُها في رَأيِ عليٍّ.
المَطلَبُ الثَّالِثُ: نَمَاذِجُ تَطبِيقيَّةٌ.
المطلب الأول مضمون المصلحة المرسلة
أوَّلاً- تَعرِيفُ المَصلَحةِ المُرسَلَةِ:
المَصلَحةُ المُرسَلةُ لُغةً :
المَصلَحةُ : على وَزْنِ مَفعَلَةٍ، وهي كالمَنفَعَةِ وَزْنًا ومَعنًى، تَحْصِيلاً بجَلْبِ اللَّذَّةِ مُباشَرةً، أو إبْقَاءً بالحِفَاظِ عليها بدَفْعِ المَضرَّةِ(903) . وهي إمَّا مَصْدَرٌ بمَعنَى: الصَّلاحِ، كالمَنفَعةِ بمَعنَى: النَّفْعِ. أو هي اسْمٌ للوَاحدِ مِن المَصَالحِ. لذَا جَاءَ في مَعَاجمِ اللُّغَةِ قَولُهم: «المَصلَحةُ: الصَّلاحُ. والمَصلَحةُ: وَاحِدَةُ المَصَالحِ»(904) .
وعلى كُلِّ حَالٍ، فالمَصلَحةُ اصْطِلاحٌ مُشتَقٌّ منِ اسْمِ المَكَانِ، كالمَأسَدَةِ للمَكَانِ الذي تَكثرُ فيه الأسُودُ. فتكونُ بهذا الاعتِبَارِ قَد صِيغَت مِن الصَّلاحِ، للدَّلالَةِ على تَوفُّرِ الصَّلاحِ وقُوَّتِه.
المُرْسَلَةُ: مِن الإرْسَالِ، بمَعْنَى: الإطْلاقِ.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فالمَصلَحةُ المُرسَلَةُ: هي المَنفَعةُ المُطلَقَةُ عن وَصْفٍ يُقيِّدُها.
المَصلَحةُ المُرسَلةُ اصْطِلاحًا :
الوَصْفُ المُلائِمُ لتَصرُّفَاتِ الشَّرْعِ ومَقاصِدِه، ولكنْ لمْ يَشهَدْ له دَلِيلٌ مُعيَّنٌ بالاعتِبَارِ أو الإلْغَاءِ، ويَحْصُلُ مِن رَبْطِ الحُكْمِ به جَلْبُ مَصلَحةٍ أو دَفْعُ مَفسَدَةٍ(905) .
يَتَّضِحُ مِن التَّعرِيفِ أنَّ مَعنَى المَصلَحةِ شَرْعًا أخَصُّ مِن مَعنَاهَا اللُّغَويِّ، لإطْلاقِ مَعنَى النَّفْعِ في المَصلَحةِ اللُّغوِيَّةِ، وامتِيَازِه عنها في الاصْطِلاحيَّةِ بقَيْدَيِ: الشَّرْعيَّةِ، وغَلَبَةِ الصَّلاحِ على الفَسَادِ.
ثَانِيًا- أقْسَامُ المَصْلَحَةِ المُرسَلَةِ:
تُقسَمُ المَصلَحةُ المُرسَلَةُ إلى أقْسَامٍ مُتعَدِّدَةٍ، بِنَاءً على اعْتِبَارَاتٍ مُختَلِفَةٍ، الذي يَهمُّنا في هذه الدِّرَاسَةِ القِسْمَةُ التَّالِيَةُ:
تَنقَسِمُ المَصلَحةُ المُرسَلةُ باعتِبَارِ قُوَّتِها ، إلى ثَلاثَةِ أقْسَامٍ(906) :
المَصلَحةُ الضَّرُورِيَّةُ: لا بُدَّ منها في قِيَامِ مَصَالحِ الدِّينِ والدُّنيَا، بحيثُ إذا فُقِدَت لمْ تَجْرِ مَصَالِحُ الدُّنيَا على استِقَامَةٍ. المَصلَحةُ الحَاجيَّةُ: مَا تَحتَاجُ الأمَّةُ إليه لاقْتِنَاءِ مَصَالِحِها وانْتِظَامِ أمُورِها على وَجْهٍ حَسَنٍ، بحيثُ لولا مُراعَاتُه لَمَا فَسَدَ نِظَامُ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الكَونِ، ولكنَّه كانَ على حَالَةٍ غَيرِ مُنتَظِمَةٍ. المَصلَحةُ التَّحسِينيَّةُ: «الأخْذُ بمَا يَلِيقُ مِن مَحَاسنِ العَادَاتِ، وتَجنُّبُ المُدنَّسَاتِ التي تَأنَفُها العُقُولُ الرَّاجِحَاتُ».
وتَنقَسِمُ المَصلَحةُ المُرسلَةُ باعتِبَارِ مَوضُوعِها إلى خَمسَةِ أقْسَامٍ(907) : مَصلَحةٌ تَعُودُ إلى حِفْظِ الدِّينِ . مَصلَحةٌ تَعُودُ إلى حِفْظِ النَّفْسِ . مَصلَحةٌ تَعُودُ إلى حِفْظِ العَقْلِ . مَصلَحةٌ تَعُودُ إلى حِفْظِ النَّسْلِ . مَصلَحةٌ تَعُودُ إلى حِفْظِ المَالِ .
هذه الأمُورُ الخَمسَةُ تُعرَفُ بالضَّرُورِيَّاتِ الخَمْسِ، وبمَقَاصِدِ التَّشرِيعِ، وهي مَا عُرِفَ مِن الشَّرْعِ الالتِفَاتُ إليها في جَمِيعِ أحْكَامِه(908) .
ثَالِثًا- ضَوَابِطُ العَمَلِ بالمَصلَحةِ:
الأخْذُ بالمَصَالحِ كمَصدَرٍ تَشرِيعيٍّ يَجعَلُ الفِقْهَ مَرِنًا نَامِيًا، لا يَقِفُ عندَ حَدٍّ، ولا يَضِيقُ أمَامَ الأحْدَاثِ الجَدِيدَةِ والوَقَائعِ المُتطَوِّرَةِ. ولكنَّ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 413المَصلَحةَ التي يَستَقِيمُ العَمَلُ بهَا يَجِبُ أنْ تَنضَبِطَ بشُرُوطٍ تَحكمُها(909) لئلاَّ يَطَّرِدَ العَمَلُ بغَيرِها لمُجرَّدِ الظَّنِّ بصَلاحِها! وهي(910)
ألاَّ تكونَ المَصلَحةُ مُصَادِمَةً لنَصٍّ أو إجْمَاعٍ. ألاَّ تكونَ في الأحْكامِ الثَّابِتَةِ التي لا تتَغيَّرُ. أنْ تكونَ مَعقُولَةً في ذَاتِها حَقِيقيَّةً غَيرَ وَهْمِيَّةٍ. أنْ تكونَ ضَرُورِيَّةً وقَطعِيَّةً وكُلِّيَّةً. أنْ تَندَرِجَ في مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ ورُوحِها العَامَّةِ، وتَعُودَ عليها بالحِفْظِ والصِّيَانَةِ: فلا تُعَارِضُها مَصلَحةٌ مُسَاوِيَةٌ لها أو أرْجَحُ منها. كمَا لا يستَلزِمُ مِن العَمَلِ بها مَفسَدةٌ مُسَاوِيَةٌ لها أو رَاجِحَةٌ عليها.
المطلب الثاني طبيعة المصلحة وتكيفها في رأي علي
ينبَغي للعَالِمِ أنْ يَحمِلَ النَّاسَ على المَعهُودِ الوَسَطِ مِمَّا يَلِيقُ بالجُمهورِ منهم، فلا يَذهبُ بهم مَذهبَ الشِّدَّةِ، ولا يَمِيلُ بهم إلى طَرِيقِ الانْحِلالِ(911)
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 414وقد سَلكَ عليٌّ رضي الله عنه في اجتِهَادِه بالرَّأيِ مَنْهجَ الغَائيَّةِ في استِنبَاطِ الأحْكَامِ، قالَ رضي الله عنه «أطِيعُوا اللهَ ولا تَعْصُوهُ، وإذا رَأيْتُم الخَيْرَ فخُذُوا به، وإذا رَأيْتُم الشَّرَّ فأعْرِضُوا عنه»(912)
وقَد وَقفْنا له فيمَا سَبَقَ على نَصٍّ عَزيزٍ في هذا المِضمَارِ، يُعرِبُ فيه عن قَولِه بالمَصلَحةِ المُرسَلةِ، وأنَّه لا يَحِيدُ عنها متى أعْوَزَه اجتِهَادُه إلى اعتِمَادِها والعَمَلِ بها. يقولُ في تَضمِينِ الأجيرِ المُشتَركِ: «لا يُصلِحُ النَّاسَ إلا ذلك»(913) .
فهذا بَيانٌ وَاضِحٌ جَلِيٌّ في الأخْذِ بالمَصلَحةِ. وتُشِيرُ العِبَارَةُ إلى أنَّ المَرجِعَ في مَعرِفَةِ المَصَالحِ والمَفَاسدِ، وتَحدِيدِها والمُوَازَنَةِ بينَها –بَعْدَ النَّصِّ- يَعودُ إلى اجْتِهَادِ العُلمَاءِ أهْلِ الاخْتِصَاصِ، المُتبَصِّرِينَ بحَقَائقِ الدِّينِ والدُّنيَا.
وممَّا يتَخرَّجُ على هذا الأصْلِ:
كَفُّ يَدِ أهْلِ الفَسَادِ:
قَضَى عليٌّ رضي الله عنه على أهْلِ الدَّعَارَةِ(914) أنْ يُسْجَنُوا(915) حِفَاظًا على
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 415المُجتَمعِ منهم، ويَجرِي عليهم مَا يُقوِّتُهم في طَعَامِهم وكِسْوَتِهم.
وهو أوَّلُ مَن فَعَلَ ذلك بالعِرَاقِ، ثُمَّ فَعَلَه مُعاوِيةُ رضي الله عنه بالشَّامِ، ثُمَّ فَعَلَ ذلك الخُلفَاءُ مِن بَعدِه(916) .
فإذَا كانَ في القَبِيلَةِ أو القَوْمِ الرَّجُلُ الدَّاعِرُ، حَبَسَه. فإنْ كانَ له مَالٌ أنْفَقَ عليه مِن مَالِه، وإنْ لمْ يكنْ له مَالٌ أنْفَقَ عليه مِن بَيتِ مَالِ المُسلِمينَ. ويقولُ: «يُحبَسُ عنهم شَرُّه، ويُنفَقُ عليه مِن بَيتِ مَالِهم»(917) .
صَلاةُ العِيدِ في المَسْجدِ بالشُّيُوخِ والضُّعفَاءِ:
لمَّا تَولَّى عليٌّ رضي الله عنه الخِلافَةَ وصَارَ بالكُوفَةِ، وكانَ الخَلْقُ بها كَثِيرًا، وفيهم الشُّيُوخُ والضُّعفَاءُ، شَكَوا إلى عليٍّ رضي الله عنه الخُرُوجَ إلى الصَّحرَاءِ لأدَاءِ صَلاةِ العِيدِ. فاستَخلَفَ عليهم مَن يُصلِّي بهم العِيدَ في المَسْجدِ، وخَرَجَ يُصَلِّي بالنَّاسِ في الصَّحْرَاءِ(918) .
وقالَ: «مِن السُّنَّةِ أنْ يَمشِيَ الرَّجُلُ إلى المُصلَّى. والخُرُوجُ يَومَ العِيدَينِ مِن السُّنَّةِ، ولا يَخرُجْ إلى المَسجدِ إلا ضَعِيفٌ أو مَرِيضٌ»(919) .
الوَجْهُ مِن الخَبَرِ: أنَّ هذا الفِعْلَ لمْ يكنْ يُفعَلُ مِن قَبْلُ، ولكنَّ عليًّا رضي الله عنه
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 416رَاعَى مَصلَحةَ العِبَادِ، وخَشِيَ أنْ تَفُوتَهم صَلاةُ العِيدِ، فأدْرَكَ بوُقُوفِه على مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ أنَّه لا مَانِعَ مِن أدَائِها لهم في المَسْجدِ.
استَنبَطَ أهْلُ العِلْمِ مِن هذه الوَاقِعَةِ جَوَازَ إقَامَةِ الجُمعَةِ في المَدِينَةِ الكَبِيرَةِ في مَوضِعَينِ للحَاجَةِ، خَاصَّةً بَعْدَ أنْ تَطَاوَلَ البُنْيَانُ، وكَثُرَ النَّاسُ، قالَ ابنُ تَيمِيَةَ رحمه الله: «والحَاجَةُ في هذه البِلادِ وفي هذه الأوْقَاتِ تَدْعُو إلى أكْثَرَ مِن جُمُعَةٍ، إذْ ليسَ للنَّاسِ جَامِعٌ وَاحِدٌ يَسَعُهم ولا يُمكِنُهم جُمعَةٌ وَاحِدَةٌ إلا بمَشقَّةٍ عَظِيمَةٍ»(920) .
المطلب الثالث نماذج تطبيقية
ارتَأيْتُ في هذا المَطلَبِ أنْ أدرُسَ بَعضَ جَوانبِ الحَدِّ الشَّرعيِّ، التي تَظهرُ فيها مُراعَاةُ المَصلَحةِ جليَّةً، وكيف أنَّ عليًّا رضي الله عنه لم يَفتَأ يَقضِي بِناءً عليها.
إثْبَاتُ الحَدِّ:
لا يَجُوزُ لأحَدٍ أنْ يُقِيمَ حدًّا مِن حُدودِ اللهِ تعالى في الأرضِ إلا إذا ثبَتَت لديه الشُّروطُ، وانتفَتِ المَوانِعُ، وكانَ عندَه
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 417من الأدلَّةِ ما تُؤكِّدُ دَعوَاهُ.
وفي ذلك مَصَالِحُ عِدَّةٌ، منها:
أنْ لا يتَجرَّأَ أحَدٌ على شَرْعِ اللهِ، فَضْلاً عن الأنْفُسِ والأعْرَاضِ والأمْوَالِ، فيَستَبِيحَ مَحارِمَ اللهِ تَحتَ ذَرِيعَةِ إقَامَةِ الحُدودِ، والأدلَّةُ غَيرُ كَافيةٍ بيَدِه، اللَّهُمَّ إلا العَواطِفَ الجيَّاشَةَ والمَشاعِرَ غَيرَ المُنضَبِطَةِ!! قَضَى عليٌّ رضي الله عنه في رَجُلٍ دَخَلَ بَيتَه، فوَجَدَ معَ امرَأتِه رَجُلاً أجنَبيًّا عنها، فقَتلَهما! أنْ يَأتِيَ بالشُّهدَاءِ وإلا قُتِلَ، قالَ: «إنْ جَاءَ بأربَعةِ شُهداءَ، وإلا دُفِعَ برُمَّتِه»(921) . أيْ: إنْ لم يُقِمِ البَيِّنةَ؛ قَادَه أهلُه بحَبْلٍ في عُنُقِه إلى أولِيَاءِ القَتيلِ فيُقتَلُ به.
قَصْدُه مِن ذلك: حِفْظُ النَّفْسِ، وتَعظِيمُ حُرْمَةِ الدَّمِ، وسَدُّ بَابِ الافتِئَاتِ على السُّلْطَانِ ومُنازَعَتِه في إقَامَةِ الحُدُودِ.
دَفْعُ الحُدودِ مَا أمْكَنَ مُحافَظةً على الأرْوَاحِ، ودَرْءًا لاشتِهَارِها فتُسلَبُ الحِكمَةُ الرَّادِعةُ من تَشرِيعِها!
في الأمثِلَةِ الآتِيَةِ نَلْحَظُ التَّطبِيقَ العَملِيَّ لمُراعَاةِ المَصلَحةِ في التَّأكُّدِ مِن إثْبَاتِ الحَدِّ:
مُطالَبةُ الشُّهودِ بحُضُورِ الحَدِّ:
يُطلَبُ إلى الشُّهودِ أنْ يَحضُرُوا تَنفِيذَ الحَدِّ على صَاحبِ الجَرِيمَةِ الذي شَاهدُوه يَفتَعِلُها. لذا رَأى عليٌّ رضي الله عنه أنَّ عَدَمَ حُضورِ الشُّهودِ عنَد تَنفِيذِ الحَدِّ بمَثابَةِ الرُّجُوعِ منهم عن الشَّهَادَةِ.
بِناءً عليه، فإنَّه لا يَقطَعُ مثلاً- سَارِقًا، حتى يَأتِيَ بالشُّهودِ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 418فيُوقِفُهم عليه، ولا يَستَعجِلُ به، بلْ يتَريَّثُ، فإنْ شَهِدُوا على السَّارقِ قَطعَه، وإنْ نَكلُوا عن شَهادَتِهم تَرَكَه، و«أُتِيَ مرَّةً بسَارقٍ فسَجنَه، حتى إذا كانَ الغَدُ، دَعَا به وبالشَّاهِدَينِ. فقِيلَ: تَغيَّبَ الشَّهِيدَانِ! فخلَّى سَبِيلَ السَّارقِ، ولم يَقطَعْه»(922)
«وأُتِيَ برَجُلٍ وشَهِدَ عليه رَجُلانِ أنَّه سَرَقَ. فأخَذَه شَيءٌ مِن أمُورِ النَّاسِ، وتهدَّدَ شُهودَ الزُّورِ، وقالَ: فلا أُوتَى بشَاهدِ زُورٍ إلا فَعلْتُ به كذا وكذا. ثمَّ طَلَبَ الشَّاهِدَينِ، فلم يَجِدْهما! فخلَّى سَبيلَه»(923) .
الإيلاجُ شَرْطُ الزِّنَى:
لا يتَحقَّقُ الزِّنَى المُوجِبُ للحَدِّ إلا بالإيلاجِ واكْتِمَالِ بَاقِي الشُّروطِ، ولو رُئِيَا في لِحَافٍ وَاحدٍ. فقَد كانَ عليٌّ رضي الله عنه إذا وَجَدَ الرَّجُلَ والمَرأةَ في ثَوْبٍ وَاحدٍ؛ جَلَدَهما مئةً، كلَّ إنسَانٍ منهما، ولم يَذكُرْ حدًّا(924) .
وأُتِيَ برَجُلٍ وامرَأةٍ. فقالَ رَجُلٌ: إنَّا وَجدْنَاهما في لِحَافٍ وَاحدٍ، وعندَهما خَمْرٌ ورَيْحان! فقالَ عليٌّ رضي الله عنه : «مَرئِيَّانِ خَبِيثَانِ». فجَلدَهما، ولم يَذكُرْ حَدًّا(925) .
اتِّفَاقُ الشُّهودِ:
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
يَجِبُ أنْ تكونَ شَهادَةُ الشُّهودِ مُتوَافِقةً حتى يُقامَ الحَدُّ على المَشهُودِ عليه، وإلا امتَنَعَ إقَامَةُ الحَدِّ. فقَد شَهِدَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ على رَجُلٍ وامرَأةٍ بالزِّنَى! وقالَ الرَّابِعُ: رَأيتُهما في ثَوبٍ وَاحدٍ، فإنْ كانَ هذا هو الزِّنَى فهو ذاك. فجَلَدَ عليٌّ رضي الله عنه الثَّلاثةَ، وعَزَّرَ(926) الرَّجُلَ والمَرأةَ(927) .
تَأخِيرُ الحَدِّ للضَّرُورَةِ:
إنَّ ممَّا يدلُّ على سَماحةِ الإسْلامِ العَظيمِ، وأنَّه غَيرُ مُتَشوِّفٍ لإقَامةِ الحُدودِ وإنزَالِ العُقوبَاتِ... وممَّا يَعكِسُ صَفاءَه، ويُبيِّنُ الفِقْهَ المَقاصديَّ الذي كانَ يَتمتَّعُ به عليُّ بنُ أبي طَالبٍ رضي الله عنه ، أنَّ تَنفِيذَ الحَدِّ إذا كانْ يَأتِي بمَا يتَنافَى والمَبادِئَ الإسْلاميَّةَ، فإنَّ إقَامتَه والحَالةُ هذه تُؤخَّرُ إلى أنْ يَزُولَ هذا الضَّررُ.
كمَن يَجِبُ عليها الحَدُّ رَجْمًا كانَ أو جلْدًا- وفي أحشَائِها جَنِينٌ، فإنَّه يُؤخَّرُ عنها حتى تَضَعَ، وتتَعَافَى من نِفَاسِها، وتَفطِمَ وَلِيدَها، خَاصَّةً إذا خِيفَ على مَا في بَطْنِها مِن الجَلْدِ. فإنَّه إذا كانَ لنا عليها مِن سَبيلٍ، فلا سَبِيلَ لنا على مَا في بَطْنِها، ولا ذَنْبَ عليه، واللهُ تعالى
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 420يقولُ: ﴿ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى(928) ﴾
قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «لا تُرجَمُ الحَامِلُ حتى تَضَعَ»(929) .
هذا مَا فَعَلَه عليٌّ رضي الله عنه معَ شراحةَ الهمدانية يَوْمَ أنْ أُتِيَ بهَا وقَد اعتَرَفَت بالزِّنَى وهي حُبْلَى(930) . وصَنَعَ الشَّيءَ نَفْسَه معَ جَارِيَةٍ زَنَت، فأرَادَ أنْ يُقِيمَ عليها الحَدَّ وإذ هي نُفسَاءُ، فأخَّرها حتى تَبرَأ. وأقرَّه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم على قَضَائِه.
عن أبِي عَبدِ الرَّحمَنِ السُّلَميِّ قالَ: سَمِعْتُ عليًّا رضي الله عنه وهو يَخطبُ على المِنبَرِ، فحَمَدَ اللهَ وأثْنَى عليه، ثُمَّ قالَ: «يَا أيُّها النَّاسُ، أَقِيمُوا على أرِقَّائِكم الحدَّ: مَن أُحْصِنَ منهم ومَن لم يُحْصَنُ. فإنَّ أَمَةً لرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَنَت، فأمَرَنِي أنْ أجلِدَها، فإذا هي حَدِيثُ عَهْدٍ بنِفَاسٍ، فخَشِيتُ إنْ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 421أنا جَلَدتُها أنْ أقْتُلَها، فذَكرْتُ ذلك للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقالَ: «أحْسَنتَ، اتْرُكْها حتى تمَاثلَ»(931)(932)
الحِكْمَةُ مِن التَّنصِيصِ على الإحْصَانِ التَّنبِيهُ على أنَّ الأمَةَ وإنْ كانَت مُتزوِّجةً، لا يَجِبُ عليها إلا نِصْفُ جَلْدِ الحُرَّةِ، لأنَّه الذي يَنتَصِفُ، وأمَّا الرَّجْمُ فلا يَنتَصِفُ(933) .
عَلانِيَةُ الحَدِّ:
لِعَلانِيَةِ الحَدِّ هَدفَانِ هَامَّانِ يَكشِفَانِ عن المَقصدِ التَّشرِيعيِّ مِن ذلك، وهما:
الأوَّلُ: مَنْعُ المُجرمِ مِن العَودَةِ إلى الجَرِيمَةِ، حيثُ أصبحَ مَعرُوفًا لدى الجَماهيرِ ممَّن يُشاهِدونَ إقَامةَ الحَدِّ عليه. ثمَّ مَا أورَثَه هذا الجُمهورُ في نَفسِه من الانكِسَارِ والذُّلِّ والهَوانِ، فهو يَربَأُ بنَفْسِه أنْ يُكرِّرَ فِعْلتَه لئلاَّ يفتَضِحَ مَرَّةً أخرَى، فيَصِيرَ مَنبُوذًا في مُجتَمعِه.
الثَّانِي: مَنْعُ غَيرِه مِن التَّفكيرِ في أيِّ جَرِيمَةٍ قد تُسوِّلُ النَّفْسُ القِيامَ بها.
هذا المَقصدُ لا يتحقَّقُ إلا مِن خِلالِ العَلانيَةِ في العُقوبَةِ والإشْهَارِ في تَنفِيذِها، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ(934) ﴾ . الطَّائِفةُ: ثَلاثةٌ فصَاعِدًا(935) . قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «الطَّائِفةُ: رَجُلٌ فمَا فَوقَ ذلك»(936) .
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الطَّائِفةُ وإنْ كانَت تُطلَقُ في اللُّغةِ على الشَّخْصِ الوَاحدِ، فإنَّ حَمْلَها هَهُنا على هذا المَعنَى أشْبَهُ بالمُتعَذِّرِ، لأنَّه لا يتَجاوَبُ معَ الهَدَفِ المَرسُومِ مِن اشتِرَاطِ العَلانِيَةِ ودَعْوَةِ الشُّهودِ لإقَامَةِ الحُدودِ. نعم، قد يُحمَلُ على الثَّلاثةِ معَ إجْحَافٍ فيها، ولكنْ لا يُقتَصرُ على وَاحدٍ! فالعَددُ ينبَغِي أنْ يكونَ جَمْعًا. نعم، لا يُتكلَّفُ في إحْضَارِ أكبَرِ قَدْرٍ مُمكنٍ، بلْ مَا يَصِحُّ عُرْفًا أنَّ جَمْعًا قَد حَضَرَ إقَامةَ الحَدِّ.
وهذا وَاضِحٌ مِن صَنيعِ عليٍّ رضي الله عنه لمَّا أرَادَ أنْ يُقِيمَ حَدَّ الزِّنَى على شُراحةَ الهمدانيَّةِ، حَفَرَ لها حُفْرَةً في السُّوقِ ، وأقَامَ عليها الحَدَّ.
ومِن أنوَاعِ العَلانِيَةِ في العُقوبَةِ التي كانَ علي رضي الله عنه يَلتزِمُها:
تَعلِيقُ اليَدِ المَقطُوعَةِ في عُنُقِ السَّارقِ:
في سَبيلِ الإشْهَارِ في إقَامَةِ الحَدِّ لزَجْرِ النَّاسِ ورَدْعِهم عن المُحرَّمَاتِ، كانَ إذا قُطِعَت يَدُ السَّارقِ عَلَّقَها عليٌّ رضي الله عنه في عُنُقِه(937) . فهذا رَجُلٌ يَجِيءُ إليه وهو يقولُ: يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ، إنِّي قَد سَرَقْتُ. فانتَهرَه ثمَّ عَادَ ثَانِيةً، فقالَ: إنِّي قَد سَرَقتُ.
فقالَ له عليٌّ رضي الله عنه «قَد شَهِدْتَ على نَفْسِك شَهادَتينِ». فأمرَ به فقُطِعت يدُه، وعَلَّقَها
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
دَرْءُ الحَدِّ بالشُّبْهَةِ:
لم يكنِ الشَّرعُ المُطهَّرُ في يَومٍ من الأيَّامِ غايةَ هَمِّه أنْ يُقِيمَ الحُدودَ على العِبَادِ، ويُنزِلَ بهم أقصَى العُقوبَاتِ، بلْ يُرِيدُ مُجتَمعًا سَالِمًا مِن الفَاحِشَةِ، مُعافًى مِن الرَّذِيلَةِ. نَرَى أنَّ عليًّا رضي الله عنه شَفَعَ في سَارِقٍ، فقِيلَ له: أتَشْفَعُ في حَدٍّ؟ قالَ: «نَعم، مَا لمْ يَبلُغِ الإمَامَ. فإنْ أتَى به الإمَامَ، فلا عَفَا اللهُ عنه إنْ عَفَا»(939) .
مِن ذلك على سَبيلِ المِثَالِ:
القَذْفُ تَعرِيضًا:
مَن قَذَفَ مُسلِمًا تَعرِيضًا لا حَدَّ عليه، وإنَّما يُعزَّرُ. لأنَّ التَّعرِيضَ شُبْهةٌ مُسقِطةٌ للحَدِّ عندَ عليٍّ رضي الله عنه ، يقولُ: «إذا بَلَغَ الحَدُّ لَعلَّ وعَسَى، فالحدُّ مُعطَّلٌ»(940) .
وإذا سَقَطَ الحدُّ لشُبهَةٍ، فقَد وَجَبَ التَّعزِيرُ، لذلك كانَ عليٌّ رضي الله عنه يُعزِّرُ في التَّعرِيضِ، ويقولُ: «مَن عرَّضَ، عرَّضْنَا له السَّوطَ»(941) .
العَبْدُ يَسْرِقُ سيِّدَه:
إذا كانَ السَّارِقُ مَملُوكًا للمَسرُوقِ منه، فلا يُقَامُ عليه حَدُّ السَّرِقَةِ للشُّبهَةِ.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 424أتَى رَجُلٌ إلى عليٍّ رضي الله عنه فقالَ: يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ، إنَّ عَبدِي سَرَقَ مَتاعِي! فقالَ: «مَالُكَ سَرَقَ بَعضُه بَعضًا»(942) وقالَ: «إذا سَرَقَ عَبدِي مِن مَالِي لم أقْطَعْه»(943)
** *
المبحث الثاني الكليات الخمس
ويَشتمِلُ على سِتَّةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلَبُ الأوَّلُ: أهمِّيَّةُ المُحَافَظَةِ على الكُلِّيَّاتِ الخَمْسِ.
المَطلبُ الثَّانِي: الحِفَاظُ على الدِّينِ.
المَطلَبُ الثَّالِثُ: الحِفَاظُ على النَّفْسِ البَشَريَّةِ.
المَطلَبُ الرَّابِعُ: الحِفَاظُ على النَّسْلِ والنَّسَبِ.
المَطلَبُ الخَامِسُ: الحِفَاظُ على العَقْلِ.
المَطلَبُ السَّادِسُ: الحِفَاظُ على المَالِ.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الأول أهمية المحافظة على الكليات الخمس
مِن أعْظَمِ المَقاصدِ التي قُصِدَت ببِعْثَةِ الأنْبِيَاءِ دَفْعُ المَظالمِ مِن بَينِ النَّاسِ، ويُمكِنُ ذلك «بتَحْصِيلِ المَصَالحِ وتَكْمِيلِها، وتَعْطِيلِ المَفَاسدِ وتَقْلِيلِها»(944) . في القَبْضِ على يَدِ مَن يَضُرُّ بأمْنِ النَّاسِ ويتَعدَّى عليهم.
فاقْتَضَت حِكْمَةُ البَارِي أنْ يَزجُرَ عن كلِّ نَوعٍ من أنواع المَظَالمِ بزَواجِرَ قَويَّةٍ تَردَعُ النَّاسَ عن أنْ يَفْعلُوا ذلك مرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، على ألاَّ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 426تكونَ على مَرتَبةٍ وَاحدَةٍ، فإنَّ قَتْلَ النَّفْسِ -مَثلاً- ليسَ كسَرِقَةِ المَالِ!
فجَاءَت الشَّرِيعَةُ بأحْكَامٍ مُعلَّلةٍ لحِفْظِ الضَّرُوراتِ، وأخرى لصِيانَةِ الحَاجِيَّاتِ، وتَحقِيقِ التَّحسِينِيَّاتِ(945) . وعُرِفَت الضَّرُورَاتُ بالكُلِّيَّاتِ الخَمسِ(946) ، وتُعتَبرُ الحَاجيَّاتُ والتَّحسِينيَّاتُ في خِدْمَتِها، ولا يَجُوزُ أنْ تَعُودَ عليها بالنَّقْضِ، وهي:
| الدِّينُ. النَّفْسُ. النَّسْلُ. | العَقْلُ. المَالُ. |
|---|
ولمَّا كانَتِ النَّفْسُ البَشريَّةُ إنَّما تتَأثَّرُ عن طَرِيقَينِ، بحَسَبِ نَوْعِ تلك النَّفْسِ ومَا لها مِن الحَظِّ في الدُّنيَا:
فالنَّفْسُ الوَاغِلَةُ في البَهيميَّةِ، يَمنَعُها الإيلامُ. والنَّفْسُ التي فيها الجَاهُ، يَردَعُها العَارُ اللازِمُ لها أشَدَّ مِن الإيلامِ(947) .
فوَجَبَ مُراعَاةُ هذا المَعنَى في العُقوبَةِ المُقدَّرَةِ لكلِّ مُخَالَفةٍ تَطالُ وَاحِدةً مِن الكُلِّيَّاتِ الخَمْسِ. لذا فالحَدُّ في مَاهيَّتِه يتَفاوَتُ نَوعُه، كأنْ يكونَ قَتْلاً، وهو زَجْرٌ لا زَجْرَ فَوقَه. أو أنْ يكونَ قَطْعًا، وهو إيلامٌ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 427شَدِيدٌ معَ كَونِه دُونَ القَتْلِ بمِقْدَارٍ، إلا أنَّه يَجمَعُ بينَ تَفوِيتِ قُوَّةٍ لا يَتِمُّ الاستِقْلالُ بالمَعِيشَةِ دُونَها، وبينَ مُثْلَةٍ وعَارٍ ظَاهرٍ أثرُه بمَرأى النَّاسِ لا يَنقَضِي...
وكانَ عليٌّ رضي الله عنه في بَعضِ الأحْيَانِ يَجمَعُ بينَ العُقوبَةِ الجِسْمانيَّةِ والأخْرَى النَّفْسَانيَّةِ، فيَحْصُلُ بالتَّالِي إيلامٌ في البَدَنِ، وإلْحَاقُ حَيَاءٍ وخَجَالةٍ وعَارٍ، كمَا هو الشَّأنُ في عُقوبَةِ الزِّنَى.
هذا، وتَتِمُّ المُحَافَظَةُ على هذه الكُلِّيَّاتِ الخَمْسِ عن طَرِيقَينِ اثْنَينِ، هما(948) :
الطَّرِيقُ الأُولَى: مُرَاعَاتُها مِن جِهَةِ الوُجُودِ، بفِعْلِ ما يُوصِلُ إليها، ويُقِيمُ أرْكَانَها، ويُثبِّتُ قَواعِدَها.
الطَّرِيقُ الأخْرَى: مُرَاعَاتُها مِن جِهَةِ العَدَمِ، بتَرْكِ مَا لا يُوصِلُ إليها، ومَا يَدْرَأ عنها الاخْتِلالَ الوَاقِعَ أو المُتوَقَّعَ فيه.
المطلب الثاني الحفاظ على الدين
في سَبيلِ المُحافَظةِ على الدِّينِ والعَقِيدَةِ والمَنهَجِ يَهُونُ كلُّ خَطْبٍ جَلَلٍ، باعتِبَارِ أنَّ حَياةَ الإنسانِ تَقُومُ على رِعَايةِ مَصلَحةِ الدِّينِ وليسَ العَكْسَ، يقولُ اللهُ تعالى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ(949) ﴾ .
ومن خِلالِ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 428تَتبُّعِ أقْضِيَةِ عليٍّ رضي الله عنه نَجِدُه يُعنَى بهذه الحَيثيَّةِ مِن جَوانِبَ عِدَّةٍ، منها على سَبيلِ المِثَالِ هذه النَّماذِجُ اليَانِعةُ:
إيقَافُ النَّفيِ عمَّن زَنَى عَزَبًا:
رَأى عليٌّ رضي الله عنه أنَّ مَن زَنَى وهو غَيرُ مُحصَنٍ يُجلَدُ مِئةَ سَوْطٍ، عَملاً بقَولِ اللهِ تعالى: ﴿ الزَّانِي لَا يَنكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى(950) ﴾ . ثمَّ يُنفَى مُدَّةَ سَنةٍ مِن الأرضِ التي ارْتَكبَ الفَاحِشةَ بها إلى بَلَدٍ أخرَى. فكانَ يَجلِدُ ويَنفِي مِن الكُوفَةِ إلى البَصرَةِ(951) .
أُتِيَ بجَارِيَةٍ من هَمْدانَ زَنَت، فضَربَها، وسيَّرَها إلى البَصرَةِ سَنةً(952) .
وأتِيَ بامرَأةٍ تزَوَّجَت حَدِيثًا وزَنَت قَبلَ أنْ يَدخُلَ بها زَوجُها، فجَلدَها مِئةَ سَوْطٍ، ونَفاهَا سَنةً إلى نَهرِ كَربلاءَ(953) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثمَّ رَأى في تَرْكِ النَّفيِ مَصلَحةً رَاجِحةً، هَدفُها: أنْ يَحفظَ على الزَّانِي دِينَه، خَاصَّةً إذا كانَت تستَهوِيه الشَّهواتُ. فأيْقنَ أنَّ في نَفيِه تَعرِيضًا له بالفِتْنَةِ، لذا قَضَى في البِكْرِ يَزنِي في البِكْرِ: يُجلدَانِ مِئةً ولا يُنفَيانِ، وقالَ: « حَسبُهما مِن الفِتنَةِ أنْ يُنفَيَا(954) » .
وجِيءَ برَجُلٍ زَنَى، فقالَ: «أدَخلْتَ بامرَأتِكَ؟». قالَ: لا. فضَربَه مِئةً(955) . ولم يَأتِ على ذِكْرِ النَّفيِ، ولو أرَادَه لذَكرَه.
يُستفَادُ مِن ذلك:
مَشروعيَّةُ ابتِنَاءِ الاجتِهَادِ على المَصلَحةِ. ظُهورُ المَصلَحةِ لعليٍّ رضي الله عنه بعَدَمِ النَّفيِ مُحافَظةً على دِينِ المَحدُودِ. أهمِّيَّةُ أنْ يُراجِعَ الفَقِيهُ اجتِهادَاتِه دَوْمًا، وأنَّ هذا لا يُشكِّلُ عَيبًا فيه. الاجتِهَادُ المَبنِيُّ على المَصلَحةِ تَبَعٌ لها، يتَبدَّلُ بتَبدُّلِها، كالحُكْمِ يَدُورُ معَ عِلَّتِه وُجُودًا وعَدَمًا.
قَتْلُ المُرتَدِّ حَرقًا وحِفْظُ العَقِيدَةِ مِن المَسَاسِ بها:
في الإجْهَازِ على المُرتدِّ حِفَاظٌ على دِينِ النَّاسِ وسَلامَةِ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 430قُلوبِهم مِن أيِّ شَائبَةٍ قد تُؤثِّرُ فيهم. وقَد لاحَظْنَا حِرْصَ عليٍّ رضي الله عنه على اتِّخَاذِ الإجْرَاءاتِ والتَّدابيرِ اللاَّزِمَةِ والحَاسِمَةِ معَ أهلِ البِدَعِ والأهْوَاءِ، الذين ظَهرُوا في عَصرِه الرَّشيدِ، حتى خَرجُوا بضَلالاتِهم مِن الإسلامِ وأهلِه.
قالَ ابنُ تَيمِيةَ رحمه الله: «فإنَّه لو لم يُقتَلْ، لكانَ الدَّاخِلُ في الدِّينِ يَخرُجُ منه. فقَتلُه حِفْظٌ لأهلِ الدِّينِ؛ فإنَّ ذلك يَمنَعُ من النَّقْصِ، ويَمنعُهم من الخُروجِ عنه»(956) .
بعدَ أنِ ارْتدَّ المُستوردُ العجليُّ استَتابَه عليٌّ رضي الله عنه فلم يَتُبْ! فأحرقَه بعدَ أنْ قَتلَه، لأنَّ قَومَه طَلبُوا جِيفتَه مُقابِلَ ثَلاثِينَ ألفًا! فَرفَضَ عليٌّ رضي الله عنه المَالَ، وخَافَ أنْ يَنبُشَ قَومُه قَبرَه ويَأخذُوه، فيَصِيرَ قِدِّيسًا ويُعظِّمُوهُ!! أو أنْ يَجعلُوا مِن قَبرِه مَزارًا يَقصِدُونَه، أو رَمْزًا لهم!
بذلك يكونُ عليٌّ رضي الله عنه قد أظْهرَ أنَّ جُثَّةَ هذا المُرتَدِّ هي جِيفَةٌ نَتِنةٌ لا تُسَاوِي في حِسَابِ المَوازِينِ الشَّرعيَّةِ شَيئًا، وبالتَّالي مَنَعَ مِن تَعظِيمِه والافْتِتَانِ به.
وأُتِيَ رضي الله عنه بقَومٍ مِن الزَّنادِقَةِ(957) ، معَهم كُتُبٌ! فأمَرَ بنَارٍ فأُجِّجَت، ثُمَّ أحرَقَهم وكُتُبَهم(958) .
إحْرَاقُه مَن غَلَوا فيه:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وَرَدَ عن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه كانَ حَازِمًا في شَأنِ مَن ادَّعَى فيه الرُّبُوبِيَّةَ، حتى أنَّه حَفَرَ لهم الأخَادِيدَ وأحْرَقَهم بالنَّارِ، في حَادِثَةٍ مَشهُورَةٍ عنه، يَوْمَ أنْ قِيلَ له: إنَّ هنا قَومًا على بَابِ المَسْجدِ، يَدَّعُونَ أنَّك رَبُّهم!
