الحصون — مكتبة مبرة الآل والأصحاب الرقمية — النص الموثّق والمصدر المصوّر
نسباً وصهراً إثبات زواج عمر من أم كلثوم بنت عليالقراءة المتصلة
صفحة 21
حجم النص28
بحث في الكتاب

الصفحة الحالية: 21

نسباً وصهراً إثبات زواج عمر من أم كلثوم بنت علي

إثبات زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما

فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثناء النشر

حافظ أسدرم، ياسر مصطفى عبد الغني الشيخ

نسباً وصهراً إثبات زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما /حافظ أسدرم – ياسر مصطفى – ط1 – الكويت: مبرة الآل والأصحاب، 2016.

469 ص؛ 21 سم- (سلسلة العلاقة الحميمة بين الآل والأصحاب؛ 9).

ردمك: 8-29-64-99966-978

رقم الإيداع: 1041/2016

ردمك: 8-29-64-99966-978

حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب

إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية

الطبعة الأولى

1437 هـ / 2016 م

هاتف: 22560203 – 22552340 فاكس: 22560346

ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت

E-mail: almabarrh@gmail.com

www.almabarrah.net

نسباً وصهراً

إثبات زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما

ونقد علمي مفصل لمغالطات عشرة مصنفات عن هذه المصاهرة المباركة

حافظ أسدرم

ياسر مصطفى الشيخ

بسم الله الرحمن الرحيم

فهرس
صفحة 2 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 3 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 4 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الموضوعالصفحة
تقدمة٢١
خطة البحث٢٥
تمهيد٢٩
لمحات من سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه٣١
اسمه وكنيته ولقبه رضي الله عنه٣١
أزواجه وأبناؤه رضي الله عنه٣١
إسلامه رضي الله عنه٣٢
جهاده رضي الله عنه٣٦
خلافته رضي الله عنه٣٧
فضائله رضي الله عنه٤٠
استشهاده رضي الله عنه٤١
قبره رضي الله عنه٤٢
سيرة أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما٤٣
اسمها رضي الله عنها٤٣
ولادتها رضي الله عنها٤٤
أزواجها رضي الله عنها٤٥
أولادها رضي الله عنها٤٧
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
ومضات من حياتها الشريفة رضي الله عنها٥٢
من مواقفها مع زوجها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه٥٤
حرصها رضي الله عنها على الأجر والثواب في وجوه الخير٥٥
طاعتها لأبيها رضي الله عنهما٥٦
مكانتها عند أبيها علي رضي الله عنه ودفاعها عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه ابن زوجها عمر رضي الله عنه٦٠
رقتها وحزنها على زوجها ثم أبيها رضي الله عنهما٦١
زهدها في الدنيا رضي الله عنها٦٤
وفاتها رضي الله عنها٦٥
أخطاء تاريخية وقصص واهية عن أم كلثوم رضي الله عنها٦٨
قصة شهادة أم كلثوم رضي الله عنها مع الحسنين رضي الله عنهما في قضية فدك٦٨
بطلان شهودها مقتل الحسين رضي الله عنه٦٩
بطلان قصة أسرها ودخولها على يزيد بن معاوية٧١
مدفنها رضي الله عنها٧٢
الفصل الأول: زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم رضي الله عنها في كتب السنة
المبحث الأول: الأخبار الواردة عند أهل السنة في إثبات هذا الزواج٧٥
تخريج روايات خطبة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لأم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما٧٥
القسم الأول: الروايات الواردة في خطبة عمر لأم كلثوم لأجل رغبته رضي الله عنه الاتصال بنسب النبي صلى الله عليه وسلم٧٦
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الطرق الثابتة الصحيحة٧٦
الطريق الأول: رواية الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب٧٦
الطريق الثاني: رواية الإمام محمد بن علي بن الحسين الملقب بالباقر٧٨
الطريق الثالث: رواية عكرمة الهاشمي، مولى عبد الله بن عباس بن عبدالمطلب٩٠
الطريق الرابع: رواية عطاء الخراساني٩٠
الطرق الضعيفة٩٢
الطريق الأول: رواية الحسن بن علي أو ابنه الحسن المثنى٩٢
الطريق الثاني: رواية عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه٩٣
الطريق الثالث: رواية ابن عباس رضي الله عنه٩٥
الطريق الرابع: رواية جابر بن عبد الله٩٦
الطريق الخامس: رواية عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه٩٨
الطريق السادس: رواية أسلم مولى عمر١٠١
الطريق السابع: رواية المستظل بن حصين١٠٣
الطريق الثامن:رواية واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن بعض أهله١٠٦
الطريق التاسع: رواية محمد بن السائب الكلبي١٠٧
القسم الثاني: الروايات الواردة في إرسال علي رضي الله عنه ابنته أم كلثوم لعمر رضي الله عنهما لينظر إلى صغر سنها١٠٨
الطرق الصحيحة١٠٨
الطريق الأول: رواية الإمام أبي جعفر الباقر١٠٨
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الطريق الثاني: رواية الحسن البصري١١٠
الطريق الثالث: رواية الأعمش١١٢
الطرق الضعيفة١١٣
الطريق الأول: رواية عاصم بن عمر بن قتادة١١٣
الطريق الثاني: رواية الواقدي١١٤
الطريق الثالث: رواية الزبير بن بكار١١٥
بيان ودفع إشكال حول قضية إرسال علي رضي الله عنه ابنته أم كلثوم لعمر رضي الله عنه لينظر إلى صغر سنها رضي الله عنها١١٧
خلاصة تخريج روايات الخطبة١١٩
دراسة متون الروايات الواردة في قصة الخطبة١٢٠
صداق أم كلثوم رضي الله عنها١٢١
ما ورد في إكرام عمر رضي الله عنه للصحابة لما بنى بأم كلثوم رضي الله عنها١٢٣
ما جاء في قصصها مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه١٢٣
انتقالها إلى بيت أبيها رضي الله عنهما بعد استشهاد زوجها الفاروق رضي الله عنه١٢٥
إشكال لابن حزم والجواب عنه١٢٦
ما ورد في وفاة عمر عنها وزواجها بعون بن جعفر ثم بمحمد بن جعفر ثم بعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم١٢٧
ما ورد في ولد أم كلثوم من عمر رضي الله عنهما وذكر وفاتهما١٣١
خلاصة ما مضى فيما يتعلَّق بإثبات زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنها١٣٧
المبحث الثاني: نصوص أهل العلم في إثبات مصاهرة عمر وعلي رضي الله عنهما١٣٩
زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنها في كتب الأنساب١٣٩
الإمام
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
محمد بن شهاب الزهري (124 هـ١٣٩
محمد بن سعد (230 هـ)١٤٠
مصعب بن ثابت الزبيري (236 هـ )١٤٠
الزبير بن بكار (256 هـ)١٤٠
أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذُري (279هـ)١٤١
أبو محمد بن حزم (456 هـ )١٤١
أبو سعد السمعاني (562 هـ)١٤١
ابن قدامة المقدسي ( 620 هـ)١٤٢
محمد بن أبي بكر التلمساني المعروف بالبُرِّي (توفي بعد 645هـ)١٤٢
السلطان الأشرف عمر بن يوسف بن رسول (696 هـ)١٤٢
شرف الدين الدمياطي (705 هـ)١٤٢
أبو القاسم ابن جزي الكلبي (741 هـ)١٤٣
أبو العباس القلقشندي (821 هـ)١٤٣
جلال الدين السيوطي ( 911 هـ)١٤٣
زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما في كتب التاريخ١٤٣
محمد بن إسحاق (151 هـ )١٤٤
أبو الحسن المدائني ( 224 هـ)١٤٤
محمد بن حبيب (245هـ)١٤٤
عمر بن شبة (262 هـ )١٤٤
حماد بن إسحاق المالكي (267 هـ)١٤٥
أبو محمد بن قتيبة (276 هـ )١٤٥
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
أبو بكر بن أبي الدنيا (281 هـ)١٤٥
أبو جعفر ابن جرير الطبري (310 هـ)١٤٥
المطهر بن طاهر المقدسي ( نحو 355 هـ)١٤٦
محمد بن سلامة القضاعي ( 454 هـ)١٤٦
قوام السنة الأصبهاني (535 هـ)١٤٧
أبو القاسم ابن عساكر (571 هـ)١٤٧
أبو الفرج ابن الجوزي (597 هـ )١٤٧
عز الدين ابن الأثير (630هـ)١٤٧
ابن أبي الدم ( 642 هـ)١٤٨
شهاب الدين النويري ( 732 هـ)١٤٨
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الحافظ الذهبي (748 هـ)١٤٨
ابن الوردي (749هـ)١٤٨
صلاح الدين الصفدي (764هـ)١٤٩
الحافظ ابن كثير (774 هـ)١٤٩
تقي الدين المقريزي (845 هـ)١٤٩
حسين بن محمد الدياربكري (966هـ)١٥٠
زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما في كتب التراجم١٥٠
أبو حاتم الرازي (277 هـ)١٥٠
أبو بشر الدولابي ( 310 هـ)١٥٠
أبو نعيم الأصبهاني (430 هـ)١٥١
ابن عبد البر (463 هـ)١٥١
أبو زكريا النووي (676 هـ)١٥١
الحافظ ابن حجر العسقلاني١٥١
زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم رضي الله عنها في كتب الفقه١٥٢
زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم رضي الله عنها في كتب الأدب١٥٣
زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم رضي الله عنها عند بقية الفرق الإسلامية١٥٤
زواج عمر رضي الله عنه بأم كلثوم رضي الله عنها عند المعتزلة١٥٤
زواج عمر رضي الله عنه بأم كلثوم رضي الله عنها عند الزيدية١٥٦
مرويات الزيدية في كتب الحديث١٥٧
ما جاء في كتبهم العقدية١٥٨
قضية زواج أم كلثوم رضي الله عنها في فقه الزيدية١٥٨
ما جاء في تواريخ الزيدية١٦٠
الفصل الثاني: مرويات زواج أم كلثوم بنت علي من عمر رضي الله عنهما في كتب الإمامية الاثني عشرية
المبحث الأول: النصوص المثبتة لوقوع الزواج في كتب الأخبار والأنساب عند الإمامية١٦٣
مرويات زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما في كتب الإمامية الروائية١٦٤
إثبات نسابي الإمامية لزواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم رضي الله عنها١٦٨
الكلبي النسابة (ت 204 هـ)١٦٨
أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى العلوي المعروف بابن أخي طاهر( 358 هـ)١٦٩
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
أبو الحسن علي بن محمد العمري العلوي (460 هـ)١٧٠
أبو الحسن البيهقي المشهور بابن فندق (565 هـ)١٧١
ابن الطقطقي الحسني العلوي (709 هـ)١٧١
جعفر النجفي الأعرجي (1332 هـ)١٧١
إثبات المؤرخين لزواج أم كلثوم من عمر رضي الله عنهما١٧٢
المبحث الثاني: دراسة تاريخية لتطور آراء الإمامية حول زواج أم كلثوم رضي الله عنها١٧٤
الدور الأول: القدماء ومحاولة الإجابة عن إشكال زواج أم كلثوم رضي الله عنها بين النفي والإثبات والقول بالإكراه والرضا١٧٥
موقف أبي القاسم الكوفي (253 هـ)١٧٥
موقف أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي (توفي في القرن الرابع)١٧٦
موقف الحسن بن محمد بن الحسن القمي (توفي بعد 378 هـ)١٧٦
موقف المفيد (413 هـ)١٧٨
موقف أبي محمد الحسن بن القاسم بن محمد العويد العلوي (كان حيا سنة 425 هـ)١٨٠
موقف المرتضى (436 هـ)١٨٠
موقف أبي الصلاح تقي بن نجم الحلبي ( 447 هـ)١٨١
موقف الطوسي ( 460 هـ)١٨٢
موقف النسابة أبي الحسن علي بن محمد العمري (460 هـ)١٨٣
الدور الثاني: الاستقرار على إثبات وقوع الزواج بين الإكراه والرضا١٨٤
موقف الطبرسي (548 هـ)١٨٤
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
موقف عبد الجليل القزويني الرازي (توفي في حدود سنة 560 هـ)١٨٥
موقف الحسن بن علي الطبري (كان حيا سنة 698 هـ)١٨٥
الدور الثالث: علماء القرون المتأخرة والجمع بين رواية الإكراه ورواية الجنية١٨٧
الدور الرابع: المعاصرون وعودة إنكار وقوع الزواج مع إعادة إنتاج نظريات القدماء١٨٨
القسم الأول: من قال بعدم وقوع الزواج، و نفاه بالكلية تبعاً للشيخ المفيد١٨٩
إفحام الأعداء والخصوم بتكذيب ما افتروه على سيدتنا أم كلثوم، لناصر حسين الموسوي الهندي (1361 هـ)١٩١
كشف البصر عن تزويج أم كلثوم من عمر، لمحمد علي الحلو١٩٤
هل تزوج عمر بأم كلثوم؟ لخليفة عبيد الكلباني العماني١٩٥
أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عليه السلام حقيقة أم وهم لعلي صالح رسن المحمداوي١٩٧
القسم الثاني: الذين قبلوا وقوع الزواج مع تبريره بالإكراه٢٠١
- ظلامة أم كلثوم، لجعفر مرتضى العاملي٢٠١
رسالة في خبر تزويج أم كلثوم من عمر لعلي الحسيني الميلاني٢٠٢
القسم الثالث: من اعتقد برواية إبدال أم كلثوم رضي الله عنها بالجنية٢٠٣
إفحام الفحول في شبهة تزويج عمر بأم كلثوم رضي الله عنها، لمحمد جميل حمود العاملي٢٠٣
القسم الرابع: المشككون الذين لم يقطعوا بوقوع الزواج و لا بنفي وقوعه٢٠٤
زواج أم كلثوم رضي الله عنها، (الزواج اللّغز) لعلي الشهرستاني٢٠٤
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
المبحث الثالث: مناقشة آراء المنكرين والمشككين في زواج عمر بأم كلثوم رضي الله عنهما٢٠٩
الرد المجمل على المنكرين لواقعة زواج أم كلثوم من عمر رضي الله عنه٢٠٩
الوجه الأول: الروايات الصحيحة التي تثبت وقوع الزواج٢٠٩
الوجه الثاني: شذوذ القول بإنكار وقوع الزواج٢١٠
الوجه الثالث: الوجه الثالث: ردود علماء الإمامية على المفيد ومن تابعه في إنكاره لمصاهرة علي وعمر رضي الله عنهما٢١١
الوجه الرابع: اضطراب المفيد في هذه القضية٢١٥
الرد المفصل على شبهات المنكرين لوقوع الزواج٢١٦
المغالطة الأولى: دعوى عدم صحة أخبار زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما٢١٦
الاعتراض الأول: الطعن في صحة الرواية لأن راويها هو الزبير بن بكار٢١٦
الجواب عن إنكار المفيد للخبر بناء على تضعيفه للزبير بن بكار٢١٨
الوجه الأول: ثبوت زواج أم كلثوم رضي الله عنها في الروايات والكتب قبل ولادة الزبير بن بكار٢١٨
الوجه الثاني: اعتماد نسابة الإمامية الحسن بن يحيى على الزبير بن بكار٢١٩
الوجه الثالث: ردَّ جماعة من علماء الإمامية على المفيد في تضعيفه للرواية٢٢١
الوجه الرابع: توثيق علماء الإمامية للزبير بن بكار٢٢٢
الوجه الخامس: نقض دعوى ضعف الزبير بن بكار عند أهل السنة٢٢٣
الاعتراض الثاني: محاولة تضعيف أسانيد روايات زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما وإنكار دلالة متونها على وقوع الزواج
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
٢٣٠
المسألة الأولى: تضعيفهم لروايات أهل السنة٢٣٠
أمثلة لأخطاء ومغالطات المشككين في صحة روايات أهل السنة٢٣٣
المثال الأول: المثال الأول: الميلاني ودعوى ضعف كل حديث ليس في الصحيحين٢٣٣
المثال الثاني: أخطاء ومغالطات المضعفين للراوي الثقة أنس بن عياض الليثي٢٣٥
المثال الثالث: وسنتعرض فيه لنماذج من الأخطاء الفادحة للمعترضين في الجرح والتعديل وقواعد الحديث٢٤٣
أ- نماذج من أخطاء وأغلاط محمد علي الحلو في الجرح والتعديل والاستدلال بأقوال أهل العلم٢٤٣
ب- نماذج من أخطاء وأغلاط الدكتور علي صالح رسن في الجرح والتعديل والاستدلال بأقوال أهل العلم٢٤٤
المثال الرابع: خلط ناصر الهندي والميلاني بين عمرو بن دينار الثقة والضعيف٢٥٠
المثال الخامس: طعن ناصر الهندي والميلاني في الأئمة وثقات الرواة بأساليب ملتوية٢٥١
المسألة الثانية: ادعاء عدم دلالة روايات الإمامية على وقوع الزواج٢٥٣
المغالطة الثانية: الطعن في ثبوت زواج أم كلثوم من عمر رضي الله عنهما للاختلاف في الروايات٢٥٩
الرد المجمل على استدلال المعترضين باختلاف بعض التفاصيل لإنكار وقوع الزواج٢٦٠
الملاحظة الأولى: ضوابط التعامل مع الاختلاف في الروايات٢٦١
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الضابط الأول: تمييز الصحيح من السقيم والثابت من المردود٢٦١
الضابط الثاني: الجمع بين الروايات٢٦١
الضابط الثالث: الترجيح بين الروايات٢٦٢
الملاحظة الثانية: الاستناد إلى الاختلاف في الوقائع التاريخية لإنكارها يترتب عليه هدم التاريخ الإسلامي٢٦٣
المثال الأول: زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها٢٦٣
المثال الثاني: زواج علي رضي الله عنه بفاطمة رضي الله عنها٢٦٤
الملاحظة الثالثة: التناقض والازدواجية في منهجية المنكرين لزواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما بدعوى الاختلاف في التفاصيل٢٦٦
مقارنة مواقف المعترضين من زواج عمر بأم كلثوم رضي الله عنهما وزواج الحسين رضي الله عنه بشهربانو٢٦٦
الرد المفصل على استدلالهم باختلاف بعض التفاصيل لإنكار وقوع الزواج٢٧١
القضية الأولى: الاختلافات التي ثبت أنه لا أصل لها٢٧٢
1 - دعوى الاختلاف في الولي والاختلاف في الإكراه والاختيار٢٧٣
2-دعوى التناقض في مقدار المهر٢٧٣
3-الاختلاف في عقب عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما ودخوله بها٢٧٦
القضية الثانية: الاختلافات التي لا تتعلق بزواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما٢٧٧
1-الاختلاف الواقع فيمن صلى على أم كلثوم رضي الله عنها وابنها زيد٢٧٨
2-الاختلاف في تفاصيل متعلِّقة بمن تزوَّج أمَّ كلثوم بعد عمر رضي الله عنهما٢٨٣
أ-الاعتراض بما ذكر في وفاة عون ومحمد ابني جعفر رضي الله عنهم بتستر والاختلاف في ترتيب زواجهما من أم كلثوم رضي الله عنها٢٨٤
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
ب-دعوى امتناع زواج أم كلثوم بعبد الله بن جعفر رضي الله عنهما لأنه كان متزوجا بأختها زينب رضي الله عنها والاختلاف في طلاقه منها وبقائها عنده حتى وفاته٢٩٠
3-الاختلاف في عقب زيد بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وصغر سنه يوم وفاته٣٠٠
- المغالطة الثالثة: ادعاء أن أم كلثوم رضي الله عنها شخصية لا وجود لها!!٣٠٣
المغالطة الرابعة: دعوى أن أم كلثوم رضي الله عنها زوجة عمر رضي الله عنه هي بنت علي رضي الله عنها لأم ولد وليست بنت فاطمة٣٠٧
المغالطة الخامسة: دعوى أن أم كلثوم زوجة الفاروق رضي الله عنه هي بنت أبي بكر رضي الله عنه وأنها كانت ربيبة لعلي رضي الله عنه٣١٣
المغالطة السادسة: استبعاد وقوع الزواج بناء على استنكار بعض تفاصيله٣٢١
1-استبعاد وقوع الزواج لصغر سن أم كلثوم رضي الله عنها٣٢٢
2-استبعاد وقوع الزواج لاستنكار المخالفين رواية كشف عمر رضي الله عنه لساق أم كلثوم رضي الله عنها٣٢٦
مسك الختام: التنبيه على عدم صحة نسبة نفي زواج أم كلثوم رضي الله عنها إلى أهل السنة٣٤١
الفصل الثالث: تفنيد دعاوى المشككين والطاعنين في آثار زواج الفاروق من أم كلثوم رضي الله عنهما
المبحث الأول: محاولة التشكيك والتهويل من بعض تفاصيل الزواج٣٤٧
القدح في الفاروق رضي الله عنه بدعوى المبالغة في المهر٣٤٧
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
القدح في عمر رضي الله عنه لقوله: رَفِّئُوني٣٥٤
التشكيك في رغبة عمر رضي الله عنه في الانتساب إلى النسب النبوي ومحبته لأهل البيت٣٥٧
أ-التشكيك في محبة عمر رضي الله عنه لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم٣٥٧
ب-الافتراء على عمر رضي الله عنه أنه أراد بالزواج من أم كلثوم رضي الله عنها أن يجعل الخلافة في ذريته٣٥٩
المبحث الثاني: الرد على محاولتهم التشكيك والطعن في آثار مصاهرة عمر لعلي رضي الله عنهما٣٦١
التبرير الأول: زعم المعترضين أن علياً رضي الله عنه بعث بجنية إلى عمر رضي الله عنه بدل زوجته أم كلثوم رضي الله عنها!!٣٦٤
الوجه الأول: ضعف الرواية سندا ومتنا٣٦٧
الوجه الثاني: مناقضة الرواية للروايات الصحيحة والحقائق التاريخية٣٦٨
الوجه الثالث: أن الرواية تنفي التحاق أم كلثوم رضي الله عنها ببيت عمر رضي الله عنه ولا تنفي وقوع العقد٣٦٩
الوجه الرابع: امتناع تسلط الإنس على الجن بدعوة سليمان٣٧١
الوجه الخامس: رد ونقد علماء الإمامية لرواية الجنية وتكذيبهم لها٣٧٢
التبرير الثاني: دعوى المعترضين أن عمر رضي الله عنه لم يدخل بأم كلثوم رضي الله عنها وإنكارهم ولادة زيد ورقية٣٧٦
التبرير الثالث: دعوى وقوع التزويج غصبا عن علي وآل البيت رضي الله عنهم٣٨١
تنزيه الفاروق وآل البيت رضي الله عنهم من هذا الافتراء المشين٣٨٤
الوجه الأول: شذوذ رواية تهديد عمر رضي الله عنه لعلي والعباس رضي الله عنهما٣٨٩
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الوجه الثاني: تناقض روايات الإكراه٣٩٢
الوجه الثالث: ردود علماء الإمامية على نسبة الاغتصاب إلى عرض علي رضي الله عنه٣٩٢
الوجه الرابع: دفاع علماء الزيدية عن عرض علي رضي الله عنه وإنكارهم لرواية الاغتصاب٤٠٢
الوجه الخامس: تفنيد دعوى أبي القاسم الكوفي أن صبر علي رضي الله عنه على اغتصاب عرض بنته كان بوصية من النبي صلى الله عليه وسلم٤٠٦
التبرير الرابع: دعوى وجود نظائر مشابهة لزواج عمر بأم كلثوم رضي الله عنهما في الشرائع السابقة وفي بداية الإسلام٤١٤
1-محاولة الاستدلال بزواج فرعون بآسية٤١٥
2 - محاولة الاستدلال بعرض لوط عليه السلام بناته على قومه٤١٥
3- محاولة الاستدلال بتزويج النبي صلى الله عليه وسلم بنتيه لعتبة بن أبي لهب وأبي العاص في الجاهلية٤٢٠
4 - محاولة ادعاء المشابهة بين زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما بزواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة وحفصة رضي الله عنهما٤٢١
5 - محاولة الاستدلال بقصة إبراهيم عليه السلام حين أرسل زوجته سارة إلى الجبار٤٢٣
الفصل الرابع: آثار مصاهرة عمر لعلي رضي الله عنهما وموقف أهل البيت من هذه المصاهرة
المبحث الأول: آثار مصاهرة عمر لعلي رضي الله عنهما٤٣١
الأثر الأول: إثبات عدالة الفاروق رضي الله عنه وبطلان مقالة الطاعنين فيه٤٣٢
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الأثر الثاني: إثبات العلاقة الحميمة بين آل الفاروق وآل علي رضي الله عنهم وبطلان دعوى العداوة بينهما٤٤٢
الأثر الثالث: براءة عمر رضي الله عنه مما ينسبه له الوضاعون من الاعتداء على فاطمة٤٤٤
الأثر الرابع: بطلان دعوى النص على علي رضي الله عنه٤٤٥
الأثر الخامس: صيانة عمر رضي الله عنه من طعن الطاعنين في نسبه٤٤٧
المبحث الثاني: موقف آل البيت من زواج أم كلثوم بنت علي من عمر بن الخطاب رضي الله عنهما٤٤٩
موقف علي رضي الله عنه٤٤٩
موقف الحسن والحسين ومحمد ابن الحنفية رضي الله عنهم٤٥٠
موقف زين العابدين والباقر والصادق رضي الله عنهم٤٥٠
مسك الختام٤٥٤
فهرس مؤلفات الإمامية حول زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم رضي الله عنها٤٥٧
أهم المصادر والمراجع٤٥٩

تقدُمة

إنَّ الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد،

فقد تواترت الأدلة في كتاب الله وتضافرت في الثناء على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، المهاجرين منهم والأنصار، رضي الله عنهم ورضوا عنه، ومن أبرز مفاخرهم ومحاسنهم ومناقبهم – ما اشتهر من المحبة والمودة بينهم، فرباط الإسلام جمعهم، وقد ألّف الله بين قلوبهم، مع ما جبلوا عليه من طباع سليمة، وافقت روح الإسلام، فكانوا خير من حملوا رسالة نبيهم صلى الله عليه وسلم وأوصلوها لمن بعدهم.

وكان لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم أوفر الحظ في قلوب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزلوهم المنزلة العلية، وراقبوا الله عز وجل فيهم، وأعطوهم ما لهم من حقوق، وحفظوا ما لهم من مكانة، إذ إن من لوازم المحبة الصادقة محبة ما يحبُّ المحبوب، ولما كان آل النبي صلى الله عليه وسلم من أحبِّ الناس

إليه، صاروا كذلك بالنسبة للصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم. و لا ريب أن من أعظم الأمور التي تؤلف القلوب بين الناس، وتصل بين أنسابهم، وتؤصل لأسباب المودة بينهم، المصاهرات، ولذلك رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصاهر الخليفتين الراشدين أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، فيتزوج بنتيهما، ثم زوّج كريمتيه رقية وأم كلثوم على التوالي من الصحابي الجليل عثمان بن عفان رضي الله عنه، وبه استحق لقب: ذي النورين(1) ثم إن الفاروق رضي الله عنه ما لبث أن سار على هذه الجادة، حرصاً منه على الارتباط بهذا النسب الطاهر(2) الذي هو أطهر الأنساب قاطبة(3) فاختار أن يتزوج السيدة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما بنت فاطمة السيدة الطاهرة والبضعة النبوية رضي الله عنها، فنال ذلك الشرف، عندما قبل علي رضي الله عنه أن يزوجه إياها، ويصل نسبه بالنبي صلى الله عليه وسلم، فكانت هذه المصاهرة المباركة، التي تناقلتها كتب السير والتواريخ على مرِّ العصور وبُثت أخبارها في مصنفات المحدثين والمؤرخين، واستخرج منها الفقهاء أحكاما كثيرة في أبواب فقهية شتى، واحتفل بها الأدباء في كتبهم، وظلت محل اتفاق بين القرون المفضلة، إلى أن ظهرت دعاوى الطاعنين في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وصاروا ينسبون إلى أهل البيت أنهم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كانوا يعادون الصحابة، وادعوا أن الصحابة رضي الله عنهم ظلموا أهل البيت وعادوهم، وسلبوهم حقوقهم، فأنكر عليهم العلماء هذه التهم والمجازفات، وجعلوا المصاهرات التي جمعت آل البيت بالصحابة من أبين الدلائل والحجج على أن علاقة آل البيت بالصحابة كانت علاقة مودة و رحمة ووفاء و إخاء، وفي طليعة هذه المصاهرات التي كانت تقف عثرة في سبيل هؤلاء، تزويج علي رضي الله عنه بنته أم كلثوم من فاطمة سيدة نساء العالم للخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فما كان من بعض من حمله الغلو في معاداة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلا أن يُحْدِث مقالة مخترعة للرد على هذه الأدلة الناصعة، فأنكروا زواج عمر بأم كلثوم كما أنكروا من قبل بنوة بنات النبي صلى الله عليه وسلم زينب و رقية وأم كلثوم، فادعوا أنهن ربائبه، وأراد من سلك هذا المسلك أن يعمي و يغطي على ما يحمله هذا الخبر من دلالات لتلك العلاقة الطيبة الطاهرة بين أفراد ذلك الجيل الطاهر، ثم جاء من بعد هؤلاء المنكرين من اضطر للإقرار بحصول هذا الزواج، ولكنهم حاولوا إثارة سحاب من الغبار حول هذه المصاهرة المباركة، فحاولوا التقليل من شأنها، والتشكيك في تفاصيلها، وادعاء أنها وقعت على غير رضا من علي رضي الله عنه وأهل بيته، ومنهم من توجه بسهامه إلى الفاروق و شكك في نيته و أخلاقه وصفاته، وبلغ الغلو ببعضهم إلى اختراع مقالة جديدة حادثة، فأنكر وجود أم كلثوم رأسا، مدعيا أنها حديث خرافة وخيال. فكان هذا الإنكار سببا لكتابتنا لهذه الدراسة، حتى نناقش أدلة من يروج لهذه المقالة المستشنعة نقاشا علميا مؤصلا، ونفند فيه كل ما شيدوه من استدلالات سيتبين أنها تقريرات ضعيفة وشبه واهية، لتكون هذه الدراسة قرينة

لكتاب المبرة السابق ذكره في الرد على من زعم أن بنات النبي صلى الله عليه وسلم لسن من صلبه وأنهن ربائبه.

ولم يخف علينا وجود كتابات طيبة في هذا الباب مثل رسالة الشيخ الفاضل أبي معاذ الإسماعيلي التي سماها «القول الجلي في إثبات زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت علي»، وقد استفدنا منها جملة من المباحث، إلا أنها لم تكن مستوفية لجميع مباحث هذه المصاهرة، على ما فيها من الجهد الطيب، ونحن نرجو أن نكون قد أوفينا هذه القضية التاريخية المهمة حقها في هذا البحث، وأن تكون هذه الرسالة مرجعا جامعا لخيوط هذه المسألة، بحيث يستغني بها من يطلع عليها عن بقية الكتابات الأخرى.

وفي نفس الوقت، أردنا إثراء المكتبة بمصنف مستقل في سيرة أم كلثوم، يجمع شتات أخبارها في موضع واحد، فجهِدنا أن نجمع ما وقفنا عليه من أخبارها الثابتة في كتب السير والتواريخ والتراجم، ثم فصلنا الحديث عن واقعة زواجها بعمر الفاروق رضي الله عنه، واستعنا بالله لتفنيد ما أثير حول هذه المصاهرة من تشكيكات و تأويلات، مستندين في ذلك إلى منهج علمي يقوم على الاعتماد على الروايات الصحيحة، ونقد الروايات الباطلة والمنكرة التي حاول الغلاة والمرجفون من الأخباريين وغيرهم أن يروجوا لها وينشروها بين العوام الذين لا قدرة لهم على تمييز الحق من الباطل، وليس لنا هدف من ذلك إلا تنزيه ساحة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والآل من دعاوى وقوع التنافر بينهم، والحق أن ذلك خلاف شهادة رب العزة بأنه ألف بين قلوبهم.

خطة البحث

قسمنا هذا البحث إلى مقدمة وتمهيد وفصول أربعة ثم خاتمة.

فكان التمهيد بعمل ترجمة موجزة لعمر رضي الله عنه، وترجمة موسعة لأم كلثوم رضي الله عنها، وقد اختصرنا ترجمة عمر رضي الله عنه، حيث ملأ ذكره السهل والجبل وكتبت في ترجمته كتب كثيرة، بخلاف أم كلثوم رضي الله عنها، التي لم نقف لها فيما بين أيدينا من كتب أهل السنة على ترجمة مستقلة.

ثم خصصنا الفصل الأول للكلام عن زواج عمر من أم كلثوم في كتب أهل السنة ، فاستعرضنا الروايات الثابتة في هذه القضية، ثم دبجنا الكتاب بنصوص المحدثين والمؤرخين و النسابين و الأدباء الذين أثبتوا هذه المصاهرة. ثم شرعنا في الفصل الثاني بدراسة مرويات هذا الزواج في مصادر الإمامية ، واستعرضنا مواقف علمائهم على مر التاريخ، وانتهينا بذكر المصنفات الكثيرة التي أفردوها في هذه المسألة، ثم بعد ذلك ناقشنا اعتراضات من أنكر وقوع هذا الزواج وفصلنا الرد العلمي عليها.

تلاه بعد ذلك فصل ثالث، تعرضنا فيه للرد على تشكيك المشككين في آثار هذه الزواج، وبرأنا ساحة الفاروق رضي الله عنه مما نسبه إليه الغلاة من الافتراءات العظيمة، ورددنا على محاولاتهم تبرير هذا الزواج بأنه وقع بصورة غير سوية، خاصة ما زعمه الكثير منهم من أنه كان بإكراه من عمر لعلي رضي الله عنهما، فنزهنا عليا رضي الله عنه عن هذه المنقصة العظيمة.

ثم ختمنا هذه الدراسة بالفصل الرابع المخصص لعرض موقف

آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من هذا الزواج، وبينا أنهم كانوا يتحدثون به في مجالسهم ويتناقلون أخبارهم ويحدثون به من بعدهم، وأنهم كانوا من أكثر الناس عناية بأخبار هذه المصاهرة الطيبة.

منهجنا في هذا الكتاب:

لما كان أحد أهم أهداف هذا الكتاب هو تفصيل أخبار أم كلثوم وحياتها، حاولنا في هذا الكتاب استقراء كتب الحديث والتاريخ و الأنساب وسبرها لاستخراج أخبار أم كلثوم وأخبار زواجها بالفاروق، ثم رتبناها بحسب تناسبها مع مباحث الترجمة، وخصصنا أخبار زواجها بمبحث مستقل، لأنه أكثر المباحث غزارة من حيث الروايات، مع الكلام عن هذه الروايات وبيان مرتبتها من جهة الصحة والضعف، وقدمنا الروايات الصحيحة على الروايات الضعيفة والواهية، واقتصرنا على تخريج الحديث من الصحيحين إن كان فيهما، وإن كان في غيرهما حاولنا استيفاء تخريجه من مظانه مع بيان درجته من الصحة أو الضعف.

وقد حاولنا تتبع كل المصنفات التي أفردت في قضية زواج عمر من أم كلثوم، واستدركنا بفضل الله وحمده كثيرا من القضايا والتفاصيل في ترجمة أم كلثوم و التي لم نجدها مجموعة في موضع واحد بحمد الله وفضله.

وأما ما يتعلق بمناقشة اعتراضات المخالفين لنا في هذه المسألة، فقد حاولنا توثيقها من مصادرها الأصلية في الغالب، مع مناقشتها وتفنيدها بالمنهج العلمي القائم على النقد الداخلي والخارجي، فإن

كانت المناقشة تتعلق بالروايات، ناقشناها من جهة السند، وبينا صحتها من ضعفها، فإن صحت الرواية وكان مضمون المتن سليما، بينا ذلك، وأما إن تضمن المتن إشكالا حاولنا توجيهه بما يوافق الصواب، فإن كان السند ضعيفا ومضمون المتن مردودا بينا ذلك، أما إن كان المتن سليما، بينا ذلك حتى لو كان السند ضعيفا من باب التنزل واستيفاء البيان.

وفي ختام هذه التقدمة، نحمد الله تبارك وتعالى أن وفقنا على إتمام هذا البحث، ولا ننسى أن نخص إخواننا في مركز البحوث والدراسات بالشكر، لما لهم من فضل في إخراج هذا البحث إلى الوجود من جهة فكرته، فضلا عن تكرمهم بمراجعة الكتاب وإبداء ملاحظتهم القيمة التي استفدنا منها، والحمد لله من قبل ومن بعد.

المؤلفان

حافظ أسدرم

ياسر مصطفى

تمهيد

لمحات من سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه

سيرة أم كلثوم بنت علي رضي الله عنها

صفحة 28 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 29 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 30 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

لمحات من سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه

اسمه وكنيته ولقبه رضي الله عنه

هو أمير المؤمنين، الفاروق، والمحدَّث الملهم، والخليفة الراشد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصهره من ابنته حفصة أم المؤمنين رضي الله عنها، وهو ثالث هذه الأمة في الفضل بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأحد العشرة المبشرين بالجنة واسمه: عمر بن الخطاب بن نُفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد الله بن قُرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي القرشي.

روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كناه بأبي حفص يوم بدر، ولقبه بالفاروق يوم إسلامه.

وأمه حنتمة بنت هاشم بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، وقيل: حنتمة بنت هشام، والأول أصح(4) .

أزواجه وأبناؤه رضي الله عنه

قال ابن سعد في طبقاته: «وكان لعمر من الولد: عبد الله، وعبد الرحمن، وحفصة، وأمهم زينب بنت مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وزيد الأكبر لا بقية له، ورقية، وأمهما أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وزيد الأصغر، وعبيد الله قتل يوم صفين مع معاوية، وأمهما أم كلثوم بنت جرول بن مالك بن المسيب بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو من خزاعة، وكان الإسلام فرَّق بين عمر وبين أم كلثوم بنت جرول.

وعاصم، وأمه جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح واسمه قيس بن عصمة بن مالك بن أمة بن ضبيعة بن زيد من الأوس من الأنصار.

وعبد الرحمن الأوسط وهو أبو المجبر، وأمه لهية أم ولد.

وعبد الرحمن الأصغر، وأمه أم ولد.

وفاطمة، وأمها أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. وزينب، وهي أصغر ولد عمر، وأمها فكيهة أم ولد.

وعياض بن عمر وأمه عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل»(5) .

إسلامه رضي الله عنه

مما اشتهر في أخبار عمر رضي الله عنه أنه كان من ألّد أعداء الإسلام قبل أن يمنَّ الله عليه بالهداية حتى صار من أصفياء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد روي في إسلامه أخبار عدة، منها ما اشتهر ولم يصح، كالقصة

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المشهورة في إسلامه في بيت أخته فاطمة وزوجها سعيد بن زيد(6) ومما صحّ في خبر إسلامه ما روته أم عبد الله بنت أبي حثمة في ذلك فقالت: «والله إنا لنترحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر في بعض حاجاتنا، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف علي وهو على شركه- قالت: وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا- قالت: فقال: إنه للانطلاق يا أم عبد الله. قالت: فقلت: نعم والله، لنخرجن في أرض الله، آذيتمونا وقهرتمونا، حتى يجعل الله مخرجاً. قالت: فقال: صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أحزنه- فيما أرى- خروجنا. قالت: فجاء عامر بحاجته تلك، فقلت له: يا أبا عبد الله، لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا. قال: أطمعت في إسلامه؟ قالت: قلت: نعم، قال: فلا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب، قالت: يأسا منه، لما كان يرى من غلظته وقسوته عن الإسلام»(7)

وسبق إسلامه أيضاً بمدة يسيرة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم ربّه أن يؤيّد الإسلام بعمر بن الخطاب أو بأبي جهل، فعن ابن عمر رضي الله عنهما: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال: اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب». قال: وكان أحبهما إليه عمر(8) وقد زاد في رواية: «فأصبح فغدا عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم»(9)

ثم روي عنه أنه بعد إسلامه كان حريصاً على إعلام قريش بذلك، ولو كلّفه هذا الأمر حياته، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «لما أسلم عمر بن الخطاب قال: أيُّ أهل مكة أَنْقَلُ للحديث؟ قالوا: جميل بن معمر الجمحي، فخرج عمر، وخرجت وراء أبي وأنا غُليّم أعقل كلما رأيت، حتى أتاه، فقال: يا جميل هل علمت أني أسلمت؟ فو الله ما راجعه الكلام حتى قام يجر رداءه، وخرج عمر معه، وأنا مع أبي، حتى إذا قام على باب المسجد الكعبة صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش إن عمر قد صبا، فقال عمر: كذبت ولكني أسلمت، فبادروه فقاتلهم وقاتلوه حتى قامت الشمس على رؤوسهم وبلح، فجلس وعرشوا على رأسه قياماً وهو يقول: اصنعوا ما بدا لكم فأقسم بالله لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركتموها لنا أو تركناها لكم، فبينا هم على ذلك إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبره وقميص قومسي، فقال: مه؟ فقالوا: خيراً، عمر بن الخطاب صبا، فقال فمه؟! رجل اختار لنفسه ديناً أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هكذا؟! عن الرجل، فو الله

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لكأنها كان ثوب كشف عنه، فلما قدمنا المدينة قلت: يا أبه من الرجل صاحب الحلة الذي صرف القوم عنك؟ قال: ذاك العاص بن وائل السهمي»(10)

ولقد كان إسلام عمر رضي الله عنه فتحاً للمسلمين، وغيظاً للكافرين، وما ذلك إلا لقوة تأثيره رضي الله عنه في مجتمعه، ولذا نرى ابن مسعود رضي الله عنه يصرّح بذلك فيقول: « ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر»(11) .

بل إن خيره رضي الله عنه شمل مراحل إسلامه إلى أن توفّاه الله عز وجل، ولذا جاء عن ابن مسعود تفصيل لمقولته السابقة، وهو يظهر دوام الخيرية في إسلام عمر رضي الله عنه فقال: «كان إسلام عمر فتحا، وكانت هجرته نصرا، وكانت إمارته رحمة، لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر قاتلهم حتى تركونا فصلينا»(12) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهذه الأخبار كلّها تؤكد ما استقر عند القاصي والداني والمؤالف والمخالف من شجاعة عمر رضي الله عنه، وصدعه بالحق، ولذا نرى أن لا حاجة لذكر ما روي في جهره رضي الله عنه بالهجرة، وتحدّيه لقريش، فالخبر لا يصح في ذلك، والله أعلم(13) .

جهاده رضي الله عنه

وقد شهد رضي الله عنه المشاهد كلّها مع النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أشدّ الناس على الكفّار، ولو كانوا أولي قربى، ولما استشار النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعمر في ما يصنع في أسارى بدر، كان رأي عمر أن يقتل كل رجل من المسلمين قريبه من المشركين، بخلاف أبي بكر رضي الله عنه الذي قال:«يا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام»، فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم من أبي بكر، أراد أن يسمع من عمر رضي الله عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ترى يا ابن الخطاب؟» قلت:«لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكِّنا فنضرب أعناقهم، فتمكِّن عليّاً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنِّي من فلان نسيباً لعمر، فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها»(14)

خلافته رضي الله عنه

وأما تولّيه للخلافة فقد كان بعهد من أبي بكر رضي الله عنه، بعد استشارته لكبار الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، والأخبار في ذلك كثيرة، ولعلّ من أشهرها ما جاء عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: «لما نزل بأبي بكر رحمه الله الوفاة دعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: أخبرني عن عمر، فقال: يا خليفة رسول الله، هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل، ولكن فيه غلظة.

فقال أبو بكر: ذلك لأنه يراني رقيقاً، ولو أفضي الأمر إليه لترك كثيراً مما هو عليه، ويا أبا محمد قد رمقته، فرأيتني إذا غضبت على الرجل في الشيء أراني الرضا عنه، وإذا لنت له أراني الشدة عليه، لا تذكر يا أبا محمد مما قلت لك شيئا، قال: نعم ثم دعا عثمان بن عفان، قال: يا أبا عبد الله، أخبرني عن عمر، قال: أنت أخبر به، فقال

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أبو بكر: علي ذاك يا أبا عبد الله! قال: اللهم علمي به أن سريرته خير من علانيته، وأن ليس فينا مثله قال أبو بكر رحمه الله: رحمك الله يا أبا عبد الله، لا تذكر مما ذكرت لك شيئا، قال: أفعل، فقال له أبو بكر: لو تركته ما عدوتك، وما أدري لعله تاركه، والخيرة له ألا يلي من أموركم شيئا، ولوددت أني كنت خلوا من أموركم، وأني كنت فيمن مضى من سلفكم، يا أبا عبد الله، لا تذكرن مما قلت لك من أمر عمر، ولا مما دعوتك له شيئاً»(15)

وعن أبي السفر أن أبا بكر رضي الله عنه أشرف على الناس فقال: «أترضون بمن أستخلف عليكم؟ فإني والله ما آلوت من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني قد استخلفت عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا، فقالوا: سمعنا وأطعنا»(16) .

فعلى ما مضى من هذه الأخبار، نرى أن أبا بكر رضي الله عنه كان قد استشار كبار الصحابة في أمر استخلاف عمر رضي الله عنه، فأجابوه إلى ذلك،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وما رأوا أحداً أحقّ بهذا الأمر من عمر رضي الله عنه، وما كان من توقّف من بعض الصحابة، إنما كان من أجل ما عُرف عنه من شدّة رضي الله عنه، خُشي أن تعود بالضرر على رعيته، فوضّح أبو بكر رضي الله عنه أن شدّة عمر كانت في مقابل ما يراه من لين أبي بكر رضي الله عنه، وهو أي عمر رضي الله عنه من أرحم الناس وأرأفهم بحال المسلمين، وهذا ما بينه الصديق حين راجعه بعض كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في استخلافه لعمر، فقد نقل عن طلحة رضي الله عنه أنه دخل على أبي بكر فقال:« استخلفت على الناس عمر، وقد رأيت ما يلقى الناس منه وأنت معه، فكيف به إذا خلا بهم وأنت لاق ربك فسائلك عن رعيتك؟»، فقال أبو بكر، وكان مضطجعاً: أجلسوني فأجلسوه فقال لطلحة: أبالله تفرقني, أم بالله تخوفني، إذا لقيت الله ربي فساءلني، قلت: استخلفت على أهلك خير أهلك»(17)

فما نقل من مراجعة بعض الصحابة للصديق في استخلاف الفاروق إنما كانت لما عُهد عن الفاروق رضي الله عنه من الشدة والقوة في الحق، لكن نظرة أبي بكر ومن وافقه من الصحابة كانت أصوب، فقد ظهر منه في فترة خلافته والتي استمرت عشر سنين وستة أشهر وأربعة أيام على التمام- من الرفق واللين والحكمة وحسن التعامل، ما

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تواتر نقله، واستقر العلم به، وما أظهر صحة اختيار الصديق له خليفة على المسلمين.

فضائله رضي الله عنه

صح في فضل الفاروق أحاديث كثيرة، فهو رضي الله عنه صاحب مناقب جمة، وقد وردت في فضله أحاديث مخصوصة، فضلاً عما شمله مع غيره من الصحابة الكرام، ولا يسع مثل هذه العجالة المختصرة سرد كل مناقب الفاروق، بل سنقتصر على بعضها مما ثبت في الصحيحين، ومن ذلك ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ قال: «بينا أنا نائم، رأيتني في الجنة، فإذا امرأة تتوضأ إلى جانب قصر، قلت: لمن هذا القصر؟ قالوا: لعمر بن الخطاب، فذكرت غيرته فوليت مدبراً»، قال أبو هريرة: فبكى عمر بن الخطاب ثم قال: «أعليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أغار؟»(18) .

ومنها ما رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: «بينا أنا نائم رأيت الناس عُرضوا علي، وعليهم قمص، فمنها ما يبلغ الثدي، ومنها ما يبلغ دون ذلك، وعرض علي عمر وعليه قميص اجتره»، قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: «الدين»(19) .

وعن سعد بن أبي وقاص، قال: استأذن عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده نساء من قريش يكلمنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن، فلما استأذن

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عمر قمن يبتدرن الحجاب، فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم ورسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك، فقال عمر: أضحك الله سنك يا رسول الله، قال: «عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب» قال عمر: فأنت يا رسول الله كنت أحق أن يهبن، ثم قال: أي عدوات أنفسهن، أتهبنني ولا تهبن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلن: نعم، أنت أفظ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك»(20)

ولأن الفاروق رضي الله عنه بلغ منزلة عظيمة في الفضل و التقوى والإيمان، تمنى علي رضي الله عنه أن يلقى الله بصحيفته، قال ابن عباس رضي الله عنه «وضع عمر على سريره فتكنفه الناس، يدعون ويصلون قبل أن يرفع وأنا فيهم، فلم يرعني إلا رجل آخذ منكبي، فإذا علي بن أبي طالب فترحم على عمر، وقال: ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أني كنت كثيرا أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ذهبت أنا وأبو بكر، وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر، وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر، وعمر»(21) .

استشهاده رضي الله عنه

ثم خُتم لعمر رضي الله عنه بالشهادة بعد أن طُعن من الشقيِّ المجوسي أبي لؤلؤة، فاستجاب الله بذلك لدعاء عمر رضي الله عنه بأن تكتب له الشهادة في

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، حين قال رضي الله عنه: «اللهم ارزقني شهادة في سبيلك، واجعل موتي في بلد رسولك صلى الله عليه وسلم»(22)

وقد كان هذا الدعاء مما يستغرب منه، إذ كيف يستشهد في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أمنت من الأعداء؟ ولذا روي عن أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها أنها كانت تقول: «أنى يكون هذا؟ فيجيب قائلاً: يأتيني به الله إن شاء»(23) .

وكان رضي الله عنه قد رأى قبل موته بثلاث ما يشير إلى اقتراب أجله، بل وبالطريقة التي قتل بها، فقد خطب الناس يوم الجمعة فذكر نبي الله صلى الله عليه وسلم، وذكر أبا بكر رضي الله عنه ثم قال: «إني رأيت كأن ديكا نقرني ثلاث نقرات، وإني لا أراه إلا حضور أجلي، وإن أقواما يأمرونني أن أستخلف، وإن الله لم يكن ليضيع دينه، ولا خلافته، ولا الذي بعث به نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن عجل بي أمر، فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض»(24) .

قبره رضي الله عنه

وقد دفن رضي الله عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق رضي الله عنه، في حجرة السيدة عائشة رضي الله عنها(25) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سيرة أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما

هي أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمية، شقيقة الحسن والحسين، وأمها فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، من سادات آل البيت، وهي سليلة بيت الإيمان و الشرف والسيادة والرياسة، فجدها محمد صلى الله عليه وسلم نبي، وأبوها علي رضي الله عنه خليفة، وزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه خليفة، وأخوها الحسن بن علي رضي الله عنه خليفة(26) .

اسمها رضي الله عنها

المشهور بين أهل العلم أن اسمها أم كلثوم وهو الذي اتفقت عليه كلمة المؤرخين والنسابين من أهل السنة، كما أن جميع الروايات المتعلقة بشخصيتها ورد فيها اسم أم كلثوم، والظاهر أن عليا سماها بذلك تيمنا باسم خالتها أم كلثوم بنت النبي صلى الله عليه وسلم وأخت فاطمة رضي الله عنها، وزوجة ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه.

وذكر أبو الحسن العمري النسابة أن اسمها رقية(27) بينما زعم الأعرجي النجفي أن اسمها زينب الصغرى(28) وقد حاول محمد جميل حمود العاملي أن ينتصر لتسميتها بهذا الاسم لكنه لم يأت بدليل قاطع

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

على ذلك، وإنما أتى بظنون واحتمالات لا تثبت في ميزان النقد العلمي(29)

والذي نرجحه أن اسمها هو أم كلثوم لاتفاق قدماء المؤرخين والنسابين و المحدثين على تسميتها بذلك، ولورود هذا الاسم في الروايات الصحيحة، ولأن بقية الأسماء لا دليل عليها ولم ترد في أي رواية مسندة، فضلا عن أنها أقوال مرسلة ومتأخرة ومحجوجة بأقوال قدماء النسابين والمؤرخين(30) .

ولادتها رضي الله عنها

ولدت في حياة جدها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حدود سنة ست من الهجرة، وقد رأت النبي صلى الله عليه وسلم ولم ترو عنه شيئاً(31) .وقد أنعم الله عز وجل على أم كلثوم بهذا النسب الشريف، فكانت حفيدة سيد ولد آدم عليه السلام، وبنت فاطمة سيدة نساء أهل الجنة رضي الله عنها، وعليٍّ رضي الله عنه الذي شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يحبُّ الله ورسوله ويحبُّه الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وأخت الحسن والحسين رضي الله عنهما سيدي شباب أهل الجنة، ولذا فقد أحاطها الفخر والشرف من كلِّ جانب.

وقد روى فقيه أهل البيت جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر «أن فاطمة وزنت شعر الحسن والحسين وزينب و أم كلثوم ذهبا

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فتصدقت به»(32) ثم ما إن مضى عليها أربع سنين حتى قُبض نبينا صلى الله عليه وسلم، ثم بعد هذا الحدث الجلل بأشهر قليلة، قُبضت أمُّها فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، فبقيت في حضانة أبيها وأخويها رضي الله عنهم، فربوها أحسن تربية، وأحاطوها بكلِّ رعاية، وأكرموها أيّما إكرام.

أزواجها رضي الله عنها

عندما تمَّ لأم كلثوم عشر سنين تزوَّجها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك سنة سبع عشرة من الهجرة(33) ، وكان سبب زواجه منها رضي الله عنهما سماعه لقول النبي صلى الله عليه وسلم من قوله صلى الله عليه وسلم «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي»(34) .

وبقيت عنده رضي الله عنهما حتى استشهد، فتزوجها عون ثم محمد ثم عبد الله أولاد عمّها جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين(35) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال الزهري رحمه الله: «وأما أم كلثوم فتزوجها عمر بن الخطاب، فولدت له زيد بن عمر ثم خلف على أم كلثوم بعد عمر: عون بن جعفر، فلم تلد له شيئا حتى مات، ثم خلف على أم كلثوم بعد عون بن جعفر:محمد بن جعفر، فولدت له جارية يقال لها: نبتة نعشت من مكة إلى المدينة على سرير، فلما قدمت المدينة توفيت، ثم خلف على أم كلثوم بعد محمد بن جعفر: عبد الله بن جعفر، فلم تلد له شيئا حتى ماتت عنده»(36) .

وقال الحافظ ابن حجر: «وذكر الدارقطني في كتاب الإخوة أن عوناً مات عنها فتزوجها أخوه محمد، ثم مات عنها فتزوَّجها أخوه عبد الله بن جعفر، فماتت عنده، وذكر ابن سعد نحوه، وقال في آخره: فكانت تقول: إني لأستحيي من أسماء بنت عميس، مات ولداها عندي، فأتخوف على الثالث. قال: فهلكت عنده، ولم تلد لأحد منهم»(37) ، وهذا ما درج عليه جماعة من المؤرخين والنسابين(38) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أولادها رضي الله عنها

مضى معنا ذكر ابن سعد - أثناء تعداده لذرية عمر رضي الله عنه - أن أم كلثوم ولدت له كلاً من زيد ورقية، و هذا هو المشهور، قال الحافظ الذهبي: «ونقل الزهري، وغيره: أنها ولدت لعمر زيداً، وقيل: ولدت له رقية»(39) .

أما زيد بن عمر بن الخطاب، فيقال له: زيد الأكبر للتفريق بينه وبين زيد الأصغر، وقد مضى معنا أن زيداً الأصغر قتل وأخوه عبيد الله يوم صفّين مع معاوية، وأمهما أم كلثوم بنت جرول(40) والظاهر أن

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

علماء النسب أطلقوا على ابن أم كلثوم بنت علي اسم زيد الأكبر، مع أنه أصغر سنا من زيد ابن أم كلثوم بنت جرول، من باب مراعاة شرف النسب النبوي، أو ربما يكون هذا غلطا، والله أعلم.

وكان يقال له: ذو الهلالين؛ لأن أمّه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، سمِّي بذلك لمكان جده علي، ومكان جدته فاطمة رضي الله عنها(41) .

و هو الرجل الذي استشهد أبوه وعمه وجده أبو أمه وعم أمه وعم أبي أمه وخاله رضي الله عنهم.

فقد استشهد أبوه عمر رضي الله عنه، وعمه: زيد بن الخطاب رضي الله عنه في الردة، وجده أبو أمه:علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وعم أمه:جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، وعم أبي أمه: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وخاله: الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه(42) .

وتوفي زيد شاباً، وسنه لا يتعدى الثلاثين، لأنه مولود قبل سنة 22 هـ، سنة وفاة عمر رضي الله عنه، ولأنه ولد قبل رقية، ورقية ولدت في حياة عمر فلا بد أن تكون قد ولدت قبل سنة 23 ، سنة وفاة عمر رضي الله عنه، ولا بد أن يكون بينها وبين زيد سنة، وعليه فلا بد أن يكون زيد قد ولد قبل سنة 22 .

وزيد كان حيا إلى ما بعد سنة 48 ه، لأن سعيد بن العاص

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الذي شهد جنازة زيد وأم كلثوم ولِي المدينة سنة 48 هـ، وعليه فعمر زيد بن عمر لا يقل عن 26 سنة.

وبما أن الحسن رضي الله عنه قد شهد جنازة أم كلثوم وابنه زيد، فاللازم من ذلك أن وفاتهما كانت بين سنة 48 و سنة 50 –السنة التي توفي فيها الحسن رضي الله عنه، وعليه فسن زيد لا يتعدى الثلاثين.

وسبب وفاة زيد رحمه الله أنه قد أصيب في حرب بين بني عدي ليلاً، خرج ليصلح بينهم، فضربه رجل منهم في الظلمة، فشجّه وصرعه، فعاش أياماً ثم مات رحمه الله، ولم يعقب.

وتفصيل ذلك أن خلافا نشب بين بني عدي بن كعب فخرج عبد الله بن مطيع يطلع ما سببه، وبلغ ذلك عبد الله وسليمان ابني أبي جهم، فخرجا يرصُدانه لرجعته وأتى الخبر أخويهما فخرجوا إليهما وتداعى الفريقان، وانصرف عبد الله بن مطيع ممسيا فالتقوا بالبقيع فاقتتلوا وتنوول ابن مطيع بعصا فأدركت مؤخر السرج فكسرته، وأقبل زيد بن عمر ليحجز بينهم وينهى بعضهم عن بعض فخالطهم فضربه رجل منهما في الظلمة وهو لا يعرفه ضربة على رأسه فشجه وصرع عن دابته وتنادى القوم زيد زيد، فتفرقوا وأسقط في أيديهم وأقبل عبد الله بن مطيع فلما رآه صريعا نزل فأكب عليه فناداه يا زيد بأبي أنت وأمي مرتين أو ثلاثا، ثم أجابه فكبر ابن مطيع وأخذه فحمله على بغلته حتى أداه إلى منزله فدووي زيد من شجته حتى أقبل وقيل قد برأ، وكان

يسأل عن من ضربه فلا يسميه، ثم إن الشجة انتقضت بزيد بن عمر فلم يزل منها مريضا وأصابه بطن فهلك رحمة الله عليه(43)

ولكونه توفي هو وأمه رضي الله عنهما في وقت واحد، قيل: «كانت في زيد وأمه سُنَّتان ماتا في ساعة واحدة لم يعرف أيهما مات قبل الآخر فلم يورث كل واحد منهما من صاحبه، ووضعا معا في موضع الجنائز فأخرت أمه وقدم هو مما يلي الإمام، فجرت السنة في الرجل والمرأة بذلك بعد»(44) .

وكانت هذه الحادثة في خلافة معاوية رضي الله عنه، وكان سعيد بن العاص هو الوالي على المدينة، وصلّى عليه أخوه من أبيه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، وشهد الصلاة عليه خالاه الحسن والحسين رضي الله عنهما وآخرون، وليست لزيد رواية، وإنما وقع ذكره مع ذِكره أمه رضي الله عنهما(45) .

وأما قول عبد الرزاق بن همام الصنعاني عن أم كلثوم وابنها زيد: «بلغني أن عبد الملك بن مروان سمهما، فماتا وصلى عليهما عبد الله بن عمر، وذلك أنه قيل لعبد الملك: هذا ابن علي، وابن عمر، فخاف على ملكه فسمهما»(46) فهو قول ضعيف جدا لأنه مروي بلاغاً بلا

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إسناد، ومتن الحكاية منكر، ومخالف لما ثبت في الروايات الصحيحة، فإن زيدا توفي في خلافة معاوية بين سنة 48 و 50 كما مضى، وعبد الملك بن مروان الخلافة إنما ولي الملك سنة 65 هـ، فكيف يُدّعى أن عبد الملك خاف على ملكه من زيد بن عمر وقد توفي زيد قبل أن يتولى عبد الملك بن مروان بخمس عشرة سنة؟»، مع أن الثابت والمشهور أن زيدا قتل بسبب الخلاف الذي وقع بين بني عدي، وأما أم كلثوم فقد روي أنها مرضت وماتت مع زيد في وقت واحد(47)

هذا فيما يتعلّق بزيد رحمه الله، وأما بالنسبة لرقية، فقد اختلف في اسمها، فقيل: اسمها فاطمة(48) ، والمشهور أن اسمها رقية، وقد تعاقب كثير من أهل العلم على تسميتها برقية، وذكر ما يتعلّق بزواجها، كالزبير بن بكار(49) وابن حبيب(50) وابن قتيبة(51) والبلاذري(52) وابن سعد(53) وابن هبيرة(54) وابن عساكر(55) والعصامي(56) .

حواشي هذه الصفحة10 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد اختلف في عقبها أيضا، فذكر بعض أهل العلم أنها أنجبت لزوجها إبراهيم بن نعيم بنتا(57) ، ونص آخرون على أنها لم تعقب(58) .

هذا بالنسبة لذريتها من عمر رضي الله عنهما، وأما بالنسبة لأبناء عمّها الثلاثة الذين تزوجوها على التوالي بعد وفاة عمر رضي الله عنه فلم تعقب من أحدٍ منهم(59) ، وقيل: ولدت جارية لمحمد بن جعفر، قال الزهري: «ثم خلف على أم كلثوم بعد عون بن جعفر محمد بن جعفر، فولدت له جارية يقال لها بثنة نعشت من مكة إلى المدينة على سرير، فلما قدمت المدينة توفيت»(60) .

ومضات من حياتها الشريفة رضي الله عنها

كان لنسب أم كلثوم سبب في اختصاصها بفضائل ولطائف من جهة نسبها، فهي المرأة القرشية الوحيدة التي شهد أبوها وجدها وزوجها بدراً، «جدها أبو أمها سيّد البشر محمد صلى الله عليه وسلم، وأبوها علي بن أبي طالب رضي الله عنه،

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وزوجها هو الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه»(61)

وردت عنها أخبار تدل على نبل مواقفها، و حسن عشرتها وتبعُّلها للفاروق رضي الله عنه، فقد كان رضي الله عنه يقضي حوائج المسلمين بنفسه، و كانت تشد من أزره في فعل الخيرات، وتشركه في تخفيف الآلام عن الناس، وقد رضيت بحياة التقشف والزهد مع عمر وآلام شظف العيش.

جاء في أخبارها أنها بعثت بهدية إلى ملكة الروم في زمانها، فكافأتها ملكة الروم بأن أهدت إليها عقداً فاخراً، لكن عمر رضي الله عنه، لم يهدأ له بال حتى جمع الناس وشاورهم في مصير هذا العقد الفاخر!.

فقد جاء ضمن خبر طويل، ذُكر فيه مراسلات ملك الروم إلى عمر رضي الله عنه: «وبعثت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب إلى ملكة الروم بطيب ومشارب وأحفاش من أحفاش النساء، ودسَّته إلى البريد، فأبلغه لها، وأخذ منه وجاءت امرأة هرقل، وجمعت نساءها، وقالت: هذه هدية امرأة ملك العرب، وبنتِ نبيهم، وكاتَبتْها وكافَأتْها، وأهدت لها، وفيما أهدت لها عقد فاخر، فلما انتهى به البريد إليه – أي إلى عمر رضي الله عنه - أمره بإمساكه، ودعا: الصلاة جامعة، فاجتمعوا، فصلّى بهم ركعتين، وقال: إنه لا خير في أمر أُبرم عن غير شورى من أموري، قولوا في هدية أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم، فأهدت لها امرأة ملك الروم، فقال قائلون: هو لها بالذي لها، وليست امرأة الملك بذمة فتصانع به، ولا تحت يدك فتتقيك.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال آخرون: «قد كنا نهدي الثياب لنستثيب، ونبعث بها لتباع، ولنصيب ثمناً. فقال: ولكن الرسول رسول المسلمين، والبريد بريدهم، والمسلمون عظموها في صدرها. فأمر بردها إلى بيت المال، ورد عليها بقدر نفقتها»(62) .