فدَعَاهم، فقالَ لهم: «وَيْلَكم، مَا تَقُولُونَ؟». قَالُوا: أنتَ رَبُّنا، وخَالِقُنا ورَازِقُنا.
فقالَ: «وَيْلَكم، إنَّما أنَا عَبْدٌ مِثْلُكم، آكُلُ الطَّعَامَ كمَا تَأكلُونَ، وأشْرَبُ كمَا تَشرَبُونَ. إنْ أطَعْتُ اللهَ أثَابَنِي، إنْ شَاء، وإنْ عَصَيْتُه خَشِيتُ أنْ يُعذِّبَني. فاتَّقُوا اللهَ وارْجِعُوا».
فأبَوا! فلمَّا كانَ الغَدُ، غَدَوا عليه، فجَاءَ قَنبرُ، فقالَ: قَد –واللهِ- رَجَعُوا يَقُولُونَ ذلك الكَلامَ! فقالَ: «أدْخِلْهم». فقَالُوا كذلك! فلمَّا كانَ الثَّالِثُ، قالَ: «لئن قُلْتُم ذلك لأقتُلنَّكم بأخَبَثِ قِتْلَةٍ».
فأبَوا إلا ذلك! (...) فخَدَّ لهم أخْدُودًا بينَ بَابِ المَسْجدِ والقَصْرِ، وقال: «احفرُوا فأبعِدُوا في الأرْضِ». وجَاءَ بالحَطَبِ فطَرَحَه بالنَّارِ في الأخْدُودِ، وقالَ: «إنِّي طَارِحُكم فيها، أو تَرجِعُوا». فأبَوا أنْ يَرجِعُوا، فقَذَفَ بهم فيها حتى إذا احتَرَقُوا، قالَ:
| إنِّي إذا رَأيْتُ أمْرًا مُنكَرَا | أوْقَدْتُ نَارِي ودَعَوْتُ قَنبَرا(959) ( 959 ) |
|---|
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وَقْفَةٌ معَ العُقُوبَةِ بالتَّحرِيقِ:
اعتَمدَ عليٌّ رضي الله عنه فيمَا ذَهَبَ إليه مِن تَحرِيقِ هؤُلاءِ على أسَاسِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعيَّةِ المَبنِيَّةِ على مَصلَحةِ الأمَّةِ، وإرَادَةِ الخَيرِ لها(960) . قالَ ابنُ عَقيلٍ (ت 513 هـ) رحمه الله(961) : «جَرَى في جَوَازِ العَمَلِ في السُّلْطَةِ بالسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ أنَّه هو الحَزْمُ، ولا يَخْلُو مِن القَوْلِ به إمَامٌ»(962) . وذَهَبَ ابنُ القَيِّمِ رحمه الله إلى أنَّ التَّعزِيرَ بالتَّحرِيقِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ، مَشَى عليها خُلفَاءُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم(963) .
وكانَ لابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مَوقِفٌ مُغَايِرٌ لرَأيِ عليٍّ رضي الله عنه ، أبْدَاه لمَّا بَلَغَه صَنِيعُ عليٍّ رضي الله عنه بالزَّنَادِقَةِ، فقالَ: « لو كُنْتُ أنَا لم أُحرِّقْهم، لأنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «لا تُعَذِّبُوا بعَذَابِ اللهِ» . ولَقَتَلْتُهم كمَا قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «مَن بَدَّلَ دِينَه فاقْتلُوه»(964) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فلمَّا بَلَغَ ذلك عليًّا رضي الله عنه قالَ: «وَيْحَ أمِّ ابنِ عبَّاسٍ»(965) . وفي رِوَايةٍ: «صَدَقَ ابنُ عبَّاسٍ»(966) .
وإذْ قَد صَدَّقَ ابنَ عبَّاسٍ برِوَايَتِه، فمَا الحَامِلُ لعليٍّ رضي الله عنه على أنْ حَرَّقَ بالنَّارِ؟ معَ العِلْمِ بأنَّه هو الذي رَوَى عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قولَه: «لا طَاعَةَ في مَعْصِيَةِ اللهِ، وإنَّما الطَّاعَةُ في المَعْرُوفِ»(967) ، في وَاقِعَةٍ مَفَادُها: أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ جَيْشًا، وأمَّرَ عليهم رَجُلاً، فأوْقَدَ نَارًا وقالَ: ادْخُلُوها –يُرِيدُ أنْ يَمتَحِنَهم بطَاعَتِه- فأرَادَ نَاسٌ أنْ يَدْخُلُوها! وقالَ آخَرُونَ: «إنَّما فَرَرْنا منها» (...) الحديث!
فكيفَ يُخَالِفُه ثُمَّ يَأمرُ بالإحْرَاقِ ويَفعَلُه؟ وقَد حَكَمَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالمَعْصِيَةِ على مَا أمَرَ به قَائِدُه في المَهمَّةِ المُشَارِ إليها، وأمَرَ بوُجُوبِ طَاعَةِ الأمِيرِ بالمَعرُوفِ دُونَ طَاعَتِه بالمَعصِيَةِ، وقالَ لمَن أرَادَ أنْ يَدخُلَها: «لو دَخَلْتُموها لمْ تَزَالُوا فيها إلى يَومِ القِيَامَةِ» .
أليسَ هذا كلُّه دَلِيلاً على أنَّ التَّحرِيقَ بالنَّارِ غَيرُ جَائزٍ، وأنَّه مِن خَصَائصِ الرَّبِّ عز وجل ؟
هَلْ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 434أنَّ عليًّا رضي الله عنه نَسِيَ النَّهيَ عن ذلك؟ أمْ أنَّه حَمَلَه على مَعنَى الكَرَاهَةِ دُونَ التَّحرِيمِ؟
لعلَّ السَّببَ في صَنِيعِ عليٍّ أنَّه رَأى في الإحْرَاقِ عُقُوبةً مُؤاتِيَةً زَاجِرَةً، كمَا هو الشَّأنُ في القَتْلِ، وكِلاهُما مَنهِيٌّ عنه في غَيرِ السَّبَبِ الشَّرْعيِّ المُبِيحِ للقِيَامِ بهما. فكمَا أنَّ الإحْرَاقَ مَنهِيٌّ عنه، فكَذا القَتْلُ مَنهِيٌّ عنه.
ولمَّا جَازَ إجْرَاءُ القَتْلِ كعُقُوبَةٍ تَعزِيرِيَّةٍ، جَازَ استِخْدَامُ النَّارِ كذلك. إلا أنَّ الفَارِقَ بينَهما: أنَّ القَتْلَ مَأمُورٌ به، وأنَّ النَّارَ غَيرُ مَأذُونٍ بها.
إذًا فالجَوابُ أنْ يُقالَ: أصْلُ الخِلافِ بينَ عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهم مَبنِيٌّ على المَلْحَظِ الذي لَحِظَه كُلُّ وَاحدٍ منهما في تَحدِيدِ المُرَادِ مِن النَّهيِ عن التَّحرِيقِ، حيثُ حَمَلَه ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما على التَّحرِيمِ. ورَآه عليٌّ رضي الله عنه للتَّنزِيهِ، وعليه المُهَلَّبُ (ت 435 هـ) رحمه الله(968) ، قالَ: »ليسَ هذا النَّهيُ على التَّحرِيمِ، بلْ على سَبيلِ التَّواضُعِ»(969) ، للهِ تعالى .
إنَّما حَرَّقَ عليٌّ رضي الله عنه الزَّنَادِقَةَ وهو يَعلَمُ سُنَّةَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في هذا الأمرِ، لأنَّه رَأى أمْرًا عَظِيمًا، فجَعَلَ عُقُوبتَه مِن أعْظَمِ العُقُوبَاتِ، ليَزجُرَ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 435مَن خَلْفَهم أنْ تُوَسْوِسَ لهم أنْفُسُهم، فلا يتَجرَّأونَ على مَا ارْتَكَبَه هؤُلاءِ، لذلك قالَ:
| لمَّا رَأيْتُ الأمْرَ أمْرًا مُنكَرا | أجَّجْتُ نَارِي ودَعَوْتُ قَنبَرا |
|---|
الفَوَائِدُ المُستخلَصةُ:
مَا كانَ عليٌّ رضي الله عنه ليَجمَدَ على ظَاهرِ النَّصِّ طَالَما أنَّه قَابِلٌ للنِّقَاشِ. مَجِيءُ النَّهيِ بمَعنَى الكَرَاهَةِ، أو خِلافِ الأَوْلَى. للرَّأيِ وإعْمَالِ النَّظَرِ مَجَالٌ رَحبٌ في استِنبَاطِ الأحكَامِ، ما اقتَرنَت بهما المَوضُوعيَّةُ والتَّجرُّدُ عنِ اتِّبَاعِ الهَوَى. لإمَامِ المُسلِمينَ مَسَاحَةٌ وَاسِعَةٌ في تَحدِيدِ مَا يَرَاه مُنَاسِبًا في تَأمينِ المَصلَحةِ العَامَّةِ، والمُحَافَظَةِ على دِينِ العِبَادِ وأمْنِ البِلادِ شَرِيطَةَ أنْ لا يُصَادِمَ نَصًّا قَطْعيًّا. فَضْلُ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما، وأنَّه ثِقَةٌ في نَقْلِ الأخْبَارِ. جَوَازُ الاجْتِهَادِ في النُّصُوصِ الشَّرعيَّةِ ذَاتِ الدَّلالَةِ الظَّنِّيَّةِ وعَدَمُ التَّحرِيجِ في ذلك. دَوْرُ المَصلَحةِ في استِنْبَاطِ الأحْكَامِ الجَادَّةِ والحَاسِمَةِ في القَضَايَا الكُبرَى والوَقائعِ المُستَجِدَّةِ. جَوَازُ ارْتِكَابِ المَكرُوهِ لمَا فيه مَصلَحةٌ رَاجِحَةٌ.
الجَمْعُ بينَ النُّصُوصِ التي يَظهَرُ فيها التَّعارضُ لتَلْتَحِمَ وألاَّ تُحدِثَ زَعزَعةً في نُفُوسِ العَامَّةِ. ضَرُورَةُ استِقرَاءِ الشَّرِيعَةِ، ورَبطِها بالوَاقعِ لإصْدَارِ الأحْكَامِ المُؤاتِيَةِ. أدَبُ الخِلافِ عندَ الصَّحابَةِ، وأنَّه لا يُفسِدُ في الوِدِّ قَضيَّةً. مُرُونَةُ الشَّرِيعَةِ واستِجَابَتُها لتَطلُّعَاتِ الفُقهَاءِ في إيجَادِ الحُلولِ المُناسِبَةِ.
المطلب الثالث الحفاظ على النفس البشرية
صَانَ الشَّارِعُ النَّفْسَ البَشريَّةَ، وسَمَا بها عن التَّوغُّلِ في أوحَالِ الدُّونيَّةِ، وأمَرَ بالمُحَافظَةِ على المُهْجَةِ الإنْسَانيَّةِ، وعَدَمِ التَّعرُّضِ لها بالأذِيَّةِ. وعدَّ القَتْلَ مِن أكْبَرِ الكَبائرِ لأنَّه طَاعَةُ النَّفْسِ في دَاعِيَةِ الغَضَبِ لغَيرِ اللهِ! وهو أعْظَمُ وُجُوهِ الفَسَادِ فيمَا بينَ النَّاسِ، لأنَّه مُناقَضَةُ مَا أرَادَ الحَقُّ في عِبَادِه مِن انتِشَارِ نَوْعِ الإنْسَانِ(970) .
رَاعَى عليٌّ رضي الله عنه هذا الأصْلَ مِن خِلالِ أقضِيَتِه في وُجُوهٍ مُتعدِّدَةٍ، منها:
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وَضعيَّةُ المَجلُودِ ومَواضِعُ الجَلدِ:
أُتِيَ عليٌّ رضي الله عنه برَجُلٍ شَرِبَ الخَمْرَ، فقالَ للجلاَّدِ: «اضْرِبْ، ودَعْ يَدَيه يتَّقِي بهما»(971) .
فمَن حُدَّ في زِنَى أو خَمرٍ... إلخ، فلا تُرْبطُ يَداه، ولكنْ تُتركَانِ ليَكُفَّ بهما عن نَفْسِه الجَلْدَ مَا استَطاعَ.
ويُفرَّقُ الجَلْدُ على جَميعِ جِسْمِه، ليَشعُرَ بحَرارَةِ المَعصِيَةِ في أنحَائِه كلِّها، ولئلاَّ يتأذَّى مَوضِعٌ مُعيَّنٌ من الضَّرباتِ المُتَتالِيَةِ عليه، فيعودُ على صَاحبِه بالهَلاكِ أو التَّلَفِ! ولا يُضرَبُ الوَجهُ، ولا تُضرَبُ المَقاتِلُ؛ كالرَّأسِ والبَطْنِ والمَذاكيرِ.
أُتِيَ عليٌّ رضي الله عنه برَجُلٍ في حدٍّ، فقالَ: «اضْرِبْ، وأعْطِ كلَّ عُضْوٍ حقَّه، واجتَنِبْ وَجهَه ومَذاكِيرَه»(972) .
السَّارِقُ يَسرِقُ أكثرَ من مَرَّةٍ:
قَضَى عليٌّ رضي الله عنه في السَّارِقِ إذا سَرَقَ أنْ تُقطعَ يَدُه اليُمنَى، فإذا رَجَعَ مرَّةً أخرَى، قُطِعَت رِجْلُه اليُسرَى، فإذا سَرَقَ مَرَّةً ثَالِثةً أوْدَعَه السِّجْنَ حتى يتُوبَ، ولا يَقطَعُ ثَالِثةً. قالَ رضي الله عنه : «إذا سَرَقَ السَّارِقُ مِرَارًا، قُطِعَتْ يَدُه ورِجْلُه، ثمَّ إنْ عَادَ استَوْدَعتُه السِّجْنَ»(973) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ونَاقَشَ في ذلك أمِيرَ المُؤمنِينَ عمرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله عنهما قَائِلاً له: «فلا يَنبَغِي أنْ تَدَعَه ليسَ له قَائِمةٌ يَمشِي عليها، ولا يدٌ يَأكلُ بها. فإمَّا أنْ تُعزِّرَه، وإمَّا أنْ تَستَودِعَه السِّجْنَ»، فاستَودَعَه السِّجْنَ(974) .
حجَّتُه في ذلك: حَاجَةُ هذا الرَّجُلِ إلى القِيَامِ بخِدمَةِ نفسِه. أُتِيَ إبَّانَ خِلافَتِه برَجُلٍ مَقطُوعِ اليَدِ والرِّجْلِ قَد سَرَقَ! فقَالَ لأصْحَابِه: «مَا تَرَوْنَ في هذا؟». قالُوا: اقْطَعْه، يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ. فقالَ: «أقْتلُه إذًا! ومَا عليه القَتْلُ. وبأيِّ شَيءٍ يَأكلُ الطَّعامَ؟ وبأيِّ شَيءٍ يتَوضَّأ للصَّلاةِ؟ وبأيِّ شَيءٍ يَغتَسِلُ مِن جَنابَتِه؟ وبأيِّ شَيءٍ يَقُومُ على حَاجَتِه؟».
وفي رِوَايَةٍ: «أقطعُ يدَه! فبأيِّ شيءٍ يتمسَّحُ؟ وبأيِّ شيءٍ يأكلُ؟ أقطعُ رِجلَه! على أيِّ شَيءٍ يَمشِي؟ إنِّي لأستَحيِي مِن اللهِ»(975) .
فرَدَّه إلى السِّجْنِ أيَّامًا، ثمَّ أخرَجَه، فاستَشارَ أصْحابَه، فقَالُوا له مِثْلَ قَولِهم الأوَّلِ، وقَالَ لهم مِثلَما قالَ لهم أوَّلَ مرَّةٍ، فجَلدَه جَلْدًا شَدِيدًا ثمَّ أرْسلَه(976) .
وقالَ: «إذا سَرَقَ السَّارِقُ مِرارًا، قُطِعَت يَدُه اليُمنَى. فإنْ عَادَ، قُطِعَت رِجْلُه اليُسرَى.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فإنْ عَادَ ضُمِّنَ السِّجْنَ حتى يُحدِثَ خَيرًا»(977) .
حَسْمُ يَدِ السَّارقِ بعدَ القَطْعِ:
وَرَدَ عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ في السَّارقِ: «اقْطَعُوه، ثمَّ احسمُوه»(978) .
اعتَنَى عليٌّ رضي الله عنه عِنايةً شَدِيدةً بيَدِ السَّارقِ التي قُطِعَت، لئلاَّ يَسرِيَ أثَرُ القَطْعِ إلى النَّفْسِ فيُهلِكُها. فلجَأ إلى حَسْمِ اليَدِ المَقطُوعَةِ، لأنَّ الحَسْمَ سَبَبُ عَدَمِ السِّرايَةِ. وذلك بأنْ يَربِطَها ثمَّ يَضعَها في الزَّيتِ المَغليِّ كي ينقَطِعَ نَزِيفُ الدَّمِ، فلا يخرجُ ويُفضِي إلى تَلَفِه وهَلاكِه. ثمَّ يَجْعلُ السَّارِقَ تحتَ العِنايَةِ الصِّحيَّةِ المُركَّزَةِ، والرَّقابَةِ الفَائِقَةِ إلى أن يَصِحَّ ويَشفَى.
وَرَدَ عنه أنَّه كانَ يقطعُ اللُّصُوصَ ويَحسِمُهم ويَحبِسُهم ويُداوِيهم، فإذا بَرِئُوا قالَ: «ارْفَعُوا أيدِيكُم». فيَرفَعُونَها (...) ثمَّ يقولُ: «مَن قَطعَكم؟». فيقولون: عليٌّ.
فيقولُ: «ولِمَ؟». فيقولون: إنَّا سَرَقْنَا. فيقولُ: «اللَّهُمَّ اشهَدْ، اللَّهُمَّ اشهدْ. اذْهَبُوا»(979) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الرابع الحفاظ على النسل والنسب
مِن مَقاصدِ الشَّرِيعَةِ الإسْلاميَّةِ حِفْظُ النَّسْلِ الإنسَانيِّ مِن الانْقِرَاضِ والفَناءِ، فيَفوتُ مَقصدٌ من مَقاصدِ وُجودِه على هذه البَسِيطَةِ، وهو المُومَأ إليه في قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ(980) ﴾ ، لذا دَعَتِ الشَّرِيعَةُ إلى الزَّواجِ ورَغَّبَت به، وحَثَّت على النِّكَاحِ وأثَابَت عليه.
ومِن مَقاصدِ الشَّرِيعَةِ حِفْظُ الأعْرَاضِ والأنسَابِ. لأنَّ التَّهاوُنَ في رِعَايةِ هذا الجَانبِ تتَرتَّبُ عليه مَفاسِدُ لا حَدَّ لها. فانتِهاكُ أعراضِ النَّاسِ يُفضِي إلى التَّقاتُلِ والعَداءِ، ونَشْبِ الحُروبِ بينَ القَبائلِ والشُّعوبِ، ويُؤدِّي إلى اختِلاطِ الأنسَابِ وضَياعِ الأُسَر(981) !!!
كمَا يَلزَمُ منه قَطْعُ النَّسْلِ البَشريِّ، لأنَّ الزَّانِي لا قَصْدَ له في الوَلَدِ، إنَّما جُلُّ مُبتَغَاه الحُصولُ على اللَّذَّةِ والنَّشوَةِ وقَضاءِ الوَطَرِ. فلو لم تُحفَظِ الفُروجُ لعَزَفَ النَّاسُ عنِ النِّكَاحِ، وانتَشرَت الجَرِيمةُ الأخلاقيَّةُ، وبَدَت العُنُوسَةُ صَارِخةً، ونَشأت
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 441الأمْراضُ الصِّحيَّةُ، ونَزَلَت المَصائبُ وحلَّت الكَوارِثُ.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا(982) ﴾ . وقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لم تَظهَرِ الفَاحِشَةُ في قَوْمٍ قط حتى يُعلِنُوا بها، إلا فَشَا فيهم الطَّاعُونُ والأوجَاعُ التي لم تكنْ مَضَت في أسْلافِهم الذين مَضَوْا»(983) .
إذْنُ الوَليِّ لعَقْدِ النِّكَاحِ والإشْهَادِ عليه:
لذا كانَ عليٌّ رضي الله عنه يَشتَرِطُ إذْنَ الوَليِّ في عَقْدِ النِّكَاحِ، ويتَشدَّدُ في تَوفُّرِه، حتى قالَ الشَّعبيُّ رحمه الله: «مَا كانَ أحَدٌ مِن أصْحَابِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أشدَّ في النِّكَاحِ من غَيرِ وَليٍّ مِن عليٍّ رضي الله عنه ، حتى كانَ يَضرِبُ فيه»(984) .
ويقولُ: «أيُّما امرأةٍ نَكحَت بغَيرِ إذنْ وَليِّها، فنِكاحُها بَاطِلٌ(985) . لا نِكَاحَ إلا بوَليٍّ(986)(987) ) ( ».
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
يَعُودُ ذلك في الغَالِبةِ «لنُقْصَانِ عَقلِهنَّ، وسُوءِ فِكْرِهنَّ. فكَثِيرًا مَا لا يَهتَدِينَ المَصْلَحةَ. ولعَدَمِ حِمَايَةِ الحَسَبِ مِنهنَّ غَالِبًا، فربَّما رَغِبنَ في غَيرِ كُفْءٍ! وفي ذلك عَارٌ على قَومِها. فوَجَبَ أن يُجعَلَ للأوْليَاءِ شَيءٌ من هذا البَابِ لتُسَدَّ المَفسَدةُ»(988) .
مَسألَةٌ: لو عَقَدَت لنَفْسِها، وحَكَمَ بصِحَّتِه قَاضٍ: هل يُنقَضُ الحُكْمُ أو لا؟
مُقْتَضَى قَولِ عليٍّ رضي الله عنه أنَّه يُنقَضُ، لأنَّه مُخَالِفٌ لنَصٍّ ضَمَّنَه قَوْلَه، وقَطَعَ في دَلالَتِه على المُرَادِ.
ويَشتَرِطُ لصِحَّةِ العَقْدِ الإشْهَادَ عليه، يقُولُ: «(...)، ولا نِكَاحَ إلا بشُهودٍ»(989) .
العَزْلُ هو الوَأدُ الخَفِيُّ:
عَلِمْنَا أنَّ اللهَ تعالى خَلَقَ الإنْسَانَ مَدنيًّا بالطَّبْعِ، وأنَّ إرَادَتَه تَعلَّقَت ببَقَاءِ النَّوْعِ الإنْسَانيِّ عن طَرِيقِ التَّناسُلِ. فرَغَّبَ به أشَدَّ تَرْغِيبٍ، ونَهَى عنِ التَّبتُّلِ أو الخِصَاءِ، وسَائرِ الأسْبَابِ المُفضِيَةِ إلى قَطْعِ النَّسْلِ.
ولمَّا سُئِلَ عليٌّ رضي الله عنه عنِ العَزْلِ كَرِهَه(990) وقالَ: «ذلك الوَأدُ الخَفِيُّ(991) لِمَا فيه مِن تَفوِيتِ جَانبِ المَصلَحةِ النَّوعيَّةِ الرَّاجِحَةِ على
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 443المَصلَحةِ الشَّخصيَّةِ المَرجُوحَةِ.
نعم، وَرَدَ عنه أنَّه كانَ يَعزِلُ عن إمَائِه خَاصَّةً(992) ، مُحتَجًّا بأنَّه لنْ يَمنَعَ المَكتُوبَ مِن قَدَرِ اللهَ عز وجل أن يَنفُذَ. كانَ له سُرِّيَّةٌ يُقَالُ لها: جُمانة، أو: أمُّ جمانة. وكانَ يَعزِلُ عنها! فقِيلَ له في ذلك! فقالَ: «أُحْيِي شَيئًا أمَاتَه اللهُ؟!»(993) . يَعنِي: مَا أنَا بقَادرٍ على إيجَادِ مَخلُوقٍ لم يُقَدِّرِ اللهُ وُجودَه.
بَيْدَ أنَّ أمْرَ التَّوفِيقِ بينَ هذينِ الحُكْمَينِ مَيسُورٌ، وذلك بأنْ تُحمَلَ إبَاحَةُ العَزْلِ على العَزْلِ عنِ الأمَةِ خَاصَّةً. وفي المُقَابلِ تُحمَلُ كَراهَةُ العَزْلِ على العَزْلِ عنِ الحُرَّةِ، لِمَا لها مِن حَقٍّ في وَلدِها دُونَ الأمَةِ، هذا مِن نَاحِيَةٍ.
ومِن نَاحِيَةٍ أخرَى، فإنَّ تَكثِيرَ سَوادِ المُسلِمينَ مَقصدٌ لم يَغبْ عن فِكْرِ عليٍّ رضي الله عنه للحْظَةٍ. فأنْ يكونَ مِن قِبَلِ الحَرائرِ أوْلَى منه مِن قِبَلِ الإمَاءِ، لأنَّ الأبَ يَكرَه إرْقَاقَ وَلَدِه إنْ كانَت الأمَةُ زَوجةً(994) .
ونَهَى الخَصِيَّ أنْ يَنكِحَ مُسلِمَةً حُرَّةً(995) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الخامس الحفاظ على العقل
تَحرِيمُ تَعاطِي المُسْكرِ:
جَاءَتِ الأحْكَامُ الشَّرعيَّةُ بالمُحافَظةِ على العَقْلِ البَشريِّ الذي كَرَّمَ اللهُ به النَّسْلَ الإنسانيَّ حتى تَميَّزَ عن كَثيرٍ ممَّن خلقَ اللهُ. فحرَّمتِ الشَّرِيعةُ تَعاطِي الخُمورِ وتَناوُلَ كلِّ مُسْكرٍ ومُفْتِرٍ(996) للجِسْمِ، يُضَيِّعُ العَقْلَ ويُغيِّبُه أو يُؤثِّرُ على سَلامَتِه.
فالخَمْرُ لها دَاعِيَةٌ في نُفُوسِ بَنِي آدَمَ لا تَزَالُ تَهِيجُ فيها، ولها ضَراوَةٌ لا يستَطِيعُونَ الإقْلاعَ عنها بعدَ أنْ جَرَت في عُروقِهم، وفيها زَوَالُ مُسْكَةِ العَقْلِ التي بها صَلاحُ النَّاسِ في مَعاشِهم ومَعادِهم. «فمِثْلُ هذه المَعصِيَةِ لا يَكفِي فيها التَّرهِيبُ بعَذابِ الآخِرَةِ، بلْ لا بُدَّ مِن إقَامَةِ مَلامَةٍ شَدِيدَةٍ عليها وإيلامٍ»(997) .
قالَ اللهُ تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ(998) ﴾ . وقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «كلُّ مُسْكرٍ خَمْرٌ، وكلُّ خَمْرٍ حَرامٌ»(999) .
ثمَّ شَرَعَ اللهُ الحَدَّ لا على السَّكرانِ فحسبُ، بلْ على مَن
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 445ثَبَتَ أنَّه شَرِبَ ولو لم يَسكَرْ، قالَ عليٌّ رضي الله عنه «كُلُّ مُسْكرٍ خَمرٌ، ومَا أسْكَرَ كَثِيرُه فقَلِيلُه حَرَامٌ(1000)(1001)
قالَ الدَّهلَويُّ (ت 1176 هـ) رحمه الله: «لمَّا كانَ قَلِيلُ الخَمْرِ يَدعُو إلى كَثِيرِه، وَجَبَ عندَ سِيَاسَةِ الأمَّةِ أنْ يُدارَ التَّحرِيمُ على كَونِها مُسكِرةً، لا على وُجُودِ السُّكْرِ في الحَالِ»(1002) .
عُقُوبَةُ شَاربِ الخَمْرِ:
أَوْكَلَ الشَّرْعُ إلى سُلْطَةِ الإمَامِ فيمَا لا حَدَّ فيه، أنْ يُحَدِّدَ أنْوَاعَ العُقُوبَاتِ، ومَقَادِيرَ التَّعزِيرَاتِ وأجْنَاسَها وصِفَاتِها، ومِن بَابِ التَّمثيلِ لذلك، أُسلِّطُ الضَّوءَ على عُقُوبَةِ شَاربِ الخَمْرِ:
عَاقَبَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم شَارِبَ الخَمْرِ بالضَّرْبِ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قالَ: أُتِيَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم برَجُلٍ قد شَرِبَ! فقالَ: «اضْرِبُوه» . فقالَ أبو هريرة رضي الله عنه : فمِنَّا الضَّارِبُ بيَدِه والضَّارِبُ بنَعْلِه، والضَّارِبُ بثَوبِه(1003) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
كمَا عَاقَبَه بالجَلْدِ نَحْوًا مِن أربَعِينَ جَلْدةً، عن أنسِ بنِ مَالكٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ برَجُلٍ قَد شَرِبَ الخَمْرَ! فجُلِدَ بجَريدَتينِ نحوَ أربعينَ. قالَ: وفَعلَه أبو بكرٍ رضي الله عنه(1004) .
فعُلِمَ مِن هذا أنَّه لم يكنْ في الخَمرِ حدٌّ مُقدَّرٌ في عَهدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وإنَّما هو مُجرَّدُ تَعزِيرٍ بعقُوبَةِ الضَّربِ، للإيذَاءِ والإيلامِ، حتى خِلافَةِ أبي بكر رضي الله عنه ، وصَدْرًا من إمَارةِ عمرَ رضي الله عنه .
عن السَّائبِ بنِ يَزِيدَ (ت 91 هـ) رضي الله عنه(1005) قالَ: «كُنَّا نُؤتَى بالشَّارِبِ في عَهدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وفي إمرَةِ أبي بكرٍ، وصدرًا من إمرَةِ عمرَ. فنَقُومُ إليه نَضرِبُه بأيدِينا ونِعَالِنا، حتى كانَ صَدرًا مِن إمرَةِ عمرَ، فجَلدَ فيها أربَعِينَ، حتى إذا عَتَوا فيها وفَسقُوا، جَلدَ ثَمانِينَ»(1006) .
فلمَّا اتَّسَعَت رُقعَةُ الدَّولَةِ الإسلاميَّةِ في عَهدِ أميرِ المُؤمنِينَ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه وفَاضَتِ الأمْوالُ، وفي الشَّامِ يَكْثرُ العِنَبُ، شَاعَ شُرْبُ الخَمرِ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 447بينَ الدَّاخلِينَ في الإسْلامِ. فغَدَت عُقوبةُ الخَمرِ المُقدَّرةُ بأربَعِينَ جَلدةً غَيرَ كَافِيَةٍ لرَدْعِ هذا السِّكِّيرِ!
قالَ خالدُ بنُ الوَليدِ لعمرَ رضي الله عنهما: «إنَّ النَّاسَ قَد انهَمكُوا في شُربِ الخَمرِ، وتَحاقرُوا العُقوبةَ(1007) » . فجَمعَ عمرُ الصَّحابةَ رضي الله عنهم واستَشارَهم في زِيَادَةِ عُقوبَةِ شَاربِ الخَمرِ:
عن أنسِ بنِ مالكٍ رضي الله عنه قالَ: فلمَّا كانَ عمرُ رضي الله عنه استَشارَ النَّاسَ، فقالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ رضي الله عنه أرَى أنْ تجْعلَها كأخَفِّ الحُدودِ». يعني: ثَمانِينَ جَلْدةً، وهو حَدُّ القَذفِ(1008) فأمرَ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وأفتى عليٌّ رضي الله عنه أن يُضرَبَ ثَمانِينَ جَلْدةً بغَضِّ النَّظَرِ عن الكمِّيَّةِ التي تَناوَلَها، قالَ: «يُجلَدُ في قَليلِ الخَمرِ وكَثِيرِه ثَمانُونَ»(1010) ، مُعلِّلاً حُكْمَه بقَولِه: «أرَى أنْ تَجلِدَه ثَمانِينَ، فإنَّه إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افتَرَى»(1011) .
هذا استِنبَاطٌ لَطِيفٌ من عليٍّ رضي الله عنه على جَعْلِ حَدِّ شَاربِ الخَمرِ كحَدِّ القَذْفِ، لأنَّ الشُّربَ مُفْضٍ إلى السُّكْرِ، وهو مُفْضٍ إلى الهَذَيَانِ المُفضِي إلى القَذْفِ، فيَنبَغِي أنْ يُقرَّرَ فيه مَا قُرِّرَ في القَذْفِ.
يذهبُ العلامةُ الدَّهلويُّ رحمه الله في بَيانِ «السَّبَبِ في نُقصَانِ هذا الحدِّ بالنِّسبَةِ إلى سَائرِ الحُدودِ: أنَّ سَائِرَ الحُدودِ لوُجُودِ مَفْسَدةٍ بالفِعْلِ؛ أنْ يكونَ سَرَقَ مَتاعًا، أو قَطَعَ الطَّرِيقَ، أو زَنَى، أو قَذَفَ. وأمَّا هذا فقَد أتَى بمَظِنَّةِ الفَسَادِ دُونَ الفَسَادِ، فلذلك نَقَصَ عن المِئَةِ».
مُوَضِّحًا العلَّةَ التي مِن أجلِها كانَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم يَضرِبُ أربعينَ، أنَّ شُربَ الخَمرِ «مَظِنَّةُ القَذفِ، والمَظِنَّةُ ينبَغِي أنْ تكونَ أقلَّ مِن نَفْسِ الشَّيءِ بمَنزِلَةِ نِصْفِه».
كَاشِفًا عن السَّببِ في الزِّيادَةِ على الأربعينَ أنَّ كَثْرةَ الفَسَادِ وَرَاءَ ذلك، وإنَّما جُعِلَ ثمانينَ «إمَّا لأنَّه أخَفُّ حدٍّ في كِتَابِ اللهِ، فلا يَجُوزُ غيرُ المَنصُوصِ مِن أقلِّ الحُدودِ. وإمَّا لأنَّ الشَّارِبَ يَقذِفُ غَالِبًا إنْ لم يكنْ زَنَى أو قَتَلَ، والغَالِبُ حُكْمُه حُكْمُ المُتيقَّنِ»(1012) .
إذًا، كانَ حدُّ شَاربِ الخَمرِ في عَهدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الضَّربَ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 449والعُقوبةَ، ثمَّ جَلدَ أبو بكرٍ أربعينَ، ومَضَى عليه عمرُ. حتى إذا تَغيَّرَ الزَّمانُ واجتَرَأ النَّاسُ على شُربِ الخُمورِ استَشارَ الصَّحابةَ، وبِناءً على تَوصِيَاتِ عُلمائِهم أوصلَه إلى الثَّمانِينَ استِصْلاحًا.
الدَّلالةُ الأصُوليَّةُ:
مِن هذا المُنطَلقِ فإنَّ عَمَلَ عليٍّ رضي الله عنه بالمَصلَحةِ بيِّنٌ جَلِيٌّ. والمَقصُودُ: هو ضَمَانُ تَأديبِه حين كَثُرَ شُربُ الخُمورِ، ولم يَرتَدِعُوا بأقلَّ مِن ذلك. ومِن غَايَاتِه: حِفْظُ العُقولِ مِن الضَّياعِ، وحِفْظُ المَالِ مِن الهَلاكِ، وحِفْظُ الأعْرَاضِ خَشيةَ النَّيلِ منها بالسَّبِّ والقَذْفِ، وسَائرِ مَا يتَرتَّبُ على شُرْبِ الخَمرِ مِن مَفاسِدَ ومَهالِكَ، التي جَاءَتِ الإشَارةُ إليها في قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ يَسأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا(1013) ﴾ .
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمه الله: «رَأيُ عليٍّ ومَن تَابعَه مِن الصَّحابةِ رضي الله عنهم عندَ انهِمَاكِ النَّاسِ في الخَمرِ، واستِخفَافِهم العُقوبةَ فيها، أنْ يَردَعُوهم عن مَا حَرَّمَ اللهُ عليهم، ولم يَجِدُوا في القُرآنِ حدًّا أقلَّ مِن حَدِّ القَذْفِ، فقَاسُوه عليه، وامتَثلُوه فيه. ومَا فَعلُوه فسُنَّةٌ مَاضِيَةٌ»(1014) .
هلْ خَالفَ عليٌّ السُّنَّةَ؟
ولِقَائلٍ أنْ يقولَ: إنَّ في الأخْذِ بقَولِ عليٍّ رضي الله عنه مُخالَفةً للحَدِّ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 450المُعيَّنِ قَبْلَ ذلك، وهو: أربَعونَ جَلْدةً!
والجَوابُ: أنَّ الحدَّ إنَّما هو إنْزَالُ العُقوبَةِ على مُعاقرِ الخَمرِ، وأمَّا تَحدِيدُها بأربَعِينَ جَلْدةً فلمْ يكنْ حدًّا. وإلى هذا الرَّأيِ ذَهبَ الغزاليُّ رحمه الله فيمَا قرَّرَه مِن أنَّ العِقَابَ جَرَى على سَنَنِ الاستِصْلاحِ تَحقِيقاً للمَصلَحةِ.
إذْ لمْ يُحدَّ للشُربِ مِقدَارٌ في الشَّرعِ، بل أُتيَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بشَاربٍ، فأمرَ حتى ضُرِبَ بالنِّعالِ وأطْرَافِ الثِّيابِ وحُثِيَ عليه التُّرابُ. فلمَّا آلَ الأمرُ إلى أبي بكرٍ رضي الله عنه قدَّرَ ذلك بأربَعِينَ، ورَآه قَرِيبًا ممَّا كانَ يأمرُ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم به، وحكمَ به عمرُ رضي الله عنه مُدَّةً.
ثمَّ تَوالَت عليه الكُتبُ مِن أطْرَافِ البِلادِ بتتَابُعِ النَّاسِ في الفَسادِ وشُربِ الخَمرِ واستِحقَارِ هذا القَدْرِ من الزَّجرِ!! فجَرَى مَا جَرَى في مَعرضِ الاستِصْلاحِ تَحقِيقًا لزَجرِ الفُسَّاقِ(1015) .
وهذا أمرٌ مَترُوكٌ لاجتِهَادِ الحَاكمِ ومَا يَرَاه مُناسِبًا مِن بَابِ السِّياسَةِ الشَّرعيَّةِ، «ولا يُقالُ: إنَّ السِّياسَةَ العَادِلةَ مُخالِفةٌ لمَا نَطقَ به الشَّرعُ! بلْ هي مُوافِقةٌ لمَا جَاءَ به، بلْ هي جُزءٌ مِن أجزَائِه. ونحن نُسمِّيها: (سِياسَة) تَبعًا لمُصطلَحِهم، وإنَّما هي (عَدْلُ) اللهِ ورَسُولِه صلى الله عليه وسلم ظَهَرَ بهذه الأمَارَاتِ والعَلامَاتِ»(1016) .
وقَد أشَارَ عليٌّ رضي الله عنه فيمَا
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 451وَرَدَ عنه مِن سَعَةِ الأمْرِ وأنَّ الكُلَّ جَائِزٌ، في قَولِه: «جَلَدَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أرْبَعِينَ، وأبُو بَكرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه وكَمَّلَها عمرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه ثَمانِينَ. وكُلٌّ سُنَّةٌ(1017) [وهذا أحَبُّ إليَّ(1018)(1019)
اعتِمَادُ الحَدِّ ثَمانِينَ مِن قَبيلِ مَاذا؟
قَد يُقالُ: هذا مِن قَبيلِ القِيَاسِ على حَدِّ القَاذفِ لقَولِ عليٍّ رضي الله عنه : «إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذَى، وإذا هَذَى افتَرَى»!
والجَوابُ: إنَّ إلحَاقَ هذا الحُكْمِ بالقِيَاسِ لا يتَجَاوبُ معَ ما قرَّرَه الأصُوليُّونَ في مَعنَى القِيَاسِ، مِن أنَّه تَعْدِيَةُ حُكْمٍ بعَينِه مِن محلِّ النَّصِّ إلى محلٍّ آخرَ، لعلَّةٍ هي المُوجِبةُ في محلِّ النَّصِّ.
فلتَعذُّرِ وُجُودِ هذا المَعنَى فيمَا نحن بصَدَدِ بَحثِه، ذلك أنَّ مُوجِبَ الثَّمانِينَ في القَذْفِ كَونُه جِنايةً على عِرْضِ الآخرِ، وليسَ في شُرْبِ الخَمرِ تَعرُّضٌ لعِرْضِ الآخرِ بحيثُ يتَحقَّقُ مِن وُجُودِه فيه حتى يُعتَبرَ بذلك عِلَّةً
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 452جَامِعةً.
لذا غَايةُ مَا في استِدلالِ عليٍّ رضي الله عنه أنَّه أنْزَلَ المَظِنَّةَ في مَنزِلَة المَئِنَّةِ جَرْيًا معَ عَادَةِ الشَّرعِ في كَثيرٍ مِن أحْكَامِه، منها أنَّه أقَامَ النَّومَ الذي هو مَظِنَّةُ خُروجِ الحَدَثِ مَقَامَ الحَدَثِ نَفْسِه. وأقَامَ تَغييبَ الحَشَفَةِ الذي هو مَظِنَّةُ نُزُولِ المَنيِّ مَنزِلَةَ حَقِيقَتِه(1020) .
فليسَ هذا قِيَاسًا بالمَعنَى الأصُوليِّ، وإنَّما هو استِصْلاحٌ مُلائِمٌ لعَادَةِ الشَّرْعِ، وحَمْلُه على مَا عُهِدَ مِن مَقاصدِه وأحْكَامِه. وإليه ذَهَبَ الغَزاليُّ (ت 505 هـ) رحمه الله فيمَا حَرَّرَه(1021) ، وانتَصرَ له الشَّاطبيُّ (ت 790 هـ) رحمه الله(1022) .
ممَّا يؤكِّدُ كونَه مِن بَابِ المَصلَحةِ لا القِيَاسِ أنَّ عليًّا أُتِيَ بقَيْسِ بنِ عَمرٍو الحَارثيِّ الشَّاعرِ المَشُهورِ بالنَّجاشيِّ(1023) وقد شَرِبَ الخَمْرَ في شَهْرِ رَمضان حتى سَكِرَ! فتَرَكَه حتى فَاقَ، ثُمَّ ضَربَه ثَمانِينَ جَلْدةً، ثمَّ حَبَسَه، ثمَّ أخرَجَه مِن الغَدِ فجَلدَه عِشرِينَ جَلدةً، وقَالَ له: «إنَّما
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 453جَلدْتُكَ هذه العِشرِينَ لجُرأتِكَ على اللهِ في رَمضَانَ، وإفطَارِكَ في رَمضَانَ»(1024)
المطلب السادس الحفاظ على المال
حَدُّ السَّرِقَةِ وحِفْظُ المَالِ:
دَعَتِ الشَّرِيعَةُ النَّاسَ إلى أنْ يَعمَلُوا ويَكتَسِبُوا لئلا يكونُوا عَالةً على المُجتَمعِ، وذلك أنَّ الإنْسَانَ متى لم يَجِدْ كَسْبًا صَالِحًا، انْحَدرَ إلى السَّرِقَةِ! لذا، اهتمَّت الشَّريعةُ الغرَّاءُ بحِفْظِ الأمْوَال التي فيها قِوَامُ حَياةِ المُجتَمعِ. فحرَّم الإسْلامُ كلَّ وَسيلةٍ تَستَحوِذُ على المَالِ بغَيرِ حقٍّ شَرعيٍّ. وحَرَّمَ جَمِيعَ أنوَاعِ التَّعدِّي على أمْوَالِ النَّاسِ، كالسَّرِقَةِ، والغَصْبِ، والنَّشْلِ، والإتْلافِ، والنَّهبِ، والاختِلاسِ، والابتِزَازِ، وتَبييضِ الأمْوَالِ... إلخ.
ولمَّا كانَ للسَّرِقَةِ ضَرَاوةٌ في نُفُوسِ البَعضِ، وَجَبَ فيها العُقُوبَةُ وغَرَامةٌ مِثْليَّةٌ. فلَزِمَ الحدُّ الجَازِمُ على مَن ثَبتَت عليه هذه الجَرِيمةُ. قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(1025) ﴾ .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
حُكْمُ التِقَاطِ ضَوالِّ الإبلِ:
تَعرِيفُها:
الضَّالَّة: هي الضَّائِعَة مِن كُلِّ ما يُقْتَنَى مِن الحَيَوان وغَيرِه. يُقَالُ: ضَلَّ الشَّيءُ إذا ضَاعَ. وضَلَّ عنِ الطَّرِيقِ إذا جَارَ. وتُجمَعُ على ضَوَالَّ. والضّالَّةُ مِن الإبلِ: التي تَبْقَى بمَضْيَعَةٍ بلا رَبٍّ يُعْرَفُ(1026) .
حُكْمُ التِقَاطِها:
سُئِلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن ضَالَّةِ الإبلِ، فغَضِبَ حتى احمرَّت وَجنتَاه، فقالَ: «ومَا لكَ ولَها؟ معَها سِقَاؤُها وحِذَاؤُها، تَرِدُ المَاءَ وتَرعَى الشَّجَرَ، فذَرْها حتى يَلْقَاها رَبُّها» . ولمَّا سُئِلَ عن ضَالَّةِ الغَنَمِ، قالَ: «لكَ أو لأخِيكَ أو للذِّئْبِ»(1027) .
فَرَّقَ الحَدِيثُ بينَ نَوعَينِ مِن الضَّوالِّ:
النَّوْعُ الأوَّلُ: الضَّوَالُّ التي تَحْمِي نَفْسَها، وتَقْدِرُ على الإبْعَادِ في طَلَبِ المَرْعَى والمَاءِ، كضَالَّةِ الإبلِ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 455والبَقَرِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: الضَّوَالُّ التي لا تَقْدِرُ على حِمَايَةِ نَفْسِها، وتَحتَاجُ إلى مَن يَرعَاهَا، كضَالَّةِ الغَنَمِ.
نَهَى النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم السَّائِلَ عنِ التِقَاطِ النَّوْعِ الأوَّلِ، وحَذَّرَه النَّارَ إِنْ تَعَرَّضَ لها. وأبَانَ عن الحِكْمَةِ مِن ذلك بكَونِها بَعِيدةَ المَذهَبِ في الأرضِ، طَوِيلةَ الظَّمَأ، تَرِدُ المَاءَ وتَرْعى دُونَ رَاعٍ يَحفَظُها، فلا تَعَرَّضْ لها ودَعْها حتى يَأتِيَها رَبُّها(1028) .
فالحَدِيثُ صَرِيحٌ في النَّهيِ عنِ التِقَاطِ الإبلِ الضَّالَّةِ، وهكذا كانَ الحُكْمُ في زَمَنِ أبِي بَكرٍ وعمرَ رضي الله عنهما إبلاً مُؤَبَّلةً، لا يَمَسُّها أحَدٌ. ثُمَّ في عَهْدِ أمِيرِ المُؤمنِينَ عثمانَ بنِ عفَّانَ رضي الله عنه أمرَ المُسلِمينَ بالتِقَاطِها، والتَّعرِيفِ بها، ثُمَّ تُبَاعُ ويُوضَعُ ثَمَنُها في بَيتِ المَالِ، فإذا جَاءَ صَاحِبُها أُعْطِيَ ثَمَنَها(1029) .
والمَقْصُودُ من صَنيعِ عُثمانَ رضي الله عنه حِفظُ حقِّ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 456الغيرِ، وسدُّ ذَرِيعَةِ التَّهاوُنِ بمُمتلكاتِ الآخَرينَ. والأمْرُ لمْ يكنْ بهذا الحُكْمِ إبَّانَ العَهْدِ النَّبوِيِّ، لقُوَّةِ الوَازعِ الدِّينِيِّ عندَ النَّاسِ.
أمَّا في عَهْدِ عليٍّ رضي الله عنه ، فقَد جَعَلَ لها بَيتًا خَاصًّا، يَحبِسُها فيه، ويُطعِمُها ويَسقِيها مِن بَيتِ المَالِ، إلى أنْ يَظْهرَ صَاحِبُها ويُثبِتَ أنَّها له، ونَهَى عنِ التِقَاطِها فقالَ: «لا تَأكُلِ الضَّالَّةَ إلا ضَالٌّ»(1030) .
عن سَعيدِ بنِ المُسيّبِ رحمه الله قالَ: «رَأيْتُ عليًّا رضي الله عنه بَنَى للضَّوَالِّ مِرْبدًا(1031) ، فكانَ يَعلِفُها عَلفًا لا يَسمُنُها ولا يَهزِلُها، مِن بَيتِ المَالِ. فكانَت تُشرِفُ بأعنَاقِها، فمَن أقَامَ بَيِّنةً على شَيءٍ أخَذَه، وإلا أقَرَّها على حَالِها، لا يَبِيعُها.
قالَ ابنُ المُسيّبِ: لو وُلِّيتُ أمْرَ المُسلِمينَ صَنَعْتُ هكذا»(1032) .
لا شَكَّ أنَّ هذا الفِعْلَ يُراعِي المَصلَحةَ التي لمْ يَعُدْ بالإمْكَانِ تَحقِيقُها بتَرْكِ الإبلِ على حَالِها، خَوْفًا مِن أنْ تَمتدَّ إليها يَدٌ غَيرُ أمِينَةٍ، فيَضِيعَ المَالُ على صَاحبِه. فاجْتَهدَ عليٌّ رضي الله عنه في تَحقيقِ المَصلَحةِ المَنشُودَةِ، وإنْ كانَ خَالفَ الحَدِيثَ ظَاهرِيًّا، ولمْ يَفعلْ مَا فَعَلَه سَلَفُه، ولكنَّه عَمِلَ على تَحقِيقِ الغَرَضِ مِن الحَديثِ، ووَافَقَ عثمانَ رضي الله عنه في وَجْهٍ وخَالفَه في آخرَ، مُراعَاةً لمَا سَادَ في زَمَانِه والبِيئَةِ التي كانَ يَعِيشُ فيها(1033) .
ولا يُقَالُ: إنَّ في العَمَلِ بالمَصلَحةِ هنا مُخالَفةً لشَرْطِ عَدَمِ مُخالَفَتِها للنَّصِّ! وإنَّما هو اجْتِهَادٌ في مَقصِدِ النَّصِّ ورُوحِه العَامَّةِ التي انطَلقَ على أسَاسِها، كمَا هو ظَاهِرٌ.
الرَّأيُ في
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
تَقْسِيمِ أرْضِ السَّوَادِ:
بَعْدَ أنْ فُتِحَت بِلادُ الرَّافِدَينِ والشَّامِ ومِصْرَ في عَهْدِ أميرِ المُؤمنِينَ عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه ، اختَلفَ الصَّحابةُ رضي الله عنهم في هذه الأرَاضِي التي فُتِحَت عَنْوَةً: ماذا يفعلونَ بها؟
أفتَى بَعضُهم أنْ تُخمَّسَ وتُوزَّعَ على المُقاتِلينَ، كمَا كانَ عليه الأمْرُ سَابِقًا. وهذا رَأيُ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ، وعمَّارِ بنِ يَاسرٍ، وبِلالِ بنِ رَباحٍ رضي الله عنهم في آخَرِينَ. مُستدلِّينَ بقَولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَاليَتامى وَالمَساكينِ وَابْنِ السَّبِيلِ(1034) ﴾ .
وبمَا صَنعَه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بعدَ أنِ افْتَتحَ خَيبرَ، وكانَت فَيْئًا، خَمَّسَها وقَسَّمَها بينَ المُسلِمينَ الفَاتِحينَ(1035) .
إلا أنَّ نَظْرةَ سيِّدِنا عمرَ رضي الله عنه كانَت لها تَطلُّعاتٌ أخرَى تَحفَظُ الدَّولةَ وأركَانَها، فأفتَى أنْ لا يُسلَكَ بهَا مَسْلكَ الغَنائمِ، بلْ تُوقَفُ وتُترَكُ بأيدِي أهلِها، ويُوظَّفُ الخَراجُ عليها، فتكونُ مَادَّةً خَصْبةً للمُسلِمينَ، تُسَدُّ بهَا الثُّغورُ، ويُرزَقُ منها القُضَاةُ والعُمَّالُ والجُنْدُ والأرَامِلُ واليتَامَى والمُحتَاجُونَ، ويَنتَفِعُ بها أوَّلُ المُسلِمينَ وآخِرُهم.
قالَ عمرُ رضي الله عنه «لولا آخِرُ المُسْلِمينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيةً إلا قسَّمتُها
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 458بين أهْلِها كمَا قسَّمَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم خَيْبرَ»(1036)
هذا، وإنْ كانَت هذه الفَتوَى أخَذَتِ الطَّابِعَ العُمَريَّ وعُرِفَت به، إلا أنَّ جَمْعًا مِن الصَّحابةِ رضي الله عنهم أشَارَ على أميرِ المُؤمنِينَ عمرَ رضي الله عنه بهذا الرَّأيِ، كانَ في مُقدِّمَتِهم: عثمانُ، وعليٌّ، ومعاذُ بنُ جَبلٍ، وطلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ، وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ رضي الله عنهم ، وآخَرُونَ.
دَلِيلُهم في ذلك:
العَمَلُ برُوحِ الشَّرِيعَةِ وتَطلُّعَاتِها المَقاصديَّةِ، فيمَا كانَت تَصبُو إليه، مِن مُلاحَظَةِ المَصلَحةِ العَامَّةِ للدَّولَةِ، ومُنشآتِها، وأركَانِها، وكَيفيَّةِ المُحافَظةِ عليها، وعلى الرَّعيَّةِ، يَعضُدُهم في فَهْمِهم قَولُ اللهِ تعالى: ﴿ وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ وَلَـكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ مَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَاليَتامى وَالمَساكينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَي لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهاكُم عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(1037) ﴾ .
وقالَ عليٌّ لعمرَ رضي الله عنهما: «دَعْهم يكُونُوا مَادَّةً للمُسلِمينَ»، فتَرَكَهم عمرُ رضي الله عنه(1038) .
بذلك
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 459يكونُ عليٌّ رضي الله عنه قَدِ اعتَبرَ الأرَاضِي المَفتُوحةَ عَنْوةً مِن أرَاضِي سَوادِ العِرَاقِ وغَيرِها مِلْكًا عَامًّا للمُسلِمينَ جَمِيعًا، واعتَبرَ القَائمِينَ على زِراعَتِها وخِدْمَتِها مُستأجِرينَ لها بمَبلَغٍ مُعيَّنٍ يدفَعُونَه كلَّ عَامٍ، يُسمَّى: (الخَراجَ)(1039)
وعندَما أسْلمَ دِهْقانٌ(1040) على عَهْدِ عليٍّ رضي الله عنه ، قالَ له: «إنْ أقَمْتَ في أرْضِكَ رَفَعْنَا عنكَ جِزْيةَ رَأسِك(1041) ، وأخَذْنَاها مِن أرضِكَ. وإنْ تَحوَّلتَ عنها فنحنُ أحقُّ بها»(1042) .
وفي رِوَايةٍ أنَّه قالَ له: «أمَّا جِزيَةُ رَأسِك فنَرفَعُها، وأمَّا أرضُكَ فللمُسلِمينَ. فإنْ شِئتَ فَرَضْنَا لك، وإنْ شِئْتَ جَعلْناَك قَهرَمانًا(1043) لنا،
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 460فمَا أخرجَ اللهُ منها مِن شَيءٍ أتَيْتَنا به»(1044)
الدَّلالةُ الأصُوليَّةُ:
سَارَ الفَرِيقُ الأوَّلُ معَ النَّصِّ، وبَنَوا فَتوَاهم على ظَاهرِ الآيَةِ.
وفي المُقَابلِ نَظَرَ أصْحَابُ الفَرِيقِ الثَّانِي –بمَن فيهم عليٌّ رضي الله عنهم - إلى رُوحِ الشَّرِيعَةِ ومَبادِئها العَامَّةِ على ضَوءِ المَصلَحةِ العَامَّةِ المُتَضمِّنَةِ لدَرْءِ المَفْسَدةِ المُترَتِّبَةِ على تَقسيمِ الأرَاضِي، ومُراعَاةِ شُؤونِ الثُّغورِ والذَّرارِي، وعَدَمِ الخُلودِ إلى الأرضِ، والالتِهَاءِ بهَا عن الجِهَادِ في سَبيلِ اللهِ والذَّوْدِ عن حِيَاضِ هذا الدِّينِ، وحِفْظِ بَيضَةِ المُسلِمينَ.
هذا مَا حَدا بالمُهاجرِينَ والأنصَارِ أنْ يُعِيدُوا النَّظرَ في المَسألَةِ وأبعَادِها، ويتَمعَّنوا في النُّصُوصِ ودَلالتِها، حتى قَالُوا: «الرَّأيُ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 461رَأيُكَ، فنِعمَ مَا قُلتَ ومَا رَأيتَ. إنْ لم تَشْحَنْ هذه الثُّغورَ وهذه المُدُنَ بالرِّجالِ، وتُجرِ عليهم ما يتَّقونَ به؛ رَجَعَ أهلُ الكُفْرِ إلى مُدُنِهم»(1045)
وفي هذا دَلِيلٌ على جَوَازِ تَغيُّرِ الأحْكَامِ بِناءً على تَغيُّرِ الأزْمَانِ تَبَعًا لعِلَلِها.
** *
المبحث الثالث العُرْفُ
ويَشتمِلُ على ثَلاثةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلَبُ الأوَّلُ: العُرْفُ في الشَّرِيعَةِ الإسلاميَّةِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: مُراعَاةُ الأحْكَامِ بتَبدُّلِ الزَّمانِ والمَكَانِ.
المَطلَبُ الثَّالِثُ: نَماذِجُ تَطبيقيَّةٌ.
المطلب الأول العرف في الشريعة الإسلامية
أوَّلاً- تَعرِيفُهُ:
مَا استَقرَّتْ عليه النُّفُوسُ بشَهَادَةِ العُقُولِ وتَلقَّتْه الطَّبَائِعُ السَّلِيمَةُ بالقَبُولِ(1046) .
وقيلَ في تَعرِيفِهِ: مَا اعتَادَه النَّاسُ وسَارُوا عليه، مِن كُلِّ فِعْلٍ شَاعَ بينَهم، أو قَولٍ تَعَارَفُوا إطْلاقَه على مَعنَى خَاصٍّ لا تَألفُه اللُّغَةُ، ولا يَتبَادَرُ غَيرُه عندَ سَماعِه(1047) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وبعِبَارَةٍ مُختَصَرةٍ، هو: «عَادَةُ جُمهُورِ قَومٍ في قَولٍ أو فِعْلٍ»(1048) .
ثَانِيًا- حُجيَّتُهُ:
العُرْفُ الصَّحِيحُ -لَفظِيًّا كانَ أو عَملِيًّا- يُلائِمُ حَاجَاتِ النَّاسِ المُتجَدِّدَةَ المُتطَوِّرَةَ، ويَدفَعُ الحَرَجَ عنهم. ثُمَّ يكونُ نِظَامًا حَاكِمًا تَدُورُ به وعليه عَجَلَةُ المُعامَلاتِ بينَ النَّاسِ، ويَكشِفُ عن مَعانِي كَلامِهم ومَرَامِيه، فتَستَنِيرُ به مَحجَّةُ القَضَاءِ في بَيَانِ الحُقُوقِ والالتِزَامَاتِ(1049) .
رَاعَتِ الشَّرِيعَةُ بَعضَ الأعْرَافِ العَربيَّةِ التي كانَت سَائِدةً في الوَسَطِ الجَاهليِّ، وهي لا تُخَالِفُ بجَوهَرِها مَبادِئَ الشَّرْعِ وقَوَاعِدَه العَامَّةَ، كإيجَابِ الدِّيَةِ في القَتْلِ الخَطَأ على العَاقِلَةِ، واللهُ تعالى يقولُ: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الجاهِلينَ(1050) ﴾ .
فالأخْذُ بالعُرْفِ عَمَلٌ بالمَصلَحةِ في بَعضِ وُجُوهِها، ويُستفَادُ منه في تَفْسيرِ النُّصُوصِ، وتَخْصِيصِ العَامِّ، وتَقييدِ المُطلَقِ، ويُؤخَذُ بمُقتَضَاه في مَجَالِ الاجْتِهَادِ في القَضَايَا الطَّارِئَةِ، لذلك قِيلَ:
| والعُرْفُ في الشَّرْعِ له اعتِبَارُ | لذَا عليه الحُكْمُ قَد يُدَارُ(1051) ( 1051 ) |
|---|
وكُلُّ مَا وَرَدَ به الشَّرْعُ مُطلقًا ولا ضَابِطَ له فيه ولا في اللُّغَةِ، يُرجَعُ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 463فيه إلى العُرْفِ، كالحِرْزِ في السَّرِقَةِ(1052) وقَد أحَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم على العُرْفِ فيمَا ليسَ فيه تَحدِيدٌ شَرعِيٌّ، في قَولِه لهندٍ بنتِ عُتبةَ (ت 14 هـ) رضي الله عنها: «خُذِي مَا يَكفِيكِ ووَلدَكِ بالمَعرُوفِ»(1053) في الحَدِيثِ دَلالَةٌ صَرِيحَةٌ على اعتِبَارِ العُرْفِ في تَقْدِيرِ النَّفقَةِ حيثُ لمْ يَردْ نَصٌّ بتَقْدِيرِها.
ثَالِثًا- شُرُوطُ العَمَلِ به:
يُعتَبرُ العُرْفُ مَصْدَرًا تَشرِيعيًّا بشُرُوطٍ، هي(1054) :
أنْ يكونَ العُرْفُ عَامًّا أو غَالِبًا، مُستَفِيضًا بينَ النَّاسِ، حتى قِيلَ: «العِبرَةُ للغَالبِ الشَّائعِ لا للنَّادرِ». أنْ يكونَ العُرْفُ مُطَّرِدًا أو أكْثَرِيًّا. أنْ يكونَ العُرْفُ مَوجُودًا عندَ إنْشَاءِ التَّصرُّفِ. أنْ يكونَ العُرْفُ مُلِزمًا، أيْ: يتَحتَّمُ العَمَلُ بمُقتَضَاه في نَظَرِ النَّاسِ. أنْ لا يُعارِضَه تَصرِيحٌ بخِلافِه. أنْ لا يُخَالِفَ العُرْفُ دَلِيلاً شَرْعِيًّا مُعتَمدًا.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الثاني مراعاة الأحكام بتبدل الزمان والمكان
أوَّلاً- تَوصِيفُ الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ:
الأحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ باعْتِبَارِ ثَبَاتِها وتَغيُّرِها، تَنقَسِمُ إلى قِسمَينِ اثْنَينِ، هما(1055) :
القِسْمُ الأوَّلُ: أحْكَامٌ ثَابِتَةٌ لا تَتغيَّرُ عن حَالَةٍ وَاحِدةٍ هي عليها، ولا تتَبدَّلُ وإنِ اخْتلَفَ عُنصْرُ الزَّمَانِ والمَكَانِ والحَالِ، ثَبتَتْ بأدِلَّةٍ قَطعِيَّةٍ فلا مَجَالَ للاجْتِهَادِ فيها. مثل: وُجُوبُ الوَاجِبَاتِ، وتَحرِيمُ المُحرَّمَاتِ، والحُدُودُ المُقدَّرَةُ في نِصَابِ الشَّرْعِ... إلخ.
القِسْمُ الثَّانِي: أحْكامٌ خَاضِعَةٌ للمَصلَحةِ في مُتغيِّرَاتِ البِيئَةِ والأعْرَافِ والأحْوَالِ، وهي لم يَرِدْ فيها نَصٌّ قَطعِيٌّ. مثل: مَقَادِيرُ التَّعزِيرَاتِ، وأنْوَاعٌ مِن المُعَامَلاتِ... إلخ. فهذه يُحكَمُ فيها بلِحَاظِ مُتعلِّقَاتِها، ولا بُدَّ مِن مُرَاعَاةِ الضَّوَابطِ الآتِيَةِ:
ثَانِيًا- ضَوَابِطُ تَغيُّرِ الحُكْمِ:
الأحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ ثَابِتَةٌ لا تَتغيَّرُ لانْقِطَاعِ الوَحيِ بمَوْتِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم. وإنَّما الذي يَحدثُ هو أنْ يتَغيَّرَ الاجْتِهَادُ اعتِمَادًا على أصُولٍ شَرعيَّةٍ وعِلَلٍ مَرْعِيَّةٍ. تَغيُّرُ الاجْتِهَادِ لا يكونُ بحَسَبِ الأهْوَاءِ وتَتبُّعِ الرُّخَصِ، وإنَّما
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
هي أمُورٌ تَطرَأ تَدعُو المُجتَهِدَ إلى إعَادَةِ النَّظَرِ في مَداركِ الأحْكَامِ. تَغيُّرُ الحُكْمِ بالمَسْألَةِ مَقصُورٌ على المُجتَهدِينَ، وليسَ بَابًا مَفْتُوحًا لكُلِّ أحَدٍ(1056)
ثَالِثًا- مَوقِفُ عليٍّ مِن العُرْفِ:
وَزَرَ عليٌّ رضي الله عنه لجَميعِ الخُلفاءِ الرَّاشدِينَ الذين سَبقُوه بالحُكْمِ، فكانَ خَيْرَ مُشيرٍ عليهم بمَا فيه النَّفْعُ والصَّالِحُ العَامُّ، والحَقُّ والصَّوابُ. ومَا ثَبتَ يَومًا أنَّ الخُلفاءَ رضي الله عنهم تَأخَّرُوا عن العَمَلِ بنَصِيحَتِه، ومَا أدْلَى عليهم مِن دَقيقِ إشَارَتِه.
وكانَ مِن شَأنِه بعدَ أنْ صَارَتِ الخِلافةُ بيَدِه، والرَّعيَّةُ تحتَ إمْرَتِه أنْ سَارَ بهم السِّيرَةَ التي مَا فَتِئَ يُرشِدُ الخُلفاءَ إليها. غَيرَ أنَّ لعَامِلِ الزَّمَانِ والمَكانِ مَجالاً وَاسِعًا في إعَادَةِ النَّظَرِ في كَثيرٍ مِن المَسائلِ التي بَتَّ الحُكْمَ فيها، حتى عُرِفَ عنه قَولُه: «لو أتَانِي الذي أتَى ابنَ أمِّ عَبدٍ رضي الله عنه لرَضَخْتُ رَأسَه بالحِجَارةِ. إنَّ ابنَ مَسعُودٍ لا يَدرِي مَا حَدَثَ بَعدَه»(1057) .
إنَّ لاخْتِلافِ البِيئَاتِ أثَرًا في اختِلافِ الأحْكَامِ، حيثُ يُعَدُّ مَلحَظُ الوَاقعِ مِن أهمِّ المَلاحظِ التي لاحظَها عليٌّ رضي الله عنه وبَنَى عليها أحْكَامَه. ذلك أنَّ دِرَاسةَ الوَاقعِ الإنسَانيِّ، والإحَاطةَ به، يُعدُّ أمْرًا هَامًّا في عَمليَّةِ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 466الاجتِهَادِ، إذِ الحُكْمُ على الشَّيءِ فَرْعٌ عن تَصوُّرِه، فكلَّما كانَ الفَهمُ لطَبِيعَةِ الوَاقعِ وإدْرَاكِه بجَمِيعِ حَيثيَّاتِه وأبْعَادِه، والوُقُوفِ على مُعطَياتِه، وتَسَارُعِ أحْدَاثِه وقَضَاياه، وعَواملِ نُموِّهِ وازْدِهَارِه، ومَكامنِ الضَّعفِ فيه... إلخ قَرِيبًا مِن الصَّوابِ، كانَ تَطبِيقُ الأحْكَامِ، وتَحقِيقُ مَرامِيها نَتِيجةً لذلك أكْثرَ دِقَّةً ووَاقعيَّةً، وألصْقَ بمَقاصدِ الشَّريعَةِ.
فمَعرِفَةُ النَّاسِ أصْلٌ يَحتَاجُ إليه المُجتَهِدُ، وإلا أفْسَدَ أكْثرَ ممَّا أصْلَحَ، فعليه أنْ يكونَ عَالِمًا بالأمْرِ والنَّهيِ، وطَبَائِعِ النَّاسِ وعَوَائدِهم وأعْرَافِهم، والمُتغيِّرَاتِ الطَّارِئَةِ في حَيَاتِهم، لأنَّ الحُكْمَ يتَغيَّرُ بتَغيُّرِ الزَّمَانِ والمَكَانِ والعَوَائدِ والأحْوَالِ(1058) .
نَتِيجَةً لذلك هَمَّ عليٌّ رضي الله عنه أنْ يُقسِّمَ سَوادَ العِرَاقِ بينَ أفْرَادِ جَيْشِه، ولكنَّه خَشِيَ عليهم الدُّنيَا أنْ تَدخُلَ قُلوبَهم، فيَضرِبَ بَعضُهم رِقَابَ بَعضٍ، فقالَ: «لولا أنْ يَضرِبَ بَعضُكم وُجُوهَ بَعضٍ، لقَسَمْتُ السَّوادَ بينَكم»(1059) .
وقَدِ استَحضَرَ عليٌّ رضي الله عنه أهمِّيَّةَ العُرْفِ في حَياةِ النَّاسِ وبِنَاءِ مُجتمَعاتِهم، وارْتِكَازِهم عليه في شُؤونِهم اليَوميَّةِ وحَاجَاتِهم الحَياتيَّةِ، فلم يَغِبْ عن مَنظُومَتِه الاجتِهَاديَّةِ ومِنهَاجِه الأصُوليِّ، بلْ رتَّبَ عليه أحْكَامًا عَمليَّةً، ومَسَائلَ فِقهيَّةً.
حتى بَرَزَ عندَه مَا عُرِفَ لاحِقًا بنَصِّ القَاعِدَةِ الأصُوليَّةِ: تَتغيَّرُ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 467الأحْكَامُ تَبَعًا لتَغيُّرِ الزَّمانِ والمَكانِ، وهذا مَا لَمسْنَاهُ في مَسألَةِ التِقَاطِ ضَالَّةِ الإبلِ(1060)
وهذا في الجُملةِ يدلُّ على مُرونَةِ الشَّرِيعَةِ الإسلاميَّةِ، وأنَّها صَالِحَةٌ ومُصلِحَةٌ – في آنٍ- لكلِّ زَمانٍ ومَكانٍ، وأنَّه لا يَقِفُ في وَجهِ تَقدُّمِها وتَطوُّرِها ومُواكَبتِها لعَصْرِها وأنَاسِها أيُّ حَداثةٍ أو مَدنيَّةٍ.
كمَا أنَّ ذلك لم يَمنَعْه مِن مُراجَعةِ أحْكَامِه وإعَادَةِ النَّظَرِ فيها، فلَعلَّ عُرْفًا مَا قَد تَغيَّر، فلا بُدَّ مِن أنْ يُعِيدَ النَّظَرَ في اجتِهادَاتِه، ليَكُونَ بها أقْرَبَ مَا يكونُ إلى الصَّوابِ الذي يَرجُوه.
فالوَاجِبُ إذًا على المُجتَهِدِ أنْ يَستَصْحِبَ في أحْكَامِه الأصُولَ الكُلِّيَّةَ، والعِلَلَ الشَّرْعِيَّةَ، والمَصَالِحَ المَرْعِيَّةَ، التي تَكشِفُ عن مُرَادِ اللهِ ومُرَادِ رَسُولِه صلى الله عليه وسلم، في كُلِّ بِيئَةٍ بحَسَبِها.
المطلب الثالث نماذج تطبيقية
هَلْ يَنعَقِدُ الإيلاءُ في المَصلَحةِ؟
الإيلاءُ: الحَلِفُ على تَرْكِ الجِمَاعِ في الفَرْجِ أربَعةَ أشهرٍ فصَاعِدًا في وَقْتٍ يَحِلُّ له الوَطْءُ فيه إضْرَارًا بالزَّوجَةِ(1061) قالَ اللهُ تعالى: ﴿ لِّلَّذِينَ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 468يُؤْلُونَ مِن نِّسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِن فاءوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(1062) ﴾
قالَ رَجُلٌ لزَوجَتِه: أرْضِعي ابنَ أخِي معَ ابنِك! فقالَت: مَا أستَطِيعُ أنْ أرضِعَ اثنَينِ! فحَلَفَ أنْ لا يَقرَبَها حتى تَفطِمَه. فلمَّا فَطمَتْه مَرَّ به على المَجلسِ، فقالَ له القَومُ: حَسنًا ما غَذوتُموه.
قالَ: إنِّي حَلَفْتُ أنْ لا أقْرَبَها حتى تَفطِمَه! فقالَ له القَومُ: هذا إيلاءٌ!
فأتَى عليًّا رضي الله عنه ، فاستَفْتَاهُ، فقالَ: «إنْ كنتَ فَعَلْتَ ذلك غَضَبًا، فلا تَصلحُ لك امرَأتُك، وإلاَّ فهي امرَأتُك»(1063) . وفي رِوَايَةٍ: «إنَّما أرَدْتَ الخَيرَ، وإنَّما الإيلاءُ في الغَضَبِ»(1064) .
انطِلاقًا مِن قَاعِدَةِ العُرْفِ، يَرَى عليٌّ رضي الله عنه أنَّ الأيْمَانَ مَبنِيَّةٌ على الأعْرَافِ لا على الحَقَائقِ اللُّغوِيَّةِ، لذَا فمَدَارُ اليَمينِ على نِيَّةِ صَاحبِه حَسبَ عُرْفِ بَلدِه في التَّكلُّمِ.
بِنَاءً عليه، مَن حَلَفَ ألاَّ يَقرَبَ امرَأتَه لمَصلَحتِها أو لمَصلَحةِ وَلَدِه، فلا يُعتَبرُ إيلاءً عندَ عليٍّ رضي الله عنه لأنَّ الإيلاءَ على نَقيضِ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 469المَصلَحةِ، إنَّما يُقصَدُ به الإضْرَارُ بالزَّوجَةِ! بخِلافِ هذا المَوردِ. وقالَ: «ليسَ في الإصْلاحِ إيلاءٌ»(1065)
فقَد غَفَلَ عن هذا المَلحَظِ القَومُ المُشَارُ إليهم آنِفًا، إذْ حَمَلُوا كَلامَ الرَّجُلِ على المُرَادِ اللُّغويِّ دُونَ أنْ يَلتَفِتُوا إلى مَقصدِه! وتَنبَّه له عليٌّ رضي الله عنه .
تَعلِيقُ مَبْدَأ السَّترِ في الحُدودِ:
في مُجتَمعٍ يَنعمُ بالسَّكينَةِ والطُّمأنينةِ، ويشعرُ أهلُه فيه بنُورِ الإيمَانِ في قُلوبِهم يَقِيهم فِتَنَ الشَّهواتِ والشُّبهاتِ. في ظِلالِ هذا المُجتَمعِ يُعتَبرُ السَّترُ على صَاحبِ المَعصِيَةِ هو الأنْجَحُ، هذا ما نَلمَسُه في عَهْدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وأبي بكرٍ وعمرَ وعثمانَ رضي الله عنهم وشَطْرٍ مِن خِلافَةِ عليٍّ رضي الله عنه ، حيثُ كانَ السَّتْرُ هو الأوْلَى.
وإذْ بالذِّمَمِ قَد فَسَدَت، والضَّمائِرُ قَدِ انْكفَأت، فلم يَرَ عليٌّ رضي الله عنه في عَهدِه مُبرِّرًا للسَّتْرِ، ورَأى أنَّ العُقوبةَ هي الأولَى والأصْلَحُ للمُجتَمعِ، حيثُ نَظَرَ فوَجَدَ أنَّ الفَسَادَ في عَصرِه قَد فَشَا لبُعْدِ النَّاسِ عن عَهْدِ النُّبوَّةِ، ومَهبَطِ الوَحيِ، ومَعالمِ النُّورِ المُتجَسِّدِ في رُبوعِ مكَّةَ والمَدِينَةِ.
فكانَ عليٌّ رضي الله عنه يُحذِّرُ النَّاسَ مِن الكَلامِ في المُوبِقَاتِ المُوجِبَةِ للحُدودِ، ويتَوعَّدُ مَن يُشِيعُها بالعُقوبَةِ، لأنَّ الكَلامَ فيها يُرَسِّخُها في النُّفوسِ الضَّعِيفَةِ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
لذلك يقولُ عليٌّ رضي الله عنه : «مَن أشَاعَ الزِّنَى نُكِّلَ وإنْ صَدَقَ»(1066) . أيْ: مَن أشْهَرَ الحَدِيثَ حَوْلَ الزِّنَى، وغَدَا يُعدِّدُ الزُّناةَ وأخبَارَهم، كأنَّه يُهوِّنُ مِن شَأنِه! عُذِّبَ أشدَّ العَذابِ. وقالَ فيمَن قالَ للرَّجُلِ: يَا خَبِيثُ، يَا فَاسِقُ: «هُنَّ فَواحِشُ، وفِيهنَّ عُقوبةٌ، ولا يَقولُهنَّ فيتَعوَّدُهنَّ(1067) » .
يُستَفَادُ مِن هذه القَضيَّةِ مَا يَلِي:
عَمِلَ عليٌّ رضي الله عنه في بِدَايَةِ عَهدِه بمَبدَأ السَّتْرِ في العُقوبَةِ. رَأى عليٌّ رضي الله عنه بعدَ أن أُشِيعَتِ الفَاحِشَةُ أنَّ إقَامةَ الحَدِّ هو الأوْلَى. لطَالَما كانَ عليٌّ رضي الله عنه يُحذِّرُ مِن الأفْعَالِ والأقْوَالِ غَيرِ المُنضَبِطَةِ بالشَّرْعِ الحَنِيفِ. اعتِمَادُ العُرْفِ مَصدَرًا مِن مَصادرِ الأحْكَامِ الشَّرعيَّةِ، ومُراعَاةُ أثَرِ تَغييرِه في تَبدُّلِ الحُكْمِ.
كانَ العَمَلُ بمَبدَأ السَّتْرِ في الحُدودِ في زَمَنٍ مُعيَّنٍ هو الأوْلَى، ثمَّ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 471تَغيَّرَ هذا الحُكْمُ بِناءً على العُرْفِ ومَا هو حَاصِلٌ فيه للنَّاسِ.
إذًا، مَا رَآه عليٌّ رضي الله عنه هو الصَّوابُ خَشْيةَ أنْ تُنتَهكَ المَحارِمُ، ويَتفلَّتَ المُجتَمعُ مِن ضَوابطِ الشَّرْعِ الحَنِيفِ، فتَفشُو الرَّذِيلَةُ، وتَعُمُّ الفَاحِشةُ، ويُجاهَرُ بالمَعصِيَةِ.
تَقلِيصُ العَمَلِ بدَرْءِ الحُدودِ بالشُّبهَاتِ:
لمَّا كانَت حَاضِرَةُ الإسْلامِ ودَولةُ الخِلافَةِ حيثُ نُورُ النُّبوَّةِ ووَحيُ السَّماءِ. ولمَّا كانَ النَّاسُ قَرِيبِي عَهْدٍ بالرِّسَالَةِ، يَتفيَّأونَ ظِلالَ الهَدْيِ المُحمَّديِّ، كانَ الخُلفَاءُ الرَّاشِدونَ الثَّلاثةُ الأُوَلُ يأخُذونَ بدَرْءِ الحُدودِ بالشُّبهَاتِ، خَاصَّةً الزِّنَى بشُبهَةٍ.
ولمَّا بَعُدَت عَاصِمةُ الخِلافَةِ خَارجَ نِطَاقِ الحِجَازِ إلى الكُوفةِ في العِرَاقِ. إذا بالنَّاسِ قَد تَغيَّرَت أحْوالُهم لبُعدِهم عن مَهبطِ الوَحيِ، وإقْبَالِهم على مَلذَّات الدُّنيَا، إلى حَدِّ التَّحايُلِ على الدِّينِ والشَّرْعِ!! وتَهاوُنِهم في الأخْذِ بالحَرَامِ بينَهم..!
كانَ لا بُدَّ لعليٍّ رضي الله عنه مِن مَوقفٍ حاسمٍ تُجَاه هؤلاءِ يتجلَّى في مُكافَحةِ الجَرِيمَةِ، بُغيةَ تَحقِيقِ الأمْنِ والاستِقْرارِ في المُجتَمعِ. إذًا لا بُدَّ مِن تَقليصِ العَمَلِ بإسْقَاطِ الحَدِّ بالشُّبَهِ.
إسْقَاطُ شُبهَةِ المِلْكِ ولُزومُ الحَدِّ:
عَمَلاً منه بالأصْلِ، كانَ عليٌّ رضي الله عنه في أوَّلِ خِلافَتِه يأخذُ بشُبهَةِ المِلْكِ، فَلا يَحُدُّ فَاعِلاً. أُتِيَ برَجُلٍ عَجَّلَ، فأصَابَ وَلِيدةً مِن الخُمْسِ! قالَ:
ظَنَنْتُ أنَّها لي! فقالَ عليٌّ رضي الله عنه «إنَّ له فِيها حقًّا»(1068) فلم يَجلِدُه ولم يَحُدَّه مِن أجْلِ الذي له فيها.