من مواقفها مع زوجها الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه

روى الطبري أن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمَّر على جيشٍ سلمة بن قيس الأشجعي، فلما نصروا وجمعوا الغنائم «استأذن سلمة بن قيس من معه من الجيش في أن يبعث بحليٍّ إلى عمر هدية، فأذنوا له وطابت أنفسهم بذلك، فبعث بها برجل من قومه، فلما جاء إلى عمر ودخل بيته قال:«يا أم كلثوم، غداءنا» فأخرجت إليه خبزة بزيت في عرضها ملح لم يدق، فقال: «يا أم كلثوم، ألا تخرجين إلينا تأكلين معنا من هذا»؟(63) قالت:«إني أسمع عندك حس رجل»، قال: «نعم ولا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أراه من أهل البلد»- قال: «فذلك حين عرفت أنه لم يعرفني»- قالت: «لو أردت أن أخرج إلى الرجال لكسوتني كما كسا ابن جعفر امرأته، وكما كسا الزبير امرأته، وكما كسا طلحة امرأته» قال: «أو ما يكفيك أن يقال أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وامرأة أمير المؤمنين عمر» فقال: «كل، فلو كانت راضية لأطعمتك أطيب من هذا»، وفي رواية سيف بن عمر زيادة أنها أجابت عمر بن الخطاب لما قال لها:«أما يكفيك أن يقال أم كلثوم بنت علي»، فقالت: «إن ذلك عني لقليل الغناء»(64)

حرصها رضي الله عنها على الأجر والثواب في وجوه الخير

روي في حرصها على الأجر والثواب أخبار، منها ما حدّث به ثابت عن أنس بن مالك، قال: «بينما عمر رضي الله عنه يعس بالمدينة إذ مرّ برحبة من رحابها، فإذا هو بيت من شعر لم يكن بالأمس، فدنا منه فسمع أنين امرأة، ورأى رجلاً قاعداً فدنا منه فسلَّم عليه، ثم قال: من الرجل؟، فقال: رجل من أهل البادية جئت إلى أمير المؤمنين أصيب من فضله، فقال: ما هذا الصوت الذي أسمع في البيت؟، قال: انطلق رحمك الله لحاجتك، قال: عليَّ ذاك ما هو؟، قال: امرأة تمخّض،

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال: هل عندها أحد؟، قال لا، قال: فانطلقَ حتى أتى منزله، فقال لامرأته أم كلثوم بنت عليّ: هل لك في أجرٍ ساقه الله تعالى إليك؟، قالت: وما هو؟، قال: امرأة غريبة تمخّض ليس عندها أحد، قالت: نعم، إن شئت، قال: فخذي ما يصلح المرأة لولادتها من الخِرق والدهن، وجيئيني ببُرمَة وشحم وحبوب، قال: فجاءت به، فقال: انطلقي، وحمل البرمة، ومشت خلفه حتى انتهى إلى البيت، فقال لها: ادخلي إلى المرأة، وجاء حتى قعد إلى الرجل فقال له: أوقد لي ناراً، ففعل، فأوقد تحت البُرمة حتى أنضجها، وولدت المرأة، فقالت امرأته: يا أمير المؤمنين، بشّر صاحبك بغلام، فلما سمع يا أمير المؤمنين كأنه هابه فجعل يتنحى عنه، فقال له: مكانك كما أنت، فحمل عمر البُرمة فوضعها على الباب، ثم قال: أشبعيها، ففعلت، ثم أخرجت البرمة فوضعتها على الباب، فقام عمر رضي الله عنه فأخذها فوضعها بين يدي الرجل، وقال: كُلْ ويحك، فإنك قد سهرت من الليل، ففعل ثم قال لامرأته: اخرجي، وقال للرجل، إذا كان في غد، فأتِنا نأمر لك بما يصلحك، ففعل الرجل فأجازه وأعطاه»(65)

طاعتها لأبيها رضي الله عنهما

من الحوادث التي تدل على بر أم كلثوم بأبيها وطاعتها له، ما

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رواه عمرو بن سلمة قال: كان علي بن أبي طالب استعمل يزيد بن قيس على الري ثم استعمل مخنف بن سليم على أصبهان واستعمل على أصبهان عمرو بن سلمة فلما انفتل عمرو بن سلمة عرض له الخوارج فتحصن في حلوان ومعه الخراج والهدية فلما انصرف عنه الخوارج أقبل بالهدية وخلَّف الخراج بحلوان فلما قدم عمرو بن سلمة على علي رضي الله عنه أمره فليضعها في الرحبة ويضع عليها أمناءه حتى يقسمها بين المسلمين فبعثت إليه أم كلثوم بنت علي أرسل إلينا من هذا العسل الذي معك فبعث إليها بزقين من عسل وزقين من سمن فلما أن خرج علي إلى الصلاة عدها فوجدها تنقص زقين فدعاه فسأله عنهما فقال: يا أمير المؤمنين لا تسألني عنهما ثم تأتي بزقين مكانهما قال: «عزمت عليك لتخبرني ما قضيتهما؟» قال: بعثت إلي أم كلثوم فأرسلت بهما إليها قال: «أمرتك أن تقسم فيء المسلمين بينهم» ثم بعث إلى أم كلثوم أن ردي الزقين فأتي بهما مع ما نقص منهما فبعث إلى التجار «قوموهما مملوءتين وناقصتين» فوجدوا فيهما نقص ثلاثة دراهم وشيئا فأرسل إليها أن أرسلي إلينا بالدراهم ثم أمر بالزقاق فقسمت بين المسلمين»(66) ففي هذا القصة يظهر شدة طاعة أم كلثوم لأبيها و

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولو كان ذلك على حساب نفسها، فهي أحبت أن تحصل على شيء من العسل دون أن تعلم أنها لبيت مال المسلمين، فلما علمت بذلك عندما أرسل لها أبوها علي أن ترد العسل والسمن، ردته طائعة، وأطاعته أيضا في دفع ثمن ما نقص منه، ولم تجادله في ذلك، ولم تراجعه، وكفى بذلك دليلا على شدة طاعتها لأبيها ورجوعها للحق، ومن اللطائف أن موقف علي رضي الله عنه شابه ووافق موقف عمر رضي الله عنه لما أرسلت ملكة الروم هدية إلى أم كلثوم فسبحان الله الذي كتب الالتئام والتوافق بين الفاروق وبين علي رضي الله عنهما في مواقفهما.

مكانتها عند أبيها علي رضي الله عنه ودفاعها عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه ابن زوجها عمر رضي الله عنه

تحدثنا الروايات أن لأم كلثوم رضي الله عنها مكانة وشأنا عند أبيها حتى إنها تشفعت في ابن زوجها عبد الله بن عمر رضي الله عنه لما أشيع عنه أنه توجه إلى الشام ليلحق بمعاوية رضي الله عنه، فبينت له أنه إنما ذهب لمكة للعمرة وليس للشام، يروي نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال:«لما بويع لعلي أتاني فقال: إنك امرؤ محبب في أهل الشام فإني قد استعملتك عليهم فسر إليهم قال: فذكرت القرابة وذكرت الصهر فقلت: أما بعد فوالله

لا أبايعك قال: فتركني وخرج فلما كان بعد ذلك جاء ابن عمر إلى أمه أم كلثوم(67) فسلم عليها وتوجه إلى مكة، فأتى عليٌّ, فقيل له: إن ابن عمر قد توجه إلى الشام فاستنفِر الناس قال: فإن كان الرجل ليعجل حتى يلقي رداءه في عنق بعيره قال (أي نافع): وأتيت أم كلثوم فأخبرت فأرسلتْ إلى أبيها: ما الذي تصنع؟ قد جاءني الرجل وسلم علي وتوجه إلى مكة فتراجع الناس(68)(69) وكان علي رضي الله عنه يرجع إلى أم كلثوم في بعض القضايا المشكلة، فعن عبد الرحمن بن ثروان، قال: «زوج امرأةً أخوالُها وهم من بني عائذ الله، وهي من بني أود، فأتوا عليا رضي الله عنه، فقال لابنته أم كلثوم: انظري أمن النساء هي؟ قالت: نعم. فدفعها إلى زوجها، وقال: هم أكفاء»(70) وهذه القصة تدل على أن عليا رضي الله عنه كان يثق بابنته أم كلثوم ويستشيرها فيما يحتاج إليه من مشاورة النساء، وذلك دليل ثان على منزلتها الكبيرة عند أبيها.

رقتها وحزنها على زوجها ثم أبيها رضي الله عنهما

تحكي الأخبار الصحيحة عن شدة حبها لزوجها عمر رضي الله عنه، وخوفها عليه، ومن ذلك أنها لما سمعت خبراً من كعب الأحبار فيه ما يوهم

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سوء خاتمة عمر رضي الله عنه بكت بكاءً شديداً، فلما سألها عمر رضي الله عنه عن سبب بكائها فقالت: «يا أمير المؤمنين، هذا اليهودي(71) تعني كعب الأحبار- يقول: إنك على باب من أبواب جهنم»، فقال عمر:«ما شاء الله، والله إني لأرجو أن يكون ربي خلقني سعيداً»، ثم أرسل إلى كعب فدعاه، فلما جاءه كعب قال: «يا أمير المؤمنين، لا تعجل عليّ، والذي نفسي بيده، لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة»، فقال عمر: «أي شيء هذا؟ مرة في الجنة، ومرة في النار؟» فقال: «يا أمير المؤمنين والذي نفسي بيده، إنا لنجدك في كتاب الله على باب من أبواب جهنم، تمنع الناس أن يقعوا فيها، فإذا مت لم يزالوا يقتحمون فيها إلى يوم القيامة»(72)

وقد أصيبت رضي الله عنها باستشهاد كلٍّ من زوجها وأبيها، ولا شكّ أن استشهاد أبيها جدّد حزنها على فقدان زوجها، ولذا روي أنه لما كانت الليلة التي أصيب فيها علي رضي الله عنه أتاه ابن النباح حين طلع الفجر يؤذنه بالصلاة وهو مضطجع متثاقل، فعاد الثانية وهو كذاك، ثم عاد الثالثة، فقام علي

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يمشي وهو يقول:

شد حيازيمك للموتفإن الموت آتيك
ولا تجزع من الموتإذا حل بواديك

فلما بلغ الباب الصغير شد عليه عبد الرحمن بن ملجم فضربه، فخرجت أم كلثوم بنت علي فجعلت تقول:«ما لي ولصلاة الغداة؟ قتل زوجي أمير المؤمنين صلاة الغداة، وقتل أبي صلاة الغداة»(73) ، وقد روي أنها كانت تنوح على علي رضي الله عنه، ولا يثبت ذلك(74) ، فضلا عن أن من تربى في بيت علي رضي الله عنه لا يليق به أن يخالف نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن النياحة الجاهلية، إلا إن حمل النوح هنا على البكاء الذي لا يتعدى الحدود الشرعية، وهذا الذي ُيظن بأم كلثوم، وهذا كله على فرض صحة الرواية.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

زهدها في الدنيا رضي الله عنها

من اللطائف أن أم كلثوم أخذت من زوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأبيها علي بن أبي طالب رضي الله عنه صفة جميلة جعلتها قانعة بحظها من الدنيا، معرضة عن اللذات الزائدة والزائلة، وهي الزهد والقناعة، وقد مضى معنا موقفها مع الفاروق عندما عرَّضَت أم كلثوم بتقشفه في المأكل والمشرب والملبس، وربما كان ذلك لصغر سنها، وصغر السن مدعاة لطلب التوسع في المأكل والزينة في اللباس خاصة أنها رأت غيرها من نساء الصحابة ممن وسع عليهن أزواجهن في أمور الدنيا، لكنها مع ذلك بقيت صابرة ولم تتضجر من إقتار الفاروق في الإنفاق بل ظلت وفية له وقانعة بالعيش معه حتى توفي واستشهد رضي الله عنه، ثم إنها عاشت مع أبيها مدة، فوجدت أباها شبيها بالفاروق في تقشفه وزهده، فجعلت ذلك سجية لها، وقد تجلى هذا بوضوح في قصة جميلة رواها خادمها أبو صالح، قال: دخلت على أم كلثوم وهي تمشط وستر بينها وبيني, فجلست أنتظرها حتى تأذن لي فجاء حسن وحسين فدخلا عليها وهي تمشط فقالا: ألا تطعمون أبا صالح شيئا؟ قالت: بلى قال: فأخرجوا قصعة فيها مرق بحبوب فقلت: أتطعمونني هذا وأنتم أمراء؟ فقالت أم كلثوم: يا أبا صالح فكيف لو رأيت أمير المؤمنين، وأتي بأترنج(75) فذهب حسن أو حسين يتناول منه أترنجة فنزعها من

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يده، ثم أمر به فقُسم»(76) فعلي رضي الله عنه قد منع الحسن أو الحسين من أترجة من الأترج الذي بعثه أحد ولاته ليُقسَم بين المسلمين، ولا شك أن لعلي رضي الله عنه نصيب فيه، إلا أنه رضي الله عنه زهد فيه، حتى يُعَوِّد أبناءه على عدم التعلق بالدنيا، وقد استلهمت أم كلثوم هذه الخصلة من أبيها، وبقيت محافظة عليها حتى ظهر ذلك في تقشفها في طعامها.

وفاتها رضي الله عنها

لم يرد نص صريح في وقت وفاتها وفي أي سنة توفيت، لكن من

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

خلال التتبع والتمحيص نستطيع أن نصل إلى الزمن التقريبي لتاريخ وفاتها، وقد مضى تحقيق شيء من ذلك أثناء الكلام عن ابنها زيد، لأنها توفيت وزيدا في يوم واحد، كما جاء في الروايات الصحيحة، فروى جعفر الصادق عن أبيه الباقر أن أم كلثوم بنت علي توفيت هي وابنها زيد بن عمر فالتقت الصائحتان في الطريق فلم يدر أيهما مات قبل صاحبه فلم ترثه ولم يرثها»(77) وأما ما رواه البلاذري عن المدائني من أنها ماتت أسفا على ابنها زيد بن عمر، فصلي عليهما جميعا(78) فلا يصح، والصحيح أنهما توفيا في وقت واحد و لا يدرى أيهما سبق إليه الموت، وقد قال البلاذري بعد كلام المدائني:«وقال بعض العدويين فيما حدثني به مصعب الزبيري: شج زيد بن عمر، فلم يزل من شجته مريضا، وأصابه ذرب واختلاف، ومرضت أمه وماتا جميعا، فلم يدر كيف يقسم ميراثهما»(79) هذا هو الأولى بالصواب والموافق للروايات الصحيحة.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد ثبت كما سيأتي في محله أن سعيد بن العاص كان أمير المدينة حين توفيت أم كلثوم، وقد نص خليفة بن خياط على أن معاوية أمَّر سعيد بن العاص على المدينة سنة 48 هـ(80) ، و ثبت أن الحسن والحسين كانا في هذه الجنازة، فقد روي عن عبد الله البهي أنه قال: «شهدت ابن عمر صلى على أمِّ كلثوم وزيد بن عمر بن الخطاب، فجعل زيداً فيما يلي الإمام، وشهد ذلك حسن وحسين»(81) . وفي رواية أخرى عن عمار بن أبي عمار مولى بني هاشم قال: «كنت فيمن يختلف بين أم كلثوم وابنها زيد فصلى عليهما أمير المدينة وثم الحسن والحسين»(82) .

وعنه أيضاً: «وكان في القوم الحسن والحسين وأبو هريرة وابن عمر ونحوٌ من ثمانين من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم»(83) ، و لا شك أن شهود هؤلاء الأجلة لجنازة أم كلثوم دليل على فضلها، كما أن هذه الواقعة تبين بوضوح أن الآل و الأصحاب كان يواسي بعضهم بعضا، و تجمعهم الأفراح والأحزان.

والخلاصة مما سبق أن أم كلثوم رضي الله عنها توفيت وابنها زيدا بين سنة 48 هـ مبتدأ إمارة سعيد بن العاص على المدينة، و سنة 50 هـ سنة

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفاة الحسن بن علي رضي الله عنه الذي شهد جنازتها. ويعضده قول الصفدي: «وتوفيت أم كلثوم وابنها زيد في وقت واحد في حدود الخمسين للهجرة»(84) .وقد ذهب محسن الأمين من الإمامية إلى قول قريب من هذا فقرر أن سنة وفاتها كانت قبل سنة 54 هـ في إمارة سعيد بن العاص(85) وما ذكرناه أدق، وعليه يكون عمر أم كلثوم رضي الله عنه حين توفيت في حدود الأربعين.

أخطاء تاريخية وقصص واهية عن أم كلثوم رضي الله عنها

لم يترك الأخباريون والوضاعون من الرواة باباً من أبواب التاريخ إلا ووضعوا فيها أخبارا مكذوبة، ولم تكن أم كلثوم بنت علي رضي الله عنها استثناء من الشخصيات الإسلامية التي نُسجت حولها بعض الأكاذيب ومن ذلك:

قصة شهادة أم كلثوم رضي الله عنها مع الحسنين رضي الله عنهما في قضية فدك

فزعم بعض الوضاعين أن أم كلثوم شهدت لأمها فاطمة رضي الله عنهما في قضية فدك(86) وبلغت خيانة الأمانة ببعضهم إلى بتر النصوص عن سياقها حتى يوهموا الناس بأن هذه القصة ثابتة، وذلك ما فعله محمد علي الحلو، حين قال: «قال ابن حجر في الصواعق: وكان ممن شهد في فدك علي والحسنان عليهما السلام وأم كلثوم»(87) وتابعه جعفر مرتضى

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

العاملي فقال: «قول ابن حجر: إنها شهدت على وثيقة فدك، إضافة إلى الحسنين عليهما السلام»(88) وعند مراجعة نفس الطبعة التي اعتمدها محمد علي الحلو، نجد أنه قد بتر كلام ابن حجر الهيتمي الذي نقل هذا الكلام عن المخالفين ليكَذِّبه ويبطله، فقال وهو يحكي شبههم: «وزعمهم أن الحسن والحسين وأم كلثوم شهدوا لها باطل على أن شهادة الفرع والصغير غير مقبولة»(89) فالهيتمي إنما ذكر هذا ليبين بطلان الخبر، ولم ينقل ذلك من باب الإقرار، فنسبة هذا القول له مخالف للأمانة العلمية.

بطلان شهودها مقتل الحسين رضي الله عنه

ومن القصص المشتهرة في بعض الكتب المصنفة في مقتل الحسين(90) ما نقله ابن طيفور وغيره من أن أم كلثوم عاشت إلى ما بعد مقتل الحسين وأنها خطبت خطبة عصماء في جامع الكوفة

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تهجو فيها أهل الكوفة(91) فإن هذا لا يثبت، ففضلا عن أن الإسناد الذي ساقه ابن طيفور إسناد واه(92) فإن هذه الرواية تخالف الثابت والمقطوع به من أن الحسن والحسين رضي الله عنهما صليا عليها هي وابنها كما سبق تفصيله، وذلك في إمارة سعيد بن العاص، ولو سلم بصحة هذا الخبر فيحمل على أن يكون المراد بأم كلثوم هنا بنت أخرى لعلي من غير فاطمة، فقذ ذكر النسابون أن لعلي بنتا من غير فاطمة تسمى أم كلثوم، وقد ميزوا بينها وبين بنت فاطمة، فأطلقوا على ابنة فاطمة أم كلثوم الكبرى، وعلى الأخرى أم كلثوم الصغرى، وأمها أم ولد، ولها رواية(93) وما ذهبنا إليه هو ما رجحه بعض الإمامية، قال محسن الأمين: «ولا شك انه كان لأمير المؤمنين (ع) بنتان كلتاهما تكنى أم كلثوم إحداهما زوجة عمر توفيت بالمدينة، والأخرى التي كانت

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بالطف ذكرهما المؤرخين(94) والأولى توفيت قبل وقعة الطف»، وقرر بعدها أن المحقَّق هو أن «أم كلثوم التي كانت بالطف ليست زوجة عمر لأنها توفيت قبل ذلك»(95)

بطلان قصة أسرها ودخولها على يزيد بن معاوية

ومما تقدم يثبت أيضا عدم صحة ما ذكره أبو الفرج الأصبهاني من أنها دخلت أسيرة على يزيد بن معاوية هي وجماعة من أهل البيت(96) وذلك لتقدُّم وفاتها، ولم يذكر أحدٌ من المؤرخين الذي سردوا قصة دخول نساء بني هاشم على يزيد كابن سعد والطبري وغيرهما أن أمّ كلثوم بنت عليٍّ رضي الله عنهما كانت من بينهن، ولو صح ذلك ينبغي أن تكون أم كلثوم هذه ليست الكبرى، بل أخرى من بنات علي من غير فاطمة، وهذا ما ذهب إليه ابن بري حين ذكر القصة فنص على أن أم كلثوم هذه، بنتُ علي لكن من زوجة أخرى غير فاطمة(97) ويبدو من الريشهري

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التوقف في الجزم بكون أم كلثوم المذكورة هنا أو حتى التي نسب إليها خطب في كربلاء هي بنت علي وفاطمة، فقال: «ذكر اسم أم كلثوم في الكثير من أحداث ملحمة كربلاء وما بعدها، ولا يمكن إبداء رأي أكيد فيما إذا كانت أم كلثوم التي شهدت وقعة كربلاء هي زينب نفسها، أم هي ابنة أخرى للإمام علي وفاطمة عليهما السلام، أم هي ابنة أمير المؤمنين عليه السلام من غير فاطمة»(98)

مدفنها رضي الله عنها

توفيت أم كلثوم رضي الله عنها في المدينة، وصلى عليها عبد الله بن عمر رضي الله عنه، والعادة جرت أن يدفن أهل المدينة موتاهم في البقيع ولذا نص ابن عساكر رحمه الله على أن قبرها بالبقيع، ونفى رحمه الله أن يكون القبر الذي براوية الشام -والذي ينسب لامرأة من أهل البيت تسمى أم كلثوم أيضاً- لأم كلثوم بنت علي(99) ، خلافا لما ذهب إليه بعض المتأخرين، والدليل على عدم صحة ذلك واضح، لأنه قد ثبت أن أم كلثوم توفيت بالمدينة، فلا أن يصح أن يقال إن قبرها بالشام، وأما زعم بعض المعاصرين أن قبرها بمصر(100) ، فهو قول غريب وشاذ و لا أصل له.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الفصل الأول: زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم رضي الله عنها في كتب السنة

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: الأخبار الواردة عند أهل السنة

التي تثبت هذا الزواج.

المبحث الثاني: نصوص أهل العلم في إثبات وقوع الزواج.

صفحة 74 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

المبحث الأول: الأخبار الواردة عند أهل السنة في إثبات هذا الزواج

إن قضية زواج الفاروق عمر رضي الله عنه من أم كلثوم هي قضية تاريخية في أصلها، إلا أن كتب أهل العلم حفلت بمرويات هذه المصاهرة الطيبة، فتراها في كتب السنة والحديث، وكتب العقيدة، وكتب التاريخ والفقه والأدب وكتب التراجم، لما تضمنته من فوائد جمة وأحكام عملية مرتبطة بعدة أبواب من الفقه فضلا عن كونها من أهم وأقوى و أوضح الأدلة والحجج على المحبة و المودة القائمة بين الفاروق و بين علي رضي الله عنهما التي بلغت أوجها وأدت إلى اتصال أواصر العقيدة بأواصر القرابة بين البيت العلوي والبيت العمري، ولذلك قمنا بتتبع طرق خبر هذا الزواج وتصنيف رواياته بدءا من بداية الخطبة إلى وفاة أم كلثوم وابنها زيد بن عمر، وإليك إياها.

تخريج روايات خطبة أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه لأم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما

رويت قصة خطبة عمر لأم كلثوم من وجوه كثيرة عن عمر رضي الله عنه، وهي تدور ما بين الطرق الثابتة المتصلة، وطرق منقطعة، وطرق معلولة لا تصح، وطرق موضوعة، كما أن جملة منها من روايات أعلام أهل البيت، وجملة أخرى من رواية البيت العمري، وقد قسمنا هذه الروايات

إلى قسمين، الروايات الواردة في خطبة عمر رضي الله عنه لأم كلثوم لأجل رغبته الاتصال بنسب النبي صلى الله عليه وسلم والروايات الواردة في إرسال علي ابنته أم كلثوم لعمر لينظر إلى صغر سنها، وصنفنا روايات كل قسم بحسب الصحة والضعف إلى روايات صحيحة ثابتة وروايات ضعيفة مردودة.

القسم الأول: الروايات الواردة في خطبة عمر لأم كلثوم لأجل رغبته رضي الله عنه الاتصال بنسب النبي صلى الله عليه وسلم(101)

وقد بدأنا في عرض الروايات الصحيحة الثابتة، بمرويات أعلام أهل البيت، لما لهم من الفضل والمنزلة، ولأنهم أكثر الناس عناية برواية هذا الخبر والتحديث بتفاصيله، فحق لهم أن يقدموا في الذكر.

الطرق الثابتة الصحيحة

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الطريق الأول: رواية الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب

قال ابن إسحاق: «حدثني أبو جعفر عن أبيه علي بن الحسين قال: لما تزوج عمر بن الخطاب أم كلثوم ابنة علي، أتى مجلساً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بين القبر والمنبر للمهاجرين لم يكن يجلس فيه غيرهم، فدعوا له بالبركة فقال: أما والله ما دعاني إلى تزويجها إلا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا ما كان من نسبي وسببي».

أخرجه ابن إسحاق في السيرة(102) ، ومن طريقه الإمام البيهقي في السنن الكبرى وقال:«هذا(103) لفظ حديث ابن إسحاق، وهو مرسل حسن وقد روي من أوجه أُخَر موصولا ومرسلا»(104) .

قلت: وقد أعل الإمام الدارقطني رحمه الله هذا السند في علله، وذهب إلى أن الصواب رواية جماعة من الحفاظ لهذا الخبر عن جعفر الصادق عن أبيه الباقر عن عمر رضي الله عنه من غير ذكر زين العابدين(105) .

ونحن نقول: الذي في سيرة ابن إسحاق هو روايته للخبر عن الباقر، وليس عن جعفر الصادق كما ذكر الإمام الدارقطني، والذي ترجح لنا هو قول الإمام البيهقي رحمه الله حين حسَّن إسناد هذه الرواية، واستندنا لقرينتين:

الأولى: نستبعد أن يَهِم ابن إسحاق في هذا السند، لأنه لم يرو

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كثيرا عن أبي جعفر بل روايته عنه قليلة، ومعلوم إن الإقلال في الرواية مظِنَّة الضبط، كما أن الإسناد عال، وليس فيه بين الباقر وعمر رضي الله عنه إلا زَيْنُ العابدين، فيُستبعد أن يهم ابن إسحاق في زيادة راو غير موجود.

الثانية: أن احتمال كون الباقر قد حدث بهذه القصة أكثر من مرة أقوى، فيكون الباقر قد حدَّث ابن إسحاق عن أبيه علي بن الحسين تارة، ثم حدّث به غيره بإسقاط ذكر أبيه تارة أخرى، فرواه الناس كما سمعوه، فيكون الباقر حدّث بالخبر بأكثر من وجه والله أعلم.

وقد جرى الدارقطني على ترجيح تحديث جعفر الصادق على وجهين في بعض المواضع التي اختلف فيها الرواة عنه(106) ، وعند التأمل في طرق الخبر عن أبي جعفر الباقر، مع اختلاف بلدانهم واختلاف ألفاظ روايتهم، نقطع بأن الباقر قد حدث بهذا الخبر بأكثر من وجه، والله أعلم.

وعليه فالإسناد حسن كما قال البيهقي، إلا أنه منقطع، لأن علي بن الحسين ولد في حدود سنة 38 هـ(107) ، لكن هذا الانقطاع منجبر إن شاء الله تعالى ببقية المتابعات التي سنوردها، ولذلك حكمنا للحديث بالثبوت كما سيأتي في نهاية التخريج.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الطريق الثاني: رواية الإمام محمد بن علي بن الحسين الملقب بالباقر

وهو أكثر من رُوي عنه هذا الخبر، فقد وقفنا على وجوه ثلاثة للحديث عن الباقر، إضافة لرواية ابن إسحاق التي سلَفَت، فقد رواه عنه ابنه جعفر الصادق، وعثمان بن المغيرة، وعروة الجعفي .

الوجه الأول: رواية أبي عبد الله جعفر بن محمد بن علي الملقب بالصادق عن أبيه الباقر:

وهو أيضا أكثر من رُوي عنه هذا الخبر من الرواة عن الباقر، وقد وقفنا له على أربعة رواة، فرواه عنه أنس بن عياض الليثي، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وسفيان بن عيينة، ووهيب بن خالد.

الراوي الأول: أنس بن عياض الليثي:

قال ابن سعد: «أخبرنا أنس بن عياض الليثي، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب خطب إلى علي بن أبي طالب ابنته أم كلثوم، فقال علي: إنما حبست بناتي على بني جعفر. فقال عمر: أنْكِحْنِيهَا يا علي! فوالله ما على ظهر الأرض رجل يرصُد من حسن صحابتها ما أرصُد. فقال علي: قد فعلت. فجاء عمر إلى مجلس المهاجرين بين القبر والمنبر، وكانوا يجلسون ثَمَّ - علي وعثمان والزبير وطلحة وعبد الرحمن بن عوف - فإذا كان الشيءُ يأتي عمرَ من الآفاق جاءهم فأخبرهم ذلك واستشارهم فيه، فجاء عمر، فقال: رَفِّئُوني. وقالوا: بمن يا أمير المؤمنين؟ قال: بابنة علي بن أبي طالب. ثم أنشأ يخبرهم، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي». وكنت قد صحبته فأحببت أن يكون هذا أيضاً»(108) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قلت: وهذا إسناد صحيح إلى الصادق.

الراوي الثاني: عبد العزيز بن محمد الدراوردي:

قال سعيد بن منصور: «أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه، أن عمر خطب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابنته أم كلثوم، فقال علي: إنما حبست بناتي على بني جعفر. فقال: أنْكِحْنِيهَا، فوالله ما على الأرض رجل أرصدَ من حسن عشرتها ما أرصدْتُ. فقال علي رضي الله عنه: قد أنكحتُكَها. فجاء عمر إلى مجلس المهاجرين بين القبر والمنبر، وكان المهاجرون يجلسون ثَمَّ، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وعثمان، وطلحة، وسعد، فإذا كان العشي يأتي عمر الأمر من الآفاق ويقضي فيه، جاءهم وأخبرهم ذلك، واستشارهم كلهم، فقال: رَفِّئُوني. قالوا: بم يا أمير المؤمنين؟ قال: بابنة علي بن أبي طالب رضي الله عنه. ثم أنشأ يحدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة، إلا نسبي وسببي». كنت قد صحبته فأحببت أن يكون لي أيضاً».

قلت: رواه سعيد بن منصور واللفظ له(109) ، ومن طريق الدراوردي أخرجه الطبراني في المعجم الكبير(110) ومن طريق الطبراني أخرجه أبو نعيم في الحلية(111) ، وهذا إسناد صحيح إلى الصادق .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الراوي الثالث: سفيان بن عيينة:

وقد روي عنه من وجهين، فرواه عنه إسحاق بن راهويه، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني.

1 -قال إسحاق بن راهويه رحمه الله: «أخبرنا سفيان عن جعفر بن محمد ، عن أبيه قال: لما تزوج عمر أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهم قال: ألا تهنوني فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة غير سببي ونسبي».

رواه ابن حجر في المطالب العالية عن إسحاق بن راهويه، ونقله البوصيري عن إسحاق مختصرا بدون إسناد(112) .

تنبيه على خلل في طبعة المطالب العالية:

وقع سقط في إسناد هذه الرواية في بعض نسخ المطالب العالية، فقد سقط من جل النُّسَخ الخطية –على ما يظهر ذِكرُ سفيان بن عيينة في هذا الإسناد(113) لكن الرواية مثبتة على الصواب في نسخة المكتبة السليمانية(114)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولكن محققي طبعة دار العاصمة من المطالب، أثبتوا السقط في متن الكتاب، وأشاروا للصواب في النسخة السليمانية في الهامش، وهذا غير سديد، لأن إسحاق بن راهويه يروي عن جعفر الصادق بواسطة واحدة على الأقل(115) ولم يدركه، فقد ولد سنة 161 هـ)(116) بعد وفاة الصادق 148 هـ) بثلاثة عشرة سنة! وعليه فالصحيح هو إثبات رواية سفيان في متن الكتاب لا في هامشه، وقد أشرت إلى هذا لأن الشيخ سعد الحميد حفظه الله قد ذَهِل عن هذا في تخريجه للحديث، وتابع ما جاء في مطبوعة المطالب، وجعل إسحاق بن راهويه من الرواة عن جعفر(117)

2 - وقال محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني: «ثنا سفيان، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه قال: قال عمر رضي الله عنه، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:« كل سبب ونسب منقطع غير سببي ونسبي».

رواه البوصيري في إتحاف الخيرة المهرة عن محمد بن أبي عمر العدني، والحافظ ابن حجر في المطالب العالية، وإتحاف المهرة(118) و

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الخبر مختصر كما لا يخفى، وإسناده صحيح إلى الصادق، رواته كلهم من كبار الثقات والمحدثين، فقد اجتمع إسحاق بن راهويه وهو من أئمة المحدثين، ومحمد بن يحيى العدني وهو محدث حافظ ثقة ثبت، على روايته عن سفيان بن عيينة وهو من أكابر المحدثين وأفاضلهم، فالإسناد كالشمس.

الراوي الرابع: وهيب بن خالد:

رواه عنه موسى بن إسماعيل والمعلى بن أسد، فأما رواية موسى بن إسماعيل فرواها عنه الإمام البيهقي رحمه الله.

قال الإمام البيهقي: «حدثنا محمد بن يوسف، أنبأنا أبو القاسم جعفر بن محمد المُوسوِيّ، بمكة، حدثنا أبو حاتم الرازي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا جعفر بن محمد ، عن أبيه: أن عمر بن الخطاب خطب أم كلثوم إلى علي بن أبي طالب، فذكر القصة إلى أن قال: سمعت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يقول: «إنّ كلّ سبب ونسب ينقطع يوم القيامة، إلا ما كان من سببي ونسبي»(119) .

قلت: هكذا رواه البيهقي مختصرا، ومحمد بن يوسف وأبو القاسم جعفر بن محمد الموسوي لم أتمكن من الاهتداء إلى تعيينهما، لكن هذا الإسناد له متابعات تهون الخطب، مع كون متنه موافقا لبقية المتابعات التي رويت عن وهيب.

وأما المعلى بن أسد فرٌوي هذا الخبر عنه من ثلاثة وجوه:

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

1 -فرواه محمد بن الأشعث السجستاني عن المعلى عن وهيب عن الصادق عن أبيه.

قال الآجري رحمه الله: «أنبأنا أبو بكر بن أبي داود؛ قال: حدثنا عمي محمد بن الأشعث قال: حدثنا معلى قال: حدثنا وهيب , عن جعفر بن محمد , عن أبيه , أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب إلى علي رضي الله عنه أم كلثوم رضي الله عنها فقال: أنْكِحْنِيهَا. فقال علي كرم الله وجهه إني أرصُدها لابن أخي جعفر رضي الله عنه، فقال عمر: أنْكِحْنِيهَا , فوالله ما أحد من الناس يرصُد من أبيها ما أرصُده, فأنكحه, فأتى عمر المهاجرين فقال: رَفِّئُوني. فقالوا: بمن يا أمير المؤمنين؟ فقال: لأم كلثوم بنت علي لفاطمة رضي الله عنهما بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم , سمعت رسول الله يقول: «كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا ما كان من سببي ونسبي» فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم نسب»(120) .

قلت: هذا إسناد ضعيف، محمد بن الأشعث السجستاني لم يوثق، وذكره ابن حبان في الثقات على عادته في عَدِّ المجاهيل من الثقات(121) ، ويشهد له ما مضى من المتابعات.

2 -وروي عن السري بن خزيمة عن المعلى عن وهيب الصادق عن أبيه عن زين العابدين عن عمر.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال الحاكم: «حدثنا الحسن بن يعقوب، وإبراهيم بن عصمة، العدلان، قالا: ثنا السري بن خزيمة، ثنا معلى بن راشد، ثنا وهيب بن خالد، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه، عن علي بن الحسين، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب إلى علي رضي الله عنه أم كلثوم، فقال: أنْكِحْنِيهَا، فقال علي: إني أرصُدها لابن أخي عبد الله بن جعفر، فقال عمر: أنْكِحْنِيهَا فوالله ما من الناس أحد يرصُد من أمرها ما أرصُده، فأنكحه علي، فأتى عمر المهاجرين، فقال: ألا تُهَنُّونَني؟ فقالوا: بمن يا أمير المؤمنين؟ فقال: بأم كلثوم بنت علي وابنة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة، إلا ما كان من سببي ونسبي، فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم نسب وسبب».

أخرجه الحاكم(122) ، ومن طريقه البيهقي بسند ابن إسحاق الذي مضى، إلا أنه اكتفى بسياق لفظ ابن إسحاق(123) .

قال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه»، وتعقبه الإمام الذهبي في التلخيص فقال: «منقطع»(124) .

قلت: الظاهر أن هذا الإسناد خطأ، وأن المحفوظ هو رواية المعلى للخبر عن وهيب عن الصادق عن أبيه عن عمر، من دون ذكر

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

زين العابدين في الإسناد، وقد نص الدارقطني في العلل على أن وهيبا رواه بإسقاط زين العابدين(125) فلو بلغه أن الرواة عن وهيب اختلفوا عليه لذكره، ولعل الوهم من الحاكم رحمه الله حين جمع بين رواية ابن إسحاق ورواية وهيب على الصورة التي ساقها عنه البيهقي، والله أعلم وعليه فالإسناد صحيح إلى الباقر، والصواب فيه رواية المعلى عن وهيب عن الصادق عن أبيه عن عمر.

3 - ورواه محمد بن يونس الكديمي عن المعلى عن وهيب عن الصادق عن أبيه.

قال أبو بكر القطيعي:«حدثنا محمد بن يونس قال:حدثنا المعلى بن أسد، أخبرنا وهيب بن خالد، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب خطب إلى علي أم كلثوم فقال: أنْكِحْنِيهَا، فقال علي: إني أرصُدها لابن أخي جعفر، فقال عمر: أنْكِحْنِيهَا، فوالله ما من الناس أحد يرصُد من أمرها ما أرصد، فأنكحه علي، فأتى عمر المهاجرين فقال: ألا تهنئوني؟ فقالوا: بمن يا أمير المؤمنين؟ فقال: بأم كلثوم بنت علي، وابنة فاطمة بنت رسول الله، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل نسب وسبب ينقطع يوم القيامة، إلا ما كان من سببي ونسبي»، فأحببت أن يكون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب ونسب»(126) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قلت: محمد بن يونس الكديمي متهم بالكذب والوضع، ولم يصب من وثقه، ولذا قال الدارقطني: «ما أحسن القول فيه إلا من لم يخبر حاله»(127) ، ومع ذلك فهذا الخبر من صحيح حديثه، فقد رواه موافقا للسري بن خزيمة وضبط متنه وإسناده، وعليه فهذا الإسناد ثابت إلى الصادق لأن الكديمي قد ضبط الرواية.

وبهذا نختم طرق الخبر عن الصادق رحمه الله.

الوجه الثاني: رواية عثمان بن المغيرة عن الباقر:

وقد روي عنه من طريقين، من طريق الحسين بن علي الأسود، ومن طريق إسحاق بن منصور الكوسج.

1 -قال البلاذري: «حدثنا الحسين بن علي بن الأسود، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل عن عثمان عن محمد بن علي قال: خرج عمر إلى الناس فقال: زفوني بابنة رسول الله فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي»(128) .

قلت: هذا إسناد حسن إلى الباقر، الحسين بن علي بن الأسود، تكلم فيه ابن عدي والأزدي، ووثقه أبو حاتم الرازي(129) ويحيى بن معين(130) وقد تابع إسحاقُ بن منصور الكوسج ابن الأسود في روايته

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عن عبيد الله بن موسى.

2 -قال الإمام الآجري رحمه الله: «أنبأنا ابن أبي داود قال: حدثنا إسحاق بن منصور الكوسج قال: حدثنا عبيد الله بن موسى, عن إسرائيل , عن عثمان بن المغيرة , عن محمد بن علي قال: خرج عمر رضي الله عنه إلى الناس فقال: رَفِّئُوني بابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال: فكأنهم قالوا له(131) , فقال: لقد كانت لي صحبتي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم , ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي».

رواه الآجري في الشريعة واللفظ له(132) ، وهذا الإسناد أقل مراتبه الحُسن، وبقية المتابعات تشهد له، فهذا الوجه ثابت إن شاء الله تعالى عن الباقر.

الوجه الثالث: رواية عروة الجعفي عن الباقر:

ومداره هذا الوجه على شريك بن عبد الله النخعي، وقد روي عنه من طريقين، عن ابنه عبد الرحمن بن شريك، وعن يحيى بن آدم.

قال الإمام ابن عساكر: «أخبرنا أبو محمد بن طاوس، أنا عاصم بن الحسن، أنا أبو عمر بن مهدي أنا أبو العباس بن عقدة، نا أحمد بن يحيى الصوفي، نا عبد الرحمن بن شريك، حدثني أبي، حدثني

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عروة بن عبد الله بن قشير، عن أبي جعفر قال: قال عمر بن الخطاب لعلي بن أبي طالب: عزمت عليك إلا زوجتني ابنتك، فزوّجَه، فراح عمر إلى الصفة فقال: للناس ألا تهنوني؟، قالوا:وما ذاك، قال: تزوجت أم كلثوم لفاطمة بنت رسول الله لعلي بن أبي طالب فهنوه، ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي»(133)

قلت: إسناده ضعيف، عبد الرحمن بن شريك واهي الحديث كما قال أبو حاتم(134) ، لكنه متابع برواية يحيى بن آدم الآتية، وعليه فهذا الخبر من صحيح حديثه عن أبيه.

2 - وقال:إسحاق بن راهويه: «أخبرنا يحيى بن آدم ثنا شريك، عن عروة الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي قال: خرج عمر رضي الله عنه إلى أهل الصفة فقال: ألا تهنوني؟ قالوا: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال رضي الله عنه: تزوجت أم كلثوم رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولفاطمة ولعلي رضي الله عنهما، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:... فذكره. قال: فأحببت أن أكون...».

رواه الحافظ ابن حجر عن إسحاق بن راهويه بهذا اللفظ مختصرا(135) ، وهذا الطريق صحيح عن الباقر، فشريك بن عبد الله وإن اختلف فيه إلا أن أقل أحواله أن يُحسّن حديثه، وقد توبع من غيره، وبالمقارنة بين روايته وبين رواية بقية الرواة يتبين أنه ضبط الخبر، فهذا الطريق صحيح عن الباقر.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الطريق الثالث: رواية عكرمة الهاشمي، مولى عبد الله بن عباس بن عبدالمطلب

قال عبد الرزاق رحمه الله: «عن معمر، عن أيوب، عن عكرمة قال: تزوج عمر بن الخطاب أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وهي جارية تلعب مع الجواري، فجاء إلى أصحابه فدَعَوا له بالبركة، فقال: إني لم أتزوج من نشاط بي، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي»، فأحببت أن يكون بيني وبين نبي الله صلى الله عليه وسلم سبب ونسب»(136) .

قلت: هذا إسناد صحيح إلى عكرمة، لكن عكرمة لم يسمع من عمر رضي الله عنه(137) ، فالخبر منقطع، وسياقه يدل على أنه قد تحمله من غير طريق من سبقه، وهو لم يذكر قصة الخطبة، و اكتفى بذكر التزويج وصغر سن أم كلثوم، وتعليل عمر لهذه المصاهرة بأنه أراد الاتصال بالنسب النبوي.

الطريق الرابع: رواية عطاء الخراساني

قال الإمام الآجري في الشريعة: «أنبأنا الفريابي قال: حدثنا قتيبة بن سعيد قال: حدثنا الليث بن سعد, عن هشام بن سعد عن عطاء الخراساني أنه قال: خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى علي رضي الله عنه أم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كلثوم ابنته, وهي من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال علي: إنها صغيرة فقال عمر: وإن كانت صغيرة فقال علي رضي الله عنه: فإني حبستها على ابن أخي جعفر، فقال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن كل نسب وصهر منقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري» فلذلك رغبت فيها. فقال له علي: فإني مرسلها إليك هل تنظر إلى صغرها؟ فأرسلها إليه فجاءته, فقالت: إن أبي يقول لك: هل رضيت الحلة؟ فقال عمر: قد رضيتها. فأنكحه علي رضي الله عنهما فأصدقها عمر أربعين ألفا»(138)

قلت: هذا الإسناد حسن إن شاء الله إلى عطاء، ليس فيه من يتوقف في أمره إلا هشام بن سعد، أكثر النقاد تكلموا في حفظه وضبطه وبعضهم وثقه، وأعدل الأقوال فيه أن حفظه سيء لكنه حسن الحديث(139) ، وخبره هذا قد تفرد به عن عطاء فلم يتابع عليه، إلا أنه لم يتفرد بشيء في متنه فكل ما جاء فيه له شواهد، وهذا يدل على أن خبره هذا صحيح عن عطاء، والله أعلم، وعطاء لم يدرك عمر صلى الله عليه وسلم فالخبر منقطع.

الطرق الضعيفة

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الطريق الأول: رواية الحسن بن علي أو ابنه الحسن المثنى

قال الطبراني: «حدثنا محمد بن جعفر ابن الإمام، ثنا سفيان بن وكيع، ثنا روح بن عبادة، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، حدثني الحسن بن الحسن بن علي، أن عمر بن الخطاب خطب إلى علي أم كلثوم، فقال: إنها تصغر عن ذاك، فقال عمر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة، إلا سببي ونسبي، فأحببت أن يكون لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب ونسب»، فقال علي للحسن، والحسين: «زوجا عمكما، فقالا: هي امرأة من النساء تختار لنفسها»، فقام علي، وهو مغضب، فأمسك الحسن بثوبه، وقال: لا صبر على هجرانك يا أبتاه ».

رواه الطبراني بهذا اللفظ وقال: «لم يرو هذا الحديث عن ابن جريج إلا روح، تفرد به سفيان بن وكيع»(140) وأخرجه البيهقي من طريق سفيان بن وكيع، إلا أن الإسناد وقع عنده هكذا:«أخبرني حسن بن حسن، عن أبيه»(141) بزيادة الحسن بن علي في الإسناد، وزيادة: «فزوَّجَاه» في آخر الخبر، فإما أن يكون ذِكرُ الحسن بن علي ساقطا من النسخ الخطية للمعجم الأوسط، أو يكون هذا اختلافا من الرواة عن سفيان بن وكيع في وَصْلِ الخبر و إرساله، و لأنه لم يتيسر لنا التحقق

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من النسخ الخطية للمعجم الأوسط ولأن هذين الاحتمالين متكافئين، لم نقطع بتعيين راوي الخبر.

والخبر لا يصح ففيه علل:

الأولى: مدار الخبر على سفيان بن وكيع، وهو ضعيف جداً(142) .

الثانية: النكارة، فقد تفرد وكيع بزيادات في متنه ليست في بقية الطرق الثابتة، مثل استشارة علي للحسن والحسين وجوابهما بأن الخيار لأم كلثوم، وغضب علي من ذلك حتى قَبِل الحسنان بتزويج عمر، فالخبر بهذا السند والمتن لا يصح.

الطريق الثاني: رواية عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه

قال الإمام أبو بكر الخطيب البغدادي رحمه الله:«أخبرنا الحسن بن أبي بكر، قال: أخبرنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي، قال: حدثنا موسى بن هارون، قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن مهران جار الهيثم بن خارجة، قال: أخبرنا الليث بن سعد.

وأخبرنا محمد بن عمر بن القاسم النرسي واللفظ له، قال: أخبرنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي، قال: حدثنا أحمد بن الحسين الصوفي، قال: حدثنا إبراهيم بن مهران بن رستم المروزي، قال: حدثنا الليث بن سعد القيسي، مولى بني رفاعة في سنة إحدى وسبعين ومائة بمصر، عن موسى بن علي بن رباح اللخمي، عن أبيه، عن

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عقبة بن عامر الجهني، قال: خطب عمر بن الخطاب إلى علي بن أبي طالب ابنته من فاطمة وأكثر تردده إليه، فقال: يا أبا الحسن ما يحملني على كثرة ترددي إليك إلا حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل سبب وصهر منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي»، فأحببت أن يكون لي منكم أهل البيت سبب وصهر، فقام علي فأمر بابنته من فاطمة فزينت، ثم بعث بها إلى أمير المؤمنين عمر، فلما رآها قام إليها فأخذ بساقها، وقال: قولي لأبيك قد رضيت، قد رضيت، قد رضيت، فلما جاءت الجارية إلى أبيها، قال لها: ما قال لك أمير المؤمنين؟ قالت: دعاني وقبلني، فلما قمت أخذ بساقي، وقال: قولي لأبيك قد رضيت، فأنكحها إياه فولدت له زيد بن عمر بن الخطاب، فعاش حتى كان رجلا ثم مات».

أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد(143) و ابن عدي في الكامل في الضعفاء(144) ، ومداره على إبراهيم بن مهران بن رستم، وهو منكر الحديث، قال ابن عدي: «ليس بمعروف، منكر الحديث عن الثقات» ، فهذا إسناد شديد الضعف، وفي المتن نكارة، قال الشيخ الألباني رحمه الله: «وأنكر ما فيه ذكر التقبيل»(145) ، قلت: فقد تفرد إبراهيم برواية هذه الأمور المنكرة، ولذا حكمنا بضعف هذا الخبر، فإسناده غريب جدا، وغير بعيد أن يكون من عمل إبراهيم بن رستم.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الطريق الثالث: رواية ابن عباس رضي الله عنه

قال أبو بكر البزار: «حدثنا إبراهيم بن إسماعيل، حدثني أبي، عن سلمة بن كهيل، عن هانئ ابن ابنة الحضرمي قال حدثني عبد الله بن عباس، قال: «توفي ابن لصفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبكت عليه وصاحت، فأتاها النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «يا عمة ما يبكيك؟» قالت: توفي ابني، قال: «يا عمة: من توفي له ولد في الإسلام فصبر، بنى الله له بيتا في الجنة»، فسكتت. ثم خرجت من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستقبلها عمر بن الخطاب، فقال: يا صفية: لقد سمعت صراخك، إن قرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لن تغني عنك من الله شيئا، فبكت، فسمعها النبي صلى الله عليه وسلم وكان يكرمها ويحبها، فقال: «يا عمة: أتبكين وقد قلت لك ما قلت»، قالت: ليس ذاك أبكاني يا رسول الله؛ استقبلني عمر بن الخطاب، فقال: إن قرابتك من رسول الله لن تغني عنك من الله شيئا، قال: فغضب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «يا بلال هَجِّر بالصلاة» فهَجَّر بلال بالصلاة، فصعد المنبرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام يزعمون أن قرابتي لا تنفع، كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي، فإنها هي موصولة في الدنيا والآخرة»، فقال عمر: فتزوجت أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما لِمَا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ، أحببت أن يكون لي منه سبب ونسب»، الحديث.

رواه البزار(146) وقال: «لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد»، وهذا إسناد لا يصح، فشيخ البزار هو إبراهيم بن

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إسماعيل بن يحيى بن سلمة بن كهيل، متروك، اتهمه أبو زرعة بقلب الأسانيد، وضعَّفه ابن نمير والعقيلي(147) وصحح حديثه الحاكمُ، وقال عنه: «كان صالح الحديث»(148) وذكره ابن حبان في الثقات(149) والصواب ضعفه، خاصة فيما يتفرد به فإن في متن الحديث نكارة، وعليه فهذا الحديث منكر الإسناد والمتن.

الطريق الرابع: رواية جابر بن عبد الله

قال الطبراني: «حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي قال: نا الحسن بن سهل الحناط قال: نا سفيان بن عيينة، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: سمعت عمر بن الخطاب، يقول للناس حين تزوج بنت علي: ألا تهنئوني؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ينقطع يوم القيامة كل سبب ونسب إلا سببي ونسبي».

أخرجه الطبراني بهذا اللفظ في المعجم الأوسط ومختصراً في المعجم الكبير(150) ومن طريق الطبراني أبو نعيم في الحلية(151) ومن طريق أبي نعيم، الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة(152) ومداره على الحسن بن سهل عن سفيان بن عيينة عن جعفر الصادق عن أبيه

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عن جابر، والإسناد لا يصح، لعلتين:

الأولى: الحسن بن سهل الحناط كذا في المطبوع من معاجم الطبراني، وفي الحلية لأبي نعيم وعند الضياء المقدسي: الخياط، والضياء رواه من طريق الطبراني، وكذا سماه ابن حبان في ثقاته، وقد ذكره السمعاني وبين أنه سمي الحناط نسبة إلى بيع الحنطة(153) ، وهو مجهول ليس فيه جرح و لا تعديل، وذكره ابن حبان في الثقات على عادته في توثيق المجاهيل(154) .

الثانية: التفرد والمخالفة، فقد قال الطبراني في المعجم الأوسط بعد روايته الخبرَ: «لم يجود هذا الحديث عن سفيان بن عيينة إلا الحسن بن سهل، ورواه غيره: عن سفيان، عن جعفر، عن أبيه، ولم يذكروا: جابر بن عبد الله»(155) .

قلت: الظاهر أنه أراد بقوله لم يجوده، أي لم يروه متصلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم إلا الخياط، والصواب أن الإسناد منقطع، فقد مضى أن إسحاق بن راهويه وابن أبي عمر العدني روياه عن ابن عيينة عن جعفر عن أبيه عن عمر من دون ذكر جابر، فالخبر ضعيف السند ومعلول بالتفرد والمخالفة(156) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الطريق الخامس: رواية عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه

وقد روي عنه من طريقين، عن نافع وعن عاصم بن عبد الله بن عمر:

1 -قال أبو القاسم تمام بن محمد: «أخبرنا خيثمة بن سليمان، قراءة عليه، ثنا الفضل بن يوسف القصباني، بالكوفة، قال: أنبأنا محمد بن عكاشة، عن سيف بن محمد بن أخت سفيان، عن سفيان الثوري، عن خالد بن سعد بن عبيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال عمر بن الخطاب، وخطب أم كلثوم إلى علي رضوان الله عليهما: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل نسب وصهر منقطع إلا نسبي وصهري»(157) .

قلت: هذا إسناد واه:

- الفضل بن يوسف القصباني لم يوثق، و لا عبرة بذكر ابن حبان له في الثقات، فإن سلم الخبر من عهدته فالبلاء ممن فوقه.

-محمد بن عكاشة مشترك بين ثلاثة، فإن كان محمد بن محصن العكاشي، فهو كذاب وضاع(158) ، وإن كان محمد بن عكاشة الكرماني فهو قرينه في الكذب والوضع(159) ، وإن كان محمد بن عكاشة الكوفي فهو ضعيف(160) .

-سيف

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بن محمد ابن أخت سفيان الثوري هالك، كذبه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو داود وزكريا الساجي، ووهّاه البخاري والنسائي والدارقطني(161)

2 – قال أسلم بن سهل المعروف ببحشل: «حدثني محمد بن عمران قال: حدثنا أبو لبابة عن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: سمعت عاصم بن عبد الله بن عمر، قال: صعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه المنبر، فقال: أيها الناس، إنه والله ما حملني على الإلحاح على علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل سبب ونسب وصهر منقطع إلا نسبي وصهري فإنهما يأتيان يوم القيامة يشفعان لصاحبهما» .

أخرجه بحشل في تاريخ واسط(162) ، بهذا الإسناد، ومن طريقه أخرجه المغازلي في مناقب علي(163) .

تنبيهات على سقط وتحريف في المطبوع من تاريخ واسط:

سقط عبد الله بن عمر من الإسناد في مطبوعة تاريخ واسط والسقط من المحقق، فقد يسر الله لنا مراجعة المخطوط(164) ووقفنا فيه

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

على ذكر عبد الله بن عمر.

وتصحف أبو أسامة في مخطوط تاريخ واسط إلى أبي لبابة، والصواب أبو أسامة، كما في مناقب ابن المغازلي وقد مر أنه أخرجه من طريق بحشل(165) .

ووقع تحريف في إسناد الخبر في المخطوط أيضا: فكتب الناسخ: «عن عبد الله بن محمد بن عمر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: سمعت عاصم بن عبد الله بن عمر»، ولم يتنبه المحقق لذلك فأثبت الإسناد بهذه الصورة في المطبوع، وأنت خبير بأن هذا تحريف بين، فعاصم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أصغر من علي رضي الله عنه فهو من جيل أحفاد علي رضي الله عنه، فكيف يصح أن يسمع منه عليٌّ رضي الله عنه» والصحيح ما أثبتُّه في المتن، وهو المنقول عن بحشل من طريق المغازلي.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهذا الإسناد ضعيف جدا، وفيه نكارة في متنه، فمحمد بن عمران شيخ بحشل لم أقف فيه على جرح و لا تعديل.

كما أن هناك احتمالا كبيرا لوقوع تصحيف في الإسناد، فعاصم إن كان عاصم بن عبد الله بن عمر فلا يعرف بالرواية(166) ، ويحتمل أن يكون عاصم بن عبد الله بن عمر تصحيفا لعاصم بن عبيد الله بن عمر، ويصير عاصم بن عبيد الله منسوبا لجده عمر رضي الله عنه، لأن اسمه الكامل هو عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب(167) ، وما يقوي هذا الاحتمال أن المزي ذكر عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب ضمن تلاميذه، فإن كان الأمر كذلك، فالإسناد مظلم، لأن عاصماً هذا شديد الضعف، فقد ضعفه سفيان بن عيينة ويحيى القطان وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين ومحمد بن سعد وأبو زرعة وأبو حاتم والبخاري وغيرهم(168) . ولفظ الخبر فيه زيادات منكرة، مثل كلام عمر رضي الله عنه في المنبر، وذكره لإلحاحه على علي رضي الله عنه في تزويجه أم كلثوم، وزيادة ذكر الشفاعة في الحديث النبوي، وعليه فالخبر ضعيف جداً.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الطريق السادس: رواية أسلم مولى عمر

قال الدولابي:«وذكر عبد الرحمن بن خالد بن نجيح: حدثنا حبيب كاتب مالك بن أنس، حدثنا عبد العزيز الدراوردي، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، مولى عمر بن الخطاب قال: خطب عمر إلى علي بن أبي طالب أم كلثوم فاستشار علي العباس وعقيلا والحسن، فغضب عقيل وقال لعلي: ما تزيدك الأيام والشهور إلا العمى في أمرك، والله لئن فعلت ليكُونَنَّ وليَكُونَنَّ، فقال علي للعباس: والله ما ذاك منه نصيحة، ولكن دِرَّة عمر أحوجته إلى ما ترى، أما والله ما ذاك لرغبة فيك يا عقيل، ولكن أخبرني عمر بن الخطاب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي».

رواه الدولابي في الذرية الطاهرة(169) واللفظ له، والطبراني في المعجم الكبير من طريق الدراوردي، ووقع عنده زيادة في آخر الخبر وهي قول عمر رضي الله عنه: «ويح عقيل، سفيه أحمق»(170) ، ومن طريق الطبراني أخرجه أبو نعيم في الحلية مختصراً(171) .

ومداره على عبد العزيز بن محمد الدراوردي، ولكنه لا يصح عنه، لعلل:

الأولى: شيخ الدولابي عبد الرحمن بن خالد بن نجيح منكر الحديث ومتروك(172) ، وشيخ ابن نجيح حبيب كاتب مالك بن أنس أسوء حالا منه، فهو كذاب وضاع(173) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الثانية: شيخ الطبراني جعفر بن محمد بن سليمان النوفلي، قال عنه الشيخ الألباني: «لم أجد له ترجمة»(174) ، فهذه جهالة شديدة(175) ، ولذا فلا يعتد بهذه المتابعة.

الثالثة: المخالفة، فقد رواه سعيد بن منصور عن عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن جعفر الصادق عن أبيه، وهذا هو المحفوظ.

وأما متنه ففيه نكارة، فذكره لاستشارة علي للعباس وعقيل والحسن، واعتراض عقيل وجواب علي رضي الله عنهم، مما تفرد به هذا الخبر دون بقية الروايات، وعليه فالخبر منكر الإسناد، والمتن.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الطريق السابع: رواية المستظل بن حصين

وروي عنه من طريقين، رواه أبو قلابة الرقاشي ومحمد بن يونس الكديمي من طريق شريك بن عبد الله:

1 -قال الهيثم بن كليب الشاشي: «حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثني عمر بن عامر وبشر بن مهران قالا: ثنا شريك، قال أحدهما: حدثنا بمكة، ولم يذكر الآخر ثنا عن شبيب بن غرقدة عن المستظل بن حصين أن عمر بن الخطاب خطب إلى علي ابنته فاعتل عليه بصغرها فقال إني أعددتها لابن أخي جعفر قال عمر إني والله ما أردت بها الباه إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول «كل سبب ونسب يقطع يوم القيامة غير سببي ونسبي» .

أخرجه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة(176) عن الهيثم بن كُليب الشاشي، ونسبه إلى الشاشي ابن كثير في مسند الفاروق وقال:«إسناد حسن»(177) ، وقال الشيخ عبد الملك بن دهيش في تحقيقه للأحاديث المختارة: «إسناده حسن».

قلنا: هذا الإسناد لا يصح، لأن من رواه عن شريك ضعفاء، فالأول هو عمر بن عامر السعدي التمار، إن لم يكن ضعيفا فأحسن أحواله أن يكون مجهول الحال(178) ، ولا ينفع اقترانه في هذه الرواية ببشر بن مهران، فهو ضعيف ترك أبو حاتم حديثه(179) ، وذكره ابن حبان في الثقات(180) والظاهر أنه لم يطلع على كلام ابن أبي حاتم فيه.

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

2 -قال أبو بكر القطيعي: «حدثنا محمد قال حدثنا بشر بن مهران، نا شريك، عن شبيب بن غرقدة، عن المستظل، أن عمر بن الخطاب خطب إلى علي بن أبي طالب أم كلثوم، فاعتل عليه بصغرها، فقال: إني لم أرد الباه، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة، ما خلا سببي ونسبي، كل ولد أب فإن عصبتهم لأبيهم، ما خلا ولد فاطمة؛ فإني أنا أبوهم وعصبتهم».

أخرجه أبو بكر القطيعي في زياداته على فضائل الصحابة لأحمد(181) ، من طريق محمد بن يونس الكديمي، ومن طريق الكديمي أخرجه أبو نعيم(182) ، ووقع عنده: «إني لم أرد الباءة» بدل «الباه»(183) ، ومحمد بن يونس الكديمي مضى أنه متهم بالكذب، لكنه متابع في الإسناد، تابعه أبو قلابة عبد الملك بن محمد الرقاشي.

وأما زيادة: «كل ولد أب فإن عصبتهم لأبيهم، ما خلا ولد فاطمة؛ فإني أنا أبوهم وعصبتهم»، فالظاهر أنها حديث آخر لا علاقة له بهذه القصة، وهو حديث لا يصح، والظاهر أن الكديمي جمع بين الحديثين في حديث واحد، وهذا غلط فاحش.