ولكنْ بعدَ مُدَّةٍ مِن خِلافَتِه، شَاعَ الفَسَادُ بينَ النَّاسِ، فقلَّلَ مِن الأخْذِ بالشُّبَهِ، «فقَد أقَامَ حَدَّ الزِّنَى على رَجُلٍ، لأنَّه وَقعَ على جَارِيَةٍ مِن الخُمْسِ»(1069) ، برَغمِ مَا له مِن حَقٍّ فيها.
معَ العِلْمِ بأنَّ عبدَ اللهِ بنَ مَسعُودٍ رضي الله عنه اعتَبرَ تلك الشُّبهَةَ مُسقِطةً للحَدِّ، ونَصحَ الفَاعِلَ بالسَّتْرِ على نَفْسِه! فبَلغَ عليًّا رضي الله عنه أنَّ رَجُلاً أتَى ابنَ مسعودٍ رضي الله عنه ، فقالَ: إنِّي وَقعْتُ على جَارِيَةِ امرَأتِي. فقالَ ابنُ مسعودٍ رضي الله عنه : «قَد سَترَ اللهُ عليك، فاستَتِرْ».
قالَ عليٌّ رضي الله عنه مُعلِّقًا على ذلك: «لو أتَانِي الذي أتَى ابنَ أمِّ عبدٍ لرَضَخْتُ رَأسَه بالحِجَارَةِ. إنَّ ابنَ مَسعُودٍ لا يَدرِي مَا حَدَثَ بَعدَه»(1070) .
يُستَنبَطُ مِن هذه القَضيَّةِ مَا يَلِي:
احْتِرَامُ عليٍّ رضي الله عنه وهو أمِيرُ المُؤمنِينَ لاجتِهَادِ فُقهَاءِ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم وعَدمُ نَقْضِه إيَّاها، لأنَّ الاجتِهَادَ لا يُنقَضُ بمِثْلِه، وإنَّما أبدَى تَحفُّظَه على ذلك. مُتابَعةُ الحُكْمِ للعُرْفِ، ومُلاحَظةُ الفَقِيهِ مُجرَياتِ الأحْدَاثِ.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فابنُ مَسعودٍ رضي الله عنه كانَ مُعتَكِفًا في المَسجدِ يُفتِي النَّاسَ ويُعلِّمُهم(1071) أمَّا عليٌّ رضي الله عنه فكانَ أكثرَ اخْتِلاطًا بهم مِن ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه يُمكِنُه أنْ يَرَى مَدَى تَأثيرِ الدُّنيَا عليهم.
** *
المبحث الرابع سد الذرائع
ويَشتمِلُ على ثَلاثةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلَبُ الأوَّل: مَضْمونُ سَدِّ الذَّرَائعِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: مَوقِفُ عليٍّ مِن سَدِّ الذَّرَائعِ.
المَطلَبُ الثَّالِثُ: نَماذِجُ تَطبيقيَّةٌ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الأول مضمون سد الذرائع
أوَّلاً- حَقِيقَةُ سَدِّ الذَّرَائعِ:
المَعنَى اللُّغوِيُّ:
مُصطلَحُ سَدِّ الذَّرائعِ مُركَّبٌ إضَافِيٌّ مِن كَلِمتَينِ، تتَوقَّفُ مَعرِفَتُه على مَعرِفَةِ جُزأَيْهِ، فيَنبَغِي تَعرِيفُ كلِّ كَلِمَةٍ بمُفرَدِها قَبْلَ أنْ تُصبِحَ جُزْءًا مِن المُركَّبِ اللَّقبيِّ.
السَّدُّ: الحَاجِزُ والرَّدْمُ والإغْلاقُ(1072) الذَّرَائعُ: جَمْعُ الذَّرِيعَةِ، وهي: الوَسِيلَةُ إلى الشَّيءِ. وقَد تذَرَّعَ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فُلانٌ بذَرِيعَةٍ، أيْ: تَوسَّلَ بها. واستَذرَعَ به: جَعلَه وَسِيلَةً له(1073)
وتَأتِي لمَعَانٍ كَثِيرَةٍ تَرجِعُ إلى التَّحرُّكِ والامتِدَادِ(1074) .
فسَدُّ الذَّرَائعِ بهذا المَعنَى، هو: مَنْعُ الوَسَائلِ المُفضِيَةِ إلى شَيءٍ مَا.
المَعنَى الاصْطِلاحيُّ:
اتَّجَهَ العُلمَاءُ في التَّعرِيفِ بسَدِّ الذَّرَائعِ اتِّجَاهَينِ:
الاتِّجَاهُ الأوَّلُ: لَحْظُ المَعنَى اللُّغَويِّ ، فاكْتفَى أصْحَابُه بالمَدْلُولِ العَامِّ الذي يُتِيحُه المَعنَى اللُّغَويُّ للذَّرِيعَةِ. وعَرَّفُوا هذا المُصطلَحَ بأنَّه: مَنْعُ الوَسِيلَةِ إلى الشَّيءِ(1075) .
الاتِّجَاهُ الثَّانِي: لَمْحُ المَعنَى الاصْطِلاحيِّ الذي تَواضَعَ عليه أهْلُ الفَنِّ، وجَعلُوا المَعنَى اللُّغَويَّ مُستنِدًا للمَعنَى الاصْطِلاحيِّ، وخَصَّصُوا عُمومَه بقَصْرِ الذَّرِيعَةِ على مَا تُؤدِّي إلى مَحظُورٍ. وعَرَّفُوا الذَّرِيعَةَ بأنَّها: مَا ظَاهِرُه مُبَاحٌ ويُتوصَّلُ به إلى مُحرَّمٍ(1076) .
فالتَّذرُّعُ يتَناوَلُ سَائِرَ مَا يتَعلَّقُ بالتَّصرُّفَاتِ المَأذُونِ بها في الأصْلِ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 476والتي تَرجِعُ إلى نَوعَينِ:
التَّصرُّفَاتُ القَولِيَّةُ. التَّصرُّفَاتُ الفِعْلِيَّةُ.
ثَانِيًا- أهمِّيَّةُ العَمَلِ بسَدِّ الذَّرَائعِ(1077) :
بُنِيَتِ الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ على الاحْتِيَاطِ والأخْذِ بالجَزْمِ والحَزْمِ ممَّا عسَى أنْ يكونَ طَرِيقًا إلى مَفْسَدةٍ(1078) . فلا بُدَّ مِن النَّظَرِ في مَآلاتِ الأفْعَالِ، وهو مَبدَأ مُعتَبرٌ ومَقْصُودٌ شَرْعًا(1079) . وهذا مَا يُعرَفُ بتَرتِيبِ الحُكْمِ على مُقتَضَى النَّتَائجِ.
لذا يُعتَبرُ هذا الأصْلُ حِصْنًا مَنِيعًا يَحفَظُ الحُقُوقَ الشَّرْعِيَّةَ لأصْحَابِها، لأنَّه يتَضمَّنُ حَسْمَ مَادَّةِ الوَسَائلِ المُفضِيَةِ إلى الفَسَادِ دَفْعًا له. فمتَى كانَ الفِعْلُ مُبَاحًا بنَفْسِه أو سَالِمًا مِن المَفْسَدةِ، إلا أنَّه وَسِيلَةٌ إليها، حُكِمَ عليه بالمَنْعِ، وتَرتَّبَ عليه حُكْمُ الغَايَةِ، حتى قَعَّدَ العُلمَاءُ هذه المَسألَةَ بقَولِهم: للوَسَائلِ أحْكَامُ المَقاصدِ، والغَايَةُ لا تُبرِّرُ الوَسِيلةَ.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الثاني موقف علي من سد الذرائع
اتَّخذَ عليٌّ رضي الله عنه مِن مَبدَأ سَدِّ الذَّرَائعِ أدَاةً لتَكيِيفِ الخُصُومَاتِ والحَوَادثِ، فنَظرَ إلى المُلابَسَاتِ الطَّارِئَةِ والعَوَارضِ المُقَارِنَةِ للنَّوَازلِ، ممَّا لمْ يكنْ مَوجُودًا في وَقتِ تَشرِيعِ الأحْكَامِ الأصْلِيَّةِ، ومِن أظْهَرِ التَّطبِيقَاتِ العَملِيَّةِ لهذا الأصْلِ إشَارَةُ عليٍّ على عمرَ رضي الله عنهما أنْ يَقتَصَّ لمَن اشْتَركَ في قَتْلِه جَمَاعةٌ، وقالَ له:
«أرَأيتَ لو أنَّ نَفَرًا اشتَركُوا في سَرِقَةِ جَزُورٍ: فأخَذَ هذا عُضْوًا وهذا عُضْوًا، أكُنتَ قَاطِعَهم؟».
قالَ: نعم.
فعَمِلَ عمرُ برأيِ عليٍّ رضي الله عنهما، وكَتبَ إلى عَاملِه أنِ اقْتُلْهما، فلَوِ اشتَركَ فيه أهْلُ صَنْعاءَ كلُّهم لقَتلتُهم(1080) .
الوَجْهُ مِن القَضيَّةِ: أنَّ الجَماعَةَ متى عَلِمَت «أنَّهم إذَا قَتَلُوا وَاحِدًا لمْ يُقتَلُوا به، لتَعَاوَنَ الأعْدَاءُ على قَتْلِ أعْدَائهِم بالاشْتِرَاكِ في قَتْلِهم، وبَلَغُوا الأمَلَ في التَّشَفِّي منهم!»(1081) .
مُنطلَقَاتٌ أخْرَى للعَمَلِ بسَدِّ الذَّرَائعِ:
لمْ يَقتَصِرِ العَمَلُ بالذَّرَائعِ عندَ عليٍّ رضي الله عنه على تَقيِيدِ دَائرَةِ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 478الإبَاحَاتِ والحُقُوقِ، بَلِ امتَدَّ العَمَلُ بها إلى دَائرَةِ العِبَادَاتِ، إذا خِيفَ أنْ تَكُونَ مَدعَاةً للانْقِطَاعِ عنها، أو سَببًا في مَفاسِدَ. يقولُ الشَّاطبِيُّ رحمه الله: «وبالجُملَةِ فكُلُّ عَمَلٍ أصْلُه ثَابِتٌ شَرْعًا، إلاَّ أنَّ في إظْهَارِ العَمَلِ به، أو المُداوَمَةِ عليه ما يُخَافُ أنْ يُعتَقَدَ أنَّه سُنَّةٌ، فتَرْكُه مَطلُوبٌ في الجُمْلَةِ أيضًا مِن بَابِ سَدِّ الذَّرَائعِ»(1082)
مِن المَسَائلِ التي تتَخرَّجُ على هذا الأصْلِ:
نَهْيُ عليٍّ رضي الله عنه عن صِيَامِ يَومِ الشَّكِّ(1083) ، مَخافَةَ أنْ يُعَدَّ ذلك مِن جُمْلَةِ شَهرِ الصِّيَامِ.
وحيث إنَّ اللهَ تعالى قَد شَرَعَ النَّوَافِلَ إلى جَانبِ الوَاجِبَاتِ، زِيَادةً في أجْرِ العِبَادِ، فمتَى ألْحَقَتِ النَّوَافِلُ والمُستَحبَّاتُ المَفْسَدةَ بالفَرَائضِ والوَاجِبَاتِ، ففيها المَنْعُ، والعَودَةُ إلى الحَالِ الوَسَطِ.
هذا ظَاهِرٌ في قَولِ عليٍّ رضي الله عنه : «إذا أضرَّتِ النَّوافِلُ بالفَرائضِ فَارفضُوها»(1084) . حِفَاظًا على حُقُوقِ اللهِ كي يَنهَضَ بها المُكلَّفُ على الوَجْهِ المُرَادِ، وفيه أيضًا الإشَارةُ إلى قَاعِدَةِ حِفْظِ مَصَالحِ المُكلَّفِينَ، وتَحقِيقِ مَقاصدِ الشَّارعِ في التَّشريعِ.
وله في ذلك سَلَفٌ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في قَولِه
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 479لعَبدِ اللهِ بنِ عمرٍو (ت 65 هـ) رضي الله عنهما: «لِعَينِكَ حَقٌّ، ولنَفْسِكَ حَقٌّ(1085) ولأهْلِكَ حَقٌّ(1086) قُمْ ونَمْ، وصُمْ وأَفطِرْ»(1087)
فقَد بيَّنَ له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مَا يتَرتَّبُ على تلكَ العِبَادَةِ الشَّدِيدةِ مِن ضَررٍ بَالِغٍ في النَّفسِ، وضَيَاعِ حُقُوقِ الأهْلِ والوَلَدِ من المَصَالحِ الدُّنيويَّةِ، التي جَاءتِ الشَّرِيعَةُ فضَبطَتْها وهَذَّبَتْها.
وفي الحَدِيثِ إشَارةٌ إلى ضَياعِ المَصْلَحَةِ الأخرويَّةِ كذلك؛ فإنَّ من ضَعُفَتْ نفسُه؛ عَجِزَ عن أدَاءِ حُقوقِ ربِّه، فيَفُوتُه الخَيْرُ الكَثِيرُ، ويَخسَرُ الدُّنيا والآخِرةَ!
المطلب الثالث نماذج تطبيقية
أرَادَ الشَّارِعُ مِن المُكلَّفِ أنْ يكونَ قَصْدُه في العَمَلِ مُوافِقًا لقَصْدِه في التَّشرِيعِ(1088) لذا اجتَهدَ عليٌّ رضي الله عنه في المَسَائلِ التَّالِيَةِ في مُحاوَلَةٍ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 480للرَّبْطِ بينَ قَصْدِ العَبدِ وبينَ مُرادِ الشَّارعِ، فقَضَى بتَرْكِ الحِيَلِ وتَحرِيمِها، واعتِبَارِ ذلك مُنافِيًا لمَقاصدِ الشَّرْعِ ومَصالحِه(1089) ومُوصِلاً إلى مُعارَضةِ الأحْكَامِ والنِّيَّاتِ المُعتَبرَةِ، فقالَ: «لا يَتْرُكُ النَّاسُ شَيئًا مِن أمْرِ دِينِهم لاستِصْلاحِ دُنيَاهُم، إلا فَتَحَ اللهُ عليهم مَا هو أضَرُّ منه»(1090)
مِن شَواهدِ ذلك:
الزَّكَاةُ للأصُولِ والفُروعِ:
قَضَى عليٌّ رضي الله عنه بمَنعِ الرَّجُلِ أنْ يُعطِي زَكَاةَ مَالِه إلى مَن تَجِبُ عليه نَفقَتُه، كأصُولِ المَرْءِ وفُروعِه، لأنَّه بذلك يكونُ دَافِعًا لنَفْسِه، ويُرِيدُ أنْ يتَخلَّصَ مِن النَّفقَةِ الوَاجِبَةِ! قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «ليسَ لوَلدٍ ولا لوَالِدٍ حَقٌّ في صَدقَةٍ مَفرُوضَةٍ. ومَن كانَ له وَلَدٌ أو وَالِدٌ فلم يَصِلْه فهو عَاقٌّ»(1091) .
وذلك أنَّ مَنفَعةَ إعْطَاءِ الزَّكَاةِ للأصُولِ أو الفُروعِ تَعُودُ على دَافعِها، فهي تُغنِيهم عن النَّفَقَةِ، وبالتَّالِي يَمتَنِعُ عن دَفْعِها إليهم، فيُفوِّتُ مَصلَحةَ صِلَةِ الأرْحَامِ!
مَنِ استَعجلَ الشَّيءَ قَبْلَ أوَانِه عُوقِبَ بحِرْمَانِه:
أمْرُ الجَزَاءِ على المُناسَبةِ، فمَن عَصَى بالإقْدَامِ على شَيءٍ، فجَزاؤُه
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 481أنْ يُؤلَمَ بفَقْدِ مِثْلِ تلك اللَّذَّةِ عندَ طَلَبِه لها، واستِشْرَافِه عليها(1092) مِن بَابِ مُعاملَةِ المَرءِ بنَقيضِ قَصدِه.
من ذلك على سبيل المثال:
الرَّجُلُ يتَزوَّجُ مِن أختِ زَوجَتِه:
فَرَّقَ عليٌّ رضي الله عنه بينَ رَجُلٍ وامرَأةٍ كانَ قَد تَزوَّجَها في عِدَّةِ أختِها منه، فقَد سُئِلَ عن رَجُلٍ كانَت تَحتَه امرَأةٌ، فطَلَّقَها فبَانَت منه، ثُمَّ تَزوَّجَ أختَها في عِدَّتِها؟ قالَ: «يُفرَّقُ بينَهما»(1093) .
حِرمَانُ القَاتلِ مِن المِيرَاثِ:
عَملاً بمَا عُرِفَ مِن رُوحِ الشَّرِيعَةِ ومَبادِئها العَامَّةِ، أنَّ مَن استَعجَلَ الشَّيءَ قَبلَ أوَانِه عُوقِبَ بحِرْمَانِه، رَأى عليٌّ رضي الله عنه أنَّ مَن قَتَلَ مُورِّثَه عَمْدًا أنَّه لا يَرِثُ منه شَيئًا جَزاءً لسُوءِ جِنَايَتِه(1094) .
وقَضَى في رَجُلٍ رَمَى بحَجَرٍ فأصَابَ أمَّه، فمَاتَت مِن ذلك، فأرَادَ نَصِيبَه مِن مِيرَاثِها! فقالَ له إخْوَتُه: لا حَقَّ لك. فارتَفعُوا إلى عليٍّ رضي الله عنه ، فقالَ له: «حَظُّكَ مِن مِيرَاثِكَ الحَجَرُ»، وأغرَمَه الدِّيةَ ولم يُعْطِه مِن مِيرَاثِها شَيئًا(1095) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
طَلاقُ الفَارِّ:
قَضَى عليٌّ رضي الله عنه بتَورِيثِ المَبتُوتَةِ في مَرَضِ المَوْتِ مِن مُطَلِّقِها مَا دَامَت في العِدَّةِ، قالَ عليٌّ رضي الله عنه : «المُطلَّقَةُ في المَرَضِ تَرِثُ»(1096) . وأشَارَ بذلك على أمِيرِ المُؤمنِينَ عثمانَ رضي الله عنه(1097) .
لأنَّ القَصْدَ مِن طَلاقِها أنْ يَمنَعَها مِن حَقٍّ مِن حُقوقِها بمُوجبِ عَقْدِ الزَّوجيَّةِ بينَهما، وإذْ قَد تَعسَّفَ في استِخدَامِ هذه السُّلْطَةِ المَمنُوحَةِ إليه بإنزَالِ الطَّلاقِ عليها، فإنَّه يُمنَعُ مِن الحُصُولِ على مُرَادِه، بإعطَائِها نَصِيبَها مِن المِيرَاثِ.
فليسَ عَمَلُ الزَّوجِ إلا ضَرْبًا مِن الحِيلَةِ المُحرَّمةِ التي تَبْدُو جَائِزةً في ظَاهرِها، ليتَخلَّصَ مِن الزَّوجَةِ في السَّببِ غَيرِ المُباشرِ مِن تَطلِيقِها، وهو يَنظُرُ إلى حِرْمَانِها مِن حَقِّها في الإرْثِ!
وقَضَى عليٌّ رضي الله عنه في امْرَأةٍ لعثمانَ رضي الله عنه كانَ قَد طَلَّقَها لمَّا حُصِرَ، وأرْسَلَ إليها يَشتَرِي منها ثَمنَها! فأبَت، فلمَّا قُتِلَ أتَت عليًّا رضي الله عنه ، فذَكَرَت ذلك له. فقالَ: «تَرَكَها حتى إذا أشْرَفَ على المَوْتِ طَلَّقَها» فوَرَّثَها(1098) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
القَصْدُ مِن ذلك: حِفْظُ حُقوقِ الآخَرِينَ، وعَدَمُ تَفويتِها بلا وَجْهٍ شَرعيٍّ.
الخَطأُ في الشَّهادَةِ:
خَشيةً من تَهاوُنِ النَّاسِ في الشَّهادَةِ، وحِرْصًا منه على الإبْقَاءِ على مَنفَعةِ الأعْضَاءِ، كانَ عليٌّ رضي الله عنه لا يُجِيزُ شَهادةَ مَن أخطَأ في تَعيينِ السَّارقِ، ويُضمِّنُهم دِيةَ مَن قَطعَه بسَببِ شَهادتِهم!
فإذا قالَ الشَّاهِدَانِ: أخطَأنا في تَحديدِ السَّارقِ الحَقيقيِّ! فلم يكنِ الأوَّلُ سَارِقًا، وإنَّما هو الثَّاني! فإنَّهما يَضمَنانِ دِيةَ الأوَّلِ، ولا تُجَازُ شَهادتُهما على الآخرِ.
أتَى رَجُلانِ إلى عليٍّ رضي الله عنه يشهَدانِ على رَجُلٍ بالسَّرقَةِ. فقَطعَ يدَه. ثمَّ أتيَاه بآخر، فقالا: هذا الذي سَرَقَ، أخطَأنا على الأوَّلِ!
فأبْطلَ
PDF 484شَهادتَهما عليه ولم يُجِزْها، وغرَّمَهما دِيةَ صَاحبِهما، وقالَ: «لو أعلمُ أنَّكما تَعمَّدتُما، لقَطعْتُكما»(1099)
لأنَّهما تَسبَّبا في الإتْلافِ، والتَّسبُّبُ مُوجِبٌ للضَّمانِ، كمَن يُرِيدُ أنْ يُضلِّلَ العَدَالَةَ!!
مَنْعُ التَّحدُّثِ بالسُّوءِ: رَأى عليٌّ رضي الله عنه أنَّ التَّكلُّمَ بالفَاحِشَةِ وإشَاعةَ الحَديثِ عنها على ألسِنَةِ النَّاسِ سَببٌ مِن أسبَابِ انتِشَارِها، لذلك أمَرَ بالسَّتْرِ فيها(1100) ، وحَكَمَ بالتَّعزِيرِ في حَقِّ مَن يَشِيعُ الفِسْقَ ويتَحدَّثُ به بينَ النَّاسِ، قالَ: «مَن أشَاعَ الزِّنَا نُكِّلَ، وإنْ صَدَقَ»(1101) ، ويقولُ: «القَائِلُ الفَاحِشةَ والذي يَشِيعُ بها في الإثْمِ سَواءٌ»(1102) . وقالَ: «القَائِلُ الكَلِمَةَ الزُّورِ والذي يَمدُّ بحَبْلِها في الإثْمِ سَوَاءٌ»(1103) . الحِكْمَةُ مِن تَحريمِ الخَمرِ:
لمَّا كانَتِ الخَمرُ تُوقِعُ في العَداوَةِ والبَغضَاءِ، وتَصُدُّ النَّاسَ عن ذِكْرِ اللهِ تعالى والصَّلاةِ، وتَعمَلُ على نَشْرِ الفَاحِشَةِ والرَّذِيلَةِ في المُجتَمعِ، وتُورِثُ الأوْبِئَةَ والأمْرَاضَ، وتَحرِقُ مَا في الجَيْبِ مِن الأمْوَالِ... بيَّنَ اللهُ الحُكْمَ الشَّرعيَّ فيها على أوضَحِ بَيانٍ، فقالَ تعالى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالأَزلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 485وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ(1104) ﴾
إنَّ اللهَ حرَّمَ الخَمرَ قَلِيلَها وكَثِيرَها، مَا أسْكَرَ منها ومَا لم يُسكِرْ؛ لأنَّ قَلِيلَها يَدعُو إلى كَثيرِها الذي يُخَامِرُ العَقْلَ ويُغيِّرُه، ويُوقِعُ في المَفاسدِ التي يُرِيدُها الشَّيطَانُ للعِبَادِ، ليَجُرَّ عليهم المَصائِبَ والوَيلاتِ، ويَمنَعُ مِن الإصْلاحِ الذي يُحِبُّه اللهُ ورَسُولُه صلى الله عليه وسلم. «فشَارِبُها يَغُوصُ في حَالَةٍ بَهِيميَّةٍ، يَزُولُ فيها عَقْلُه الذي به قِوَامُ الإحْسَانِ»(1105) .
لِذا، تَشدَّدَ عليٌّ رضي الله عنه في هذا البَابِ وسَاوَى بينَ مَن شَرِبَ الكَثِيرَ وبينَ مَن شَرِبَ القَلِيلَ، خَشيةً مِن أن يَجتَرِئَ على الإكْثَارِ منها، فيَقَعَ في المَحظُورِ المَنهيِّ عنه. فألْزَمَ الحَدَّ هذا وذاك، فقالَ: «يُجلَدُ في قَليلِ الخَمرِ وكَثيرِه ثَمانُونَ»(1106) .
فتَحرِيمُ كَثيرِها مِن بَابِ تَحريمِ الأسْبَابِ المُوقِعَةِ في الفَسَادِ، وتَحرِيمُ قَليلِها مِن بَابِ سدِّ الذَّرائعِ(1107) .
عَاقِبةُ مَن استَحلَّ الخَمرَ مُتأوِّلاً:
أحلَّ قَومٌ في الشَّامِ شُرْبَ الخَمرِ، وتَأوَّلُوا قَولَ اللهِ تعالى:
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 486﴿ لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوا وَآمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَآمَنوا ثُمَّ اتَّقَوا وَّأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(1108) ﴾
فكَتَبَ فيهم وَالِيهم يَومَذاك يَزِيدُ بنُ أبِي سُفيانَ (ت 18 هـ) رضي الله عنهما(1109) إلى أمِيرِ المُؤمنِينَ عمرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه . فأجَابَه بقَولِه: «ابْعَثْ بهم إليَّ قَبْلَ أنْ يُفسِدُوا مَن قِبَلَكَ».
فلمَّا قَدِمُوا على عمرَ رضي الله عنه ، استَشَارَ فيهم النَّاسَ، فقَالُوا: يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ، نَرَى أنَّهم قَد كَذَبُوا على اللهِ، وشَرَعُوا في دِينِهم مَا لم يَأذَنْ به اللهُ، فاضرِبْ رِقَابَهم. وعليٌّ رضي الله عنه سَاكِتٌ، فقالَ عمرُ رضي الله عنه : «مَا تَقولُ يَا أبَا الحَسَنِ فيهم؟».
قالَ: «أرَى أنْ تَستَتِيبَهم: فإنْ تَابُوا، ضَرَبْتَهم ثَمانِينَ، ثَمانِينَ، لشُربِهم الخَمْرَ. وإنْ لم يَتُوبُوا، ضَرَبْتَ أعنَاقَهم، فإنَّهم قَد كَذَبُوا على اللهِ، وشَرَعُوا في دِينِهم مَا لم يَأذَنْ به اللهُ». فاستَتَابَهم، فتَابُوا، فضَرَبَهم
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 487ثَمانِينَ، ثَمانِينَ(1110)
هكذا يكونُ عليٌّ رضي الله عنه قَد دَرَأ الفِتنَةَ، وجَعَلَ مِن هؤلاءِ عِبرةً لمَن وَراءَهم.
حُكْمُ مَن قَذَفَ كَافِرةً ابنُها مُسلِمٌ:
لئلاَّ يُحرَجَ المُسلِمُ، وتَخوُّفًا مِن دُخولِ الشَّيطَانِ بينَ المُسلِمينَ، وحِرْصًا على حُرْمَةِ المُسْلمِ، فمَن قَذَفَ أمًّا كَافِرةً بالزِّنَى وابنُها مُسلِمٌ، أُقِيمَ الحَدُّ على القَاذفِ. هذا مَذهبُ الخُلفَاءِ الرَّاشدِينَ ومِن بَينِهم عليٌّ رضي الله عنهم . «كانَ أبو بكرٍ، وعمرُ، وعثمانُ، وعليٌّ يَجلِدُونَ مَن دَعا أمَّ رَجُلٍ: زَانِيةً، وإنْ كانَت يَهودِيَّةً أو نَصْرانيَّةً؛ لحُرْمَةِ المُسْلمِ»(1111) .
حُدودُ العَورَةِ: سَتْرُ العَورَةِ وَاجِبٌ شَرعِيٌّ وأخْلاقِيٌّ، أمَرَ الشَّرْعُ بحِفْظِ العَورَةِ، ونَهَى عن النَّظَرِ إلى عَورَةِ الآخَرِينَ، واللهُ لا يَنظرُ إلى امْرِئٍ كَشَفَ عَورَتَه، قالَ عليٌّ رضي الله عنه «مَن كَشَفَ عَورَتَه، أعْرَضَ عنه المَلَكُ»(1112) لذلك كانَ يُشدِّدُ النَّكِيرَ على مَن تَهاوَنَ في سَتْرِ عَورَتِه، أتَى على قَومٍ وهم يَغتَسِلُونَ يَصُبُّ بَعضُهم على بَعضٍ، فقالَ: «أتَغتَسِلُونَ ولا تَستَتِرُونَ! واللهِ إنِّي لأخْشَى أنْ تَكُونُوا خَلَفَ الشَّرِّ»، يعني: الخَلَفَ الذي يكونُ فيهم الشَّرُّ(1113)
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
مِن هذا المُنطَلَقِ كانَ يَعتَبِرُ سُرَّةَ الرَّجُلِ مِن العَورَةِ المَنهيِّ إظْهَارُها، فكانَ يتَّزِرُ إلى مَا فَوقَ السُّرَّةِ(1114)
هذا ليَستَوعِبَ جَمِيعَ العَورَةِ بالسَّتْرِ مِن بَابِ مَا لا يَتِمُّ الوَاجِبُ إلا به فهو وَاجِبٌ، وسدًّا للذَّرِيعَةِ لئلاَّ يُفضِي الأمْرُ إلى التَّهاوُنِ بهذا الشَّأنِ، فيَبدُو مِن الرَّجُلِ سُرَّتُه ومَا دُونَها مِن عَورَتِه المُغلَّظَةِ، سَواءٌ مِن القُبُلِ أو الدُّبُرِ. هذا مَا نُشاهِدُه اليَومَ وللأسَفِ مِن شَبابِ هذا الجِيلِ القَابعِ على الطُّرُقَاتِ هنا وهناك..!!
حُكْمُ مَن تَزوَّجَت وهي مُتبعِّلَةُ:
مَن تزوَّجَت بآخرَ وزَوجُها على قَيدِ الحَياةِ، وهي تَكتمُ زَواجَها منه! يُقامُ عليها الحَدُّ. فقَد رَجَمَ عليٌّ رضي الله عنه امرَأةً كانَت ذَاتَ زَوجٍ، فجَاءَت أرضًا فتَزوَّجَت، ولم تَشُكَّ أنَّه مَا جَاءَها مَوْتُ زَوجِها ولا طَلَّقَها(1115) !
ورَفَعَ رَجُلٌ إلى عليٍّ رضي الله عنه امرَأةً تَزوَّجَت ولها زَوْجٌ كَتمَتْه! فرَجَمَها، وجَلَدَ زَوْجَها الآخرَ مِئةَ جَلْدةٍ(1116) .
بهذا أختِمُ البَابَ الثَّالِثَ عن الاجْتِهَادِ المَقاصِديِّ عندَ سيِّدِنا عليٍّ رضي الله عنه ، لأستَقبِلَ البَابَ الأخِيرَ حَولَ التَّعَارُضِ والتَّرْجِيحِ عندَه.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الباب الرابع التعارض والترجيح
تَمَّ البَحْثُ في الأبْوَابِ السَّابِقَةِ عن المَصَادرِ التَّشرِيعيَّةِ في مَنظُومَةِ عليٍّ الأصُولِيَّةِ، ومَا يتَعلَّقُ بالاجْتِهَادِ والتَّقلِيدِ وخُصُوصًا الاجْتِهَادُ المَقاصِديُّ. أمَّا في هذا البَابِ فسأبحَثُ التَّعارُضَ والتَّرجِيحَ بينَ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ، على نَحْوٍ مُوجَزٍ.
وإنَّما أخَّرْتُه إلى مَا بعدَ الاجْتِهَادِ، لأنَّه مِن وَظِيفَةِ المُجتَهدِ. ولمَّا كانَ المَصِيرُ إلى النَّسْخِ وَجْهًا مِن وُجُوهِ دَفْعِ التَّعَارُضِ، فقَد جَعَلْتُه فَصْلاً مُستَقِلاًّ.
لذا جَاءَ هذا البَابُ في ثَلاثَةِ فُصُولٍ، هي:
الفَصلُ الأوَّلُ: حَقِيقَةُ التَّعارُضِ.
الفَصلُ الثَّانِي: الجَمْعُ والتَّرجِيحُ.
الفَصلُ الثَّالِثُ: أحْكَامُ النَّسْخِ.
الفصل الأول حقيقة التعارض
لمَّا كانَتِ النُّصُوصُ الشَّرعِيَّةُ وَحْيًا مِن الشَّارعِ الحَكيمِ، فالأصْلُ أنَّها مُتآلِفَةٌ غيرُ مُتنَافِرَةٍ، وعليه فالتَّعَارُضُ أمْرٌ صُورِيٌّ لا حَقِيقِيٌّ(1117) . إلا أنَّ أنْظَارَ المُجتَهدِينَ لمَّا كانَت مُتبَايِنةً تَبَعًا لاجْتِهادَاتِهم، فقَد يتَرَاءَى لهم أنَّ ثمَّةَ تَعارُضًا في بَعضِ هَاتِيك الأدِلَّةِ، فيُحاوِلُونَ دَفْعَ هذا الظَّنِّ.
لذا سيَنتَظِمُ الكَلامُ في هذا الفَصلِ ضِمْنَ مَبحثَينِ اثنَينِ، هما:
المَبحَثُ الأوَّلُ: مَضمُونُ التَّعارُضِ.
المَبحَثُ الثَّانِي: صُوَرُ دَفْعِ التَّعارُضِ.
المبحث الأول مضمون التعارض
ويَشتَمِلُ على مَطلَبينِ اثنَينِ، هما:
المَطلَبُ الأوَّلُ: مَفهُومُ التَّعارُضِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: مَوقِفُ عليٍّ مِن التَّعارُضِ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الأول مفهوم التعارض
التَّعارُضُ لُغةً:
التَّعارُضُ: تَفَاعُلٌ، وبَابُه يَدلُّ على المُشَارَكَةِ بينَ اثنَينِ فمَا فَوقَ. تَدُورُ مَادَّتُه حَولَ عِدَّةِ مَعَانٍ، منها: التَّقابُلُ. وهو مِن الألفَاظِ المَشتَرَكَةِ بينَ المَدلُولِ وضِدِّه، على النَّحوِ الآتِي:
يَأتِي التَّعَارُضُ بمَعنَى: (المُمَاثَلَةِ)، و(المُسَاوَاةِ)، نحو: عَارَضَ فُلانًا في السَّيرِ، إذا سَارَ حِيَالَه. وعَارَضَه بمِثْلِ صَنِيعِه، أيْ: أتَى إليه بمِثْلِ مَا أتَى عليه(1118) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ويَأتِي بمَعنَى: (المُمَانَعَةِ)، و(المُدَافَعَةِ)، نحو: عَرَضَ الشَّيءُ، إذا صَارَ مَانِعًا، كالحَجَرِ في الطَّرِيقِ. واعتَرَضَ الشَّيءَ، إذا صَارَ له عَارِضًا، كالخَشَبَةِ المُعتَرِضَةِ في النَّهْرِ، يُقَالُ: اعتَرَضَ الشَّيءُ دُونَ الشَّيءِ، أيْ: حَالَ دُونَه. وعَارَضَ فُلانًا في كَلامِه واعتَرَضَ عليه: أنكَرَ قَولَه أو فِعْلَه(1119) .
يَظهَرُ مِن خِلالِ هذا العَرْضِ أنَّ التَّعَارُضَ بالمَدْلُولِ الثَّانِي هو المُنَاسِبُ لمُرَادِ الأصُولِيينَ منه في الأدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ.
التَّعارُضُ اصْطِلاحًا:
التَّمَانُعُ بينَ الأدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ مُطلَقًا، بحَيثُ يَقتَضِي أحَدُهما مَا لَا يقتَضِيه الآخَرُ(1120) .
«وذلك إذا كانَ أحَدُ الدَّلِيلَينِ يدلُّ على الجَوَازِ، والدَّلِيلُ الآخَرُ يدلُّ على المَنعِ. فدَلِيلُ الجَوَازِ يَمنَعُ التَّحرِيمَ، ودَلِيلُ التَّحرِيمِ يَمنَعُ الجَوَازَ. فكُلٌّ منهما مُقَابِلٌ للآخَرِ، ومَعَارِضٌ له، ومَانِعٌ له»(1121) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الثاني موقف علي من التعارض
يَرِدُ مَوضُوعُ التَّعارُضِ والتَّرجِيحِ فيمَا اصْطلحَ على تَسمِيَتِه الأصُولِيُّونَ في أبوَابِ الفِقْهِ عَامَّةً، وفي البَيِّنَاتِ خَاصَّةً(1122) ، وأمَامَ القَاضِي بشَكْلٍ أخَصَّ، لبَيَانِ السَّبِيلِ السَّدِيدِ في مَعرِفَةِ الحَقِّ، وبَيَانِ الوَاقِعِ للفَصْلِ فيه.
وقَد تَهيَّبَ عليٌّ رضي الله عنه القَضَاءَ لهذا المَلحَظِ، فدَعَا له النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم، وأشَارَ عليه بمَا يَدفَعُ عنه التَّعارُضَ والاخْتِلافَ، حتى غدا أقْضَى الأمَّةِ، ولم تُشْكِلْ عليه قَضيَّةٌ فيمَا بَعدُ(1123) .
الأصْلُ في نُصُوصِ الوَحيَينِ أنَّها مُبرَّأةٌ مِن أيِّ عَيبٍ، ومُنزَّهةٌ مِن أيِّ تَعارُضٍ حَقيقِيٍّ(1124) . فكِتَابُ اللهِ سَالِمٌ مِن الاخْتِلافِ والتَّناقُضِ، وكذا الشَّأنُ في السُّنَّةِ النَّبوِيَّةِ المُطهَّرةِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اختِلافًا كَثِيرًا(1125) ﴾ .
لهذا مَدَحَ اللهُ الرَّاسِخينَ في العِلْمِ، بقَولِه: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرّاسِخونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 496وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الأَلبابِ(1126) ﴾
وقالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم في قَومٍ سَمِعَهم يتَمارَونَ: «إنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبلَكم بهذا؛ ضَرَبُوا كِتَابَ اللهِ بَعضَه ببَعضٍ(1127) ! وإنَّما نَزَلَ كِتَابُ اللهِ يُصدِّقُ بَعضُه بَعضًا، فلا تُكذِّبُوا بَعضَه ببَعضٍ، فمَا عَلِمْتُم منه فقُولُوه، ومَا جَهِلْتُم فكِلُوه إلى عَالِمِه»(1128) .
والنَّبيُّ صلى الله عليه وسلم مَعصُومٌ عن وُقُوعِ التَّناقُضِ في سُنَّتِه(1129) ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى(1130) ﴾ .
لذا كانَ عليٌّ رضي الله عنه يَدْعُو النَّاسَ إلى أنْ يتَفكَّرُوا فيمَا صَدَرَ عن النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأنْ لا يُسَارِعُوا إلى رَفْضِه، أو ادِّعَاءِ التَّناقُضِ فيه، لمُجرَّدِ أنَّه لا يَتَّفِقُ معَ مَدارِكِهم العَقلِيَّةِ للوَهْلَةِ الأولَى، أو لظَنِّهم أنَّه يُصَادِمُ نَصًّا قَطْعِيًا، فكانَ يقولُ: «إذا حُدِّثْتُم عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بحَدِيثٍ، فظُنُّوا به الذي هو أهْدَى، والذي هو أتْقَى، والذي هو أهْيَأ»(1131) .
***
المبحث الثاني صور دفع التعارض
ويَشتَمِلُ على مَطلَبينِ اثنَينِ، هما:
المَطلَبُ الأوَّلُ: الوَسَائِلُ المُعِينَةُ على دَفْعِ التَّعارُضِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: طُرُقُ دَفْعِ التَّعارُضِ.
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الأول الوسائل المعينة على دفع التعارض
بمَا أنَّ وُقُوعَ التَّعارُضِ لا يَستَحِيلُ بالنِّسْبَةِ إلى أنظَارِ المُجتَهدِينَ، لأنَّ مَدارِكَهم وأفْكَارَهم مُعرَّضَةٌ للوَهْمِ، فيَظنُّونَ وُرُودَ التَّعارُضِ الظَّاهرِيِّ، الذي سُرعَانَ مَا يتَبدَّدُ معَ التَّبَصُّرِ، وتتَكشَّفُ حَقِيقَةُ الأمْرِ.