وهذين الإسنادين يوهن بعضهما بعضا، فلا تفيد هذه المتابعات في تقوية الخبر، ولذا لم يتحرر لنا حُسْنُ الإسناد، لكن مضمون هذا الخبر صحيح، وقد صح من طرق أخرى مضت في قسم الروايات الثابتة.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الطريق الثامن:رواية واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن بعض أهله

قال أحمد بن عبد الجبار: «حدثنا يونس بن بكير عن خالد بن صالح عن واقد بن محمد بن عبد الله بن عمر عن بعض أهله قال: خطب عمر ابن الخطاب إلى علي بن أبي طالب ابنته أم كلثوم، وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له علي: إن علي فيها أمراء حتى استأذنهم، فأتى ولد فاطمة، فذكر ذلك لهم فقالوا: زوِّجْهُ، فدعا أم كلثوم وهي يومئذ صبية فقال: انطلقي إلى أمير المؤمنين فقولي: إن أبي يقرئك السلام ويقول لك: إنا قد قضينا حاجتك التي طلبت، فأخذها عمر فضمَّهَا إليه، وقال: إني خطبتها إلى أبيها فزوجنيها، فقيل: يا أمير المؤمنين ما كنت تريد إليها وهي صبية صغيرة؟ قال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل سبب منقطع يوم القيامة إلا سببي، فأردت أن يكون بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم سببُ صِهْرٍ» .

رواه يونس بن بكير في زياداته على سيرة ابن اسحاق(184) ، ومن طريقه الدولابي في الذرية الطاهرة(185) ، وفيه علل:

الأولى: خالد بن صالح، لم نتمكن من معرفته، فإن كان المقصود هو خالد بن يزيد بن صالح فهو ثقة(186) ، وإلا فهو مجهول.

الثانية:

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الإبهام، لأن واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر لم يعين «بعض أهله» الذين حدث عنهم، كما أن الفاصلة بين واقد وبين الواقعة هي ثلاثة أجيال، فلا شك أن الخبر معضل، وهذا موجب للضعف الشديد.

الثالث: قد تفرد هذا الخبر بذكر استشارة علي لأهل بيته، وسؤالِ بعض الناس لعمرَ عن سبب زواجه بأم كلثوم مع صغر سنها، وهذا موجب للتوقف في تصحيح هذه الرواية، لأن من رواه من التابعين و أهل البيت على كثرتهم لم يذكروا تلك التفاصيل ، ولا تنفع المتابعات في جبر ما تفرد به.

والخلاصة أن الخبر بهذا اللفظ ضعيف غير ثابت أيضاً.

الطريق التاسع: رواية محمد بن السائب الكلبي

قال البلاذري:«حدثني عباس بن هشام الكلبي، عن أبيه عن جده قال: خطب عمر بن الخطاب من علي أم كلثوم- رضي الله تعالى عنهم- فقال: إنها صغيرة فقال: يا أبا حسنين إنما حرصي عليها لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما سبب ولا صهر إلا وهو منقطع يوم القيامة إلا سببي وصهري». فقال علي: أنا مرسلها إليك لتراها. فلما جاءته قال لها: قولي لأبيك: إني قد رضيت الحلة، فأدت الرسالة، فزوجه علي إياها وأصدقها عمر أربعين ألفا»(187) .

قلت: هذا إسناد واه ومنقطع، فالكلبي وابنه وإن كانا من المعتمدين في الأنساب، إلا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أنهما متهمين بالكذب في رواية الأخبار والأحاديث(188) كما أن الإسناد أيضا منقطع وقد سقط منه أكثر من طبقتين لأن الكلبي توفي سنة 146 هـ، فبينه وبين الواقعة أكثر من مائة سنة، ولم يتفرد الكلبي بشيء في هذا الخبر دون بقية الرواة، فالظاهر أنه تحمله من غيره، وعلى أي حال فلا عبرة بهذا الإسناد.

القسم الثاني: الروايات الواردة في إرسال علي رضي الله عنه ابنته أم كلثوم لعمر رضي الله عنهما لينظر إلى صغر سنها

الطرق الصحيحة

الطريق الأول: رواية الإمام أبي جعفر الباقر

وهو أكثر من رُوي عنه هذا الخبر، ومداره على سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر الباقر، وقد رواه عن سفيان، أربعة: عبد الرزاق بن همام، و سعيد بن منصور، ومحمد بن أبي عمر، ومحمد بن يزيد المقرئ، وإليك روايتهم:

1 قال عبد الرزاق:«عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر قال: خطب عمر إلى علي ابنته، فقال: إنها صغيرة، فقيل لعمر: إنما يريد بذلك منعها، قال: فكلمه، فقال علي: أبعثُ بها إليك، فإن رضيت فهي امرأتك، قال: فبعث بها إليه قال: فذهب عمر فكشف

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عن ساقها، فقالت: أرسل، فلولا أنك أمير المؤمنين لصككت عنقك»(189)

2 -وقال سعيد بن منصور: «أخبرنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر، قال: خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنة علي رضي الله عنه، فذكر منها صغرا، فقالوا له: إنما أدركت فعاوده، فقال: نرسل بها إليك تنظر إليها. فرضيها، فكشف عن ساقها، فقالت: أرسل، لولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينيك»(190) .

3 - وقال ابن عبد البر: «حدثنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا الخشني، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي- أن عمر بن الخطاب خطب إلى علي ابنته أم كلثوم، فذكر له صغرها، فقيل له: إنه(191) ردك، فعاوده، فقال له علي: أبعث بها إليك، فإن رضيت فهي امرأتك. فأرسل بها إليه فكشف عن ساقها، فقالت: مه، والله لولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينك» .

أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب(192) ، و من طريقه ابن بشكوال في غوامض الأسماء المبهمة(193) .

4

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

-وقال ابن بشكوال: قرئ على أبي محمد بن عتاب وأنا أسمع، قال: قرأت على حاتم بن محمد، قال: أنبأ أحمد بن فراس، قال: ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن محمد بن يزيد المقري، قال:ثنا جدي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن محمد بن علي قال: خطب عمر إلى علي ابنته فذكر منها صغرا، وقالوا: لعمر إنما ردك فعاوده، فقال: أُرسلها إليك فإن رضيتها فهي امرأتك، فلما جاءته كشف عن ساقها، فقالت: أرسل، لولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينيك»(194)

قلت: اختلفت رواية عبد الرزاق عن رواية سعيد بن منصور وابن عبد البر وابن بشكوال، فقد جاء عند عبد الرزاق وحده، أن أم كلثوم قالت: «أرسل، فلولا أنك أمير المؤمنين لصككت عنقك» ، بينما روى البقية أنها قالت: «أرسل، لولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينيك» ، ورواية الجماعة أرجح، وهذه الطرق كلها صحيحة السند إلى الباقر، لكن الإسناد منقطع فالباقر رحمه الله لم يدرك القصة.

الطريق الثاني: رواية الحسن البصري

قال أبو بكر بن أبي شيبة : «حدثنا ابن علية، عن يونس، عن الحسن، أن عمر خطب إلى علي ابنته أم كلثوم، فقال علي: إنها صغيرة، فانظر إليها، فأرسلها إليه برسالة، فمازحها، فقالت: لولا أنك شيخ، أو لولا أنك أمير المؤمنين، فأعجب عمر مصاهرته فخطبها فأنكحها إياه»(195) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تنبيه على خلل في الطبعة الهندية و طبعة دار التاج لمصنف ابن أبي شيبة:

وقع في الطبعة الهندية القديمة إقحام زيادة في الإسناد من محققها، فجاء فيها: «عن الحسن عن [أبيه] أن عمر خطب...»، ثم قال المحقق في الهامش عن زيادة [أبيه]:زِيدَ من السنن(196) ، وقصد بذلك سنن البيهقي لأنه أحال إليها في موضع سابق، ولم يوفَّقْ فيما ذهب إليه، إذ الظاهر أنه حسِب رواية ابن أبي مليكة عن الحسن المثنى عن أبيه(197) هي نفس هذه الرواية، والصحيح أن المقصود بالحسن في روايتنا هذه ليسَ الحسن بن علي بل الحسن البصري، بقرينة رواية يونس بن عبيد عنه، وهو تلميذه المشهور، وصنيع المحقق مبني على وهم فاحش وفيه قصور غريب، لأنه يوهم الناظر أن الإسناد صحيح، وأسوأ منه صنيع المحقق كمال الحوت في طبعة دار التاج، حين أثبت زيادة أبيه في متن الكتاب متابعا لما جاء في الطبعة الهندية، ثم حذف المعقوفتين اللتين تدلان على زيادة محقق الطبعة الهندية، وحذف الإشارة إلى أن الزيادة من السنن الكبرى للبيهقي(198) ، وهذا غلط شنيع، لأنه يوهم أن هذه الزيادة مثبتة في أصل المصَّنف، والحق أنه لا وجود لهذه الزيادة المقحمة في النسخ الخطية، وقد خلت منها بقية طبعات المصنف المحققة(199) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهذا الإسناد صحيح إلى الحسن البصري، وهذا أصح ما ورد فيه هذا الباب، إلا أن الحسن لم يدرك الواقعة، لأنه ولد قبل وفاة الفاروق بسنتين(200) ، والظاهر أن هذه الرواية مروية بالمعنى، كما أن سياقها مخالف لبقية طرق الرواية، إذ أن بقية الرواة اتفقوا على أن عمر قد رضي أم كلثوم زوجةً بمجرد ما أرسلها إليه علي، خلافا لهذه الرواية التي تنص على أن عمر إنما خطبها وتزوجها بعدما أُرسلت إليه أم كلثوم، فوجب التنبيه على ذلك حتى لا يتصور أن هذه الرواية مخالفة لبقية الروايات.

الطريق الثالث: رواية الأعمش

قال عبد الرزاق: «عن ابن جريج قال: سمعت الأعمش يقول: خطب عمر بن الخطاب إلى علي ابنته، فقال: ما بك إلا منعها، قال: سوف أرسلها، فإن رضيت فهي امرأتك، وقد أنكحتك، فزينها وأرسل بها إليه، فقال: قد رضيت، فأخذ بساقها، فقالت: والله لولا أنك أمير المؤمنين لصككت عينك»(201) .

قلت: إسناده صحيح إلى الأعمش، لكنه منقطع بل يغلب على الظن أن يكون معضلا، لأن الأعمش ولد سنة 61 هـ، وقد يستنكر في الخبر قوله: «فزينها»، لأنه لم يرد في بقية الطرق الثابتة، إلا أن يحمل التزيين على ما ورد في بعض الطرق من أن عليا أرسل مع أم كلثوم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حُلّةً، ففهم الأعمش أن هذا من باب التزيين فرواه بالمعنى، والله أعلم.

وبمجموع طرق هذا الخبر يصير ثابتا وصحيحا، لأن الضعف الواقع في مفاريد أسانيدها مجبور إن شاء الله تعالى، خاصة في الألفاظ التي اتفقت عليه جميع الطرق، والله أعلم.

الطرق الضعيفة

الطريق الأول: رواية عاصم بن عمر بن قتادة

قال ابن إسحاق: «حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: خطب عمر بن الخطاب إلى علي بن أبي طالب ابنته أم كلثوم، وكانت لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاعتل علي عليه، وقال: هي صغيرة، فقال عمر: لا والله ما ذاك بك ولكن أردت منعي، فإن كان كما تقول فابعثها إلي، فرجع علي فدعاها فأعطاها حلة فقال: انطلقي بهذه إلى أمير المؤمنين فقولي: يقول لك أبي كيف ترى هذه الحلة، فأتته بها، فقالت له ذلك، فأخذ بدرعها فاجتبذتها منه، وقالت: أرسل، فأرسلها وقال: حصان كريم، انطلقي فقولي له: ما أحسنها وأجملها، ليست والله كما قلت، فزوجها إياه».

رواه ابن إسحاق واللفظ له(202) ، والدولابي(203) من طريق ابن إسحاق به لكن الخبر لا يصح لأمرين:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأول: شدة ضعف إسناده لإعضاله، وسقوط أكثر من رجل في سنده، لأن راويه عاصم بن عمر بن قتادة توفي بعد 120 هـ.

الثاني: التفرد والمخالفة في المتن، فقد تفرد هذا الخبر برواية أخذ عمر رضي الله عنه بدرع أم كلثوم رضي الله عنها وقوله لها «حصان كريم»، وقوله لعلي رضي الله عنه «ما أحسنها، ما أجملها»، وهذه التفاصيل لم ترد في بقية الروايات الثابتة.

وهناك كلام في أحمد بن عبد الجبار العطاردي كما تراه في ترجمته، إلا أن هذا لا يضر لأن سماعه للسيرة عن يونس بن بكير صحيح(204) ، والخبر بهذا اللفظ ضعيف غير ثابت.

الطريق الثاني: رواية الواقدي

قال ابن سعد: «قال محمد بن عمر، وغيره: لما خطب عمر بن الخطاب إلى علي ابنته أم كلثوم، قال: يا أمير المؤمنين إنها صبية، فقال: إنك والله ما بك ذلك، ولكن قد علمنا ما بك، فأمر علي بها فصُنعت، ثم أمر ببُرد فطواه، وقال: انطلقي بهذا إلى أمير المؤمنين فقولي أرسلني أبي يقرئك السلام ويقول: إن رضيت البرد فأمسكه، وإن سخِطْتَّه فرُدَّه فلما أتت عمر، قال: بارك الله فيك وفي أبيك قد رضينا، قال: فرجعت إلى أبيها فقالت: ما نشر البرد ولا نظر إلا إلي،

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فزوجها إياه، فولدت له غلاما يقال له زيد»(205)

قلت الواقدي متروك عندما يُسند، فمن باب أولى ألا يعبأ بما يرويه بدون سند، سيما أن سياق خبره مخالف لرواية بقية الثقات في المجمل، إذ تفرد بقول أم كلثوم: «ما نشر البرد ولا نظر إلا إلي»، وعليه فلا عبرة بهذا الخبر، وأما قول عمر رضي الله عنه: «إنك والله ما بك ذلك، ولكن قد علمنا ما بك»، فيمكن أن نحمله على ما ورد في رواية الأعمش عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «ما بك إلا منعها».

الطريق الثالث: رواية الزبير بن بكار

قال ابن عساكر:«أخبرنا أبو غالب وأبو عبد الله ابنا أبي علي، قالا: أنا أبو جعفر محمد بن أحمد أنا محمد بن عبد الرحمن بن العباس، أنا أحمد بن سليمان نا الزبير بن بكار قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطب أم كلثوم إلى علي بن أبي طالب، فقال له علي إنها صغيرة، فقال له عمر: زوجنيها يا أبا الحسن، فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصُد أحد، فقال له علي: أنا أبعثها إليك، فإن رضيت فقد زوَّجْتُكَهَا، فبعثها إليه ببرد، وقال لها: قولي له: هذا البرد الذي قلت لك، فقالت ذلك لعمر، فقال: قولي قد رضيته رضي الله عنك، وضع يده على ساقها وكشفها، فقالت له: أتفعل هذا، لولا أنك أمير المؤمنين لكسرت أنفك، ثم خرجت حتى جاءت أباها، فأخبرته الخبر وقالت: بعثتني إلى شيخ سوءٍ، فقال: مهلاً يا بنية، فإنه زوجك، فجاء

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عمر بن الخطاب إلى مجلس المهاجرين في الروضة، وكان يجلس فيه المهاجرون الأولون، فجلس إليهم، فقال لهم: زفوني، فقالوا: لماذا يا أمير المؤمنين، قال: تزوجت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل نسب وسبب وصهر منقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري»، فكان لي به السبب والنسب، وأردت أن أجمع إليه الصهر، فزفوه رضي الله عنهم».

أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق(206) ، وابن الجوزي في المنتظم(207) ، ووقع عنده بدل «زفوني»: «رَفِّئُوني»، وبدل «فزفوه»: «فرفئوه».

والزبير بن بكار لم يذكر سنده لهذه القصة، وواضح أنه قد جمع بين روايات الخطبة في متن واحد، وقد تفرد بزيادة: «لولا أنك أمير المؤمنين لكسرت أنفك، ثم خرجت حتى جاءت أباها، فأخبرته الخبر وقالت: بعثتني إلى شيخ سوء، فقال: مهلا يا بنية، فإنه زوجك»، فلم ترد عند غيره وهي زيادة منكرة لا تصح، والبلاء فيها من غيره فإن له شيوخا متهمين يروي عنهم(208) وأما بقية المتن فقد وافق فيه من سبقه ممن أسنده، وإنما أحببنا عرض روايته كي نبين أن الزبير بن بكار ليس إلا ناقلا للخبر عمن سبقه، لأن عمدة أدلة بعض من أنكروا هذا الزواج

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هو ادعاؤهم أن الزبير بن بكار هو من اختلقه(209)

وقد وردت الإشارة إلى إرسال علي أم كلثوم لعمر رضي الله عنه لينظر إلى صغرها في رواية إبراهيم بن رستم ورواية الكلبي وقد ذكرناها سابقا وتكلمنا عن أسانيدها.

بيان ودفع إشكال حول قضية إرسال علي رضي الله عنه ابنته أم كلثوم لعمر رضي الله عنه لينظر إلى صغر سنها رضي الله عنها

قد يُستشكل ما ورد في روايات إرسال علي رضي الله عنه ابنته أم كلثوم رضي الله عنها لعمر رضي الله عنه لينظر إلى صغر سنها، وما جاء فيها من أن عمر رضي الله عنه قد كشف عن ساق أم كلثوم، فربما يتوهم البعض ممن لم يتبين له وجه فِعل عمر َ لذلك، ولم يُحط بتفاصيل القصة ومجموع الروايات أن علياً وعمر رضي الله عنهما قد خالفا حكم الشرع في هذه المسالة، فيظن من نظرته القاصرة للروايات أن عمر رضي الله عنه كشف أم كلثوم قبل أن تحِلَّ له، ولكن هذا الإشكال يزول عند التأمل في مجموع الروايات وربط خيوطها ببعض، واستحضار ديانة عمر وعلي رضي الله عنهما، وكونهما من أحرص الناس على الالتزام بشرع الله، وأبعدهما من مخالفته، كما هو اللائق بهما رضي الله عنهما.

والذي يظهر من مراجعة مجموع الروايات الثابتة في هذا المسألة، أن علياً رضي الله عنه كان يعلم بأن عمر راغب في الزواج بأم كلثوم بنت فاطمة ليحظى بشرف الانتساب إلى البيت النبوي، ولكن عليا كان يتصور أول الأمر أن أم كلثوم لا تليق بعمر رضي الله عنه لفارق السن بينهما، فاعتذر بذلك

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لعمر، فراجعه عمر رضي الله عنه في الأمر وبين له حرصه الشديد على الاقتران بأم كثلوم حين قال رضي الله عنه :«أنْكِحْنِيهَا، فوالله ما من الناس أحدٌ يرصُد من أمرها ما أرصد»(210) فلما تبين لعلي رضي الله عنه ذلك ذهب ما كان في نفسه من عدم الملائمة بين عمر و أم كلثوم في السن، بعدما تيقن من أن فارق السن بينهما لن يكون مؤثرا لأن عمر سيحسن صحبتها، فاقتنع علي حينها وقرر تزويج ابنته لعمر، ولكن عليا خشي أن يكون عمر قد تصور صغر سنها على غير ما هو عليه، فبعث أم كلثوم زوجة لعمر وشَرَطَ عليه أن ينظر إليها وقال له: «إن رضيتها فهي زوجتك»، فرضيها عمر رضي الله عنه لأن رغبته كانت في النسب أكثر من غيره، فتم الزواج لمّا رضي عمر أم كلثوم، وحل له منها ما يحل له من النساء، فتم بذلك الإيجاب والقبول الذين يتم بهما الزواج، وعليه فكل ما صنعه عمر مع أم كلثوم من المزاح وكشف الساق ليس فيه ما يخالف الشرع لأن كل ذلك وقع بعد أن تم الزواج، وأما قول أم كلثوم: «أرسل، لولا أنك أمير المؤمنين للطمت عينيك»، فهو محمول على أنها رضي الله عنه لم تدرك أنها صارت زوجة لعمر، فلذلك اعترضت عليه، ولاشك أن علياً بين لها فيما بعد أن عمر رضي الله عنه هو زوجها(211)

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

خلاصة تخريج روايات الخطبة

روي خبر خطبة عمر رضي الله عنه لأم كلثوم، ورغبته في الاتصال بالنسب النبوي من أربعة طرق متصلة السند إلى أربعة من الأئمة، وهم علي بن الحسين زين العابدين وأبو جعفر الباقر وعطاء وعكرمة، وروي من تسعة طرق غير ثابتة: عن الحسن بن علي (أو ابنه الحسن المثنى)، وعقبة بن عامر الجهني، وابن عباس، وجابر بن عبد الله، و ابن عمر، وأسلم مولى عمر، والمستظل بن حصين، وواقد بن محمد، ومحمد بن السائب الكلبي، وقد روي القسم المرفوع من الخبر وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي» من طرق أخرى من غير ذكر قصة الخطبة، ولم نتعرض لذكرها(212) .

وحيث أن هذه الطرق الثابتة في حكم المرسل إلا أن المقطوع به أن مخارجها مختلفة لاختلاف شيوخ كل راو من رواة الخبر، إضافة إلى أن رواة هذا الخبر من أهل البيت ممن يُجزم بأنهم أخذوا هذا لخبر عن آباءهم لأنه يتعلق بأهل بيتهم، وعليه يثبت الخبر بمجموع الطرق الثابتة الصحيحة، وهذا ما حكم به جماعة من أهل العلم، قال ابن كثير رحمه الله: «فهذه طرق جيدة مفيدة للقطع في هذه القضية بما تضمنته، وأم كلثوم هذه هي ابنة علي بن أبي طالب من فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم»(213)

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال الشيخ الألباني: «الحديث بمجموع هذه الطرق صحيح»(214) وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: «يتقوى الحديث بمجموع هذه الشواهد»(215) وقال الشيخ سعد الحميد: «والحديث بهذين الطريقين يكون حسناً لغيره، وهو بمجموع الطرق الأخرى صحيح لغيره»(216) وأما بقية الطرق التي لم تَرْتَقِ أسانيدها للثبوت فلا يحكم لها بالصحة في الجملة، إلا ما وافقت فيه الروايات الثابتة وفي الصحيح غُنية عن الضعيف.

وكذلك الشأن بالنسبة لروايات إرسال علي أم كلثوم إلى عمر، فقد رواها ثلاثة أئمة، الإمام أبو جعفر الباقر المدني، والإمام الحسن البصري، والإمام سليمان بن مهران الأعمش الكوفي، وأصح رواية هي رواية الحسن البصري لأنه لا يفصل بينه وبين الواقعة إلا سنوات معدودة، وأما الباقر فالمظنون به أنه أخذها عمن أدركهم من أهل بيته، و الأعمش رواه قطعا عن غير شيوخ الحسن البصري والباقر، وعليه فالخبر صحيح إن شاء الله تعالى، وأما بقية الطرق الضعيفة ففيها انقطاع وضعف شديدين في أسانيدها، ونكارة في متونها لذا لم نصححها وسيأتي مزيد من الكلام عنها في محله.

دراسة متون الروايات الواردة في قصة الخطبة

من خلال ما نصوص أحاديث زواج أم كلثوم من عمر، نستطيع أن نستخلص صورة مقربة للحادثة. وسيكون اقتصارنا على ما

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ورد من التفاصيل الثابتة في الروايات الصحيحة، ولن ننقل من الروايات الضعيفة إلا ما لا يترتب عليه حكم شرعي، كما هو المنهج الصحيح في التعامل مع الروايات التاريخية.

والذي ثبت في الروايات أن عمر رضي الله عنه كان قد سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:«كلُّ نسب وسبب ينقطع يوم القيامة إلا ما كان من سببي ونسبي».

ولم يجد رضي الله عنه أنسب من أم كلثوم بنت عليٍّ رضي الله عنهما لتكون سبب دخوله في زمرة أصهار النبي صلى الله عليه وسلم، ففاتح عليّاً رضي الله عنه بذلك، فتردّد عليٌّ رضي الله عنه لأن أم كلثوم تصغر عمر رضي الله عنه بسنوات فالفاروق رضي الله عنه كان قد بلغ العِقد الخامس في عمره، بينما كانت أم كلثوم رضي الله عنها قد أكملت عقدها الأول، وكان عليٌّ رضي الله عنه قد قرر قبل ذلك أن يُزوجها بأحد أبناء أخيه جعفر رضي الله عنه، وعندها ألّح عمر رضي الله عنه على علي رضي الله عنه في التزويج، لطمعه في هذا الشرف العظيم، مبيّناً له حرصه على إكرامها وإنزالها تلك المنزلة التي تستحقها، فقبل علي رضي الله عنه بتزويج عمر، وأرسل له ابنته أم كلثوم لتصير زوجة له، وفي نفس الوقت علق تزويجها برضا عمر رضي الله عنه بها، فرآها عمر رضي الله عنه وسُرَّ بها ورضيها زوجة له، فتم الزواج واستبشر الفاروق به، لتحقق أمنيته بمصاهرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ فذهب إلى المهاجرين في مجلس لهم لم يكن يجلس فيه أحد سواهم وأخبرهم بالخبر، وبذلك تمت هذه المصاهرة الطيبة المباركة بين عمر وبين علي رضي الله عنهما.

صداق أم كلثوم رضي الله عنها

ثم لما تمت الخطبة، وعزم الفاروق على الاقتران بأم كلثوم، رصد رضي الله عنه لهذا الزواج المبارك مهرا مجزيا، فعن زيد بن أسلم عن أبيه عن أسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تزوّج أمَّ كلثوم بنت عليٍّ رضي الله عنه على أربعين ألفاً»(217) وثبت عن عطاء أنه قال إن عمر «تزوج أم كلثوم على أربعين ألف درهم»(218) وللحافظ ابن كثير رحمه الله لفتة طيبة هاهنا،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حيث قال: «وذكرنا أنه أصدقها أربعين ألفاً، إعظاماً وإكراماً»(219) وهذا يفسر سبب مبالغة الفاروق رضي الله عنه في قدر هذا المهر.

ما ورد في إكرام عمر رضي الله عنه للصحابة لما بنى بأم كلثوم رضي الله عنها

وروي أن الفاروق لما بنى بأم كلثوم، أكرم المهاجرين وأتحفهم بأن خضب لحاهم بالطيب، فروى البلاذري عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «لما ابتنى عمر بأم كلثوم، دخل على مشيخة المهاجرين وكانت تحفته إياهم أن صفر لحاهم بملاب»(220) .

ما جاء في قصصها مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه

وردت أخبارٌ صريحة صحيحة في أن أم كلثوم رضي الله عنها كانت زوجة لعمر رضي الله عنه وفي عصمته، فمن ذلك ما رواه الإمام البخاري في صحيحه من حديث ثعلبة بن أبي مالك: «أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قسم مروطاً بين نساء من نساء المدينة، فبقي مِرطٌ جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين، أعط هذا ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي عندك يريدون أم كلثوم بنت علي فقال عمر:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

«أمُّ سَلِيط أحق»، وأمُّ سَلِيط من نساء الأنصار، ممن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال عمر: «فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم أحد»(221) وفي هذا الحديث فوائد:

الفائدة الأولى: تقديم عمر رضي الله عنه لسابقة الإسلام و منزلة أمُّ سَلِيط، على قرابة أم كلثوم، سواء من جهة قرابتها للنبي صلى الله عليه وسلم، أو من جهة كونها امرأته، وهذه قمة العدل والنزاهة العمرية.

الفائدة الثانية: حسن العشرة بين أم كلثوم وعمر رضي الله عنهما، فهذه الحادثة بالرغم مما فيها من تفضيل عمر رضي الله عنه لامرأة أخرى على زوجته وحفيدة النبي صلى الله عليه وسلم أم كلثوم إلا أن هذا لم يغضب أم كلثوم، ولذا لم ينقل عنها أنها تضجرت أو غضبت من صنيع عمر رضي الله عنه، ولا يستغرب هذا من بنت نشأت في كنف فاطمة وعلي رضي الله عنهما، ثم صارت إلى البيت العمري وهي صغيرة.

الفائدة الثالثة: إثبات أن أم كلثوم هي بنت فاطمة رضي الله عنها، وذلك ظاهر في وصف الناس لها بابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ويلحق بهذا الباب، ما ورد من دخول أخيها محمد ابن الحنفية

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

على أخته أم كلثوم بنت علي وهي عند عمر رضي الله عنه، فأكرمه الفاروق، وحمد ابن الحنفية له ذلك وحدث به، وفي هذا يقول ابن الحنفية: «دخل عمر بن الخطاب، وأنا عند أختي أم كلثوم بنت عليٍّ فضمّني، وقال: بالحلواء»(222) وهذه صورة طريفة من احتفاء عمر رضي الله عنه بأهل البيت و بأصهاره، وقد مرّ معنا خبر حزنها لما سمعت قول كعب في عمر أنه يمنع الناس من دخول جهنم، وأن عمر عرف خبر كعب منها حينما دخل عليها فوجدها تبكي، ومضى أيضا قصة استضافة عمر رضي الله عنه لأبي صالح الحنفي في بيت أم كلثوم.

انتقالها إلى بيت أبيها رضي الله عنهما بعد استشهاد زوجها الفاروق رضي الله عنه

لما استشهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، نقل علي ابنته أم كلثوم إلى بيته، وقد تواتر خبر ذلك عن جماعة من التابعين وأتباعهم:

1 -فعن الشعبي قال: «نقل علي رضي الله عنه أم كلثوم بعد قتل عمر بسبع ليال»(223) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

2 - وعن الحكم بن عتيبة قال:«نقل علي أم كلثوم حيث قتل عمر، ونقلت عائشة أختها حين قتل طلحة»(224) .

3 - وقال الحسن البصري «إن عليا انتقل أم كلثوم ابنته حيث أصيب عمر، فانتقلها في عدتها»(225) .

4 - وقال معمر عن أيوب السختياني أو غيره: «إن عليا انتقل ابنته أم كلثوم في عدتها، وقتل عنها عمر»(226) .

5 - وقد علل إبراهيم النخعي نقْلَ علي لأم كلثوم إلى بيته في عدة وفاتها بأنها كانت في دار الإمارة، فقال: «إنما نقل علي رضي الله عنه أم كلثوم حين قتل عمر رضي الله عنه؛ لأنها كانت مع عمر في دار الإمارة»(227) .

6 -وقال سفيان الثوري مثله(228) .

إشكال لابن حزم والجواب عنه

اعترض أبو محمد بن حزم رحمه الله على هذا الخبر، فرواه من طريق إسماعيل بن إسحاق بسنده عن حماد بن زيد قال: سمعت أيوب

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

السختياني ذكر له نقله أم كلثوم بنت علي؟ فقال أيوب: إنما نقلها من دار الإمارة. ثم عقب ابن حزم قائلا: «وأما كلام أيوب فزلة عالم قد حذر منها قديماً»،...أما قوله «نقلها عن دار الإمارة» فوا فضيحتاه، وهل كان في المدينة قط دار إمارة مدة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، ومعاوية؟. وهل سكن كل واحد من هؤلاء إلا في دار نفسه؟، لكن لما رأى أيوب رحمه الله دار الإمارة بالبصرة ظن أنها بالمدينة كذلك، وأن عمر بن الخطاب سكن في دار الإمارة بالمدينة، فيا للعجب؟»(229)

قلت: لم يصب أبو محمد رحمه الله في اعتراضه، فأيوب لم يتفرد بهذا القول، بل قال مثله سفيان الثوري و إبراهيم النخعي كما مضى، وبمثل برواية هؤلاء الأئمة الحفاظ تقوم الحجة، وأما ورود دار الإمارة في كلامهم فمحمول على بيت عمر الذي أمر ببيعه في قضاء دينه عند وفاته، وكانت تسمى دار القضاء، أي قضاء الدين(230) .

ما ورد في وفاة عمر عنها وزواجها بعون بن جعفر ثم بمحمد بن جعفر ثم بعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم

ثم إن عمر رضي الله عنه لما استشهد، تزوّجت أم كلثوم بعده عون بن جعفر، وقد روي أن ذلك كان بعد أن طلبها سعيد بن العاص لنفسه، فما تمّ هذا الأمر له، فعن عبد الله بن أبي بكر بن حزم قال:«خطب

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سعيد بن العاص أم كلثوم بنت علي بعد عمر، وبعث إليها بمائة ألف فدخل عليها الحسين فشاورته، فقال: لا تزوجيه. فأرسلت إلى الحسن. فقال: أنا أزوِّجه فاتعدوا لذلك، وحضر الحسن، وأتاهم سعيد ومن معه، فقال سعيد: أين أبو عبد الله؟ قال له الحسن: أكفيك دونه. قال: فلعل أبا عبد الله كره هذا يا أبا محمد؟. قال: قد كان، وأكفيك. قال: إذاً لا أدخل في شيء يكرهه. ورجع ولم يعرض في المال ولم يأخذ منه شيئا»(231)

وروي عن غسان بن عبد الحميد بن عبيد بن يسار أن سعيد بن العاص بعث إلى أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب التي كانت تحت عمر بن الخطاب يخطبها، فأنعمت له، فبلغ ذلك إخوتها فكرهوه وثقل عليهم، وكلموها كلاما شديداً وقد كانت وعدت سعيداً موعداً، فدعت ابنها زيد بن عمر بن الخطاب، وهو يومئذ غلام صغير، وبسطت دارها ووضعت فيها سريراً، ثم قالت: إذا جاء سعيد بن العاص فزوجنيه. وقد كان سعيد وعد ناساً وأرسل إليهم ليحضروا تزويجه، فحضروه في المسجد فلما اجتمعوا إليه قال: إني دعوتكم لأمر بدا لي غيره، إني كنت خطبت أمَّ كلثوم بنتَ علي فأنعمت، والله ما كنت لأَدخل على ابني فاطمة بأمر يكرهانه، ثم التفت إلى كعب مولاه فقال: انظر إلى المائتي ألف درهم(232) التي هيأت لابنة علي اذهب بها إليها، وقل لها:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يقول لك ابن عمك: إنا كنا هيأنا لك هذه، فاقبضيها صلةً منا لك»(233)

وعلى أي حال فقصة خطبة سعيد بن العاص لأم الكلثوم رواية شديدة الضعف والظاهر أنها قصة مختلقة، وفي متنها ما يستنكر، مثل ما نسب إلى أم كلثوم من أنها أمرت ابنها وهو صبي أن يزوجها، فمن المعلوم بطلان ولاية الصبي الذي لم يبلغ بعد ُ، فكيف ينسب ذلك لأم كلثوم وهي التي تربت في حضن أهل البيت عليهم السلام.

وأما زواجها من عون بن جعفر، ثم من أخيه محمد فقد روي بأسانيد ثابتة، فمن ذلك ما رواه حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «لما أَيِمت أم كلثوم ابنة علي من عمر بن الخطاب دخل عليها حسن وحسين أخواها فقالا لها: إنك من قد عرفت: سيدة نساء المسلمين وابنة سيدتهن، وإنك والله لئن أمكنت علياً من رمتك لينُكِحنَّك بعض أيتامه، ولئن أردت أن تصيبن بنفسك مالاً عظيماً لتصيبنَّه، فو الله ما قاما حتى طلع علي متوكياً على عصاه، فجلس فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر منزلتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد عرفتم منزلتكم يا بني فاطمة، وآثرتكم على سائر ولدي لمكانكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقرابتكم منه، فقالوا: صدقت رحمك الله وجزاك عنا خيراً، فقال: أي بنية! إن الله عز وجل قد جعل أمرك بيدك، فأنا أحب أن تجعليه بيدي، فقالت: أي أبة، والله إني لامرأة أرغب فيما يرغب فيه النساء، وأحب أن أصيب ما تصيبه النساء من الدنيا، فأنا أريد أن أنظر في أمر نفسي، فقال: لا والله يا بنية، ما هذا من رأيك، ما هو إلا من رأي هذين، ثم قام فقال: والله لا أكلم رجلاً منهما أو تفعلين، فأخذا بثيابه فقالا: إجلس يا أبة، فو الله ما على هجرتك من صبر، اجعلي أمرك بيده، فقالت: قد فعلت، قال: فإني قد زوجتك عون بن جعفر، وإنه لغلام، ثم رجع إلى بيته فبعث إليها بأربعة آلاف، وبعث إلى ابن أخيه فأدخله عليها، قال حسن: فو الله ما سمعت بمثل عشقٍ منها له منذ خلقك الله، فما نشب عون أن هلك، فرجع إليها علي فقال: أي بنية اجعلي أمرك بيدي ففعلت، فزوجها محمد بن جعفر، ثم خرج فبعث إليها بأربعة آلاف درهم ثم أدخله عليها»(234)

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأما زواجها بعبد الله بن جعفر، فهو أيضا ثابت، وقد صح عن قثم مولى آل العباس أنه قال: «جمع عبد الله بن جعفر بين ليلى بنت مسعود النهشلية، وكانت امرأة علي، وبين أم كلثوم بنت علي لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانتا امرأتيه»(235) ، وقد تزوج عبد الله بن جعفر أم كلثوم بعدما ماتت أختها زينب رضي الله عنه، لأنه كان متزوجا بزينب بنت علي قبل أم كلثوم(236) .

ما ورد في ولد أم كلثوم من عمر رضي الله عنهما وذكر وفاتهما

ولدت أم كلثوم لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: زيدَ بن عمر بن الخطاب ورقيةَ، وزيدٌ هذا مات مع أمه في يوم واحد، وقد مضى أن الصادق روى عن أبيه الباقر «أن أم كلثوم بنت علي توفيت هي وابنها زيد بن عمر فالتقت الصائحتان في الطريق فلم يدر أيهما مات قبل صاحبه فلم ترثه ولم يرثها»(237) ونقل ابن وهب عن عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب «أن أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب امرأة عمر بن الخطاب وابنها زيد بن عمر بن الخطاب، هلكا في

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ساعة واحدة فلم يدر أيهما هلك قبل صاحبه فلم يتوارثا»(238)

وقد اختلف فيمن صلى عليها، فذكر أغلب من روى القصة أن من صلى عليها هو عبد الله بن عمر:

1 -فعن ابن جريج قال: «سمعت نافعاً يزعُم أن ابن عمر صلى على تسع جنائز جميعاً، فجعل الرجال يلون النساء، والنساء يلين القبلة، فصفَّهنَّ صفّاً واحداً، ووُضعت جنازة أمِّ كلثوم بنت عليٍّ امرأة عمر بن الخطاب وابن لها يقال له: زيد، وُضعا جميعاً، والإمام يومئذ سعيد بن العاص، وفي الناس ابن عمر وأبو هريرة وأبو سعيد وأبو قتادة، فوضع الغلام مما يلي الإمام، فقال رجل: فأنكرت ذلك، فنظرت إلى ابن عباس، وأبي هريرة، وأبي سعيد وأبي قتادة فقلت: ما هذا؟ قالوا: هي السنة»(239) .

2

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

-وقال الشعبي رحمه الله: «ماتت أمُّ كلثوم بنتُ عليٍّ وابن لها من عمر، فصلّى عليهما ابن عمر»(240) وفي رواية عن الشعبي قال: «توفّي زيد بْن عمر وَأم كُلْثُوم فقدموا عبد اللَّه بْن عمر وَخَلفه الْحسن وَالْحُسَيْن وَمُحَمّد بن الْحَنَفِيَّة وَعبد الله بن جَعْفَر»(241) وفي رواية عن الشعبي: «عن عبد الله بن عمر؛ أنه كبر على زيد بن عمر بن الخطاب أربعا وخلفه الحسن والحسين ولو علم أنه خير أن يزيده زاده»(242)

3 -وقال عبد الله البهي: «شهدت ابن عمر صلى على أمِّ كلثوم وزيد بن عمر بن الخطاب، فجعل زيداً فيما يلي الإمام، وشهد ذلك

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حسن وحسين»(243)

4 -وقد روي أن الحسين بن علي هو من أمر عبد الله بن عمر بالصلاة على أم كلثوم وابنها زيد، فروى عبد الله بن ميمون عن جعفر بن محمد عن أبيه «أن حسين بن علي قال لعبد الله بن عمر صل على أم كلثوم بنت علي فإنما هي أمك»(244) ، وروى مثل هذا عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب(245) .

5 -وأما عمار بن أبي عمار، فقد روى أن من صلى على أم كلثوم وزيد هو سعيد بن العاص، وروي عنه في بعض الطرق أنه لم يعين من صلى عليهما:

فروى عنه يونس عبيد أنه قال:«شهدت أم كلثوم وزيد بن عمر ماتا في ساعة واحدة، فأخرجوهما فصلى عليهما سعيد بن العاص فجعل زيدا مما يليه، وجعل أم كلثوم بين يدي زيد وفي الناس يومئذ ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والحسن والحسين في الجنازة»(246)

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وروى حماد بن سلمة عن عمار أنه قال: «إن أم كلثوم بنت علي، وزيد بن عمر، ماتا وصلى عليهما سعيد بن العاص وخلفه الحسن والحسين وأبو هريرة»(247)

ج- وروى عطاء عن عمار أنه قال: «حضرت جنازة صبي وامرأة، فقدم الصبي مما يلي القوم، ووضعت المرأة وراءه، فصلى عليهما، وفي القوم أبو سعيد الخدري، وابن عباس، وأبو قتادة، وأبو هريرة فسألتهم عن ذلك، فقالوا: السنة»(248) .

وقال يحيى بن صبيح: «حدثني عمار، مولى الحارث بن نوفل، أنه شهد جنازة أم كلثوم، وابنها، فجُعل الغلام مما يلي الإمام، فأنكرت ذلك، وفي القوم ابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأبو قتادة، وأبو هريرة، فقالوا: هذه السنة»(249) .

هـ- وروى عنه عوف أنه قال: «كنت بالمدينة زمن ماتت أم كلثوم بنت علي وابنها زيد بن عمر ماتا جميعا فجئ بجنازتيهما جميعا ف وُضع الرجل مما يلي الإمام ووضعت المرأة أمام ذلك»(250) .

وروى وكيع أن عمار قال: «شهدتهم يومئذ وصلى عليهما سعيد بن العاص، وكان أمير الناس يومئذ وخلفه ثمانون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم»(251) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد اجتهد الحافظ ابن حجر في الجمع بين الروايتين فقال:«يحمل على أن ابن عمر أمَّ بهم حقيقة بإذن سعيد بن العاص ويحمل قوله إن الإمام كان سعيد بن العاص يعني الأمير جمعا بين الروايتين»(252) ، وهو توجيه حسن لولا ما يعكر عليه من التصريح في رواية عمار بأن سعيد بن العاص صلى بهم، والذي نذهب إليه هو ترجيح رواية من روى أن من صلى عليها هو ابن عمر رضي الله عنه، فقد نص على ذلك نافع وهو من أوثق الناس في ابن عمر، والإمام الشعبي وهو المعروف بإتقانه وضبطه، وعبد الله البهي، وكلهم شهد الواقعة، ولم يخالفهم إلا عمار بن أبي عمار فالظاهر أنه وهم فظن أن الإمام سعيد بن العاص، فلعله صلى في الصفوف الخلفية وظن أن الذي صلى بهم هو سعيد بن العاص، وهذا احتمال قوي سيما أن الصلاة ليست جهرية، ومعلوم أن جماعة من الرواة إذا اتفقوا على أمر ثم خالفهم رجل واحد فلا يعتد بهذا المخالف، وإضافة إلى ذلك فرواية هؤلاء الأعلام تذكر تفاصيل محددة في القصة مما يدل على ضبطهم إياها، وهذا ما رجحه ابن عساكر رحمه الله فقال: «المحفوظ أن الذي صلى عليهما عبد الله بن عمر في إمارة سعيد بن العاص»(253) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويلاحظ أيضا اختلاف الرواة عن عمار في سن زيد، فقد جاء في رواية أنه كان صبيا، وفي رواية يحيى بن صبيح أنه كان غلاما، وهذا لا إشكال فيه، فإن الصبي مثل الغلام، لكن خالفهم عوف فوصفَ زيدا بالرجل، والصحيح أنه كان شابا لا صبيا، وقد حققنا فيما مضى أن عمر زيد حين مات كان لا يقل عن ستة وعشرين سنة، والله أعلم.

خلاصة ما مضى فيما يتعلَّق بإثبات زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنها

ومن خلال عرضنا السابق للمرويات المتعلّقة بهذا الزواج المبارك، نجد أن هذا الخبر قد روي من وجوه متعدّدة وبصورة مفصلة، منذ الخطبة إلى استشهاد عمر رضي الله عنه، حيث:

يرد الخبر صريحا في زواجها منه، وكونها في عصمته. و تبين الروايات طلب عمر رضي الله عنه من علي رضي الله عنه الزواج من بنته أم كلثوم طلبا للاتصال بالنسب النبوي، ورضا علي رضي الله عنه بذلك. وجاء في بعض الروايات تحديد المهر الذي دفعه عمر رضي الله عنه، في هذا الزواج المبارك. وفي بعضها يظهر لنا فرح عمر رضي الله عنه بهذا الزواج، وتهنئة الصحابة رضي الله عنهم له بذلك. وروايات أخرى تبين صراحة أن أم كلثوم رضي الله عنها أنجبت من عمر زيداً ورقية. وروايات أخرى تقص أخبار أم كلثوم مع عمر رضي الله عنه.

وروايات تحكي زواجها من أبناء عمها على التوالي بعد استشهاد عمر رضي الله عنه. وآخرها تلك الروايات التي جاءت في خبر موتها هي وابنها من عمر رضي الله عنه في يوم واحد، وصلاة الصحابة الأجلاء عليهما.

وهذه الروايات من جهة الثبوت أكثرها صحيح ثابت، وإنما وقع الضعف في بعض روايات الخطبة والمهر، ومجموع الطرق التي جمعناها حول هذه القضية يبلغ 31 طريقا، وعدد الطرق التي حكمنا لها بالصحة إما لصحة السند، أو لمجموع الطرق، أو حكمنا لها بالصحة لقرائن أخرى يبلغ 17 طريقا، وعدد الطرق التي ضعفناها سندا ومتنا هو 14 طريقاً، وأما الأسانيد فقد فاقت 50 إسناداً(254) ، فهذه الروايات تصل بنا إلى نتيجة واضحةٍ تماماً لا لبس فيها ولا شك، وهي أن هذا الزواج المبارك قد تمّ بين عمر رضي الله عنه وبين أم كلثوم بنت عليٍّ وفاطمة رضي الله عنهما، برضا من علي وأهل بيته، وأنه حقيقة تاريخية ثابتة بأصح وأوثق الطرق العلمية، المبنية على المرويات الصحيحة ونصوص أهل العلم الصريحة التي سنتعرض لها في المبحث التالي.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المبحث الثاني: نصوص أهل العلم في إثبات مصاهرة عمر وعلي رضي الله عنهما

لما كان زواج الفاروق من السيدة أم كلثوم بهذه الشهرة في المرويات الحديثية، اتفقت كلمة المؤرخين جميعاً على صحته، ولذا حفلت كتب التواريخ والتراجم والأنساب بنصوص مفصلة عن هذا الزواج، ولم يُعرف عن أحدٍ من المتقدِّمين ولا المتأخرين إنكاره، أو التشكيك فيه.

وسنستعرض جملة من أقوال جماهير أهل العلم، بمختلف توجهاتهم في الحديث عن هذا الزواج وإثباته، وقد بدأنا بكتب الأنساب لأنها المصدر الأساسي لتعيين المصاهرات التي وقعت في التاريخ.

زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنها في كتب الأنساب

الإمام محمد بن شهاب الزهري (124 هـ(255) )

قال رحمه الله:«أم كلثوم بنت علي من فاطمة: تزوجها عمر بن الخطاب، فولدت له زيد بن عمر بن الخطاب»(256) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

محمد بن سعد (230 هـ)

وقد نص على ذلك في أكثر من موضع في كتابه الطبقات، فقال رحمه الله: «تزوجها عمر بن الخطاب وهي جارية لم تبلغ، فلم تزل عنده إلى أن قتل، وولدت له زيد بن عمر ورقية بنت عمر»(257) ، وقال بعد أن ذكر ابنة لإبراهيم بن نعيم بن النحام: «وأمها رقية بنت عمر بن الخطاب وأمها أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم»(258) .

مصعب بن ثابت الزبيري (236 هـ )

قال رحمه الله في نسب قريش:«وأم كلثوم الكبرى، ولدت لعمر بن الخطاب؛ وأمهم: فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم»(259) .

الزبير بن بكار (256 هـ)

قال رحمه الله في تسمية ولد فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأم كلثوم بنت علي خطبها عمر بن الخطاب إلى علي بن أبي طالب، وقال: زوِّجني يا أبا الحسن، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل نسب وصهر منقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري. فزوَّجه إياها فولدت لعمر زيداً ورقية»(260) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال أيضاً: «وكانت أمُّ كلثوم بنت عليٍّ عند عمر بن الخطاب، فولدت له زيداً»(261) .

وقال أيضا في تعداده لأولاد علي رضي الله عنه: «وأم كلثوم الكبرى ولدت لعمر بن الخطاب، ولم يبق لعمر ولد من أم كلثوم بنت علي، وأمهم فاطمة ابنة رسول الله صلى لله عيه وسلم»(262) .

أحمد بن يحيى بن جابر بن داود البلاذُري (279هـ)

قال رحمه الله في أنساب الأشراف وهو يتكلم عن أبناء فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم: «وأمُّ كلثوم تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فولدت له زيد بن عمر»(263) .

أبو محمد بن حزم (456 هـ )

قال رحمه الله في جمهرة أنساب العرب: «وتزوج أمَّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب، بنت بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، فولدت له زيداً - لم يعقِّب – ورقيّة»(264) .

أبو سعد السمعاني (562 هـ)

قال رحمه الله: «لو كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما كافرين لكان عليٌّ بتزويجه ابنته أم كلثوم الكبرى من عمر رضي الله عنه كافراً أو فاسقاً معرضاً بنته للزنا، لأن وطء الكافر للمسلمة زنا محض»(265) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ابن قدامة المقدسي ( 620 هـ)

قال رحمه الله: «أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، قال هشام بن عمار: أمها فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تزوجها عمر بن الخطاب، وأصدقها أربعين ألفا، وولدت له زيدا بن عمر الأكبر، ورقية بنت عمر»(266) .

محمد بن أبي بكر التلمساني المعروف بالبُرِّي (توفي بعد 645هـ)

قال رحمه الله: «وأما زيد بن عمر بن الخطاب فأمُّه أمُّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وأمُّها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. خطبها عمر إلى علي فقال له: إنها صغيرة»(267) .

السلطان الأشرف عمر بن يوسف بن رسول (696 هـ)

قال رحمه الله في تعداده لأبناء عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «وزيد الأكبر و رقية، أمهما أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب»(268) .

شرف الدين الدمياطي (705 هـ)

قال رحمه الله: «وأم رقية بنت عمر، أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه، من فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم»(269) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أبو القاسم ابن جزي الكلبي (741 هـ)

ذكر رحمه الله من ضمن أولاد عليِّ بن أبي طالب رضي الله عنه: «أم كلثوم رضي الله عنها، ثم قال: وأم كلثوم تزوجها عمر بن الخطاب فولدت له زيداً»(270) .

أبو العباس القلقشندي (821 هـ)

قال رحمه الله في نهاية الأرب في معرض حديثه عن عمر رضي الله عنه: «تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وأصدقها أربعين ألف درهم فولدت له زيداً وفاطمة»(271) .

جلال الدين السيوطي ( 911 هـ)

قال رحمه الله في العجاجة الزرنبية في السلالة الزينبية وهو يذكر أولاد فاطمة: «وأما أم كلثوم فتزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وولدت له زيداً ورقية»(272) .

زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما في كتب التاريخ

حين نستقرئ كلام المؤرخين نجد أنهم قد تعرضوا لهذا الزواج مع تعيين سنة وقوعه، وذكر بعض التفاصيل التي نقلها رواة التاريخ، وهذا يدل على الشهرة المستفيضة لهذه الزواج عند المؤرخين،، وهو ما سنراه من خلال هذه النصوص المقتضبة.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

محمد بن إسحاق (151 هـ )

قال رحمه الله:«وتزوَّج أمَّ كلثوم ابنة علي من فاطمة ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرُ بن الخطاب، فولدت له زيدَ بن عمر وامرأة معه، فمات عمر عنها»(273) .

أبو الحسن المدائني ( 224 هـ)

قال رحمه الله: « تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عليهما السلام، عمر بن الخطاب رضي الله عنه»(274) .

محمد بن حبيب (245هـ)

قال رحمه الله في تعداد أصهار عمر بن الخطاب رضي الله عنه:«وإبراهيم بن نعيم النحام العدوي، كانت عنده رقية بنت عمر، وأمُّها أمُّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه»(275) .

وقال في موطن آخر: «وعمر بن الخطاب رحمه الله، كانت عنده أم كلثوم بنت علي، ثم خلف عليها عون، ثم محمد، ثم عبد الله بنو جعفر بن أبي طالب رحمه الله»(276) .

عمر بن شبة (262 هـ )

قال رحمه الله في تعداده لولد عمر رضي الله عنه: «وزيد الأكبر، لا بقية له، ورقية وأمهما أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم»(277) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حماد بن إسحاق المالكي (267 هـ)

قال رحمه الله في سياق حديث له عن ميراث النبي صلى الله عليه وسلم: «وقد خلَّفت عليها السلام أي فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم - من الولد: الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم عليهم السلام، فتزوَّج عبد الله بن جعفر بزينب، وولدت له أولاداً، وتزوَّج عمر بأم كلثوم، وولدت له زيداً ورقيةً ابني عمر»(278) .

أبو محمد بن قتيبة (276 هـ )

قال رحمه الله أثناء ذكره لبنات عليٍّ رضي الله عنه: «وأما أم كلثوم الكبرى، وهي بنت فاطمة، فكانت عند عمر بن الخطاب، وولدت له أولاداً قد ذكرناهم»(279) .

أبو بكر بن أبي الدنيا (281 هـ)

نقل رحمه الله عن الزبير بن بكار في تعداد ولد علي أنه قال: «وأم كلثوم الكبرى ولدت لعمر بن الخطاب ولم يبق لعمر ولد من أم كلثوم بنت علي وأمهم فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم»(280) .

أبو جعفر ابن جرير الطبري (310 هـ)

قال رحمه الله في تعداد أزواج عمر بن الخطاب: «وتزوج أم كلثوم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بنت علي بن أبي طالب، وأمها فاطمه بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصدقها- فيما قيل- أربعين ألفا، فولدت له زيداً ورقية»(281)

وقال في ذكر أحداث سنة سبعة عشر للهجرة: «وفيها تزوج عمر بن الخطاب أم كلثوم ابنة علي بن أبي طالب، وهي ابنة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل بها في ذي القعدة»(282) .

المطهر بن طاهر المقدسي ( نحو 355 هـ)

قال وهو يذكر أبناء عمر بن الخطاب رضي الله عنه:«وأما زيد بن عمر فأمّه أمّ كلثوم بنت عليّ، مات هو وأم كلثوم في يومٍ واحد»(283) .

وقال وهو يذكر بنات علي رضي الله عنه: «زوج علي أم كلثوم الكبرى من عمر بن الخطاب رضي الله عنه فولدت له زيد بن عمر وفاطمة بنت عمر(284)(285) ) ( ».

محمد بن سلامة القضاعي ( 454 هـ)

قال رحمه الله عن عمر رضي الله عنه: «تزوج أم كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب، وأصدقها أربعين ألف درهم. وولدت له فاطمة وزيداً وماتت عنده، وقال ابن قتيبة: «بقيت في نكاحه إلى أن قتل فتزوجها محمّد بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه»(286) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قوام السنة الأصبهاني (535 هـ)

قال رحمه الله في المبعث والمغازي وهو يذكر أحداث سنة 17 هـ: «تزوج عمر رضي الله عنه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهي من فاطمة رضي الله عنها ودخل بها في ذي القعدة»(287) .

أبو القاسم ابن عساكر (571 هـ)

قال رحمه الله: «أم كلثوم بنت علي من فاطمة التي تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه»(288) .

أبو الفرج ابن الجوزي (597 هـ )

قال رحمه الله وهو يذكر أولاد الفاروق: «وزيد الأكبر، ورقية، وأمُّهم أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم»(289) .

وقال في أحداث سنة 17 للهجرة: «وفي هذه السنة تزوج عمر رضي الله عنه أمَّ كلثوم بنتَ عليٍّ رضي الله عنه، وهي ابنة فاطمة رضي الله عنها(290) ».

عز الدين ابن الأثير (630هـ)

قال رحمه الله: «وفيها تزوّج عمرُ أمَّ كلثوم بنت عليِّ بن أبي طالب، وهي ابنة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل بها في ذي القَعدة»(291) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ابن أبي الدم ( 642 هـ)

قال رحمه الله في التاريخ المظفري في حوادث سنة سبعة عشر للهجرة بعد أن ذكر توسيع عمر رضي الله عنه للمسجد الحرام: «وفيها تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب»(292) .

شهاب الدين النويري ( 732 هـ)

قال رحمه الله في نهاية الأرب في حوادث سنة سبعة عشر للهجرة: «وفي هذه السنة تزوّج عمر أمّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وهي بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل بها في ذي القعدة»(293) .

وقال وهو يذكر أزواج عمر رضي الله عنه: «وتزوّج أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، وأمّها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصدقها أربعين ألفا فولدت رقيّة وزيداً»(294) .

الحافظ الذهبي (748 هـ)

قال رحمه الله مترجماً لأم كلثوم: «أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب الهاشمية، ولدت في حياة جدِّها صلى الله عليه وسلم، وتزوجها عمر وهي صغيرة»(295) .

ابن الوردي (749هـ)

قال رحمه الله في سياق أهم أحداث سنة سبع عشرة من الهجرة: «وفيها

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

اعتمر عمر رضي الله عنه وأقام بمكة عشرين ليلة، ووسعّ المسجد الحرام، وهدم منازل قوم أبوا بيعها، وجعل أثمانها في بيت المال، وتزوّج أمَّ كلثوم بنت عليٍّ أمها فاطمة رضي الله عنهم»(296)

صلاح الدين الصفدي (764هـ)

قال رحمه الله في ترجمة زيد بن عمر بن الخطاب: «زيد بن عمر بن الخطّاب القرشي العدوي، وأمه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، تزوّجها عمر رضي الله عنه على أربعين ألف درهم، واغتبط بذلك»(297) .

الحافظ ابن كثير (774 هـ)

قال رحمه الله: «وقد تزوج عمر بن الخطاب في أيام ولايته بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة، وأكرمها إكراما زائداً، أصدقها أربعين ألف درهم لأجل نسبها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فولدت له زيد بن عمر بن الخطاب»(298) .

تقي الدين المقريزي (845 هـ)

قال رحمه الله: «وأما اللتان من فاطمة رضي الله عنها فأم كلثوم وزينب. فأم كلثوم: ابنة علي بن أبي طالب، ولدت قبل وفاة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وخطبها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عليّ،... وأمهرها عمر رضي الله عنه أربعين

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ألف درهم، فولدت له زيدا ورقية فلا بقية لعمر رضي الله عنه في أم كلثوم بنت علي رضي الله عنها»(299)

حسين بن محمد الدياربكري (966هـ)

قال رحمه الله: «وزيد الاكبر أمّه أمّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم»(300) ، وذكر قصة زواجها بعمر بن الخطاب رضي الله عنه في موضع آخر(301) .

زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما في كتب التراجم

ولا تقل شهرة مصاهرة علي وعمر رضي الله عنهما في كتب التراجم عن شهرته في كتب التاريخ، وذلك ما ستراه من خلال نصوص أهل العلم عند تعرضهم لترجمة الفاروق أو ترجمة أم كلثوم أو ترجمة ابنهما زيد.

أبو حاتم الرازي (277 هـ)

قال ابنه عبد الرحمن بن أبي حاتم رحمهما الله: «زيد بن عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت علي، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: توفي هو وأمه أم كلثوم في ساعة واحدة وهو صغير، لا يدرى أيهما مات أول»(302) .

أبو بشر الدولابي ( 310 هـ)

فقد ترجم لأم كلثوم في كتابه الماتع الذي خصصه لتراجم أهل

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بيت النبي صلى الله عليه وسلم الموسوم بالذرية الطاهرة، وأورد في ترجمتها ثلاثة عشر رواية تتعلق بزواجها بعمر رضي الله عنه سواء رواية الخطبة، والمهر، وولادتها لزيد، وأزواجها بعد عمر، ثم وفاتها وابنها زيد في وقت واحد وصلاة ابن عمر رضي الله عنه عليهما(303)

أبو نعيم الأصبهاني (430 هـ)

قال رحمه الله وهو يتحدث عن ذرية عمر رضي الله عنه: «خلّف من أولاده تسعة من الذكور وأربعاً من الإناث،... وزيد ورقية أمهما أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم»(304) .

ابن عبد البر (463 هـ)

قال رحمه الله: «زيد بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أمه أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنه من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم»(305) .

أبو زكريا النووي (676 هـ)

قال رحمه الله: «أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، رضي الله عنه وعنها: وهي بنت فاطمة رضي الله عنها، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولدت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، تزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فولدت له زيدًا»(306) .

الحافظ ابن حجر العسقلاني

قال رحمه الله في ترجمة زيد: «زيد بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي، أمّه أم

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كلثوم بنت عليِّ بن أبي طالب، مات مع أمه في يوم واحد»(307)

زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم رضي الله عنها في كتب الفقه

تعرضت معظم كتب الفقه لزواج أم كلثوم من عمر في عدة مباحث وأبواب فقهية مثل:

باب الصلاة على الجنازة(308) وباب تزويج الصغيرة(309) وباب الكفاءة في النسب(310) وباب المهر(311) وباب الشهادة في عقد النكاح(312) و باب العدة وخروج المرأة من بيتها(313) واعتبار الشهرة في الشهادة بالنكاح

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

في باب الشهادات(314) ،وكيفية حساب ميراث من ماتا معاً في ساعة واحدة في باب المواريث(315)

وأنت تلحظ أن وقائع هذا الزواج صارت مادة للاستدلال و الاستنباط عند الفقهاء بمختلف مذاهبهم، وهذا من بركة هذا الزواج التي خلف لنا ثروة فقهية في أحكام النكاح.

زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم رضي الله عنها في كتب الأدب

وبلغت شهرة هذا الزواج مبلغاً عظيماً حتى أن من كثيراً الأدباء ذكروا أخباره في كتبهم، فنجد ابن عبد ربه ( 328 هـ) يقول عن زيد بن عمر بن الخطاب:«وكانت أمّ زيد: أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب»(316) .وقال بعد أن حكى قصة الخطبة ورضا علي بتزويج عمر رضي الله عنهما: « فولدت له أمّ كلثوم زيد بن عمر، ورقية بنت عمر»(317) .

وجاء في الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي ( 400 هـ): «وقال صاحب التاريخ: ولدت لعمر بن الخطاب رضوان الله عليه أمّ كلثوم بنت عليّ بن أبي طالب عليه السلام زيداً ورقيّة، وأمّ أمّ كلثوم فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم»(318) .

وذكر أبو المعالي ابن حمدون قصة إهداء أمِّ كلثوم طيباً لامرأة

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ملك الروم(319) وقصة الخطبة(320)

والخلاصة أن زواج عمر من أم كلثوم وولادتها منه، هي مسألة اتفقت عليها روايات أهل السنة وأثبتها طوائف أهل العلم من المحدثين والنسابين والمؤرخين والفقهاء والأدباء، فلا خلاف بينهم في هذه القضية.

زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم رضي الله عنها عند بقية الفرق الإسلامية

أحببنا ألا يخلو هذا البحث من التعرض لمواقف بعض الفرق الإسلامية من هذا الزواج، خاصة الزيدية لكونهم من الفرق التي تنتسب إلى آل البيت، فضلا عن كون كثير من علمائهم ممن جمع بين النسب الهاشمي والتصدر العلمي والسياسي، ولأنهم لا يتهمون بأنهم أعداء آل البيت، و لا يمكن أيضا أن يتهموا بأنهم أهملوا تراثهم، بل إن مرويات الزيدية وتراثهم العقائدي والفقهي منسوب في غالبه إلى آل البيت، ولا شك أن الفرق الإسلامية عندما تتفق على قضية واحدة فلا يمكن لهذه القضية إلا أن تكون ثابتة و صحيحة، ولذلك رأينا أن نثري هذا البحث بإيراد كلامهم عن هذا الزواج.

زواج عمر رضي الله عنه بأم كلثوم رضي الله عنها عند المعتزلة

كان لمصاهرة عمر لعلي رضي الله عنهما وزواجه بابنته أثر في كتب كثير من الفرق الإسلامية، خاصة المعتزلة الذين كانوا يحتجون بهذا المصاهرة

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

على حسن العلاقة الطيبة بين عمر وعلي رضي الله عنهما، ولذلك دأب علماء المعتزلة على الاستدلال بزواج عمر بأم كلثوم في مناظراتهم و مناقشتهم مع المخالفين، ومن أقدمهم الجاحظ 255 هـ) في كتابه العثمانية حيث قال وهو يعدُّ الأدلة على رضا علي رضي الله عنه بخلافة أبي بكر وعمر رضي الله عنها: «ثم الذي كان من تزويجه أم كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، من عمر بن الخطاب، طائعاً راغباً، وعمر يقول: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إنه ليس سبب ولا نسب إلا منقطع إلا نسبي». قال علي: إنها والله ما بلغت يا أمير المؤمنين. قال: إني والله ما أريدها لذاك! فأرسلها إليه فنظر إليها قبل أن يتزوجها، ثم زوَّجها إياه، فولدت منه زيد بن عمر، وهو قتيل سودان مروان، فلما أتى النعي أمَّ كلثوم كمدت عليه حزناً حتى ماتت(321) وقالت: واحربها! قتل أبوها علي بن أبي طالب، وقتل زوجها عمر بن الخطاب، وقتل ولدها زيد بن عمر»(322)

واحتج به القاضي عبد الجبار ( 415 هـ) على حسن العلاقة بين عمر وعلي رضي الله عنهما، فقال وهو يتكلّم عن الفاروق رضي الله عنه: «وزوَّجه أمير المؤمنين عليّ ابنته أمَّ كلثوم، وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان له منها زيد ورقية»(323) .

وقال أيضاً(324) :«كما قد تقدَّم شرح ذلك حتى ينقل عليّ بن أبي طالب إلى عمر أمَّ كلثوم بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فيزوجه ويفترشها ويولدها»(325)

وجعله أبو سعد السمان ( 443 هـ) من الأدلة التي تدل على حسن العلاقة بين الآل والأصحاب فخصص مبحثا من كتابه الموافقة بين آل البيت والصحابة لهذه المصاهرة المباركة، وأورد فيه روايات تزويج علي أم كلثوم لعمر رضي الله عنهم(326) .

وذكر الزمخشري ( 583 هـ) في كتابه ربيع الأبرار قصة الخطبة ودخول زيد بن عمر على معاوية، و خلافه مع بسر بن أرطأة، ووفاة زيد وأمه في وقت واحد(327) .ونقل ابن أبي الحديد قصة الخطبة عن الزبير بن بكار في شرح نهج البلاغة(328) .

زواج عمر رضي الله عنه بأم كلثوم رضي الله عنها عند الزيدية

الزيدية ينتسبون في مذهبهم الفقهي إلى أهل البيت، ويقدمون ما نقل عن أهل البيت على غيره، وقد وجدنا في كتبهم رواية أخبار زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما، وصرحوا بشهرتها عندهم، يقول الحسن بن يحيى المؤيدي 1375 هـ): «تزويج أم كلثوم من عمر مشهور من رواية أصحابنا»(329) بل بلغ عندهم مبلغ الضرورة(330) ولذا فقد تناول علماء

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الزيدية قضية زواج أم كلثوم من عمر في مباحث علمية متنوعة، فتجدها في كتب الحديث والعقائد والفقه والتاريخ والأنساب وغيرها من المباحث، ولعل تناول آراء علماء الزيدية في هذه القضية بحاجة لتصنيف مستقل، والمقصود أن نستعرض بعض النصوص من كتب الزيدية في هذه المسألة.

مرويات الزيدية في كتب الحديث

ما روى أبو عبد الله أحمد بن عيسى الهاروني ( 247 هـ) في أماليه «عن زيد بن علي، قال: دخل عليٌّ عليه السلام على عمر، فخطب إليه أم كلثوم، فقال علي: أنت رجل قد جللت، وهي صغيرة، تريد من هي أعرف بحقك منها فخرج ودخل العباس، فأخبره عمر، فقال: أنا عمُّه، وأنا أزوِّجك فزوَّجه»(331) .

وروى أيضا عن أبي الجارود قال: «فذكرت لأبي جعفر ما صنع عمر بن الخطاب في المتوفَّى عنهنَّ أزواجهنَّ: أنه ردهنَّ من عقبة الوادي، فقال: قد أُصيبَ عُمَر. فأخذ عليٌّ عليه السلام بيد أم كلثوم فنقلها إليه، ثم أمرها فحجَّت في عدتها»(332) .

ونقل العجري (منتصف القرن الخامس الهجري) عن علي بن بلال بسنده عن أبي عمار قال: «شهدت جنازة أمّ كلثوم بنت علي وابن لها، فلما وُضعا، جعل الرجلَ مما يلي القوم، والمرأةَ من ورائه إلى القبلة،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفي القوم أبو سعيد الخدري وابن عباس وأبو هريرة وابن عمر وأبو قتادة الأنصاري، فلما انصرفوا سألتهم عن ذلك، فقالوا: هي السنة»(333)

ما جاء في كتبهم العقدية

ما ذكره يحيى بن الحسن القرشي ( 780 هـ) في منهاج المتقين في معرفة رب العالمين(334) ، ونقضه كلام من زعم أن الزواج وقع بالإكراه(335) .

ويقرر الأستاذ محمد عزان وهو يتكلم عن علاقة علي بعمر رضي الله عنهما شهرة هذا الزواج عند علماء الزيدية فيقول: «أضف إلى ما تقدم ما اشتهر عند علماء الزيدية وغيرهم من أن الإمام علياً زوج عمر بن الخطاب ابنته أم كلثوم بنت فاطمة الزهراء، فلو كان عنده غير رضا لما زوجه ابنته»(336) .

وقد تعرضت كتب فقه الزيدية لقضية زواج أم كلثوم في أبواب فقهية كثيرة، قال أبوالحسين الهاروني 411 هـ في شرح التجريد:«وما ذهبنا إليه من أنها تعتد حيث شاءت من بيتها، أو بيت زوجها هو قول أمير المؤمنين عليه السلام، حكى ذلك عنه القاسم بن إبراهيم عليهما السلام، وروي نحوه هناد عنه عليه السلام، وروى بإسناده عن الحسن أن علياً عليه السلام نقل ابنته أم كلثوم لما قتل عمر، وروي نحوه عن ابن عباس»(337) وقال أبو

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عبد الله محمد بن علي بن عبد الرحمن العلوي 445 هـ) في الجامع الكافي: «ثبت عندنا أن عمر خطب إلى علي صلى اللّه عليه ابنته من فاطمة فزوجه إياها»(338) وقال المتوكل على الله أحمد بن سليمان( 566 هـ) «وعن علي عليه السلام أنه نقل ابنته أم كلثوم لما قتل عمر»(339) ،وأشار أحمد بن يحيى المرتضى 840 هـ) والحسن بن يحيى المؤيدي 1375 هـ) إلى هذا الزواج أثناء كلامهما عن مسألة الكفاءة(340) وقال القاضي أحمد بن قاسم الصنعاني 1390 هـ) وهو يرد على من حرَّم نكاح الفاطمية بغير الفاطمي: «فيلزم رد ما علم ضرورة مع أن علياً عليه السلام زوَّجها من عمر بن الخطاب»(341)

وزواج أم كلثوم من عمر رضي الله عنهما أحد الأدلة التي استدل بها على الزيدية على بطلان ما حدث بآخرة من تحريم بعض علمائهم نكاح الفاطمية بغير الفاطمي، وستأتي نصوصهم في مبحث الرد على دعوى وقوع الزواج بالإكراه(342) . ويلحق بكتب الفقه ما جاء في كتب شروح الأحاديث، قال الأمير الصنعاني ( 1182 هـ) في التنوير شرح الجامع الصغير: «معلوم أن عمر تزوج أم كلثوم وجاء له منها زيد بن عمر»(343) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ما جاء في تواريخ الزيدية

ما ذكره أحمد بن يحيى المرتضى وهو يعدِّد أبناء علي من فاطمة:«وأم كلثوم: تزوجها عمر بن الخطاب، وخلَف عليها عون بن جعفر ثم أخوه محمد ثم أخوه عبد الله»(344) .

وقال وهو يعدد أبناء الفاروق: «ثم زيد الأكبر، ثم رقية، أمهما أم كلثوم بنت علي»(345) .

وقد أثبته العلامة النسابة السيد يحيى بن الحسن بن جعفر العبيدلي العقيقي وهو أول من ألف في أنساب آل أبي طالب، قال: «وأم كلثوم الكبرى ابنة علي من فاطمة، ولدت لعمر بن الخطاب زيداً ورقيةً، وقد انقرضا فلم يبق لعمر ولد من أم كلثوم»(346) .

وقال العلامة النسابة الطاهر بن الحسين الأهدل: «فأم كلثوم الكبرى ولدت قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وتزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه فولدت له زيداً الأكبر، ورقية»(347) ، ثم ذكر أنها وأختها زينب شقيقتا الحسن والحسين.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الفصل الثاني: مرويات زواج أم كلثوم بنت علي من عمر رضي الله عنهما في كتب الإمامية الاثني عشرية

وفيه ثلاثة مباحث:

المبحث الأول: النصوص المثبتة لوقوع الزواج في كتب الأخبار والأنساب عند الإمامية

المبحث الثاني: دراسة آراء المثبتين والنافين لوقوع الزواج

المبحث الثالث: مناقشة آراء المنكرين والمشككين في زواج عمر بأم كلثوم

صفحة 162 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

المبحث الأول: النصوص المثبتة لوقوع الزواج في كتب الأخبار والأنساب عند الإمامية

يزعم «البعض» أن قصة هذا الزواج خيالية، وأن زواج عمر الفاروق رضي الله عنه بأم كلثوم بنت علي رضي الله عنها لم يقع ولم يحدث وأنه من الأساطير!!، ولا شك أن من طالع ما عرضناه من الروايات الصحيحة، وأقوال المحدثين والمؤرخين والنسابين، وغيرهم من أهل العلم، يستغرب هذه الدعوى الغريبة التي تهدم أصول الاستدلال وتخالف مسلمات البحث العلمي، خاصة إن علمنا أن جملة ممن ذهبوا إلى إنكار هذه الواقعة لم يلتفتوا إلى النصوص الصريحة الواضحة المنقولة في المصادر التي يسلمون بها ويعتقدون باعتبارها، ويستندون إليها في تقرير قضايا التاريخ. وبمراجعة سريعة لكتب الإمامية وأمهات مصادرهم الروائية، نجد فيها الروايات الكثيرة التي تثبت هذا الزواج، بل وتوضح تفاصيله أحياناً، ومع عدم تسليمنا ببعض هذه التفاصيل المستنكرة والتي سنناقشها بالتفصيل، فإن الذي يتقرر من المقارنة بين روايات أهل السنة والإمامية أن الجزء المتفق عليه في هذه الروايات والنصوص هو أن عمر تزوج من أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما، ولكي يكون القارئ على بينة من الأمر في هذه المسألة فسنعرض له ما وقفنا عليه من روايات ونصوص تثبت وقوع هذا الزواج في كتب الإمامية.

مرويات زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما في كتب الإمامية الروائية

حفلت كتب الإمامية الروائية والفقهية بنصوص كثيرة ومختلفة عن تزويج علي ابنته أم كلثوم لعمر، وإليك ما عثرنا عليه من رواياتهم في هذا الباب:

روى الكليني في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: «لما خطب إليه(348) قال له أمير المؤمنين: إنها صبية قال: فلقي العباس فقال له: مالي! أبي بأس؟ قال: وما ذاك؟ قال: خطبت إلى ابن أخيك فردَّني، أما والله لأعورن زمزم، ولا أدع لكم مكرمة إلا هدمتها، ولأقيمن عليه شاهدين بأنه سرق، ولأقطعن يمينه. فأتاه العباس فأخبره وسأله أن يجعل الأمر إليه، فجعله إليه»(349) وروى الكليني في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام في تزويج أم كلثوم فقال:«إن ذلك فرج غصبناه»(350) وروى الكليني في الكافي والطوسي في التهذيب عن أبي عبد الله عليه السلام

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال: «سألته عن المرأة المتوفى عنها زوجها أتعتد في بيتها أو حيث شاءت؟ قال: بل حيث شاءت، إن علياً (ع) لما تُوفي عمر أتى أم كلثوم فانطلق بها إلى بيته». وفي رواية أخرى في الكافي:«فأخذ بيدها فانطلق بها إلى بيته»(351) وروى الكراجكي في كنز الفوائد بسنده «عن المستطيل(352) بن حصين قال خطب عمر بن الخطاب إلى علي بن أبي طالب عليه السلام ابنته فاعتل عليه بصغرها وقال:إني أعددتها لابن أخي جعفر فقال عمر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل حسب ونسب فمنقطع يوم القيامة ما خلا حسبي ونسبي، وكل بني أنثى عصبهم لأبيهم ما خلا بني فاطمة فإني أنا أبوهم وانا عصبتهم»(353) وروى الطوسي في الخلاف والطبرسي في المؤتلف من المختلف، عن عمار بن ياسر(354) قال:«أخرجت جنازة أم كلثوم بنت علي وابنها

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

زيد بن عمر، وفي الجنازة الحسن والحسين عليهما السلام وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وأبو هريرة، فوضعوا جنازة الغلام مما يلي الامام والمرأة وراءه، وقالوا: هذا هو السنة»(355) وروى الطوسي في التهذيب عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام، قال:«ماتت أم كلثوم بنت علي عليه السلام وابنها زيد بن عمر بن الخطاب في ساعة واحدة، لا يدرى أيهما هلك قبل، فلم يورث أحدهما من الآخر، وصلى عليهما جميعا»(356) وروى عبد الله بن الأشعث في الجعفريات بسنده عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده «أن علياً عليه السلام نقل ابنته أم كلثوم في عدَّتها حيث مات زوجها عمر بن الخطاب، لأنها كانت في دار الإمارة»(357) وقال الطوسي في المبسوط:«وروي أن عمر تزوج أم كلثوم بنت علي عليه السلام فأصدقها أربعين ألف درهم»(358) وروى الراوندي في الخرائج والجرائح عن عمر بن أذينة قال:«قيل لأبي عبد الله عليه السلام: إن الناس يحتجون علينا ويقولون: إن أمير المؤمنين عليه السلام زوَّج فلاناً ابنته أم كلثوم، وكان متكئاً فجلس وقال:

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أيقولون ذلك؟ إن قوماً يزعمون ذلك لا يهتدون إلى سواء السبيل، سبحان الله ما كان يقدر أمير المؤمنين عليه السلام أن يحول بينه وبينها فينقذها؟! كذبوا ولم يكن ما قالوا، إن فلاناً خطب إلى عليٍّ عليه السلام بنته أم كلثوم فأبى عليٌّ عليه السلام فقال للعباس: والله لئن لم تزوجني لأنتزعن منك السقاية وزمزم، فأتى العباس علياً فكلَّمه، فأبى عليه، فألحَّ العباس، فلما رأى أمير المؤمنين عليه السلام مشقة كلام الرجل على العباس، وأنه سيفعل بالسقاية ما قال أرسل أمير المؤمنين عليه السلام إلى جنِّيّة من أهل نجران يهودية يقال لها: سحيفة بنت جريرية، فأمرها فتمثلت في مثال أم كلثوم وحجبت الأبصار عن أم كلثوم وبعث بها إلى الرجل، فلم تزل عنده حتى أنه استراب بها يوما فقال: ما في الأرض أهل بيت أسحر من بني هاشم، ثم أراد أن يظهر ذلك للناس، فقُتل وحوت الميراث وانصرفت إلى نجران، وأظهر أمير المؤمنين عليه السلام أم كلثوم(359) وروى ابن إدريس في السرائر في قسم المستطرفات من روايات ابن قولويه عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب قال: «خطب الناس عمر بن الخطاب وذلك قبل أن يتزوج أم كلثوم بيومين، فقال: أيها الناس لا تغالوا بصدقات النساء، فإنّه لو كان الفضل فيها لكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بآله يفعله، كان نبيكم يصدق المرأة من نسائه المحشو وفراش الليف والخاتم والقدح الكثيف وما أشبهه، ثم نزل عن المنبر فما أقام إلاّ يومين أو ثلاثة حتى أرسل في صداق

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بنت علي أربعين ألفاً»(360)

وهذه الروايات تتفق في إثبات أصل واقعة الزواج، وإن كان قد ورد في بعضها تفاصيل مردودة، باستثناء رواية الخرائج التي تنفي أن أم كلثوم الحقيقية قد كانت في بيت عمر، وسيأتي نقد هذه الروايات أثناء تفصيل الكلام عن آراء المثبتين والنافين لوقوع الزواج.

فإذا تقرر هذا، فلنعرِّج على نصوص علماء الأنساب من الإمامية، لأن المعلوم أن علماء النسب أكثر الناس عناية بمثل هذه القضايا، و الذي يراجع كتب الأنساب القديمة يقطع باتفاق كلمة قدماء النسابين على إثبات وقوع هذا الزواج.

إثبات نسابي الإمامية لزواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم رضي الله عنها

الكلبي النسابة (ت 204 هـ)(361)

قال: «ولد علي بن أبي طالب: الحسن والحسين، ومحسن درج صغيراً، وزينب الكبرى تزوَّجها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فولدت له. وأم كلثوم الكبرى تزوَّجها عمر بن الخطاب، وأمهم جميعاً: فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم»(362) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وروى عن أبيه محمد بن السائب أنه قال: «خطب عمر بن الخطاب من علي أم كلثوم رضي الله تعالى عنهم فقال: إنها صغيرة فقال: يا أبا حسنين، إنما حرصي عليها لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما سبب ولا صهر إلا وهو منقطع يوم القيامة إلا سببي وصهري. فقال علي: أنا مرسلها إليك لتراها، فلما جاءته قال لها: قولي لأبيك: إني قد رضيت الحلة فأدت الرسالة، فزوَّجه عليٌّ إياها وأصدقها عمر أربعين ألفاً»(363) .

وقال أيضا: «ولدت أم كلثوم بنت عليٍّ لعمر، زيدَ بن عمر، ورقيةَ بنت عمر، فمات زيدٌ وأمُّه فِي يوم واحد، وكان موته من شجة أصابته، وخلف على أم كلثوم بعد عمر، عونُ بن جعفر بن أبي طالب، ثم محمد بن جعفر، ثم عبد الله بن جعفر»(364) .

أبو محمد الحسن بن محمد بن يحيى العلوي المعروف بابن أخي طاهر( 358 هـ)(365)

نقل عنه المفيد أنه أثبت هذا الزواج في كتابه فقال: «وإنما نشر الحديث إثبات أبي محمد الحسن بن يحيى صاحب النسب ذلك في كتابه، فظنَّ كثير من الناس أنه حق، لرواية رجل علوي له، وهو إنما رواه عن الزبير بن بكار»(366) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أبو الحسن علي بن محمد العمري العلوي (460 هـ)(367)

يقول في المجدي في أنساب الطالبيين: «خرجت أمُّ كلثوم بنت علي من فاطمة - واسمها رقية عليها السلام إلى عمر بن الخطاب فأولدها زيداً ومات هو وأمه في يوم واحد، وكان الشريف الزاهد النقيب الأخباري ببغداد أبو محمد الحسن بن القاسم بن محمد العويد العلوي المحمدي يروي أن التي تزوجها عمر شيطانة، وآخرون من أهلنا يزعمون أنه لم يدخل بها، وآخرون يقولون هو أول فرج غصب في الإسلام، والمعوَّل عليه من هذه الروايات ما رأيناه آنفاً من أن العباس بن عبد المطلب زوَّجها عمر برضاء أبيها عليه السلام وإذنه، وأولدها عمر زيداً»(368) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أبو الحسن البيهقي المشهور بابن فندق (565 هـ)

قال في لباب الأنساب وهو يذكر أبناء علي رضي الله عنه من فاطمة رضي الله عنها:«أم كلثوم كانت في حبالة عمر بن الخطاب»(369) .

ابن الطقطقي الحسني العلوي (709 هـ)

يقول في ذكر بنات أمير المؤمنين علي «عدتهن ثماني وعشرون بنتاً: زينب العقيلة لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، تزوَّجها عبدالله بن جعفر فولدت له علياً وجعفراً وعوناً وعباساً، وأم كلثوم الصغرى لم تبرز، وأم كلثوم أمها فاطمة الزهراء عليها السلام، تزوَّجها عمر بن الخطاب فولدت له زيداً، ثم خلف عليها عبدالله بن جعفر»(370) .

جعفر النجفي الأعرجي (1332 هـ)

قال في كتابه مناهل الضرب: «وأم كلثوم وهي زينب الصغرى، وأمها فاطمة الزهراء عليها السلام تزوجها عمر بن الخطاب، وقتل قبل مضاجعتها لصغر سنها، فتزوَّجها ابن عمها عون بن جعفر، ثم توفي، وخلف عليها أخوه محمد بن جعفر. قاله أبو محمد النوبختي.

فرواية من روى أن عمر ضاجعها و أولدها زيداً وماتت هي وابنها في ساعة واحدة ضعيفة، وحديث الجنية فيه قوة معنوية، وإن تفرد به الإمامية، وقد صرَّح الدعاء بالغصبية للمقدمات الظاهرية»(371) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إثبات المؤرخين لزواج أم كلثوم من عمر رضي الله عنهما

لم يكن ذكر واقعة زواج عمر رضي الله عنه بأم كلثوم رضي الله عنها مقصورا على الكتب الروائية وكتب الأنساب، بل تعرضت له كتب التاريخ أيضا، قال اليعقوبي (بعد 292 هـ) في تاريخه: «وفي هذه السنة خطب عمر إلى علي بن أبي طالب أم كلثوم بنت علي، و أمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي: إنها صغيرة» فقال: إني لم أرد حيث ذهبت، لكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: كل نسب و سبب ينقطع يوم القيامة إلا سببي و نسبي و صهري، فأردت أن يكون لي سبب و صهر برسول الله صلى الله عليه وسلم، فتزوجها و أمهرها عشرة آلاف دينار»(372) . وقال الطبرسي ( 548 هـ) في إعلام الورى:«وأما أم كلثوم فهي التي تزوجها عمر بن الخطاب. وقال أصحابنا: إنه عليه السلام إنما زوجها منه بعد مدافعة كثيرة وامتناع شديد واعتلال عليه بشيء بعد شيء حتى ألجأته الضرورة إلى أن رد أمرها إلى العباس بن عبد المطلب فزوجها إياه»(373) .

وقال عباس القمي( 1359 هـ) في منتهى الآمال في تواريخ النبي والآل وهو يذكر أبناء علي من فاطمة رضي الله عنهما: «وأما أم كلثوم فحكاية زواجها بعمر مسطورة في الكتب، وكانت بعده تحت عون بن جعفر، ومن بعده زوجة لمحمد بن جعفر»(374) .

والنتيجة التي ننتهي إليها من خلال دراسة نصوص روايات الإمامية

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وتصريحات علمائهم هي أن زواج عمر بأم كلثوم حقيقة تاريخية قطعية اتفقت الروايات الصحيحة على إثباتها، واتفق قدماء نسابي الإمامية على التسليم بها، وأما نفي وقوع هذا الزواج فلا أثر له في رواياتهم، كما أنه لا قائل به من قدماء النسابين، وهو قول حادث لا شاهد له في روايات الإمامية و لا في نصوص علماء الأنساب الذين يرجع إليهم في مثل هذه المسائل، وهذا ما سيتضح في المبحث التالي حين نستعرض مواقف الإمامية من زواج أم كلثوم من عمر واختلافهم فيه.

المبحث الثاني: دراسة تاريخية لتطور آراء الإمامية حول زواج أم كلثوم رضي الله عنها

إن من يدرس آراء علماء الإمامية وأقوالهم عن زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم رضي الله عنها، ليعجب من كثرة الاختلاف بين أقوالهم، وتضادها، وتغيرها و وتبدلها بين فترة وأخرى!.

والسبب الأساسي في هذا الاختلاف هو أنهم بنوا تصوراتهم على امتناع أي صورة من صور المودة والمحبة بين علي رضي الله عنه وبين عمر رضي الله عنه استناداً إلى تأصيلهم لنظرية الإمامة والنص والوصية على علي رضي الله عنه والتي يخالفها سيرة علي رضي الله عنه مع الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم الذين يُزعم أنهم قد استولوا على الحق العلوي في الخلافة والإمامة، فلذلك نرى منهم هذا الاختلاف والتنازع في قضية زواج عمر من أم كلثوم، بين محاولة إنكار هذه المصاهرة، وبين التشكيك فيها وتبريرها أو محاولة التقليل من دلالاتها البينة والواضحة على عدم صحة نظرية الوصية والنص، لذا لا عجب أن ترى بعضهم يثبت مصاهرة عمر وعلي رضي الله عنهما، وبعضهم يردها من غير دليل، وبعضهم يحاول تبريرها لكي توافق مسلماته وآراءه، ثم هؤلاء يختلفون في التبرير، فتارة يزعمون أن هذه المصاهرة وقعت بالإكراه والغصب والوعيد، وتارة يزعمون أن أم كلثوم رضي الله عنها ليست ابنة علي رضي الله عنه بل ربيبته، وتارة يزعمون أنها من الجن، وغيرها من الإجابات

التي حاولوا بها تبرير هذه الواقعة التاريخية.

وفي هذا المطلب نحاول استعراض التطور التاريخي لهذه المواقف المختلفة حتى يتبين للقارئ أصل كل قول من هذه الأقوال.

الدور الأول: القدماء ومحاولة الإجابة عن إشكال زواج أم كلثوم رضي الله عنها بين النفي والإثبات والقول بالإكراه والرضا

موقف أبي القاسم الكوفي (253 هـ)

إن المتقدمين كانوا مضطرين للتسليم بالأخبار التي تدل على هذا الزواج، ولأن إثبات وقوع هذا الزواج يعارض ما يذهبون إليه من الاعتقاد بأن الصحابة أعداء الآل، فقد اضطروا إلى وضع أخبار تنافي هذا الزواج حتى وإن كانت هذه الأخبار تطعن في أعراض أئمة آل البيت رضوان الله عليهم!.وقد كان أبو القاسم الكوفي في كتابه الاستغاثة هو أول من قال بأن هذا الزواج قد وقع بالإجبار والإكراه لعلي رضي الله عنه، ثم استدل برواية الاغتصاب التي مضت، ورواية تهديد عمر رضي الله عنه لعلي والعباس رضي الله عنهما، ثم حاول توظيف رواية توكيل علي للعباس في تزويج أم كلثوم في التدليل على عدم رضا علي بهذه المصاهرة، وحاول أن يخفف من وطأة نسبة ما في هذه الروايات المفتعلة من النقائص إلى علي رضي الله عنه بأنه كان مقيدا بوصية النبي صلى الله عليه وسلم له بالصبر على ما سيتعرض له من ظلم، حتى يبرر الكوفي عدم دفاع علي رضي الله عنه عن عرضه من الاغتصاب المزعوم!، ثم ختم جوابه بمحاولة التبرير بزواج آسية من فرعون، وأن

اغتصاب أعراض أهل البيت أهون من ذهاب الإمامة عنده(375)

وأبو القاسم الكوفي – بحسب ما انتهينا إليه في بحثنا -أول من أسس لنظرية الاغتصاب وشيد أركانها ولا يبعد عندنا أن يكون هو من وضع الروايات والقصص التي تذكر واقعة التهديد ونسبها إلى الآل، ثم بررها بدعوى الوصية بالصبر ووجود نظائر لواقعة زواج أم كلثوم في الأمم السابقة، وسنرى أن نظرية الكوفي هي التي غلبت على أجوبة القدماء، كما سيأتي.

موقف أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي (توفي في القرن الرابع)

كان أبو محمد النوبختي أول من ادعى أن عمر رضي الله عنه لم يدخل بأم كلثوم وتوفي عنها و هي صغيرة، فنقل عنه ابن شهر آشوب أنه قال في كتاب الإمامة: «إن أم كلثوم كانت صغيرة ومات عمر قبل أن يدخل بها»(376) ، والظاهر أن صدور هذا الجواب إنما هو للتملص من آثار هذا الزواج المبارك.

موقف الحسن بن محمد بن الحسن القمي (توفي بعد 378 هـ)

من المواقف التي لم يكتب لها أن تشتهر، موقف الحسن بن محمد القمي صاحب تاريخ قم، إذ أنه تعرض لهذا الزواج أثناء كلامه عن أبناء علي رضي الله عنه، فذهب إلى نفي وقوع هذا الزواج لأن أم كلثوم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كانت صغيرة حين توفي عمر رضي الله عنه، ونسب إلى الفضل بن شاذان النيسابوري 260 هـ) تكذيب القصة وأن الناس قد اشتبه عليهم أم كلثوم بنت جرول الخزاعي بأم كلثوم بنت علي(377) وقد نقل محمد حسنين السابقي ذلك عنه فقال: «و من أقدم أعلامنا من أنكر هذا الزواج أبو محمد(378) فضل بن شاذان بن الخليل الأزدي النيسابوري... نقل عنه حديث إنكار هذا الزواج المؤرخ الثقة الأقدم حسن بن محمد القمي، المتوفى 385 ه في «تاريخ قم ص 193(379) إلا أننا نشك بصحة نسبة هذا القول إلى الفضل بن شاذان 260 هـ)، لأن بين الحسن بن محمد القمي والفضل بن شاذان أكثر من مائة سنة، ولم يذكر الحسن بن محمد القمي مصدره ولا سندا لكلامه، ولو قال الفضل بن شاذان ذلك لنقله عنه القدماء خاصة المفيد الذي يعد أول من أشهر القول بإنكار وقوع الزواج، وبعيد جدا أن يخفى كلام الفضل بن شاذان عن كبار الإمامية و لا يطلع عليه إلا الحسن بن محمد القمي مع كونه مغموراً عند الإمامية حتى أن النجاشي والطوسي لم يذكراه مع قرب عهدهما به، بل إن الحسن بن محمد القمي لا توجد له ترجمة أصلاً، وإنما اجتهد بعض المتأخرين في التعرف على أحواله من خلال كتابه، فمن يكون بهذه المنزلة لا يُركن إلى تفرده، وبهذا يكون الحسن بن

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

محمد القمي أول من أنكر مصاهرة عمر وعلي رضي الله عنهما، وحاول الادعاء أنها لا تعدوا خطأ تاريخيا، لكن موقفه لم يكتب له الاشتهار عند القدماء، بل ظل قولا مهجورا لا قائل به، حتى أحياه بعض المعاصرين كما سيأتي.

موقف المفيد (413 هـ)

يعد المفيد أول من أشهر القول بنفي زواج أم كلثوم من عمر رضي الله عنه، وكل من جاء بعده ممن أنكر وقوع الزواج إنما يعتمد على كلام المفيد(380) ، فذهب في كتابه المسائل السروية إلى تكذيب وقوع الزواج واتهام الزبير بن بكار بافتعاله، ثم حاول أن يجعل الاختلاف المنقول في تفاصيل الزواج مناطا لإنكاره وادعاء عدم وقوعه، ثم بعد التسليم الجدلي بصحة الزواج، أورد جوابين عنه، الأول يتلخص في أن المعاملات تكون على الظاهر، وعمر رضي الله عنه كان على ظاهر الإسلام بزعمه، والثاني التبرير بدعوى الإكراه والتهديد وأن الضرورة أباحت لعلي رضي الله عنه تزويج عمر رضي الله عنه، ثم بعد ذلك حاول أن يجد نظائر لهذا الزواج في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم لابنتيه قبل الإسلام لعتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع، ثم تكلف جوابا ثالثا، وهو أن تزويج المنافقين رخصة خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم بزعمه(381) .

أما في المسائل العكبرية، فلم ينكر وقوع الزواج، بل أقر بوقوعه

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وحاول تبريره بوجوه قريبة مما ذكره في المسائل السروية، فزعم أن التزويج وقع لكون عمر مظهرا للإسلام، ثم حاول التبرير بدعوى اضطرار علي رضي الله عنه لذلك، بحجة أن الضرورات تبيح المحظورات، ثم حاول أن يخفف من وقع هذه المصاهرة بادعاء مشاكلتها لتزويج النبي صلى الله عليه وسلم، وعرض لوط بناته على قومه(382) وقد نقل الشريف المرتضى عن شيخه المفيد أنه لم ينكر وقوع الزواج في الفصول المختارة بل علله بالتقية(383)

وغير خفي استفادة المفيد من كلام أبي القاسم الكوفي في التبرير بالإكراه ومحاولة استدعاء حالات مشابهة في الشرائع السابقة(384) لكنه طور نظرية الكوفي وزاد عليها تبريرات أخرى ثم أضاف إلى ذلك قضية إنكار وقوع الزواج بالكلية، وبالجملة فمجموع أجوبة الإمامية عن زواج أم كلثوم من عمر يرجع إلى تأصيلات المفيد وتقريراته، وكل من جاء بعده لا يخرج في النادر عما قرره المفيد، ولا شك أن القارئ يلاحظ عدم استقرار رأي المفيد على إثبات هذه المصاهرة أو إنكارها، وللأسف لم نتمكن من تعيين تاريخ كتابته للمسائل السروية وللمسائل العكبرية والفصول المختارة، كي نعرف أيها المتأخر، وبالتالي نعرف ما

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

آل إليه رأي المفيد، وعلى كل فالجواب عن اعتراضات المفيد وتفنيدها هو ما تتكفل به هذه الدراسة بإذن الله تعالى.

موقف أبي محمد الحسن بن القاسم بن محمد العويد العلوي (كان حيا سنة 425 هـ)

ظهر في هذا الدور قول جديد محدث ومخترع، وهو أن عليا رضي الله عنه لم يبعث لعمر بنته أم كلثوم، وإنما أرسل إليه شيطانة تمثلت بصورتها!!، وأول من أذاع هذه القصة المفتعلة هو أبو محمد الحسن بن القاسم بن محمد العويد العلوي(385) ، فقد نقل عنه النسابة أبو الحسن العمري أنه كان «يروي أن التي تزوجها عمر شيطانة»(386) ، ثم رد أبو الحسن العمري ذلك القول ونفى صحته، ولاشك أن هذه المقالة من المقالات الغريبة والسخيفة التي لا يسمع لها، ولذلك لم يقبلها الشريف المرتضى تلميذ أبي محمد العلوي، وقرينه في نقابة الطالبيين(387) ورد قوله وبين سقوطه وبطلانه.

موقف المرتضى (436 هـ)

يعد المرتضى من أكثر علماء الإمامية إلماما بقضية زواج أم كلثوم من عمر رضي الله عنهما، وأكثر من تكلم عنها، فقد تناولها في أكثر من كتاب من

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كتبه(388) بل أفرد لها رسالة مستقلة(389) استعرض فيها جميع المواقف السابقة التي ذهب إليها من تقدمه، وقد قام بنقد أقوال من سبقه ممن أنكر وقوع هذا الزواج، ونقض قول من برر وقوع الزواج بأن الفاروق كان يظهر الإسلام ويبطن الكفر والنفاق، ونقض قول من ادعى أن التي تزوجها الفاروق كانت جنية، ثم انتصر لوقوع الزواج تقية تحت التهديد والإكراه!، مخالفا بذلك شيخه المفيد الذي اشتهر عنه إنكار وقوع الزواج، وقرر المرتضى أن هذه الواقعة من الأمور التاريخية المشهورة التي بلغت مبلغ العلم الضرروي(390) ويبدو أن المرتضى لم يرتض ذهاب أبي القاسم الكوفي والمفيد إلى تبرير هذا الزواج بما وقع لبعض الأنبياء والصالحين في الأمم السابقة، فالظاهر أنه تجنب هذا الرأي لظهور ضعفه وبعده عن الصواب.

موقف أبي الصلاح تقي بن نجم الحلبي ( 447 هـ)

وقد تابع أبو الصلاح الحلبي شيخه المرتضى في تقرير وقوع الزواج تقية، إلا أنه خالفه حين قرر أن الفاروق رضي الله عنه كان يُظهر الإسلام

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويبطن الكفر، فقال: «وأما مناكحة عمر، فالتقية المبيحة للإمساك عن النكير لما فعلوه من تقلد أمر الإمامة مبيحة لذلك، لكونه مستصغرا في جنبه، على أن حال عمر في خلافه لا تزيد على حال عبد الله بن أبي السلول وغيره من المنافقين، وقد كانوا يناحكون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لإظهار الشهادتين وانقيادهم للملة، وهذه حال عمر»(391) فيكون أبو الصلاح الحلبي قد جمع بين القول بالإكراه وبين القول بأن عمر رضي الله عنه كان يصح تزويجه لأنه –وحاشاه- بمنزلة المنافقين!!.

موقف الطوسي ( 460 هـ)

استفاد الطوسي من مخالطته لشيخيه المفيد والمرتضى، ونرى آثار هذه المخالطة واضحة في موقفه من زواج أم كلثوم من عمر، حيث حاول الجمع بين قول المفيد وقول المرتضى بالرغم من التناقض الواقع بينهما، فقد رد الطوسي قول من أنكر الزواج، وعلله بالتقية، وهذا مشاكل لموقف المرتضى، لكنه في نفس الوقت قرر أن عمر كان يظهر الإسلام، ولذا جاز لعلي أن يزوجه، وهذا مذهب شيخه المفيد، يقول الطوسي في كتابه الاقتصاد في الاعتقاد عن تزويج علي ابنته أم كلثوم لعمر: «في أصحابنا من أنكر هذا التزويج، وفيهم من أجازه وقال: فعل ذلك لعلمه بأنه يقتل دونها، والصحيح غير ذلك وأنه زوجها منه تقية(392)

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لأنه جرت ممانعة إلى أن لقي عمر العباس وقال له ما هو معروف، فجاء العباس إلى أمير المؤمنين (ع) فقال: ترد أمرها إلي. ففعل فزوجها منه حين ظهر له أن الأمر يؤول إلى الوحشة. وروي عن الصادق (ع) في ذلك ما هو معروف. على أن من أظهر الشهادتين وتمسك بظاهر الإسلام يجوز مناكحته، و ههنا أمور متعلقة في الشرع بإظهار كلمة الاسلام كالمناكحة والموارثة والمدافنة والصلاة على الأموات وغير ذلك من أحكام أخر، فعلى هذا يسقط السؤال»(393) وقال في تمهيد الأصول:«وعمر كان مظهراً للشهادتين، فلذلك جاز تزويجه»(394) ولا يستغرب هذا الموقف الذي يلاحظ فيه محاولة الطوسي التوفيق بين أقوال مشايخه، لأن الطوسي في غالب إنتاجه العقدي لا يخرج عن أقوال المفيد والمرتضى.

موقف النسابة أبي الحسن علي بن محمد العمري (460 هـ)

يشكل موقف النسابة أبي الحسن العمري استثناء من المواقف السائدة عند المتقدمين، إذ أنه ردّ على كل من شكَّك في وقوع هذا الزواج، أو زعم أن زوجة عمر كانت شيطانة و أثبت وقوعه برضا علي رضي الله عنه، وقد مضى كلامه(395) .

والخلاصة أن

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مبتدأ الخلاف كان في هذا الدور الذي ظهرت فيه الأقوال المختلفة والمتناقضة في زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما، ولا أستبعد أن يكون السبب الرئيسي لهذا الخلاف هو كثرة الإشكالات التي تطرأ على أصحاب نظرية القطيعة بسبب هذه المصاهرة المباركة، فمن نفاها منهم يصطدم بالنصوص الكثيرة التي تثبتها، ومن ادعى أنها وقعت بالإكراه يقع في الإزراء بأهل البيت ونسبة الفاحشة إلى عرضهم، وإن أثبتها لزمه الإجابة عن تعارضها مع نظرية النص و القطيعة بين الآل والأصحاب لأنها تناقضها، وإن قال بأن أم كلثوم جنية، عرَّض نفسه للسخرية ووقع في الاعتقاد بالخرافة والأساطير، ولذا فكل من يتبنى قولا معينا في هذه المصاهرة يغفل عن اللوازم التي تترتب عليه، والتي يتنبه إليها غيره فينقض كلامه، وهذا دليل قاطع على أن نظرية القطيعة بين الصحب والآل لا نصيب لها من الصحة، وأن هذه المصاهرة من أظهر الأدلة على بطلانها، كما سيأتي تفصيله.

الدور الثاني: الاستقرار على إثبات وقوع الزواج بين الإكراه والرضا

موقف الطبرسي (548 هـ)

لم يختلف موقف الطبرسي عن موقف جمهور قدماء الإمامية، فقد

تبنى قول من سبقه في دعوى وقوع الزواج عن إكراه، واكتفى بنقل هذا عن القدماء من أصحابهم(396) وقد علق الكاظمي على كلامه قائلا: «وظاهر نسبته إلى الأصحاب الاتفاق والإجماع»(397)

موقف عبد الجليل القزويني الرازي (توفي في حدود سنة 560 هـ)

لما استدل أحد علماء السنة بهذا الزواج دليلا على بطلان دعوى العداوة بين علي والفاروق رضي الله عنهما، واستنكر دعوى الاغتصاب المزعومة، رد عبد الجليل القزويني على هذا العالم، مقرا بوقوع هذا الزواج لكنه وخلافاً لجميع من سبقه، أنكر دعوى الاغتصاب ووقوع الزنا على بنت علي رضي الله عنه، بل إنه صرح بأن هذا الزواج عن طيب خاطر من علي رضي الله عنه، كما أنه أقر بولادة زيد بن عمر ونقل الاتفاق عن أصحابه على ذلك(398) ، وهذا الموقف يلحق بموقف النسابة العمري في كونه موقفا موافقا للصواب، وهذا الموقف أقرب المواقف إلى الاعتدال والإنصاف، ولكن وللأسف فإن أكثر الإمامية أعرضوا عن هذا الموقف ولم يتبنوه، مع أنه الموقف الصحيح الذي يليق بسيرة عمر رضي الله عنه وعلاقته الطيبة بآل البيت .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

موقف الحسن بن علي الطبري (كان حياً سنة 698 هـ)

في القرن السابع نجد تطوراً جديداً في أجوبة علماء الإمامية، فقد حاول الحسن بن علي المعروف بعماد الدين الطبري في القرن السابع أن يجمع كل ما قيل في الجواب عن إشكال تزويج علي ابنته للفاروق، فنراه يجيب بوقوع ذلك على وجه الإكراه، وهو قول المرتضى، ثم يضم إلى ذلك أن الفاروق رضي الله عنه كان على ظاهر الإسلام، لكنه يقرر بعدها أن هذا الزواج شبيه بزواج فرعون بآسية، وعرضِ لوط بناته على قومه، مع أن فرعون وقوم لوط كانوا من الكفار!!. ومعلوم أن هذا الجواب هو من تقرير الكوفي و المفيد، فالحسن بن علي الطبري جمع بين مذهبي المفيد والمرتضى في الجواب عن هذه المسألة، فقال في أسرار الإمامة: «إن قيل: زوّج عليّ ابنته أمّ كلثوم عمر، ولو كان طاغيا لما زوّجه كريمته! الجواب: كان عليّ عليه السلام في ذلك كارها. أوَلم يفعل لوط النبيّ عليه السلام هكذا ببناته مع الكافرين، كما حكى اللّه تعالى عنه بقوله: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾(399) مع أنّ ذلك القوم(400) كانوا ظاهري الكُفر، وعمر كان على ظاهر الإسلام راعياً للأحكام الشّرعيّة بل ذلك التّقدُّم على المستحِقِّ حكم آخر، و الرّسول صلى الله عليه وسلم لم يمنع مناكحة المنافقين و إنّما منع مناكحة المشركين»، ثم ذكر قصة التهديد وتوكيل العباس ورواية الاغتصاب ثم قال: «أليست آسية تحت فرعون الكافر؟ أليس النبيّ صلى الله عليه وسلم زوّج بنته زينب من أبي العاص بن الرّبيع و هو مشرك، ثمّ أسلم بعد ذلك بزمان، والرّسول أمضى العقد الأوّل و لم يجدّد العقد؟»(401) وقال في كتابه كامل البهائي: «وأمّا زواج عمر من أمّ كلثوم بنت أمير المؤمنين فقد كان زواجا بالقهر، و لمّا كان باستطاعتهم أخذ الخلافة منه وهي عطيّة مالك الملك سبحانه فلا عجب من قهره

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

على الزواج بابنته و إن كان كارها لذلك، و شأن أمير المؤمنين شأن لوط النبيّ صلّى اللّه عليه..»(402) ثم ذكر قريباً من كلامه في أسرار الإمامة.

الدور الثالث: علماء القرون المتأخرة والجمع بين رواية الإكراه ورواية الجنية

عند دراسة مواقف المتأخرين من هذا الزواج نجد أن القول المشهور عندهم وقوع الزواج غصبا على آل البيت(403) ، وجملة منهم يحاولون الجمع بين القول بوقوع الزواج بالإكراه، مع دعوى أن عليا قد بدل أم كلثوم الحقيقية بجنية ثم أرسلها إلى عمر رضي الله عنه، وحملوا الروايات التي تثبت الزواج على أنها إنما صدرت من الأئمة من باب مجاراة الناس، أو التقية من العوام! لأن العوام مع اعتقادهم بإمامة الأئمة كانوا لا يتصورون صدور مثل هذه الخوارق عنهم، أو للاتقاء من الغلاة الذين يرفعون الأئمة لمقام فوق مقامهم(404) !!.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولازم الاعتقاد بهذه الرواية هو إثبات وقوع العقد وإن انتفى الدخول، وهذا يبقي الإشكال قائماً في كونه عقداً لكافر على مسلمة– كما زعموا(405) - .

أما القول بنفي وقوع الزواج، فيلاحظ أن أكثر المتأخرين لم يلتفتوا إليه، لأن أكثر بنائهم الفكري كان يعتمد على التراث الروائي، والذي ثبت فيه وقوع الزواج، خلافاً للقول الآخر الذي ينفي الوقوع و الذي لا مستند له في التراث الروائي، ولذلك ترى بعضهم يرد على المفيد في نفيه لثبوت التزويج(406) .

الدور الرابع: المعاصرون وعودة إنكار وقوع الزواج مع إعادة إنتاج نظريات القدماء

في عصرنا الحاضر، تجلى الاختلاف الذي وقع بين المتقدمين في مواقف المعاصرين، حيث تبنى كل منهم الطرح الذي يناسبه، وإن كان الحظ الأوفر هو للقول بإنكار وقوع الزواج، ومن خلال استقراء مصنفات و أقوال الكتاب المعاصرين من الإمامية عن زواج أم كلثوم من عمر رضي الله عنه، وجدنا أنها تنقسم إلى أربعة أقسام، وإليك بيانها:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

القسم الأول: من تبنى عدم وقوع الزواج، و نفاه بالكلية تبعا للشيخ المفيد وهم أكثر المعاصرين(407) وقد سلكوا مسالك جديدة في

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مناقشتهم لهذه الواقعة، فمنهم من أنكر وجود أم كلثوم رأسا، وادعى أنه ليس لفاطمة إلا بنت وحيدة هي زينب، ومنهم من أنكر كون أم كلثوم بنتا لفاطمة رضي الله عنها، فتارة يقولون إنها بنت علي رضي الله عنه من أم ولد، وتارة يقولون إنها ربيبة علي رضي الله عنه، وسلك أنصار هذا الرأي مسلك المفيد في الطعن في الزبير بن بكار واتهامه باختلاق خبر زواج أم كلثوم من عمر، و جعل الاختلاف المنقول في تفاصيل الزواج، سببا أساسيا لإنكار وقوعه، كما أنهم لجؤوا إلى أساليب جديدة في التشكيك في حدوث هذه المصاهرة

القسم الثاني: الذين قبلوا وقوع الزواج مع تبريره بالإكراه، وهؤلاء تابعوا مقالة قدماء الإمامية، في دعوى أن عليا اضطر إلى تزويج بنته أم كلثوم لعمر بعد تعرضه للتهديد من عمر رضي الله عنه، وأنكروا أن يكون الزواج برضا علي رضي الله عنه(408) .

القسم الثالث: من اعتقد برواية الجنية ، التي تدعي أن عليا استبدل أم كلثوم بجنية، ثم أرسلها إلى الفاروق رضي الله عنه(409) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأما القسم الرابع: فسلكوا مسلك المتحيرين والمشكِّكين، لم يقطعوا بوقوع الزواج، و لا بنفي وقوعه، وإنما هدفهم هو جعل القارئ في حيرة من أمره، وإكثار الإشكالات والاعتراضات، في محاولة لتغطية هذه الحقيقة بركام من الأوهام و الافتراءات(410) .

وسنقتصر في كلامنا عن هذه الأقسام على المصنفات الفردية التي ألفها المعاصرون عن هذه المصاهرة.

القسم الأول: من قال بعدم وقوع الزواج، و نفاه بالكلية تبعاً للشيخ المفيد

إفحام الأعداء والخصوم بتكذيب ما افتروه على سيدتنا أم كلثوم، لناصر حسين الموسوي الهندي (1361 هـ)

والظاهر أن هذا أول كتاب ألفه المعاصرون في تزويج علي ابنته لعمر رضي الله عنهما، ومؤلفه هو ناصر حسين الهندي، وقد نفى في كتابه وقوع هذا الزواج، وادعى بطلان روايات أهل السنة سنداً ومتناً، وحكم عليها

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بالتناقض والاختلاف، ثم قام بحشد ما أمكنه من الاعتراضات التي أراد بها استبعاد حصول الزواج.

وقد بدأ كتابه بمقدمة في استبعاد حصول الزواج بناء على رد النبي صلى الله عليه وسلم لخطبة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لفاطمة رضي الله عنه، ثم شرع في تقسيم كتابه إلى فصول، حشد فيها استدلالات غريبة ومنكرة حاول بها النيل من عمر رضي الله عنه بالتعرض لنسبه رضي الله عنه والطعن في كفاءته رضي الله عنه بما ننزه هذا الكتاب عن ذكره، وعقد فصولا لإثبات عدم المناسبة بين الفاروق وبين أم كلثوم في السن، وعدم جواز الجمع بين بنت النبي صلى الله عليه وسلم وبين بنات أعداء الله!، وادعاء أن عمر رضي الله عنه اعتدى على فاطمة وكسر ضلعها، وغيرها من الدعاوى الغريبة التي لا تعلق لها بإثبات هذه المصاهرة أو نفيها، ثم بعد ذلك شرع في رد روايات زواج عمر بأم كلثوم ونصوص العلماء والنسابين، وقد سلك في كتابه هذا مسلكاً غريباً جداً في تضعيف الأخبار وادعاء وقوع الاختلاف بينها، فضلاً عن أسلوب مغرق في السباب والشتائم التي توجه بها إلى الفاروق عمر رضي الله عنه، ثم إلى جماعة من الرواة والمحدثين، ثم ردد شبهاته واعتراضاته في أبواب خصصها للرد على كبار العلماء والنسابين كابن سعد والزبير بن بكار وابن قتيبة وابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر، حتى أنك لا تجد أحدا من العلماء الذين ذكرهم يسلم من غمزه ولمزه، ونحن رأينا ألا نذكر شيئا من سبابه وشتائمه تنزيها لهذا الكتاب عن مثل هذه السفاسف، وصيانة لسمع القارئ من أن يطرقه مثل هذه الكلمات الساقطة والله المستعان.

ولم يذكر ناصر الهندي في كتابه هذا شيئاً من الروايات الموجودة

في مصادر الإمامية، وأغفلها بالكلية! ولو كان الحق مراده، لأورد ما ثبت في مصادره من الروايات الصحيحة التي تناقض ما قرره من عدم وقوع هذا الزواج، ولكن لأن مراده إثبات أن هذه القصة من اختلاق الزبير بن بكار وغيره من الرواة الثقات الذين اتهمهم بالكذب، قام بإخفاء روايات الإمامية حتى لا يقع القارئ في الشك حين يجد أن هذه الروايات لم تتفرد بها كتب الحديث بل هي موجودة أيضا في التراث الروائي الإمامي، ولا شك أن من يسلك مثل هذا الأسلوب لا يريد بيان الحق وإنما يريد الانتصار لهواه.

والحق أن ناصر الهندي يعدُّ أول من كتب بصورة موسعة في نفي قصة زواج أم كلثوم بالفاروق رضي الله عنهما، وهو وإن كان مسبوقاً ببعض علمائه الذين أنكروا بعض التفاصيل(411) لكن كثيراً من الإشكالات التي ذكرها في قضية روايات الزواج لم يسبق إليها(412) وهو في كتابه هذا قد سلك مسلك ومنهج المفيد، بإنكار القضية سنداً ومتناً، ومن خلال دراسة

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المصنفات التي كتبها من جاء بعده، وجدنا أن كل من كتب في هذه القضية إنما اعتمد على ما جاء في كتابه، وسيأتي معنا ردُّ شبهاته في موضعه من كتابنا هذا، بإذن الله تعالى.

كشف البصر عن تزويج أم كلثوم من عمر، لمحمد علي الحلو

قرر فيه المؤلف إنكار وقوع مصاهرة علي وعمر رضي الله عنهما، فبدأ بدراسة القضية في روايات أهل السنة، فضعَّف جميع أسانيدها، وناقش متونها ثم عقد مبحثا لمناقشة مضامين الروايات وادعى بطلانها لوقوع الاختلاف والتناقض فيها، ثم قام بعد ذلك بسرد روايات الإمامية مضعِّفاً أكثرها، وما صححه منها قام بتحريف معناه، لمنع دلالته على وقوع الزواج، ثم ختم الكتاب بموقف أئمة آل البيت من الزواج، واستند إلى رواية الجنية في نفي وقوع الزواج، مدَّعياً أن القصة إنما اخترعت في زمن جعفر الصادق!.

والكتاب في قسمه المتعلق بروايات أهل السنة ليس إلا نسخة مكررة من كتاب ناصر الهندي مع إعادة ترتيب وتهذيب، أما ما أضافه المؤلف من نقد روايات الإمامية، فقد تكلّف فيه تحريف معانيها وصرفها إلى معان بعيدة، فضلاً عما في الكتاب من الأخطاء الفاحشة، إن لم تكن من باب الكذب والتدليس، مثل زعمه جهالة بعض الرواة وهم من الأئمة الثقات، وتناقض منهجيته في دراسة القضية، كاستناده إلى رواية الجنية مع اعترافه بضعف سندها!

وأضاف محمد علي الحلو كثيرا من الاعتراضات على زواج أم كلثوم التي تابعه فيها من جاء بعده من الكُتاب كادعاءه أن زيد بن عمر ليس ابنا لأم كلثوم وإنما ابنا لغيرها، وتشكيكه في رغبة عمر في الارتباط بالنسب النبوي، ومحاولة استغلاله التشابه بين اسمي أم كلثوم بنت جرول وأم كلثوم بنت علي لادعاء أن زيدا إنما هو ابن بنت جرول!، وغيرها من الاستبعادات والتفاصيل التي حاول توظيفها بصورة ملتوية تكون نتيجتها هو إنكار مصاهرة علي و عمر رضي الله عنهما.

هل تزوج عمر بأم كلثوم؟ لخليفة عبيد الكلباني العماني

هذا الكتاب أصله مقالة نشرها خليفة عبيد الكلباني على الشبكة العنكبوتية بتاريخ 18 - 07 - 2004 م، ثم طبع سنة 2007 م، وهو منسوج على طريقة حوارية، بدأه كاتبه بالتهجم على عمر الفاروق رضي الله عنه، وذكر بعض القصص الموضوعة عليه والتي تزعم وجود العداوة بينه وبين آل البيت، ثم شرع بإنكار وقوع الزواج من خلال نقد الروايات وإظهار الاختلاف الواقع فيها، وبنى كتابه هذا على نفي وجود أم كلثوم بنت علي من فاطمة، ورتَّب على هذه القضية إنكار جميع الوقائع المتعلقة بزواج عمر من أم كلثوم، بل وزعم أن أم كلثوم ليست بنتا لفاطمة وأن فاطمة ليس لها بنت إلا زينب فقط!!.

ومجمل ما في الكتاب هو إعادة طرح للقضية بأسلوب حواري، وأكثر مادته مأخوذة من كتاب كشف البصر والكتاب ساقط من الناحية العلمية، فضلاً عن امتلاء الكتاب بالأخطاء سواء منها التاريخية و

اللغوية بل والإملائية، وسأكتفي بالإشارة إلى بعض المواطن، ليظهر بجلاء عدم أهلية الكاتب للكتابة في مثل هذه القضية المهمة:

-قال المؤلف في قضية الاختلاف في تاريخ وفاة زيد بن عمر:«ومنهم من قال في معركة وهي حنين، وغريبة(413) أن معركة حنين قبل ولادة أم كلثوم» ثم نقل قول العصامي(414) :«فأما زيد الأكبر فعاش إلى أن ارتحل، فرمى في حنين بحجر مات به»(415) .

قلت: ظن الكاتب أن العصامي أراد غزوة حنين، وغفل عن أن المراد به موضع يقال له حنين!.

-وقال أيضا:«وقال ابن قتيبة في المعارف: أخبرنا أبو العز بن كادش إذنا أنا أبو محمد بن الحسين أنا أبو الفرج المعافى بن زكريا القاضي نا محمد بن القاسم الأنباري أخبرني أبي عن أبي الفضل العباس بن ميمون: وفاطمة وزيداً، وأمهما أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب»(416) .

قلت: هذا التخليط العجيب الذي جعل فيه المؤلف ابن قتيبة المتوفى سنة 276 هـ) يحدث عن شيخ ابن عساكر المتوفى سنة 571 هـ) بسند فيه المعافى بن زكريا القاضي المتوفى في القرن الرابع،

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ناشئ من عدم الأهلية، فضلا عن أن الكاتب لم يكلف نفسه مراجعة ما كتبه، وإلا لانتبه إلى أنه خلط بين نص أوله من تاريخ دمشق وآخره من معارف ابن قتيبة!!.

والحق أن الكتاب لا ينبغي أن يعرج عليه و لا أن يلتفت إليه، لكن الإشارة إليه إنما كانت لغرض استيفاء مصنفات المعاصرين في زواج أم كلثوم من عمر.

أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عليه السلام حقيقة أم وهم لعلي صالح رسن المحمداوي

أصل هذه الكتاب بحث منشور بمجلة كلية الآداب بجامعة البصرة، قبل أربع سنوات، ومؤلفه هو الدكتور علي صالح رسن المحمداوي، وهو بحث مطول عن حياة أم كلثوم وزواجها بعمر الفاروق، وقد نهج في هذا البحث نهجا مختلفا عن بقية من كتب في هذه المسألة، إذ أنه استعرض ترجمة أم كلثوم بصورة موسعة، من ولادتها وحتى وفاتها، وتعرض لأخبار زواجها، وقد سلك منهجا غريبا في هذا البحث يقوم على تكذيب جميع الروايات الواردة في سيرة أم كلثوم بناء على أمرين أساسين:

-الأمر الأول: تضعيف أغلب أسانيد الروايات التي ذكرت قصة أم كلثوم وردها من جهة السند، بناء على الاستناد إلى فهمه الخاطئ لنصوص الجرح والتعديل، وفي كثير من الأحيان يستند إلى أحكامه الشخصية على الرواة مع ما فيها من القصور أو المغالطة المتعمدة(417) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأمر الثاني: الحكم ببطلان مضمون الرواية، ويسلك في ذلك مسالك لا تمت إلى المنهج العلمي بأي صلة، كأن يطرح اعتراضات لا محل لها، أو يدعي التناقض في الروايات، أو يشكك في مضامينها، وفي كثير من الأحيان يُحَمِّل الرواية ما لا تحتمله ويشوه مضمونها كي يتمكن من ردها و إقناع القارئ بعدم قبولها.

ثم إنه نهج منهجا غريبا، قائما على رد كثير من الروايات بناء على حكم مسبق وهو أن أم كلثوم شخصية خيالية، وعليه فجل الروايات المتعلقة بحياتها مع الفاروق وسيرتها بعده هي روايات مختلقة وغير صحيحة،ولا شك أن هذا تحكم وتعسف في الطرح، وإليك نماذج من مقولاته الغريبة التي سنذكرها من غير تعليق لأن بطلانها أظهر من أن نحتاج إلى بيانه:

1 -حكمه على كثير من الروايات بالبطلان بناء على تقريره أن أم كلثوم شخصية وهمية:

-وقال بعد أن نقل روايات تنص على حضورها في كربلاء: «وهذه الروايات التي عثرنا عليها جملة لا يمكن الاطمئنان إلى صحتها، لانفراد ابن طاووس فيها، ولعدم وجود أم كلثوم أصلاً»(418) .

-وقال بعد أن حكم ببطلان قصة أبي صالح الحنفي مع أم كلثوم والحسن والحسين: «وأكثر ما يفند ما عرضناه أن أم كلثوم شخصية وهمية غير موجودة»(419) !!

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

-وقال بعد نقل كلام السمعاني: «نقول: إنها غير موجودة أصلا فمتى تزوجت من عمر»(420) .

2 -حكمه ببطلان بعض الوقائع والروايات بناء على اعتراضات واهية أو أدلة غريبة:

-قال بعد أن ذكر عدم وجود رواية تنص على تاريخ وفاة أم كلثوم: «ومن ثم تكون شخصية أم كلثوم وهمية غير موجودة»(421) .

-واعترض على إسناد رواية شفاعة أم كلثوم لابن زوجها عبد الله بن عمر بأن رجال الإسناد كلهم من الَموَالِي(422) !!.

-و جعل عدم معرفة موضع قبر أم كلثوم وابنها زيد دليلا على عدم وجودهما فقال: «فأم كلثوم بنت أمير المؤمنين وزيد ابن الخليفة عمر بن الخطاب، إن صح ذلك، فأين قبورهما؟ وهذه أحد عوامل بطلان وجود أم كلثوم وتدل على أنها وهم وليس حقيقة»(423) .

وختم بحثه بقوله: «وأخيرا ثبت أن أم كلثوم وهم وليس حقيقة»(424) وتمكن بذلك من إنكار زواجها بعمر رضي الله عنه، فقال: «زواجها من الخليفة عمر فلم ولن يحصل ذلك إطلاقا وإنما هو افتراء باطل على الخليفة

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعليها وقد تمت مناقشة كل الروايات وجرح أسانيدها فلم نجد رواية واحدة صحيحة بهذا المعنى»(425)

وهذا البحث أضعف ما أُلِّف في قضية أم كلثوم، لضعف المستوى العلمي للمؤلف من جهة جهله باللغة العربية، ومصطلحات الجرح والتعديل ومظان تراجم الرواة، فضلا عن منهجيته الغريبة في نقد أسانيد الروايات والتي لا تمت إلى قواعد الجرح والتعديل بأي صلة، مع سلوكه مسلكا غريبا في نقد متون الروايات، ووقوعه في تناقضات كثيرة في طريقة تناوله للروايات والقضايا التي يناقشها، فتراه يحكم على الرواية بالضعف والبطلان ويرد متنها، ثم في نفس الوقت يحتكم إليها ويقرر ما دلت عليه، خاصة إن وافق ذلك هوى في نفسه(426) ، ويكفي أن النتيجة التي قررها وهي أن أم كلثوم شخصية وهمية وأن هذا الزواج لم يقع تخالف ما أجمع عليه أهل العلم لمدة أربعة عشر قرنا من إثبات وجود أم كلثوم بنت علي وفاطمة رضي الله عنهما(427) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

القسم الثاني: الذين قبلوا وقوع الزواج مع تبريره بالإكراه

- ظلامة أم كلثوم، لجعفر مرتضى العاملي

يعد هذا الكتاب أول كتاب يؤلفه المعاصرون في الإقرار بتزويج علي ابنته أم كلثوم لعمر رضي الله عنه، مع تبريره بالإكراه، وقد قسم المؤلف كتابه إلى قسمين جعل القسم الأول خاصاً بأحاديث الزواج بين القبول والرد، وتكلَّم على التناقضات المزعومة في الروايات، ثم ذكر أقوال المنكرين لهذا الزواج كالمقرم والمفيد والهندي، ورد على اعتراضاتهم مثبتاً وقوع الزواج مع تعليله بالإكراه.

وجعل القسم الثاني من الكتاب في خمسة فصول، كان الغرض الرئيس منها أن يُظهر أن الزواج لا يثبت أي فضيلة لعمر رضي الله عنه، ولا يعتبر دليلاً على العلاقة الطيبة بينه وبين أهل البيت.