ولمَّا كانَ أكثَرَ مَا يُواجِهُ المُجتَهِدَ هذا اللَّوْنُ مِن المَسَائلِ عندَ الاستِنبَاطِ والاستِدْلالِ، وَجَبَ عليه أنْ يَعمَلَ جَاهِدًا على حَلِّ هذا الإشْكَالِ، بدَرْءِ التَّعارُضِ المَظنُونِ بينَ أدِلَّةِ الشَّرْعِ مَا أمْكَنَ.
مِن الوَسَائلِ المُعِينَةِ على ذلك مَا يلي:
التَّأكُّدُ مِن صِحَّةِ الدَّلِيلِ وثُبوتِه، كمَا كانَ يَفعَلُ عليٌّ رضي الله عنه فيمَا مرَّ مِن تَحلِيفِه لمَن يُحدِّثُه(1132) الاطِّلاعُ الوَاسِعُ على
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
مَصَادرِ الشَّرِيعَةِ، وتَتبُّعُ المَسْألَةِ في أدِلَّتِها التَّفصِيلِيَّةِ، واستِقرَاؤُها، والنَّظَرُ إليها مُجتَمِعَةً. وهذا وَاضِحٌ في صَنِيعِ عليٍّ رضي الله عنه معَ الأدِلَّةِ العَامَّةِ التي كانَ يَربِطُها بالأدِلَّةِ المُخصِّصَةِ لها، وكذا في حَمْلِه لمُطلَقِ النُّصُوصِ على مُقَيِّدِها. ويَبحَثُ عنِ النَّاسخِ والمَنسُوخِ، ويَشتَرِطُ العِلْمَ به لمَن تَصدَّرَ النَّاسَ في الدَّعوَةِ والوَعْظِ والإرْشَادِ... إلخ. العِلْمُ بلُغَةِ العَرَبِ ومَا فيها مِن مَعَانٍ ودَلالاتٍ. وكانَ لعليٍّ رضي الله عنه مِن اللِّسَانِ العَربيِّ النَّصِيبُ الأوْفَى(1133)
المطلب الثاني طرق دفع التعارض
متى اقْتَضَى أحَدُ الدَّلِيلَينِ حُكْمًا في وَاقِعَةٍ بخِلافِ مَا يقتَضِيه الدَّلِيلُ الآخَرُ منهما، عَمِلَ المُجتَهِدُ على رَفْعِ هذا التَّبَايُنِ، بوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ. وللعُلمَاءِ طَرِيقتَانِ في إزَالَةِ الاخْتِلافِ، تَختَلِفُ في تَرتِيبِ السُّلَّمِ الهَرميِّ، بحَسَبِ المَدرَسَةِ الأصُولِيَّةِ التي يَنتَمُونَ إليها، على النَّحْوِ الآتِي:
طَرِيقَةُ الأحنَافِ (مَدرَسَةُ الفُقَهَاءِ):
سَلَكَ السَّادَةُ الأحْنَافُ في دَفْعِ التَّعارُضِ أرْبَعَ مَراحِلَ بِنَاءً على التَّرتِيبِ التَّالِي(1134) :
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أوَّلاً: يَبحَثُ المُجتَهِدُ عن تَارِيخِ النَّصَّينِ، فإذا عَلِمَ تَقدُّمَ أحَدِهما عنِ الآخَرِ، حَكَمَ بأنَّ المُتأخِّرَ نَاسِخٌ للمُتقَدِّمِ.
ثَانِيًا: إنْ لمْ يَعلَمْ تَارِيخَهما، رَجَّحَ أحَدَهما على الآخَرِ.
ثَالِثًا: إنْ تَعذَّرَ التَّرجِيحُ بينَ النَّصَّينِ لَجَأ إلى الجَمْعِ والتَّوفِيقِ بينَهما.
رَابِعًا: فإذَا تَعذَّرَ النَّسْخُ والتَّرجِيحُ والتَّوفِيقُ، حَكَمَ بتَسَاقُطِ الدَّلِيلَينِ لتَعارُضِهما، ثُمَّ صَارَ إلى الاستِدْلالِ بمَا دُونَهما في الرُّتْبَةِ. فإنْ لمْ يكنْ ثَمَّ، عَمِلَ بأصْلٍ عَامٍّ.
طَرِيقَةُ الجُمهُورِ (مَدرَسَةُ المُتكَلِّمِينَ):
سَلكَ المُتكَلِّمُونَ في رَفْعِ التَّعارُضِ المَرَاحِلَ نَفْسَها، باخْتِلافٍ في التَّقْديمِ والتَّأخِيرِ، على الشَّكْلِ الآتِي(1135) :
أوَّلاً: يَلْجَأ المُجتَهِدُ إلى الجَمْعِ بينَ النَّصَّينِ والتَّوفِيقِ بينَهما بوَجْهٍ مَقبُولٍ شَرْعًا.
ثَانِيًا: إنْ تَعذَّرَ الجَمْعُ بينَ الدَّلِيلَينِ، وعَلِمَ تَارِيخَهما، نَسَخَ السَّابِقَ باللاَّحقِ.
ثَالِثًا: فإنْ لمْ يتَمكَّنْ مِن الجَمْعِ بينَهما، وجَهِلَ تَارِيخَهما، صَارَ إلى تَرجِيحِ أحَدِهما على الآخَرِ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
رَابِعًا: وإنْ تَعذَّرَتِ الوُجُوهُ السَّابِقَةُ، تَرَكَ العَمَلَ بهما، وبَحَثَ عن دَلِيلٍ آخَرَ. «وهذه صُورَةٌ فَرضِيِّةٌ لا وُجُوَد لها»(1136) .
وبهذا أكونُ قَد أنهَيْتُ الفَصْلَ الأوَّلَ ومَباحِثَه، وآنَ الأوَانُ للشُّرُوعِ في الفَصْلِ الثَّانِي عنِ الجَمعِ والتَّرجِيحِ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الفصل الثاني الجمع والترجيح
الحَاجَةُ مُلِحَّةٌ إلى التَّفَقُّهِ في الأدِلَّةِ الشَّرعِيَّةِ، لاستِنبَاطِ الحُكْمِ المُنَاسبِ في الوَاقِعَةِ قَيْدِ الدَّرْسِ، كمَا أنَّ البَاعِثَ على إيْجَادِ الحُلُولِ المُؤَاتِيَةِ لدَرْءِ ظَاهِرَةِ التَّعارُضِ بينَ النُّصُوصِ حَاضِرٌ نُصْبَ أعيُنِ المُجتَهِدينَ، لا يَنفَكُّ عَمَلُهم عنِ النَّظَرِ فيها.
ويَكمُنُ ذلك في مُحَاوَلَةِ الجَمْعِ بينَها، أو الانْتِهَاءِ إلى التَّرجِيحِ مَا أمْكَنَ.
لذا جَاءَ هذا الفَصْلُ في مَبحثَينِ اثنَينِ، هما:
المَبحَثُ الأوَّلُ: مَضْمُونُ الجَمْعِ والتَّرجِيحِ.
المَبحَثُ الثَّانِي: وَسَائِلُ التَّرجِيحِ.
المبحث الأول مضمون الجمع والترجيح
ويَشتَمِلُ على ثَلاثَةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلَبُ الأوَّلُ: مَضْمُونُ الجَمْعِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: نَمَاذِجُ تَطبِيقِيَّةٌ.
المَطلَبُ الثَّالِثُ: مَضْمُونُ التَّرجِيحِ.
المطلب الأول مضمون الجمع
أوَّلاً: تَعرِيفُ الجَمْعِ:
الجَمْعُ لُغَةً:
تَألِيفُ المُتفرِّقِ، يُقَالُ: جَمَعَ الشَّيءَ عن تَفرُّقِه، يَجمَعُه جَمْعًا فاجْتَمَعَ. وتَجمَّعَ القَومُ إذا التَفُّوا حَولَ بَعضٍ(1137) .
الجَمْعُ اصْطِلاحًا:
الائْتِلافُ بينَ الأدْلَّةِ الشَّرعِيَّةِ وتَوافُقُها، وبَيَانُ أنَّ الاخْتِلافَ بينَها غَيرُ مَوجُودٍ حَقِيقَةً(1138) .
ثَانِيًا: أهمِّيَّةُ الجَمْعِ بينَ الأدِلَّةِ:
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الجَمْعُ بينَ الأدلَّةِ التي يُظَنُّ التَّعارُضُ فيها هو أحَدُ وَسَائلِ دَفْعِ هذا التَّعارُضِ، كي تَسلمَ منه النُّصُوصُ الشَّرعيَّةُ المُبرَّأةُ مِن أيِّ نَقصٍ أو عَيبٍ.
ولمَّا كانَت بَعضُ النُّصُوصِ لا تدلُّ بمَنطُوقِها ولا بمَفهُومِها على حُكْمٍ مَا، بلْ بانضِمَامِ بَعضِها إلى مُقارِنٍ، قد يكونُ نَصًّا، أو إجْمَاعًا، أو قِيَاسًا،... وهذه النُّصُوصُ التي تَفتَقِرُ إلى بَعضِها يدلُّ بَعضُها على ثُبوتِ حُكمٍ لشَيئَينِ، ويدلُّ بَعضُها الآخَرُ على أنَّ أحَدَ هذينِ الشَّيئَينِ يختصُّ ببَعضِ ذلك الحُكمِ على التَّعيينِ، فيتعيَّنُ البَاقِي للآخَرِ، كانَ حُكْمُ عليٍّ رضي الله عنه في أنَّ المَرأةَ قَد تَلِدُ لستَّةِ أشْهُرٍ مِثَالاً صَالِحًا للاستِشهَادِ به في مَعرِضِ بَيانِ مَنهجيَّةِ عليٍّ رضي الله عنه في الاستِنبَاطِ.
ومِن جَانبٍ آخَرَ، لاحَ نُبوغُ عليٍّ رضي الله عنه وتَقدُّمُه في فَهْمِ كِتَابِ اللهِ تعالى، وحُسْنِ استِنبَاطِه للأحْكَامِ الشَّرعيَّةِ، ودِقَّةِ إجَابَاتِه في مَسائلِه القَضائيَّةِ.
هذا مَا استَنبَطَه بالرَّبْطِ بينَ نَصَّينِ مِن كِتَابِ اللهِ، فيمَا يُسمِّيه ابنُ القيِّمِ رحمه الله: «بدَلالةِ التَّركيبِ»، ويقولُ في تَعريفِه: «هو: ضَمُّ نَصٍّ إلى نَصٍّ آخرَ»(1139) .
ويُغَايِرُ بينَ هذه الدَّلالةِ و(دَلالةِ الاقتِرَانِ)(1140)
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 505ثمَّ يُفاضِلُ بينَهما بأنَّ (دَلالةَ التركيبِ) «ألطَفُ منها وأدَقُّ وأصَحُّ»(1141) ويَمدَحُ أهلَها المُتفطِّنينَ لها، ويَصِفُهم بالنَّوادرِ، فيقولُ رحمه الله: «وأخَصُّ مِن هذا وألطَفُ: ضَمُّه إلى نَصٍّ آخرَ مُتعلِّقٍ به، فيَفهَمُ مِن اقتِرَانِه به قَدْرًا زَائِدًا على ذلك اللَّفْظِ بمُفرَدِه. وهذا بَابٌ عَجِيبٌ مِن فَهْمِ القُرآنِ، لا يَنتَبِهُ له إلا النَّادِرُ مِن أهلِ العلمِ؛ فإنَّ الذِّهنَ قد لا يَشعرُ بارتِبَاطِ هذا بهذا، وتَعلُّقِه به»(1142)
هذا ما نَلمسُه بوُضُوحٍ في قضيَّةِ المرأةِ الحَاملِ التي أمرَ الخَلِيفةُ برَجمِها لأنَّها وضعَت لِستَّةِ أشهُرٍ! فغدَت في نَظرِ زوجِها ثمَّ المُجتمعِ من حَولِها مَظِنَّةَ الوُقوعِ في الفَاحِشَةِ! فنَقَضَه عليٌّ رضي الله عنه . وقَد حَصَلَت في عَهدِ خَلِيفتَينِ(1143) تَوالَيَا الحُكْمَ تِبَاعًا.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الثاني نماذج تطبيقية
الحَامِلُ تَضَعُ لسِتَّةِ أشهُرٍ:
رُفِعَ إلى عُمَرَ رضي الله عنه امرأةٌ وَلَدَت لِستَّةِ أشْهُرٍ، فأرَادَ عمرُ رضي الله عنه أن يَرجُمَها! فجَاءَت أختُها إلى عليٍّ رضي الله عنه ، فقالَت: إنَّ عمرَ يَرجُمُ أختي! فأنشدُكَ اللهَ إنْ كُنتَ تَعلمُ أنَّ لها عُذرًا لَمَا أخبَرتَنِي به. فقالَ عليٌّ رضي الله عنه : «إنَّ لها عُذرًا». فكبَّرَت تَكبِيرةً سَمِعَها عمرُ رضي الله عنه مِن عندِه. فانطلَقَت إلى عمرَ، فقالت: إنَّ عليًّا زَعمَ أنَّ لأخْتِي عُذرًا.
فأرْسَلَ عمرُ رضي الله عنه إلى عليٍّ رضي الله عنه : «مَا عُذْرُها؟».
قالَ: «إنَّ اللهَ عز وجل يقولُ: ﴿ وَالوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ(1144) ﴾ . وقالَ: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهْرًا(1145) ﴾ ، [وفي قِصَّةِ عُثمانَ رضي الله عنه : وقالَ: ﴿ وَفِصالُهُ فِي عَامَيْنِ(1146) ﴾ ]. فالحَمْلُ سِتَّةُ أشْهُرٍ، والفِصالُ أربعةٌ وعشرونَ شَهرًا. لا حدَّ عليها، أو قالَ: لا رَجْمَ عليها».
قالَ: فخلَّى عمرُ رضي الله عنه سَبِيلَها. قالَ: ثمَّ إنَّها وَلَدَت بعدَ ذلك لسِتَّةِ أشهُرٍ(1147) .
الذي تَفطَّنَ إليه عليٌّ رضي الله عنه ، أنَّه شَعرَ بارتِبَاطِ نَصَّينِ ببَعضِهما:
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أحدُهما: يدلُّ على ثُبوتِ حُكْمٍ لشَيئينِ.
و الآخرُ: يدلُّ على أنَّ بَعضَ ذلك لأحَدِهما.
فأوْجَبَ القَطْعَ بأنَّ بَاقِي الحُكْمِ ثَابِتٌ لتَعلُّقِهما ببَعضٍ. وذلك أنَّ اللهَ تعالى يقولُ: ﴿ وَالوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَولادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ(1148) ﴾ ، أي: إنَّ مدَّةَ الرَّضاعِ حَولانِ كَامِلانِ، وهي أرْبَعةٌ وعشرونَ شَهرًا، لمَن أرادَ أنْ يُتِمَّ الرَّضَاعةَ.
ثمَّ بيَّنَ المَولَى في قَولِه: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثونَ شَهْرًا(1149) ﴾ أنَّ مُدَّةَ حَمْلِ الأمِّ لجَنِينِها بالإضَافَةِ إلى مُدَّةِ إرْضَاعِ المُرضعِ لوَلِيدِها يكونُ ثَلاثِينَ شَهرًا.
فإذا أُخِذَ منها مُدَّةُ الفِصَالِ المُشَارُ إليها هنا، والمَنصُوصُ عليها في قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَفِصالُهُ فِي عَامَيْنِ(1150) ﴾ ، بَقِيَ للحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وهذا لا يكونُ إلا بأنْ يَكُونَ أحَدُ الطَّرفَينِ نَاقِصًا:
وذلك إمَّا أنْ تَلِدَ المَرأةُ لسِتَّةِ أشْهُرٍ وتُرضِعَ عَامَينِ. وإمَّا أنْ تَلِدَ لتِسعَةِ أشْهُرٍ –على العُرْفِ- وتُرضِعَ عَامَينِ غَيرَ رُبعِ عَامٍ.
فإذا زَادَت مُدَّةُ الحَمْلِ نَقصَت مُدَّةُ الرَّضاعِ، وبالعَكسِ. فيترتَّبُ من مَجمُوعِ دَلالةِ النُّصُوصِ أنَّ أقلَّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُرٍ، وإنْ لم يكنْ ذلك مَقصُودًا مِن اللَّفْظِ.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فمِن مَجمُوعِ دَلِيلَي عليٍّ رضي الله عنه وتَفهُّمِهما، استَطاعَ أنْ يتَوصَّلَ إلى الحُكْمِ السَّليمِ، وهو: صِحَّةُ نِسْبَةِ المَولُودِ إلى وَالِدِه في ستَّةِ أشهُرٍ. وبالتَّالي أنقذَ المَرأةَ مِن حَدِّ الرَّجْمِ حتى المَوتِ(1151) .
وقَد وَصَفَ الشَّاطِبيُّ (ت 790 هـ) رحمه الله هذا المَنهجَ العِلميَّ في الاستنبَاطِ بأنَّه: «مِن نَوادرِ الاستِدلالِ القُرآنيِّ»(1152) . ولهذا خَفِيَ على أكثَرِ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم ، واختُصَّ بفَهْمِه عليٌّ رضي الله عنه ، فلمَّا ذَكَرَ لهم ذلك قَبِلُوا منه، واستَحسَنُوا قَولَه.
هَلْ يُنتَقَضُ الوُضُوءِ بمَسِّ الذَّكَرِ؟
وَرَدَ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فيمَن مَسَّ ذَكرَه حَدِيثَانِ، كلٌّ منهما يتَضمَّنُ حُكْمًا يُغَايِرُ مَا تَضَمَّنَه الآخَرُ:
فأوَّلُهما: يَقضِي بانتِقَاضِ الوُضُوءِ، في قَولِه: «مَن مَسَّ ذَكَرَه فليَتوَضَّأْ»(1153) .
وثَانِيهما: يَنفِي أنْ يكونَ مَسُّ الذَّكَرِ نَاقِضًا للوُضُوءِ، في قَولِه: «هَلْ هو إلا بَضْعَةٌ منه؟»(1154) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أمَامَ هذينِ النَّصَّينِ، ذَهبَ عليٌّ رضي الله عنه إلى الجَمعِ بينَهما ولمْ يَدَّعِ جَريَانَ النَّسْخِ، وإنَّما التَفَت إلى البَاعثِ على الشَّهوَةِ فأنَاطَ الحُكْمَ به، وأجَابَ مَن سَألَه عنِ الرَّجُلِ يَمَسُّ ذَكرَه؟ فقالَ: «لا بَأسَ، مَا أبَالِي مَسَسْتُ ذَكَرِي أو طَرَفَ أذُنِي»(1155) .
في هذا القَولِ تَأصِيلٌ لمَبدَأ نَقْضِ الوُضُوءِ بالمَسِّ(1156) ، وذلك أنَّ إيجَابِ الوُضُوءِ ليسَ مُتعلِّقًا بمُجرَّدِ المَسِّ، بَلْ لِمَا يُعلَّلُ بكَونِه مَظِنَّةَ تَحرِيكِ الشَّهوَةِ(1157) ، وإليه الإشَارَةُ بقَولِه: «مَا أبَالِي مَسَسْتُ ذَكَرِي أو طَرَفَ أذُنِي».
وعليه، فيُمكِنُ أنْ يُفسَّرَ الحَدِيثُ الأوَّلُ بسُنِّيَّةِ الوُضُوءِ، ويُحمَلَ الحَدِيثُ الثَّانِي على نَفْيِ الوُجُوبِ.
عُقوبَةُ الزَّانِي:
قَضَى عليٌّ رضي الله عنه في الزَّانِي أنْ يُعاقَبَ بعُقوبَتَينِ مَعًا، على تَفْصيلٍ:
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
إنْ كانَ مُحْصَنًا جُلِدَ مِئةً، ثمَّ رُجِمَ بالحِجَارَةِ حتى المَوتِ. وإنْ كانَ بِكْرًا جُلِدَ مِئةً كحَدٍّ استَوجَبَ سَببَه فلَزِمَه، ثمَّ غُرِّبَ عَامًا تَعزِيرًا له.
هذا مَا أدَّاه إليه اجتِهَادُه، وقَد جَلدَ ورَجَمَ مَعًا(1158) ، وقالَ: «أجْلِدُ بالقُرآنِ، وأرجمُ بالسُّنَّةِ»(1159) . ولمَّا زَنَت شُراحَةُ الهمدانيَّةُ وكانَت مُتزوِّجةً جَلدَها عليٌّ رضي الله عنه يومَ الخَميسِ، ورَجمَها يومَ الجُمعَةِ(1160) . ثمَّ قالَ: «إنَّ الرَّجْمَ سنَّةٌ سنَّها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم»(1161) . وفي رِوايَةٍ أنَّه قالَ: «جَلدْتُها بكِتَابِ اللهِ، ورَجمْتُها بسنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم»(1162) . كلُّ ذلك عَملاً منه بالقُرآنِ والسُّنَّةِ، كمَا أشَارَ إليه.
أمَّا القُرآنُ، فيقولُ اللهُ تعالى: ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ(1163) ﴾ .
وأمَّا السُّنَّةُ، فلقَولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ، ونَفْيُ
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 511سَنَةٍ. والثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ، والرَّجْمُ»(1164)
ولا يُعتَرَضُ عليه بمَبدَأ (دَغمِ الحُدودِ)(1165) ، لأنَّه لمْ يَرتَكِبْ جَرِيمتَينِ فأكْثَرَ كي يُحَدَّ بمَا يستَوجِبُ إسْقَاطَ الأدْنَى بإيجَابِ الأعْلَى. وإنَّما ارتَكبَ جَرِيمةً وَاحِدةً، حَدُّها عندَ عليٍّ رضي الله عنه مُقدَّرٌ بإقَامَةِ عُقوبتَينِ. فعندَما أُتِيَ بعَبْدٍ حَبَشيٍّ شَاربٍ زَانٍ، جَلَدَه أربَعِينَ أو خَمْسِينَ(1166) .
المطلب الثالث مضمون الترجيح
التَّرجِيحُ لُغةً:
التَّرجِيحُ: تَفعِيلٌ، مَصدَرٌ مِن رَجَّحَ يُرَجِّحُ تَرجِيحًا. تَدُورُ مَادَّةُ رَجَحَ حَولَ المَيَلانِ والثِّقَلِ. فالتَّرجِيحُ: التَّميِيلُ والتَّغلِيبُ، يُقَالُ: رَجَحَ المِيزَانُ، إذا مَالَ وثَقُلَت كِفَّتُه بالمَوزُونِ. وأرْجَحَ المِيزَانَ، إذا أثْقَلَه حتى مَالَ. وهو يتَعدَّى بالألِفِ والتَّضعِيفِ، يُقَالُ: أرْجَحَه، ورَجَّحَه(1167) .
التَّرجِيحُ اصْطِلاحًا:
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
تَعدَّدتْ أنظَارُ الأصُولِيِّينَ في تَصوُّرِ حَقِيقَةِ التَّرجِيحِ تَبعًا لاخْتِلافِهم في تَكييفِه: هَلْ هو مِن فِعْلِ المُجتَهدِ؟ أمْ أنَّه وَصْفٌ قَائِمٌ بالدَّلِيلِ الرَّاجِحِ؟ أمْ كِلاهُما؟ على ثَلاثَةِ آرَاءٍ:
الرَّأيُ الأوَّلُ: اعتَمدَ أهْلُه أنَّ التَّرجِيحَ مِن عَمَلِ المُجتَهدِ، فهو الذي يُظهِرُ القُوَّةَ الكَامِنَةَ في الدَّلِيلِ، وعليه عَرَّفُوا التَّرجِيحَ بأنَّه: «تَقوِيَةُ إحْدَى الأمَارَتَينِ على الأخْرَى بمَا ليسَ ظَاهِرًا»(1168) .
الرَّأيُ الثَّانِي: اعتَبرَ أصْحَابُه أنَّ التَّرجِيحَ قَائِمٌ بالدَّلِيلِ الرَّاجِحِ، وعليه فهو: «اقْتِرَانُ الأمَارَةِ بمَا تَقوَى به على مَا يُعارِضُها»(1169) .
الرَّأيُ الثَّالِثُ: ذَهَبَ رُوَّادُه إلى الجَمْعِ بينَ كَونِ التَّرجِيحِ مِن فِعْلِ المُجتَهِدِ وبينَ كَونِه وَصْفًا قَائِمًا بالدَّلِيلِ، فعَرَّفُوه بأنَّه: «إظْهَارُ زِيَادَةٍ لأحَدِ المُتمَاثِلَينِ على الآخَرِ بمَا لا يَستَقِلُّ»(1170) .
واشتَهرَ في الآوِنَةِ الأخِيرَةِ التَّعرِيفُ التَّالِي: «تَقْدِيمُ أحَدِ الدَّلِيلَينِ المُتعَارِضَينِ لمَا فيه مِن مَزِيَّةٍ مُعتَبَرَةٍ تَجعَلُ العَمَلَ به أولَى مِن الآخَرِ»(1171) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
يَظهَرُ مِن كِلا التَّعرِيفَينِ للتَّرجِيحِ اللُّغَويِّ والشَّرعِيِّ أنَّه لا بُدَّ مِن ثُبُوتِ المُمَاثَلَةِ بينَ الدَّلِيلَينِ، لتَحصُلَ المُعارَضَةُ، ثُمَّ يَتِمُّ التَّرجِيحُ بينَهما(1172) .
** *
المبحث الثاني وسائل الترجيح
ويَشتَمِلُ على ثَلاثَةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلَبُ الأوَّلُ: التَّرجِيحُ مِن جِهَةِ السَّنَدِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: التَّرجِيحُ مِن جِهَةِ المَتْنِ.
المَطلَبُ الثَّالِثُ: التَّرجِيحُ بأمْرٍ خَارِجيٍّ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الأول الترجيح من جهة السند
كانَ عليٌّ رضي الله عنه شَدِيدَ الاتِّباعِ لسنَّةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، حَرِيصًا على العَملِ بهَديهِ الشَّرِيفِ، لا يُقدِّمُ قَولَ أحدٍ مَهما عَظُمَ قَدْرُه، أو عَلَت مَنزِلتُه، على كَلامِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. إلا أنَّه كانَ يردُّ الحَدِيثَ أحيانًا لأسبابٍ عِلميَّةٍ انقدَحَت في ذِهْنِه تَستدَعي ذلك، منها:
ضَعْفُ ثِقَتِه برَاوِي الحَدِيثِ. أو لِعلْمِه بأنَّه مَنسُوخٌ. أو لِمُعارَضَتِه لِمَا هو أقْوَى منه في نَظَرِه.
فهذه أسبَابٌ ثَلاثَةٌ تُزِيلُ النِّقابَ عن السِّرِّ في رَفْضِ عليٍّ رضي الله عنه بَعْضَ الأحَادِيثِ، وتَغليبِ جَانبِ الرَّأيِ عليها، وأنَّه مَا كانَ مُتَّبِعًا لهَوى حَاشَاه-
PDF 515دُونَ أنْ يكونَ له أصلٌ صَحِيحٌ يَستنِدُ عليه إذا أعْوَزَه الأمرُ.
التَّرجِيحُ بفِقْهِ الرَّاوِي:
اِشترَطَ عليٌّ لقَبولِ الحَدِيثِ أنْ يكونَ رَاوِيه فَقِيهًا، لذا كانَ يُرَجِّحُ رِوَايةَ الفَقِيهِ على غَيرِه، دَلَّ على ذلك اعتِذَارُه في عَدَمِ العَمَلِ برِوَايةِ مَعْقِلِ بنِ سِنَانٍ الأشجعيِّ (ت 63 هـ) رضي الله عنه(1173) ، فيمَا يَروِيه عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّه قَضَى في بَرْوَعٍ بنتِ وَاشقٍ الأشْجَعِيَّةِ رضي الله عنها(1174) ، وقَد مَاتَ عنها زَوجُها ولم يَفرِضْ لها مَهرًا! بأنَّ لها الصَّدَاقَ، وعليها العِدَّةَ، ولها المِيرَاثَ(1175) .
وقالَ رضي الله عنه : «اعقِلُوا الخَبرَ إذا سَمِعتمُوه عَقْلَ رِعَايَةٍ لا عَقْلَ رِوَايَةٍ؛ فإنَّ رُواةَ العِلْمِ كَثِيرٌ، ورُعَاتَه قَلِيلٌ»(1176) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
التَّرجِيحُ بكَثرَةِ الصُّحْبَةِ وعَظِيمِ الفَضْلِ:
قولُ عليٍّ رضي الله عنه في أبي بَكرٍ رضي الله عنه : «حَدَّثنِي أبو بَكرٍ رضي الله عنه ، وصَدَقَ أبو بَكرٍ رضي الله عنه(1177) » نَصٌّ في التَّرجِيحِ بكَونِ الرَّاوِي كَثِيرَ الصُّحْبَةِ عَظِيمَ الفَضْلِ في الإسلامِ.
الوَجْه في ذلك أنَّه عَمِلَ برِوَايتِه ولمْ يُحلِّفْه في حين أنَّه كانَ يُحلِّفُ الرُّوَاةَ أحيَانًا، كي يتَثبَّتَ مِن صِحَّةِ رَفْعِ الحَدِيثِ، يقولُ عليٌّ رضي الله عنه : «كنتُ إذا سَمِعْتُ من رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثًا؛ نَفعَني اللهُ بمَا شَاءَ أنْ يَنفَعنِي منه. وكانَ إذَا حدَّثنِي عنه غَيرُه استَحْلَفْتُه، فإذا حَلَفَ صَدَّقْتُه(1178) (...)» .
المطلب الثاني الترجيح من جهة المتن
اعتَمَدَ عليٌّ رضي الله عنه في مُحَاوَلَةٍ منه لدَفْعِ التَّعارُضِ بينَ النُّصُوص ِالتَّرجِيحَ بِنَاءً على النَّظَرِ في مَتْنِ الدَّليلِ، فانتَظَمَ عندَه الأمْرُ في قَواعِدَ عِدَّةٍ، منها:
حَمْلُ العَامِّ على الخَاصِّ. حَمْلُ المُطلَقِ على المُقيَّدِ. حَمْلُ المُجمَلِ على المُبيَّنِ.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
القَاعِدَةُ الأولَى: حَمْلُ العَامِّ على الخَاصِّ:
العَامُّ: عَرَّفَه الشَّافِعيَّةُ بأنَّه: «اللَّفْظُ المُستغرِقُ جَمِيعَ مَا يَصلُحُ له بوَضْعٍ وَاحدٍ»(1179) . وعَرَّفَه الأحْنَافُ بأنَّه: «كُلُّ لَفْظٍ يَنتَظِمُ جَمْعًا مِن الأسْمَاءِ لَفْظًا أو مَعنى»(1180) .
الخَاصُّ: كلُّ لَفظٍ وُضِعَ لمَعنَى وَاحدٍ مَعلُومٍ على الانْفِرَادِ(1181) .
التَّخصِيصُ: قَصْرُ العَامِّ على بَعضِ أفْرَادِه(1182) ، أيْ: إخْرَاجُ مَا يَتنَاوَلُه اللَّفْظُ(1183) .
القَاعِدَةُ في ذلك: متى دَلَّ كلٌّ منهما على خِلافِ مَا يَدلُّ عليه الآخَرُ، حُمِلَ العَامُّ على الخَاصِّ، مُطْلقًا عندَ السَّادَةِ الشَّافِعيَّةِ، وبتَفصِيلٍ عندَ السَّادَةِ الأحْنَافِ(1184) .
وردَ عن عليٍّ رضي الله عنه مَا يُفِيدُ القولَ بالتَّخصِيصِ، وأنَّه كانَ يُراعِي هذا الجَانِبَ في استِنبَاطِ الأحْكَامِ العَمليَّةِ، خَاصَّةً إذا كانَتِ النُّصُوصُ مُتعارِضَةً في الظَّاهرِ.
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
مِن ذلك على سَبيلِ المِثَالِ:
هلْ يَجُوزُ الجَمْعُ بينَ الأخْتَينِ من الإمَاءِ؟ تَحرِيرُ المَسألَةِ وطَرْحُ الإشْكَالِيَّةِ:
وَردَ في كِتَابِ اللهِ تعالى آيَتانِ تَناولَتا حُكْمَ الجَمْعِ بينَ الأخْتَينِ المَملُوكَتينِ: إحْداهُما مُحرِّمةٌ، والأخْرَى مُبِيحَةٌ. إليهما جَاءَت الإشَارةُ في قَولِ سَيِّدِنا عليٍّ رضي الله عنه : «أحلَّتْهما(1185) آيةٌ، وحَرَّمَتْهما آيةٌ»(1186) . قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمه الله: «يُرِيدُ تَحلِيلَ الوَطْءِ بمِلْكِ اليَمِينِ في غَيرِ آيَةٍ»(1187) .
أمَّا عن الآيَةِ المُحرِّمةِ، فإنَّه يُشِيرُ إلى قَولِ الله تعالى: ﴿ وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ(1188) ﴾ ، لكَونِه عَامًّا في النِّكاحِ والجَمْعِ بمِلْكِ اليَمينِ، فلم يَخُصَّ وَطئًا بنِكَاحٍ ولا مِلْكِ يَمينٍ(1189) .
وأمَّا عن الآيَةِ المُبِيحَةِ، فإنَّه يَعنِي قَولَ اللهِ تعالى: ﴿ وَالمُحصَناتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيمانُكُم(1190) ﴾ ، حيثُ عمَّ ولم يَخُصَّ أخْتَينِ ولا غَيرَهما.
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فهَاتَانِ الآيَتانِ بينَهما عُمومٌ مِن وَجْهٍ، وخُصُوصٌ مِن وَجْهٍ آخرَ، فلا بُدَّ والحَالَةُ هذه مِن حَمْلِ عُمومِ هذه الآيَةِ المُحرِّمةِ على خُصُوصِ تلك المُبِيحَةِ، وحَمْلِ عُمومِ هذه المُبِيحَةِ على خُصُوصِ تلك المُحرِّمَةِ.
فالآيَةُ الأولَى: عَامَّةٌ في أيِّ أختٍ، سَواءٌ كانَت حُرَّةً أو أَمَةً، وسَواءٌ كانَت بالرَّضَاعِ أو بالنَّسبِ؛ فلا يَجُوزُ الجَمْعُ بينَهما.
ثمَّ هي خَاصَّةٌ مِن وَجْهٍ آخرَ، في كَونِها حرَّمَتِ الجَمْعَ بين الأُختَينِ، وأجَازَتْه في غَيرِهما، إلا مَا دلَّت عليه السُّنَّةُ مِن عَدَمِ إبَاحَةِ الجَمْعِ بينَ المَرأةِ وعمَّتِها، ولا بينَ المَرأةِ وخَالَتِها(1191) .
والآيَةُ الثَّانِيَةُ: خَاصَّةٌ في جَوَازِ الجَمْعِ بينَ الإمَاءِ دُونَ الحَرائرِ.
ومِن وَجْهٍ آخرَ هي عامَّةٌ، حيثُ شملَت عُمومَ الإمَاءِ دُونَ أن تَستَثنِيَ منها الأخَواتِ.
مَوقِفُ عليٍّ مِن
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الجَمْعِ بينَ الأخْتَينِ المَملُوكَتينِ:
بِناءً على مَا وَقفْتُ عليه من الأقْضِيَةِ المَنقُولَةِ عن عليٍّ رضي الله عنه في هذه المَسْألَةِ، تَبيَّنَ أنَّ له فيها قَولَينِ:
أحدُهما: أنَّه يَكْرهُ هذا الجَمْعَ كَراهةً شَدِيدةً، لكنَّه لا يَقولُ بالتَّحرِيمِ. قالَ في الأخْتَينِ المَملُوكتَينِ: «أحلَّتْهما آيةٌ، وحَرَّمَتْهما آيةٌ. فلا آمُرُ ولا أنهَى، ولا أُحِلُّ ولا أُحرِّمُ، ولا أفعلُه أنا ولا أهلُ بَيتِي»(1192) .
تَنزَّه عليٌّ رضي الله عنه وأهلُ بَيتِه عن فِعْلِ ذلك لشدَّةِ وَرَعِهم، وتَرفُّعِهم عن زِينَةِ الحَياةِ الدُّنيا، واحتِيَاطِهم في أمْرِ الدِّينِ.
والتَّحرِيمُ أَوْلَى عندَه - على مَا سَيأتي بَيانُه- لأنَّ فيه تَرْكَ مُباحٍ لاجتِنَابِ مُحرَّمٍ، وذلك أَوْلَى مِن عَكْسِه، فحَمَلَ اللَّفظَينِ على العُمومِ، ثمَّ رجَّحَ لفظَ التَّحرِيمِ(1193) ، كأنَّه يُشِيرُ إلى تَقدِيمِ الحَظْرِ على الإبَاحةِ، أو إلى أنَّ اشتِرَاكَ العِلَّةِ يَقتَضِي كونَ الحُكْمِ في مَا نحن فيه مِثْلَ الحُكْمِ في النِّكَاحِ، فكَما لا يَجُوزُ الجَمْعُ نِكَاحًا لا يَجُوزُ وَطئًا بمِلْكِ اليَمِينِ.
أمَّا كونُه لم يُصرِّحْ بحُكْمٍ جَازمٍ فلأنَّ المَسْألةَ مُحتَمِلَةٌ(1194) ، وقالَ بالجَوازِ بَعضُ مَن لا يُعتدُّ برَأيِهم في مَسائلِ الخِلافِ(1195) .
ومِن جِهَتِه، حَاوَلَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنْ يُفرِّقَ بينَ عِلَّةِ تَحرِيمِ الجَمْعِ بينَ الأخْتَينِ الحُرَّتينِ دونَ الأخْتَينِ المَملُوكتَينِ، فذَهبَ بذلك مَذهبًا خَالفَ فيه الرَّأيَ العَامَّ في مُجتَمعِ الصَّحابةِ صَراحةً، في مُناظَرةٍ جَرَت بينَه وبينَ عليٍّ في هذا الخُصُوصِ، لم يَرضَ من عليٍّ تَوقُّفَه في المَسألَةِ!
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: «قالَ لي عليُّ بنُ أبي طالبٍ: حرَّمَتْهما آيَةٌ وأحلَّتْهما آيةٌ». قالَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما: «حرَّمَتْهما آيةٌ وأحلَّتْهما آيةٌ!! إنَّما يُحرِّمُهنَّ عليَّ قَرابَتِي منهنَّ، ولا يُحرِّمُهنَّ عليَّ قَرابةُ بَعضِهنَّ من بَعضٍ، لقَولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَالمُحصَناتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيمانُكُم(1196)(1197) ﴾ ) ( ».
أرادَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أن يُخبِرَ بالعِلَّةِ التي وَقعَ مِن أجلِها تَحرِيمُ الجَمْعِ بينَ الأخْتَينِ الحُرَّتينِ، فقالَ: لم يَقعْ ذلك بقرَابةِ إحْداهُما مِن الأخْرَى، إذ لو كانَ ذلك لمْ يَحِلَّ وَطْءُ الثَّانيةِ بعدَ وَطْءِ الأُولَى كمَا يَجرِي في الأمِّ معَ البِنْتِ. ولكنَّه قَد وقعَ مِن أجلِ قَرابةِ الرَّجُلِ منهما، فَحَرُمَ عليه أن يَجمعَ الأخْتَ إلى الأخْتِ لأنَّها مِن أصْهارِه.
بناءً على هذا الشَّرحِ، يُلْحَظُ أنَّ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أخْرَجَ الإمَاءَ مِن حُكْمِ الحَرائرِ، لأنَّه لا قَرَابةَ بينَ الرَّجُلِ وبينَ إمَائِه(1198) .
ثَانِيهما: أنَّه يُحرِّمُه، ولا يقولُ بجَوازِه. ولعلَّ هذا الحُكْمَ كانَ آخِرَ الأمرَينِ عنه رضي الله عنه ، سُئِلَ أمِيرُ المُؤمنِينَ عُثمانُ بنُ عفَّانَ رضي الله عنه عن الأُختَينِ مِن مِلْكِ اليَمِينِ: هَلْ يُجمَعُ بينَهما؟ فقالَ عُثمانُ رضي الله عنه : «أحلَّتْهُما آيةٌ، وحرَّمتْهُما آيةٌ. فأمَّا أنا فلا أُحِبُّ أنْ أصنعَ ذلك».
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قالَ: فخَرَجَ من عنده، فلَقِيَ رَجُلاً(1199) مِن أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فسَألَه عن ذلك(1200) .
فقال: «لو كانَ لي مِنَ الأمْرِ شَيءٌ، ثُمَّ وَجدتُ أحَدًا فَعَلَ ذلك لَجعلْتُه نَكالاً(1201)(1202) )( ».
فكأنَّه قالَ له: لو كانَ لي مِن أمْرِ الحُكومَةِ والخِلافَةِ، أيْ: لو كانَت لي حُكومَةٌ على النَّاسِ بالعُقوبَةِ، ثمَّ جِئتُ بأحَدٍ جَمعَ بينَ الأخْتَينِ بمِلْكِ اليَمينِ، واطَّلعْتُ على ذلك، لجَعلْتُ فِعلَه ذلك بَاعِثًا لعِقَابِه، ولأجرَيْتُ عليه عُقوبةً زَاجِرةً عن مِثْلِ ذلك.
وعن عليٍّ رضي الله عنه أنَّه سُئِلَ عن رَجُلٍ له أمَتانِ أخْتَانِ، وَطِئَ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 523إحدَاهُما ثمَّ أرَادَ أنْ يَطَأ الأخْرَى! قال: «لا، حتى يُخرِجَها مِن مِلْكِه». قيلَ: فإنْ زَوَّجَها عبدَه؟ قالَ: «لا، حتى يُخرِجَها مِن مِلْكِه»(1203)
وعن إيَاسِ بنِ عَامرٍ الغَافِقيِّ(1204) قالَ: سَألْتُ عليَّ بنَ أبي طَالبٍ رضي الله عنه ، فقُلْتُ له: إنَّ لي أخْتَينِ ممَّا مَلكَت يَمينِي، اتَّخذْتُ إحْداهُما سُرِّيَّةً، فوَلَدَت لي أولادًا. ثمَّ رَغِبْتُ في الأخْرَى، فمَا أصْنَعُ؟ فقالَ عليٌّ رضي الله عنه : «تَعْتِقُ التي كُنْتَ تَطأها، ثمَّ تَطأ الأخْرَى».
قلتُ: فإنَّ نَاسًا يقولونَ: بلْ تَزوَّجْها، ثمَّ تَطأ الأخْرَى! فقالَ عليٌّ رضي الله عنه : «أرَأيتَ إنْ طلَّقَها زَوجُها، أو مَاتَ عنها، أليسَ تَرجِعُ إليك؟ لأنْ تَعِتقَها أسلمُ لك».
ثمَّ أخَذَ عليٌّ بيَدِي، فقالَ لي: «إنَّه يَحرمُ عليكَ ممَّا مَلَكتْ يَمِينُك مَا يَحرمُ عليكَ في كِتَابِ اللهِ مِن الحَرائرِ إلا العَدَدَ، أو قالَ: الأربعَ، ويَحرمُ عليكَ مِن الرَّضَاعِ مِثْلَ مَا يَحرمُ عليكَ في كِتَابِ اللهِ مِن النَّسَبِ»(1205) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
فخَصَّصَ عُمومَ جَوازِ التَّمتُّعِ بمِلْكِ اليَمينِ بخُصُوصِ عَدَمِ جَوازِ الجَمْعِ بينَ الأخْتَينِ. وبهذا الرَّأيِ يَلتَقِي معَ الأئمَّةِ الأعْلامِ في تَحريمِ الجَمْعِ بينَ الأخْتَينِ مُطلقًا، واللهُ تعالى أعلمُ.
عِدَّةُ الحَاملِ المُتوفَّى عنها زَوجُها:
ذَهبَ ابنُ مَسعودٍ رضي الله عنه وغَيرُه إلى أنَّ الحَامِلَ المُتوفَّى عنها زَوجُها تَعتدُّ بوَضْعِ الحَمْلِ.
وكان عليٌّ رضي الله عنه يَقضِي بأنَّ المُتوفَّى عنها زَوجُها إنْ كانَت حَامِلاً فعِدَّتُها أبعدُ الأجَلَينِ: أربعةُ أشهرٍ وعَشرٌ، أو وَضْعُ الحَمْلِ. فإذا وَضَعَتِ الحَمْلَ قَبْلَ أربعةِ أشهرٍ وعَشرٍ؛ لم تَنقَضِ العِدَّةُ، وبَقِيَت حتى تَنقَضِي أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ.
وإذا انقَضَت أربعةُ أشهرٍ وعشرٌ مِن قَبْلِ أنْ تَضَعَ الحَمْلَ؛ بَقِيَت في عِدَّتِها حتى تَضَعَ الحَمْلَ، سَألَ رَجُلٌ عليًّا رضي الله عنه عن امرَأةٍ تُوفِّيَ عنها زَوجُها وهي حَامِلٌ؟ قالَ: «تتَربَّصُ أبعدَ الأجَلينِ»(1206) .
مَنشَأُ الخِلافِ:
سَببُ حُدُوثِ هذا الخِلافِ يَعُودُ إلى تَعارُضِ نَصَّينِ عامَّينِ:
فاللهُ تعالى جَعَلَ عِدَّةَ المُتوفَّى عنها زَوجُها أربعةَ أشهرٍ وعشرةَ أيَّامٍ مِن غَيرِ تَفصيلٍ، قالَ اللهُ تعالى:﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزواجًا
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 525يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا(1207) ﴾ وهذه الآيَةُ تُوجِبُ الاعتِدَادَ بالشُّهورِ.
وجَعلَ عِدَّةَ المُطلَّقةِ الحَاملِ وَضْعَ الحَمْلِ، قالَ اللهُ تعالى: ﴿ وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ(1208) ﴾ ، فهذه الآيةُ تُوجِبُ انقِضَاءَ العِدَّةِ بوَضْعِ الحَمْلِ.
فذَهبَ عليٌّ رضي الله عنه إلى العَملِ في المُتوفَّى عنها زَوجُها بالآيَتينِ معًا، وأنَّ كُلاًّ منهما مُخصِّصٌ لعُمومِ الأخرَى. ذلك أنَّ بينَ الآيَتينِ عُمومًا وخُصُوصًا وَجهيًّا، وطَرِيقُ الجَمْعِ بينَ ما يكونُ كذلك: أنْ يُؤخذَ بالصُّورَةِ التي تَجمعُهما، ولا طَرِيقَ إلى ذلك إلا مَا سَلكَه عليٌّ رضي الله عنه ، «وهذا مَأخذٌ جَيِّدٌ، ومَسلَكٌ قَوِيٌّ(1209) (...)» .
فالآيةُ الأُولَى: عامَّةٌ من وَجهٍ، وخَاصَّةٌ من وَجهٍ آخرَ:
أمَّا عُمومُها، فلأنَّها شَملَت كلَّ زَوجَةٍ، سَواءٌ أكانَت حَامِلاً أم حَائِلاً دُونَ تَحدِيدٍ. وأمَّا خُصُوصُها، فلأنَّها تَحدَّثَت عن حَالَةِ الوَفاةِ على وَجهِ الخُصُوصِ، دُونَ الإشَارَةِ إلى مَوضُوعِ الطَّلاقِ.
وكذا الحَالُ معَ الآيَةِ الأخرَى، فإنَّها أيضًا عَامَّةٌ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وخَاصَّةٌ:
عَامَّةٌ، لأنَّها لم تُحدِّدْ وَصْفَ الحَاملِ: أمطلَّقةٌ هي؟ أم مُتوفَّى عنها زَوجُها؟ وخَاصَّةٌ، لأنَّها تَناولَتِ المَرأةَ الحَامِلَ دُونَ أنْ تُعرِّجَ على أمرِ الحَائلِ.
إذًا، فالحَامِلُ المُتوفَّى عنها زَوجُها لها حَالتَانِ:
الحَالةُ الأولَى: أنْ تَضَعَ حَمْلَها قَبْلَ مُضِيِّ أربَعةِ أشهرٍ وعَشرةِ أيَّامٍ مِن وَفاةِ زَوجِها.
والوَاجِبُ عليها في هذه الحَالَةِ إكْمَالُ المُدَّةِ المَضرُوبةِ لها، وأنْ لا تَعمَلَ بعُمومِ الآيَةِ الأخرَى، التي تَقضِي بانتِهَاءِ العِدَّةِ بوَضْعِ الحَمْلِ، لأنَّها مُخصَّصةٌ بالأُولَى.
الحَالةُ الثَّانِيَةُ: أن يَمضِيَ عليها أربَعةُ أشهرٍ وعَشرةُ أيَّامٍ وهي لمَّا تَضَعْ حَمْلَها بعدُ.
فالوَاجِبُ عليها ساعتئذٍ أنْ تَعتدَّ مَا بقِيَ لها مِن أيَّامِ حَمْلِها حتى يَتِمَّ الوَضْعُ، لأنَّ عُمومَ الآيَةِ الأُولَى مُخصَّصٌ بالثَّانيةِ.
فكانَ كلٌّ مِن الآيَتينِ عَامًّا مِن وَجهٍ، خَاصًّا مِن وَجهٍ آخرَ، فخَصَّصَت إحدَاهُما الأخرَى. فيكونُ عليٌّ رضي الله عنه قد عَمِلَ بالاحتِيَاطِ المَبنيِّ على الجَمعِ بينَ الأدلَّةِ، مُستنبِطًا حُكْمًا شَرعيًّا لحَالَةٍ ثَالِثةٍ سَكتَت كِلتَا الآيَتينِ عنه، ألا وهي: الحَامِلُ المُتوفَّى عنها زَوجُها، وجَعَلَ
PDF 527انقِضَاءَ أبعَدِ الأجَلَينِ مِن وَضْعِ الحَمْلِ، أو مُضِيِّ الشُّهورِ عَلامةً على انتِهَاءِ عِدَّتِها(1210) ذلك أنَّه لم يتَرجَّحِ العَملُ بإحدَاهُما دُونَ الأخرَى، فيُعمَلُ بالآيَتينِ جَمِيعًا للخُروجِ مِن الظَّنِّ إلى اليَقينِ، إبرَاءً للذِّمَّةِ، وللتَّخلُّصِ مِن ظَاهِرَةِ التَّعارُضِ.
أمَّا ابنُ مَسعُودٍ رضي الله عنه ، فقَد جَعَلَ آيَةَ الطَّلاقِ حَكَمًا على آيَةِ الوَفَاةِ، أي: نَاسِخةً لها. ذلك أنَّ آيَةَ الوَفَاةِ عَامَّةٌ في كُلِّ زَوجَةٍ، وآيَةَ الطَّلاقِ خَاصَّةٌ في الزَّوجَةِ الحَاملِ. وقد تَرَاخَى الحُكْمُ في الآيَةِ الثَّانِيَةِ عن الأوَّلِ، فيكونُ نَاسِخًا له في الحَاملِ المُتوَفَّى عنها زَوجُها(1211) .
وأيَّدَ اجْتِهَادَه بحَديثِ سُبَيعَةَ الأسْلَميَّةِ رضي الله عنها(1212) التي مَاتَ عنها زَوجُها، فوَضَعَتِ الحَمْلَ بَعدَ خَمسةٍ وعِشرينَ يَومًا مِن مَوتِه، فقَضَى فيها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بانقِضَاءِ عِدَّتِها(1213) . حتى قالَ ابنُ مَسعُودٍ رضي الله عنه : «مَن شَاءَ لاعَنتُه: إنَّ التي في «النِّسَاءِ القُصرَى» نَزلَت بعدَ «البَقرَةِ»: ﴿ وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ(1214)(1215) ﴾ ) ( ».
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
القَاعِدَةُ الثَّانِيَةُ: حَمْلُ المُطلَقِ على المُقيَّدِ:
المُطلَقُ: اللَّفْظُ الدَّالُّ على مَدلُولٍ شَائعٍ في جِنْسِه(1216) . أو: اللَّفْظُ المُتنَاوِلُ لوَاحدٍ لا بعَينِه باعتِبَارِ حَقِيقَةٍ شَامِلَةٍ لجِنْسِه(1217) . المُقيَّدُ: المُتنَاوِلُ لمُعيَّنٍ أو لغَيرِ مُعيَّنٍ مَوصُوفٍ بأمْرٍ زَائدٍ على الحَقِيقَةِ الشَّامِلَةِ لجِنْسِه(1218) . أحْوَالُ المُطلَقِ والمُقيَّدِ:
يَرَى المُتأمِّلُ في النُّصُوصِ الشَّرعيَّةِ أنَّها ليسَت على نَسَقٍ وَاحدٍ من حيثُ الدَّلالةُ، فبَعضُها جَاءَ مُطلَقًا، وبَعضُها جَاءَ مُقيَّدًا.
ومعَ شَيءٍ من التَّأنِّي تَلْحَظُ أنَّ ثمَّةَ رَابِطًا بينَ النَّصَّينِ في الحُكْمِ، أو سَببِه، أو في الحُكْمِ والسَّببِ مَعًا، فيُحمَلُ هذا على ذاكَ في أحوَالٍ دُونَ أحوَالٍ، باتِّفَاقٍ في البَعضِ، واختِلافٍ في البَعضِ الآخَرِ، عندَ أهْلِ الأصُولِ(1219) .
الأحْوَالُ المُتَّفَقِ عليها:
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
إذا اتَّحَدَ الحُكْمُ والسَّبَبُ، اتَّفَقَ الأصُولِيُّونَ في هذه الحَالَةِ على حَمْلِ المُطلَقِ على المُقيَّدِ. إذا اختَلفَا في الحُكْمِ والسَّبَبِ معًا، اتَّفقَ الأصُولِّيونَ على أنَّه لا يُحمَلُ المُطلَقُ على المُقيَّدِ في هذه الحَالَةِ، وإنَّما يُعمَلُ بكُلٍّ مِن اللَّفظَينِ في مَوضِعِهما بحَسَبِ الإطْلاقِ والتَّقييدِ في كُلٍّ. إذا اختَلَفَ الحُكْمُ واتَّحَدَ السَّببُ، اتَّفقُوا على عَدَمِ حَمْلِ المُطلَقِ على المُقيَّدِ.
الأحْوَالُ المُختلَفُ فيها: أنْ يكونَ الإطْلاقُ والتَّقييدُ في سَبَبِ الحُكْمِ، والمَوضُوعُ والحُكْمُ وَاحِدٌ. فذَهَبَ المُتكلِّمُونَ إلى حَمْلِ المُطلَقِ على المُقيَّدِ، وخَالَفَ في ذلك الأحْنَافُ. أنْ يتَّحِدا في الحُكْمِ ويَختَلِفا في السَّبَبِ. ذَهَبَ المُتكلِّمُونَ إلى حَمْلِ المُطلَقِ على المُقيَّدِ، بخِلافِ الأحْنَافِ الذين عَمِلُوا بالمُطلَقِ في مَوضعِه وبالمُقيَّدِ في مَوضعِه. مَوقِفُ عليٍّ مِن حَمْلِ المُطلَقِ على المُقيَّدِ:
مِن جَرَّاءِ النَّظَرِ في أحْكَامِ عليٍّ رضي الله عنه ، تَبيَّنَ أنَّه يَحمِلُ المُطلَقَ على المُقيَّدِ في حَالَتينِ اثنَتينِ، هما:
الحَالَةُ الأولَى: عندَما يكونُ الإطْلاقُ والتَّقييدُ في سَببِ الحُكْمِ، والمَوضُوعُ والحُكْمُ وَاحِدٌ.
الحَالَةُ الثَّانِيَةُ: عندَما يَتَّحِدُ المُطلَقُ والمُقيَّدُ في الحُكْمِ والسَّببِ معًا.
النَّمَاذِجُ التَّطبِيقيَّةُ:
عَمِلَ عليٌّ رضي الله عنه بمُوجبِ هذه القَاعِدَةِ: (حَمْلُ المُطلَقِ على المُقيَّدِ) في اجتِهَاداتِه الفِقْهيَّةِ، منها على سَبيلِ المِثَالِ:
حُكْمُ التَّنفُّلِ بعدَ صَلاةِ العَصْرِ:
صَحَّ النَّهيُ عنِ الصَّلاةِ بعدَ صَلاةِ العَصْرِ حتى تغَرُبَ الشَّمسُ، فعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما قالَ: «شَهِدَ عندي رِجَالٌ مَرضيُّونَ، وأرضَاهم عندي عمرُ، أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى عنِ الصَّلاةِ بعدَ الصُّبْحِ حتى تَشرُقَ الشَّمسُ، وبعدَ العَصْرِ حتى تَغرُبَ»(1220) .
ذَهَبَ عليٌّ رضي الله عنه إلى أنَّه لا يُكرَه التَّطوُّعُ بعدَ صَلاةِ العَصْرِ، لأنَّ النَّهيَ إنَّما قُصِدَ به تَرْكُ الصَّلاةِ عندَ غُروبِ الشَّمسِ، لقَولِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لا تَحرَّوا بصَلاتِكم طُلوعَ الشَّمسِ ولا غُروبَها»(1221) .
واحتَجَّ بمَا رَواهُ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: «لا تُصَلُّوا بعدَ العَصْرِ إلا أنْ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 531تَكُونَ الشَّمسُ بَيضَاءَ نَقِيَّةً مُرتَفِعَةً»(1222)
فأجَازَ الصَّلاةَ بعدَ العَصْرِ إلى الاصْفِرَارِ(1223) ، بقَولِه وفِعْلِه(1224) ، وبذلك يكونُ قَد حَمَلَ مُطلَقَ النَّهيِ عنِ الصَّلاةِ بعدَ صَلاةِ العَصْرِ، على مَا وَرَدَ في تَقييدِه بإيقَاعِها حَالَةَ كونِ الشَّمسِ قَد مَالَت مُصفرَّةً، وجَوازِها عندَما تكونُ مُرتَفِعَةً نَقِيَّةً(1225) .
لا صَدقَةَ فِطْرٍ عنِ الرَّقِيقِ الكَافرِ:
عنِ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما قالَ: «أمرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بصَدَقَةِ الفِطْرِ عنِ الصَّغيرِ والكَبيرِ، والحُرِّ والعَبدِ ممَّن تمونون»(1226) .
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قَضَى عليٌّ رضي الله عنه بأنَّ زَكَاةَ الفِطْرَةِ لا تَجِبُ على السَّيِّدِ في أرِقَّائِه الكَافرِينَ(1227) ، مُقيِّدًا مُطلَقَ لَفْظِ: «العَبْدِ» الوَاردِ في الحَدِيثِ بقَولِ ابنِ عمرَ رضي الله عنهما: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم زَكَاةَ الفِطْرِ مِن رَمضَانَ على النَّاسِ (...) على كُلِّ حُرٍّ أو عَبدٍ، ذَكَرٍ أو أنثَى، صَغيرٍ أو كَبيرٍ، مِن المُسلِمينَ»(1228) .
ورَوى عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّه قالَ: «هي على كُلِّ مُسلمٍ صَغيرٍ أو كَبيرٍ، حُرٍّ أو عَبدٍ»(1229) .
حَمْلُ آيةِ السَّرِقَةِ على آيَةِ المُحاربَةِ في القطعِ:
يقولُ اللهُ تعالى في بَيانِ حدِّ قَاطعِ الطَّريقِ: ﴿ إِنَّمَا جَزاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ(1230) ﴾ .
ويقولُ اللهُ تعالى في بَيانِ حدِّ السَّرِقَةِ: ﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكالًا مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(1231) ﴾ .
طَرْحُ الإشْكَالِيَّةِ:
بيَّنَ اللهُ تعالى حدَّ كلٍّ من هاتين الجَرِيمتَينِ، على النَّحوِ التَّالِي:
مَن
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
قَطَعَ الطَّرِيقَ؛ يُقتَلُ، أو يُصلَبُ، أو تُقطَعُ يَدُه ورِجْلُه مِن خِلافٍ. على خِلافٍ عندَ أهلِ العِلْمِ في مَفادِ الرَّابطِ: ﴿ أَوْ ﴾: هَلْ هو على سَبيلِ العَطْفِ، فيُقَامَ عليه بقَدْرِ فِعْلِه؟ أو التَّخييرِ، فيَحكمُ عليه الإمَامُ بمَا يرَاهُ زَاجِرًا(1232) مَن سَرَقَ تُقطَعُ يدُه. ولكنَّه سَكَتَ عمَّا إذا عَادَ فسَرَقَ مرَّةً ثَانِيَةً وثَالِثةً... فمَا حُكْمُه؟
مَوقِفُ عليٍّ ممَّن تَكرَّرَت منه السَّرِقَةُ:
في خُصُوصِ الجَوابِ عن حُكْمِ مَن عَادَ فسَرَقَ غيرَ مرَّةٍ، يقولُ الشَّعبيُّ رحمه الله: كانَ عليٌّ رضي الله عنه لا يَقطَعُ إلا اليدَ والرِّجْلَ، وإنْ سَرَقَ بعدَ ذلك سُجِنَ ونُكِّلَ. وإنَّه كانَ يقولُ رضي الله عنه : «إنِّي لأستَحيِي مِن اللهِ أنْ لا أدَعَ له يَدًا يَأكلُ بها ويستَنجِي»(1233) .
ثمَّ احتجَّ بآيَةِ المَحارَبةِ على أمِيرِ المُؤمنِينَ عمرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه فتَركَ عمرُ قولَه إلى قَولِ عليٍّ رضي الله عنهما في حَادثةٍ مَشهُورةٍ بينهما، وهي أنَّ عمرَ رضي الله عنه أُتِيَ برَجُلٍ قَد سَرَقَ، فقَطَعَه. ثمَّ أُتِيَ به الثَّانِيةَ، فقَطعَه. ثمَّ أُتِيَ به الثَّالِثةَ، فأرَادَ أنْ يَقطعَه! فقالَ له عليٌّ رضي الله عنه «لا تَفعَلْ، إنَّما عليه يَدٌ ورِجْلٌ، فاللهُ تعالى يقولُ: ﴿ إِنَّمَا جَزاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 534تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ(1234) ﴾ فلا يَنبَغِي أنْ تَدعَه ليسَ له قَائِمةٌ يَمشِي عليها، ولا يَدٌ يَأكلُ بها. فإمَّا أنْ تُعزِّرَه وإمَّا أنْ تَستَودِعَه السِّجْنَ». فاستَودَعَه السِّجْنَ(1235)
الدَّلالةُ الأصُولِيَّةُ:
حَمَلَ عليٌّ رضي الله عنه مُطلقَ الأمْرِ بالقَطْعِ في آيةِ السَّرِقَةِ، على مُقيِّدِه في آيَةِ المُحارَبةِ، بعَدمِ القَطعِ إلا مرَّتينِ. وعليه فلا قَطْعَ أكثرُ مِن يَدٍ ورِجْلٍ عندَما تَتكرَّرُ السَّرِقَةُ.
فمُقتَضَى الخِطَابِ: إذا سَرَقَ مرَّةً أُولَى قُطِعَت يدُه اليُمنَى، وإذا عَادَ فسَرَقَ للمرَّةِ الثَّانيةِ قُطِعَت رِجْلُه اليُسرَى. فإنْ حَصَلَ وعَاودَ السَّرِقةَ للثَّالِثَةِ ومَا فوقَ، لم يَزِدْ على ذلك، وإنَّما يَلجَأُ إلى التَّعزيرِ بَدَلَ القَطْعِ، لذلك كان يُعاقِبُ مثلَ هذا بالسِّجنِ.
القَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ: حَمْلُ المُجمَلِ على المُبيَّنِ:
المُجمَلُ: مَا له دَلالَةٌ على مَعنَيينِ لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على الآخَرِ بالنِّسبَةِ إليه(1236) بمَعنَى آخرَ: مَا خَفِيَ مُرادُه، بحيثُ لا يُدرَكُ إلا ببَيانٍ يُرجَى.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المُبيَّنُ: الخِطَابُ المُبتَدأ المُستَغنِي بنَفْسِه عنِ البَيَانِ(1237) بمَعنَى آخرَ: مَا ظهرَ المُرادُ منه دون الحَاجَةِ إلى بيانٍ.
لمَّا كانَ القُرآنُ يُبيِّنُ بَعضُه بَعضًا في كَثيرٍ من الأحْيَانِ، تَنبَّهَ لهذا المَعنَى عليٌّ رضي الله عنه ، فسَارَ معَ القُرآنِ يَنهجُ نَهجَه.
تَحدِيدُ مَعنَى الهَدْيِ:
كانَ مِن ذلك أنْ بيَّنَ المُرادَ من الهَديِ في قَولِه تعالى: ﴿ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بالِغَ(1238) ﴾ ، حينَ حَمَلَه على الثَّمانيةِ أزْواجٍ، في قَولِ الله سبحانه وتعالى : ﴿ ثَمانِيَةَ أَزواجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَينِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ نَبِّئوني بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صادِقينَ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَينِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصّاكُمُ اللَّهُ بِهَـذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِّيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمينَ(1239) ﴾ .
في حِوَارٍ دَارَ بينَه وبينَ رَجُلٍ، يَسألُه عن الهَديِ: مِمَّ هو؟
فقالَ: «مِن الثَّمانِيةِ الأزْوَاجِ». فكأنَّ الرَّجُلَ شَكَّ! فقالَ عليٌّ رضي الله عنه : «تَقرَأ القُرآنَ؟». فكَأنَّ الرَّجُلَ قالَ: نعم.
قالَ: أفَسَمِعْتَ اللهَ يقولُ: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنعامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 536وَأَنتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ(1240) ﴾ قالَ: نعم.
قالَ: وسَمِعْتَه يقولُ: ﴿ لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنعامِ(1241) ﴾ . ﴿ وَمِنَ الأَنعامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا(1242) ﴾ . ﴿ لِّيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعلوماتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الأَنعامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ(1243) ﴾ ؟ قالَ: نعم.
قالَ: أفَسَمِعْتَه يقولُ: ﴿ ثَمانِيَةَ أَزواجٍ مِّنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَينِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنثَيَيْنِ نَبِّئوني بِعِلْمٍ إِن كُنتُمْ صادِقينَ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ(1244) ﴾ ؟ قالَ: نعم.
قالَ: أفَسَمِعْتَه يقولُ: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ هَدْيًا بالِغَ(1245) ﴾ ؟ قالَ الرَّجُلُ: نعم.
فقالَ: إنْ قَتَلْتُ ظَبيًا، فمَا
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 537عليَّ؟ قالَ: شَاةٌ. قالَ عليٌّ رضي الله عنه ﴿ مِّنكُمْ هَدْيًا بالِغَ ﴾. قالَ الرَّجُلُ: نعم.
فقالَ عليٌّ رضي الله عنه : «قَد سَمَّاه اللهُ: ﴿ هَدْيًا بالِغَ ﴾، كمَا تَسمَعُ»(1246) .
المطلب الثالث الترجيح بأمر خارجي
التَّرجِيحُ بمُوافَقةِ القُرآنِ:
قَضَاءُ الفَوائتِ في أوقَاتِ الكَراهَةِ: قالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَن نَسِيَ صَلاةً [أو نَامَ عنها]، فليُصَلِّها إذا ذَكَرَها، لا كَفَّارةَ لها إلا ذلك»(1247) هذا الحَدِيثُ يُعارِضُه نَهيُه صلى الله عليه وسلم عنِ الصَّلاةِ في الأوقَاتِ التي نَهَى عنِ الصَّلاةِ فيها(1248) غيرَ أنَّ الحَدِيثَ الأوَّلَ يُعاضِدُه القُرآنُ، في نَحوِ قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ حافِظوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتينَ(1249) ﴾ وقَولِه تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(1250) ﴾ وقَد التَزَمَ عليٌّ رضي الله عنه بدَلالَةِ الحَدِيثِ، إلاَّ أنَّه أجَازَ قَضَاءَ الفَوائتِ في أيِّ وَقْتٍ كانَ، بلا كَراهَةٍ، فقالَ: «إذَا نَامَ الرَّجُلُ عن صَلاةٍ، أو نَسِيَ، فليُصَلِّ إذا ذَكرَ»(1251) عَدَمُ تَقييدِ الرَّضَاعِ المُحرِّمِ بعَدَدٍ: قَضَى عليٌّ رضي الله عنه بأنَّ الرَّضَاعَ المُحرِّمَ هو مَا يُسمَّى رَضَاعًا، لِمَا يَروِيه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مِن قَولِه: «أمَا عَلِمْتَ أنَّ اللهَ تعالى حَرَّمَ مِن الرَّضَاعَةِ مَا حَرَّمَ مِن النَّسَبِ»(1252) ولمْ يُقيِّدْه بعَدَدٍ مُعيَّنٍ، فقَلِيلُه وكَثِيرُه في ذلك سَواءٌ، وبالتَّالِي فلَو رَضَعَ الرَّضِيعُ رَضعةً وَاحِدَةً قَصِيرةً ووَصَلَ اللَّبَنُ إلى جَوفِه، فقَد ثَبَتَ الرَّضَاعُ. قالَ: «يَحرمُ مِن الرَّضَاعِ قَلِيلُه وكَثِيرُه»(1253) مُرَجِّحًا حَدِيثَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بعُمُومِ قَولِ اللهِ تعالى: ﴿ وَأُمَّهاتُكُمُ اللّاتي أَرْضَعْنَكُمْ(1254) ﴾ وَجْهُ الدَّلالةِ في ذلك: أنَّ الآيَةَ والحَدِيثَ عَامَّانِ، وقَد تَأكَّدَت
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
دَلالَةُ الحَدِيثِ بظَاهرِ الآيَةِ، فتَرجَّحَ عندَه، ولمْ يَصِحَّ لديه نَصٌّ في التَّخصِيصِ.
التَّرجِيحُ بمُوافَقَةِ القِيَاسِ:
تَقدِيمُ القِيَاسِ على خَبَرِ الوَاحِدِ:
حُكْمُ المُفوَّضَةِ:
تَعرِيفُها:
المُفوَّضَةُ: هي التي نَكحَت بلا ذِكْرِ مَهْرٍ، أو على أنَّ لا مَهْرَ لها، أو سَمَّى مَا لا يَصْلُحُ أنْ يكونَ مَهرًا(1255) .
حُكْمُها:
أفتى ابنُ مَسعُودٍ رضي الله عنه أنَّ المَرأةَ إذا عَقَدَ عليها زَوجُها ولم يُسَمِّ لها مَهرًا، فإنَّها تستَحِقُّ بمَوتِه جَمِيعَ المَهْرِ، إنْ لمَ يَدخُلْ بها(1256) .
أمَّا عليٌّ رضي الله عنه فقد نَحَا مَنحًى آخرَ، مُخالِفًا باجتِهَادِه فَتوَى ابنِ مَسعُودٍ رضي الله عنه ، فقَضَى بأنَّ المَرأةَ لا صَدَاقَ لها، ولكنْ لها المِيراثُ، وعليها العِدَّةُ. رَوَى عنه غَيرُ وَاحدٍ في المَرأةِ يتَزوَّجُ الرَّجُلُ ثمَّ يمُوتُ عنها، ولم يَدخُلْ بها، ولم يَفرِضْ لها صَداقًا؟ بأنَّ لها المِيرَاثَ، وعليها العِدَّةَ، ولا صَدَاقَ لها(1257) .
ورَدَّ حَدِيثَ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 540مَعْقِلِ بنِ سِنَانٍ الأشجعيِّ (ت 63 هـ) رضي الله عنه القَاضِي بإعْطَاءِ المُفوَّضَةِ الصَّداقَ كَامِلاً، ولم يَعمَلْ بمُوجَبِه.
الدلالةُ الأصوليَّةُ من المَذهبَينِ:
أمَّا ابنُ مَسعُودٍ رضي الله عنه ، فعَمِلَ بمَعقُولِ النَّصِّ، إذ لم يَعلَمْ قَبْلُ نَصًّا صَرِيحًا في المَسألَةِ، فاضْطرَّ إلى الإفْتَاءِ بالرَّأيِ، لأنَّه لا بُدَّ منه في نَازِلَةٍ هو لا يَملِكُ فيها وَحيًا. ولمَّا عَلِمَ بحَديثِ مَعقلٍ الذي جَاءَ مُؤيِّدًا لِمَا رَآهُ، فَرِحَ به أيَّما فَرَحٍ، لأنَّه وَافَقَ قَضَاءَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، واطمَأنَّ بهذا النَّصِّ إلى صِحَّةِ استنبَاطِه واجتِهَادِه.
يُستَفادُ مِن هذا المَوقفِ لابنِ مَسعُودٍ رضي الله عنه -إلى جَانبِ مَا وَرَدَ عنه صَراحةً- عَدَمُ التَّحرُّجِ في الاجتِهَادِ بالرَّأيِ إنْ لم يكنْ في الوَاقِعَةِ نَصٌّ يَحتكِمُونَ إليه، لئلا تتَعطَّلَ الحَياةُ، فتَظلَّ بِلا أحْكَامٍ تُصَحِّحُ مَسارَها، وتَضبِطُ مُعامَلاتِ النَّاسِ!
وأمَّا عن عليٍّ رضي الله عنه ، فقدَّمَ القِيَاسَ على خَبرِ الآحَادِ، لِمَا عُرِفَ عنه من التَّشدُّدِ في قَبولِ الرِّوايةِ، واشتِرَاطِ عَاملِ الفَقاهةِ في الرَّاوي فيمَا يُعارِضُ مَا دَلالتُه قَطْعيَّةٌ مِن القَواعدِ والأصُولِ العَامَّةِ.
حُجَّةُ عليٍّ فيمَا ذَهبَ إليه:
فالزَّوجَةُ هذه لو كانَت طُلِّقَت مَا كانَت لِتستَحِقَّ مِن الصَّدَاقِ شَيءٌ، لقَولِ اللهِ تعالى: ﴿ لَّا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ
PDF 541أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً(1258) ﴾
فلمَّا رَأى عليٌّ رضي الله عنه أنَّ المَوْتَ كالطَّلاقِ، قَاسَه عليه بجَامعِ أنَّ كلاً منهما يُحرِّمُ الزَّوجَينِ على بَعضِهما لحُصولِ الفِرَاقِ بينَهما، ويُبِيحُ لهما الزَّواجَ بغَيرِهما، عندَئذٍ لم يُعطِ المُفوَّضَةَ الصَّدَاقَ، ولم يَأخُذْ بالحَدِيثِ لمَانِعَينِ رَآهُما:
(الأوَّلُ): أنَّه لم يَثبُتْ لديه بطَريقٍ يَطمَئِنُّ بها إلى صِحَّتِه، وقَد اعتَذرَ عن ذلك إذ قال: «لا يُقْبلُ قَولُ أعرَابيٍّ مِن أشْجَعَ، على كِتَابِ اللهِ»(1259) .
(الثَّانِي): أنَّه مُعارِضٌ لِقيَاسٍ ثَبتَ أصلُه في كِتَابِ اللهِ. فيكونُ بذلك قَد قَدَّمَ قِيَاسًا أصلُه قَطعِيُّ الثُّبوتِ على خَبرِ آحادٍ رَاوِيه غَيرُ فَقِيهٍ!
ولا يَظُنَّنَّ ظَانٌّ أنَّ عليًّا رضي الله عنه حين رَدَّ هذا الخَبرَ أنَّه لا يَعمَلُ بحَديثِ الآحَادِ عُمومًا! فإنَّ أحدًا مِن الصَّحابَةِ رضي الله عنهم لم يَقُلْ بذلك، وإنَّما هو يَشتَرِطُ في جَوازِ العَملِ به إذا عَارَضَ القِيَاسَ، أو صَادمَ نَصًّا قَطعِيَّ الثُّبوتِ، أنْ يكونَ رَاوِيه فَقيهًا. وهذا الأمرُ بانَ جلِيًّا في قَولِه: «(...) لقَولِ أعرَابيٍّ بوَّالٍ على عَقِبَيه». وعندَما أُخبِرَ بقَولِ ابنِ مَسعُودٍ رضي الله عنه ، قالَ: «لا تُصدَّقُ الأعْرَابُ على رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم»(1260) .
قالَ الغَزاليُّ (ت 505 هـ) رحمه الله: «وأمَّا رَدُّ عليٍّ خَبرَ الأشجعيِّ،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 542فقَد ذَكرَ عِلَّتَه، وقالَ: كيفَ يُقبَلُ قولُ أعرابيٍّ بوَّالٍ على عَقِبَيه! بيَّنَ أنَّه لم يَعرِفْ عَدالتَه وضَبْطَه. ولذلك وَصفَه بالجَفاءِ، وتَرْكِ التَّنزُّهِ عن البَوْلِ»(1261)
كذا قالَ رحمه الله! وإنَّما جَاءَ وَصفُه بالجَفاءِ لمُلازَمةِ هذه الصِّفَةِ في طَبِيعَةِ الأعْرَابِ. وأمَّا إنَّه لم يَعرِفْ عَدالتَه، فهذا بَعِيدٌ لتَعدِيلِ اللهِ لعُمومِ الصَّحابةِ. وأمَّا قَولُه: «بَوَّالٌ على عَقِبَيه»، فلا يُرَادُ منه تَرْكُ التَّنزُّه عن البَوْلِ قَطْعًا، وإلا كانَت هذه تُهْمةً بالفِسْقِ. وإنَّما جَرَى منه مَجرَى المَثَلِ؛ كأنَّه يقولُ: «لا يَعرِفُ الأحْكَامَ، فلا يُعوَّلُ على رِوَايَتِه»(1262) .
هذا، ويُمكِنُ أنْ يُجابَ عن حُجَّةِ عليٍّ رضي الله عنه بأمْرَينِ:
الأوَّلُ: أنَّ الحَدِيثَ لم يَنفَرِدْ برِوَايَتِه مَعقِلٌ المَذكورُ، بلْ رُوِيَ مِن طَريقِ غَيرِه(1263) .
الثَّانِي: مُعارَضَةُ دَعوَى صِحَّةِ القِيَاسِ، فالكِتَابُ والسُّنَّةُ إنَّما نَفيَا مَهْرَ المُطلَّقَةِ قَبْلَ المَسِّ والفَرْضِ، لا مَهْرَ مَن مَاتَ عنها زَوجُها. وأحْكَامُ المَوْتِ غَيرُ أحْكَامِ الطَّلاقِ، فيكونُ قِيَاسًا معَ الفَارقِ.
انتَهَى – بحَمْدِ اللهِ تعالى- الفَصْلُ الثَّانِي، وحَانَ الشُّرُوعُ بالفَصْلِ الثَّالِثِ في مَا يَخُصُّ أحْكَامَ النَّسْخِ.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
الفصل الثالث أحكام النسخ
اختَلَفَ الأصُوليُّونَ في وَضْعِ حَدٍّ للنَّسْخِ، بِنَاءً على تَصوُّرِهم لحَقِيقَتِه، هلْ هو رَفْعٌ؟ أو بَيَانٌ؟ على قَولَينِ. إلاَّ أنَّ الخِلافَ في ذلك لَفظِيٌّ لا أثَرَ له.
التَّعرِيفُ الأوَّلُ: رَفْعُ الحُكْمِ الثَّابتِ بخِطَابٍ مُتقَدِّمٍ بخِطَابٍ مُتأخِّرٍ عنه(1264) .
التَّعرِيفُ الثَّانِي: النَّصُّ الدَّالُّ على انتِهَاءِ أمَدِ الحُكْمِ الشَّرعِيِّ مَعَ التَّأخِيرِ عن مَورِدِه(1265) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
وحيثُ إنَّ النسْخَ في الكِتَابِ والسُّنَّةِ مَوضُوعٌ وَثِيقُ الشَّجَى بالتَّعارُضِ والتَّرجِيحِ(1266) وهو وَاحِدٌ مِن وُجُوهِ رَفْعِ التَّعارُضِ بينَ النُّصُوصِ... فقَد جَعَلْتُه في فَصْلٍ خَاصٍّ، كي أتَنَاوَلَ جَانِبًا منه ذِي عَلاقَةٍ مُباشِرَةٍ بدِرَاسَتِنَا. ومَن رَامَ التَّفصِيلَ فعليه بكُتُبِ الأصُولِ، والقَصْدُ هنا الإيمَاءُ إلى جُملَةٍ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 545مِن ذلك.
وقَد جَاءَ هذا الفَصْلُ في مَبحثَينِ اثنَينِ، هما:
المَبحَثُ الأوَّلُ: أهمِّيَّةُ العِلْمِ بالنَّاسِخِ والمَنسُوخِ.
المَبحَثُ الثَّانِي: نَمَاذِجُ تَطبِيقيَّةٌ.