وقد رد جعفر مرتضى على من تقدمه من علماء الإمامية ممن استبعد وقوع هذه المصاهرة، وخلافا لمن سبقه لم يتعرض لتضعيف روايات أهل السنة من جهة السند، واكتفى بردها من جهة المتنّ، وقد لخص رأيه في هذه المسألة بقوله: «لا مانع من أن يكون عمر قد تزوج بأم كلثوم فإن عدداً من الروايات التي تحدثت عن هذا الزواج معتبرة من حيث السند، ومن بينها ما دل على أن هذا التزويج لم يكن عن اختيار ورضا، بل جاء بعد التهديد والوعيد»(428) .

والعجب أنه ضعَّف سند قصة الجنية ولكنه مع ذلك لم يقطع ببطلان

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مضمونها، وذكر هذه الحادثة محتملة الوقوع، وأن لعليٍّ سلطة على الجن كما كان لسليمان.

وتقريرات الكاتب لا تخرج عما ذكره صاحب إفحام الأعداء والخصوم، فالكتاب تكرار لما فيه، مع إعادة ترتيب وبعض الإضافات وقد أجاب الكاتب عن بعض أقوال ناصر الهندي وغيره ممن أنكر وقوع الزواج، ولكن رده عليهم لم يكن إلا لإثبات رأيه في وقوع هذا التزويج بالجبر والإكراه، ورغم أن جعفر مرتضى رد كلام ناصر الهندي ووصف النتائج التي توصل إليها بأنها مجرد استبعادات، إلا أنه وظف النصوص التي حشدها الهندي كي ينكر بعض التفاصيل مثل دخول عمر بأم كلثوم، وولادة زيد ورقية، والتشكيك في الفاروق عمر رضي الله عنه ورغبته في مصاهرة البيت العلوي، كما أنه استدل بتقريرات المفيد في التعليل بقصة لوط مع قومه، وقصة آسية مع فرعون.

رسالة في خبر تزويج أم كلثوم من عمر لعلي الحسيني الميلاني

بدأ المؤلف رسالته هذه بذكر روايات أهل السنة، ثم ضعَّف جميع هذه الروايات بحجج واهية، سالكا مسلك ناصر حسين الهندي في كتابه آنف الذكر، ثم عقد فصلا للنظر في متون الأخبار ودلالاتها، وجعل الاختلاف الوارد في بعض التفاصيل دليلا على التناقض بين الروايات ورتب على ذلك إسقاطها وعدم القبول بها، ثم ذكر ما جاء في كتب الإمامية من روايات تثبت وقوع هذا الزواج، وانتهى به البحث إلى إثبات وقوع هذا الزواج بالإكراه.

وهذا الكتاب يمثل ما انتهى إليه رأي الميلاني في القضية، فقد نشر سابقا بحثا في مجلة تراثنا، بعنوان رسالة في خبر تزويج أم كلثوم من عمر ضمن سلسلة الرسائل العشر في الأحاديث الموضوعة في كتب السنة، وقد نفى فيه وقوع الزواج وجعله من المختلقات، وتلك الرسالة ليست إلا إعادة لكلام ناصر الهندي مع زيادات قليلة، وتوثيق النصوص التي نقلها من المصادر القديمة بالاعتماد على الطبعات الجديدة!!، ولكنه لم يذكر أي رواية من روايات الاثني عشرية. ثم اعترف في كتابه (محاضرات في الاعتقادات) بثبوت روايات الزواج من طرقهم، وبعد ذلك، ألَّف رسالته هذه، مكرِّراً فيها ما ذكره في المقالة المنشورة في مجلة تراثنا، ومضيفاً إليها ما زاده في كتابه (محاضرات في الاعتقادات)، وخلاصة رأيه الذي كان آخر ما انتهى إليه هو إثبات وقوع الزواج مع تبريره بالإكراه، والكتاب لم يقدم شيئا جديدا كما مر فليس فيه إلا إعادة إنتاج كلام ناصر حسين الهندي بالاعتماد على الطرق الجديدة في توثيق النصوص.

القسم الثالث: من اعتقد برواية إبدال أم كلثوم رضي الله عنها بالجنية

إفحام الفحول في شبهة تزويج عمر بأم كلثوم رضي الله عنها، لمحمد جميل حمود العاملي

هذا الكتاب مقسم إلى ثلاثة فصول، الفصل الأول في التعريف بأم كلثوم، تكلَّم فيه عن اسمها، ثم عن سبب رغبة عمر رضي الله عنه بالزواج منها، والفصل الثاني في مناقشة الروايات، حيث رد ثبوت ودلالة جميع

روايات الإمامية على وقوع الزواج! ثم تعرَّض لبعض روايات أهل السنة سالكاً أسلوب من سبقه في ردِّها، وقد رفض كل الأقوال التي نسبت إلى علي رضي الله عنه التقية و الخوف في التزويج!!.

ثم خصَّص الفصل الثالث لمناقشة بعض إشكالات جعفر مرتضى العاملي في كتابه (ظلامة أم كلثوم)، ورد جل أجوبة المفيد التي علَّل بها وقوع الزواج.

وقد أراد بكتابه هذا نفي زواج أم كلثوم من عمر، ونصرة رواية إرسال علي جنية إلى عمر بدل أم كلثوم، واستفاد المؤلف من كتاب ناصر حسين الهندي، وكذلك من كتاب جعفر مرتضى العاملي، وجمع بين منهجيهما في رد الروايات، بالطعن في الزبير بن بكار وبقية روايات أهل السنة من جهة السند كما صنع ناصر حسين الهندي، ورد مضامينها بناء على ادعاء وقوع التناقض والاختلاف بينها كما صنع جعفر مرتضى، وزاد على ذلك بأن رد دلالة متون روايات الإمامية على وقوع التزويج، واتكأ في تقريره ذلك على التعسف في التأويل المتكلف، وضم إلى ذلك الاستدلال بقاعدة: «ما خالف العامة ففيه الرشاد»!!.

القسم الرابع: المشككون الذين لم يقطعوا بوقوع الزواج و لا بنفي وقوعه

زواج أم كلثوم رضي الله عنها، (الزواج اللّغز) لعلي الشهرستاني

طبع الشهرستاني هذا الكتاب مرتين(429) ،وهذا الكتاب يعدُّ محاولة

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لجمع كل ما ورد في المسألة من أقوال مع التوسع في بيان أدلتها بطريقة مفصلة، وقد اقتصر في طبعته الأولى على جمع ما ورد من النصوص والأقوال في مسألة زواج الفاروق من أم كلثوم، فبدأ باستعراض الأقوال الواردة في هذه القضية وجعلها ثمانية أقوال!!، ثم بعد ذلك قسم دراسته للقضية إلى بحث تاريخي، وبحث فقهي، وبحث عقائدي، ثم استدرك في طبعته الجديدة الجانب الاجتماعي وأضافه إلى البحث التاريخي، وزاد في هذا المبحث ترجمة لأم كلثوم. وقد اتبع منهجية جعفر مرتضى العاملي في مناقشة المتون دون النظر للأسانيد، فقال «وقد ركزنا في بحثنا هذا على استنطاق المتون دون البحث في الأسانيد»(430) إلا أنه لم يلتزم بهذا، فتعرض في طبعته الثانية لتضعيف روايات المهر والكلام عن أسانيدها(431) والكتاب يعتمد على كلام من سبقه ممن ألف في هذه القضية، إلا فيما يتعلق باستعراض الأقوال، ومحاولة حشد النصوص الأجنبية للتوسع في بعض المباحث، كما أن الشهرستاني أعاد عرض القضية بتقسيم تاريخي وفقهي وعقديّ، ولم يكن هدفه هو تحقيق القول الصواب في هذه الواقعة، بل قام بإثارة التساؤلات

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والتشكيكات، مدعياً بعد ذلك أن الأمر يحتاج إلى دراسة موسعة!، وما يؤكد عدم صدق الشهرستاني في بحثه، هو أنه زاد في الطبعة الثانية قرابة مائتي صفحة، ومع ذلك حافظ على تقريراته النهائية القائمة على مماطلة القراء وادعاء أن الحكم النهائي بحاجة إلى دراسة معمقة، فقد قال في الطبعة الأولى من كتابه والمؤرخة بسنة 1425 هـ: «إنّ أغلب الأقوال المطروحة تحتاج إلى بحث ودراسة، وهذا هو الذي دعانا إلى أن نتريّث في إعطاء نظرنا النهائي في هذا الموضوع، مكتفين بالتعليق على أشد الأقوال وأشهرها على مواقع الانترنيت»(432) إلى أن قال: سائلين المولى سبحانه أن يوفّقنا لتقديم دراسة موسّعة عن هذا الموضوع، تُرفع فيها كلّ الاشكالات المطروحة في هذه القضيّة، على أمل اللقاء مع القرّاء في وقت آخر إن شاء الله تعالى»(433) ثم بعد عشر سنوات، طبع طبعته الجديدة مع إضافة قرابة 200 صفحة، وقال في آخرها: «لا يمكننا البت في الأمر الآن، والقبول بتلك الأخبار على علاتها»(434) ويقول أيضا:«إنها تناقضات موجودة في التاريخ والشريعة يجب حلها، تاركين ذلك لحينه ووقته»(435) وهذا دليل على أن هدفه ليس هو الوصول إلى الحقيقة، وإلا فهو ينشط في إضافة عشرات الصفحات ومراجعة عشرات المصادر، لكنه لا يراوح مكانه فيما يخص النتيجة النهائية لأنه يعلم ما يترتب على تقرير ثبوت الزواج من إشكالات

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قوية على من يدعي تأزم العلاقة بين الفاروق وآل البيت، مع أنه حاول بكل جهده التقليل من آثار وقوع الزواج والتشكيك في الفاروق عمر والطعن في عدالته ودينه، وجهِد في تشويه صورة علاقته بأهل البيت(436) كما أنه لا يستطيع أن يجاهر بنفي وقوع الزواج، لأنه يعلم ضعف هذا القول وبعده عن الصواب، وإن لمَّح في خاتمة بحثه على استحياء إلى ميله لنفي وقوع الزواج، فقال:«إن اختلاف النصوص والمدعيات تدعونا إلى ضرورة بحث ودراسة مثل هذه الأمور، بل تشككنا في صحتها، وتجعلنا نميل إلى عدم ثبوت أمر الزواج من عمر»(437) ومع أن الشهرستاني حاول أن لا يجاهر برأيه الصريح في إنكار وقوع الزواج إلا أن قلمه زل به في أحد المواضع فادعى أن الزواج مختلق حين قال: بخلاف ما يريد أن يصوره دعاة الزواج المفتعل من الزنادقة والملحدين وأعداء الدين..»(438)

وفي ختام هذا العرض التاريخي لآراء الإمامية في زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم رضي الله عنها، يتبين لنا التناقض الكبير بين علمائهم، بين من يثبت

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقوع الزواج ومن ينفيه، وبين من يرى وقوعه برضا من علي، وبين من ينسب إلى علي أنه أُجبر وأُكره على تزويج ابنته لعمر، وبين من يصرح بأن أم كلثوم كانت ابنتة لعلي وفاطمة، وبين من ينكر بنوتها لفاطمة تارة وتارة ينكرون بنوتها لعلي، فضلا عمن اخترع أقوالا جديدة وادعى أن أم كلثوم ليست إلا خيالا لا حقيقة له!!، وكل هذا التناقض والتنازع والاختلاف القائم حول هذه المصاهرة، ومحاولة تغطيتها وإخفاء معالمها ودلالاتها، دليل قاطع على أن هذه المصاهرة المباركة تدل على براءة علي رضي الله عنه مما ينسب له من عداوة الفاروق، وبراءة الفاروق مما ينسبه إليه الإخباريون من معاداة أهل البيت رضي الله عنهم، كما أن المنصف لا يمكنه إلا أن يقر بأن نظرية النص لا يمكن أن تكون نظرية صحيحة فضلا عن أن تكون منزلة من السماء، إذ لا يتصور عند العقلاء أن تكون هناك عقيدة ربانية سماوية ثم يكون أكبر إشكال عليها زواج رجل من امرأة.

المبحث الثالث: مناقشة آراء المنكرين والمشككين في زواج عمر بأم كلثوم رضي الله عنهما

الرد المجمل على المنكرين لواقعة زواج أم كلثوم من عمر رضي الله عنه

سبق معنا أن أول من أشهر القول بإنكار هذه الحادثة من القدماء هو المفيد، حيث يقول «إن الخبر الوارد بتزويج أمير المؤمنين عليه السلام ابنته من عمر غير ثابت»(439) .

ومضى أيضا أن الحسن بن محمد القمي أنكر وقوع هذا الزواج ونسب إلى الفضل بن شاذان أنه أنكره أيضا، وقد مر رد ذلك ونقدُه، والذي اشتهر بين الإمامية هو قول المفيد دون سواه، وقد استند المفيد ومن جاء بعده إلى حجج واهية لا تثبت أمام النقد العلمي، وسنناقش بإذن الله أدلته بالتفصيل، لكن قبل ذلك سنقدم جوابا مجملا جامعا، وهو يقع في وجوه:

الوجه الأول: الروايات الصحيحة التي تثبت وقوع الزواج

قد مضى في المباحث السابقة استعراض الروايات التي أثبتت وقوع هذا الزواج من كتب أهل السنة، وكذا من كتب الإمامية، وثلاث روايات من روايات الإمامية معتبرة وصحيحة عندهم، وأما مجموع

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الروايات فقد بلغت حد التواتر عند بعضهم، وحد الشهرة والاستفاضة عند البعض الآخر، يقول التستري مصرحا بتواتر روايات هذا الزواج: «أخبارنا به متواترة في نكاحها وعدتها، فضلاً عن أخبار العامة، واتفاق السير»(440) ويقول الكاظمي: «والمشهور من الأصحاب والأخبار أنه تزوجها عمر بن الخطاب غصبا كما أصر السيد المرتضى رحمه الله وصمم عليه في رسالة عملها في هذه المسألة، وهو الأصح للاستفاضة»(441)

وقال جعفر مرتضى العاملي عن روايات زواج عمر بأم كلثوم: «مستفيضة بلا ريب»(442) ، فإذا ثبت هذا يظهر بطلان تشكيك المشككين في صحة روايات زواج عمر من أم كلثوم.

الوجه الثاني: شذوذ القول بإنكار وقوع الزواج

ففي مقابل تفرد المفيد ومحمد بن الحسن القمي في القرن الخامس بإنكار وقوع الزواج، أثبته أكابر علماء الإمامية وعلى رأسهم تلميذا المفيد: المرتضى والطوسي، فضلاً عمن سبق المفيد في الإقرار بهذه القضية من علمائهم كالكلبي النسابة، وأبي القاسم الكوفي النسابة، وأبي جعفر الكليني، فضلاً عمن جاء بعده من علماء الإمامية، كأبي الصلاح الحلبي، والطبرسي وعبد الجليل الرازي القزويني، وغيرهم وبذلك يكون تفردُ القائلين بنفي وقوع هذا الزواج قولا شاذا لم يوافق عليه أغلب كبار علماء الإمامية.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الوجه الثالث: الوجه الثالث: ردود علماء الإمامية على المفيد ومن تابعه في إنكاره لمصاهرة علي وعمر رضي الله عنهما

لم يوافق جماعة من علماء الإمامية المفيد في نفيه لهذا الزواج، ولذلك انتقدوا قوله وفندوه وردوه، ومنهم من رد على قول المفيد دون تسميته، ومنهم من رد على المفيد بصورة مباشرة، وإليك أقوالهم:

يقول المرتضى :«فأما من جحد من غَفَلةِ أصحابنا وقوع هذا العقد ونَقْلَ هذا البيت، وأنها ولدت أولاداً من عمر معلوم مشهور، ولا يجوز أن يدفعه إلا جاهل أو معاند، وما الحاجة بنا إلى دفع الضرورات والمشاهدات في أمر له مخرج من الدين»(443) .

ويقول أيضاً: «ومن حملته نفسه من أصحابنا على إنكار هذه المصاهرة، كمن حمل نفسه على إنكار كون رقية وزينب بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في دفع الضرورة، والإشمات بنفسه أعداءه، والتطريق عليه لمن لا يعلم حقائق الأمور، وأنه في كل مذاهبه واعتقاداته على مثل هذه الحالة التي لا يخفى على العقلاء ضرورة سفه مرتكبها»(444) .

ويقول الطوسي : «في أصحابنا من أنكر هذا التزويج، وفيهم من أجازه وقال: فعلَ ذلك لعلمه بأنه يُقتل دونها، والصحيح غير ذلك وأنه زوجها منه تقية»(445) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويقول المجلسي ( 1111 هـ): «وكذا إنكار المفيد أصل الواقعة إنما هو لبيان أنه لم يثبت ذلك من طرقهم، وإلا فبعد ورود تلك الأخبار وما سيأتي بأسانيد أن عليّاً عليه السلام لما توفي عمرُ أتى أم كلثوم فانطلق بها إلى بيته، وغير ذلك مما أوردته في كتاب بحار الأنوار، إنكار ذلك عجيب»(446) .

ويقول سليمان الماحوزي 1121 هـ) «وأنكر الحسن بن علي بن الحسن الأطروش المعروف بالناصر لدين الله...في بعض مصنفاته تزويج أم كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام من عمر...ووافقه شيخنا المتقدم أبو عبد الله المفيد في المسائل السروية في الإنكار لذلك، وفيه بُعدٌ ظاهر وأخبارنا تأباه حق الإباء، اللهم إلا أن يُحمل على التقية في الرواية، وهو غير ممكن في بعضها كروايتي زرارة وعبد الله بن سنان، وقد بسطنا الكلام في ذلك في رسالتنا المعمولة في ذلك»(447) .وفي نسبة هذا الرأي إلى العالم الزيدي الحسن بن علي الأطروش الملقب بالناصر للحق 304 هـ) نظرٌ، وقد وقفت على نص منسوب إليه في حواشي بعض النسخ الخطية يصرح فيه بأن المرأة التي تزوّجها عمر رضي الله عنه ليست أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما وإنما هي أم كلثوم أخرى، وأن الناس قد اشتبه عليهم الأمر، فظنّوها بنت علي رضي الله عنهما، وليست كذلك(448) فإن

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

صحّ صدور هذا عنه، فيكون هو أول من قال به منهم، قبل أن يقول به بعض المتأخرين، ولكن ذلك لم يثبت عنه حتى الآن والله أعلم(449)

وممن فند قول المفيد، عبد الله بن صالح السماهيجي البحراني ( 1135 هـ) حيث قال : «وأما إنكار الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المفيد لأصل التزويج بعد ورود الأحاديث الصحيحة في أصولنا المعتبرة؛ فلا وجه له إلا الاستبعاد ومقابلة النص بالاجتهاد، وهو خروج عن جادة الانصاف والسداد، مع أنها قضية مشهورة خرجت عن وصمة الآحاد»(450) .

ويقول محمد الحسيني الطهراني: «إنّ زواج‌ عمر بن‌ الخطّاب‌ بأُمّ كلثوم‌ بنت‌ الصدِّيقة‌ الكبرى‌ سلام ‌الله‌ علیها من‌ الحوادث‌ التأريخيّة‌ المسلَّم‌ بها. فلماذا يريد بعض‌ الشيعة‌ أن‌ ينكر ذلك‌ في‌ بعض‌ الكتب‌؟!»(451) .

ويقول صائب عبد الحميد معقِّباً على كلام المفيد:«ولكن ورد في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام من طريقين، أحدهما موثق والآخر صحيح الإسناد، أنه عليه السلام سئل عن المرأة المتوفى عنها زوجها أتعتد في

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بيتها، أو حيث شاءت؟ فقال: بل حيث شاءت، إن عليّاً عليه السلام لما توفى عمر، أتى أم كلثوم فانطلق بها إلى بيته»(452)

ويقول محمد آصف محسني : «إن إنكار شيخنا المفيد من صحة(453) الخبر كأنه غفلة عن الروايات الثلاث المشار إليها»(454) .

ويقول علي آل محسن بعد أن نقل كلام المفيد:«أقول: بعد ورود النصوص الصحيحة الدالة على وقوع هذا الزواج، لا مناص من التسليم بوقوعه تبعاً لصريح النصوص»(455) .

وقد حاول يوسف البحراني أن يدافع عن المفيد ويبرر إنكاره بأنه مستند إلى رواية منقولة، فنقل رواية الجنية بسند منسوب إلى المفيد، وادعى أنها مستند المفيد في إنكار الزواج(456) ثم نقل كلام سليمان الماحوزي و عبد الله بن صالح البحراني ثم أجاب قائلاً: «وبذلك تبين لك ما في كلام شيخنا المحدث الصالح وتشنيعه على الشيخ المفيد، حيث أنه لم يقف على الخبر المذكور، فبسط لسان قلمه بالتشنيع عليه، وهو من مثله غير سديد»(457) واعتذار البحراني ليس في محله، لأن الرواية التي نقلها البحراني عن المجلسي لا زمام لها ولا خطام، فقد

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عزاها المجلسي إلى علي بن عبد الحميد النيلي(458) والنيلي بقي حيا إلى أوائل المائة التاسعة(459) ولم يذكر النيلي سنداً متصلا إلى المفيد، والفارق بينهما 500 سنة، فضلا عن أن الرواية إنما اشتهرت في القرن السادس في زمن القطب الراوندي، والمفيد لم يدع الاعتماد على رواية الجنية و لا ذكرها، حين تكلم بتفصيل عن زواج أم كلثوم من عمر رضي الله عنهما، فادعاء اعتماد المفيد على هذه الرواية ادعاء لا أساس له من الصحة، وإنما يراد به التبرير للمفيد، والصواب مع من خطَّأه من علماء الإمامية.

الوجه الرابع: اضطراب المفيد في هذه القضية

فمع إنكاره لهذه الحادثة كما مرّ معنا، نراه في مواطن أخرى من كتبه يقرُّ بوقوعها، ويثبت حصول هذا الزواج بين عمر وأم كلثوم رضي الله عنهما، فقد أقر بوقوع الزواج في المسائل العكبرية ولم ينكره(460) كما أن تلميذه الشريف المرتضى نقل عنه أنه أقر بوقوع هذا الزواج، فقد روى المرتضى أن سائلا سأل المفيد عن سبب تزويج علي رضي الله عنه ابنته لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأجاب المفيد: لإظهاره الشهادتين وإقراره بفضل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأراد بذلك استصلاحه وكفه عنه، وقد عرض لوط-عليه السلام بناته على قومه وهم كفار ليردهم عن ضلالتهم فقال: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾(461)(462) وعليه،

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فقد وقع التناقض في كلامه ولم يُدْرَ المتأخر من قوليه، الذي استقر عليه رأيه، ولم نجد ما يرجح أحد القولين، لكن الذي اشتهر عنه عند المتأخرين هو نفي وقوع الزواج، وكل من تبنى إنكار مصاهرة عمر وعلي استند إلى كلام المفيد، والغريب أنني لم أقف –في كلام المتأخرين والمعاصرين- على من نقل عن المفيد قوله الآخر في المسائل العكبرية والفصول المختارة، فإما أن يكون رأي المفيد مضطربا فلم يستقر على رأي واحد وإما أن يكون له أكثر من قول في المسألة وهذا يبين أن رأيه غير محكم و لا متين، وأن الاتكال على المفيد في نفي زواج عمر بأم كلثوم غير صحيح.

الرد المفصل على شبهات المنكرين لوقوع الزواج

المغالطة الأولى: دعوى عدم صحة أخبار زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما

تقدم كلام المفيد في الطعن في ثبوت زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم، من جهة النقل، وأشرنا إلى أن من المعاصرين من تبعه على ذلك بالطعن في أسانيد القصة، وفي هذا المبحث سنذكر اعتراضات المعترضين ومغالطاتهم في تضعيف الروايات الصحيحة، ونقوم بردها مستعينين بالله تعالى، فنقول:

الاعتراض الأول: الطعن في صحة الرواية لأن راويها هو الزبير بن بكار

قال المفيد: «إن الخبر الوارد بتزويج أمير المؤمنين عليه السلام ابنته من عمر غير ثابت، وطريقه الزبير بن بكار، ولم يكن موثوقاً به في النقل، وكان متهماً فيما يذكره، وكان يُبغض أمير المؤمنين عليه السلام، وغير مأمون فيما يدعيه على بني هاشم»(463) .

وقال يوسف البحراني: «وظاهر كلام شيخنا المفيد قدس سره، وقوله إنما روى ذلك الزبير بن بكار انحصار دليلهم في هذه الرواية، وحينئذ فلا تعويل على ما اعتمدوه في بداية ولا نهاية»(464) .

وتبع المفيد في هذه المقالة ناصر حسين في إفحام الأعداء والخصوم! فملأ كتابه بطعون كثيرة في دين الزبير بن بكار رحمه الله و في حفظه ونقله وضبطه، ثم ختم قائلاً: «وإذا دريت ذلك أيقنت بأن ما أتى به الزبير بن بكار في خبر تزويج سيدتنا أم كلثوم (ع) من كثير الاختلاف، وشديد الاضطراب، ليس ببعيد عن هذا المستهتر باللهو والكذاب»(465) .

وقال محمد جميل حمود وهو يبرر كلام المفيد في اقتصاره على تضعيف الرواية بالزبير بن بكار مع ورود القصة من طرق أخرى: «لعل قصده رحمه الله من عدم إثبات صحة الخبر هو وجود ابن بكار(466) في طريقه لكونه المؤسس الأول لهذا الإفتراء ثم تفشى في أخبارنا»(467) .

وقال أيضاً: «روى أصحاب التراجم أن الزبير بن بكار لم يكن

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مأموناً من الكذب، بل هو مستعد للحلف عن كذب»(468)

وقال أيضاً: «ولما كان الزبير يكذب في أكثر ما ينقله، كيف يمكن أن نصدقه في واحد من أقوال مقابل تسع وتسعين، لعلمنا القطعي بكذبه في أكثرها»(469) .

وأما الميلاني فلم يكتف بالطعن في الزبير بن بكار، بل نسب ذلك إلى علماء الحديث فقال: «وكان من المنحرفين عن أمير المؤمنين وأهل البيت عليهم السلام، وهو مع ذلك مقدوح عند أهل السُنّة»(470) .

والجواب: أن هذا الكلام فيه قصور غريب، و تحامل عجيب! والحق أنه من ذرِّ الرماد في العيون، ومحاولة التشبث بالواهيات من أجل إنكار الحقائق الواضحات، ولو أردنا الرد على ما جاء في هذا الكلام من الافتراءات والتدليس لما كفتنا صفحات طويلة، ولكن سنكتفي باجتثاث هذه الدعوى من أصلها، والتنبيه على بعض ما في كلام القوم من المغالطات المنكرة، وسنفصل الجواب عنها في وجوه:

الوجه الأول: ثبوت زواج أم كلثوم رضي الله عنها في الروايات والكتب قبل ولادة الزبير بن بكار

قد مضى معنا أن خبر الزواج مثبت بأصله وتفاصيله في كتب الحديث بأسانيد صحيحة، وطرقه كثيرة عند أهل السنة من غير طريق

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الزبير بن بكار، بل إن بعضها مثبت في كتب صنِّفت قبل أن يولد الزبير بن بكار(471) فضلا عن الروايات المنقولة من طرق الإمامية والتي لا ذكر فيها للزبير بن بكار أصلاً! وفضلا عن تنصيص علماء النسب من الإمامية على ذلك كالنسابة أبي الحسن العمري، وكأبي القاسم الكوفي، ومن جاء بعدهم ممن سبق ذكرهم(472) وموافقة يوسف البحراني للمفيد في ادعائه انحصار رواية واقعة الزواج بالزبير بن بكار، دليل على أن البحراني ومن قبله المفيد لا خبرة لهم بكتب الحديث و لا بكتب التاريخ والأنساب التي حفلت برواية أخبار زواج عمر من أم كلثوم من غير طريق الزبير بن بكار، والأغرب من ذلك محاولة محمد جميل حمود تبرير مقالة المفيد بأن الزبير بن بكار هو المؤسس الأول للقصة، فإن الباحث لا ينقضي عجبه من هذا التبرير العجيب مع سهولة مراجعة كتب الحديث والآثار التي حفلت بنقل روايات زواج أم كلثوم من عمر.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الوجه الثاني: اعتماد نسابة الإمامية الحسن بن يحيى على الزبير بن بكار

يقول المفيد: «وإنما نشر الحديث إثبات أبي محمد الحسن بن يحيى صاحب النسب ذلك في كتابه، فظن كثير من الناس أنه حق لرواية رجل علوي له، وهو إنما رواه عن الزبير بن بكار»(473) وفي هذا الكلام دليل على اعتماد النسابة أبي محمد الحسن بن محمد بن يحيى العلوي(474) على كلام الزبير بن بكار في إثبات زواج أم كلثوم من عمر، وفي هذا رد ضمني على المفيد الذي شنع على الزبير بن بكار في هذه المسألة من دون وجه حق، وأما زعم المفيد أن خبر هذا الزواج انتشر بسبب ذكر النسابة الحسن بن يحيى العقيقي له في كتاب النسب فيجاب عنه أن هذا الاعتراض يصح لو كان مدار الخبر على رواية الزبير بن بكار(475) والواقع خلافه لأن خبر زواج الفاروق من أم كلثوم متواتر ومنقول في كتب الأخبار التي صنفت قبل ولادة الزبير وقد تقدم أن جدَّ الحسن بن يحيى النسابة وهو يحيى بن جعفر العبيدلي العقيقي النسَّابة قد أثبته أيضا، بل إن نقْل الحسن بن يحيى لهذا الزواج في كتاب النسب معتمداً على الزبير بن بكار على ما نقله المفيد- دليل على كون أبي محمد النسابة يثق برواية الزبير وإلا لأنكرها وردَّها، وهناك احتمال قوي بأن المفيد قد زعم أن أبا محمد نقل الرواية عن الزبير لتشابه عبارة الزبير بن بكار مع العبارة الموجودة في كتاب النسب، لأن المنقول عن أبي محمد الدنداني النسابة هو روايته لزواج

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أم كلثوم من عمر من طريق جده النسابة يحيى بن جعفر العبيدلي العقيقي، وليس من طريق الزبير بن بكار(476)

وبذلك يتبين أن ادعاء المفيد أن سبب انتشار خبر زواج أم كلثوم هو ذكر النسابة الحسن بن يحيى النسابة له لا وجه له من الصحة.

الوجه الثالث: ردَّ جماعة من علماء الإمامية على المفيد في تضعيفه للرواية

-قال أبو الحسن الشعراني:«والأحسن لمن لا يرى هذا التزويج صحيحاً أن ينكر أصل وقوعه لأنه غير متواتر من طرقنا، ونقله زبير بن بكار، وجميع الروايات في العامة(477) ينتهي إليه على ما قيل...»، ثم استدرك بعدها فقال: «ولكن الحق إن رواية زبير بن بكار مع قرب عهده؛ وكون كتابه في مرأى العارفين بهذه الواقعة ومشهدهم ملحق بالتواتر، لأن تزويج بنت علي عليه السلام لخليفة عصره لم يكن مما يخفى أو يُنسى بعد مائة سنة، ونقل من يدعي العلم والثقة كزبير بن بكار الذي كان قاضي مكة وكان معروفا بعلم الأنساب في عصره وبعده لا بد أن يكون صادقاً، مع أن هذه الواقعة نقلت من رجال آخرين أيضاً؛ على ما في الاستيعاب والإصابة؛ كأبي بشر الدولابي وابن سعد وابن وهب مما يمتنع تواطؤهم على الكذب عادة، وما ورد في أحاديثنا أيضاً مؤيد له»(478) .

وقال جعفر مرتضى العاملي: «إن الرواية مروية عن غير الزبير بن

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بكار عند العامة...ثم هي مروية بطرق صحيحة ومعتبرة عند الخاصة أيضاً كما سيأتي»(479)

الوجه الرابع: توثيق علماء الإمامية للزبير بن بكار

قد وثَّق الزبيرَ بن بكار غيرُ واحد من علماء الإمامية، وشهدوا له بالعلم بالأنساب، خلافا للمفيد ومن وافقه من علماء الإمامية.

قال النديم ( 438 هـ) وهو معاصر للمفيد عن الزبير بن بكار:«إخباري، أحد النسابين وكان شاعراً صدوقاً راوية نبيل القدْر، وولي قضاء مكة»(480) .

بل إن ابن إدريس الحلي ( 598 هـ) رد على قول المفيد إن علياً الأصغر قُتل في الطف، معتمداً على كلام الزبير بن بكار وغيره من النسابين، وجعل الزبير في طليعة من يرجع إليهم من النسابين، فقال:«والأولى الرجوع إلى أهل هذه الصناعة، وهم النسابون، وأصحاب السير والأخبار والتواريخ، مثل الزبير بن بكار، في كتاب أنساب قريش»(481) .

وقال البروجردي 1313 هـ): «الزبير بن بكار، في تاريخ ابن خلكان من أعيان العلماء بمكة، وصنَّف الكتب النافعة منها كتاب أنساب قريش، وعليه اعتماد الناس في معرفة نسبهم، وهو قاض فيها،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

توفي سنة ست وخمسين ومائتين، عمّر أربع وثمانون سنة(482)(483)

وأثنى عليه النسابة المرعشي وأطراه جداً فقال عنه: «العالم المحدث الفقيه النسابة القاضي بمكة والمدينة المنورة كما يستفاد من كتب السير والتاريخ. وكان محيطا بأنساب قبائل العرب وبطون الهاشميين»(484) .

الوجه الخامس: نقض دعوى ضعف الزبير بن بكار عند أهل السنة

لك أن تعجب من دعوى ضعف الزبير بن بكار عند أهل السنة!

فإن من يقرأ كلام ناصر حسين الهندي ومن تبعه لا يتصور إلا أن الزبير بن بكار رجل متهمٌ وضعيفٌ ومطرحٌ، وأن ابن حجر أخطأ حين ردَّ تضعيف السليماني له! ومن التدليس المتعمد، أن ناصر الهندي نقل من التهذيب الجرح الوحيد الذي قيل في الزبير، وهو من السليماني، ولم ينقل النصوص الكثيرة في توثيقه! ليوهم القارئ بعدم وجود موثق له! وهذا خلاف الواقع إذ أن أهل العلم مجمعون على توثيق الزبير بن بكار:

فقد شهد له عمه النسابة مصعب الزبيري بالعلم فقال:«قلَّما فاتني شيء إلا وجدت علمه عنده»، وقال عنه أحمد بن أبي خيثمة: «من أهل العلم»، ووثقه الدارقطني، وقال الخطيب البغدادي عنه:«كان ثقةً

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثبتاً عالماً بالنسب، عارفاً بأخبار المتقدمين ومآثر الماضين»(485) وقال السمعاني مثله(486) وقريب منه كلام أبي القاسم البغوي فيه(487) وقال عنه ابن حبان: «كان عالمًا بالأنساب»(488) وقال ياقوت الحموي: «كان علّامة نسّابة أخبارياً، أعلم الناس قاطبة بأخبار قريش وأنسابها ومآثرها وأشعارها، وعلى كتابه في أنساب قريش الاعتماد في معرفة أنساب القرشيين»(489) وقال ابن خلكان: «عليه اعتماد الناس في معرفة نسب القرشيين»(490) وقال ابن فرحون:«كان الزبير علامةَ قريش في وقته، في الحديث والفقه والأدب والشعر والخبر والنسب»(491)

فأهل العلم مجمعون على توثيقه والاعتماد عليه، ولم يشذ عن كلمتهم إلا السليماني فنسبه إلى الوضع! وقد ردَّ كلامَه المحققون من أهل العلم، لكن الهندي نقل رد الحافظ ابن حجر وحده في ردِّ كلام السليماني، ثم شرع يرد عليه بوجوه ضعيفة، لو أردنا استقصاء الرد عليها لطال البحث مع عدم فائدة ذلك، وسنكتفي بالرد على أهم أدلته التي قد يغتر به من لا علم عنده بمثل هذه الأساليب الملتوية.

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبيان ذلك: أن الحافظ ابن حجر لم يتفرد بالردِّ على السليماني دعواه هذه، بل سبقه غير واحد من أهل العلم، كياقوت الحموي، الذي قال: «ولا يلتفت لقول أحمد بن علي السليماني فيه: إنه منكر الحديث»(492) ، وكذا الحافظ الذهبي، حيث نقل قول السليمان السابق، ثم علّق قائلاً:«كذا قال، ولا يدري ما ينطق به»(493) .

وقال أيضاً: «لا يلتفت إلى قول أحمد بن علي السليماني؛ حيث ذكره في عداد من يضع الحديث، وقال مرة: منكر الحديث»(494) .

وقال سبط بن العجمي مثله، ثم ذكر توثيق أهل العلم له، ثم قال:«ولولا أني شرطت أن أذكر كلَّ من ذُكر أنه وضع أو اتهم به، لما ذكرته، والله أعلم»(495) .

ووافق هؤلاء الحافظ ابن حجر، فقال: «وهذا جرح مردود، ولعله استنكر إكثاره عن الضعفاء مثل محمد بن الحسن بن زبالة، وعمر بن أبي بكر المؤملي، و عامر بن صالح الزبيري وغيرهم، فإن في كتاب النسب عن هؤلاء أشياء كثيرة منكرة»(496) .

ومما ينبغي أن يذكر هنا: أن السليماني ليس من المعتدلين في النقد إن لم يكن من المتشددين في الجرح، فقد قدح في جماعة من

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

العلماء الثقات غير الزبير بن بكار، كأبي القاسم البغوي(497) وابن أبي حاتم الرازي(498) وأبي خليفة الجمحي(499) ومسعر بن كدام(500) بل اتهم الإمام ابن جرير الطبري بالوضع(501) ،ولأجل هذا قال الذهبي عنه: «رأيت للسليماني كتاباً فيه حط على كبار، فلا يسمع منه ما شذ فيه»(502) قلت: وقد شذ السليماني بجرح الزبير بن بكار فلا يؤخذ به.

ثم حاول الهندي أن يعضد كلامه في ثبوت الطعن في الزبير بن بكار، بأن السليماني – وهو الذي تكلّم في الزبير – ثقةً! وأن السمعاني والذهبي قد نصّا على كونه ثقة(503) ، وغفل أو تغافل عن أن وثاقة السليماني لا يلزم منها أن يكون مصيبا في كلِّ ما قاله، فالثقة قد يهم، وقد يخطئ، والذهبي مع توثيقه للسليماني، نصّ على عدم قبول ما شذ فيه من أقوال في حقِّ أهل العلم.

ومن العجائب أن ترى ناصر الهندي يرد كلام الحافظ ابن حجر بدعوى أن السليماني أقدم منه وأجل قدراً!!، كذا قال، وقد أوقعه هذا

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الكلام في التناقض، لأن مصعب بن الزبير، والدارقطني و ابن حبان والبغوي والخطيب البغدادي وأحمد بن أبي خيثمة كلهم أقدم وأجل من السليماني وكلهم أثنوا على الزبير بن بكار، فعلى قاعدة الهندي يسقط قول السليماني!!، وهذا كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾(504)

وستعجب إن رأيت الميلاني يستدل على ضعف الزبير بن بكار بقول ابن أبي حاتم فيه: «رأيته ولم أكتب عنه»(505) فقد دلس في هذا النص وأساء وحرف وزور:

أولاً: العبارة كاملة هي:«كتب عنه أبي بمكة، و رأيته و لم أكتب عنه»(506) .

لكن الميلاني قطَّع أوصال كلام ابن أبي حاتم، إذ أنه لما جعل عدم كتابة عبد الرحمن بن أبي حاتم عن الزبير جرحاً، قام بحذف أول العبارة، لأن فيها أن الإمام أبا حاتم والد عبد الرحمن كتب عن الزبير، وهذا يناقض غرضه في إثبات ضعفه، فهل هذه هي الأمانة العلمية؟.

ثانياً: متى كانت عبارة: «لم أكتب عنه»، من ألفاظ الجرح حتى يُستدل بها على ضعف الزبير؟، فإن قصارى ما يمكن أن تحمل عليه أن ابن أبي حاتم لم يتيسر له الكتابة عمن قال فيه ذلك، ولا ينبغي حمل هذه العبارة على الجرح إلا إذا قُرنت بقرينة تفيد أن ترك الكتابة كان

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بسبب جرح في الراوي. ثم ألا يدري الميلاني أن ابن أبي حاتم صرح بتوثيق كثير من الرواة الذين لم يكتب عنهم، وعلى سبيل التمثيل:

-قال ابن أبي حاتم عن أحمد بن الجهم الكوفي: «أدركته ولم أكتب عنه، سألت أبي رحمه الله عنه فقال هو صدوق»(507) .

- وقال عن أحمد بن حرب الموصلي: «وأدركته ولم أكتب عنه وكان صدوقاً»(508) .

-وقال عن سري بن مهران: «رأيته ولم أكتب عنه وكان صدوقاً»(509) .

ووثق ابن أبي حاتم جماعة ممن قاله عنهم لم أكتب عنه، مثل:الحسن بن ناصح الخلال، وزهير بن محمد، وعبد الله بن الحكم، وعبادة بن زياد، والقاسم بن سلام، ومحمد بن عمرو الغزي وميمون بن العباس. وكذلك أبوه أبو حاتم، فإنه لم يكتب عن جملة من الرواة ومع ذلك وثقهم، مثل: أحمد بن عبد الرحمن أبي الوليد القرشي، وإسماعيل بن نصر وزيد بن المبارك الصنعاني والسندي بن عبدويه. وكذلك أستاذه أبو زرعة، فقد نقل عنه ابن أبي حاتم توثيق جماعة من الرواة الذين لم يكتب عنهم أبو زرعة، مثل: عبد الله بن الجهم وعبيد بن جناد وغيرهم(510) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فعلى ماذا يُحمل كلام الميلاني: هل على الجهل باصطلاحات النقاد، فحملها على غير ما تدل عليها، فيصدق عليه قول من قال: من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب!.

أم نحمله على التدليس و التلبيس على القارئ من أجل الانتصار لرأيه ولو كان ذلك بأسلوب ملتوٍ و مجانب للأمانة العلمية؟.

ويلحق بهذا ما ذكروه من أن الزبير بن بكار كان يبغض عليا وبني عبد المطلب، فما هو إلا من التخرص والافتراء، وتضييع الوقت في رده لا طائل تحته لأن كتب الزبير بن بكار طافحة بالثناء على علي رضي الله عنه وأهل البيت، ولكن إذا علمت أن منشأ طعنهم في الزبير بن بكار هو انتسابه لحواري النبي صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام رضي الله عنه عرفت سبب طعنهم فيه، فقد قال محمد رضا المامقاني في تعليقه على ترجمة الزبير بن بكار في تنقيح المقال:«المترجم و من تناسل عن الزبير بن العوام و زبير بن بكار، عدائهم(511) وسعيهم في إيصال الأذى إلى العلويّين ممّا طفحت به المعاجم التاريخية والسير، و نحيل لهذا السفر في تقييم مثل هؤلاء الرواة، عاملهم اللّه سبحانه بعدله»(512) .

فقد حكم على جميع ذرية الزبير بن العوام بعداوة أهل البيت،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأبين دليل على بطلان هذه الدعوى هي المصاهرات الكثيرة المتواترة التي وقعت بين آل الزبير و آل علي خلال مائة سنة(513)

هذه جملة من تمويهات واعتراضات المنكرين لزواج أم كلثوم في طعنهم للعلامة النسابة الزبير بن بكار، مع أن قصة زواج الفاروق من أم كلثوم ليست متوقفة على كلام الزبير بن بكار كما تقدم بيانه، والقصد من هذا الجواب المطول، بيان منهجهم المتحامل و البعيد عن التحقيق العلمي في إنكار صحة زواج أم كلثوم من عمر بناء على الافتراء على نسابة قريش الزبير بن بكار رحمة الله عليه.

الاعتراض الثاني: محاولة تضعيف أسانيد روايات زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما وإنكار دلالة متونها على وقوع الزواج

المسألة الأولى: تضعيفهم لروايات أهل السنة

سلك جماعة من المعاصرين مسلكا جديدا في إنكار زواج أم كلثوم من عمر، وهو الحكم بالضعف على أسانيد روايات القصة والرد على علماء أهل السنة والجماعة الذين أثبتوها، وسلكوا في ذلك مسالك غريبة وخاطئة، ولا تمت إلى قواعد الجرح والتعديل بأي صلة، ورائدهم في هذا المنهج هو ناصر حسين الهندي في كتابه إفحام

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الفحول، فقد رد على كل ما ثبت من روايات المحدثين الصحيحة و أقوال العلماء في هذه القضية، إما بتضعيف أسانيد الروايات، أو برد كلام العلماء بدعوى الاختلاف والتناقض في تفاصيل القصة أو بدعوى وقوع الاختلاف بين نصوص العلماء في بعض التفاصيل، ولأن ما ذكره من تناقضات مزعومة واختلافات مخترعة قد خصصنا لها مباحث مستقلة، فسنقتصر هنا على الرد على ما ادعاه من ضعف الروايات.

ذكر ناصر حسين ستة روايات لزواج أم كلثوم بعمر في كتب أهل السنة وضعفها كلها، ثم جاء بعده الميلاني، فذكر ما ذكره الهندي، وزاد عليه روايات كثيرة(514) ، حاكماً على جميعها بالضعف، قائلاً بعد ذلك: « قد ذكرنا أهمّ أسانيد الخبر عن أشهر كتب القوم، والأخبار المذكورة بعضها يتعلّق بأصل الخبر - خبر تزويج الإمام عليه السلام ابنته من عمر- وبعضها يتعلّق بزواجها بعد عمر، وبعضها يتعلّق بموتها وابنها من عمر، وإنّه ليتبيّن للناظر في تلك الأسانيد أن لا أصْلَ لأصْلِ الخبر فضلا عن جزئيّاته ومتعلّقاته، بالنظر إلى أُصول أهل السُنّة وقواعدهم في علم الحديث»(515) .

وقال أيضا: «لقد استعرضنا أسانيد خبر تزويج أمير المؤمنين عليه السلام ابنته من عمر بن الخطّاب، والأخبار الأُخرى المتعلِّقة بكريمة أهل

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

البيت الأطهار الأطياب، فلم نجد فيها سنداً يجوز الاحتجاج به والركون إليه»(516)

ثم جاء محمد علي الحلو وذكر اثنتي عشرة رواية من كتب أهل السنة، وحكم عليها كلّها بالضعف قائلاً: «والخلاصة أننا أتينا على جميع ما ورد من أسانيد الروايات الواردة عن أهل السنة، فلم تسلم رواية سندا...إذن، جميع الروايات ساقطة عن الاعتبار سنداً»(517) .

والجواب عن هذه المسألة من وجوه:

أولاً: قد مضى في تخريج أحاديث قصة الزواج، أنه قد صح فيها أحاديث كثيرة، منها ما في صحيح البخاري، والذي جاء فيها التصريح بأن أم كلثوم كانت زوجة عمر رضي الله عنهما، وكذا الصلاة على أم كلثوم وعلى ابنها زيد في يوم واحد،، وقد صحح أهل العلم هذه الأحاديث والآثار وتداولوها في كتبهم الفقهية وبنوا عليها أحكاما كثيرة كما فصلناه فيما سبق، أما أحكام ناصر الهندي ومن تبعه وقلده كالميلاني ومحمد علي الحلو على هذه الروايات بالضعف فلا يلتفت إليها، لأنها بنيت على أسس لا تمت إلى قواعد علم الحديث بأي صلة، فضلا عن الأخطاء والمغالطات الكثيرة التي تضمنها كلامهم، فإذا ضممت هذا إلى التدليس في النقل وبتر النصوص، وتحميلها ما لا تحتمل والاعتماد على مصادر

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لا يعتد بها، تيقنت أن مناقشة كلامهم في تصحيح الروايات من تضييع الأعمار فيما لا فائدة فيه، ويكفي دليلا على سقوط أحكامهم، أنه لا يعرف أحد من نقاد الحديث وأطبائه الذين هم أعلم الناس بتمييز الحديث الصحيح من الضعيف قد وافق المخالفين في دعوى بطلان جميع الروايات المتعلقة بزواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما، ومع ذلك سنمثل بأمثلة يسيرة تبين زيف ما ادعوه:

المثال الأول: المثال الأول: الميلاني ودعوى ضعف كل حديث ليس في الصحيحين

يقول الميلاني عن حديث خطبة عمر رضي الله عنه لأم كلثوم:«إنه حديث أعرض عنه البخاري ومسلم فلم يخرجاه في كتابيهما المعروفين بالصحيحين، وكم من حديث صحيح سنداً لم يأخذوا به في بحوثهم المختلفة، معتذرين بعدم إخراجهما إياه»(518) .

والجواب أن يقال: هذا الكلام يدل على عدم اطلاع الميلاني على شروط صاحبي الصحيحين، فقد اتفقت كلمتهما على أنهما لم يلتزما بإخراج كل الأحاديث الصحيحة، وهذا يعرفه طلبة العلم المبتدئون، ونحن لن نورد هنا كلام علماء أهل السنة، بل سنرد على الميلاني بكلام الإمامية أنفسهم في هذه المسألة، يقول علي الشهرستاني: «إنّ عدم إخراج الشيخين لرواية لا يلزم منه عدم صحتها»(519) وقال محمد باب العلوم: «عدم إخراج الشيخين لهذا الحديث فلا يقدح في

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

صحته، فكم من حديث لم يخرجاه وهو صحيح ويحتج به»(520)

وقال عبد الله حسن الدرويش: «اعترف البخاري أنه ترك أحاديث صحيحة لم يذكرها في كتابه، فليس كلّ صحيح هو مذكور فيه، فما أكثر الأحاديث الصحيحة التي أهملها ولم يذكرها، فهو لم يلتزم بذكر كلّ ما هو صحيح، فإذاً إهماله للأحاديث الصحيحة الأخرى لايستوجب تضعيفها أو إهمالها»(521) ، فإن كان الميلاني يجهل هذه القضية المهمة التي يترتب على الجهل بها القول بعدم صحة كثير من الأحاديث لأن الشيخين لم يخرجاها فتلك مصيبة، وإن كان يعلم بهذا ثم اعترض به على صحة خبر زواج أم كلثوم من عمر فالمصيبة أعظم.

ثم إن الميلاني لم يقتصر على هذا، بل عمّم قاعدته هذه التي يسعى من خلالها لإبطال خبر هذا الزواج، فادعى أن من أسباب عدم صحة هذا الخبر، عدم إخراج بقية أصحاب السنن له. وهذه القاعدة تضاهي قاعدته الأولى في الغرابة، بل تفوقها، لأن القاعدة الأولى كانت متعلِّقة بكتابين اشتُرط فيهما الصحة، أما السنن الأربعة فلم يشترط أصحابها الصحة فيما أخرجوه فيها، ومفهوم ما ادعاه الميلاني أن كلَّ ما في السنن الأربعة صحيحٌ، لأنه بنى على عدم إخراجهم لخبر زواج عمر من أم كلثوم عدم صحته، وهذا القول لم يعتمده أحدٌ من كبار المشتغلين بهذا الفن، ومن ذهب إلى ذلك من العلماء فقوله مرجوح(522) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثم إن هذا الكلام غير مسلم، فإن البخاري والنسائي وأبا داود قد رووا في كتبهم ما يثبت زواج عمر من أم كلثوم، كما مضى، وقد أقر الشهرستاني بذلك عندما نقل عمن سماه بالباحثين، أن «نصوص الزواج لم يروها أصحاب الصحاح الستة إلا البخاري، وأبا داود»(523) ، وربما قد يعتذر الميلاني بأنه قصد رواية الخطبة فقط، ونحن سنجيب حينها بأن حصره الكلام عن رواية الخطبة دون بقية الروايات هو قصور تام في البحث، إذ على الباحث أن يجمع جميع روايات الباب قبل أن يصدر حكمه النهائي، خاصة حين يتعلق الأمر بواقعة تاريخية كثر حولها الأخذ والرد، وصارت محل نقاش وجدال وتشكيك مع أنها أثبت من الشمس في وضح النهار، ولكن هذا الاعتذار ليس في محله، لأن الميلاني لم يقتصر على روايات الخطبة بل ذكر روايات أخرى لا تتعلق بالخطبة.

المثال الثاني: أخطاء ومغالطات المضعفين للراوي الثقة أنس بن عياض الليثي

أول حديث ضعفه ناصر الهندي ومحمد علي الحلو هو حديث أنس بن عياض الليثي عن جعفر الصادق عن الباقر عن عمر.

أما ناصر الهندي فانتقى من ترجمة أنس في تهذيب التهذيب ثلاثة نصوص بعد أن قدم لذلك بقوله: «أنس بن عياض الليثي، مطعون مقدوح»(524) بل تعدى هذا ورماه بالكذب والاختلاق فقال: ولا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يخفى على أهل النقد والاختبار أن هذا السياق المكذوب الواضح سقوطه لأهل الأبصار، اختلاقُ أنس بن عياض الليثي المقدوح عند كبار الأخبار(525)(526)

وأما محمد علي الحلو، فقد ضعّف هذه الرواية بأنس وبالإرسال، فقال: « أورد ابن سعد في طبقاته هذه الرواية مرسلة» ثم ذكر الرواية ثم قال: « والوسائط بين أنس بن عياض وبين جعفر ساقطة»(527) ، ثم قال عن أنس بن عياض: «مهمل لم تتعرض له كتب الرجال بالجرح ولا بالتعديل»(528) .

والرد على هذا التشكيك والمغالطات من وجوه:

الأول: عند النظر فيما استدل به الهندي على ضعف أنس، تعجب من تحريف الكلام بتحميله ما لا يحتمل، وانتقاء النصوص الموافقة لهواه لأجل الانتصار لغرضه، وبيان ذلك:

1 -أن ناصر الهندي لم ينقل ولو نصا فيه توثيق لأنس مع أن المصدر الذي نقل منه وهو التهذيب حافل بنصوص أهل العلم في الثناء على أنس بن عياض الليثي، لكي يوهم القارئ أن المحدثين متفقون على جرحه.

2

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

-ما نقله ناصر الهندي زاعما أنه جرح في أنس، ليس جرحا بوجه من الوجوه، فقول الإمام مالك: «لم أر عند المحدثين غيره ولكنه أحمق يدفع كتبه إلى هؤلاء العراقيين»(529) ليس جرحا لا في عدالته و لا في ضبطه، فالظاهر من العبارة أن الإمام مالك يثني على أنس لكنه يعتب عليه إعطاء كتبه وسماعاته للمحدِّثين العراقيين لنسخها، لأن الإمام مالك كان يشتد على أهل العراق لما انتشر عندهم الوضع في الحديث، والدليل على ذلك أن مالكا قد أثنى على أنس بن عياض فقد قال إسماعيل بن رشيد: «كنا عند مالك في المسجد فأقبل أبو ضمرة فأقبل مالك يثني عليه ويقول فيه الخير وأنه وقد سمع وكتب»(530)

ونحن نسأل كل منصف: لماذا لم ينقل ناصر الهندي هذه العبارة مع أنها تقع قبل النص الذي نقله مباشرة؟.

والمقصود أن الإمام مالك لم يجرح أنس بن عياض الليثي كما زعم الهندي.

وقد تابع ناصر الهندي في تقطيع النصوص وبترها أصحاب الرد الكبير على إلهي ظهير، فنقلوا قول مالك مبتورا هكذا: «لم أر عند المحدثين غيره ولكنه أحمق»، وهذه خيانة في النقل، وتدليس فاحش،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لأن تتمة العبارة تدل على أن مقصود الإمام مالك هو عدم تحري أنس في إعطاء كتبه للعراقين، لكن أصحاب الرد الكبير أرادوا إيهام القارئ بشيء آخر، ولم يجدوا سبيلا لذلك إلا باستعمال هذا الأسلوب البعيد عن الأمانة العلمية.

وأما ما نقله ناصر الهندي من قول مروان عنه: «كانت فيه غفلة الشاميين ووثقه ولكنه كان يعرض كتبه على الناس»(531) . فليس جرحا في الضبط، لأن الغفلة المقصودة هنا قد تُحمل على أن أنسا كان يقوم بمقابلة سماعه على بقية من حضر مجلس السماع من غير أن ينتقي المتقنين منهم، أو أنه يعرض كتبه لكل الناس من غير تثبت كما عابه عليه الإمام مالك، وهذا لا ينهض لإنزال أنس من رتبة الثقة إلى رتبة الضعيف فضلا عن رتبة الوضاع التي أنزله إليها الهندي!.

وأما قول الأشج: «سألت أبا ضمرة عن شيء فقال: كل شيء في هذا البيت عرض يعني أحاديثه»(532) . فهو أيضا ليس من الجرح أصلا، لأن العرْض -وهو أن يقرأ التلميذ على الشيخ من كتابه-، من أوجه التحمل التي اتفق المحدثون على صحتها، قال ابن الصلاح رحمه الله عن صحة التحمل بالعرض: «ولا خلاف أنها رواية صحيحة، إلا ما حكي عن بعض من لا يعتد بخلافه، والله أعلم»(533) .

وأما ما نقله عن الحافظ ابن حجر من قول ابن سعد عن أنس ثقة

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كثير الخطأ، فهو خطأ من الناسخ في الطبعة الهندية من تهذيب التهذيب، وقد وقفت على النص في النسخة الخطية التي كتبها شمس الدين ابن قمر تلميذ الحافظ ابن حجر ونسخها من نسخة ابن حجر وعليها إجازته، وفيها: «ثقة كثير الحديث»(534) وهو المثبت في طبعة الرسالة(535) ،وكذا في أصل تهذيب التهذيب وهو تهذيب الكمال للمزي(536) وهذا ما ورد في الطبقات(537) وهو المصدر الذي نقل عنه المزي، والعجيب أن الطبقات هو مصدر الرواية والهندي قد نقل عن الطبقات، ولم يكلف نفسه مراجعة هذا النص للتحقق منه، فضلا عن أن الحافظ ابن حجر قال في أنس في تقريب التهذيب الذي يلخص فيه أحكامه على الرواة:«ثقة»(538) ولو كان كثير الخطأ لنبه على ذلك كعادته، ثم إن الحافظ حكم على إسناد ورد فيه أنس بالصحة(539) ووثقه صراحة في كتبه

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المخصصة لتخريج الأحاديث(540)

وفوق كل هذا فإن الذهبي لم يورد أنس بن عياض الليثي في ميزان الاعتدال ولا استدركه الحافظ ابن حجر في لسان الميزان، المخصصين لذكر كل من ورد فيه جرح من الرواة ولو كان ثقة، فلو كانت النصوص السابقة تدل على الجرح كما زعم الهندي لما تأخر الذهبي والحافظ في إيراد أنس بن عياض في الميزان واللسان.

هذا ما ساقه ناصر الهندي زاعما أنه قدح في أنس بن عياض الليثي! وقد تبين أن ما استدل به ليس من باب القدح أصلاً.

أما قول محمد علي الحلو إن أنس بن عياض الليثي مهمل، فهو من قبيل ما تغني حكايته عن رده لما تقدم من توثيق جماعة من الأئمة والنقاد له، فضلا عن مناقضته لما زعمه ناصر الهندي من كونه مجروحا، والغريب أن الحلو اعتمد على كتاب ناصر الهندي في جل ما كتبه ومع ذلك خالفه في هذه القضية وزعم أن أنسا مهمل ولم يرد فيه لا جرح و لا تعديل!!.

وقول محمد علي الحلو: «والوسائط بين أنس بن عياض وبين جعفر ساقطة»، من السقطات العجيبة التي تدل على جهل تام بعلم الحديث وطبقات الرواة، إن لم تكن من باب التدليس والاستخفاف

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بعقل القارئ، فأنس بن عياض الليثي مدني مشهور وتلميذ من تلاميذ جعفر الصادق وغيره من محدثي المدينة المعروفين كموسى بن عقبة وهشام بن عروة ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم، وقد صرح بالسماع عن جعفر الصادق(541) ونص الإمام مسلم على سماعه من الصادق، فقال في ترجمته له في كتابه الكنى: «أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي: سمع أبا حازم وربيعة الرأي وجعفر بن محمد»(542)

فكيف إذا علمت:

1 - أن أنسا قد توبع على روايته عن جعفر ولم يتفرد بها عنه حتى يُرمى بالاختلاق والوضع، فقد تابعه: سفيان بن عيينة، ووهيب بن خالد كما تقدم في تخريج الحديث!!

2 -أن أنس بن عياض الليثي قد وثقه كبار النقاد والمحدثين، فقد احتج به البخاري ومسلم، وقال ابن سعد: «ثقة كثير الحديث»، وقال ابن معين: «ثقة»، وقال أبو زرعة والنسائي:«لابأس به»(543) ،وقال عنه علي بن المديني:«كان عندنا ثقة»(544) وقال عنه ابن حبان:«من المتقنين»(545) وقد نص محي الدين المامقاني في تعليقه على تنقيح المقال على توثيق علماء أهل السنة لأنس بن عياض بعد أن

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

استعرض نصوصهم، وعدَّ ما نُقل فيه من جرح شذوذا، فقال: «وثقه جل علماء العامة(546) إلا من شذ منهم»(547) وبهذا تعلم بطلان قول الهندي أن أنسا مقدوح ومجروح عند أهل السنة.

3 -أن أنس بن عياض الليثي قد أجمع علماء رجال الإمامية على توثيقه!، فقال عنه النجاشي والطوسي: «ثقة صحيح الحديث»(548) ، وقال الشاهرودي: «ثقة صحيح الحديث بلا خلاف»(549) ، وقال التستري: «لا كلام في وثاقته»(550) ، وقال المامقاني الابن في تعليقه على تنقيح المقال: «اتفق أصحابنا رفع الله تعالى شأنهم على وثاقة المترجم، من دون غمز فيه...ومن نوادر الرجال الذين اتفقت كلمات الفريقين في توثيقه»(551) ، وعليه فكل من طعن في أنس كالهندي ومن تبعه فهو متحامل عليه، متجن على العلم والحق.

4 -الغريب أن الميلاني يعتمد بالأساس على رسالة الهندي إلا أنه غفل عن أول رواية مسندة ذكرها في كتابه ولم يضعف رجالها، مع أن الهندي قد تكلم عنها وضعفها، وهي رواية أنس بن عياض الليثي عن جعفر الصادق، والرواية صحيحة السند إلى الباقر كما

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مر، ولست أدري كيف أفلتت هذه الرواية من مقصلة الميلاني!!، وغفلة الميلاني عن هذه الرواية توجب سقوط كلامه حين زعم ضعف جميع أسانيد روايات تزويج أم كلثوم، مع العلم أن سندها ينتهي للباقر وهو الذي يروي قصة الزواج.

المثال الثالث: وسنتعرض فيه لنماذج من الأخطاء الفادحة للمعترضين في الجرح والتعديل وقواعد الحديث

أ- نماذج من أخطاء وأغلاط محمد علي الحلو في الجرح والتعديل والاستدلال بأقوال أهل العلم

1 -قال محمد علي الحلو عن السري بن خزيمة: «لم تذكره كتب الرجال بشيء»(552) .

والجواب: بل هو ثقة بالاتفاق، ترجم له ابن حبان والحاكم و الذهبي وابن قطلوبغا ووثقوه(553) .

2 -قال محمد علي الحلو عن معلى بن أسد: «مهمل لا يدرى من هو، لم تتعرض له كتب الرجال بشيء»(554) والجواب أن هذا الكلام لا يخرج عن الكذب الصريح أو الجهل الفاحش، فلو كلف محمد علي الحلو نفسه مراجعة كتاب تهذيب التهذيب، لوجد كلام

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

علماء الجرح والتعديل في توثيق المعلى بن أسد، فالمعلى بن أسد من رجال الشيخين، وقال عنه أبو حاتم:«ثقة»، ما أعلم أني عثرت له على خطأ غير حديث واحد!، ووثقة العجلي، و قال مسلمة بن قاسم: «ثقة»، و قال مسعود بن الحكم السجزي: «ثقة مأمون»(555)

3 -ضعّف محمد علي الحلو رواية نقلها محب الدين الطبري عن ابن اسحاق بدعوى أن محب الدين لم يذكر طريقه إلى عاصم بن عمر بن قتادة، ولا طريقه إلى أبي عمر (وهو ابن عبد البر)!!، ثم قال:«فالرواية الثالثة والرابعة مرسلتين»(556) . والحقيقة أن هذا الكلام لا قيمة له، لأن محب الدين الطبري إنما ينقل روايته عن الكتب كما ذكر في مقدمة ذخائر العقبى(557) ، فضلا عن أن الرواية الأولى قد نقلها الدولابي عن ابن اسحاق بإسناد ثابت كما مضى في تخريج الحديث!، أما الرواية الثانية فهي موجودة في الاستيعاب لابن عبد البر بلا إسناد(558) ، ولكن محمد علي الحلو لم يعرف من هو أبو عمر الذي نقل عنه المحب الطبري، فلذلك وقع في هذا الخطأ الذي يدل على قصور علمي كبير.

ب- نماذج من أخطاء وأغلاط الدكتور علي صالح رسن في الجرح والتعديل والاستدلال بأقوال أهل العلم

1 -قال الدكتور علي صالح رسن عن رواية أوردها أبو الشيخ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأصبهاني: «الملاحظ على الرواية أننا بحثنا عن الحسن بن محمد فلم نعرفه»، وقال أيضا عن أبي زرعة: «لم نجد ما يدل على توثيقه أو تجريحه»(559) قلت: لا ريب في أن هذا الكلام لا يمت إلى التحقيق و لا إلى العلم بأي صلة!، فالحسن بن محمد هو الداركي، فلو كلف الدكتور علي صالح رسن نفسه أن يبحث قليلا في الكتاب، لوجد أن أبا الشيخ روى هذه الرواية في موضع آخر من كتابه، فقال:«حدثنا محمد بن الحسن الداركي»(560) و لم أقف له في الكتاب على رواية عن غير أبي زرعة(561) ،وقد ترجم له أبو الشيخ في نفس الكتاب(562)

وأما أبو زرعة فهو الإمام النقاد المحدث أبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم، أشهرُ من نار على علَم، وترجمته مبسوطة في كتب التراجم والتاريخ وهي حافلة بثناء أهل العلم عليه(563) .

2 نسبَ الدكتور علي صالح رسن إلى ابن قتيبة أنه اتهم الأعمش بالكذب(564) والحق أن هذا افتراء على ابن قتيبة رحمه الله، وإليك

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نص كلامه حتى تعرف جناية الدكتور علي صالح رسن على الأمانة العلمية، يقول ابن قتيبة رحمه بعد أن ذكر اعتراض المعترضين على رواية رهن النبي صلى الله عليه وسلم درعه عند يهودي: «وإنما رهن درعه عند يهودي، لأن اليهود في عصره، كانوا يبيعون الطعام ولم يكن المسلمون يبيعونه، لنهيه عن الاحتكار. فما الذي أنكروه من هذا، حتى أظهروا التعجب منه، وحتى رمى بعض المرقة الأعمش بالكذب من أجله؟!»(565) فابن قتيبة رحمه الله ينقل طعن بعض المارقين في الأعمش وهو يستنكر ذلك، لكن الدكتور علي صالح رسن ينسب إلى ابن قتيبة أنه هو من طعن في الأعمش، ولا شك أن هذا يعد عند العقلاء تدليسا فاحشا و خيانة في النقل، ولكن الظاهر أن قلة خبرة الدكتور علي رسن وبُعده عن هذا العلم هو ما أوقعه في هذه الزلة.

3 -خلَط الدكتور علي صالح رسن بين أبي صالح عبد الرحمن بن قيس الحنفي وأبي صالح ذكوان السمان(566) ، فظن أن المذكور في أحد الأسانيد هو السمان، والصواب أنه أبو صالح الحنفي، كما جاء التصريح به في بعض طرق الرواية(567) .

4 -لم يهتد الدكتور علي صالح رسن لمعرفة الإمام المشهور وكيع بن الجراح(568) الذي روى عنه أصحاب الكتب الستة(569) ومن

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يجهل وكيع بن الجراح الذي لا تكاد تخلو كتب الحديث من رواياته ليس أهلا لأن يصحح ويضعف الأسانيد.

5 قال الدكتور علي صالح رسن عن عطاء الخراساني: «لم أحصل على معلومات وافية بصدده سوى ما ذكره ابنه عثمان روى عنه أحاديث موضوعة، وأنه يرسل عن ابن عباس، وقيل إنه يستحق الترك فإن عامة أحاديثه معلومة(570) وقيل إنه ثقة»(571) أقول: عطاء ثقة صدوق كما قال ابن أبي حاتم، وقد وثقه الدارقطني وابن سعد والإمام أحمد والعجلي(572) وأما قول الدكتور علي صالح إن ابنه عثمان روى عنه أحاديث موضوعة، فهو سوء فهم منه للنص الذي نقله، لأن المتهم برواية الموضوعات هو عثمان بن عطاء، وليس عطاء!، وأما قول الإمام البخاري: فإن عامة أحاديثة معلولة، فقد نقله المناوي في فيض القدير ونص كلامه كاملا: «قال الترمذي في العلل: سألت محمدا يعني البخاري عنه فقال: عطاء الخراساني يستحق أن يترك فإن عامة أحاديثه معلولة اهـ ثم قال بعد سُطَيْراتٍ: عطاء الخراساني ثقة لم أر أحدا تكلم فيه بشيء»(573) فالمناوي نقل كلام البخاري لكنه عقب عليه بكلام الترمذي الذي خالف شيخه البخاري في الحكم على عطاء، لكن

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الدكتور علي صالح اجتزأ من كلام المناوي ما يناسب غرضه فقط، والصحيح أن عطاء ثقة، وأما قول البخاري فيه «عامة أحاديثه مقلوبة»(574) فلو يوافق عليه، فقد تعقبه تلميذه الترمذي كما مر، فقال: «وعطاء الخراساني رجل ثقة روى عنه الثقات من الأئمة مثل مالك ومعمر وغيرهما, ولم أسمع أن أحداً من المتقدمين تكلم فيه بشيء»(575) وقال ابن رجب: «وعطاء الخراساني، بالرغم من أن البخاري جعل عامة أحاديثه مقلوبة ونعته بالضعف، إلا أن بقية العلماء احتجوا بحديثه الخالي من الوهم والخطأ، وروى عنه مسلم وأصحاب السنن الأربعة، (وقد وثقه ابن معين، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه ثقة صدوق، قلت يحتج به، قال: نعم. وقال النسائي: ليس به بأس. وقال الدارقطني: ثقة في نفسه). وتوثيق هذا العدد الغفير له يدفع رأي البخاري فيه، ومع هذا الدفع تبقى لعطاء أوهامه وعلله»(576) قلت وهذا أعدل الأقوال فيه، وليس في رواية عطاء لمهر أم كلثوم أي علة بحمد الله.

واختزال الدكتور علي صالح رسن لترجمة عطاء وقيمته العلمية في سطرين فقط! فيه كثير من التحامل والظلم على هذا المحدث الثقة المشهور.

6 -قال الدكتور علي صالح رسن عن أمُّ سَلِيط الأنصارية: «وقد قام الباحث بمراجعة ترجمة أم سليط فلم يجد لها ذكرا سوى أنها من

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ولم نعرف أمها وأبيها(577) ولا زوجها فهي مجهولة لنا»(578) أقول وهذا الكلام فيه من القصور ما لا ينقضي منه العجب، فلو أنه كلف نفسه أن يراجع طبقات ابن سعد أو الإصابة للحافظ ابن حجر، لوجد كل ما جهله عن أمُّ سَلِيط، فهي«أم قيس»، وأبوها اسمه «عبيد بن زياد» و«أمها أم عبد الله بنت شبل بن الحارث»، وزوجها هو «أبو سَلِيط بن أبي حارثة وهو عَمْرو بن قيس بن مالك»(579)

7 - لم يهتد الدكتور علي رسن لتعيين المراد بأيوب في حديث رواه المحدث عبد الرزاق في مصنفه المعروف(580) ، قلت: من له أُنسٌ بعلم الجرح والتعديل لا يصعب عليه أن يعرف أن المقصود بأيوب في أسانيد عبد الرزاق هو الإمام أيوب السختياني الذي يروي عنه معمر وهذا السند قد تكرر مئات المرات في مصنف عبد الرزاق(581) .

8 -قال الدكتور علي صالح رسن: «رواية ابن أبي شيبة عن أبو(582) بكر عن جرير عن عبد الحميد عن منصور بن الحكم...عند التحقق من سند الرواية لم نعرف من هو أبو بكر الذي نقل عنه ابن أبي شيبة وقد تمت مراجعة تلاميذ جرير بن عبد الحميد لعلنا نعثر على

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

شيء يعرفنا في أبي بكر فلم نوفق»(583) أقول: هذا من أبين الأدلة على أن الدكتور لا يمت إلى علم الحديث بأي صلة، ويجهل أوليات البحث العلمي في الرواة جهلاً تاماً، فأبو بكر الذي جاء في أول السند هو ابن أبي شيبة نفسه، واسمه يسبق كل رواية في المصنف، والقائل حدثنا أبو بكر هو راوي المصنف على عادة القدماء في تصدير كل حديث باسم المؤلِّف، وحتى لو غضضنا الطرف عن هذا، فكيف لم يتنبه الدكتور إلى أن كنية أبي بكر هي لابن أبي شيبة، وكيف لم يتنبه إلى أن جرير بن عبد الحميد من مشايخ ابن أبي شيبة، إلا أن يكون غير مؤهل للكلام في تصحيح الأحاديث وتضعيفها والترجمة للرواة، وقد قيل قديما: من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب، وأمثال هذه الأخطاء التي تدل على أن أحكام الدكتور على صالح رسن على النصوص و الروايات لا قيمة لها في ميزان البحث العلمي كثيرة جدا، وقد تركناها تجنبا للتطويل الممل.

المثال الرابع: خلط ناصر الهندي والميلاني بين عمرو بن دينار الثقة والضعيف

من الأدلة التي تدل على أن نقد ناصر الهندي- ومن سلك مسلكه كعلي الميلاني- لروايات أهل السنة نقد غير سليم وطافح بالأخطاء الفاحشة، ما وقع من الخلط بين عمرو بن دينار المكي الثقة بالاتفاق، وبين عمرو بن دينار البصري الضعيف بالاتفاق، فقد عمد

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الهندي(584) وتبعه الميلاني(585) إلى التلبيس والتدليس حين أبدلا عمرو بن دينار المكي بعمرو بن دينار البصري لكي يضعف بذلك رواية ابن عبر البر في قصة الخطبة(586) ثم ساق ترجمته إيهاماً منهم بأنه هو المراد في السند، مع أن الراوي لهذه الطريق هو عمرو بن دينار المكي الثقة بالاتفاق-، لأن الراوي عن ابن دينار في هذا الإسناد هو سفيان بن عيينة، ومعلوم أن سفيان لا يروى عن ابن دينار البصري، وإنما يروي عن ابن دينار المكي كما جاء في ترجمته(587) وناصر الهندي لا يخفى عليه طريقة التمييز بين الرواة المشتركين، فقد حكم بأن سفيان الذي ذكر في هذا الإسناد هو غير ابن عيينة، مع أن الراوي أطلق اسمه ولم يبين هل هو سفيان الثوري أو ابن عيينة، والهندي رجح أن المقصود هنا هو ابن عيينة، لأنه يروي عن عمرو بن دينار(588) لكن بعد ذلك، وعند رؤيته عدم نسبة عمرو بن دينار إلى مكة، ادعى بأنه البصري الضعيف، ليبني على ذلك عدم صحة هذا الإسناد.

المثال الخامس: طعن ناصر الهندي والميلاني في الأئمة وثقات الرواة بأساليب ملتوية

وبهذه الأساليب نفسها قام كلٌّ من الهندي والميلاني والحلو

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بالطعن في جماعة من الرواة الثقات، والمنهج الذي يتبعونه هو أنهم يسوقون ما قيل في هؤلاء الرواة موهمين أن هذه العبارات تفيد جرح الراوي، وهي ليست من الجرح بشيءٍ، أو ينقلون ما جُرح به بعض هؤلاء الرواة، ويكتمون ما جاء في تعديلهم، أو ما جاء في ردِّ الجرح عنهم، أو ينقلون أن الراوي متهم بالاختلاط في الرواية، مع أن حديثه المذكور هنا كان قبل اختلاطه، وهكذا، ومن هؤلاء الأئمة الثقات:

عبد الله بن وهب المصري، وسفيان بن عيينة، وعامر بن شراحيل الشعبي، وأبو معاوية الضرير، وسليمان بن مهران الأعمش، ووكيع بن الجراح، وعبد الله بن أبي مليكة وزيد بن أسلم، ونافع، ثم جماعة من المحدثين الصدوقين كموسى بن رباح وأخيه علي بن رباح، وأحمد بن عبد الجبار، ويونس بن بكير.

وكلُّ من مارس شيئاً من علم الحديث، علم أن أكثر هؤلاء هم من أئمة الحديث الثقات المتقنين الذين اعتمد عليهم الأئمة والمحدثون، وهم الذين قاموا بحفظ كثير من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ومع كل هذا يتجاسر الهندي والميلاني ومحمد علي الحلو وغيرهم على الطعن بأولئك الجبال.

هذه أمثلة قليلة من تصرفات ناصر الهندي والميلاني ومن تبعه مع الروايات الحديثية، ولو ذهبنا نتتبع كل ما صدر منهم من تدليسات وزلات، لصار حجم الكتاب ضخما، والمقصود أن تضعيفهم لروايات أهل السنة لا وزن له من الناحية العلمية لذلك لا ينبغي أن يضيع الوقت

في التتبع التفصيلي لكلامهم، وإنما يكتفى ببيان مجمل لمنهجهم البعيد عن منهج وقواعد أهل الحديث.

المسألة الثانية: ادعاء عدم دلالة روايات الإمامية على وقوع الزواج

ذهب بعض من كتب في قضية زواج أم كلثوم إلى ردِّ دلالة روايات المتقدمين من الإمامية على ثبوت الزواج، و التشكيك فيها، ولعل أول من سلك هذا المسلك هو القاضي التستري ( 1019 هـ)، حين قال: «إن قلتَ: القول بأن المعقود عليها هي الجنية الشبيهة بأم كلثوم وكذا القول بالتبديل عند التمتع ينافي ما روي سابقا عن الصادق من قوله: إنه أول فرج غصبناه، قلتُ: لعل الصادق عليه السلام قال ذلك جريا على الظاهر الذي بنى عليه الناس»(589) . ثم تبعه المجلسي ( 1111 هـ) حين قال معلِّقا على الروايات التي وردت في باب تزويج أم كلثوم في الكافي: «هذان الخبران لا يدلان على وقوع تزويج أم كلثوم رضي الله عنها...» إلى أن يقول: «فالمعنى غُصبناه ظاهراً وبزعم الناس، إن صحت تلك القصة»(590) .

وقال أيضاً معلقاً على أخبار التزويج: «هذه الأخبار لا ينافي ما مر من قصة الجنية، لأنها قصة مخفية أطلعوا عليها خواصهم...فالمعنى: غصبناه ظاهراً وبزعم الناس، إن صحت تلك القصة»(591) وقريب منه ما

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ذهب إليه محمد علي القاضي الطباطبائي حين قال إن هذه الرواية لا تدل على «حصول الزواج بالفعل، إذ لعله وارد على سبيل التقدير والفرض، أو على سبيل المجاراة لمن يدعي ذلك»(592) وسار محمد علي الحلو على نفس المنوال فقال معلِّقا على رواية توكيل العباس المروية في الكافي: «والرواية قاصرة عن إثبات المدَّعى، وهو إيقاع العقد والنكاح، فجعل الأمر إلى العباس لا يعني أكثر من تفويض أمير المؤمنين الأمر إلى العباس، وهي غير صريحة بإيقاع العقد من قبل العباس»(593)

وممن تبنى هذا المسلك محمد جميل حمود، فقال: «وعلى فرض صحة الخبرين المذكورين فإننا نأوِّلهما بما يتناسب والقرائن القطعية الدالة على عدم وقوع ذاك الزواج، فقول عليه السلام في حسنة زرارة: إن ذلك فرج غصبناه، يأوَّل على الغصب الظاهري لا الواقعي، فالمعنى: غصبناه ظاهراً وبزعم بالناس إن صحت تلك القصة»(594) .

وقال أيضاً: «وبالغض عن ذلك فإن جعل الأمر إلى العباس ليس فيه إشارة إلى مسألة التزويج، إذ أن جعل الأمر إلى العباس أعم من المدعى، وعليه فكيف يمكن الاستدلال بالأعم على الأخص وهو التزويج؟! ومع هذا يمكن أن يكون تسليم الأمر إلى العباس ليرى كيف يصرف الأمر عن عمر»(595) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال أيضا: «وعلى فرض صحة الخبر الدال على أن أمير المؤمنين أرجع ابنته أم كلثوم إلى بيته بعد وفاة عمر فليس واضحا على المدعى بل غاية ما يدل على أن أمير المؤمنين جاء بابنته إلى بيته لما مات عمر، ومجيئها إلى البيت أعم من تواجدها في منزل عمر إذ قد تكون صلوات الله عليها في مكان آخر أخفاها فيه العباس بن عبد المطلب بأمر من أمير المؤمنين»(596) .

وللشهرستاني اضطراب غريب في قضية رواية الاغتصاب فقد أثبتها من غير أي تشكيك فيها في طبعته الأولى لكتابه(597) ، أما في طبعته الثانية فقد لجأ تارة إلى التشكيك في دلالة هذه العبارة على وقوع الاغتصاب المزعوم(598) ،ثم في نفس الموضع ينقض كل هذا الإجابات ويردها، فيقول: «وبنظرنا أن كثيراً من هذه الأقوال هي خلاف الظهور، بل في كلام الإمام ما يشير إلى الإكراه والجبر، وهو لا يدل على أكثر من وقوع العقد»(599) .

لكنك تستغرب حينما تراه في موضع سابق يسوق تفسيراً ركيكاً لرواية الاغتصاب فيقول:«...المروي عن الصادق: ذلك فرج غصبناه، أو عصبناه –أي قبضنا عليه-»(600) وليس لنا تعليق على هذا التفسير الغريب، فإن هذا الكلام تغني حكايته عن

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رده.

والجواب عن هذا التأويل الغريب:أنه تكلف ظاهر، لأن هذه الروايات صريحة في وقوع الزواج، ووقوع العقد، ووقوع الدخول، وقد استفاد منها جماعة من علماء الإمامية وقوع التزويج، بل إن من علماء الإمامية من صرح بامتناع حمل روايتي زرارة وعبد الله بن سنان على التقية:

-قال سليمان الماحوزي البحراني وهو يرد على المفيد إنكاره لثبوت هذا الزواج: «وأخبارنا تأباه حق الإباء، اللهم إلا أن يحمل على التقية في الرواية، وهو غير ممكن في بعضها كروايتي زرارة وعبد الله بن سنان»(601) .

-ونقل عبد الله بن صالح البحراني كلام الماحوزي إلى قوله إلا أن يحمل على التقية في الرواية وعلق عليه قائلا: «أقول: لا يتم له الحمل على التقية، فإنه مُصرّح في الروايات بالاغتصاب»(602) .

-وقال جعفر مرتضى العاملي: «قد زعم بعضهم أن حديث: ذلك فرج غصبناه» لا يدلُّ على حصول الزواج بالفعل، إذ لعله وارد على سبيل التقدير والفرض، أو على سبيل المجاراة لمن يدّعي ذلك. أي إن كان الأمر كما تقولون، فهو إنما كان على سبيل القهر والإكراه والغصب. لكننا نقول: إن ذلك خلاف الظاهر، ولا دليل عليه، فلا مجال للالتزام به إلا إذا ثبت بدليل آخر ما ينافي ويدفع ويبطل حديث

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

«ذلك فرج غصبناه فلا بد في هذه الحالة من التماس التأويل له، أو طرحه، ورد علمه إلى أهله»(603)

-وقال معلِّقا على رواية عبد الله بن سنان في العدة:«قد ادعى بعضهم: أن هذه الروايات- روايات الشيعة- حول أن عليّاً جاء بأم كلثوم بعد موت عمر لتمضي أيام عدتها في بيته- هي الأخرى- لا تدل على وقوع الزواج، إذ أن المراد إثبات الحكم على سبيل الإلزام للطرف الآخر بما يلزم به نفسه، حيث يوجبون أن تعتد المرأة المتوفى عنها زوجها في نفس بيت الزوجية، فرد عليهم الإمام بأنهم هم يروون: أن عليّاً حين توفي عمر أخذ بيد ابنته أم كلثوم، وذهب بها إلى بيته.

ونقول: 1 -لم يظهر من الرواية أن الذي سأل الإمام عليه السلام كان ناظراً إلى إبطال قول هذا المخالف أو ذاك، بل هو يتحدث عن حكم الواقعة في نفسها بغض النظر عن أي شيء آخر. 2 - ليس في كلام الإمام«عليه السلام» ما يشير إلى أنه في مقام الرد على أحد، بل هو قد أورد الكلام على سبيل الإخبار عن واقعة حصلت، يريد«عليه السلام»أن يعلم القارئ بها، فلا معنى للتحدث عن أمور ليس في النص ما يدل عليها، أو يشير إلى ما يبررها»(604) .

وأما قول محمد جميل حمود إن «جعل الأمر إلى العباس أعم من المدعى!، فلا شك أنه تمحل، فالكليني قد أورد رواية توكيل العباس

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

في باب تزويج أم كلثوم، وهذا صريح في أنها من الروايات الدالة على وقوع التزويج، وقد وردت الرواية عند أبي القاسم الكوفي بزيادة ترد هذا التكلف، فقد جاء فيها: «إن هذا العباس عم علي بن أبي طالب وقد جعل إليه أمر ابنته أم كلثوم وقد أمره أن يزوجني منها فزوجه العباس بعد مدة يسيرة»(605) وقريب منه قول المرتضى:«فعاد العباس رضي الله عنه إلى أمير المؤمنين عليه السلام فعاتبه وخوفه وسأله رد أمر المرأة إليه، فقال له: افعل ما شئت، فمضى وعقد عليها»(606)

وبهذا يظهر سقوط تلك الاعتراضات القائمة على التكلف والمكابرة.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المغالطة الثانية: الطعن في ثبوت زواج أم كلثوم من عمر رضي الله عنهما للاختلاف في الروايات

لجأ بعض المنكرين لزواج عمر من أم كلثوم إلى التشكيك والطعن في صحة هذه الواقعة بناء على بعض الاختلافات في بعض تفاصيل الزواج، وجعلوها دليلا على حصول التناقض والاختلاف في القصة، ورتبوا على ذلك إنكارها ونفيها، وقد كان المفيد أول من سلك هذا المسلك في كتابه المسائل السروية، فقال: «الحديث بنفسه مختلف...وبُدوُّ هذا الاختلاف فيه يبطل الحديث، فلا يكون له تأثير على حال»(607) ثم أعاد الكُتّاب المعاصرون إنتاج رأي المفيد(608) ومنهم من توسع في ذكر الاختلافات المنقولة في الروايات، حتى يصوروا للقارئ أن مصاهرة عمر لأم كلثوم لا حقيقة لها، وفي هذا، يقول محمد جميل حمود: «إذن هذا الاضطراب يستلزم نسف القضية من أساسها»(609) يقول الشهرستاني: «إن اختلاف النصوص والمدّعيات تدعونا إلى ضرورة بحث ودراسة مثل هذه الأمور، بل تشكّكنا في صحّتها، وتجعلنا نميل إلى عدم ثبوت الأمر»(610) ويقول أيضاً: «إن قضية زواج عمر من أم كلثوم بنت فاطمة من أولها إلى آخرها تضج بالإشكالات والتناقضات، في كيفية الخطبة والتزويج والولادة ومن هو

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المزوج، وما هو المهر وهل كان برضا أبيها أم عن إجبار، ومن هم أزواج أم كلثوم بنت علي»(611)

يقول جعفر السبحاني: «اضطراب الروايات في جوانب قضية واحدة إلى حدّ يناهز إلى اثني عشر قولاً، يوجب الشك والتردد في صحة الواقعة، إذ لا معنى أن تختلف الأقوال حول حادثة واحدة إلى هذا الحد من الاختلاف. ولا تركن النفس إلى حديث ظهر فيها الاضطراب إلى هذا الحد الهائل»(612) .

ونحن سنجيب عن هذه الاعتراضات معتمدين على المنهج العلمي التاريخي النقدي، بالتحقيق في هذه الاعتراضات وبيان عدم صحة الاعتماد عليها، والاستدلال بها لإلغاء حقيقة تاريخية يقينية تنقض كثيرا من المفاهيم والتصورات الخاطئة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأهل بيته عليهم السلام، وسنفصل الجواب على ردين، رد مجمل نؤصل فيه المنهج العلمي الصحيح المعتمد في التعامل مع الاختلافات في القضايا التاريخية، ورد علمي مفصل نفند فيه أدلة المعترضين على زواج عمر من أم كلثوم بتفصيل.

الرد المجمل على استدلال المعترضين باختلاف بعض التفاصيل لإنكار وقوع الزواج

إن الإشكال الأساسي في النتائج الخاطئة التي توصل إليها

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المعترضون هو واقع في المنهج الذي سار عليه أولئك المعترضون لأنه منهج خاطئ من أصله، ولذلك أدى بهم إلى نتائج غريبة وغير موافقة للصواب، وبيان ذلك في الملاحظات التالية:

الملاحظة الأولى: ضوابط التعامل مع الاختلاف في الروايات

لقد وضع أهل العلم ضوابط وقواعد عامة في أصول التعامل مع الاختلاف المنقول في الروايات النبوية، والأحداث التاريخية الثابتة، وضمنوا هذه القواعد كتبا خاصة، وجعلوا لها علما مستقلا، يعرف بمختلف الحديث، وهذه الأصول تتلخص في ثلاثة ضوابط جامعة:

الضابط الأول: تمييز الصحيح من السقيم والثابت من المردود

فأول ما ينظر إليه عند اختلاف النصوص والمرويات هو درجة صحة المرويات، فعلى الناقد أن يميز الثابت المقبول من الضعيف المردود، فيأخذ بالصحيح ويرد الضعيف، وبعض أهل العلم يرى أن هذا الضابط يختص بما يكون الاختلاف فيه موجبا للتناقض، أما إن أمكن الجمع ولم يترتب على ذلك تقديم الضعيف على الصحيح فالجمع أولى عندهم.

الضابط الثاني: الجمع بين الروايات

عند تساوي الروايات والنصوص في الحجية والثبوت، فالذي ينبغي على الباحث هو الجمع بينها بأحد أوجه الجمع التي قررها أهل العلم، فإن كثيرا من المرويات ظاهرها التعارض، ولكنها في الحقيقة

متآلفة ومتوافقة، كما الشأن في التعارض بين الروايات العامة والروايات المخصصة، أو الروايات المطلقة والروايات المقيدة، أو الروايات المجملة والروايات المفصلة، فإن وجد وجه من وجوه الجمع بين هذه الروايات فهو الذي ينبغي المصير إليه، وإلا يصار إلى الترجيح.

الضابط الثالث: الترجيح بين الروايات

عند تساوي الروايات في الحجية، وتعذر الجمع بينها، نلجأ إلى الموازنة والترجيح بينها، بأن نصحح أحد القولين بالاستعانة بقرائن الترجيح، كتقديم رواية الجماعة على الواحد، وتقديم رواية أهل البلد على رواية غيرهم، وتقديم رواية من حضر الواقعة على من لم يحضرها، وتقديم رواية الأضبط على الأقل ضبطا، وغيرها من قرائن الترجيح المبسوطة في كتب مختلف الحديث، و كتب الفقه وكتب الأصول وكتب التاريخ(613) .

ونحن حين سبرنا كلام المعترضين لم نجد أحدا منهم أعْمَلَ هذه القواعد والضوابط، بل يكتفون بسرد هذه الاختلافات والاحتجاج بها دون تمحيص ولا تحقيق و لا تحرير، وهذا منهج غريب لا يمت إلى أصول العلم وأصول التحقيق بصلة، وأما حين طبقنا هذه القواعد على الاختلافات التي زعم الزاعمون أنها وردت في قصة زواج أم كلثوم، فقد وجدنا أن كثيرا من الاختلافات المنقولة لا أصل لها، وبعضها من غلط بعض الرواة، وأما الثابت منها فقليل جدا ولا يؤثر أصلا في واقعة

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الزواج وإنما يتعلق بتفاصيل خارجة عن حادثة الزواج، وبذلك يتبين أن تلك الاعتراضات كلها لا وجه لها من الصحة.

الملاحظة الثانية: الاستناد إلى الاختلاف في الوقائع التاريخية لإنكارها يترتب عليه هدم التاريخ الإسلامي

إن هذا المنهج الغريب القائم على اعتبار الاختلاف في الروايات المنقولة في بعض الوقائع التاريخية موجبا لإنكارها منهج يترتب عليه هدم جزء كبير من تاريخ الإسلام، وذلك أن من درس تاريخ الإسلام يعلم علم اليقين أن كثيرا من وقائع التاريخ المشهورة حصل اختلاف في تفاصيلها بدءا من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ومروراً بالخلافة الراشدة، بل حتى تاريخ آحاد الصحابة وأهل البيت يصير في حكم المردود بناء على هذا المنهج الهدام، والأمثلة على كثيرة جدا يصعب حصرها، ونحن سنقتصر على أمثلة مشاكلة لموضوع زواج عمر بأم كلثوم.

المثال الأول: زواج النبي صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها

فقد اختلفت الروايات، والعلماء والمؤرخون في تفاصيل كثيرة تتعلق بزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخديجة رضي الله عنها، فاختلفت الروايات فيمن تقدم بالخطبة، هل النبي صلى الله عليه وسلم أم خديجة رضي الله عنها، أم أختها، واختُلِف فيمن تولى تزويجها، بين قائل إنه أبوها خويلد بن أسد، وبين من ذهب إلى أنه أخوها عمرو بن خويلد(614) ،واختُلِف في سن خديجة حين تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، هل كان 40 سنة أم 28 سنة أم 25 أم 35(615) واختلفوا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أيضا في أكبر أبناء النبي صلى الله عليه وسلم، فقيل عبد الله وقيل زينب(616) واختلف في أصغر بناتها من محمد صلى الله عليه وسلم، فقيل فاطمة وقيل أم كلثوم، واختلفوا في الطاهر والطيب، فقيل هما اسمان لعبد الله، وقيل هما أخوان له(617) واختلفوا في وفاتها فقيل سنة 10 من البعثة وقيل سنة 8 وقيل سنة 7(618) ،واختلف الإمامية في كونها بكرا قبل الزواج من النبي صلى الله عليه وسلم، بين من ادعى أنها رضي الله عنها كانت بكرا(619) ومن أثبت أنها كانت ثيباً(620) واختلف الإمامية أيضا في بناتها من النبي صلى الله عليه وسلم، فثبت في روايتهم أن زينب ورقية وأم كلثوم رضي الله عنهن بنات النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة رضي الله عنها وادعى بعضهم أنهن ربائب النبي صلى الله عليه وسلم وأنهن بنات هالة أخت خديجة(621)

المثال الثاني: زواج علي رضي الله عنه بفاطمة رضي الله عنها

اختلف المؤرخون في تاريخ زواج علي بفاطمة على أقوال كثيرة جدا، فقيل: وقع الزواج بعد 5 أشهر من الهجرة، وقيل:بعد سنة، وقيل بعد سنتين، وقيل بعد ثلاث سنين، واختلفوا أكان بعد غزوة بدر أم بعد غزوة أحد(622) واختلفت روايات الإمامية في مهرها، على أقوال

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كثيرة جدا، ففي تقديره بالمال قيل: أربعمائة مثقال فضة، وقيل خمسمائة درهم، وقيل ثلاثون درهما، وقيل اثني عشرة أوقية ونصف من الفضة، وأما تقديره بالعين فقيل: درع يساوي أربعمائة وثمانين درهما، وقيل درع حطمية قيمتها أربعمائة درهم، وقيل قيمتها أربعمائة درهم واثتني عشرة أوقية، وقيل: ربع الدنيا، وقيل خمس الدنيا وقيل نصف الدنيا!!(623) واختلف الروايات في المحسن بن فاطمة، فقيل: ولد المحسن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم ومات صغيرا(624) وقيل: بل كان سقطا(625)

ومع كل هذه الاختلافات، لم نقف و لا سمعنا بأن أحدا أنكر زواج النبي صلى الله عليه وسلم بخديجة و لا زواج علي بفاطمة، والذين يذكرون هذه الاختلافات، نجدهم يقومون بالترجيح بينها أو الجمع بينها، ولكن على أصول المنكرين لزواج عمر بأم كلثوم، فإن هذه الاختلافات موجبة لإنكار زواج النبي صلى الله عليه وسلم بخديجة، وزواج علي رضي الله عنه بفاطمة رضي الله عنهما، ولا شك أن كل لبيب يعلم أن هذا قول لا يتبناه من له أدنى مسكة من العقل، وبذلك يتبين أن المنهج الذي سلكه المنكرون لزواج عمر من أم كلثوم منهج هدّام وغير سليم.

ويبدو أن جعفر مرتضى العاملي تنبه لهذه القضية حين رأى كلام من أنكر زواج أم كلثوم من عمر فقرر أن الاستناد إلى تلك الاختلافات المزعومة في تفاصيل الزواج لا يؤدي إلى إنكار ثبوته، يقول: «أصل

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الزواج لا يمكن تكذيبه استناداً إلى مجرد وجود هذه التناقضات»(626)

ويقول في موطن آخر:«إن الاختلاف والتناقض لا يدل على بطلان جميع الروايات، بل يدل على بطلان الروايات، ما عدا رواية واحدة، حيث تبقى مشكوكة، وإن لم تكن متعينة ومحددة لنا، فيحتاج إثبات بطلان الجميع إلى دليل آخر»(627) ، وبهذا الجواب يتضح موضع الخلل في النتيجة التي وصل إليها المنكرون لزواج عمر من أم كلثوم.

الملاحظة الثالثة: التناقض والازدواجية في منهجية المنكرين لزواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما بدعوى الاختلاف في التفاصيل

ولكي يتضح للقارئ أن إنكار المنكرين لزواج عمر من أم كلثوم ليس مبنيا على منهجية سليمة ومطردة، سنعقد مقارنة بين موقفهم من زواج عمر من أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهم، وزواج الحسين رضي الله عنه بشهربانو بنت يزدجرد.

فقد مضى اتفاق المحدثين والمؤرخين والنسابين على إثبات زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم رضي الله عنها، ولم نقف على أي طعن في ثبوته من علماء أهل السنة، وأهل السنة والجماعة قد بحثوا الروايات المتعارضة في الوقائع التاريخية، وأفردوا مصنفات وافرة في الروايات المختلفة، وذكروا كثيرا من الاختلافات في السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين، ومع ذلك لم نجد أحدا منهم نص على وجود تناقض في روايات زواج

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أم كلثوم من عمر، فضلا عن أن يذهب أحد منهم إلى نفي وقوعه(628) فهل يُتصور في أساطين المحدثين والعلماء الذين ذكروا هذه القضية على مر القرون وتسالموا على إثباتها وحكايتها في كتب الحديث والتواريخ والسير والتراجم والأنساب والأدب و العقائد، أن يغفلوا عن هذه الاختلافات المزعومة التي تؤدي إلى عدم التصديق بهذه القصة، و لا يتنبه لذلك إلا المفيد بعد مضي قرابة أربعمائة سنة على وقوع هذه الواقعة!! لا شك أن هذا لا يقول به عاقل، ولا يقبل به منصف، ومع ذلك نجد المشككين في زواج عمر من أم كلثوم يتجاهلون هذه القضية ويصرون على إنكار هذه المصاهرة الثابتة.

وفي المقابل، وحين نبحث في موضوع زواج الحسين رضي الله عنه بشهربانو، أم علي بن الحسين الملقب بزين العابدين، نجد الروايات والأقوال في تفاصيل هذه العلاقة قد اختلفت اختلافا فاحشا، فقد اختلفوا في شخصيتها، فقيل: إنها كانت بنت يزدجرد واسمها سلافة، وقيل سلامة، وقيل سلمة، وقيل سادرة، وقيل شهربانو(629) وذُكر لها أسماء أخرى وهي: خولة، وبرة و جيدة وسارة وفاطمة ومريم(630) وبلغ عدد الأسماء التي ذكرت لها إلى أربعة عشر اسما(631) واختلفوا في أبيها، فقيل:يزدجرد الثالث، وقيل شيرويه بن كسرى(632) وقيل

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سنجان(633) وذهب بعض الإمامية إلى أنها كانت زوجة للحسين(634) وقيل بل كانت أم ولد، واسمها غزالة(635) وقيل إنها كانت من بلاد السند، وقيل كانت من سبي كابل(636) وقيل: كانت من سجستان(637) وقيل لم تكن من السبي أصلا(638) واختلفت روايات الإمامية فيمن زوَّجها أو وهبها للحسين فقيل نهبت في فتح المدائن فنفلها عمر بن الخطاب الحسين، وقيل بعث حريث بن جابر الجعفي إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ببنتي يزدجرد بن شهريار فأخذهما وأعطى واحدة لابنه الحسين فأولدها علي بن الحسين(639)

واختلفت رواياتهم في زمن زواجها، فجاء في بعضها أنه كان في خلافة عمر، وفي بعضها أن ذلك في خلافة عثمان، وفي بعضها أن الزواج وقع في خلافة علي(640) واختلف في مكان ولادة ابنها علي بن الحسين، فقيل في الكوفة، وقيل في المدينة(641) واختلف في تاريخ ولادتها لعلي بن الحسين، فقيل في خلافة عمر رضي الله عنه، وقيل في خلافة علي رضي الله عنه(642) واختلف في وفاتها، فقيل توفيت في نفاسها بعد ولادة

حواشي هذه الصفحة10 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

علي بن الحسين(643) وقيل بل تزوجها بعد الحسين زييد مولى الحسن بن علي، فولدت له عبدالله بن زييد وهو أخو علي بن الحسين(644) واختلف في أولادها، فقيل ولدت علي بن الحسين فقط، وقيل بل اثنين، علي الأوسط زين العابدين، وعلي الأصغر(645)

واختلف في مكان وفاتها، فقيل: في المدينة، وقيل في الكوفة، وقيل إنها سافرت إلى بلاد فارس، وماتت في الري ولها مرقد ينسب إليها في الري(646) .

ويظهر من النسابة الإمامي ابن عنبة أن جماعة من علماء النسب والتاريخ أنكروا زواج الحسين بشهربانو بنت يزدجرد(647) ويظهر في كلامه ميله إلى ذلك، ووافقه في ذلك بعض المعاصرين(648) ومع ذلك

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لم يشتهر رأيهم مثلما اشتهر إنكار زواج أم كلثوم من عمر لدى المعاصرين، بل منهم من أثبته بالرغم من الاختلافات الكثيرة الواقعة في تفاصيله، ومنهم من رد على من ذهب إلى عدم ثبوته(649)

وهنا تتبين الازدواجية عند المنكرين لزواج عمر من أم كلثوم، حيث إنهم سكتوا عن زواج الحسين المزعوم بشهربانو، ولم يشككوا فيه، فحين نراجع كلام رأس المنكرين لزواج عمر من أم كلثوم وهو المفيد، نجده يثبت تارة أن أم زين العابدين هي شاه زنان بنت شيرويه بن كسرى(650) ، وتارة يقول إنها: شاه زنان بنت يزدجرد بن شهريار بن كسرى(651) ، ويعترف بالاختلاف في اسمها أيضا، فيقول إنها كانت تسمى شهربانو(652) ، ومع كل الاختلاف المنقول في تفاصيل زواجها بالحسين، لم نسمع من المفيد ومن سلك مسلكه أي تشكيك أو طعن في قصة هذا الزواج وثبوته(653) ، وفي نفس الوقت وجهوا سهام الطعن والتشكيك إلى واقعة زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما التي لم يشكك فيها أحد من أهل العلم من أهل السنة إلى زماننا هذا.

إذا علمت هذا فلنشرع في الرد التفصيلي على استدلالاتهم.

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الرد المفصل على استدلالهم باختلاف بعض التفاصيل لإنكار وقوع الزواج

ربما قد ينخدع من لا خبرة له بأمور التاريخ، ومن لا يملك آلة النقد والموازنة والترجيح ودقة النظر بمثل هذه الاعتراضات التي حاول من أنكر زواج عمر من أم كلثوم أن يشيدها ويبنيها، بأن ضخموا من بعض الاختلافات المنقولة في بعض تفاصيل هذه المصاهرة، وأقحموا أمورا أخرى لا علاقة لها بأصل المصاهرة، من أجل التشويش على القارئ وإيهامه بأن هذه الواقعة تكتنفها تناقضات كثيرة تلغي أصل وجودها من التاريخ، ولذلك قمنا في هذا المبحث بمناقشة جل اعتراضاتهم، وبيان وجه الخلل فيها، وتبيين وجه الصواب في بعض الأمور التي قد اشتبهت على بعض العلماء، والتي اتكأ عليها من أنكر زواج أم كلثوم من عمر، ونحن عندما بحثنا هذه الاختلافات سلكنا طريقتين في تصنيفها:

الطريقة الأولى: مناقشة حجية هذه الاختلافات من جهة الثبوت، فلو نظرنا فيها من جهة الثبوت، فإننا سنجد أن هذه الاختلافات منها ما لم يثبت أصلا، و منها ما هو الثابت من جهة النقل.

الطريقة الثانية: مناقشة ارتباط هذه الاختلافات بزواج أم كلثوم من عمر، وباستقرائها وجدناها تنقسم إلى صنفين

الصنف الأول: الاختلافات والوقائع المتعلقة بتفاصيل الزواج:

كالاختلاف في كون أم كلثوم بنتاً لفاطمة، وادعاء كون المتزوج بها هي أم كلثوم بنت أبي بكر، والاختلاف في المهر، والاختلاف في الولي، والاختلاف في وقوع الزواج بالرضا أو بالإكراه، والاختلاف في وقوع الدخول، والاختلاف في عقب عمر من أم كلثوم، وغيرها من الاختلافات.

الصنف الثاني : الاختلافات والوقائع التي لا تتعلق بتفاصيل الزواج : كالاختلاف فيمن صلى في جنازة أم كلثوم وزيد بن عمر، والاختلاف في أزواج أم كلثوم بعد وفاتها، والاختلاف في عقب زيد بن عمر وغيرها من التفاصيل .

وبعد أن درسنا هذه الاختلافات وميزنا الثابت المقبول من الضعيف المردود، وجدنا أن كثيرا من هذه الاختلافات لا مستند صحيحا لها، والثابت منها لا يتعدى الأصابع، وأما من حيث تعلقها بزواج عمر من أم كلثوم، فجميع ما نقل من الاختلافات المتعلقة بتفاصيل زواج عمر من أم كلثوم لا يثبت من جهة النقل، وأما الاختلافات الواردة في بعض التفاصيل الأخرى، فهي اختلافات لا تتعلق بأصل الزواج، وبهذا يتبين أن قول جعفر السبحاني إن الأقوال بلغت اثني عشر قولا في زواج عمر من أم كلثوم، هو من التهويل الذي يدخل في باب التضليل والتمويه والغش، وهذا ما سيتضح من خلال الفصول الآتية.

القضية الأولى: الاختلافات التي ثبت أنه لا أصل لها

استدل المفيد باختلاف الروايات في تفاصيل زواج أم كلثوم

من عمر ليدعي عدم ثبوته، وعند النظر في الاختلافات التي أوردها المفيد نجد أن بعض الاختلافات التي ذكرها لا توجد أصلاً في الروايات المسندة لهذا الخبر، وسنفصلها مع الرد عليها:

1 - دعوى الاختلاف في الولي والاختلاف في الإكراه والاختيار

قال المفيد:«والحديث بنفسه مختلف، فتارة يروى أن أمير المؤمنين عليه السلام تولى العقد له على ابنته. وتارة يروى أن العباس تولى ذلك عنه وتارة يروى: أنه لم يقع العقد إلا بعد وعيد من عمر وتهديد لبني هاشم، وتارة يروى أنه كان عن اختيار وإيثار»(654) .

والجواب: أن هذا الاختلاف لا وجود له في الروايات الصحيحة الثابتة التي رواها أهل السنة، وإنما تفرد أبو القاسم الكوفي والكليني برواية ذلك عن الصادق، حين ادعيا أن الفاروق هدد عليا والعباس، فوكل علي العباس في تزويج أم كلثوم، ومعلوم أن هذا خلاف الأخبار الصحيحة، فضلاً عما فيه من الغض من مقام أهل البيت، وسيأتي نقد الرواية في محله.

2-دعوى التناقض في مقدار المهر

قال المفيد: «ومنهم من يقول: إن عمر أمهر أم كلثوم أربعين ألف درهم، ومنهم من يقول: مهرها أربعة آلاف درهم، ومنهم من يقول: كان مهرها خمسمائة درهم، وبدو هذا الاختلاف فيه يبطل الحديث»(655) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال جعفر مرتضى العاملي:«التناقضات حول المهر: وحول مهرها: تارة تقول الروايات: إن عمر أمهرها عشرة آلاف دينار. وأخرى تدعي: أن المهر كان أربعين ألف درهم. وبعضها قالت: أربعين ألفاً بلا تعيين. لكن بعضها نقل عن الدميري قوله: « أعظم صداق بلغنا خبره صداق عمر، لما تزوج زينب بنت علي فإنه أصدقها أربعين ألف دينار». ورابعة ذكرت: أنه أصدقها أربعة آلاف درهم. وخامسة: خمس مئة درهم، كما ذكره المفيد رحمه الله. وذكر نص آخر: أنه أمهرها مئة ألف. فأي ذلك هو الصحيح؟»(656) ، وأما الشهرستاني فإنه في أول أمره تابع جعفر مرتضى في دعوى تناقض روايات المهر(657) ، ثم توسع في الاعتراض وضعف جميع الروايات الواردة في مقدار المهر(658) !.

والجواب عن هذا الاعتراض من وجوه:

الأول: الذي ثبت في الروايات المسندة الصحيحة هو أن المهر كان أربعين ألف درهم، ولم يأت في رواية واحدة لا صحيحة ولا ضعيفة أن المهر كان أربعة آلاف أو خمسمائة من الدراهم.

وأما سائر الأقوال الأخرى فهي لا تثبت، ودائرة بين الضعف و الخطأ، وإليك التفصيل:

1 -القول بأن مهر أم كلثوم كان مائة ألف، قول ضعيف وغلط،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نقله هشام الكلبي عن قوم لم يسمهم(659) بعد أن ذكر أن المهر كان أربعين ألفاً، ولاشك أن هذا قول لا يعبأ به، لأنه قائله مجهول، ولم يذكر له سندا، فلا عبرة به.

2 -وأما القول بأن مهرها عشرة آلاف دينار فقد ذكره اليعقوبي بلا سند(660) ، فهذا خطأ من اليعقوبي، أو ممن نقل عنه هذا النص، فلا يلتفت إليه.

3 -وأما القول بأن المهر كان أربعين ألف دينار، فهو قول منسوب إلى الدميري، والخطب في هذا هين ويسير، فإما أن يكون هذا اشتباه وخطأ من الدميري، حين أبدل الدرهم بالدينار، أو يكون خطأ ممن نقل عنه، لأن هذا القول نقله الكتاني بواسطة عن الدميري(661) ، كما أن الدميري وهم حين سمى زوجة عمر زينب، فإنها أم كلثوم قطعا، والعتب ليس على الدميري، وإنما على من جعل خطأه قولا من الأقوال الواردة على الاختلاف في المهر!.

4 -وأما القول بأن المهر كان أربعة آلاف أو خمسمائة درهم، فهو أيضا قول لا أصل له، ذكره المفيد في القرن الخامس للهجرة ولم يذكر له سندا ولا مصدرا، فكيف يعتد به؟.

وبذلك يتبين أن جميع ما نقل من الاختلاف في مهر أم كلثوم لا

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أساس له من الصحة، ولكننا نستغرب من جعفر مرتضى العاملي الذي ترك القول الصحيح المشهور الذي اتفقت عليه كلمة أهل العلم وتتابعوا على إثباته في كتب الفقه والتاريخ والأنساب، ثم ذهب يبحث في كتب متأخرة عن أقوال لا أصل لها أو مبنية على أوهام واشتباهات ليشكك في قيمة مهر أم كلثوم ويصور للقارئ أنه قد اختلف فيه، والأغرب أن يقف قلمه هنا ويعجز عن التحقيق وبيان الصحيح من الضعيف، في حين يبسط قلمه في كتبه الأخرى لنقد الأقوال التي لا توافق مبتغاه ومراده.

وأما الشهرستاني فقد مضى أنه قرر ضعف جميع أسانيد مهر زواج عمر من أم كلثوم، ونحن سنسلم له جدلا بذلك، ونقول: هب أنه لم يثبت رواية صحيحة في مقدار المهر، فكان ماذا؟

هل هذا يعني أن زواج عمر من أم كلثوم لم يتم؟

سؤال نترك الجواب عليه للقارئ الكريم.

3-الاختلاف في عقب عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما ودخوله بها

قال المفيد: «ثم إن بعض الرواة يذكر أن عمر أولدها ولدا أسماه زيداً، وبعضهم يقول: إنه قتل قبل دخوله بها»(662) .

والجواب:

إن دعوى المفيد أن بعض الرواة ذكر أن عمر قٌتل قبل أن يدخل بأم كلثوم دعوى لا أصل لها ولم نقف عليها في أي رواية من كتب

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التاريخ أو الحديث، وقد وقع الاتفاق من المحدثين والمؤرخين والنسابين على أن عمر دخل بأم كلثوم وعقَّب منها زيدا ورقية، وقد رد جعفر بحر العلوم على من ذهب إلى هذا القول فقال:« قال الشيخ أبو محمد الأطروش...في كتاب الإمامة: (إن أمير المؤمنين عليه السلام زوج أم كلثوم من عمر، لكن لما كانت صغيرة لم يتمكن من مضاجعتها حتى قتل) وعندي أن هذا غير صحيح، لما عرفت من تصريح الرواية المتقدمة بخلافها، ولأن أم كلثوم عند قتله لم ينقص عمرها عن عشرين سنة»(663) وقد نقل عبد الجليل الرازي الاتفاق من الإمامية على إثبات ولادة زيد بن عمر فقال وهو يقر بذلك:«الشيعة لا ينكرون هذا، وهذا ليس موضع نزاع»(664)

القضية الثانية: الاختلافات التي لا تتعلق بزواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما

احتج المنكرون والمشككون في زواج عمر بأم كلثوم ببعض الاختلافات التي لا تقدح في ثبوت هذا المصاهرة، وتتعلق بتفاصيل تتعلق بحياة أم كلثوم، وأزواجها بعد عمر رضي الله عنه، والتي ذكرها بعض العلماء والنسابين في سياق كلامهم عن حياة أم كلثوم وزواجها بعمر رضي الله عنه وأزواجها بعد عمر، كي يشوشوا على ثبوت هذه المصاهرة، والجواب

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المجمل أن جل هذه التفاصيل لا يترتب على الاختلاف فيها أي شيء أصلا، فضلا عن أن ترتقي إلى أن تعود على أصل القصة بالبطلان، ومع ذلك سنناقش أهم اعتراضاتهم حتى يتبين للقارئ عدم صحتها وبعدها عن الصواب.

1-الاختلاف الواقع فيمن صلى على أم كلثوم رضي الله عنها وابنها زيد

قال الميلاني:«واختلفت أخبارهم في موتها و الصلاة عليها، حتى الواحد منهم اختلفت أخباره! فابن سعد يروي عن الشعبي وعبد الله البهي في الصلاة عليها وعلى ولدها زيد: «صلى عليهما ابن عمر» ويروي عن عمار بن أبي عمار ونافع: «صلى عليهما سعيد بن العاص»(665) .

ويقول جعفر مرتضى العاملي: «وهل صلى على أم كلثوم وزيد: عبد الله بن عمر، حيث قدمه الحسن بن علي عليه السلام؟ أم صلى عليهما سعيد بن العاص، وخلفه الحسن والحسين عليهم السلام وأبو هريرة»(666) ؟!

ويحسن التنبيه هنا على تمويه عجيب من علي الميلاني، حيث استغل إبهام بعض الروايات التي روت قصة الصلاة على أم كلثوم وزيد، كي يدعي الاختلاف في اسم المرأة والصبي، فقد ورد في رواية النسائي عن عمار بن أبي عمار قال: «حضرت جنازة صبي وامرأة، فقُدِّم الصبي مما يلي الإمام، ووُضعت المرأة وراءه، وصُلِّي عليهما، وفي القوم أبو سعيد الخدري وابن عباس وأبو قتادة وأبو هريرة رضي الله عنهم،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فسألتهم عن ذلك، فقالوا: السنة»(667)

وقد غفل الميلاني أو تغافل عن الروايات التي ذكرت اسم أم كلثوم وابنها زيد صراحة، فقد جاء في بقية طرق الرواية عن عمار بن أبي عمار أن الصبي والمرأة هما أم كلثوم بنت علي وابنها زيد(668) ، فضلا عن أن الطوسي قد نقل الرواية في كتابه الخلاف، وفيها التصريح باسم أم كلثوم بنت علي وابنها زيد!!(669) .

والجواب:

قد مضى توجيه الحافظ ابن حجر للاختلاف بين الروايتين بأن صلاة ابن عمر كانت بإذن من سعيد بن العاص أمير المدينة، ومضى أيضا ما رجحناه بأن الوهم من عمار بن أبي عمار وأن الصواب هو ما ذكره الشعبي ونافع(670) وعبد الله البهي لأنهم أكثر عددا وأوثق، ولكن

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الذين ينكرون زواج عمر من أم كلثوم يُحمِّلون الاختلافات اليسيرة أكثر مما تحتمل كي يستقيم لهم إنكار الحقائق وطمسها.

ويلحق بهذا الاعتراض محاولة الشهرستاني التشكيك في ثبوت روايات صلاة ابن عمر على أم كلثوم وزيد مستندا إلى رواية نافع التي تنص على أن أبا قتادة حضر هذه الجنازة، ثم عمد إلى استغلال الاختلاف الوارد في وفاة أبي قتادة للتشكيك في الواقعة، فنقل الشهرستاني الأقوال التي تناسبه في وفاة أبي قتادة في سنة 40 هـ أو 38 هـ، ثم قال: «من هو أبو قتادة الذي جاء في الخبر... فلو كان الأنصاري المعروف فهذا قد توفي قبل شهادة الإمام علي عليه السلام في سنة 40 هـ، وكان الإمام علي قد صلى عليه»(671) ، ثم نقل رواية من مصنف ابن أبي شيبة في صلاة علي رضي الله عنه على أبي قتادة، ونقل في الهامش تضعيف الإمام البيهقي لتلك الرواية ثم بعدها نقل رد ابن التركماني عليه.

والجواب من وجوه:

الأول: لم يكن غرض الشهرستاني تحقيق الصواب في وفاة أبي قتادة بقدر ما كان هدفه هو تشكيك القارئ في صحة رواية صلاة ابن عمر على جنازة أم كلثوم بحضرة جماعة من الصحابة، لأنه لو كان يتحرى الحق لما اكتفى بنقل ما يناسبه من أقوال العلماء وكتم ما لا يخدمه، ولقام بتحرير محل النزاع وترجيح الصواب بحسب ما تقتضيه الأدلة، وإلا فكل من ينظر في ترجمة أبي قتادة في كتب التراجم يقطع

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بغلط من قرر أنه توفي سنة 40 هـ وأن علياً رضي الله عنه صلى عليه، وأن الصواب في وفاته هو أنه توفي سنة 54 هـ بالمدينة، وهو قول جماعة من أهل العلم، منهم يحيى بن بكير وسعيد بن عفير(672) وإبراهيم بن المنذر(673) والترمذي(674) والذهلي(675) وابن حبان(676) وأبي نعيم(677) وذكر البخاري أبا قتادة فيمن توفي بين الخمسين والستين(678) خلافا لقول الهيثم بن عدي وما نسب للشعبي وهو الظاهر من كلام ابن عبد البر(679) من أن أبا قتادة توفي بالكوفة سنة 40 هـ، وخلافا لقول خليفة بن خياط أنه توفي سنة 38 هـ(680) وأنكر الواقدي على من قال إن علياً رضي الله عنه صلى عليه(681) وقد حكى جماعة من النقاد الأقوال المختلفة في وفاة أبي قتادة ورجحوا وفاته سنة 54 هـ، كالحافظ ابن حجر(682) وأما الإمام البيهقي فهو أحسن من حرر الكلام في هذه القضية، فقد حكم بغلط رواية من روى أن علياً صلى على أبي قتادة، ودلل على ذلك بروايات

حواشي هذه الصفحة11 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

صحيحة ثابتة تثبت بقاء أبي قتادة إلى ما بعد علي رضي الله عنه بزمن طويل، فقال وهو يرد على بعض من اعتمد على أن وفاة أبي قتادة كانت سنة 40 هـ: واستشهاده على ذلك بوفاة أبي قتادة قبله خطأ، فإنه إنما رواه موسى بن عبد الله بن يزيد، أن علياً صلى على أبي قتادة فكبر عليه سبعا، وكان بدريا، ورواه أيضا الشعبي منقطعاً، وقال: فكبر ستا، وهو غلط لإجماع أهل التواريخ على أن أبا قتادة الحارث بن ربعي بقي إلى سنة أربع وخمسين وقيل بعدها... والذي يدل على هذا أن أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن أبي قتادة، وعمرو بن سليم الزرقي، وعبد الله بن أبي رباح الأنصاري، رووا عن أبي قتادة، وإنما حملوا العلم بعد أيام علي، فلم يثبت لهم عن أحد ممن توفي في أيام علي رضي الله عنه سماع وفي هذا الحديث الصحيح شهادة نافع بشهود أبي قتادة هذه الجنازة التي صلى عليها سعيد بن العاص في إمارته على المدينة، وفي كل ذلك دلالة على خطأ رواية موسى بن عبد الله، ومن تابعه في موت أبي قتادة في خلافة علي... وكيف يجوز رد رواية أهل الثقة بمثل هذه الرواية الشاذة؟.»(683) قلت وبهذا يظهر خطأ ابن التركماني في تعقبه للبيهقي في هذه المسألة فالصواب مع الإمام البيهقي، والشهرستاني إنما اجتزأ جزءا من كلام البيهقي ولم ينقله كاملا مع أدلته لأنه يعجز عن مقارعة هذه الأدلة و يحسن التشكيك وطرح الأسئلة فقط، و ما عرضناه هنا ليس إلا مثالا من أمثلة كثيرة توضح ما ذكرناه من أن مراد الشهرستاني ليس تحقيق الحق في القضية.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الثاني: ذكرُ أبي قتادة في واقعة صلاة ابن عمر على أم كلثوم لم يرد في جميع الطرق، بل ورد في رواية نافع فقط، ولم يرد في رواية الشعبي و لا في رواية عمار بن أبي عمار ولا في رواية عبد الله البهي، فلو سلمنا بأنه مات قبل أم كلثوم، سنحكم بتخطئة رواية نافع وحده، وتبقى بقية الروايات صحيحة، ولكن الشهرستاني تغافل عن هذا لأن مراده ليس إلا إيقاع القارئ في الشك والحيرة، والخلاصة أن ما استدل به المشككون في قضية الاختلاف في الصلاة على جنازة أم كلثوم لا يعدو أقوالا مرجوحة وخاطئة.

2-الاختلاف في تفاصيل متعلِّقة بمن تزوَّج أمَّ كلثوم بعد عمر رضي الله عنهما

حاول المشككون في زواج عمر بأم كلثوم، استغلال الاختلاف في روايات وفيات أزواج أم كلثوم بعد عمر، وأوهام بعض أهل العلم في ترتيب أزواجها، كي يجعلوه مناطا للتشكيك في زواجها بعمر رضي الله عنه، بناء على مقدمة خاطئة تنبني على أن روايات زواج أم كلثوم من عمر تذكر أزواجها بعد عمر، وإذا ثبت الاختلاف والتناقض في أزواج أم كلثوم بعد عمر، فالنتيجة أن زواجها بعمر رضي الله عنه غير ثابت، و لا شك أن القارئ يعلم غرابة هذا الاستدلال وعدم صوابه، لأننا قد قدمنا أن روايات زواج عمر من أم كلثوم لم تذكر كلها أزواج أم كلثوم بعد عمر، وإنما ورد ذكر أزواجه في بعض الروايات وفي كلام بعض النسابين، فكيف يحكم ببطلان جميع روايات الزواج بناء على صنف واحد منها فقط؟ ومع ذلك سنبين أن كل ما استند إليه أولئك المشككون لا حظ له من الصواب.

أ-الاعتراض بما ذكر في وفاة عون ومحمد ابني جعفر رضي الله عنهم بتستر والاختلاف في ترتيب زواجهما من أم كلثوم رضي الله عنها

كان أول من استدل بهذا الاعتراض هو ناصر حسين الهندي حيث يقول: «ما ذكره ابن سعد من تزوج عون بن جعفر ومحمد بن جعفر لها بعد عمر أظهر ما يكون من الأكاذيب والأباطيل لأن عونا ومحمد قد قتلا في حرب تستر، وحرب تستر كانت في عهد عمر كما لا يخفى على أهل النظر في كتب التاريخ والرجال»(684) ، ثم نقل عن بعض العلماء أن عونا وجعفرا توفيا بتستر، وبعضهم نص على أن ذلك كان في خلافة عمر(685) ، وكرر هذا الكلام في مواضع أخرى من كتابه(686) ، وتبع ناصر الهندي في إيراد هذا الاعتراض كل من جعفر مرتضى العاملي(687) ، وعلي الميلاني(688) ، وعلي صالح رسن(689) وعلي الشهرستاني(690) وأما محمد جميل حمود، فقد تابع الهندي على اعتراضه وأضاف إلى ذلك مسألة جديدة فقال: «بعض الأخبار عندنا أشارت إلى أنهما قد استشهدا يوم الطف فكيف تزوجها محمد بعد أخيه عون»(691) .

حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والرد على هذا الاعتراض من وجوه:

الوجه الأول: لم يحرر المعترضون الأقوال الواردة في وفاة كل من عون بن جعفر ومحمد بن جعفر، وإنما اكتفى جلهم تبعا لناصر الهندي بذكر قول واحد فقط، لأنه يناسب مبتغاهم في التشكيك في مصاهرة عمر وعلي رضي الله عنهما، والحق أن الأمر خلاف ما صوروه، لأن وفاة عون بن جعفر ومحمد بن جعفر مختلف فيها على أقوال:

القول الأول: أن وفاتهما لم تكن في وقت واحد، بل توفي عون قبل محمد، وكلاهما توفي بعد وفاة عمر رضي الله عنه، وهو مقتضى قول الإمام الزهري وابن إسحاق وابن سعد والكلبي وكل العلماء والمؤرخين والنسابين الذين أثبتوا تعاقب عون بن جعفر ومحمد بن جعفر على أم كلثوم، وهذا أشهر الأقوال عند أهل السنة.

القول الثاني: أنهما قتلا بتستر والظاهر أن من ذكر هذا يقصد فتح تستر الذي وقع في خلافة عمر، وهو ما قرره الواقدي، ونقله البلاذري عن بعض البصريين فقال: «وبعض البصريين يزعم أنهما قتلا بتستر من الأهواز حين فتحت»(692) وقد رد هذا القول البلاذري في موضع آخر فقال: «فأما عون ومحمد فذكر أبو اليقظان النصري أنهما استشهدا جميعا بتستر في خلافة عمر بن الخطاب، وذلك غلط»(693)

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهذا قول مرجوح كما قال البلاذري.

القول الثالث: أنهما قتلا بصفين وكانا في جيش علي رضي الله عنه(694) .

القول الرابع: أنهما قتلا مع الحسين ونقل هذين القولين البلاذري فقال: «ويقال: إن عون بن جعفر بن أبي طالب وأخاه محمدا قتلا مع علي بن أبي طالب بصفين، ويقال: إنهما قتلا مع الحسين عليهم السلام»(695) ، وذكر البلاذري ذلك في أعقاب جعفر أيضا(696) ، ونقل الحافظ ابن حجر عن الدّارقطنيّ في كتاب «الإخوة» في ترجمة محمد بن جعفر: «يقال إنه قتل بصفين، اعترك هو وعبيد اللَّه بن عمر بن الخطاب فقتل كل منهما الآخر»(697) ، قلت: وهو مرجوح أيضا، لم يقم عليه دليل.

القول الخامس: أن محمد بن جعفر بقي إلى ما بعد صفين، قال ابن حجر: «وذكر المرزبانيّ في «معجم الشعراء» أنه كان مع أخيه محمد بن أبي بكر بمصر، فلما قُتل اختفى محمد بن جعفر، فدل عليه رجل من عكّ، ثم من غافق، فهرب إلى فلسطين، وجاء إلى رجل من أخواله من خثعم فمنعه من معاوية، فقال في ذلك شعراً، وهذا محقق يردّ قول الواقديّ إنه استشهد بتستر»(698) .