المبحث الأول أهمية العلم بالناسخ والمنسوخ
ويَشتَمِلُ على مَطلَبينِ اثنَينِ، هما:
المَطلَبُ الأوَّلُ: العِلْمُ بالنَّاسِخِ والمَنسُوخِ شَرْطٌ في الاجْتِهَادِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: مَوقِفُ عليٍّ مِن العِلْمِ به.
المطلب الأول العلم بالناسخ والمنسوخ شرط في الاجتهاد
لا يَجُوزُ لمَن نَصَّبَ نَفْسَه للوَعظِ والإرْشَادِ، أو رَغِبَ في تَفسيرِ كِتَابِ اللهِ تعالى(1267) ، فَضْلاً عمَّن يتَصدَّرُ لمَنصِبِ القَضَاءِ أو الإفْتَاءِ، أنْ يُقدِمَ على أيٍّ مِن ذلك دُونَ أنْ يكونَ على دِرَايةٍ تامَّةٍ بالنَّاسخِ والمَنسُوخِ مِن الكِتَابِ والسُّنَّةِ، فإنَّ العِلْمَ به مِن الشُّرُوطِ المُتَمِّمَةِ للاجْتِهَادِ(1268) .
ومِن ثَمَّ فالنَّسْخُ كمَا يَطرَأ على الآيَاتِ القُرآنيَّةِ، فإنَّه يَطرَأ أيضًا على الأحَادِيثِ النَّبويَّةِ، فقَد «كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَنسَخُ حَدِيثُه بَعضُه بَعضًا، كمَا يَنسَخُ القُرآنُ بَعضُه بَعضًا»(1269) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
عن حذيفةَ بنِ اليَمانِ (ت 36 هـ) رضي الله عنه قالَ: «إنَّما يُفتِي النَّاسَ أَحَدُ ثلاثةٍ:
رَجُلٌ عَلِمَ نَاسِخَ القُرآنِ مِن مَنسُوخِه. قالُوا: ومَن ذاكَ؟ قالَ: عمرُ بنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه . قالَ: وأمِيرٌ لا يَجِدُ بُدًّا. أو أحْمَقُ مُتَكلِّفٌ(1270) .
المطلب الثاني موقف علي من العلم به
كان عليٌّ رضي الله عنه شَدِيدَ الفَحْصِ عنِ النَّاسخِ والمَنسُوخِ مِن الحَديثِ، فيَعمَلُ به إذا ثَبَتَ عندَه عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، أو عنْ وَاحدٍ مِن الصَّحابةِ رضي الله عنهم ، بالشُّروطِ المَعروفَةِ لَدى المُحدِّثينَ، مِن مُرَاعَاةِ جَانبِ العَدالةِ والضَّبطِ في الرُّواةِ... فكيفَ إذا كانَ هو رَاويه؟
في هذا الإطَارِ سَارَ عليٌّ رضي الله عنه وتَشدَّدَ فيمَن
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 547يتعَرَّضُ لقَضايَا النَّاسِ ووَعْظِهم وهو ليسَ على مَعرِفَةٍ بالنَّاسخِ والمَنسُوخِ. عَاتبَ قَاصًّا وَجدَه: أبو يَحيَى(1271) ثمَّ سألَه مُتثبِّتًا: «أتَعرِفُ النَّاسِخَ والمَنسُوخَ؟». قالَ: لا!
فقالَ له عليٌّ رضي الله عنه بصِيغَةِ التَّأنِيبِ والزَّجْرِ: «هَلكْتَ وأهْلَكتَ، إنَّما أنتَ (أبو اعرفوني)(1272) »!
ثمَّ أخَذَ بأُذُنِه يَقصُّ في المَسجدِ ويَعِظُ النَّاسَ، فسَألَه عن اسْمِه؟ قالَ، فأخرَجَه مِن المَسْجدِ، ونَهاه أنْ يُحدِّثَ فيه(1273) .
هذه كانَت سُنَّةً مُتَّبَعةً عندَ عليٍّ رضي الله عنه في مُراقَبةِ الوُعَّاظِ والعُلماءِ وسُؤالِهم عن النَّاسخِ والمَنسُوخِ، وقَد مرَّ يَومًا بقاصٍّ يقصُّ، فقالَ: «هلْ تَعلمُ النَّاسِخَ والمَنسُوخَ؟». قالَ: لا. قالَ: «هَلكْتَ وأهْلَكتَ»(1274) .
** *
المبحث الثاني نماذج تطبيقية
ويَشتَمِلُ على ثَلاثَةِ مَطالِبَ، هي:
المَطلَبُ الأوَّلُ: نَسْخُ القَولِ بالقَولِ.
المَطلَبُ الثَّانِي: نَسْخُ القَولِ بالفِعْلِ.
المَطلَبُ الثَّالِثُ: نَسْخُ الفِعْلِ بالفِعْلِ.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الأول نسخ القول بالقول
النَّهيُ عن ادِّخَارِ الأضَاحِي ثُمَّ الإذْنُ به:
عن عليٍّ رضي الله عنه قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَانَا أنْ نَأكُلَ مِن لُحُومِ نُسُكِنا بعدَ ثَلاثٍ»(1275) .
فكانَ عليٌّ رضي الله عنه يَنهَى عن إمسَاكِ لُحومِ الأضَاحِي بعدَ ثَلاثَةِ أيَّامٍ، فقَد صلَّى العِيدَ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ فقالَ: «إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَد نَهاكُم أنْ تَأكُلوا لُحُومَ نُسُكِكُم فوقَ ثَلاثِ لَيَالٍ، فَلا تَأكُلوا»(1276) .
ثُمَّ رَخَّصَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بذلك، ولم تَبلُغِ الرُّخصَةُ عليًّا رضي الله عنه
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 549وإلاَّ لَمَا حَدَّثَ بالنَّهيِ وقَضَى به مُقتَصِرًا عليه والنَّهيُ مَنسُوخٌ- وتَرَكَ الرُّخصَةَ وهي نَاسِخَةٌ، فقَد نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عنْ أكْلِ لُحُومِ الضَّحَايَا بعدَ ثَلاثٍ، ثُمَّ قالَ بَعْدُ: «كُلُوا، وتَزوَّدُوا، وادَّخِرُوا»(1277)
المطلب الثاني نسخ القول بالفعل
حُكْمُ نِكَاحِ المُتعَةِ:
تَعرِيفُ المُتعَةِ:
المُتْعَةُ: أنْ يَنكِحَ الرَّجُلُ المَرأةَ إلى أجَلٍ مَعلُومٍ(1278) . وسُمِّيَ نِكَاحُ المُتعَةِ بذلك لانتِفَاعِ المَرأةِ بمَا يُعطِيها الرَّجُلُ، وانتِفَاعِ الرَّجُلِ بالمَرأةِ لقَضَاءِ شَهوَتِه.
لَمحَةٌ تَارِيخيَّةٌ:
عُرِفَ نِكَاحُ المُتعَةِ منذُ زَمَنِ الجَاهليَّةِ كوَاحدٍ مِن الأنكِحَةِ المَعمُولِ بها. ومعَ مَجيءِ الإسْلامِ لم يَحدُثْ أيُّ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 550تَغييرٍ يَلحَقُه حتى زَمَنٍ بَعيدٍ. بلْ وَرَدَ مَا يُفِيدُ أنَّها كانَت مَشرُوعةً في الحُرُوبِ معَ غَيرِ المُسلِمَاتِ، عنِ ابنِ مَسعُودٍ رضي الله عنه قالَ: «كُنَّا نَغزُو معَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ليسَ لنا نِسَاءٌ، فقلنَا: ألا نَستَخصِي! فنَهانَا عن ذلك، ثمَّ رَخَّصَ لنَا أنْ نَنكِحَ المَرأةَ بالثَّوبِ إلى أجَلٍ»(1279)
مَوقِفُ عليٍّ مِن نِكَاحِ المُتعَةِ:
في خِضَمِّ النِّقاشَاتِ العلميَّةِ التي كانَت تَجُوبُ آفَاقَ شِبْهِ الجَزِيرَةِ العَربيَّةِ بَحْثًا عنِ الحَقِيقَةِ المَوضُوعيَّةِ، كَاشِفةً عن أدَبِ الخِلافِ الذي تَحلَّى به الصَّدرُ الأوَّلُ، حَصَلَت مُناظَرةٌ فِقهيَّةٌ بينَ عليٍّ وابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهم حَوْلَ مَشرُوعيَّةِ نِكَاحِ المُتعةِ مِن عَدَمِه.
قَضَى عليٌّ رضي الله عنه ببُطلانِ هذا النَّوعِ من الأنْكِحَةِ، وأنَّها لا تَجُوزُ.
بينَما أفْتَى ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما بجَوَازِ إجرَاءِ هذا العَقْدِ وأنَّه صَحِيحٌ.
مَنشأُ الخِلافِ:
حَصَلَ أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم حَكَمَ في المُتعَةِ أكْثَرَ مِن مَرَّةٍ، وبأكْثرَ مْن حُكْمٍ شَرعيٍّ. جَاءَ الإسْلامُ والنَّاسُ مُعتادونَ على هذا النِّكاحِ، ثمَّ مَا لَبِثَ أنْ حرَّمَها رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ خَيبر، والحَدِيثُ يَروِيه عليٌّ رضي الله عنه نَفْسُه، قالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عن المُتعَةِ عامَ خَيبر»(1280) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثمَّ رخَّصَ بها عَامَ أَوْطَاس(1281) ، ثمَّ نَهَى عنها نَهيًا باتًّا إلى يَومِ القِيامَةِ(1282) .
وقالَ صلى الله عليه وسلم: «يَا أيُّها النَّاسُ، إنِّي قَد كُنْتُ أذِنْتُ لكُم في الاستِمْتَاعِ مِن النِّسَاءِ، وإنَّ اللهَ قَد حرَّمَ ذلك إلى يومِ القِيَامَةِ، فمَن كانَ عندَه مِنهُنَّ شَيءٌ، فليُخَلِّ سَبِيلَه، ولا تَأخذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهنَّ شَيئًا»(1283) .
الدَّلالَةُ الأصُولِيَّةُ:
فَهِمَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مِن صَنيعِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم هذا أنَّ الرُّخصَةَ كانَت حيثُ دَعَتِ الضَّرورةُ، ووُرُودَ النَّهيِ عنها لانقِضَائِها. وعليه فالحُكْمُ عندَه بَاقٍ على الجَوَازِ متى تَحقَّقتِ الضَّرورةُ، عَملاً بالقَاعِدَةِ الأصُولِيَّةِ: الحُكْمُ يَدُورُ معَ علَّتِه وُجودًا وعَدمًا. وأنَّ الشَّرِيعةَ رَاعَت جَانِبَ الضَّرُورَاتِ وتَجاوزَت بها عن المَنهيَّاتِ.
قِيلَ لابنِ عبَّاسٍ ب: هَلْ تَدرِي مَا صَنَعْتَ؟ ومَا أفْتَيْتَ؟ سَارَت بفُتْيَاكَ الرُّكْبَانُ، وقَالَت فيه الشُّعرَاءُ! قالَ: ومَا قَالُوا؟ قِيلَ: قَالُوا:
| أقُولُ يَومًا وقَد طَالَ الثَّواءُ(1284) ( 1284 ) بِنَا | يَا صَاحِ هَلْ لكَ في فَتوَى ابنِ عبَّاسِ |
|---|
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
| هَلْ لكَ في رَخْصَةِ الأطْرَافِ(1285) ( 1285 ) آنِسَةٍ | تَكُونُ مَثْوَاكَ حتى مَصدَرِ النَّاسِ(1286) ( 1286 ) |
فقَامَ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما عَشِيَّةَ عَرفَةَ، فقالَ: «إنَّما كانَتِ المُتعَةُ لمَن اضْطُرَّ إليها، كالمَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ»(1287) .
أمَّا عليٌّ رضي الله عنه رَاوِي الحَديثِ، فقَد حَمَلَ نَهْيَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم على نَسْخِ الجَوازِ، وبه زَالَت الرُّخصَةُ بالكُليَّةِ، وأخَذَت حُكْمًا جَدِيدًا، ألا وهو المَنْعُ منها مُطلقًا، قالَ: «نَسَخَ رَمضَانُ كلَّ صَومٍ، ونَسخَتِ الزَّكاةُ كلَّ صَدَقةٍ، ونَسَخَ المُتعَةَ الطَّلاقُ والعِدَّةُ والمِيرَاثُ»(1288) .
ولمَّا سَمِعَ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه يتَسَاهلُ في فَتوَاه، ويُرخِّصُ بمُتعَةِ النِّساءِ، ويقولُ بجوازِها! نَاظرَه، وقالَ له: «مَهْلاً، يَا ابنَ عبَّاسٍ، فإنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَهَى عنها يَومَ خَيبر، وعن لحُومِ الحُمْرِ الإنسيَّةِ»(1289) .
فعليٌّ رضي الله عنه بقَولِه هذا يُؤكِّدُ على مَرجَعيَّةِ السُّنَّةِ، وأنَّ إليها المَرجِعَ
حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 553وفَصْلَ الخِطَابِ في حَلِّ النِّزاعَاتِ. وحيثُ قَرَنَ بينَ مُتعَةِ النِّساءِ والحُمْرِ الأهليَّةِ، فإنَّه يُشِيرُ إلى أمُورٍ، منها:
إنَّ حُرْمَةَ المُتعَةِ كحُرْمَةِ الحُمْرِ مِثْلاً بمِثْلٍ. إنَّهما جَمِيعًا كانَتا جَائزَتينِ في صَدْرِ الإسْلامِ، ثمَّ جَرَى عليهما النَّسْخُ، فحرَّمَهما الشَّارِعُ على التَّأبيدِ. إنَّ المَورِدَ الشَّرعيَّ الذي اعتَمدَ عليه مُحرِّمُو الحُمْرِ الإنسيَّةِ هو نَفْسُه الدَّلِيلُ الذي نَصَّ على تَحريمِ نِكَاحِ المُتعَةِ. يُرِيدُ أنْ يُحقِّرَ مِن شَأنِ المُتعَةِ إذ أتى على تَحرِيمِها مَصحُوبةً بذِكْرِ تَحريمِ الحُمْرِ الأهليَّةِ.
ولا زَالَ يُناقِشُ ابنَ عبَّاسٍ رضي الله عنهما حتى قالَ فيه: «إنَّكَ رَجُلٌ تَائِهٌ»(1290) .
ولم يَسْلَمِ ابنُ عبَّاسٍ رضي الله عنهما مِن انتِقَادَاتِ عَبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ رضي الله عنهما، إذ عرَّضَ به بمكَّةَ فقالَ: «إنَّ نَاسًا أعمَى اللهُ قُلوبَهم كمَا أعمَى أبصَارَهم يُفتُونَ بالمُتعَةِ»(1291) .
حتى رُوِي عنِ ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه رَجعَ أخِيرًا إلى قَولِ جُمهورِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم في آخرِ حَياتِه(1292) .
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
المطلب الثالث نسخ الفِعل بالفِعل
القِيَامُ للجَنازَةِ:
حَكَمَ عليٌّ رضي الله عنه بمَشرُوعيَّةِ القِيَامِ للجَنازَةِ يومَ أنْ سَمِعَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يأمرُ بذلك، ثمَّ سُرعَانَ مَا استَجَابَ للخِطَابِ الجَديدِ القَاضِي برَفْعِ هذه المَشرُوعيَّةِ على الإطْلاقِ في آخرِ الحُكْمَينِ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، مُبيِّنًا أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم إنَّما قَامَ مرَّةً وَاحِدةً، ثمَّ لم يَعُدْ(1293) . والحَدِيثُ يَروِيه عليٌّ رضي الله عنه -بألْفَاظٍ مُتعدِّدَةٍ(1294) - قالَ: «كانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أمَرَنا بالقِيَامِ في الجَنازَةِ. ثمَّ جَلَسَ بعدَ ذلك، وأمَرَنا بالجُلوسِ»(1295) . وأشَارَ عليٌّ رضي الله عنه بالعِرَاقِ على رِجَالٍ قِيَامٍ لجَنازَةٍ ينتَظِرُونَ أنْ تُوضَعَ: «أنِ اجلِسُوا؛ فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قَد أمَرَنَا بالجُلوسِ بعدَ القِيَامِ»(1296) .
والحُكْمُ بالجُلوسِ ليسَ خَاصًّا بالنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ألمَحَ عليٌّ رضي الله عنه إلى ذلك حينَما أعَقَبَ فِعْلَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بقَولِه دَلالةً على أنَّه عَامٌّ في حَقِّ الأمَّةِ، وليسَ ثمَّةَ مُخصِّصٌ.
وفيه سُرعَةُ استِجَابَةِ عليٍّ رضي الله عنه للهَدْيِ النَّبويِّ دُونَما أيِّ تَردُّدٍ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
PDF 555أو تَسَاؤُلٍ.
بعدَ أنِ استَوفَيْتُ الكَلامَ في النَّاسخِ والمَنسُوخِ مِن البَابِ الرَّابعِ، فقَد تمَّتِ الدِّرَاسَةُ حَوْلَ: «أقْضِيَةُ الخَلِيفَةِ الرَّاشدِ عليِّ بنِ أبِي طَالبٍ رضي الله عنه : دِرَاسَةٌ تَأصِيلِيَّةٌ تَطبِيقِيَّةٌ لمَنهَجِ عليٍّ في أصُولِ الفِقْهِ». وفيمَا يَلِي أخْلُصُ إلى خَاتِمَةِ البَحْثِ، أسْألُ اللهَ تعالى حُسْنَها.
** *
الخاتمة
أهم النتائج والتوصيات
النَّتائِجُ:
بعدَ هذه التَّطوافَةِ في رِيَاضِ عليٍّ الفِكْرِيَّةِ والمَنهجِيَّةِ، مِن خِلالِ استِعْرَاضِ جُملَةٍ وَافِرَةٍ مِن أحكَامِه وأقضِيَتِه، وإمْعَانِ النَّظَرِ فيها لاستِخْلاصِ قَواعدِه الأصُولِيَّةِ ومَناحِيه الاجتِهَادِيَّةِ، تَحسُنُ الإشَارَةُ هنا إلى ذِكْرِ أهَمِّ النَّتائجِ المُستَفادَةِ مِن هذا البَحْثِ، وعَدَدُها عِشرُونَ نَتِيجَةً، بَيانُها على النَّحْوِ الآتِي:
حَظِيَ عليٌّ رضي الله عنه بثِقَةِ فُقهَاءِ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم والتَّابِعينَ، فعَمِلُوا على حِفْظِ أقضِيَتِه وتَدوينِها والحُكْمِ بها. تَرَكَ عليٌّ رضي الله عنه بصَماتِه العِلميَّةَ ولمَساتِه الاجتِهاديَّةَ في مَدارِسَ فِكرِيَّةٍ شتَّى، وتأثَّرَت به مَذاهِبُ فِقهيَّةٌ مُتعدِّدةٌ، حتى غَدَت اجتِهادَاتُه مَصدرَ تَشرِيعٍ عندَهم. ثَمَّ جُملَةٌ من المَعاييرِ التي سَاهمَت في صَقلِ مَواهبِ عليٍّ الأصُوليَّةِ، تَعودُ إلى قِسمَينِ رَئيسَينِ، هما: الاستِعدادُ الفِطرِيُّ، والعَامِلُ الكَسبِيُّ. خلَّف للحَضارَةِ العَربيَّةِ والعُلومِ الإسلاميَّةِ آثَارًا خَالِدةً، نَالَت إعجابَ البَاحثِينَ.
وكانَ له أوَّليَّاتٌ في بَعضِ المَفاهيمِ حَظِيَت باعتِمَادِ قَلَمِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ، كبَدْءِ التَّقوِيمِ بالهِجرَةِ. مَا وَصلَنا مِن تَركَةِ عليٍّ رضي الله عنه يُعَدُّ قَلِيلاً! يتَرجَّحُ السَّببُ في ذلك إلى سَابِقَةٍ غَيرِ مَألُوفَةٍ تَرسَّمت في ظَاهِرَةِ الوَضْعِ، فاحتَاطَ المُحقِّقونَ في اعتِمَادِ تلك الأقضِيَةِ. اهتمَّ عليٌّ رضي الله عنه بالقَضاءِ على المُستَويَينِ: التَّنظِيريِّ والتَّطبِيقيِّ، ورَفَعَ من سُلْطَتِه، وعَمِلَ على إحَاطَتِه بمَا يَحفَظُ دَورَه ونُموَّه، وحَثَّ فيه على العَدْلِ، ومَارسَه عَملِيًّا. سَارَ عليٌّ رضي الله عنه في ضَوءِ أقضِيَةِ الخُلفَاءِ السَّابقِينَ رضي الله عنهم ونَهى قُضاتَه عن نَقضِها، وغَلَّبَ جَانِبَ المُحافَظَةِ على وِحدَةِ الأمَّةِ على إجرَاءِ بَعضِ التَّعدِيلاتِ الإدَارِيَّةِ عليها. لم تُؤثَرْ عنه قَواعِدُ تَفصِيليَّةٌ في مَنهجِيَّةِ الاستِنبَاطِ، مَعَ العِلْمِ أنَّه وَرَدَت عنه قَواعِدُ عَامَّةٌ يُمكِنُ أنْ تُستخلَصَ مِن الرِّوايَاتِ المَأثُورَةِ عنه. إذًا فالأدِلَّةُ الإجمَالِيَّةُ التي اعتَمدَها تُقسَمُ إلى قِسمَينِ: الأدِلَّةُ المَنصُوصُ عليها، والأدِلَّةُ المُستنبَطَةُ مِن آثَارِه. أعطَى عليٌّ رضي الله عنه الوَحيَ الإلَهيَّ بقِسمَيه: المَتلُوِّ والمَرويِّ أهمِّيَّةً بَالِغةً، تَجلَّت في سَبيلِ المُحافَظةِ عليه عن طَريقَيِ: الوُجودِ والعَدمِ، وكَشَفَ عن وُجُوهِ الإعجَازِ في القُرآنِ العَظيمِ، وأنَّه يحملُ بينَ
آيَاتِه حُكْمَ كُلِّ نَازِلَةٍ مُستَجِدَّةٍ، بالإشَارَةِ إلى مَصادِرَ لا تَزالُ تُواكِبُ المَسِيرَةَ الإنسَانِيَّةَ أبَدَ الدَّهرِ. السُّنَّةُ هي المَصدَرُ الثَّانِي في التَّشرِيعِ، وقَد اتَّبعَ عليٌّ رضي الله عنه تِقْنِيَّاتٍ استَطاعَ مِن خِلالِها أنْ يَغدُوَ وَاحِدًا مِن أهمِّ الرُّواةِ عنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، حتى غَدا أعلمَ أهلِ زَمانِه بها رِوايَةً ودِرايَةً، وذلك لطُولِ مُدَّتِه بعدَ وَفَاةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وكَثرَةِ لِقَاءِ النَّاسِ إيَّاه، وحَاجَتِهم له. ظَهرَت فِكرَةُ الإجمَاعِ في عَهدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، ونَمَت معَ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ، واستَشهدَ به عليٌّ رضي الله عنه في غَيرِ مَا مَحفلٍ. شَكَّلَتِ السَّوابِقُ القَضائِيَّةُ أحكَامًا دُستورِيَّةً، عَادَ إليها الخُلفَاءُ اللاَّحِقونَ: عمرُ ومَن بعدَه، وتَبنَّاها عليٌّ رضي الله عنه في مَنظُومَتِه الاجتِهاديَّةِ. مِن خِلالِ النَّظَرِ في أقضِيَةِ عليٍّ رضي الله عنه تَبيَّنَ أنَّه يَعتَمِدُ على شَرعِ مَن قَبلَنا في استِنبَاطِ الأحكَامِ. ويُقصَدُ به: الأحكَامُ التي وَرَدَ ذِكرُها في الكِتَابِ أو السُّنَّةِ، وسَكَت الشَّارِعُ عنها، فلم يُقرَّها أو يُنكِرْها. وَردَ عن عليٍّ رضي الله عنه نَصٌّ في اعتِمَادِ القِيَاسِ كمَصدَرٍ للتَّشرِيعِ، فكَانَت أحكَامُه مُنسَجِمةً معَ هذا الدَّلِيلِ، ولم تَثبُتْ عنه قَضيَّةٌ خَالفَت هذه القَاعِدَةَ. رَاعَى دَلالةَ الاستِحسَانِ في المَسائلِ الشَّرعِيَّةِ، وكانَ له وَقائِعُ كَثِيرةٌ قَضَى فيها
بمُقتَضَى هذا الأصْلِ. الاستِصحَابُ أحَدُ الأدِلَّةِ العَقلِيَّةِ التي دَارَت عليها مَنظُومَةُ عليٍّ الاجتِهادِيَّةُ، وهذا ظَاهِرٌ في أحكَامِه. دَعا عليٌّ رضي الله عنه إلى الاجتِهَادِ ورَغَّبَ فيه، واعتَمدَ مَبدَأ تَجزُّؤِ الاجتِهَادِ، ومَشرُوعِيَّةَ الاجتِهَادِ الجَماعيِّ، فلمْ يَمنَعْ مِن تَعدُّدِ الأقوَالِ، ولمْ يَحمِلِ الفُقهَاءَ على رَأيٍ وَاحدٍ، ممَّا يَعكِسُ اتِّسَاعَ دَائرَةِ الحُرِّيَّةِ في ذلك العَصرِ. نَبَذَ عليٌّ رضي الله عنه نَظريَّةَ التَّقلِيدِ وحَاربَها بشدَّةٍ، نَظرًا لما يتَمتَّعُ به مِن أهليَّةِ الاجتِهَادِ التي نَصَرَ بها الحَقَّ، وأقَامَ دَعائِمَه، في أحْلَكِ الظُّروفِ، وأشَدِّها صُعوبةً. عَمِلَ بمَقاصدِ الشَّرِيعَةِ، وسَنَّ دَساتِيرَ عَملِيَّةً في تَطبِيقِ شَرْعِ اللهِ الحَكيمِ على الإنسَانِ والحَيوَانِ. مُراعِيًا في ذلك جَلْبَ المَصلَحةِ، ودَفْعَ المَفسَدَةِ، وسَدَّ الذَّرِيعَةِ، وأحوالَ العُرْفِ. لاحَظَ عليٌّ رضي الله عنه في نُصُوصِ الكِتَابِ والسُّنَّةِ بَعضَ مَا يُظَنُّ فيه التَّعارُضُ، فاجتَهدَ في رَفْعِ هذه الظَّاهِرَةِ، مُحاوِلاً الجَمْعَ بينَ النُّصُوصِ مَا أمكنَ، لاجِئًا إلى التَّرجِيحِ بينَها، أو القَولِ بنَسْخِ السَّابقِ باللاَّحقِ منها.
التَّوصِيَاتُ:
هذه
PDF 561بَعْضُ التَّوصِيَاتِ التي رَأيْتُ مِن المُهمِّ التَّنبِيهَ عليها، ولَفْتَ النَّظَرِ إليها، ودَعوَةَ طُلاَّبِ العِلْمِ إلى بَحْثِها:
ضَرُورَةُ التَّوسُّعِ في دِرَاسَةِ حَيَاةِ الصَّحابَةِ أصُولِيًّا، لا سِيَّما مَن عُرِفَ منهم بالنُّبُوغِ الفِكْريِّ، والبُعْدِ التَّنظِيريِّ، والبَحْثِ التَّطبِيقيِّ، وذلك مِن خِلالِ دِراسَةِ مَناهجِهم الاستِنبَاطِيَّةِ ومَسالكِهم التَّعلِيليَّةِ. والتَّفصِيلِ في أثَرِ السَّوابقِ القَضائيَّةِ، والاختِيارَاتِ الفِقهيَّةِ على المَدارسِ الأصُولِيَّةِ والمَذاهبِ الفِقهيَّةِ. وتَأصِيلِ المَنهَجِ الصَّحيحِ الذي أسْهمَ في تَكوينِ الصِّيَاغَةِ العِلميَّةِ للقَضايَا الشَّرعِيَّةِ. ضَرُورَةُ اعتِنَاءِ البَاحثِينَ بالاجتِهَادِ المَقاصِديِّ عندَ الصَّحابَةِ، وكيفَ أنهم كانوا يُنزِلونَ الأحْكَامَ على الوَقائعِ، اعتِمَادًا على رُوحِ الشَّرِيعَةِ وتَطلُّعاتِها العَظِيمَةِ، في سَبيلِ تَكوينِ الفَرْدِ السَّوِيِّ، وبِنَاءِ المُجتَمعِ المَدنِيِّ المُتقَدِّمِ. المُضِيُّ قُدُمًا في دِراسَةِ سِيرَةِ عليٍّ الاجتِهادِيَّةِ: (الفِقهيَّةِ، والأصُولِيَّةِ)، وتَوثِيقِ أقضِيَتِه وفَتاوِيه، والعَمَلِ على استِيعَابِها في صَعيدٍ وَاحدٍ. ثُمَّ مُقارَنتِها باجتِهادَاتِ الأئمَّةِ وما رَجَّحُوه منها. العَمَلُ على إبرَازِ فَضْلِ عليٍّ رضي الله عنه على مُجتَمَعِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ، والوُقُوفُ على عَظيمِ العَلاقَةِ ذَاتِ البُعْدِ الإيمَانيِّ التي كانَت تَجمَعُ بينَ عليٍّ رضي الله عنه وإخوَانِه مِن الصَّحابَةِ رضي
الله عنهم
تلك هي أهمُّ النَّتائجِ التي توَصَّلتُ إليها، أثنَاءَ بَحثِي في هذه الرِّسالَةِ. وهذه بَعضُ التَّوصِيَاتِ التي رَشَحَت بها يَراعِي. فإنْ كُنتُ قَد وُفِّقْتُ فهذا رَجائِي، وللهِ الفَضْلُ والمِنَّةُ، وإنْ أخفَقْتُ، فحَسبِي أنَّني بَذَلْتُ طَاقتِي، وأستَغفِرُ اللهَ.
فهرس المصادر والمراجع
الآجُرِّي، أبو بكر: محمد بن الحسين (ت 360 هـ)، «الشريعة» ، تحقيق: الوليد سيف النصر، مصر، مؤسسة قرطبة، ط 1 ، 1417 هـ= 1996 م، 3 مج. الآمدي، سيف الدين، أبو الحسن: علي بن محمد (ت 631 هـ)، «الإحكام في أصول الأحكام» ، تعليق: عبد الرزاق عفيفي، بيروت، دار ابن حزم، ط 1 ، 1424 هـ= 2003 م، 2 مج، 4 ج. ابن الأثير، عز الدين، أبو الحسن: علي بن محمد الجزري (ت 630 هـ)، «أسد الغابة في معرفة الصحابة» ، تحقيق: محمد إبراهيم البنا ورفاقه، بيروت، تصوير: دار إحياء التراث العربي، 7 مج، بدون ذكر بيانات الطبع! ابن الأثير، مجد الدين، أبو السعادات: المبارك بن محمد الجزري (ت 606 هـ)، «النهاية في غريب الحديث والأثر» ، اعتنى به: رائد بن صبري بن أبي علفة، الرياض، بيت الأفكار الدولية، 1017 ص.
أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني (ت 241 هـ):
«العلل ومعرفة الرجال» تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، بيروت، المكتب الإسلامي، ط 1 1408 هـ= 1988 م، 3 ج. «فضائل الصحابة» تحقيق: د. وصي الله محمد عباس، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 1 1403 هـ= 1983 م، 2 مج. «المسند» شرحه وصنع فهارسه: أحمد محمد شاكر، مصر، دار المعارف، ط 3 1369 هـ= 1950 م.
د. الأشقر، عمر سليمان (معاصر)، «القياس بين مؤيديه ومعارضيه» الكويت، الدار السلفية، ط 1 1399 هـ= 1979 م، 110 ص. الأصبهاني، أبو عبد الله: محمد بن عبد الواحد (ت 516 هـ)، «مجلس إملاء لأبي عبد الله محمد بن عبد الواحد بن محمد الدقاق في رؤية الله تبارك وتعالى» تحقيق: الشريف حاتم ابن عارف العوني، الرياض، مكتبة الرشد، ط 1 1997 م.
الألباني، محمد ناصر الدين الألباني (ت 1420 هـ):
«أحكام الجنائز» ، الرياض، مكتبة المعارف، ط 1 ، 1412 هـ= 1992 م، 351 ص. «إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل» ، بيروت، المكتب الإسلامي، ط 2 ، 1405 هـ= 1985 م، 9 مج. «السلسلة الصحيحة» ، الرياض، مكتبة المعارف، 1415 هـ= 1995 م. تخريج «شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي» ، بيروت، المكتب الإسلامي، ط 9 ، 1408 هـ= 1988 م، 574 ص. الأنصاري، أبو يحيى: زكريا بن محمد (ت 926 هـ)، «الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة» ، تحقيق: د. مازن المبارك، دمشق، دار الفكر، ط 1 ، 1411 هـ. الباجي، أبو الوليد: سليمان بن خلف الأندلسي (ت 494 هـ)، «المنتقى شرح الموطا» ، القاهرة، دار الكتاب الإسلامي، ط 2 ، 1332 هـ، 7 مج. الباقلاني، أبو بكر: محمد بن الطيب (ت 403 هـ)، «تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل» ، تحقيق: عماد الدين أحمد حيدر، بيروت، مؤسسة الكتب الثقافية، ط 1 ، 1987 م.
البخاري، أبو عبد الله: محمد بن إسماعيل (ت 256 هـ):
«الأدب المفرد» خرَّج أحاديثه وعلَّق عليه: محمد ناصر الدين الألباني، السعودية، دار الصديق، ط 1 1419 هـ= 1999 م، 584 ص. «التاريخ الكبير» تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 2 1429 هـ= 2008 9 مج. «الصحيح» بيروت، دار ابن حزم، ط 1 1424 هـ= 2003 م، 1773 ص. د. البَرْزنجي، عبد اللطيف عبد الله (معاصر)، «التعارض والترجيح بين الأدلة الشرعية» بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1413 هـ= 1993 م، 1 مج، 2 ج. البصري، أبو الحسين: محمد بن علي (ت 463 هـ)، «المعتمد في أصول الفقه» تحقيق: خليل الميس، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1403 هـ، 2 مج. البغدادي، إسماعيل باشا ابن محمد أمين (ت 1339 هـ)، «هدية العارفين» مطبوع مع كتاب «كشف الظنون» بيروت، دار إحياء التراث العربي، 6 مج. البغدادي، أبو منصور: عبد القاهر بن طاهر (ت 429 هـ)، «الفَرْقُ بين الفِرَقِ» بيروت، دار الآفاق الجديدة، ط 2 1977 م. البغوي، محيي السنة، أبو محمد: الحسين بن مسعود الفراء (ت 516 هـ)، «شرح السنة» تحقيق وتخريج: محمد زهير الشاويش- شعيب الأرناؤوط، بيروت، المكتب الإسلامي، ط 2 1403 هـ= 1983 م، 26 مج.
د. البكر، محمد عبد الرحمن (معاصر)، «السلطة القضائية وشخصية القاضي في النظام الإسلامي» الشارقة، آفاق للصحافة، ط 2 1427 هـ= 2006 789 ص. البكري، أبو عبيد: عبد الله بن عبد العزيز (ت 487 هـ)، «معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع» تحقيق: مصطفى السقا، بيروت، عالم الكتب، ط 3 1403 هـ، 4 مج. البناني، عبد الرحمن بن جاد الله (ت 1198 هـ)، «حاشية العلامة البناني على شرح الجلال المحلي» علَّق عليه: محمد عبد القادر شاهين، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 2 1427 هـ= 2006 م، 2 مج. د. البوطي، محمد سعيد رمضان (معاصر)، «ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية» دمشق، دار الفكر، ط 4 1426 هـ= 2005 م، 456 ص. بو هاس ورفيقاه، «التراث اللغوي العربي- النسخة المعربة» عرَّبها: أ.د محمد حسن عبد العزيز- د. كمال شاهين، القاهرة، دار السلام، ط 1 1429 هـ= 2008 م، 238 ص.
البيهقي، أبو بكر: أحمد بن الحسين (ت 458 هـ):
«السنن الكبرى- وبهامشه: الجوهر النقي» تحقيق: محمد عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 3 1424 هـ= 2003 م، 11 ج. «شعب الإيمان» تحقيق: محمد السعيد بسيوني زغلول، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1410 هـ، 7 مج. ابن التركماني، علاء الدين، علي بن عثمان المارديني (ت 750 هـ)، «الجوهر النقي في الرد على البيهقي» ينظر: البيهقي، «السنن الكبرى» الترمذي، أبو عيسى: محمد بن عيسى (ت 279 هـ)، «السنن
الرياض، بيت الأفكار الدولية، 817 ص.
ابن تيمية، أبو العباس: أحمد بن عبد الحليم (ت 728 هـ):
«مجموع الفتاوى» ، جمعها: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، 37 مج. «منهاج السنة النبوية» ، تحقيق: محمد رشاد سالم، الرباط، مكتبة المعارف، ط 2 ، 1419 هـ= 1998 م، 9 مج. الثعالبي، أبو منصور: عبد الملك بن محمد بن إسماعيل (ت 429 هـ)، «الشكوى والعتاب وما وقع للخلان والأصحاب» ، تحقيق: د. إلهام عبد الوهاب المفتي، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، ط 1 ، 1421 هـ= 2000 م. الجرجاني، أبو الحسن: علي بن محمد (ت 816 هـ)، «التعريفات» ، تحقيق: إبراهيم الأبياري، بيروت، دار الكتاب العربي، 1405 هـ. «الجريدة الرسمية» ، الصادرة عن الدولة اللبنانية، ع: 9 ، 13/2/2004 م. الجصاص، أبو بكر: أحمد بن علي الرازي (ت 370 هـ)، «أحكام القرآن» ، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1405 هـ، 5 مج. ابن الجعد، أبو الحسن: علي بن الجعد الجوهري (ت 230 هـ)، «المسند» ، تحقيق: عامر أحمد حيدر، بيروت، مؤسسة نادر، ط 1 ، 1410 هـ= 1990 م، 1 مج. الجمحي، محمد بن سلام (ت 232 هـ)، «طبقات فحول الشعراء» ، تحقيق: محمود محمد شاكر، جدة، دار المدني، 2 مج.
ابن الجوزي، أبو الفرج: عبد الرحمن بن علي (ت 597 هـ):
«تلبيس إبليس» ، اعتنى به: محمود مهدي استانبولي، 1396 هـ= 1976 م، 428 ص. «المنتظم في تاريخ الملوك والأمم» ، بيروت، دار صادر، ط 1 ، 1358 هـ، 10 مج. «نواسخ القرآن» ، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 ، 1405 هـ. الجوهري، أبو نصر: إسماعيل بن حماد (ت 393 هـ)، «الصحاح: تاج اللغة وصحاح العربية» ، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، بيروت، دار العلم للملايين، ط 4 ، 1990 م، 6 مج. الجويني، أبو المعالي: عبد الملك بن عبد الله (ت 478 هـ)، «البرهان في أصول الفقه» ، تحقيق: د. عبد العظيم محمود الديب، مصر، دار الوفاء، ط 4 ، 1418 هـ 2 مج. د. الجيزاني، محمد بن حسين (معاصر)، «معالم أصول الفقه عند أهل السنة والجماعة» ، الرياض، دار ابن الجوزي، ط 5 ، 1427 هـ، 640 ص.
ابن أبي حاتم، أبو محمد: عبد الرحمن بن محمد الرازي (ت 327 هـ):
«تفسير القرآن العظيم» تحقيق: أسعد محمد الطيب، مكة المكرمة، مكتبة نزار مصطفى الباز، ط 1 1417 هـ= 1997 م، 10 مج. «الجرح والتعديل» تحقيق: عبد الرحمن المعلمي، حيدر آباد الدكن، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، ط 1 1371 هـ= 1952 م، 9 مج. ابن الحاجب، «مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل» تحقيق: د. نذير حمادو، بيروت، ابن حزم، ط 1 1427 هـ= 2006 م، 2 مج.
الحازمي، أبو بكر: محمد بن موسى الهمذاني (ت 584 هـ)، «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ في الحديث» دراسة وتحقيق: أحمد طنطاوي مسدد، بيروت، دار ابن حزم، ط 1 1422 هـ= 2001 م، 2 مج.