والتحقيق أن القول الصواب هو القول الأول، وهو أن عون بن

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

جعفر ومحمد بن جعفر ماتا في وقتين مختلفين، وأن عونا سبق محمدا في الوفاة، وأما تعيين وفاتيهما بالضبط، فالذي يحتمل أن عونا قتل في صفين، وأن محمداً بقي إلى ما بعد صفين، فلما مات تزوج عبد الله بن جعفر أم كلثوم بعده، ويحتمل أن يكون الأمر قد اشتبه على بعض النسابين، فخلط بين عون بن عبد الله بن جعفر وبين عون بن جعفر، فأثبت أنه حضر صفين، وليس بين أيدينا نص مسند يثبت حضور عون بن جعفر في صفين. وقد ثبت في الروايات أن عون بن جعفر قد تزوج بأم كلثوم بعد وفاة عمر رضي الله عنه، فضلاً عن أن جماعة من المؤرخين والنسابين الأوائل قد اتفقوا على أن عونا قد خلف على أم كلثوم بعد عمر، ولازمه أن وفاته لم تكن في وقعة تستر جزما، وكذلك الأمر بالنسبة لمحمد بن جعفر، فلا شك أنه لم يمت في خلافة عمر، بل الراجح أنه بقي إلى ما بعد صفين، والقول بأنهما توفي في تستر قول لا دليل عليه من روايات التاريخ، وتقديم القول الموافق للروايات الصحيحة وأقوال أهل العلم هو المتعين.

وهذا الذي قرره العلامة أحمد بن خالد الناصري الجعفري الزينبي ( 1315 هـ) فقال: «وزعم الواقدي وغيره، أن محمدا وعونا استشهدا معا بتستر، وكانت تستر سنة سبعة عشر من الهجرة، في خلافة عمر رضي الله عنه، ففي قول الواقدي وغيره نظر، لأنهم ذكروا أن محمد أوعونا على الخلاف السابق تزوج بأم كلثوم بعد وفاة عمر رضي الله عنه، وإذا كان كذلك فكيف يستشهدان بتستر»(699) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الوجه الثاني: ذهب بعض النسابين إلى تعدد المسمين بمحمد وعون في أولاد جعفر، فذكروا أن لجعفر عون الأكبر وعون الأصغر، ومحمد الأكبر ومحمد الأصغر وذهبوا إلى أن محمد الأكبر قتل بصفين(700) ،ومنهم من ذهب إلى تعدد محمد دون عون، وأن عونا ومحمد الأصغر قتلا بالطف، بينما قتل محمد الأكبر بصفين(701) قال العلامة الناصري: «يوشك أن يكون محمد متعددا في ولد جعفر، كما زعمه ابن عنبة، أحدهما استشهد بتستر، والآخر تأخر إلى يوم صفين أو بعده، وبه ينتهي التعارض بين الروايات والله أعلم»(702) وهذا القول مرجوح عند المحققين(703) لأن قدماء النسابين لم يذكروا لجعفر إلا ثلاثة أولاد، هم عون ومحمد وعبد الله(704) ولعل من ذهب إلى تعدد عون أو محمد حاول الجمع بين الاختلاف الوارد في وفياتهم بالقول بالتعدد لكننا لم نقف على شاهد يدل على صحة هذا الرأي، والمقصود أن هذا القول لم يشر إليه المعترضون على ثبوت زواج عمر من أم

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كلثوم، مع أن تعدد المسمين بمحمد في أبناء جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه مذهب أكثر علماء الأنساب عندهم!.

الوجه الثالث: فلنفرض جدلا صحة الروايات التي زعمت وفاة عون بن جعفر ومحمد بن جعفر بتستر، فغاية ما يقال أن ذلك خطأ من بعض الرواة، لأن ثبوت زواج عمر من أم كلثوم أمر مشهور ومثبت في روايات كثيرة، وأما أن نرتب على هذا أن عمر رضي الله عنه لم يتزوج بأم كلثوم، فهذا تعسف ومجانبة للصواب، فلا ملازمة بين وقوع راو في خطإ تاريخي لتفصيل من تفاصيل قصة معينة أن تكون هذه القصة بأكملها مختلقة، فضلا عن أن كثيرا من الروايات الصحيحة الثابتة التي ذكرت زواج أم كلثوم من عمر لم تتعرض لأزواجها بعد وفاة عمر، وعليه فأقصى ما يمكن التسليم به هو أن يكون ذكر عون بن جعفر ومحمد بن جعفر في أزواج أم كلثوم خطأ تاريخيا، و لا يترتب عليه -على الإطلاق- إنكار حصول هذا الزواج، ولذلك ترى جعفر بحر العلوم وهو من الإمامية قد أثبت زواج عمر بأم كلثوم وفي نفس الوقت أنكر زواجها بعون بن جعفر ومحمد بن جعفر فقال بعد أن قرر أن أم كلثوم توفيت في زمن الحسن رضي الله عنه ونقل عن محمد بن طلحة زواجها بعون بن جعفر ومحمد بن جعفر: «ولا ريب في عدم صحة ما ذكرناه، لاتفاق المحدثين والمؤرخين من الفريقين كما عرفت، على أن أم كلثوم هذه توفيت في زمن أخيها الحسن عليه السلام... ومن المعلوم أن عونا ومحمدا ولدي جعفر قتلا في زمن عمر في وقعة تستر»(705) ونحن وإن

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كنا نرى أن هذا رأي خاطئ، إلا أن مقصودنا أن نبين عدم التلازم بين الاختلاف في وفاة عون ومحمد ابني جعفر وبين إثبات أو نفي زواج عمر من أم كلثوم، فهذا يبين أن ما زعمه ناصر الهندي ومن تبعه من الكتاب من أن هذا الاختلاف يناقض واقعة زواج أم كلثوم هو استنتاج متعسف وغير صحيح.

ب-دعوى امتناع زواج أم كلثوم بعبد الله بن جعفر رضي الله عنهما لأنه كان متزوجا بأختها زينب رضي الله عنها والاختلاف في طلاقه منها وبقائها عنده حتى وفاته

حاول جماعة من المعترضين الاستدلال باختلاف بعض المؤرخين في زواج عبد الله بن جعفر بزينب وعدم وجود نص على تاريخ زواج عبد الله بن جعفر بأم كلثوم وكذا تاريخ وفاة زينب ليدعوا أن زواج أم كلثوم من عمر رضي الله عنه لا حقيقة له!!. فقد ما نص جماعة من المؤرخين وأهل النسب على زواج أم كلثوم بعبد الله بن جعفر، وأول من جعل هذه القضية مناطا لإنكار زواج أم كلثوم من عمر هو ناصر الهندي(706) ثم تبعه جعفر مرتضى(707) ومحمد جميل حمود(708) ،غيرهم ممن تناول هذه المسألة، كما لم يَفُتِ الشهرستاني التعريج على هذه المسألة للإمعان في التشكيك في هذه المصاهرة(709) ووجه اعتراض هؤلاء يتلخص في امتناع زواج عبد الله بن جعفر بأم كلثوم، لأنه كان متزوجا

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بأختها زينب، وبما أن زينب توفيت بعد أم كلثوم لأنها بقيت إلى ما بعد سنة 61 هـ، وحضرت مع أخيها الحسين في كربلاء، فكيف يقال إن عبد الله بن جعفر خلف على أم كلثوم بعد أختها زينب، فإذا تقرر هذا امتنع القول بزواجها من عمر.

ولا شك أنك خبير أيها القارئ بأن هذا الإشكال مبني على مقدمة خاطئة، وهذه المقدمة تبتني على أن روايات زواج أم كلثوم بعمر تذكر أنها تزوجت بعبد الله بن جعفر فإذا ثبت امتناع زواجها بعبد الله بن جعفر تكون هذه الروايات باطلة، وعليه يصير زواج أم كلثوم من عمر ممتنعا، وقد قدمنا أن هذا الاعتراض لا يستقيم ولا يصح، فنهاية ما يقال إذا سلمنا جدلا بامتناع زواج عبد الله بن جعفر بأم كلثوم هو أن الروايات التي ذكرت ذلك فيها خطأ، وهناك روايات كثيرة صحيحة لم تذكر هذه الجزئية، فكيف يصح الحكم ببطلان جميع ما ثبت من روايات تثبت هذا الزواج بناء على خطإ وقع في صنف واحد منها دون البقية، هل هذا منهج علمي قائم على التحقيق و البحث أم مجرد تشكيك وأوهام وظنون قائمة على التمسك بالأدلة الضعيفة و الحجج الواهية؟.

إذا علمت هذا فلنشرع في تحقيق الجواب عن هذا الاعتراض، وسنفصله في وجهين:

الوجه الأول:

تحرير الاختلاف في المسألة وترجيح الصواب، فالأصل أن يحرر الاختلاف في هذه المسألة بدراسة الأقوال التي وردت فيها وموازنتها والترجيح بينها، لا أن يكتفى بنقل قول واحد في المسألة، وهذا ما لم نره في اعتراضات من أنكر هذا الزواج، إذ

أن جلهم نقل قولا واحدا في المسألة، ولم يورد بقية الأقوال، و هذا الصنيع منهم إما ناشئ من قصورهم في البحث، أو من تعمد تجاهل بقية الأقوال، أو من جريهم على ما اشتهر عند المتأخرين من تأخر وفاة زينب عن وفاة أم كلثوم بناء على الروايات التي تثبت حضور زينب الكبرى في واقعة كربلاء، وفي كلا الحالين فالنتيجة التي وصلوا إليها لا يُعتد بها ولا يعتمد عليها، لأن أهم شروط البحث العلمي، أن يستوفي الباحث الأقوال المختلفة في المسألة الواحدة، وإلا يكون بحثه قاصرا و ناقصا. وتحرير المسألة أن يقال: قد اختلف في زواج عبد الله بن جعفر من أم كلثوم، على ثلاثة أقوال(710)

القول الأول: أن عبد الله بن جعفر تزوج أم كلثوم بعد وفاة زينب رضي الله عنها، وهذا هو المشهور بين قدماء المؤرخين والنسابين، قال الإمام الزهري: «أخبرني غير واحد، أن عبد الله بن جعفر، جمع بين بنت علي، وامرأة علي، ثم ماتت بنت علي، فتزوج عليها بنتا لعلي أخرى»(711) وقال أيضا: «فأما زينب بنت علي فتزوجها عبد الله بن جعفر فماتت عنده، وقد ولدت له علي بن جعفر وأخا له، يقال له: عون.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأما أم كلثوم فتزوجها عمر بن الخطاب» ثم قال بعد أن ذكر زواج أم كلثوم بعون بن جعفر ومحمد بن جعفر: «ثم خلف على أم كلثوم بعد محمد بن جعفر، عبد الله بن جعفر، فلم تلد له شيئا حتى توفيت عنده»(712)

وقال ابن سعد النسابة: « فخلف عليها أخوه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بعد أختها زينب بنت علي بن أبي طالب، فقالت أم كلثوم: إني لأستحيي من أسماء بنت عميس إن ابنيها ماتا عندي وإني لأتخوف على هذا الثالث فهلكت عنده ولم تلد لأحد منهم»(713) .

وهذا ما نص عليه ابن الجوزي فقال: «كانت فاطمة قد ولدت لعلي الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم، فتزوج زينب عبد الله بن جعفر، فولدت له عبد الله وعونا، وماتت عنده، وتزوج أم كلثوم عمر، فولدت له زيدا، ثم خلف عليها بعده عون بن جعفر، ثم مات فخلف عليها محمد بن جعفر، فولدت جارية، ثم خلف عليها بعده عبد الله بن جعفر فلم تلد له، وماتت عنده»(714) .

وهو الظاهر من قول ابن كثير: «وقد تزوج عمر بن الخطاب في أيام ولايته بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة...ولما قتل عمر بن الخطاب تزوجها بعده ابن عمها عون بن جعفر فمات عنها، فخلف عليها أخوه محمد فمات عنها، فتزوجها أخوهما عبد الله بن جعفر

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فماتت عنده، وقد كان عبد الله بن جعفر تزوج بأختها زينب بنت علي وماتت عنده أيضاً»(715)

وهذا ما ذهب إليه العلامة ابن الملقن فنقل كلام الزهري ثم قال: «وفي حديث ابن لهيعة عن يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني غير واحد أن عبد الله بن جعفر جمع بين امرأة علي وابنته ثم ماتت بنت علي فتزوج عليها بنتًا له أخرى، قال: وثنا قبيصة عن سفيان، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الرحمن بن مهران قال: جمع ابن جعفر بين بنت علي وامرأته في ليلة، وعند ابن سعد من حديث ابن أبي ذئب حدثني عبد الرحمن بن مهران أن جعفرًا تزوج بنت علي وتزوج معها امرأة علي ليلى بنت مسعود، وقال ابن سعد: فلما توفيت زينب تزوج بعدها أم كلثوم بنت علي، بنت فاطمة»(716) .

وهذا ما قرره الحافظ ابن حجر، فبعد أن ذكر أنه قد روي عن عبد الله بن جعفر روايتين في أنه جمع بين امرأة علي ليلى بنت مسعود وبين زينب بنت علي، وفي رواية ثانية أنه جمع بين ليلى بنت مسعود وأم كلثوم بنت علي، قال: وجمع الزهري بين هذا الاختلاف فقال أخبرني غير واحد أن عبد الله بن جعفر جمع بين بنت علي وامرأة علي فماتت بنت علي فتزوج بنتا له أخرى أخرجه البيهقي من طريقه»(717) وقال في موضع آخر: «ولا تعارض بين الروايتين في زينب وأم كلثوم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لأنه تزوجهما واحدة بعد أخرى مع بقاء ليلى في عصمته وقد وقع ذلك مبينا عند ابن سعد»(718) قلت ومما يرجح هذا القول ما مضى من حضور عبد الله بن جعفر في جنازة أم كلثوم، فإذا جمعنا بين هذا وبين ما رواه الزهري من وفاة زينب عند عبد الله بن جعفر ثم زواجه بأم كلثوم، ننتهي إلى أن زينب توفيت قبل سنة 50 هـ بفترة، وأما أم كلثوم فبقيت إلى هذه السنة أو ما بعدها، وبذلك يرتفع الإشكال(719)

وقد ذهب إلى قريب من هذا القول بعض المعاصرين من الإمامية، قال علي الميلاني بعد أن قرر زواج أم كلثوم بمحمد بن جعفر:«أما

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عبد الله فمن الممكن أن يكون قد تزوج بها بعد زوجها وبعد موت زينب زوجته، لأنه بقي حيا سنة ثمانين وهو ابن تسعين سنة كما اختاره ابن عبد البر»(720) وهذا القول مبني على تأخر وفاة أم كلثوم إلى ما بعد مقتل الحسين رضي الله عنه، ولا شك أنه قول لا نصيب له من الصحة بعدما قررنا أن أم كلثوم توفيت في خلافة معاوية وصلى عليها الحسن والحسين كما ثبت في الروايات الصحيحة، لكن محاولة الميلاني الجمع بين الاختلاف الوارد في هذه القضية دليل على أنها ليست مناطا لإنكار زواج عمر من أم كلثوم كما قرره غيره، وقد أساء الميلاني الاستدلال بكلام ابن سعد في هذه المسألة حيث نقل عنه أنه قال: «فخلف عليها أخوه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب بعد أختها زينب بنت علي بن أبي طالب»(721) لكنه تغافل عن الروايات التي أوردها ابن سعد والتي تدل على صلاة الحسن رضي الله عنه عليها، والتي سبق أن أوردها وزعم أنها لا تصح، ولازم ذلك أن تكون أم كلثوم قد توفيت في زمن معاوية، وبذلك لا يصح ما قرره من بقاء أم كلثوم إلى ما بعد سنة ستين.

القول الثاني: أن عبد الله بن جعفر طلق زينب ثم تزوج أم كلثوم، وقد نص على ذلك ابن حزم فقال بعد أن ذكر زواج أم كلثوم بعمر ثم بعون ثم بمحمد ابني جعفر: «ثم خلف عليها بعده عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، بعد طلاقه

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لأختها زينب»(722)

وقد أشار البلاذري إلى الاختلاف في زواج عبد الله بن جعفر بأم كلثوم وذكر القولين الأول والثاني فقال وهو يذكر أولاد فاطمة رضي الله عنها:«وزينب تزوجها عبد الله بن جعفر فبانت منه ويقال ماتت عنده»، ثم قال وهو يذكر أزواج أم كلثوم: «فخلف عليها عبد الله بن جعفر، بعد زينب»(723) ، والقول بطلاق عبد الله بن جعفر لزينب قول ضعيف، لم يقل به أحد ممن يعتمد عليه في النسب، ولم تثبت فيه رواية مسندة.

القول الثالث: نفي زواج عبد الله بن جعفر من أم كلثوم، وإلى هذا ذهب جعفر بحر العلوم من الإمامية(724) ولعله ذهب إلى أن سبب وقوع الغلط من بعض النسابين الذين أثبتوا هذا الزواج، هو تكني زينب بأم كلثوم، فظن من سمع بزواجها من عبد الله بن جعفر أنها أم كلثوم الكبرى بنت فاطمة وعلي رضي الله عنهما، وهو قول شاذ ضعيف، لقيام الأدلة الصحيحة على زواج عبد الله بن جعفر بأم كلثوم، ولإثبات جل علماء

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

النسب والتاريخ لهذا الزواج.

والذي ترجح عندنا هو القول الأول وهو تأخر وفاة أم كلثوم عن زينب، ومقتضى هذا القول هو أن زينب سبقت أم كلثوم في الوفاة، فعلى هذا تكون زينب توفيت قبل سنة 50 بفترة، لأننا قدمنا أن أم كلثوم توفيت قبل سنة 50 هـ، وهذا مخالف لما اشتهر بين بعض المتأخرين من المؤرخين من بقاء زينب إلى وقعة كربلاء واستشهاد الحسين كابن عساكر رحمه الله تعالى، ورجحنا هذا القول استنادا للقرائن التالية:

القرينة الأولى: أن هذا قول قدماء النسابين وعلى رأسهم الإمام الزهري ومن بعده النسابة ابن سعد، وأما القول بأن زينب بقيت إلى زمن مقتل الحسين فليس له أصل أو مستند الروايات التي رواها بعض الأخباريين والتي تثبت حضور زينب بنت علي في واقعة استشهاد الحسين رضي الله عنه، وهذا لم يثبت من وجه صحيح وإنما رواه أبو مخنف وأمثاله من الأخباريين الضعفاء والهلكى، وغير بعيد أن يكون قد اشتبه الأمر على بعض الأخباريين حين سمعوا بوجود زينب فيمن خرج مع الحسين رضي الله عنه، فظنوا أنها زينب الكبرى، فإن صح خروج بنت لعلي اسمها زينب مع الحسين، فلا بد أن تكون زينب الصغرى، وهي بنت أخرى لعلي ليست من فاطمة، فلفقوا روايات بأسانيد واهية تذكر أن زينب هي بنت فاطمة، وهذا غير بعيد، ويؤيده ما سنذكره في القرينة الثانية.

القرينة الثانية: أن عبد الله بن جعفر لم يخرج مع الحسين إلى كربلاء، ولذلك أشكل على كثير ممن تناول قصة مقتل الحسين خروج زينب مع الحسين كما يروى، وتركها لزوجها عبد الله بن جعفر، وقد

حاول بعضهم تبرير ذلك بأن عبد الله قد أذن لزينب بالخروج مع أخيها إلا أن ذلك لا أصل له وإنما هو من وضع بعض المتأخرين.

القرينة الثالثة: أن وفاة زينب بنت علي غير معلومة، فلم نقف على أي نص في تحديد سنة وفاتها، لكن في المقابل وقفنا على نص صريح وثابت في أن عبد الله بن جعفر قد تزوج أم كلثوم بعد زينب، كما ثبت عندنا أنه حضر جنازة أم كلثوم، وقد نص جماعة من أهل العلم على أن زينب قد توفيت عند عبد الله بن جعفر، ومعلوم أن أم كلثوم توفيت قبل سنة 50 هـ كما تقدم تحريره، فاللازم من ذلك أن تكون زينب توفيت قبل سنة 50 هـ ، وبما أن روايات شهودها كربلاء لا ترقى إلى الصحة ومقصورة على رواية بعض الأخباريين المتهمين كأبي مخنف، كما أننا لم نقف على أي رواية تثبت أي وجود لزينب الكبرى بعد سنة 50 هـ، فالمتعين هو ترجيح الروايات الصحيحة على الروايات التاريخية الواهية، وبذلك يرتفع الإشكال المطروح في زواج عبد الله بن جعفر، ويتبين عدم صحة حضور زينب الكبرى لواقعة كربلاء، و لا يستغرب كون هذه القضية خطأ مع اشتهارها في كتب التاريخ، فهذا مُشاكل لما تقدم من الروايات التي ذكرت حضور أم كلثوم لوقعة استشهاد الحسين رضي الله عنه في كربلاء، واشتهرت عند كثير ممن كتب في مقتل الحسين، ومع ذلك فقد نص جماعة من الإمامية على عدم صحة ذلك كما تقدم.

ولو تنزلنا بصحة الروايات التي تذكر حضور زينب مقتلَ الحسين رضي الله عنه، فيتعين حملها على زينب الصغرى وتخطئة من روى أنها زينب

الكبرى، وهذا قصارى ما يمكن الذهاب إليه في روايات حضور زينب بنت علي في كربلاء.

الوجه الثاني: وهو ما سبق تقريره من التنزل الجدلي بعدم ثبوت زواجها من عبد الله بن جعفر، والتسليم بأنها حضرت واقعة كربلاء على ما ذهب إليه بعض المؤرخين تبعا لأبي مخنف(725) ، فهذا لا يستلزم ما قرره المنكرون من إنكار وقوع زواج عمر بأم كلثوم، لوجود أجوبة أخرى، قد قال بها حتى بعض الإمامية، منها أن يكون قد اشتبه الأمر على بعض الرواة لكون كنية زينب أم كلثوم، فظنوا أن عبد الله بن جعفر تزوج بها، أو يقال بتطليق عبد الله بن جعفر لزينب كما قال به ابن حزم وغيره، وما دامت هذه الاحتمالات واردة، فلماذا يُصار إلى نفي زواج أم كلثوم من عمر مع أنه أبعد الاحتمالات، وكل هذا يقال من باب التنزل مع المنكرين الذين لن يقروا بما قدمناه من أن زينب لم تحضر كربلاء، وإلا فقد بينا الصواب في المسألة وهو أن عبد الله بن جعفر تزوج بزينب ثم ماتت عنده ثم تزوج بأم كلثوم.

3-الاختلاف في عقب زيد بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وصغر سنه يوم وفاته

قال المفيد:«وبعضهم يقول: إن لزيد بن عمر عقبا، ومنهم من

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يقول: إنه قتل ولا عقب له»(726)

والجواب: أن الصحيح من أقوال أهل العلم هو أن زيدا لم يعقب، وهذا الذي نص عليه أهل العلم كعطاء الخراساني(727) ، وابن سعد(728) ، وابن عساكر(729) والصفدي(730) ، وأما مصعب الزبيري النسابة فقال: «وأما زيد بن عمر بن الخطاب، فكان له ولد، فانقرضوا»(731) ، وهو وهم منه رحمه الله، فإذا تبين القول الصحيح يتبين أن اعتراض المفيد بهذه المسألة لا وجه له من الصحة، مع ما تقدم تقريره من عدم تعلق هذه المسائل كلها بإثبات أو نفي زواج عمر من أم كلثوم.

ويلحق بهذا الاعتراض، تشغيب الشهرستاني على روايات الصلاة على جنازة زيد وأمه، بالاختلاف في سن زيد بن عمر، وقد مضى الكلام عنها وبينا الراجح أن زيدا توفي شابا، لأنه مولده ما بين سنة 17 و 22 هـ، ثم بقي إلى ما بعد سنة 48 هـ ووفاته قبل سنة 50 هـ، فسنه لا يقل عن 16 سنة و لا يتعدى الثلاثين، ولا يضر اختلاف العلماء في سنه، أو أنه كان رجلا أو صبيا، لأن هذا لا يترتب عليه أنه شخصية مختلقة، فضلا عن أن هذا لا يعني أنه ليس ابن أم كلثوم،

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كما زعم الشهرستاني(732) وغيره(733) ونحن لن نطيل في الخوض في هذه المسألة فما ذكرناه فيه كفاية، ويكفي في بطلان تنظيرات الشهرستاني أن أحد الأدلة التي استند إليها في ادعائه الاختلاف في سن زيد بن عمر، زعمه أن بعض السلف قد جعله من أهل العلم، قال الشهرستاني: وقد عد زيد بن عمر من العلماء»، ثم نقل في الهامش رواية عن كتاب الآحاد والمثاني جاء فيها: «عن سعيد بن عبد العزيز، قال: «كان العلماء بعد معاذ بن جبل، عبد الله بن مسعود، وأبو الدرداء، وسلمان، وعبد الله بن سلام وكان العلماء بعد هؤلاء زيد بن ثابت، ثم كان بعد زيد بن عمر وابن عباس رضي الله عنهم»(734) قلت: هكذا نقلها الشهرستاني بحذف ألف ابن عمر، ولست أدري هل تعمد حذفها أم أن ذلك حصل سهوا منه لأنها مثبتة في المصدرين الذين نقل عنهما وهو الآحاد والمثاني والمعجم الكبير هكذا: «ابن عمر»، وكل عربي يفهم من سياق الكلام أن مقصود القائل هو أن العلماء بعد زيد بن ثابت هم: ابن عمر وابن عباس، فضلا عن أن الرواية وردت في معجم الطبراني والآحاد والمثاني هكذا:«ثم كان بعد زيد، ابن عمر وابن عباس»، والفاصلة تثبت بوضوح المقصود من الرواية، فإن غفل الشهرستاني عن هذا مع أنه راجع مصدرين، فكيف يكون مؤهلا لتقييم النصوص والحوادث التاريخية والتشكيك فيها وهو لا يحسن أبجديات اللغة العربية؟ وإن

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تعمد ذلك -كما تكرر منه مثل هذا الصنيع في أكثر من موضع- فهو دليل على أنه بحثه لا يلتزم بأهم ضوابط البحث العلمي وهي الأمانة في النقل وبذلك لا يكون لكلامه واعتراضاته أي وزن في موازين التحقيق العلمي.

- المغالطة الثالثة: ادعاء أن أم كلثوم رضي الله عنها شخصية لا وجود لها!!

سلك بعض المتأخرين والمعاصرين مسلكا جديدا لمحاولة إنكار زواج أم كلثوم بعمر رضي الله عنه، وذلك بإنكار وجود أم كلثوم، إما بادعاء أن أم كلثوم ليست إلا زينب الكبرى، لأنها تكنى أيضا بأم كلثوم(735) ،والظاهر أن أول من أحدث هذا القول هو عبد الرزاق المقرم 1391 هـ) «على أساس أنه لم يكن لأمير المؤمنين عليه السلام بنات سوى الحوراء زينب، ولا يمكن إثبات غيرها تاريخيا»(736) أو بادعاء أنها شخصية خيالية لم توجد، كما ذهب إليه الدكتور علي صالح رسن فكتب بحثا كاملا في إنكار وجود أم كلثوم كما مضى، وقد ذكرنا أن بحثه ليس علميا، بل هو محشو بالأخطاء العلمية، والقصور، والجهل بالتاريخ وعلم الحديث والتراجم والجرح والتعديل، وذكرنا نماذج من ذلك أثناء الحديث عن الكتاب، فلا حاجة لإعادتها، وقد سبقه إلى ذلك نجاح الطائي فقال: لقد اخترعت السياسة امرأتين باسم أم كلثوم، الأولى

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

جعلتها بنتا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وزوجوها من عثمان بن عفان الأموي.والثانية صنعتها يد الزبير بن بكار، وجعلتها بنتا لعلي وفاطمة عليهما السلام وزوجها من عمر بن الخطاب»(737) وادعاء نجاح الطائي أن الزبير بن بكار هو من اخترع أم كلثوم ادعاء باطل لا أساس له من الصحة، وحكايته تغني عن رده، وقد فصلنا الرد على من نسب إلى الزبير بن بكار أنه هو من وضع خبر زواج أم كلثوم، فمن باب أولى أن تسقط دعوى من يدعي أن أم كلثوم بنت علي امرأة لم تلدها أرحام النساء، فإن في هذه المقالة من ازدراء التاريخ واتباع الهوى والاستخفاف بالعقول ما يجعلها في عداد المقالات الغريبة والتي لا يعبأ بها.

وقد رد على هذه الدعوى جماعة من كُتّاب الإمامية، على رأسهم جعفر مرتضى العاملي، فقال بعد نقل كلام المقرم: «إن قوله هذا لا يمكن قبوله، فإن النصوص الصحيحة الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم السلام إلى جانبها غيرها، وهو كثير جداً(738) تؤكد وجود أم كلثوم هذه، ولا نرى ضرورة لإيراد الشواهد على ذلك، ومجرد إطلاق كنية أم كلثوم على زينب لا يكفي شاهداً على ذلك، فإن من الممكن أن تكنى زينب بأم كلثوم، مع وجود بنت أخرى بهذا الاسم أيضاً.. كما أن تعدد المسمِّين باسم واحد، في أبناء الشخص الواحد كثير»(739) .وقال محمد جميل حمود العاملي: «إذا أطلق لفظ أم كلثوم من دون نصب قرينة على

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إحداهن بخصوصها، فإنه ينصرف فورا إلى أخت العقيلة زينب عليهما السلام، إذ يندر في الأخبار بل لا يكاد يوجد خبر صحيح يدل على تخصيص الكنية بالعقيلة زينب من دون قرينة لفظية أو لبية تصحح الانصراف المذكور»(740) ثم قال: «هذا مضاف إلى أن إطلاقهم الكنية على العقيلة زينب لا يستلزم نفي بنت أخرى لأمير المؤمنين عليه السلام من مولاتنا الصديقة فاطمة الزهراء عليها السلام تسمى بهذا الاسم، والأخبار في تعيين أسماء أولاده شاهدة على هذا المدعى كما أن تعدد المسمين باسم واحد في أبناء الشخص الواحد كثير عرفا!(741) وقال أيضا: «إذا قلنا إن أم كلثوم هي غير العقيلة زينب كما هو الصحيح...»(742)

وكالعادة فقد حاول بعض الكُتَّاب أن يصور أن لهذه المقالة أصلا عند أهل السنة، فقد نُقل عن الدميري أنه قال: أعظم صداق بلغنا خبره صداق عمر لما تزوج زينب بنت علي فإنه أصدقها أربعين الف دينار!(743) فحمل جعفر مرتضى العاملي هذا النص ما لا يحتمله فقال:«هل أم كلثوم هي غير زينب كما هو ظاهر كثيرين؟.أم هي زينب نفسها، كما ذكر عن غير واحد، ومنهم الدميري»(744) ثم جاء بعده الشهرستاني وجزم بأن مآل كلام الدميري هو إنكار وجود أم كلثوم(745) !،ولا شك أن

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

القارئ يفاجأ بالكم الهائل من المغالطة و التدليس بل والافتراء على هؤلاء العلماء ونسبة أقوال لا أصل لها إليهم، أما الدميري فلا يترتب على كلامه إنكار وجود أم كلثوم، بل غاية ما يقال إنه يرى أن اسمها زينب، أو يكون ما صدر منه وهما في الخلط بين أم كلثوم وزينب، ولا أدري كيف فهم جعفر مرتضى العاملي والشهرستاني أن مراد الدميري هو نفي وجود أم كلثوم(746)

ثم لم يكتف الشهرستاني بهذا بل حاول أن يصور للقارئ وجود أدلة حقيقية على ذلك، فلجأ إلى أسلوب الالتفاف على النصوص وتحميلها ما لا تحتمله، فادعى أن قثم مولى آل عباس يرى أن أم كلثوم لا وجود لها وأنها زينب، مستدلا بروايته التي مرت آنفا في أن عبد الله بن جعفر جمع بين أم كلثوم وبين ليلى بنت مسعود النهشلية، وقد مضى الحديث عن هذه القضية في مبحث زواج عبد الله بن جعفر بأم كلثوم، وقررنا هناك أن عبد الله بن جعفر جمع بين زينب وبين ليلى النهشلية تارة، وبين أم كلثوم وليلى النهشلية تارة أخرى، كما صح ذلك وثبت بروايتين صحيحتين، و نص على ذلك الزهري والبيهقي وابن حجر العسقلاني، ورددنا على الشهرستاني حين حاول رد قول الزهري رحمه الله.

ثم ادعى الشهرستاني أن تنصيص ابن بطوطة وابن جبير على أن

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

القبر الموجود براوية دمشق هو قبر أم كلثوم دليل على أنهما ينكران وجود أم كلثوم بنت علي رضي الله عنها، بناء على أن القبر الموجود بدمشق هو لزينب بنت علي رضي الله عنها(747) والجواب أن ابن جبير وابن بطوطة حينما ذكرا أن القبر الذي براوية هو لأم كلثوم، فإنما ذكرا ما يحكيه الناس، ولا يعني ذلك أبدا ما افتراه الشهرستاني عليهما و على غيرهما من أنهما ينكران وجود أم كلثوم، وأين الملازمة بين الاعتقاد بأن المدفونة بدمشق هي أم كلثوم وبين إنكار وجودها!؟ والحق أن الشهرستاني لما استوحش من تفرد القائلين بهذه المقالة حاول أن يصور للقارئ أنهم لم يتفردوا بها، وأن من أهل العلم من تابعهم على ذلك، وأنت خبير بأن هذه المقالة لا أساس لها من الصحة و أن أهل السنة براء منها.

المغالطة الرابعة: دعوى أن أم كلثوم رضي الله عنها زوجة عمر رضي الله عنه هي بنت علي رضي الله عنها لأم ولد وليست بنت فاطمة

من الأقوال التي حدثت في هذا العصر، دعوى أن أم كلثوم زوجة عمر بن الخطاب، لم تكن بنت علي، وإنما كانت بنته الأخرى من أم ولد، ويبدو أن أول من روج لهذه الدعوى هو جعفر مرتضى العاملي إذ قال بعد أن نقل نصوصا في وجود بنت لعلي اسمها أم كلثوم: «فإن ذلك يشير إلى وجود بنت لعلي اسمها أم كلثوم، ليست من بنات فاطمة، ولا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يمكن نفي احتمال أن تكون هي التي تعرض عمر للزواج منها»(748) ثم جاء الشهرستاني فجعل هذا القول أحد الأقوال الواردة في زواج أم كلثوم، ثم حاول أن يحشد النصوص على هذه المقالة المحدثة(749)

والجواب:

أولاً: إن الشهرستاني وإن لم يصرح بتبني هذا القول ولم يصرح أيضا بأن زوجة عمر رضي الله عنه هي بنت علي لأم ولد، لكنه غالط القراء في تقريره لهذا القول، إذ أنه لم يجد أي رواية أو قول ينص على هذه الدعوى فلجأ إلى أسلوب المغالطة كعادته، فنقل نصوصا من مصادر تاريخية تنص على أن لعلي بنتين باسم أم كلثوم كي يوهم القارئ أن من نقل عنهم هذه النصوص يرون أن زوجة عمر لم تكن بنتا لعلي!، وإليك البيان:

أحال الشهرستاني على ثلاثة مصادر:

المصدر الأول: تواريخ مواليد الأئمة المنسوب لابن الخشاب، وعند مراجعة النص المحال عليه، نجد أن ابن الخشاب يذكر أن لعلي بنتين: زينب الصغرى وأم كلثوم الصغرى، ولم يشر بأي شيء إلى أنها زوجة عمر، وفي نفس الوقت، قد ذكر ابن الخشاب في نفس الكتاب وقبل صفحة واحدة، أن لعلي من فاطمة خمسة أبناء:« الحسن والحسين ومحسن سقط وزينب وأم كلثوم!(750) فما وجه استدلال الشهرستاني

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بكلام ابن الخشاب!!.

المصدر الثاني والثالث: نور الأبصار للشبلنجي، ونهاية الأرب للنويري، ومحل الشاهد عند الشهرستاني هو عبارة:« وكان له زينب الصغرى، وأُمّ كلثوم الصغرى من أُمّ ولد»(751) .

وإن الباحث ليعجب من الشهرستاني حين نقل عن هذين المصدرين!، فالشبلنجي قد فرق بين أم كلثوم الكبرى والصغرى، وصرح في نفس الصفحة بأن عمر تزوج أم كلثوم الكبرى بنت فاطمة فقال: «وأما البنات فأم كلثوم الكبرى، ولدت قبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتزوجها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وولدت له زيدا الأكبر ورقية»(752) .

وقد أحال الشهرستاني على ثلاث مواضع من كتاب النويري، ويكفي أن نورد موضعا واحدا من المواضع التي أحال عليها الشهرستاني حتى تستغرب من هذه المغالطات، يقول النويري رحمه الله: «وفي هذه السنة تزوّج عمر أمّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وهي بنت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل بها في ذي القعدة»(753) ، فما وجه الإحالة على النويري إذا؟؟.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثانيا: جميع ما ورد من أخبار حول زواج أم كلثوم بعمر، وجميع أقوال العلماء والمؤرخين والنسابين أجمعت على أن أم كلثوم التي تزوّجها عمر رضي الله عنه إنما هي بنت فاطمة، وقد مرت بعض النصوص في مبحث مرويات الزواج ونصوص أهل العلم، ولا توجد رواية واحدة تفيد بأن زوجة عمر كانت من أم ولد، بل المقطوع به أنها أم كلثوم الكبرى، وأنها ابنة فاطمة، وسنكتفي بتكرار بعض النصوص من باب التذكير، فقط، قال البلاذري: «وأم كلثوم الكبرى تزوجها عمر بن الخطاب، وأمهم جميعاً فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم»(754) ، وقال النسابة أبو الحسن العمري وهو يبين الفرق بين أم كلثوم الصغرى والكبرى: «وأم كلثوم الصغرى لم تبرز، وأم كلثوم أمها فاطمة الزهراء عليها السلام تزوجها عمر بن الخطاب فولدت له زيداً ثم خلف عليها عبد الله بن جعفر»(755) .

قال ابن شهر آشوب: «فولد من فاطمة عليه السلام الحسن والحسين والمحسن وزينب الكبرى وأم كلثوم الكبرى تزوجها عمر»(756) .

وقد ثبت في روايات الإمامية أن فاطمة ولدت أم كلثوم، فروى ابن بابويه القمي بسنده الصحيح عن حماد بن عثمان قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار فقال: المعتقون من النار

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هم ولد بطنها: الحسن، والحسين، وزينب، وأم كلثوم»(757) وفي رواية عن محمد بن مروان، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام هل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن فاطمة أحصنت فرجها فحرم الله ذريتها على النار قال: نعم، عنى بذلك الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم»(758) وهذه النصوص الصحيحة عند الإمامية ترد دعوى كون أم كلثوم ليست بنت فاطمة رضي الله عنها.

ثالثاً: لو سلمنا جدلا بهذا القول، لتبادر إلى الذهن سؤال مباشر، ألا وهو: هل كانت هذه البنت مسلوبة الحرمة والحقوق حتى يضحّي بها عليٌّ رضي الله عنه، ويزوجها لعمر رضي الله عنه الذي يرى هؤلاء المعترضون أن تزويجه لا يجوز أصلا لخروجه من الملة عندهم؟، أو ليست هذه بنتا من صلب عليٍّ رضي الله عنه، لها حرمة وكرامة، وحمايتها واجبة؟، ولذا قال محمد جميل حمود العاملي:«إن الإذلال حاصل سواء كانت أم كلثوم بنت سيدتنا فاطمة عليها السلام أو كانت من امرأة أخرى تزوجها أمير المؤمنين علي»(759) .

ولا ينقضي استغرابنا من الشهرستاني حين قرّر في كتابه أن أم كلثوم التي كانت بنت علي من أم ولد، لم تكن مؤهلة للزواج بعمر صلى الله عليه وسلم، فقال: «على أنّه ليس في تلك الأخبار دلالة على أنّ أُمّ كلثوم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هي ابنة فاطمة، فقد تكون ابنته من غير فاطمة، وهذا القول هو الآخر بعيد، لأنّ علياً لم يتزوّج في زمن فاطمة بامرأة أُخرى، فلا يعقل أن تكون له بنت مؤهلة للزواج من عمر»(760) .ثم إن الشهرستاني في طبعته الجديدة من كتابه، اضطرب في هذه القضية، فتارة يقرر أن أم كلثوم التي تزوجها عمر رضي الله عنه ليست بنت فاطمة، فيقول: فهذه النصوص تشير إلى أن عمر لو صح زواجه من ابنة علي، فهو قد تزوجها قبل البلوغ ولم يدخل بها، وأن هذه البنت لم تكن ابنة فاطمة الزهراء، فقد تكون ابنته من أم ولد»(761) لكنه بعدها يكرر كلامه في الطبعة الأولى والذي مضى نقله(762) حين يصرح بامتناع أن تكون هناك بنت لعلي من غير فاطمة تكون مؤهلة للزواج من عمر رضي الله عنه، والمراد من كل هذه المغالطات هو التدرج بالقارئ من استبعاد زواج عمر بأم كلثوم بنت فاطمة في أول الأمر، ثم ينتقل إلى استبعاد زواج بأم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما من أم ولد، لينتهي بإنكار زواج عمر رضي الله عنه بأي بنت من بنات علي رضي الله عنه، وفي خضم كل هذا، يريد الشهرستاني التشويش على القارئ وتشكيكه في ثبوت الزواج، وقد وضحنا أن هذا القول لا أصل له، وإنما أحدثه بعض المتأخرين، وهو خلاف الثابت في الروايات الصحيحة، وخلاف اتفاق علماء التاريخ والأنساب، وبالله التوفيق.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المغالطة الخامسة: دعوى أن أم كلثوم زوجة الفاروق رضي الله عنه هي بنت أبي بكر رضي الله عنه وأنها كانت ربيبة لعلي رضي الله عنه

ومن الأقوال التي ظهرت في هذا العصر، ولم يكن لها أثر عند السابقين، زعم بعض المنكرين والمشككين في هذه المصاهرة المباركة بين البيت العمري والبيت العلوي الفاطمي، أن أم كلثوم التي تزوجها عمر رضي الله عنه هي أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق وليست أم كلثوم بنت علي رضوان الله عليهم أجمعين، وأول من ذهب لذلك –على ما وقفنا عليه- جعفر النقدي 1370 هـ إذ قال في كتابه الأنوار العلوية: «ورأيت في بعض الكتب ولم أستحضر اسمه الآن، ما معناه: عن أحد أئمة الهدى (ع) أن عمر خطب أم كلثوم بنت علي (ع) فرده، ثم خطب أم كلثوم بنت أبي بكر ربيبة علي (ع) فاعتل بصغرها... وصبر عليها حتى بلغت مبلغ التزويج فتزوجها. وقال الناس تزوج بنت علي (ع)، وأم كلثوم هذه أخت محمد بن أبي بكر لأمه وأبيه»(763) وتبعه على ذلك المرعشي النجفي في تعليقاته على إحقاق الحق حيث قال: «ثم ليعلم أن أم كلثوم التي تزوجها الثاني كانت بنت أسماء وأخت محمد هذا، فهي ربيبة مولانا أمير المؤمنين ولم تكن بنته كما هو المشهور بين المؤرخين والمحدثين، وقد حققنا ذلك وقامت الشواهد التاريخية في ذلك واشتبه الأمر على الكثير من الفريقين، وإني بعد ما ثبت وتحقق لدي أن الأمر كان كذلك استوحشت التصريح به في كتاباتي لزعم التفرد في هذا الشأن، إلى أن وقفت على تأليف في هذه المسألة للعلاّمة

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المجاهد السيّد ناصر حسين الموسوى اللكنوي أبان عن الحق وأسفر وسمى كتابه «إفحام الخصوم في نفي تزويج أم كلثوم»(764) وقال في موضع آخر عن أم كلثوم بنت أسماء بنت عميس!:«...وهي التي رباها أمير المؤمنين عليه السلام وتزوجها الثاني، فكانت ربيبته عليه السلام وبمنزلة إحدى بناته، وكان عليه السلام يخاطب محمد بابني وأم كلثوم هذه بنتي، فمن ثم سرى الوهم إلى عدة من المحدثين والمؤرخين فكم لهذه الشبهة من نظير، ومنشأ الأكثر الاشتراك في الاسم أو الوصف»(765) وقال محمد علي الحلو: وحاول فريق روائي متخصص استخدام حادثة خطبة عمر لأم كلثوم بنت أبي بكر فنسبوها إلى أم كلثوم بنت علي، أي أن الذي(766) خطبها عمر هي أم كلثوم بنت أبي بكر، وليست بنت علي كما يتوهم، فحاولوا الاستفادة من اتحاد الاسمين، ونسبة حادثة الخطبة إلى أم كلثوم بنت علي»(767) وقال أيضا بعد أن سرد نصوص خطبة عمر لأم كلثوم بنت أبي بكر: «وبعد هذا السرد الروائي تبين لنا أن خطبة عمر لأم كلثوم، لا تعدو عن كونها قضية متعلقة بأم كلثوم بنت أبي بكر، واستفاد البعض من اتحاد الاسمين فنسبوا الحادثة إلى أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، مما ساعد في اختلاط الأمر على البعض فقبل

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

القصة قبول المسلمات»(768)

وتبعهم باقر شريف القرشي فقال: «ذكرنا أنه ليس للصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء سلام الله عليها بنت غير السيدة المعظمة زينب عليها السلام، كما ذهب إلى ذلك بعض المحققين، وأنها كانت تكنى بأم كلثوم، وعثرت على بعض المصادر جاء فيه أن أسماء بنت عميس أعقبت من أبي بكر زوجها ولدا وهو الشهيد الخالد محمد، وبنتا اسمها أم كلثوم، وقد تربت مع أمها أسماء في بيت الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، لأن الإمام قد تزوج بأمها أسماء، فأم كلثوم ربيبة الإمام، وقد تزوج بها عمر بن الخطاب»(769) ، والجواب من وجوه:

الأول: إن هذا القول مجرّد ادعاء لا أصل له، ولم يقل به أحد من علماء الإمامية قبل النقدي، وهو في دعواه هذه مخالف للمعروف المتواتر أن أم كلثوم التي تزوّجها عمر رضي الله عنه هي ابنة كلٍّ من عليٍّ وفاطمة رضي الله عنهما، ويكفي في ضعف هذه الدعوى أن جعفر النقدي اعتمد فيها على رواية من كتاب لا يُعرف ولم يذكر حتى اسمه، وهي رواية مخترعة وموضوعة بلا شك، بل لا يبعد أن تكون من وضع النقدي نفسه، فإن الهوى إذا تمكن من صاحبه، أعماه عن الحق وسوَّل له كل وسيلة لنصرة رأيه، فلا يبعد أن يكون قد وضع هذه الرواية بهذه الصورة ليؤيد رأيه الذي لم يُسبق إليه، وعند التأمل في متن هذه الرواية، يظهر عليها الصناعة بوضوح، فقد قام مخترعها بإبدال أم كلثوم بنت علي بأم كلثوم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بنت أبي بكر في قصة إرسال علي أم كلثوم ليراها، ثم ادعى أن أم كلثوم بنت أبي بكر ربيبةٌ لعلي رضي الله عنه، وهذا لا أصل له، لأن أم كلثوم بنت أبي بكر لم تكن ربيبة لعلي رضي الله عنه كما زعم النقدي وزعم المرعشي، وقد رد عليهما الشهرستاني فقال:«هذا الكلام لا نقبله من الشيخ النقدي وإن كان مشهورا على الألسن، لأن أسماء بنت عميس ليس لها بنت من أبي بكر باسم أم كلثوم، وأن أم كلثوم بنت أبي بكر أمها حبيبة الخزرجية، وهي التي تزوجها حبيب بن أساف بعد وفاة أبي بكر، وبذلك تكون أم كلثوم بنت أبي بكر هي أخت محمد بن أبي بكر من أبيه لا من أمه، وبهذا لم تكن ربيبة الإمام علي»(770) قلت: وبذلك يتبين أن أم كلثوم بنت أبي بكر لم تكن ربيبة لعلي قط، ولم تكن قد تربت في بيت علي رضي الله عنه، وإنما كانت في بيت أمها حبيبة، بل والأغرب عدم تنبه من قرر هذه الدعوى أنه يستحيل أن تكون أم كلثوم زوجة عمر هي ابنة أسماء بنت عميس، لأن المعلوم أن عبد الله بن جعفر قد تزوج بأم كلثوم، ولو كانت ابنة أسماء بنت عميس لكان عبد الله بن جعفر قد تزوج بأخته!!، لأن أم عبد الله بن جعفر هي أسماء بنت عميس(771) ولست أدري كيف لم يتنبه من ذهب هذا المذهب إلى مآل هذه الدعوى الغريبة، وبهذا يتضح أن دعوى كون أم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كلثوم ربيبة علي وبنت أبي بكر دعوى لا أساس لها من الصحة.

الثاني: أن كل ما نقل من خطبة عمر رضي الله عنه لأم كلثوم لا يثبت من جهة السند والمتن.

أما من جهة السند: فقد استند القائلون بهذه المقالة إلى ما رواه الطبري رحمه الله في تاريخه حيث قال:«قال المدائني: وخطب أم كلثوم بنت أبي بكر وهي صغيرة، وأرسل فيها إلى عائشة، فقالت: الأمر إليك، فقالت أم كلثوم: لا حاجة لي فيه، فقالت لها عائشة: ترغبين عن أمير المؤمنين! قالت: نعم، إنه خشن العيش، شديد على النساء، فأرسلت عائشة إلى عمرو بْن العاص فأخبرته، فقال: أكفيك، فأتى عمر فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني خبر أعيذك بالله منه، قال: وما هو؟ قال: خطبت أم كلثوم بنت أبي بكر! قال: نعم، أفرغبت بي عنها، أم رغبت بها عني؟ قال: لا واحدة، ولكنها حَدِثَةٌ نشأت تحت كنَفِ أم المؤمنين في لين ورفق، وفيك غلظة، ونحن نهابك، وما نقدر أن نردك عن خلق من أخلاقك، فكيف بها إن خالفتك في شيء، فسطوت بها؟، كنت قد خلفت أبا بكر في ولده بغير ما يحق عليك. قال: فكيف بعائشة وقد كلمتها؟ قال: أنا لك بها، وأدلك على خير منها، أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، تعلق منها بسبب من رسول الله صلى الله عليه وسلم»(772) ، ورواية المدائني هذه لا تثبت، لأنها مروية بلا إسناد، والمدائني قد توفي سنة 224 هـ، وبينه وبين الواقعة مئتي سنة، فلا يصح الاعتماد على مثل هذه الرواية، لشدة وهائها من جهة السند.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومثل هذه الرواية في الضعف، ما نقله ابن عبد البر ورواه ابن عساكر بسنده عن ابن أبي خالد أن عمر خطب أم كلثوم بنت أبي بكر إلى عائشة وهي جارية فقالت: أين المذهب بها عنك، فبلغها ذاك فأتت عائشة فقالت: تنكحين عمر يطعمني الخشن(773) من الطعام إنما أريد فتى يصب علي الدنيا صبا، والله لئن فعلت لأذهبن لأصيح(774) عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فقال أنا أكفيك، قالت: فدخل على عمر فتحدث عنده ثم قال يا أمير المؤمنين لو أنك تذكر التزويج، قال عمر: فلعل ذاك أن يكون من أيامك أو نحو هذا، قال: من؟، قال: أم كلثوم بنت أبي بكر فقال:يا أمير المؤمنين ما إربك إلى جارية تبغي عليك الليل والنهار إياها، فقال عمر: عائشة أمرتك بهذا؟... فتزوجها طلحة بن عبيد الله(775) ، وهذا الخبر منقطع، فإن إسماعيل بن أبي خالد لم يدرك الواقعة، لأنه توفى سنة 146 هـ، وهو يروي بالواسطة عن عمر، والواسطة هنا مجهولة فالخبر لا يصح.

أما من جهة المتن، فرواية المدائني تثبت أن الفاروق عدل عن خطبة أم كلثوم بنت أبي بكر إلى خطبة أم كلثوم بنت علي، أما من استدل بها فيريد أن يجعل هذه الرواية تثبت زواج عمر بأم كلثوم بنت أبي بكر، فهل هذا إلا تحريف و تزوير لنص الرواية، وأما رواية ابن أبي خالد فهي تؤكد على أن عمر رضي الله عنه لم يتزوج أم كلثوم رضي الله عنها لأنها رفضت

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

خشونة عيش الفاروق، فلا يصح الاستدلال بها أيضاً.

الثالث: إن من أبين الدلائل على بطلان هذه القصة أنه قد ثبت في رواية خطبة عمر لأم كلثوم رضي الله عنهما أن مقصود عمر رضي الله عنه من هذا الزواج كان الاتصال بنسب النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا فقد استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم «كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي»، وهذه العلة متحققة في أم كلثوم بنت فاطمة دون غيرها من بنات علي رضي الله عنه، لذلك كيف يصح أن يدعى أن عمر تزوج بابنة أبي بكر وهي ليست من أهل البيت حتى يصح أن يطلب عمر بالزواج منها الاتصال بالنسب النبوي!؟.

الرابع: نقول كما قلنا في الرد على من قال إنها من أم ولد: هل الربيبة هذه ليس لها حرمة؟! أو ليست مؤمنة لها ما للمؤمنين من حقوق؟! وهل يظنُّ بأمير المؤمنين أن يفرِّق بين ابنته من صلبه وبين ربيبته، فيلقي ربيبته هذه لرجل لا يصح له أن يزوجها، ولقد تنبه الشهرستاني إلى هذا فاستدرك على من ذكر هذه المقالة فقال: «والربيبة تعدُّ في الشرع من حيث محرميتها بمنزلة البنت، وعند العرب بمنزلة البنت مطلقاً حتى في الإرث وغيره»(776) .

ولأن بطلان هذه المقالة أظهر من الشمس، استبعد الشيخ الإمامي حسين مصطفى صدورها ويبدو أنه لم يتصور أن هناك من سيتجرأ وينكر بنوة أم كلثوم رضي الله عنها لعلي رضي الله عنه، فقال معترضا على جعفر مرتضى العاملي حين نفى أن تكون زينب وأم كلثوم ورقية بنات النبي صلى الله عليه وسلم: «ولو صح

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نفي السيدات حذراً من رقي عثمان إلى رتبة المسلم بزواجه منهما، فماذا نصنع بصاحبه وزواجه ممن هي خير منهما(777) أم كلثوم بنت الإمام؟ هل ننفيها من بنوة أمير المؤمنين؟»(778) لكن التعصب والمبالغة في عداوة الفاروق، حملت بعض الكُتّاب على تبني هذه المقالة ونشرها، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

و في ختام هذا الجواب لا بد أن ننبه على أن البعض حاول الاستدلال بوهم وقع فيه الإمام النووي رحمه الله ليوهم القراء أنه ينفي زواج أم كلثوم بعمر رضي الله عنه، فقد ذكر النووي رحمه الله قول الصديق رضي الله عنه: «ذو بطن بنت خارجة، أُراها جارية»(779) ثم قال:«وهاتان الأختان هما أسماء بنت أبي بكر، وأم كلثوم، وهي التي كانت حملاً، وقد تقدم هناك إيضاح القصة، وأم كلثوم هذه تزوجها عمر بن الخطاب»(780) ولا ريب أن هذا وهم من النووي رحمه الله اشتبه فيه واختلط عليه أم كلثوم بنت الصديق وأم كلثوم بنت علي في هذا الموضع، وقد مضى أن النووي قد ذكر أن عمر تزوج أم كلثوم، لكن الذين يستغلون وهم النووي يحاولون

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أن يصوروا للقارئ أنه ينكر زواج عمر من أم كلثوم، وهذا فيه تجن على الإمام النووي ومغالطة واضحة.

والخلاصة أن دعوى كون أم كلثوم زوجة الخليفة الراشد عمر لم تكن بنتا لعلي رضي الله عنه، لا منزلة لها من الصواب، بل هي دعوى بعيدة عن الحق، وليس فيها إلا الالتفاف على حقائق التاريخ و مخالفة أصول البحث والتحقيق في المسائل التاريخية، وبهذا يتضح أن كل ما اعترض المنكرون لزواج عمر من أم كلثوم من اختلافات لا تخرج عن أمرين، إما أنها اختلافات لا حقيقة لها، أو أنها لا تتعلق أصلا بزواج عمر من أم كلثوم، وفوق كل هذا فهي لا ترقى إلى إنكار هذه المصاهرة التي كانت دليلا من الأدلة الكثيرة على المحبة والمودة القائمة بين آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وآل عمر رضي الله عنه.

المغالطة السادسة: استبعاد وقوع الزواج بناء على استنكار بعض تفاصيله

حاول المنكرون لزواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم أن ينكروا وقوعه بناء على استبعادهم لبعض تفاصيله، وأول من سلك هذا المسلك هو بعض المتأخرين كالتستري ويوسف البحراني وغيره، ثم توسع ناصر حسين الهندي في ذلك وجعل هذه الأمور مناطا لإنكار زواج عمر من أم كلثوم، ثم تابعه من جاء بعده كمحمد علي الحلو والميلاني والشهرستاني وغيرهم، وقصدهم من ذلك التشكيكُ في ثبوت هذه المصاهرة بمحاولة

التأثير على عواطف القراء وتصوير أن إثبات هذه المصاهرة يترتب عليه الطعن في عمر الفاروق تارة، والطعن في علي وآل بيته تارة أخرى، وبدل أن يحاولوا توجيه بعض الوقائع ويبينوا وجه الصواب فيها، قاموا باستنكارها وردها، بناء على ظنون وأوهام و تخيلات بعيدة عن الصواب، ونحن سنناقش هذه الاستبعادات المتعلقة بتفاصيل زواج أم كلثوم من عمر من باب التنزل معهم وأيضا لنجلي الحق لمن قد يغتر بمثل هذه الاعتراضات، وإلا فالإجابة المجملة عن هذه الاعتراضات بأنها لا تستلزم نفي هذا الزواج: كافيةٌ، ونحن سنكتفي بنقل اعتراف جعفر مرتضى العاملي بذلك، -وإن كان يرى ويعتقد وقوع الزواج بالإكراه والإجبار، فقال وهو يرد اعتراض ناصر الهندي على ثبوت الزواج بما زعمه أدلة تناقض ثبوته: أدلة الهندي مجرد استبعادات، كما أن البعض الآخر كصاحب كتاب إفحام الأعداء والخصوم قد أورد في الجزء الأول المطبوع من كتابه هذا، إستبعادات غاية ما تفيده هو عدم إقدام علي عليه السلام على تزويج ابنته من عمر برضا منه واختيار.. ولكنها لا تنفي حدوث الإجبار والإكراه على هذا الزواج»(781) ونحن نقول: يكفينا تصريح جعفر مرتضى بأن هذه الاعتراضات لا تنفي وقوع الزواج، أما دعوى وقوع الزواج بالإكراه والإجبار فسيأتي نقضها في محله، وهذا أوان الشروع في الجواب عن استدلالات المخالفين لنا في هذه القضية.

1-استبعاد وقوع الزواج لصغر سن أم كلثوم رضي الله عنها

استدل محمد جميل حمود على نفي وقوع الزواج بصغر سن أم

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كلثوم، فقال بعد أن قرر أن عمرها عند أهل السنة في حدود ثمانية سنوات: «فكيف يقدم والدها عليه السلام على تزويجها وهي قاصرة لم تبلغ سن التكليف فهل تراه يسن لنا تشريعاً بتزويج بناتنا القاصرات ودون سن التكليف، ولم يعهد ذلك من نبي أو وصي فكيف بسيد الأنبياء والأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام؟! حاشاه أن يفعل ذلك»(782) وقال أيضا: «مضافا إلى أن نكاح الصغيرة حرمته من أبده البديهيات في شريعتنا والشرائع السماوية برمتها بل حرمتها مقطوع بها عند عامة العقلاء»(783) ،وقال علي صالح رسن: «كيف بأمير المؤمنين أن يزوج ابنته وهي دون سن الزواج»(784)

والجواب من وجوه:

الأول: ادعاء محمد جميل حمود أن تحريم نكاح الصغيرة متفق عليه دعوى غير صحيحة، بل العكس هو الصواب، فتزويج الصغيرة مسألة متفق عليها بين الفقهاء، قال ابن المنذر رحمه الله: «وأجمع أهل العلم على أن نكاح الأب ابنته البكر الصغيرة جائز، إذ زوجها من كفؤ، هذا قول مالك، والثوري، والليث بن سعد، والأوزاعي، وعبيد الله بن الحسن، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وأصحاب الرأي»(785) و قال ابن بطال رحمه الله: «أجمع العلماء على أنه يجوز

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

للآباء تزويج الصغار من بناتهم وإن كُن في المهد، إلا أنه لا يجوز لأزواجهن البناء بهن إلا إذا صَلُحن للوطء واحتملن الرجال، وأحوالهن تختلف في ذلك على قدر خلقهن وطاقتهن. وكانت عائشة رضي الله عنها حين تزوج بها النبي بنت ست سنين وبنى بها بنت تسع»(786) وهذا قول فقهاء الإمامية، وهو الذي ثبت في مروياتهم و نص عليه غير واحد من كبار علمائهم، فقد روى الطوسي في التهذيب بسند صححه المجلسي و آصف محسني عن علي بن يقطين قال: «سألت أبا الحسن عليه السلام أتزوج الجارية وهي بنت ثلاث سنين؟ أو يزوج الغلام وهو ابن ثلاث سنين؟ وما أدنى حد ذلك الذي يزوجان فيه؟ فإذا بلغت الجارية فلم ترض فما حالها؟ قال: لا بأس بذلك إذا رضي أبوها أو وليها»(787) وقد حددوا سن الدخول بما بعد التاسعة، فروى الكليني في الكافي بسند صحيح عن أبي عبد الله قال: «إذا تزوج الرجل الجارية وهي صغيرة فلا يدخل بها حتى يأتي لها تسع سنين»(788) ومعلوم أن سن أم كلثوم حين تزوجها الفاروق كان فوق التسع سنوات كما تقدم تحقيقه(789) وقد نقل فقهاء الإمامية الإجماع على جواز تزويج الصغيرة، قال المرتضى: «عندنا أنه يجوز أن ينكح الصغار الآباء والأجداد من قبل الآباء...دليلنا على صحة

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ما ذهبنا إليه بعد الاجماع المتقدم....»(790) ومحمد جميل حمود مطلع على هذا، لكنه أراد أن يقنع القارئ بعدم صحة هذا الزواج بناء على العرف السائد الآن والذي يستهجن أكثر الناس فيه تزويج الصغار.

وقد حاول علي الشهرستاني تقوية هذا الاعتراض بالاستدلال برواية عن عمر رضي الله عنه ورد فيها أن عمر رضي الله عنه أمر الناس بالزواج من أكفائهم في السن(791) ، فقد روى سعيد بن منصور وابن شبة عن أبي المجاشع الأزدي، قال: «أتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بامرأة شابة زوجوها شيخا كبيرا فقتلته، فقال: «يا أيها الناس، اتقوا الله ولينكح الرجل لمته من النساء، ولتنكح المرأة لمتها من الرجال، يعني شبهها»(792) .

وهذه الرواية لا تصح من جهة السند، ففيها علتان:

الأولى: تفرد بهذا الخبر أبو بكر بن عبد الله أبي مريم، ضعيف جدا، ضعفه جماعة من النقاد كالإمام أحمد، وابن معين وأبي زرعة وأبي حاتم والجوزجاني والنسائي والدارقطني وابن حبان(793) .

الثانية: جهالة أبي مجاشع الأزدي فإنه لا يعرف إلا من رواية أبي بكر بن أبي مريم كما نص على ذلك أبو حاتم الرازي، ولذا قال عنه الذهبي لا يعرف(794) هذا وغير بعيد أن يكون هذا الاسم من تخليط أبي

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بكر بن أبي مريم.

ثم إن الخبر مخالف لما ثبت من الأدلة من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ومن عمل الصحابة على عدم اشتراط التكافؤ في السن في الزواج، ولو صح الخبر فيمكن حمله على مراعاة بعض الحالات الخاصة التي قد يؤدي فيها عدم التناسب في السن إلى وقوع مشاكل في الزواج.

الثاني: المعلوم أن أحوال النساء تختلف من زمن لآخر بحسب اختلاف البيئة الاجتماعية، فلا ينبغي إسقاط أحكام و عرف زمننا على زمن الصحابة.