الحاكم، أبو عبد الله: محمد بن عبد الله النيسابوري (ت 405 هـ):
«المستدرك على الصحيحين» ، اعتنى به: صالح اللحام، بيروت، دار ابن حزم، ط 1 ، 1428 هـ= 2007 م، 4 مج. «معرفة علوم الحديث وكمية أجناسه» ، تحقيق: أحمد بن فارس السلوم، بيروت، دار ابن حزم، ط 1 ، 1424 هـ= 2003 م، 734 ص. ابن حبان، أبو حاتم: محمد بن حبان البستي (ت 354 هـ)، «كتاب المجروحين من المحدثين» ، تحقيق: حمدي عبد المجيد، الرياض، دار الصميعي، ط 1 ، 1420 هـ= 2000 م، 2 مج. ابن حبان أبو الشيخ، أبو محمد: عبد الله بن محمد الأصبهاني (ت 369 هـ)، «طبقات المحدثين بأصبهان والواردين عليها» ، تحقيق: عبد الغفور البلوشي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 2 ، 1412 هـ= 1992 م، 4 ج.
ابن حجر، أحمد بن علي العسقلاني (ت 852 هـ):
«الإصابة في تمييز الصحابة» تحقيق: عادل عبد الموجود- علي معوض، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 3 1426 هـ= 2005 م، 9 مج. «تهذيب التهذيب» تحقيق: خليل مأمون شيحا ورفيقيه، بيروت، دار المعرفة، ط 1 1417 هـ= 1996 م، 6 ج. «فتح الباري شرح صحيح البخاري- مع مقدمته هدي الساري» بيروت، دار الكتب العلمية، ط 2 1418 هـ= 1997 م، 15 مج.
«لسان الميزان» اعتنى به: عبد الفتاح أبو غدة، بيروت، دار البشائر، ط 1 1423 هـ= 2002 م، 10 ج. ابن أبي الحديد، عز الدين، أبو حامد: عبد الحميد بن هبة الله (ت 656 هـ)، «شرح نهج البلاغة» بيروت، دار إحياء التراث العربي، 4 مج 20 ج. الحربي، أبو إسحاق: إبراهيم بن إسحاق (ت 285 هـ)، «غريب الحديث» تحقيق: د. سليمان إبراهيم محمد العايد، مكة المكرمة، جامعة أم القرى، ط 1 1405 هـ، 3 مج.
ابن حزم، أبو محمد: علي بن أحمد الأندلسي ( 384 - 456 هـ):
«الإحكام في أصول الأحكام» بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1405 هـ= 1985 م، 2 مج، 8 ج. «أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد منهم من العدد» تحقيق: سيد كسروي حسن، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1412 هـ= 1992 م، 582 ص. «أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم» تحقيق: سيد كسروي حسن، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1415 هـ 1995 م، 296 ص. «جمهرة أنساب العرب» تحقيق: عبد السلام هارون، بيروت، دار الكتب العلمية، 1418 هـ= 1998 م، 672 ص. «الفِصَل في المِلَلِ والأهواء والنِّحَل» تحقيق: محمد نصر- عبد الرحمن عميرة، دار الجيل، بيروت، 5 مج. «المحلى بالآثار» تحقيق: أحمد محمد شاكر، بيروت، دار الجيل، 13
ج. ابن حمدان، نجم الدين، أبو عبد الله: أحمد بن حمدان الحراني الحنبلي (ت 695 هـ)، «صفة الفتوى والمفتي والمستفتي» خرَّج أحاديثه وعلق عليه: محمد ناصر الدين الألباني، دمشق، المكتب الإسلامي، ط 1 1380 هـ، 121 ص. ابن حمدون، بهاء الدين، أبو المعالي: محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن حمدون البغدادي (ت 562 هـ)، «التذكرة الحمدونية» تحقيق: إحسان عباس، بيروت، دار صادر، ط 1 1417 هـ، 10 ج. الحموي، شهاب الدين، أبو عبد الله: ياقوت بن عبد الله (ت 626 هـ)، «معجم البلدان» تحقيق: فريد عبد العزيز الجندي، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1410 هـ= 1990 م، 7 مج. الحميدي، أبو عبد الله: محمد بن أبي نصر (ت 488 هـ)، «جذوة المقتبس» تحقيق: إبراهيم الأبياري، بيروت، دار الكتاب اللبناني، ط 2 1410 هـ= 1989 م، 2 مج. الخرائطي، أبو بكر: محمد بن جعفر الشامري (ت 327 هـ)، «مساوئ الأخلاق ومذمومها» تحقيق: مصطفى بن أبي النصر الشلبي، جدة، مكتبة السوادي، ط 1 1412 هـ= 1992 م، 416 ص.
الخطيب البغدادي، أبو بكر: أحمد بن علي (ت 463 هـ):
«اقتضاء العلم العمل» تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، بيروت، المكتب الإسلامي، ط 4 1397 هـ. «تاريخ بغداد» بيروت، دار الكتب العلمية، 14 مج. «تقييد العلم» تحقيق: يوسف العش، دار إحياء السنة النبوية، ط 2 1974 م.
«الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» تحقيق: د. محمود الطحان، الرياض، مكتبة المعارف، 1403 هـ، 2 مج. «الفقيه والمتفقه» تحقيق: عادل العزازي، الرياض، دار ابن الجوزي، ط 4 1428 هـ، 2 مج. «الكفاية في علم الرواية» تحقيق: أبو عبدالله السورقي- إبراهيم حمدي المدني، المدينة المنورة، المكتبة العلمية. الخطيب الشَّربيني، محمد بن أحمد (ت 977 هـ)، «مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج» مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، 1377 هـ= 1958 م، 4 مج. خلاف، عبد الوهاب بن عبد الواحد (ت 1375 هـ)، «علم أصول الفقه» طبع في لبنان، كذا بدون ذكر البيانات! الخلال، أبو بكر: أحمد بن محمد (ت 311 هـ)، «السنة» تحقيق: د. عطية الزهراني، الرياض، دار الراية، ط 1 1410 هـ، 3 مج. ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد (ت 808 هـ)، «المقدمة» وهي المجلد الأول من «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر» بيروت، دار إحياء التراث العربي، 7 مج، بدون بيانات الطبع! ابن خلكان، شمس الدين، أبو العباس: أحمد بن محمد (ت 681 هـ)، «وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان» تحقيق: د. إحسان عباس، بيروت، دار صادر، 1397 هـ= 1977 م، 8 مج. خليفة بن خياط، أبو عمرو الليثي (ت 240 هـ)، «تاريخ خليفة بن خياط» تحقيق: د. أكرم ضياء العمري، دمشق، دار القلم- بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 2 1397 هـ.
د. خليل، أحمد (معاصر)، «أصول المحاكم المدنية» بيروت، منشورات الحلبي الحقوقية، 2001 م، 644 ص. د. الخن، مصطفى (معاصر)، «أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء» بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 2 1424 هـ= 2003 م، 645 ص. الخوئي، أبو القاسم الموسوي (ت 1412 هـ)، «معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة» بيروت، ط 3 1403 هـ= 1983 م، 23 مج. أبو خيثمة: زهير بن حرب البغدادي (ت 234 هـ)، «العلم» تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، بيروت، المكتب الإسلامي، ط 2 1403 هـ= 1983 م. الدارقطني، أبو الحسن: علي بن عمر (ت 385 هـ)، «السنن» تحقيق: عبد الله هاشم يماني المدني، بيروت، عالم الكتب، ط 4 1406 هـ= 1986 م، 2 مج، 4 ج. الدارمي، أبو محمد: عبد الله بن عبد الرحمن (ت 255 هـ)، «السنن» تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، بيروت، دار ابن حزم، ط 1 1421 هـ= 2000 م، 4 ج. ابن أبي داود، أبو بكر: عبد الله بن سليمان السِّجستاني (ت 316 هـ)، «كتاب المصاحف» تحقيق: د. محب الدين واعظ، بيروت، دار البشائر، ط 2 1423 هـ= 2002 م، 2 مج.
أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني (ت 275 هـ):
«السنن» الرياض، بيت الأفكار الدولية، 771 ص.
«المراسيل مع الأسانيد» دراسة وتحقيق: عبد العزيز السيروان، بيروت، دار القلم، ط 1 1406 هـ= 1986 م، 255 ص. ابن أبي الدنيا، أبو بكر: عبد الله بن محمد (ت 281 هـ)، «الصمت وآداب اللسان» تحقيق: أبو إسحاق الحويني، بيروت، دار الكتاب العربي، ط 1 1410 هـ الدهلوي، شاه ولي الله، أحمد بن عبد الرحيم (ت 1176 هـ)، «حجة الله البالغة» تحقيق: د. عثمان جمعة ضميرية، الرياض، مكتبة الكوثر، ط 1 1420 هـ= 1999 م، 2 مج. الديلمي، أبو شجاع: شيرويه بن شهردار (ت 509 هـ)، «فردوس الأخبار بمأثور الخطاب المخرج على كتاب الشهاب» تحقيق: أحمد فواز زمرلي- محمد المعتصم بالله البغدادي، ط 1 1407 هـ= 1987 م، 5 مج. الدينوري، أبو بكر: أحمد بن مروان المالكي (ت 33 هـ)، «المجالسة وجواهر العلم» تحقيق: مشهور حسن سلمان، البحرين، جمعية التربية الإسلامية- بيروت، دار ابن حزم، 1419 10 ج.
الذهبي، شمس الدين، أبو عبد الله: محمد بن أحمد (ت 748 هـ):
«تذكرة الحفاظ» تحقيق: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني، حيدر آباد، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، ط 3 1377 هـ، 2 مج، 4 ج. «سير أعلام النبلاء» أشرف على تحقيقه: شعيب الأرنؤوط, بيروت, مؤسسة الرسالة, ط 11 1422 هـ= 2001 م 28 مج. «الكبائر» حققه: بشير عيون، دمشق، مكتبة دار البيان، ط 4 1412 هـ= 1991 م، 158 ص.
«ميزان الاعتدال في نقد الرجال» تحقيق: علي البجاوي، بيروت، دار الفكر، 4 مج. الرازي، فخر الدين، محمد بن عمر (ت 606 هـ)، «المحصول في علم أصول الفقه» دراسة وتحقيق: د. طه جابر فياض العلواني، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 2 1412 هـ= 1992 م، 6 مج. الراشد، محمد أحمد (معاصر)، «أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي» كندا، دار المحراب، ط 1 1423 هـ= 2002 م، 4 مج. الرَّامَهُرْمُزي، أبو محمد: الحسن بن عبد الرحمن (ت 360 هـ)، «المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» تحقيق: د. محمد عجاج الخطيب، بيروت، دار الفكر، ط 3 1404 هـ ابن رجب، أبو الفرج: عبد الرحمن بن أحمد (ت 795 هـ)، «تقرير القواعد وتحرير الفوائد» تحقيق: مشهور حسن سلمان، القاهرة، دار ابن عفان، ط 2 1419 هـ= 1999 م، 4 مج. ابن رشد، أبو الوليد: محمد بن أحمد القرطبي (ت 595 هـ)، «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» تحقيق: ماجد الحموي، بيروت، دار ابن حزم، ط 1 1416 هـ= 1995 م، 4 مج. الزَّجَّاجي، أبو القاسم: عبد الرحمن بن إسحاق النهاوندي (ت 337 هـ)، «حروف المعاني» تحقيق: د.علي توفيق الحمد، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 1 1984 م.
أ.د. الزحيلي، محمد مصطفى (معاصر):
«التنظيم القضائي في الفقه الإسلامي» دمشق، دار الفكر، ط 1 1400 هـ. «الوجيز في أصول الفقه الإسلامي» دمشق، دار الخير، ط 1 1425 هـ= 2004
م، 2 مج. أ.د. الزحيلي، وهبة (معاصر)، «الوجيز في أصول الفقه» دمشق، دار الفكر، ط 1 1419 هـ= 1999 م، 246 ص. زرزور، نعيم (معاصر)، «ديوان الإمام علي» بيروت، دار الكتب العلمية، ط 3 1427 هـ= 2007 م، 230 ص. أ.د. الزرقا، مصطفى أحمد، «المدخل الفقهي العام» دمشق، دار القلم، ط 2 1425 هـ= 2004 م، 2 مج. الزرقاني، محمد بن عبد الباقي الأزهري (ت 1122 هـ)، «شرح الموطأ» بيروت، دار الفكر، 1419 هـ 1998 م، 4 مج. الزرقاني، محمد عبد العظيم (ت 1367 هـ)، «مناهل العرفان في علوم القرآن» ص: 80 (بيروت، دار ابن حزم، ط 1 1427 هـ= 2006 م، 647 ص). الزركلي، خير الدين محمود (ت 1396 هـ)، «الأعلام» بيروت، دار العلم للملايين، ط 8 1989 م، 8 مج. الزمخشري، جار الله، أبو القاسم: محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي (ت 538 هـ)، «ربيع الأبرار ونصوص الأخيار» بيروت، مؤسسة الأعلمي، ط 1 1412 هـ، 5 ج.
أبو زهرة، محمد بن أحمد (ت 1394 هـ).
«الإمام زيد: حياته وعصره-آراؤه وفقهه» القاهرة، دار الفكر العربي، 539
ص. «الإمام الصادق: حياته وعصره-آراؤه وفقهه» القاهرة، دار الفكر العربي، 576 ص. زيد بن علي بن الحسين (ت 122 هـ)، «مسند الإمام زيد- المجموع الفقهي» جمعه: عبد العزيز بن إسحاق البغدادي، صنعاء، دار ومكتبة الخير، 518 ص. د. السباعي، مصطفى بن حسني (ت 1384 هـ)، «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي» بيروت، المكتب الإسلامي، ط 4 1405 هـ= 1985 م، 484 ص.
ابن السبكي، تاج الدين، أبو نصر: عبد الوهاب بن علي (ت 771 هـ):
«الإبهاج في شرح المنهاج» ، بيروت، دار الكتب العلمية، 1416 هـ= 1995 م، 3 مج. «الأشباه والنظائر» ، تحقيق: عادل عبد الموجود- علي عوض، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 ، 1411 هـ= 1991 م، 2 مج. السخاوي، شمس الدين، أبو عبد الله: محمد بن عبد الرحمن (ت 902 هـ)، «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي» ، تحقيق: علي حسين علي، 1424 هـ= 2003 ، 4 مج.
السَّرَخْسِيُّ، أبو بكر: محمد بن أحمد (ت 490 هـ):
»الأصول» تحقيق: أبو الوفاء الأفغاني، تصوير: بيروت، دار الكتب العلمية، ط 2 1426 هـ= 2005 م، 2 مج. «المبسوط» بيروت، دار المعرفة، 1406 هـ= 1986 م، 15 مج، 31 ج.
ابن سعد، محمد بن سعد (ت 230 هـ)، «الطبقات الكبرى» تحقيق: محمد عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1410 هـ= 1990 م، 9 مج. السعدي، عبد الرحن بن ناصر (ت 1376 هـ)، «رسالة في القواعد الفقهية» اعتنى به: أشرف بن عبد المقصود، الرياض، أضواء السلف، ط 1 1419 هـ= 1998 م، 111 ص. سلطان العلماء، عز الدين، أبو محمد: عبد العزيز ابن عبد السلام السلمي (ت 660 هـ)، «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» بيروت، دار الكتب العلمية، 1 مج، 2 ج. أ.د. أبو سليمان، عبد الوهاب إبراهيم (معاصر)، «الفكر الأصولي: دراسة تحليلية نقدية» جدة، دار الشروق، ط 2 1404 هـ= 1984 م، 492 ص. السهارنفوري، خليل أحمد (ت 1346 هـ)، «بذل المجهود في حل أبي داود» علَّق عليه: عادل بن سعد، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1428 هـ= 2007 م، 10 مج، 20 ج.
السيوطي، جلال الدين، عبد الرحمن بن محمد (ت 911 هـ):
«الإتقان في علوم القرآن» ، تقديم وتعليق: د. مصطفى ديب البغا، دمشق، دار ابن كثير، ط 3 ، 1416 هـ= 1996 م، 2 مج. «المزهر في علوم اللغة وأنواعها» ، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 ، 1998 م، 2 مج.
الشاطبي، أبو إسحاق: إبراهيم بن موسى اللخمي (ت 790 هـ):
«الاعتصام» ، تحقيق: مشهور سلمان, المنامة، مكتبة التوحيد, ط 1 , 1421 هـ= 2000 م, 4 مج. «الموافقات» ، تحقيق: مشهور حسن سلمان، مصر، دار ابن عفان، ط 1 ، 1421 هـ، 6 مج.
الشافعي، محمد إدريس المطلبي (ت 204 هـ):
«الأم» بيروت، دار الفكر، ط 2 1403 هـ= 1983 م، 8 مج. «الرسالة» تحقيق: أحمد محمد شاكر، بيروت، دار الكتب العلمية، 670 ص. شاكر، أحمد محمد (ت 1377 هـ)، تعليقه على «سنن الترمذي» بيروت، دار إحياء التراث العربي. د. الشاوي، محمد سمير (معاصر)، «شرح جوهرة التوحيد» بدون ذكر بيانات الطبع، 415 ص. د. الشرفي، عبد المجيد السوسره (معاصر)، «الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي» قطر، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، كتاب الأمة، ع: 62 ذو القعدة 1418 هـ، السنة: 17 ط 1 1418 هـ= 1998 م، ص 146 الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم (ت 548 هـ)، «المِلَل والنِّحَل» تحقيق: محمد سيد كيلاني، بيروت، دار المعرفة، 1404 هـ، 2 مج. الشوكاني، محمد بن علي (ت 1250 هـ)، «فتح القدير الجامع بين فنَّي الرواية والدراية في علم التفسير» تحقيق: د. عبد الرحمن عميرة، المنصورة، دار الوفاء، ط 2 1418 هـ= 1997 م، 6 مج.
الشيباني، محمد بن الحسن (ت 189 هـ)، «كتاب الآثار» عني به: أبو الوفاء الأفغاني، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 2 1413 هـ= 1993 م، 2 مج. ابن أبي شيبة، أبو بكر: عبد الله بن محمد الكوفي (ت 235 هـ)، «المصنف في الأحاديث والآثار» تحقيق: كمال يوسف الحوت، الرياض، مكتبة الرشد، ط 1 1409 هـ، 7 ج.
الشيرازي، أبو إسحاق: إبراهيم بن علي الفيروزابادي ( 476 هـ):
«التبصرة في أصول الفقه» ، تحقيق: د. محمد حسن هيتو، دمشق، دار الفكر، ط 1 ، 1403 هـ. «اللمع في أصول الفقه» ، بيروت، دار الندوة الإسلامية، 1987 م، 132 ص. د. الصلابي، علي محمد (معاصر)، «أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب» ، دمشق، دار ابن كثير، ط 1 ، 1425 هـ= 2004 م، 1037 ص. ابن الصلاح، أبو عمرو: عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري (ت 643 هـ)، «علوم الحديث» ، مكتبة الفارابي، ط 1 ، 1984 م.
الطبراني، أبو القاسم: سليمان بن أحمد (ت 360 هـ):
«المعجم الأوسط» ، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد- عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، القاهرة، دار الحرمين، 1415 هـ، 10 ج. «المعجم الكبير» ، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط 2 ، 1405 هـ= 1985 م، 25 مج.
الطبري، أبو جعفر: محمد بن جرير (ت 310 هـ):
«تاريخ الأمم والملوك» ، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، تصوير: بيروت، دار إحياء التراث العربي، 11 مج. «جامع البيان عن تأويل القرآن» ، تحقيق: محمود محمد شاكر، تخريج: أحمد محمد شاكر، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 1 ، 1420 هـ= 2000 م، 24 مج. الطحاوي، أبو جعفر: أحمد بن محمد (ت 321 هـ)، «شرح معاني الآثار» ، تحقيق: محمد زهري النجار بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 ، 1399 ، 4 مج. الطَّرابُلُسي، علاء الدين، أبو الحسن: علي بن خليل (ت 844 هـ)، «معين الحكام فيما يتردد بين الخصمين من الأحكام» ، مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط 2 ، 1393 هـ= 1973 م، 213 ص.
الطرطوشي، أبو بكر: محمد بن الوليد الفهري المالكي (ت 530 هـ):
«الحوادث والبدع» ، تعليق: علي حسن عبد الحميد، الرياض، دار ابن الجوزي، ط 3 ، 1422 هـ، 200 ص. «سراج الملوك» ، مصر، من أوائل المطبوعات العربية، 1289 هـ= 1872 م.
ابن عابدين، محمد أمين (ت 1252 هـ):
«حاشية رد المحتار على الدر المختار» تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود- علي محمد معوض، الرياض، دار عالم الكتب، 1423 هـ= 2003 م.
«شرح منظومة عقود رسم المفتي» مطبوعة ضمن «مجموعة رسائل ابن عابدين». «نسمات الأسحار على شرح المنار» مصر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط 2 1399 هـ= 1979 م، 275 ص. ابن عاشور، محمد الطاهر بن محمد الشاذلي (ت 1284 هـ)، «التحرير والتنوير» دار سحنون، ط 1 1997 م. ابن أبي عاصم، أبو بكر: أحمد بن عمرو الشيباني (ت 287 هـ): «كتاب السنة» بيروت، المكتب الإسلامي، ط 4 1429 1998 م، 823 ص. «المذكر والتذكير والذكر» تحقيق: خالد بن قاسم الردادي، الرياض، دار المنار، ط 1 1413 هـ د. عالية، سمير (معاصر)، «علم القانون والفقه الإسلامي» بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات، ط 1 1412 هـ= 1991 م، 366 ص.
ابن عبد البر، أبو عمر: يوسف بن عبد الله القرطبي (ت 463 هـ):
«الاستذكار» تحقيق: سالم محمد عطا- محمد علي معوض، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1421 هـ= 2000 م، 8 مج. «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» تحقيق: علي محمد معوض-عادل أحمد عبد الموجود، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 2 1422 هـ= 2002 م، 4 مج. «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد» تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي- محمد عبد الكبير البكري، المغرب، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1387 هـ، 22 مج.
«جامع بيان العلم وفضله» تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، الرياض، دار ابن الجوزي، ط 7 1427 هـ، 2 ج. عبد الرزاق، أبو بكر: ابن همَّام الصنعاني (ت 211 هـ)، «المصنف» تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، بيروت، المكتب الإسلامي، ط 2 1403 هـ= 1983 م، 11 ج. ابن عبد ربه، شهاب الدين، ابو عمر: أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي (ت 328 هـ)، «العقد الفريد» تحقيق: د. مفيد محمد قميحة، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1404 هـ، 8 ج. العبد المنعم، عبد الله بن سليمان بن علي (معاصر)، «قضاء علي بن أبي طالب» الرياض، مكتبة الرشد، ط 1 1427 هـ= 2006 م، 284 ص.
أبو عبيد: القاسم بن سلاَّم (ت 224 هـ):
«غريب الحديث» تحقيق: د. محمد عبد المعيد خان، بيروت، دار الكتاب العربي، ط 1 1396 هـ، 4 مج. «كتاب الأموال» بيروت، مؤسسة ناصر للثقافة، ط 1 1981 م، 270 ص. ابن عدي، أبو أحمد: عبد الله بن عدي الجرجاني (ت 365 هـ)، «الكامل في ضعفاء الرجال» تحقيق: يحيى مختار غزاوي، بيروت، دار الفكر، ط 3 1409 هـ= 1988 م، 7 مج. العراقي، زين الدين، أبو الفضل: عبد الرحيم بن الحسين (ت 806 هـ)- ولي الدين، أبو زرعة: أحمد بن عبد الرحيم (ت 826 هـ)، «طرح التثريب في شرح التقريب» بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1413 هـ= 1992 م، 4 مج، 8
ج. ابن العربي، أبو بكر: محمد بن عبد الله الإشبيلي (ت 543 هـ)، «أحكام القرآن» علَّق عليه: محمد عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 2 1424 هـ= 2003 م، 4 مج. العزي، عبد المنعم صالح العلي (معاصر)، «دفاع عن أبي هريرة» بغداد، مكتبة النهضة، 515 ص. ابن عساكر، أبو القاسم: علي بن الحسن (ت 571 هـ)، «تاريخ دمشق» دراسة وتحقيق: علي شيري، بيروت، دار الفكر، ط 1 1419 هـ= 1998 م، 70 مج. العقاد، عبَّاس بن محمود (ت 1383 هـ)، «عبقرية الإمام علي رضي الله عنه صيدا، المكتبة العصرية، 1427 هـ= 2006 م، 144 ص. علاء الدين، عبد العزيز بن أحمد البخاري (ت 730 هـ)، «كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي» بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1418 هـ= 1997 م، 4 مج. د. العلواني، طه جابر (معاصر)، «أصول الفقه الإسلامي: منهج بحث ومعرفة» الرياض، الدار العالمية للكتاب الإسلامي، ط 2 1416 هـ= 1995 م، 82 ص. العيني، بدر الدين، أبو محمد: محمود بن أحمد (ت 855 هـ)، «عمدة القاري شرح صحيح البخاري» بيروت، دار إحياء التراث العربي، 12 مج، 24 ج. د. الغامدي، ناصر بن محمد (معاصر)، «الاختصاص القضائي في الفقه الإسلامي» الرياض، مكتبة الرشد، ط 1 1420 هـ= 2000 م، 608
ص. غزال، حسين يوسف (معاصر)، «الميراث على المذاهب الأربعة: دراسة وتطبيقًا» بيروت، دار الفكر، ط 1 1417 هـ= 1996 م، 391 ص.
الغزالي، حجة الإسلام، أبو حامد: محمد بن محمد (ت 505 هـ):
«شفاء الغليل في بيان الشبه والمخيل ومسالك التعليل» تحقيق: د. حمد الكبيسي، بغداد، مطبعة الإرشاد، 1390 هـ= 1971 م، 744 ص. «المستصفى من علم الأصول» دراسة وتحقيق: د. حمزة بن زهير حافظ، بدون ذكر بيانات الطبع! أ.د. الغطيمل، عبد الله بن حمد (معاصر)، «تغير الفتوى: مفهومه وضوابطه في الفقه الإسلامي» مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، السنة التاسعة، ع: 35 1418 هـ. الفاداني، أبو الفيض: محمد ياسين بن محمد عيسى المكي (ت 1410 هـ)، «العجالة في الأحاديث المسلسلة» دمشق، دار البصائر، ط 3 1985 م. ابن فارس، أبو الحسين: أحمد بن فارس القزويني (ت 395 هـ)، «معجم مقاييس اللغة» تحقيق: عبد السلام هارون، بيروت، دار الجيل، 1420 هـ= 1999 م، 6 مج. الفاسي، محمد بن الحسن الحجوي (ت 1376 هـ)، «الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي» اعتنى به: أيمن شعبان، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 2 1428 هـ= 2007 م، 2 مج، 4 ج. الفاكهي، أبو عبد الله: محمد بن إسحاق المكي (ت 353 هـ)، «أخبار مكة» دراسة وتحقيق: د. عبد الملك بن دهيش، بيروت، دار خضر، 1414 هـ= 1994 م، 5 مج.
ابن فرحون، برهان الدين، أبو الوفاء: إبراهيم بن علي (ت 799 هـ)، «تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام» مصر، المطبعة الشرقية، ط 1 1301 هـ، 2 مج. الفوزان، عبد الله بن صالح (معاصر)، «تيسير الوصول إلى قواعد الأصول» الدمام، دار ابن الجوزي، ط 3 1429 هـ، 510 ص. الفِيروزَاْبَادي، مجد الدين، أبو طاهر: محمد بن يعقوب الشيرازي (ت 817 هـ)، «القاموس المحيط» بيروت، دار الكتب العلمية، ط 2 1428 هـ= 2007 م، 4 مج. الفيومي، أبو العباس: أحمد بن محمد الحموي (ت 770 هـ)، «المصباح المنير في غريب الشرح الكبير للرافعي» بيروت، المكتبة العلمية، 2 مج. القاضي عياض، أبو الفضل: عياض بن موسى اليحصبي (ت 544 هـ) «الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع» تحقيق: السيد أحمد صقر، القاهرة، دار التراث، ط 1 1398 هـ= 1970 م. ابن قُتَيبَة، أبو محمد: عبد الله بن مسلم الدينوري (ت 276 هـ)، «غريب الحديث» تحقيق: د. عبد الله الجبوري، بغداد، مطبعة العاني، ط 1 1397 هـ، 3 ج. ابن قدامة، موفق الدين، أبو محمد: عبد الله بن أحمد المقدسي (ت 620 هـ)، «المغني» تحقيق: د. عبد الله عبد المحسن التركي- د. عبد الفتاح محمد الحلو، الرياض، دار عالم الكتب، ط 6 1428 هـ= 2007 م، 15
مج. القرافي، شهاب الدين، أبو العباس: أحمد بن إدريس الصَّنهاجي (ت 684 هـ)، «الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام» تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، حلب، مكتب المطبوعات الإسلامية، ط 2 1414 هـ. القرطبي، أبو عبد الله: محمد بن أحمد (ت 671 هـ)، «الجامع لأحكام القرآن والمبين لما تضمنه من السنة وآي الفرقان» تحقيق: د. عبد الله بن عبد المحسن التركي ورفيقيه، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 1 1427 هـ= 2006 م، 24 مج. القضاعي، أبو عبد الله: محمد بن سلامة بن جعفر (ت 554 هـ)، «دستور معالم الحكم ومأثور مكارم الشيم» اعتنى به: بركات يوسف هبود، بيروت، شركة دار الأرقم بن أبي الأرقم، ط 1 1418 هـ= 1997 م، 327 ص. أ.د. قلعه جي، محمد رواس (ت 1435 هـ)، «موسوعة فقه علي بن أبي طالب» بيروت، دار النفائس، ط 1 1417 هـ= 1996 م، 636 ص. القونوي، قاسم بن عبد الله (ت 978 هـ)، «أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء» تحقيق: د. أحمد بن عبد الرزاق الكبيسي، جدة، دار الوفاء، ط 1 1406 هـ.
ابن القيِّم، محمد بن أبي بكر (ت 751 هـ):
«إعلام الموقعين عن رب العالمين» تحقيق: مشهور حسن سلمان، الدمام، دار ابن الجوزي، ط 1 1423 هـ، 7 مج. «إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان» تحقيق: محمد حامد الفقي، بيروت، دار المعرفة، ط 2 1395 هـ= 1975 م، 2
مج. «زاد المعاد في هدي خير العباد» إشراف: مكتب التحقيق، بيروت، مؤسسة الريان، ط 2 1423 هـ= 2002 م، 5 مج. «الطرق الحُكمية» تحقيق: نايف بن أحمد الحمد، مكة المكرمة، دار عالم الفوائد، ط 1 1428 2 ج. «الفروسية» تحقيق: زائد بن أحمد النشيري، مكة المكرمة، دار عالم الفوائد، ط 1 1428 هـ، 582 ص. الكاندهلوي، محمد زكريا (ت 1402 هـ)، »أوجز المسالك إلى موطأ مالك» مكة المكرمة، المكتبة الإمدادية، ط 3 1404 هـ= 1984 م، 15 مج.
ابن كثير، أبو الفداء: إسماعيل بن كثير الدمشقي (ت 774 هـ):
«البداية والنهاية» ، اعتنى به: عبد الرحمن اللاذقي- محمد غازي بيضون، بيروت، دار المعرفة، ط 2 ، 1417 هـ= 1997 م، 7 مج، 14 ج. «تفسير القرآن العظيم» ، صيدا، المكتبة العصرية، ط 2 ، 1417 هـ= 1996 م، 4 مج. «كتاب فضائل القرآن» ، تحقيق: أبي إسحاق الحويني، القاهرة، مكتبة ابن تيمية، ط 1 ، 1416 هـ، 312 ص.
كحالة، عمر رضا (ت 1408 هـ):
«معجم قبائل العرب» بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 8 1418 هـ= 1997 م، 5 مج. «معجم المؤلفين: تراجم مصنفي الكتب العربية» بيروت، دار إحياء التراث العربي، 8 مج، 15 ج، بدون ذكر بيانات الطبع
الكفوي، أبو البقاء: أيوب بن موسى الحسيني 1094 هـ)، «الكليات» اعتنى به: د. عدنان درويش- محمد المصري، القاهرة، دار الكتاب الإسلامي، ط 2 1413 هـ= 1992 م، 5 مج. اللكنوي، عبد العلي محمد بن نظام الدين (ت 1225 هـ)، «فواتح الرحموت بشرح مسلَّم الثبوت» بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1423 هـ= 2002 م، 2 مج. ابن ماجه، أبو عبد الله: محمد بن يزيد القزويني، (ت 273 هـ)، «السنن» الرياض، بيت الأفكار الدولية، 632 ص. ابن ماكولا، أبو نصر: علي بن هبة الله (ت 475 هـ)، «الإكمال» بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1411 هـ= 1990 م، 7 مج.
مالك بن أنس الأصبحي (ت 179 هـ):
«المدونة الكبرى» مصر، مطبعة السعادة، ط 1 1323 هـ، 6 مج. «الموطأ- رواية الليثي» تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1406 هـ= 1985 م، 2 مج. ابن المبارك، أبو عبد الرحمن: عبد الله بن المبارك المروزي (ت 181 هـ)، «الزهد» تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، بيروت، دار الكتب العلمية. المتقي الهندي، علاء الدين، علي المتقي بن حسام الدين (ت 975 هـ)، «كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال» بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 5 1405 هـ= 1985 م، 16 مج. «مجلة الأحكام العدلية» عناية: بسام عبد الوهاب الجابي، بيروت، دار ابن حزم، ط 1 1424 هـ= 2004 م، 592 ص.
المحاسبي، أبو عبد الله: الحارث بن أسد، (ت 243 هـ)، «فهم القرآن ومعانيه» تحقيق: حسين القوتلي، بيروت، دار الفكر، ط 2 1398 هـ. محمد عبدُه بن حسن خير الله (ت 1323 هـ)، «شرح نهج البلاغة- بهامشه» تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، مصر، المكتبة التجارية الكبرى، 1 مج، 3 ج. د. محيسن، محمد سالم (معاصر)، «معجم حفاظ القرآن عبر التاريخ» بيروت، دار الجيل، ط 1 1412 هـ= 1992 م، 2 مج. المرتضى الزبيدي، محب الدين أبو الفيض: محمد بن محمد (ت 1205 هـ)، «تاج العروس من جواهر القاموس» بيروت، دار الفكر، 10 مج. المرداوي، علاء الدين، أبو الحسن: علي بن سليمان (ت 885 هـ)، «التحبير شرح التحرير في أصول الفقه» دراسة وتحقيق: د. أحمد بن محمد السَّراح ورفيقيه، الرياض، مكتبة الرشد، ط 1 1421 هـ= 2000 م، 8 مج. المزي، جمال الدين، أبو الحجاج: يوسف بن عبد الرحمن (ت 742 هـ)، «تهذيب الكمال»، تحقيق: د. بشار عواد معروف، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 1 1400 هـ= 1980 م، 35 مج. مسلم بن الحجاج القشيري (ت 261 هـ)، «الصحيح» اعتنى به: بيت الأفكار الدولية، الرياض، بيت الأفكار الدولية للنشر والتوزيع، ط 1 1419 هـ= 1998 1473 ص. مشهور حسن سلمان (معاصر)، «كتب حذَّر منها العلماء» الرياض، دار الصميعي، ط 3 1426 هـ= 2005 م، 2 مج.
ملا علي القاري، «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح» مصر، المطبعة الميمنية، 1309 هـ، 5 مج.
المناوي، زين الدين، محمد بن عبد الرؤوف (ت 1031 هـ):
«التوقيف على مهمات التعاريف» ، تحقيق: د. محمد رضوان الدية، دمشق، دار الفكر، ط 1 ، 1410 هـ . «فيض القدير شرح الجامع الصغير» ، مصر، المكتبة التجارية الكبرى، ط 1 ، 1356 هـ، 6 ج.
ابن المنذر، أبو بكر: محمد بن إبراهيم النيسابوري (ت 318 هـ):
«الإجماع» تحقيق: د. أبو حماد صغير أحمد حنيف، عجمان، مكتبة الفرقان، ط 2 1420 هـ= 1999 م، 233 ص. «تفسير القرآن» تحقيق: د. سعد بن محمد السعد، المدينة النبوية، دار المآثر، ط 1 1423 هـ= 2002 م، 889 ص. ابن منظور، جمال الدين، أبو الفضل: محمد بن مكرم الإفريقي المصري (ت 711 هـ)، «لسان العرب» بيروت، دار صادر، 15 مج. ابن النجار، محمد بن أحمد الفتوحي (ت 972 هـ)، «شرح الكوكب المنير: المختبر المبتكر شرح المختصر في أصول الفقه» تحقيق: د. محمد الزحيلي- د. نزيه حماد، مكتبة العبيكان، 1418 هـ= 1997 م، 4 مج. ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم (ت 970 هـ)، «الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان» بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1413 هـ= 1993 م، 452 ص. النحاس، أبو جعفر: أحمد بن محمد المصري (ت 338 هـ)،
«الناسخ والمنسوخ» تحقيق: د. محمد عبد السلام محمد، الكويت، مكتبة الفلاح، ط 1 1408 هـ الندوي، أبو الحسن: علي الحسني (ت 1420 هـ)، «المرتضى» دمشق، دار القلم، ط 2 1419 هـ= 1998 م، 343 ص. النديم، أبو الفرج: محمد بن إسحاق (ت 438 هـ)، «الفهرست» بيروت، دار المعرفة، 1398 هـ= 1978 م.
النسائي، أبو عبد الرحمن: أحمد بن شعيب (ت 303 هـ):
«السنن- المجتبى» ، الرياض، بيت الأفكار الدولية، 806 ص. «السنن الكبرى» ، تحقيق: د. عبد الغفار البنداري- سيد كسروي حسن، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 ، 1411 هـ= 1991 م، 6 مج. «كتاب خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب» ، خرَّج أحاديثه: أبو إسحاق الحويني، بيروت، دار الكتاب العربي، ط 2 ، 1417 هـ= 1996 م، 159 ص.
أبو نعيم: أحمد بن عبد الله الأصفهاني (ت 430 هـ):
«تاريخ أصبهان» ، تحقيق: سيد كسروي حسن، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 ، 1410 هـ= 1990 م، 2 مج. «حلية الأولياء وطبقات الأصفياء» ، بيروت، دار الكتاب العربي، ط 4 ، 10 مج. أ.د. النملة، عبد الكريم (ت 1435 هـ)، «المهذب في علم أصول الفقه المقارن» ، الرياض، مكتبة الرشد، ط 3 ، 1424 هـ= 2004 م، 5 مج.
النووي، محيي الدين، أبو زكريا: يحيى بن شرف (ت 676 هـ):
«تحرير ألفاظ التنبيه» تحقيق: عبد الغني الدقر، دمشق، دار القلم، ط 1 1408 هـ «تهذيب الأسماء واللغات» تعليق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، ط 1 1428 هـ= 2007 م، 2 مج. «المجموع شرح المهذب» بيروت، دار الفكر، 20 مج. «المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج» بيروت، دار إحياء التراث العربي، 9 مج، 18 ج. النويري، شهاب الدين، أحمد بن عبد الوهاب بن محمد القرشي التيمي (ت 733 هـ)، «نهاية الأرب في فنون الأدب»، القاهرة، دار الكتب والوثائق القومية، ط 1 1423 33 ج. ابن هشام، جمال الدين، أبو محمد: عبد الملك بن هشام (ت 213 هـ)، «السيرة النبوية» تحقيق: مصطفى السقا ورفاقه، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط 1 1415 هـ= 1995 م، 4 مج. الهيثمي، نور الدين، أبو الحسن: علي بن أبي بكر (ت 807 هـ)، «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» بيروت، دار الفكر، 1412 هـ، 10 ج. ابن وضاح، أبو عبد الله: محمد بن وضاح القرطبي (ت 286 هـ)، «البدع والنهي عنها» تحقيق: محمد أحمد دهمان، دمشق، دار البصائر، ط 2 1400 هـ= 1980 م، 96 ص. وكيع، محمد بن خلف بن حيان (ت 306 هـ)، «أخبار القضاة» بيروت، عالم الكتب، ط 1 1422 هـ= 2001 م، 872
ص. أبو يعلى: أحمد بن علي الموصلي النيسابوري (ت 307 هـ)، «المسند» تحقيق: حسين سليم أسد، دمشق، دار المأمون للتراث، ط 1 1404 هـ= 1984 م، 13 مج.
أبو يوسف: يعقوب بن إبراهيم (ت 183 هـ):
«الخراج» ، بيروت، دار المعرفة، 1399 هـ= 1979 م، 244 ص. «كتاب الآثار» ، عني به: أبو الوفا، بيروت، دار الكتب العلمية، 267 ص.