الثالث: المقطوع به أن عمر قد تزوج أم كلثوم وهي قادرة على النكاح، بدليل أنها حملت وولدت ابنا وبنتا، وهذا يُسقط كل اعتراضات المشككين بعدم أهليتها للزواج في هذا السن، فضلا عن أنه لم ينقل عن عمر أنه تبرم منها أو اشتكى لأبيها منها بسبب صغر سنها، بل لم ينقل عنها أي موقف تتبرم فيه من الزواج بالفاروق رضي الله عنه .

2-استبعاد وقوع الزواج لاستنكار المخالفين رواية كشف عمر رضي الله عنه لساق أم كلثوم رضي الله عنها

لعل من أهم الأمور التي استند إليها المنكرون لزواج عمر من أم كلثوم، وحاولوا من خلالها إستثارة عواطف القراء حتى يرفض هذه الواقعة ويستبشعها، هي الروايات التي وردت في إرسال علي رضي الله عنه ابنته أم كلثوم إلى عمر رضي الله عنها، وقد فصلنا الكلام عنها عندما سُقناها في مبحث إرسال علي رضي الله عنه ابنته إلى عمر رضي الله عنه، وميزنا الثابت منها من الضعيف،

وبينا وجه فعل عمر وعلي رضي الله عنهما، ورددنا الأمور المستنكرة التي وردت في بعض الروايات الضعيفة، ولأن هذه القضية تكررت في أكثر من كتاب، وقد يلتبس الأمر على من لم يحط بتفاصيل هذه القصة، سنزيدها بيانا مع مناقشة اعتراضات المعترضين، حتى نجلي الحقيقة الكاملة للقصة.

ويبدو أن سبط ابن الجوزي ( 654 هـ) أول من استنكر هذه الرواية فقال: «وذكر جدّي في كتاب المنتظم: أن علياً بعثها إلى عمر لينظرها، وأن عمر كشف ساقها ولمسها بيده، قلت: هذا قبيح والله، لو كانت أمة لما فعل بها هذا، ثم بإجماع المسلمين، لا يجوز لمس الأجنبية، فكيف ينسب إلى عمر هذا!(795) ، ولكن سبط ابن الجوزي بعدها أورد رواية أخرى تفيد أن عليا أرسل أم كلثوم إلى عمر لينظر إلى صغرها فنظر إليها عمر ورضيها فتزوجها، ثم قال سبط ابن الجوزي: «ثم ولدت أم كلثوم من عمر زيدا»(796) ، فسبط ابن الجوزي لم ينكر الزواج وإنما أنكر رواية إرسال علي رضي الله عنه أم كلثوم لعمر، أما المتأخرون والمعاصرون من المعترضين على واقعة إرسال علي رضي الله عنه أم كلثوم لعمر رضي الله عنهما فسلكوا ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الأول: من استنكر روايات إرسال أم كلثوم إلى عمر، وأنكر ثبوت الزواج رأساً:

وعلى رأسهم يوسف البحراني حين قال: ما تضمنه خبره من إرسال علي عليه

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

السلام بنته إلى عمر ليراها فإن رضيها زوجه إياها، فإنه لا يخفى على كل ذوق سليم وعقل قويم أن هذا لا يجوز أن ينسب إلى أحقر العوام فضلا عن أمير المؤمنين»(797) إلى أن قال: «قوله نقلا عن أمير المؤمنين عليه السلام لما أخبرته ابنته عن وضع عمر يده على ساقها، وقوله أتبعثني إلى شيخ سوء، مهلا يا بنية، إنه زوجك، مع أن التزويج لم يقع بعد، فكيف أنكر أمير المؤمنين عليه السلام على ابنته ما ذكرته، والحال أنها ما أنكرت منكرا، إذ لاخلاف بين العامة والخاصة في أن مس جسد الأجنبية محرم ومنكر يستحق فاعله التعزير»(798)

وهذا ما ذهب إليه ناصر الهندي(799) ثم تابعه من كتب بعده في هذه المسألة، كمحمد علي الحلو الذي يقول:«والمتأمل في سرد قصة التزويج ليجد مخالفتها للشريعة واضحة، ومنافاتها للأخلاق العامة صريحة، مما تؤكد أنها إحدى محاولات الإساءة لأهل البيت عليهم السلام، وذلك كفيل برد القصة وتكذيبها رأسا، وكلما تمعنت في مجريات القصة اقشعر بدني وعلمت أنها موضوعة للإساءة إلى شرف ذلك البيت الطاهر»(800) ثم نقل رواية الخطيب البغدادي وعلق عليها قائلا: «أي غيور يرضى بإرسال ابنته بعد تزيينها إلى رجل لم يكن بعد زوجها، وكيف يرضى الغيور أن تذهب فيقبلها رجل ويأخذ بساقها وهو لا زال

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أجنبيا عنها...»(801) ثم نقل كلام سبط ابن الجوزي الآنف.

ويقول محمد جميل حمود:«لا أصدق ما أقرأ أن عليا عليه السلام يصل به الحال والاضطرار –كما يدعي الحشوية- إلى أن يرخص عنده الشرف والغيرة، فيعرض ابنته -التي طالما حرص على أن لا يراها رجل- على عمر فيكشف عن ساقها»(802) ، ويقول أيضا: «وهل يتصور عاقل أن يرسل أمير المؤمنين ابنته إلى عمر ليراها وتنال رضاه وتقول له إن رضيت رضي الله عنك، ويضع يده عليها ويكشف عن ساقها»(803) .

ويلحق بهؤلاء الشهرستاني، فإنه مائل إلى عدم وقوع الزواج، كما أنه لمح إلى أن رد رواية كشف الساق يترتب عليه إنكار وقوع الزواج!، فقال بعد أن استنكر الرواية: «فنحن لو قبلنا هذه النصوص وأردنا الاستدلال بها على التزويج للزمنا قبول تواليه الفاسدة، وإن لم نقبلها فانتفى التزويج والاستدلال به»(804) .

الاتجاه الثاني: من أنكر ثبوت روايات إرسال أم كلثوم إلى عمر فقط، دون إنكار وقوع الزواج:

أول من وجدناه يذهب إلى هذا الاتجاه هو محسن الأمين، إذ قال: «ما في بعض هذه الروايات من إرسالها اليه بتلك الصورة لا

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يمكن تصديقه ولا يمكن صدوره من ذي غيرة فضلا عن أمير المؤمنين، وما ذلك الا فعل السفلة والأوباش، وحاشا أمير المؤمنين من مثله ولو كانت عنده أمة لقبح أن يرسلها بهذه الصفة، وكيف يرسلها بهذه الكيفية وهو قد دافع أولا واعتذر بعدة أعذار، وما الذي يحمله على إرسال ابنته إليه بهذه الصورة المستهجنة وهي لا تعلم بأنه بعلها، وكيف يقول له فإن رضيتها فقد زوجتك وهل كان يحتمل أن لا يرضاها بعد إصراره على خطبتها غير مرة، ثم كيف يصح التزويج بهذا الترديد وبالإيجاب بدون لفظ القبول ولم يذكر مهرا كما في بعض هذه الروايات ثم يروى بعد ذلك أنه تزوجها على أربعين ألفا. كل ذلك يوجب الجزم بأن بعض هذه الأخبار مختلق»(805) وممن سلك هذا المسلك جعفر مرتضى(806) وعلي الميلاني(807)

الاتجاه الثالث: من ادعى أن إرسال علي ابنته لعمر كان تقية كما وقع الزواج تقية:

وقد ذهب التستري إلى هذا المذهب الغريب، وادعى أن الزواج كما وقع بالإكراه، فكذلك إرسال علي ابنته لعمر، فقال: «وإني لأقسم بالله على أن ألف ضربة على جسده عليه السلام وأضعافه على جسد أولاده أهون عليه من أن يرسل ابنته الكريمة إلى رجل أجنبي قبل عقدها إياه ليريها فيأخذها ذلك الرجل ويضمها إليه ويقبلها ويكشف عن ساقها،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهل يرضى بذلك من له أدنى غيرة من آحاد المسلمين؟، لولا علمه بأن الامتناع عن ذلك يؤدي إلى الوقوع فيما هو أعظم ضررا من هذا ومن هلاك نفسه وأولاده أيضا، وهو خوف ثوران الفتنة بين المسلمين وارتداد الخلق وإفناء الدين، فسلَّم عليه السلام وصبر واحتسب كما أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم»(808) ويقول في موضع آخر:«كيف لا يستحي علي عليه السلام وهو نفس النبي صلى الله عليه وسلم ولحمه ودمه، من إرائة ابنته إلى رجل أجنبي قبل عقدها معه، خصوصا وقد ذكر ابن الحجر أن عمر كان يظهر أنه إنما أراد العقد عليها لنيل الشرف والكمال، لا للجمال والمال، وهل يتصور صدور مثل هذا الأمر المخالف للغيرة إلا تقية ومحافظة على ما ذكرناه؟»(809)

والجواب مجمل ومفصل:

أما الجواب المجمل فلا شك أنك أيها القارئ قد لاحظت أنْ لا تلازم إطلاقا بين استنكار رواية إرسال علي ابنته أم كلثوم إلى عمر، وبين إنكار وقوع الزواج، بدليل أنَّ بعض علماء الإمامية قد جمع بين الأمرين، فحتى لو سلمنا جدلا بعدم صحة تلك الروايات، فلا يترتب على ذلك إنكار مصاهرة عمر لعلي رضي الله عنهما!، وهذا كاف في بيان خطأ أصحاب الاتجاه الأول.

وأما الجواب المفصل فمن وجوه:

الأول: قد مضى الكلام عن الرواية ورفع الالتباس والإشكال،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفصلنا الروايات الصحيحة من الضعيفة، ورددنا الألفاظ المستنكرة التي ورد فيها التزيين والتقبيل بضوابط علمية، وبيننا أنها من مفاريد بعض الضعفاء ولم ترد في الروايات الثابتة، ولذا حكمنا عليها بالنكارة، ولكن المعترضين لا يتحرون الصحة في الروايات التي استدلوا بها، بل يخلطون الصحيح بالضعيف والغث بالسمين، ولو اقتصروا على الأخبار الصحيحة لزال كثير من إشكالاتهم على هذه القصة.

وقد انتهينا إلى ثبوت رواية إرسال علي أم كلثوم إلى عمر ليراها، وأن الأمر وقع على وجه صحيح وشرعي لأن عليا أرسل أم كلثوم زوجةً لعمر وليس خطيبة!، وأن أم كلثوم لم تدْرِ ذلك ولذلك ورد في بعض الروايات ما يفيد اعتراضها على صنيع عمر، وهذا من تمام حيائها وعفتها رضي الله عنها، ونزيد الأمر هنا بيانا بأن نبين مسألة مهمة، وهي أن عمر كان أتقى لله وأنقى من أن يكشف امرأة لا تحلُّ، وهذا لا يقوله إلا من لا يعرف الفاروق وسيرته الناصعة، فقد كان رضي الله عنه من أغير الناس على حرمات الله تبارك وتعالى، وكان رضي الله عنه من أحرص الناس على صيانة أعرض المسلمات، فكيف يظن بعمر أنه تجرأ على أن يمس امرأة لا تحل له، وعمر رضي الله عنه هو من كان يستثقل خروج نساء النبي صلى الله عليه وسلم من غير حجاب قبل نزوله، فقد ثبت عنه رضي الله عنه أنه قال: وافقت ربي في ثلاث: فقلت يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾(810) وآية الحجاب، قلت: يا رسول الله، لو أمرت نساءك أن يحتجبن، فإنه يكلمهن البر والفاجر، فنزلت آية الحجاب»(811)

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعمر رضي الله عنه هو الذي أنكر على سودة رضي الله عنها خروجها لقضاء حاجتها مع أن ذلك مباح لها، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم: احجب نساءك، قالت: فلم يفعل، وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يخرجن ليلا إلى ليل قبل المناصع، فخرجت سودة بنت زمعة، وكانت امرأة طويلة، فرآها عمر بن الخطاب وهو في المجلس، فقال: عرفتك يا سودة، حرصا على أن ينزل الحجاب قالت: فأنزل الله عز وجل آية الحجاب»(812) هذا عمر الفاروق وهذه سيرته، أُيتصور في عمر رضي الله عنه مع ما مر من حرصه على الحياء والستر والعفة أن يتجرأ على ما نُسب إليه من ارتكاب ما حرم الله ولمس امرأة أجنبية؟، وكذلك علي رضي الله عنه، فهو مثل عمر رضي الله عنه في الحرص على صيانة عرض أهله، وعدم تجاوز حدود الشرع، فهل يظن بمثله أنه يرسل ابنته بصورة غير شرعية إلى عمر رضي الله عنه!، أو أنه وحاشاه يسمح لعمر رضي الله عنه بأن يمسها وهي لا تحل له خوفا من عمر وحفظا لما هو أهم كما زعم التستري؟.

فالصحيح والصواب، أن عليا رضي الله عنه أرسل أم كلثوم إلى عمر رضي الله عنها ليزوجها إياه بناء على رغبة عمر في الزواج بها، واشترط علي على عمر أن ينظر إلى الفتاة ويرى إن كانت مناسبة له فإن رضي بها صارت زوجة له، فقبلها عمر رضي الله عنه ورضيها زوجة، وما صنعه معها من كشف ساقها كان بعد أن صارت زوجة له قطعا، وهذا ما جاء في رواية أبي جعفر الباقر التي رواها سعيد بن منصور، ففيها أن عليا قال لعمر: «نرسل بها إليك تنظر إليها. فرضيها أي عمر رضي الله عنه، فكشف عن ساقها» وكذا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رواية عطاء، ففيها أن عمر قبل بنكاح أم كلثوم بعد أن رضي بها، فقد روى عطاء أن عليا قال لعمر بعد أن خطب منه أم كلثوم: «فإني مرسلها إليك هل تنظر إلى صغرها؟ فأرسلها إليه فجاءته فقالت: إن أبي يقول لك: هل رضيت الحلة؟ فقال عمر: قد رضيتها فأنكحه علي رضي الله عنهما»(813)

وقد اعترف الشهرستاني بأن الروايات التي تنص على أن فعل عمر وقع بعد التزويج ترفع بعض الإشكال فقال بعد أن عرض الإشكالات السابقة على الرواية: نعم يمكن تصحيح جزء من ذلك لو تنزلنا وقلنا بصحة صدور خبر التزويج وثبوت رضا الإمام بذلك!(814) قلت: وهذا الذي نقوله في هذه الروايات، وبذلك يرتفع الإشكال والاعتراض، لأن هذا هو الظاهر من مجموع الروايات ولأن هذا هو اللائق بعمر وعلي رضي الله عنها، وبأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين هنؤوا عمر بزواجه بأم كلثوم، فإن مقتضى ذلك هو عدم إنكارهم للصورة التي تم عليها العقد، وهذا اللائق بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم كالحسن والحسين والعباس رضي الله عنهم وغيرهم ممن

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بلغهم الزواج ولم يبلغنا عنهم إنكار للصورة التي مضى عليها.

الثاني: اعترض محسن الأمين على هذه القصة باعتراضات تدل على أنه تسرع في الحكم على الروايات ولم يميز الصحيح من الضعيف منها، وهذه الاعتراضات تحتاج إلى بيان:

1 - فالاعتراض بخلو الرواية من الإيجاب و القبول(815) ، يجاب عنه بأن الفقهاء قرروا أن الإيجاب والقبول يكونان بالقول أو ما يحل محله، وهذا ما قال به فقهاء الإمامية أيضا، يقول يوسف البحراني: «ولا يشترط في القبول مطابقته لعبارة الإيجاب... بل تصح إن اختلفا بأن يقال زوجتك فيقال قبلت النكاح أو رضيت به أو يقال أنكحتك فيقال قبلت التزويج أو تزوجت»(816) ،وقد جاء في الروايات أن عمر رضي بأم كلثوم زوجة له، فبذلك يتحقق القبول ويتم العقد.

2 -وأما الاعتراض بأن المهر والشهود ليسوا مذكورين في الرواية، فالجواب عنه: أن المهر قد ذكر في روايات أخرى، فلا ريب أن عمر قد حدّث عليا بالمهر حين خطب منه أم كلثوم، أو أنه حدد المهر بعد تمام العقد، وقد جاء في رواية عطاء التي مضت أن عمر بعد أن رأى أم كلثوم وزوجه علي إياها أصدقها عمر أربعين ألفا»(817) وأما

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الشهود فعدم ذكرهم لا يدل على عدم حضورهم، فلعل خِطبة عمر كانت أول أمر في حضور شهودٍ مع علي رضي الله عنه، وذلك كاف في الإشهاد.

3 - وأما اعتراض محسن الأمين وغيره بأن أم كلثوم كانت تجهل أنها صارت زوجة لعمر، فالجواب عنه أنها كانت صغيرة، ولم تدرك ذلك إلا بعدُ، ونظير هذا ما وقع لأم المؤمنين عائشة، فقد تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم وهي لا تدري بذلك، حتى قالت رضي الله عنها: « أتتني أمي أم رومان، وإني لفي أرجوحة، ومعي صواحب لي، فصرخت بي فأتيتها، لا أدري ما تريد بي فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار، وإني لأنهج حتى سكن بعض نفسي، ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي، ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت، فقلن على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن، فأصلحن من شأني، فلم يرعني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى، فأسلمتني إليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين!(818) ، فلم يضرَّ ذلك عائشة رضي الله عنه في شيء، وسيأتي مزيد من البيان في النقطة الرابعة.

4 -وأما اعتراض الشهرستاني بأن عليا لم يستشر أم كلثوم ولم يستأذنها في العقد حين قال: «كيف لا يسأل الإمام ابنته عن رأيها في هذا الزواج ورضاها بعمر أم لا، والإمام قد عرف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم في تزويج بناته، وأن قد شاهده صلى الله عليه وسلم قد سأل الزهراء عن رأيها في التزويج به»(819) فهو أمر مستغرب منه، لأن الإمامية قد اتفقوا على أن للأب أن يزوج ابنته الصغيرة دون علمها ولا رضاها، وثبت ذلك في

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مروياتهم، روى الكليني في الكافي عن أبي عبد الله قال: «لا تستأمر الجارية إذا كانت بين أبويها ليس لها مع الأب أمر وقال: يستأمرها كل أحد ما عدا الأب»(820) وروى الكليني عن أبي عبد الله في الجارية يزوجها أبوها بغير رضا منها قال: «ليس لها مع أبيها أمر إذا أنكحها جاز نكاحه وإن كانت كارهة»(821)

وقد نص فقهاء الإمامية على ذلك أيضا، قال ابن زهرة الحلبي: «الولاية التي يجوز معها تزويج الصغيرة غير البالغ- سواء كانت بكرا أو قد ذهبت بكارتها بزوج أو غيره ولا يكون لها بعد البلوغ خيار، بلا خلاف بين أصحابنا... مختصة بأبيها وجدها له في حياته»(822) ، وقال يوسف البحراني: «ظاهر الأصحاب الاتفاق على أنه لا خيار للصبية بعد البلوغ إذا عقد عليها الأب أو الجد»(823) .

وأما صورة وقوع الزواج، فهي في كتب الفقه تسمى بالنكاح المعلق على شرط، وقد اختلف الفقهاء في حكمه، لكن الصحيح هو جوازه(824) خاصة في مثل هذه الصورة التي كان النكاح فيها متحققا، لأن الشرط كان رضا الزوج فقط، والزوج كان راغبا في الزواج، تقيّا في نفسه، فلا يخشى منه أن يتعدى حدود الله في مثل هذا الأمر. فإن قيل: هب أن عمر رضي الله عنه رأى أم كلثوم رضي الله عنها فبدا له ألا يتزوجها، ألا يكون علي رضي الله

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عنه مخطئا بإرسالها له ليراها، قلنا: قد اتفق العلماء على أن الخاطب يجوز له النظر إلى المخطوبة، وعمر لم يتعد الحد الشرعي في الرؤية، وأما ما جاوز الرؤية من اللمس وكشف الساق، فلم يفعله عمر إلا بعد أن صارت أم كلثوم زوجته، وعليه فحتى لو سلمنا بهذا الفرض يكون الأمر قد وقع على وجه شرعي صحيح، وبذلك يظهر أن من فهم من هذه الرواية غير ذلك لم يحسن استقراء الطرق وتتبعها.

الثاني: حمل بعض أهل العلم هذه الرواية على معنى آخر، وهو أن عمر كان خاطبا لأم كلثوم، وعليه فيجوز له النظر إليها، وجوزوا بناء على ظاهر الرواية إطلاق جواز النظر إلى المخطوبة من غير تقييد بالوجه والكفين، وممن ذهب إلى هذا الرأي العلامة الزيدي إسماعيل الصنعاني(825) ، وهذا جواب لا نذهب إليه لأن لفظ الرواية يدل على أنها كانت زوجة، كما أن مذهب القائلين بهذا هو جواز النظر فقط، أما هذه الرواية ففيها فوق النظر إليها أنه كشف ساقها، وهذا بالإجماع غير جائز للخاطب، و لا يحل إلا للزوج، و يلزم المستدلين بهذا الخبر تزويج كشف ساق المخطوبة للخاطب، ولم يقولوا بذلك، فهذا القول لا نرى صوابه.

ومن أهل العلم من علل صنيع عمر بأن أم كلثوم كانت صغيرة، ولم تكن تشتهى(826) وهذا الجواب فيه تكلف، فلو اقتصر الأمر على الضم والتقبيل لصح الجواب لأنه مشترك بين الصغار والكبار ولا يكون مظنة للاشتهاء، لكن

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كشف الساق لا يكون إلا من الزوج لزوجته، ورواية الضم والتقبيل لا تصح كما مر، ونحن وإن كنا نرى أن هذه الآراء مرجوحة إلا أن المقصود أن هذه الرواية يمكن حملها على محامل حسنة غير التي ذهب إليها المعترضون.

الثالث: إن بعض من ذكر هذا المعترضين لم يكن غرضه هو الدفاع عن عرض علي رضي الله عنه، بدليل أنه لا يجد أي غضاضة من أن يعتقد أن عمر رضي الله عنه اغتصب فرج أم كلثوم –وحاشاها-- وتزوجها بعد أن أكره عليا على ذلك، ونسبوا إلى جعفر الصادق أنه قال: «ذلك فرج غصبناه»، فإن كشف ساق امرأةٍ أهون من اغتصاب فرجها، ومع ذلك نراهم ينكرون رواية كشف الساق، وفي نفس الوقت يعتقدون برواية الاغتصاب، كجعفر مرتضى وعلي الميلاني، وأما محسن الأمين الذي استنكر رواية كشف الساق، وكتب حولها فقرة كاملة، لم يتعرض بشيء لرواية الاغتصاب المزعومة، بل أشار إليها على استحياء، فحين نقل محسن كلام الشريف المرتضى في الانتصار، وقف قلم محسن الأمين عند استدلال المرتضى برواية: ذلك فرج غصبناه» واستبدلها بقوله: ذكر حديثا في ذلك»، ثم نقل محسن الأمين بعد ذلك كلام المرتضى في تنزيه الأنبياء واستبدل هذه المرة رواية الاغتصاب بقوله:«ثم روى عن الصادق عليه السلام ما يدل على أان عليا لم يكن راضيا بذلك»(827) ونحن نحمدُ لمحسن الأمين إعراضه عن ذكر تلك الرواية وصيانته لكتابه من أن يقع فيه مثل هذه الرواية، لكن في نفس الوقت

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وددنا منه أن يوجه نقده لهذه الرواية كما وجهه لرواية كشف عمر لساق أم كلثوم ليتبين لنا صدقه وغيرته، فلو كان مراد محسن الأمين وغيره من المعترضين تنزيه عرض علي رضي الله عنه كان الأولى بهم الاعتراض على رواية الاغتصاب المنسوبة إلى جعفر الصادق، لأن من ينسب عليا إلى قبوله تزويج من لا يجوز تزويجه –بزعمهم- لأنه خاف على نفسه، فعرّض ابنته للزنا، كيف ينكر ما هو أهون من ذلك؟، فلو دخل رجل بامرأة محرمة فإن هذا يترتب عليه الوقوع في كبيرة الزنا ويعاقب بالحد، وأما لو اعتدى عليها دون أن يدخل بها فيقع في ذنب لا يبلغ درجة الزنا، ويعاقب بالتعزير دون الحد، والعيب عند الناس بكشف الساق أهون بكثير من العيب باغتصاب العرض، لكن المعترضين ينكرون كشف الساق ويسكتون عن انتهاك العرض!! وهذا فيه من الازدواجية والتناقض ومجانبة الإنصاف ما جعلنا نحكم على أقوالهم بأنها لم تكن مبنية على الغيرة على الصحابة والآل، ولا تنزيه آل البيت وعمر رضي الله عنهم جميعا عن الوقوع في مخالفة الشرع، بل هدفهم ليس إلا إثارة عاطفة القارئ وحمله على الاعتقاد بعدم صحة وقوع الزواج بناء على تفسيرهم لرواية كشف الساق، التي صوروا أنها وقعت على وجه مخالف لشرع الله تعالى، في حين أن الأمر ليس كما تصور المعترضون، فضلا عن أن هذه الرواية لا تمثل إلا جزءا من الروايات الثابتة والصحيحة في زواج عمر من أم كلثوم.

مسك الختام: التنبيه على عدم صحة نسبة نفي زواج أم كلثوم رضي الله عنها إلى أهل السنة

إذا علم هذا فلا بد من التعرض إلى ادعاء البعض أن أحد العلماء الأحناف ألف كتابا في نفي زواج أم كلثوم من عمر، فقد زعم محمد حسنين السابقي أن رجلا اسمه محمد إنشاء الله الحنفي ألف كتابا سماه: «السر المختوم في رد زواج أم كلثوم»، ونقل عنه أنه قال: « أيها الناظرون! هذه فضوليات الراوي الأول، بل الأصل أن المفتري الزبير بن بكار الكذاب الوضاع اتهم على سيدنا عمر، و كذب على علي، و اختلق رواية زواج أم كلثوم من عند نفسه ولا حقيقة لها»(828) ، وزعم أن الكتاب طبع بالهند، ثم تبع السابقي بعض الكتاب وروجوا لهذه الدعوى كي يوهموا القراء أن من أهل السنة من وافق القائلين بإنكار زواج أم كلثوم من عمر(829) .

ويجاب عن هذه الدعوى بأمور:

الأمر الأول: قد مضى أن روايات أهل السنة الصحيحة وكلمة علماء الحديث والتاريخ والنسب والفقه والأدب، مجمعة على وقوع زواج عمر بأم كلثوم، ولم يُعرف عن أحد من المتقدمين أو المتأخرين

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إنكار ذلك أو التشكيك فيه، فعندما نسمع أن أحدا ما أنكر هذا الزواج فلا نلتفت إليه، فقوله مردود لمخالفته لإجماع أهل العلم، بل قوله يصير شاذا مهجورا غير معتد به و لا يلتفت إليه.

الأمر الثاني: أن الذي نميل إليه هو أن هذا الكتاب مدسوس ومزور على أهل السنة، فإما أن يكون هذا الكتاب لا وجود له إطلاقا، ويكون مؤلفه من نسج الخيال، لأننا بعد البحث والتثبت لم نعثر له على خبر و لا لكتابه على أثر إلا عند السابقي الذي نقل منه ثلاث أسطر فقط، وعند الشهرستاني الذي ادعى أنه يمتلك نسخة من الكتاب باللغة الأردية(830) ، ومع ذلك لم ينقل منه ولو نصا واحدا!!، وقد اضطرب السابقي في اسمه اضطرابا غريبا، فقد سماه قبل نقل كلامه: «محمد إنشاء الله الحنفي المحمدي الحبشي»، ثم بعد نقل كلامه سماه: «محمد إنشاء الله المحمدي الصديقي البدايوني الحنفي»!!، وغير بعيد أن يكون هذا الاسم مركبا من عدة أسماء وأنه من صناعة السابقي.

ويحتمل أن يكون هذا الكتاب موجودا فعلا، لكن مؤلفه الحقيقي ليس حنفيا بل من الذين يريدون الانتصار للرأي القائل بعدم صحة زواج عمر من أم كلثوم، فتخفى صانع الكتاب خلف اسم موهم لكي يخدع الناس ويوهمهم أن إنكار زواج أم كلثوم قال به بعض الأحناف!،والذي نميل إليه هو احتمال كون الكتاب مصنوعا ومختلقا، وهو ما

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سنؤيده بالأمر الثالث.

الأمر الثالث: أن هذا الكتاب لو كان موجودا لاشتهر، ولنقل منه أمثال ناصر حسين الذي حاول أن يحشد كل النصوص التي يظن أنها قد تفيده في هذه المسألة، ولنقل منه السابقي الذي ادعى وجود أكثر من نص واحد، لكن الذين استدلوا بهذا الكتاب اقتصروا في النقل منه على أسطر قليلة يتضح منها الركاكة والعُجمة، فضلا عن تضمنها للافتراء على النسابة الثقة الأمين الزبير بن بكار بنسبة اختلاق هذه الواقعة له، ولا شك أن هذا دليل واضح على أن مختلق هذه الكتاب أراد أن يدعم الدليل الأصلي الذي استند إليه المنكرون لهذا الزواج، وهو الدليل الذي أسسه المفيد وتبعه عليه ناصر الهندي ومن جاء بعدهما، وعليه فالذي نتيقَّنه هو أن هذا الكتاب مدسوس ومفترى وأن مؤلفه لم تلده أرحام النساء، وحتى لو ثبت أن الكتاب موجود فعلا فقد تقدم الجواب في الأمر الأول.

صفحة 344 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الفصل الثالث: تفنيد دعاوى المشككين والطاعنين في آثار زواج الفاروق من أم كلثوم رضي الله عنهما

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: محاولة التشكيك والتهويل من بعض تفاصيل الزواج

المبحث الثاني: الرد على محاولات التشكيك والطعن في آثار مصاهرة عمر لعلي رضي الله عنهما

صفحة 346 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

المبحث الأول: محاولة التشكيك والتهويل من بعض تفاصيل الزواج

بعد أن فندنا أقوى اعتراضات وأدلة المنكرين والمشككين في ثبوت مصاهرة البيت العمري مع البيت العلوي، سننتقل إلى مناقشة محاولات البعض التشكيك والتهويل من بعض التفاصيل التي وردت في روايات هذا الزواج، والقصد من هذا التهويل إما القدح في الفاروق رضي الله عنه، أو استمالة القارئ إلى الرأي القائل بإنكار وقوع هذه المصاهرة المباركة، وهو ما سنفصل الجواب عنه في المباحث الآتية:

القدح في الفاروق رضي الله عنه بدعوى المبالغة في المهر

حاول البعض أن يتخذ من بعض تفاصيل هذا الزواج سُلّماً يصل من خلاله إلى الطعن في عدالة عمر رضي الله عنه ونزاهته، معتمداً في ذلك على ما جاء في ذكر قيمة المهر الذي دفعه عمر رضي الله عنه في زواج أم كلثوم، فقد قال جعفر مرتضى العاملي:«إن إعطاء هذا المهر الكثير حتى أربعة آلاف درهم، فضلا عن الأربعين ألفا،ً أو العشرة آلاف دينار، لا يتلاءم مع إعلان عمر عن استيائه الشديد، والإعلان بالتهديد والوعيد لمن زاد في مهور النساء أكثر من أربعين أوقية».

ونقل الشهرستاني أن عمر أمهر أم كلثوم أربعين ألف دينار بعد أن

نهى الناس عن المغالاة في المهور ثم عقّب قائلاً: «إنّ إعطاء عمر هذه الأرقام الخيالية من الأموال أربعين ألف دينار، عشرة آلاف دينار، مئة ألف لا يتناسب مع الوضع الاقتصادي والاجتماعي للناس في ذلك الزمن، بل لا يتّفق مع ما قيل عن زهد عمر وارتزاقه من بيت المال، بل يبعث على التساؤل والتشكيك في صحّة هذه النقول»(831)

والجواب: من وجوه:

الأول: أن الشهرستاني اختار من بين الأقوال المختلفة -في زعمه- أن المهر كان أربعين ألف دينار، والصحيح أنه أربعون ألف درهم، ومعلوم أن الدينار ضعف الدرهم اثني عشر مرة(832) ، فالشهرستاني تقَصَّدَ اختيار هذا العدد دون بقية الأعداد التي ذكرها حتى يصور للقراء أن المبلغ كبير!.

الثاني: أن المستحب في المهور التخفيف فيها، لكن هذا لا يعني تحريم المبالغة فيها لمن يقدر على ذلك، وأما نهي الفاروق عن المغالاة في المهور فهو ثابت عنه، فقد قال رضي الله عنه: « ألا لا تغالوا في صَدُقَة النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله، لكان أولاكم بها نبي الله صلى الله عليه وسلم، ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئاً من نسائه، ولا أنكح شيئاً من بناته على أكثر من ثنتي عشرة أوقية»(833) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 349 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 350 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

ونهي عمر عن المغالاة في المهور إنما هو من باب الإرشاد لا التحريم، كما أن الأمر يختلف بحسب الأحوال، فليس الغني كالفقير، ولا الميسور كالمعسور، وقد أجاب جماعة من أهل العلم عن التعارض الواقع بين أمر عمر بالتخفيف في المهور ومبالغته في مهر أم كلثوم، بأن الأمر بالتخفيف من المهور ليس من باب الوجوب بل من باب الندب، واستدلوا على ذلك بأقوال وآثار ثابتة عن الصحابة وآل البيت، فقد روى ابن سيرين أن ابن عباس رضي الله عنه تزوج سلمة الغليمية على عشرة آلاف(834) ، وصح عن الحسن بن علي رضي الله عنه أنه تزوج امرأة فأرسل إليها مائة جارية، مع كل جارية ألف درهم(835) ، فيكون قد أمهرها مائة ألف درهم، وروى أبو جعفر محمد بن علي الباقر رحمه الله «أن النجاشي زوج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة على أربع مائة دينار»(836) ،، وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى «أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه تزوج امرأة على ثلاثين ألفا»(837) ، وصح عن ابن عمر أنه كان يزوج المرأة من بناته على عشرة آلاف(838) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد جمع أهل العلم بين قول عمر بالنهي عن المغالاة في المهور، مع إعطائه مهرا غاليا لأم كلثوم بأن النهي لمن لا يقدر على ذلك، قال ابن ناجي التنوخي: «قال ابن الجلاب: ولا أحب الإغراق في كثرته ونقله عياض في الإكمال عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه مستدلاً بفعله صلى الله عليه وسلم فإن قلت: قول عمر يناقض فعله؛ لأنه أصدق أم كلثوم بنت علي أربعين ألفا ولا سيما إن أصدقتهم كانت على النقد. قلت: لا مناقضة بينهما لأن الإغراق معتبر بالأشخاص فمن كان وافر المال جدا حتى لا تكون الأربعون ألفا في حقه كالعدم فليس بإغراق والله أعلم»(839) .

وقال القرطبي وهو يفسر قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾(840) «وقال قوم: لا تعطي الآية جواز المغالاة بالمهور، لأن التمثيل بالقنطار إنما هو على جهة المبالغة... وقد قال صلى الله عليه وسلم لابن أبي حدرد وقد جاء يستعينه في مهره، فسأله عنه فقال: مائتين، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: «كأنكم تقطعون الذهب والفضة من عرض الحرة أو جبل». فاستقرأ بعض الناس من هذا منع المغالاة بالمهور، وهذا لا يلزم، وإنكار النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الرجل المتزوج ليس إنكارا لأجل المغالاة والإكثار في المهور، وإنما الإنكار لأنه كان فقيرا في تلك الحال فأحوج نفسه إلى الاستعانة والسؤال، وهذا مكروه باتفاق. وقد أصدق عمر أم كلثوم بنت علي من فاطمة رضوان الله عليهم أربعين ألف درهم. وروى أبو داود عن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال لرجل: (أترضى أن أزوجك فلانة)؟ قال: نعم. وقال للمرأة: (أترضين أن أزوجك فلانا)؟ قالت: نعم. فزوج أحدهما من صاحبه، فدخل بها الرجل ولم يفرض لها صداقا ولم يعطها شيئا، وكان ممن شهد الحديبية وله سهم بخيبر، فلما حضرته الوفاة قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجني فلانة ولم أفرض لها صداقا ولم أعطها شيئا، وإني أشهدكم أني قد أعطيتها من صداقها سهمي بخيبر، فأخذت سهمها فباعته بمائة ألف(841) وقد أجمع العلماء على ألا تحديد في أكثر الصداق، لقوله تعالى:

﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾(842)(843) ) ( .

قلت: وهذا جواب سديد، وبه يرتفع الإشكال في المسألة، وهكذا يصنع أهل العلم في الإجابة عن أقوال الصحابة ومذاهبهم، وحملها على أحسن المحامل، خلافا لمن يحمل أقوالهم وأفعالهم على أسوء المحامل وأبعدها عن الحق.

الثالث: أن هناك محامل حسنة يمكن حمل صنيع الفاروق رضي الله عنه عليها، فيكون غرضه من دفع هذا المهر المرتفع هو المبالغة في إكرام حفيدة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا تصير هذه القضية من مناقب عمر رضي الله عنه، ولذا قال الحافظ ابن كثير رحمه الله:«وقد تزوج عمر بن الخطاب في أيام ولايته بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب من فاطمة، وأكرمها إكراماً زائداً، أصدقها أربعين ألف درهم لأجل نسبها من رسول الله صلى الله عليه وسلم،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فولدت له زيداً بن عمر بن الخطاب»(844)

الرابع: لم يكن ما دفعه عمر رضي الله عنه في صداق أم كلثوم مستهجناً، بدليل إقرار سائر الصحابة له على ذلك، و على رأسهم علي رضي الله عنه، وعدم إنكاره، وهو المعروف بالزهد والعزوف عن الدنيا، فإن كان هذا مما يؤاخذ به عمر، فالمقرُّ له على ذلك يشاركه بوقوع هذه المؤاخذة عليه، فمآل هذا القول هو تخطئة عمر وعلي رضي الله عنهما وسائر الصحابة الذين وافقوهم في ذلك، ولا ريب أن هذا قول فاسد مطرح، ولكن المخالفين لا يتنبهون إلى ما في اعتراضاتهم من اللوازم الفاسدة.

القدح في عمر رضي الله عنه لقوله: رَفِّئُوني

اجتمع المنكرون لزواج عمر من أم كلثوم مع المثبتين له على التشنيع على عمر رضي الله عنه، لقوله رضي الله عنه لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: رَفِّئُوني، حيث زعم المعترضون أن معنى رفئوني هو قولوا لي: بالرفاء والبنين، وهذه التهنئة نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم لأنها من رسوم الجاهلية(845) ، لأنها تقصر الدعاء على البنين دون البنات، والعرب في الجاهلية كانوا يتشاءمون بالبنات، فيكون عمر بزعمهم قد وقع في مخالفة شرعية، وقد كان ناصر الهندي أول من ذكر هذا الأمر(846) ، ثم قلده من كتب في هذه القضية كجعفر مرتضى، وعلي الميلاني، والشهرستاني(847) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والرد على هذه الدعوى يكون من وجوه:

أولا ً: إن المنهي عنه هو الدعاء للعريس بولادة الأبناء دون البنات، وكان العرب يقولون: بالرفاه والبنين، وليس النهي عن لفظ التهنئة بعبارة رفئوني، فأصل الرفاء في اللغة هو من الالتئام والبركة والاتفاق، ولذا صح عن أبي هريرة رضي الله عنه «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رفأ الإنسان إذا تزوج، قال: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما في خير»(848) .وهذا ما نص عليه علماء اللغة، يقول أبو السعادات ابن الأثير: «نهى أن يقال للمتزوج: بالرّفاء والبنين، والرّفاء: الالتئام، والاتفاق، والبركة، والنماء، وهو من قوله: رفأت الثوب رفا، ورفوته رفواً، وإنما نُهي عنه كراهية، لأنه كان من عادتهم، ولهذا سنّ فيه غيره، ومنه الحديث: كان إذا رفّأ الإنسان قال: بارك الله لك وعليك، وجمع بينكما على خير(849) . ويهمز الفعل ولا يهمز، ومنه حديث أم زرع: كنت لك كأبي زرع لأم زرع في الألفة والرّفاء، ومنه الحديث: قال صلى الله عليه وسلم لقريش: «جئتكم بالذبح، فأخذتهم كلمته، حتى إنّ أشدّهم فيه وضاءة ليرفّئوه بأحسن ما يجد من القول أي يسكنه ويرفق به ويدعو له»(850)(851) )( .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وما يزيد الأمر بيانا أن بقية الروايات وردت فيها ألفاظ أخرى تدل على المقصود، فقد روي الخبر تارة بلفظ: ألا تهنئوني(852) ؟، وتارة بلفظ: زفوني(853) ،أما ادعاء الميلاني بأن لفظة رَفِّئُوني هي الأصل، وما سواها متصرَّف فيه من قبل الرواة(854) ، فتحكّم لا قيمة له، وفيه من البهتان والتحامل على الرواة والمحدثين الذي رووا الخبر ما يعجب منه المنصف، فنسأل الله السداد.

ثانيا: قد أجاب بعض أهل العلم بجواب التمس فيه عذرا لعمر رضي الله عنه مع حمل عبارة رَفِّئُوني على المعنى المنهي عنه، فقال محمد زيني دحلان: «هذا وفي الإمتاع أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء إلى مجلس المهاجرين الأولين في الروضة فقال رَفِّئُوني فقالوا ماذا يا أمير المؤمنين قال تزوجت أم كلثوم بنت علي، هذا كلامه ولعل النهي لم يبلغ هؤلاء الصحابة حيث لم ينكروا قوله كما لم يبلغ سيدنا عمر رضي الله تعالى عنهم»(855) وهذا جواب حسن من جهة محاولة التماس العذر لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كنا نراه مرجوحاً، لأن عمر رضي الله عنه قال ذلك بمحضر من كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار، ولم ينكر عليه أحد ذلك، ويبعد أن يخفى هذا النهي عن كل الحاضرين رضي الله عنهم.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد اطلع جعفر مرتضى على إجابة زيني دحلان ثم جعل يتنقص من عمر رضي الله عنه ويدعي أنه لا يصلح للخلافة بسبب عدم بلوغ هذا النهي إياه(856) والحق أن هذا منطق بعيد عن الإنصاف، فإن مجرد عدم العلم بمسألة ليست لا من أصول الدين و لا من الواجبات، لا يترتب عليه كل هذه التهويلات التي هول بها جعفر مرتضى، و من المعلوم أن جماعة من الصحابة وعلى رأسهم علي رضي الله عنه لم يطلعوا على كثير من الأحكام الشرعية فلم ينقص ذلك قدرهم عند العقلاء والمنصفين، ولكن الأمر كما قال الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلةولكن عين السخط تبدي المساويا

التشكيك في رغبة عمر رضي الله عنه في الانتساب إلى النسب النبوي ومحبته لأهل البيت

أ-التشكيك في محبة عمر رضي الله عنه لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم

ادعى بعض المعترضين أن مقصد عمر رضي الله عنه من الزواج من أم كلثوم لم يكن من أجل مصاهرة البيت العلوي والاتصال بالنسب النبوي، بل كان يطمح من ورائه التوصل إلى أهداف وأغراض سياسية(857) ولما كانت هذه مجرد دعوى لا دليل عليها، حاول أن يربط بينها وبين موقف عمر رضي الله عنه من أسرى بدر، حينما أشار عمر على النبي صلى الله عليه وسلم أن

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يقتلوا، فيقتل كلُّ واحدٍ من الصحابة قريبه من الكفار.

قال الشهرستاني: «نحن لو درسنا سيرة عمر بن الخطّاب قبل وبعد الإسلام؛ لوقفنا على حقيقة أُخرى غير ما يصوره أصحاب السير والتراجم، ولرأيناها تنافي المدّعى كمال المنافاة، لأنّه كان يصرّ في معركة بدر على لزوم قتل كلّ قريب قريبَهُ، وقد طلب بالفعل من رسول الله أن يقتل عمَّه العباس، ومن عليّ أن يقتل أخاه عقيلا»(858) .

والجواب: أن هذا الكلام فيه من التجني والتحامل ما يستغربه كل منصف، فهل ما صدر من عمر رضي الله عنه يخرج عن ما جاء في كتاب الله عز وجل من ضرورة موالاة المؤمنين، ومعاداة الكافرين، قال الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾(859) .

وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾(860) ومن طلب عمر رضي الله عنه قتلهم من أسارى بدر، كانوا كفاراً، منهم من كان من قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من كان من عموم قريش، ومنهم من كان من أقرباء عمر نفسه، ولم يردّ النبي صلى الله عليه وسلم قول عمر رضي الله عنه، ولا فهم أحد أن عمر يعادي آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كان هذا الأمر منكراً لكان النبي صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أول المنكرين له، وواضح أن الشهرستاني عالم بهذه الآيات وهذه القضايا التي تعد من المسلمات، إلا أن التعصب قد يعمي الناظر عن إبصار الحق، فلهذا صدر منه هذا الكلام الغريب والمنافي للمسلمات والثوابت.

ب-الافتراء على عمر رضي الله عنه أنه أراد بالزواج من أم كلثوم رضي الله عنها أن يجعل الخلافة في ذريته

سلك جعفر مرتضى العاملي نفس مسلك من سبقه، بالتشكيك في رغبة الفاروق في الانتساب إلى البيت النبوي، إلا أن خياله حمله على أن ينسب إلى عمر أنه أراد بهذا الزواج أن يجعل الخلافة في ذريته!!، فقال: «ولا نجد ما يصلح مبرراً لذلك إلا القول بأن عمر كان يفكر في مصير الخلافة من بعده، وإلى من تؤول، وهو مدى قوة من تؤول إليه في الإمساك بها.. أي إنه كان يريد بهذا الزواج أن يركزها في ذريته هو على أساس أن تستمر فيهم بصورة أقوى، وأشد رسوخاً وتجذراً، حيث يكون تعامل الناس معها من موقع التقديس، والالتزام الديني، والعاطفي، والوجداني، حين يكون الخليفة هو ابن بنت نبيهم، ويريد حسب دعواه أن يحكمهم باسم الشرع، ويقوم بمهمات النبي الأقدس صلى الله عليه وسلم»(861) ولا شك أن هذا افتراء عظيم على عمر الفاروق، الخليفة الراشد الذي اشتهر عنه العدل والزهد في أمر الدنيا كلها، ويكفي دليلا على بطلان هذا الافتراء الذي لا شاهد له في أي رواية أن عمر الفاروق رضي الله عنه

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لما أصيب، جعل الخلافة في ستة من العشرة المبشرين بالجنة، وأخرج منهم سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، لأنه من بني عدي قبيلة عمر رضي الله عنه، فضلا عن أنه نحى ابنه عبد الله بن عمر عن الخلافة، فقال رضي الله عنه: «ما أجد أحدا أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر، أو الرهط، الذين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فسمى عليا، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعدا، وعبد الرحمن، وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء»(862) وواقع الأمر أن هذه التشكيكات الركيكة والواهية ليست إلا لمحاولة التغطية على حقيقة واضحة ظاهرة، وهي أن عمر كان محبا لأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، معظما لهم، وكان يرى رضي الله عنه أن الانتساب إلى الدوحة النبوية، والنسب العلوي الفاطمي شرف لا ينبغي أن يفوته، فلذلك تزوج أم كلثوم بنت علي وفاطمة، لا رغبة في مال، ولا طمعا في منصب، فقد كان يومها خليفة المسلمين، وهذا شرف عظيم ومنصب جليل، لكن عمر بطبعه السباق إلى الخيرات، ونظرته الطيبة إلى آل البيت أبى إلا أن يلتحق بركب المتشرفين بالاتصال بنسب النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا ما حمله على الزواج من أم كلثوم رضي الله عنها، لا ما يدعيه المعترضون من الخيالات والأوهام التي لا أساس لها من الصحة والتي تناقض مسلمات التاريخ الصحيح.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المبحث الثاني: الرد على محاولتهم التشكيك والطعن في آثار مصاهرة عمر لعلي رضي الله عنهما

إن زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنها، واقعة تاريخية استنبط منها علماؤنا كثيراً من القضايا الفقهية والشرعية، وفوق كل هذا فإن هذه الواقعة تعد الدليل القاطع على اتصال حبل الود بين الفاروق وعلي رضي الله عنهما، ود بلغ منتهاه بأن جمعت بينهما هذه المصاهرة التي قربت أواصر الحب والإخاء بين البيت العمري والبيت العلوي، وجعلتهما ينتميان لبيت واحد، ويشتركان في الانتساب إلى بيت النبي صلى الله عليه وسلم، علي من جهة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم فاطمة رضي الله عنها، وعمر من جهة حفيدة النبي صلى الله عليه وسلم وبنت فاطمة رضي الله عنها، أم كلثوم بنت علي رضي الله عنها، ولذلك وقفت هذه المصاهرة عقبة في وجه الغلاة والمستشرقين والأخباريين الذين يروجون لسوء علاقة الفاروق بأهل البيت، ولذا تجد بعض المنكرين لهذه الواقعة، يعترف بأن ثبوتها يؤدي إلى تغيير كثير من التصورات العقدية التي بنيت على مغالطات تاريخية محضة، يقول محمد علي الحلو بعد أن استعرض جملة من روايات زواج أم كلثوم من عمر رضي الله عنها: «ولنا أن نتساءل الآن عن مدى إمكانية الأخذ بهذه الروايات وهي تتعرض إلى أهم قضية تاريخية فيها من الدلالات العقائدية والتاريخية ما لا يمكن حصره، بل يمكن لثبوت هذه القضية أن تغير من مسارات التاريخ إلى وجهات

جديدة غير ما أمكن تسالمه وتبانيه، ولعلها تعيد تركيبة(863) رؤى عقائدية مهمة تبتني على علاقة طرفي النزاع في الخلافة الإسلامية، وهذا ما تصبو إليه وبكل تأكيد محاولات صياغة هذه القصة وما تؤول إليها من لوازم قرب المصاهرة»(864) ويقول محمد حسون: «تعدّ مسألة زواج أُم كلثوم من عمر بن الخطاب من المسائل المهمة التي يطرحها لنا التأريخ الإسلامي، ومن القضايا التي طال البحث والنقاش ولا يزال حولها؛ لأنّها تتعلّق بمسألة عقائدية هامة، وهي مسألة الإمامة.فالذي يذهب إلى وقوع هذا الزواج وصحته، يستدل به على استقامة زوجها، واعتراف عليّ سلام الله عليه به، وإلاّ كيف يزوّجه ابنته.والذي ينكر هذا الزواج، أو يذهب إلى أنّه وقع نتيجةً لضغوطٍ مارسها عمر بن الخطاب على الإمام علي عليه السلام يستدل به على عدم استقامة ونزاهة عمر بن الخطاب، وعدم اعتراف الإمام عليّ سلام الله عليه به»(865)

ويقرر محمد جميل حمود أن هذا الزواج «لو حصل لأدى إلى تزلزل عقائد المؤمنين على مر الزمن»(866) ، والعقائد التي يقصدها هي التصورات القائمة على ادعاء العداوة بين الصحب والآل بناء على دعوى ثبوت النص على علي رضي الله عنه.

ويقول نجاح الطائي: «الواضح والبين في قضية زواج عمر من أم

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كلثوم أن الأمويين أرادوا إضافة منقبة جديدة لعمر تتمثل في زواجه من بنت فاطمة وعلي عليه السلام لطمس مظلومية أهل البيت عليهم السلام»(867) وقال أيضا: «إن الراوي أراد إضافة منقبة جديدة لعمر تتمثل في زواجه من بنت فاطمة والإمام علي عليه السلام لطمس مظلومية فاطمة الزهراء وقتله لها ولابنها محسناً»(868) وإخفاء اغتصابه للخلافة من علي وعزله عن المرجعية الدينية والسياسية، وهناك منقبة مهمة أرادها الأمويون تمثلت في زواج عمر من حفيدة النبي» صلى الله عليه وسلم(869) وقال أيضا: «هل يَعقُل شخص تزويج الإمام علي عليه السلام ابنته من عمر الذي كسر ضلع فاطمة عليها السلام، وأحرق بابها وأسقط حملها متسببا في موتها»(870) وأنت ترى أيها القارئ التلازم القائم بين وقوع هذه المصاهرة بين علي وعمر رضي الله عنهما وبين بطلان تلك التصورات و النظريات الخاطئة والافتراءات التي نسبها الطائي إلى عمر رضي الله عنه. ولذا سعى البعض إلى التقليل من دلالات هذه المصاهرة المباركة، إما بمحاولة إفراغها من دلالتها العقدية، التي تثبت حسن العلاقة بين الصحب والآل، أو باختلاق مخارج تؤدي إلى تبرير قبول علي رضي الله عنه بتزويج عمر صلى الله عليه وسلم بصورة تحافظ على التصورات الخاطئة التي تؤسس لنظرية القطيعة بين الصحب والآل، وهذا ما سنفنده وننقده في هذا المبحث بإذن الله تعالى.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التبرير الأول: زعم المعترضين أن علياً رضي الله عنه بعث بجنية إلى عمر رضي الله عنه بدل زوجته أم كلثوم رضي الله عنها!!

إن من الأقوال العجيبة التي تصادف الباحث في قضية زواج أم كلثوم من عمر، قول من قال من معارضي ثبوت هذا الزواج، أن المرأة التي تزوجها الفاروق رضي الله عنه ليست أم كلثوم بنت علي رضي الله عنها، بل هي امرأة من الجن!!. ومع شدة غرابة هذا القول، ومشابهته لما يذكر في الروايات الخيالية، إلا أن البعض قد قال بهذا القول واعتقد به، وقد تقدم أن أول من أشاع هذه القصة المصنوعة هو أبو محمد الحسن بن القاسم بن محمد العويد العلوي، ثم تحولت هذه الإشاعة والأسطورة إلى رواية مسندة ومنسوبة إلى آل البيت في القرن السادس في زمن القطب الراوندي الذي أورد هذه الرواية في كتابه الخرائج والجرائح، وقد تقدم ذكر هذه الرواية ونعيد ذكرها ملخصة في نقاط:

-يسأل سائل جعفر الصادق عن احتجاج الناس بزواج عمر من أم كلثوم، والمقصود بالناس هم أهل العلم وعامة الناس الذين ينكرون ما كان يروجه المغالون من وجود عداوة بين عمر الفاروق وأهل البيت.

-فيجيب الصادق – كما يزعم الراوي- بتكذيب ذلك، لأن عليا لم يكن ليعجز عن منع هذا الزواج.

-ثم يسرد الراوي قصة الخطبة وتهديد عمر للعباس رضي الله عنه بنزع السقاية وزمزم منه، وإلحاح العباس على علي في تزويج عمر رضي الله عنه.

-ثم يزعم الراوي أن الصادق ذكر أن عليا رضي الله عنه استجاب للعباس،

لكنه بدل أن يرسل لعمر أم كلثوم أرسل له جنية نجرانية تمثلت بصورة أم كلثوم!! وحجب الأبصار عن أم كلثوم الحقيقية.

-ثم إن عمر رضي الله عنه - كما يزعم الراوي عن الصادق- شك في أمر المرأة التي عنده حتى قال:«ما في الأرض بيت أسحر من بني هاشم»، ثم أراد أن يكشف للناس ذلك لكنه قُتل، فأخذت الجنية ميراثها ثم عادت إلى نجران وأظهر علي رضي الله عنه أم كلثوم الحقيقية(871) . ولا شك أن الرواية غير مقبولة عقلا ولا نقلا، وبعيدة عن المنطق والواقع، بل هي أسطورة، ومع ذلك فقد اعتمد عليها جماعة من المنكرين لوقوع زواج عمر من أم كلثوم(872) ، يقول محمد جميل حمود بعد أن صحح هذه الخبر بدعوى موافقته للكتاب! و الأخبار الصحيحة الدالة على معجزات الأئمة: «خبر الجنية يخالف أخبار العامة فلا يحق لأي كان أن يطرحه فيكون بذلك قد طرح ما يدل على فضائلهم وكراماتهم»(873) ، وقال أيضا: «فخبر الجنية وإن كان ضعيفا من الناحية السندية إلا أنه قوي من ناحية الدلالة لقيام القرائن على صحته والتي منها ولايتهم على الإنس والجن»(874) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويقول محمد باقر الموسوي: «وعقيدتي أن أمير المؤمنين عليه السلام إذ ألجأته الضرورة إما زوجها منه ومات عمر قبل أن يصل إليها، وإما أرسل إلى الرجل السحيفة،...وبئس القرين قيض له السحيفة»(875) . وقال بعد نقل كلام المجلسي في مرآة العقول: «هذا كلام الأعلام، ومع ذلك لا تغفل عن الجنية النجرانية، في الرجس في الواقع لا تنال طاهرة مطهرة، والتمثيل عقلاً ونقلاً ممكن»(876) ، وقال أيضا: «وهذا طريق الجمع بين الروايات المختلفة بأن أمير المؤمنين علي(877) عليه السلام لما رآى(878) شقاوته - وأنه سيفعل بالساقية(879) أو بإقامة الشهادة على أمير المؤمنين عليه السلام أو يقوم بأمر مهلك للناس ومبدع في الدين أو مضر بأساس الإسلام-، أمر جنية النجرانية(880) ، بأن يتمثل(881) على أعين الناس في مثال أم كلثوم، وأن الناس في الظاهر يزعمون أنها أم كلثوم عليها السلام»(882) .

والجواب عن هذه الدعوى من وجوه.

حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الوجه الأول: ضعف الرواية سنداً ومتناً

فإن جل من في إسناد هذه الرواية المختلقة هم من المجاهيل الذين لا يعرف لهم ذكر في أي إلا موضع إلا في هذه الرواية، وتسلسل المجاهيل في الإسناد أحد القرائن على كونه إسنادا مختلقا ومركبا، وأما دعوى محمد جميل حمود صحة الرواية فلا يعتمد عليها، وقد خالفه في ذلك جملة من كبار علماء الإمامية:

قال أبو الحسن الشعراني وهو من كبار علماء الإمامية المتأخرين: «وليس هؤلاء الرجال الذين أسند بعضهم عن بعض إلا أسماء مخترعة لم يكن قط بإزائها أشخاص في الخارج، فمن هو جذعان بن نصر ومحمد بن أبي سعدة ومحمد بن حموية وأبو عبد الله الرنيني؟ ولم يذكرهم أحد ممن ذكر الرجال، ولا يعرفهم أحد من العلماء، وليس أسماؤهم في فهرست مؤلفي الكتب، إلا عمر بن أذينة، وهو من الرجال المشهورين، أما غيره فالصحيح أنهم موجودات وهمية، اخترعها أحدهم لئلا يكون الخبر مجرداً عن الإسناد!(883) ، وضعَّف سند هذه الرواية محمد آصف محسني، وعلي الشهرستاني، وعلي الميلاني، ومركز الأبحاث العقائدية(884) .

ثم مع كلِّ ما مضى من نكارة متن هذه الخرافة، وعدم صحة إسنادها، نستغرب من قول جعفر مرتضى العاملي: وضعف سند هذه الرواية لا يوجب الحكم القاطع ببطلانها.. فإن من الممكن عقلاً

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حدوث أمور من هذا القبيل!(885) وهذا من التكلف و التعسف، فالقضايا التاريخية تثبت بالنقول الثابتة والنصوص الواضحة لا بالأسانيد الموضوعة والأخبار المرفوضة، ولا يصح تبرير القصص الخرافية بدعوى الجواز العقلي، فإن هذا الباب لو فتح أمكن كل أحد أن يدعي ثبوت القصص الخرافية المفتراة والمكذوبة بدعوى أن هذا جائز عقلا، والحق أن العقل يحكم ببطلان مثل هذه القصص، ويحكم بأنها من مفتريات الوضاعين الذين حاولوا التعتيم على صحة زواج أم كلثوم من عمر رضي الله عنه.

الوجه الثاني: مناقضة الرواية للروايات الصحيحة والحقائق التاريخية

فهذه الرواية المفتراة على الصادق تعارض ما مضى معنا من الروايات الصحيحة التي نقلها أهل السنة والإمامية عن الصادق والتي تثبت وقوع الزواج، فضلا عما نقل عن غير الصادق ممن عاصر الرواية وحضرها، وفضلا عن ثبوت ولادة أم كلثوم زيداورقية، وفضلا عن أن أم كلثوم اعتدت بعد وفاة عمر رضي الله عنه، خلافا لما تدعيه الرواية من أن الفاروق قد استراب من زوجته!!.

ومما يدل على كذب هذه الرواية واختلاقها مخالفتها للتاريخ القطعي، إذ أن المفهوم من الرواية أن الخطبة وقعت قبل فترة وجيزة من استشهاد الفاروق رضي الله عنه، لأنها تزعم أن الفاروق استراب من أمر زوجته، فلما أراد أن يظهر أمرها للناس قتله أبو لؤلؤة!!، والظاهر من ذلك قصر الفترة الواقعة بين الزواج واستشهاد الفاروق، فلا يعقل و لا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يتصور أن يظل الفاروق يستريب من زوجته لمدة خمس سنوات!!، و عليه تكون الرواية مخالفة لما ثبت في كتب التاريخ من وقوع هذا الزواج في السنة السابعة عشرة للهجرة، وهذا دليل قاطع على أن واضع الرواية جاهل بالتاريخ، وقد حاول البعض تبرير التعارض بين هذه الرواية الخرافية وبين الروايات الصحيحة التي أثبتت وقوع الزواج بأنها صدرت عن أهل البيت تقية، قال نعمة الله الجزائري: «حديث أول فرج غصبناه محمول على التقية»(886) وقد مضى رد هذه الدعوى(887) فضلا عن أن هذه الرواية معارضة لصريح القرآن، والقول بالتقية فرع تصحيح الرواية، وقد علمت ضعف سند الرواية ومعارضتها لنص القرآن، فالذي ينبغي هو ردها واطراحها.

الوجه الثالث: أن الرواية تنفي التحاق أم كلثوم رضي الله عنها ببيت عمر رضي الله عنه ولا تنفي وقوع العقد

إن واضع الرواية أراد بالحبكة التي صنعها أن يُذهب الإشكال القائم بين دعوى وجود العداوة بين الفاروق رضي الله عنه وأهل البيت عليهم السلام، وبين تزويج علي بنته أم كلثوم لعمر، فاخترع هذه الرواية التي تكذب جزئية واحدة من القصة، وهي التحاق أم كلثوم ببيت عمر ووقوع الدخول، دون أن تنفي وقوع العقد، وما يفيد ذلك في رواية الخرائج هما أمرين:

الأول: أن الرواية تزعم أن عليا أرسل الجنية إلى عمر بعد أن قرر أن يزوجه، وهذا معناه أن علياً عقد لعمر على أم كلثوم، لكنه أرسل الجنية بدل أم كلثوم الحقيقية، وبهذا يتبين عدم صحة قول التستري إن

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هذه الرواية لا تنص على العقد(888)

الثاني: أن الرواية تزعم أن عمر لما استراب من الجنية، عزم على أن يخبر الناس، وهذا معناه أن الناس كانوا يرون ويعتقدون بأن عمر تزوج أم كلثوم بنت علي، ولازم ذلك أيضا أن الشهود الذين حضروا العقد شهدوا بذلك أيضا، فهذا يثبت وقوع العقد قطعا، ويبدو أن هذا ما فهمه صاحب الرسالة التزويجية(889) ، فبعد أن قرر وقوع الزواج بالإكراه زعم «أن آسية امرأة فرعون كلما أراد فرعون أن يمسها تمثل له شيطان يقاربها، وأم كلثوم كذلك»(890) ، ومعنى هذا الكلام أنه يقر بوقوع العقد لكنه ينفي الدخول.

وأول من تنبه إلى أن الجواب بقصة الجنية قاصر هو المرتضى، فرد هذه القصة و ألزم مخترعها بأن ما أراد دفعه لم يندفع، لآن الإشكال في العقد نفسه، لا في مجرد الدخول والمخالطة!!، قال المرتضى: «أما من قال من جهال أصحابنا إن العقد وقع لكن الله تعالى أبدل المعقود عليها بشيطانة عند القصد إلى التمتع بها، فمما يضحك به الثكلى، لأن المسألة باقية عليه في العقد للكافر، سواء تمتع أو لم يتمتع، فما يعتذر به من إيقاع عقد الكافر على مؤمنة هو المحذور منه، ولا معنى

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لذكر المنع من التمتع، وكيف يبيح العقد على من لا تجوز مناكحته ولا عقد النكاح له، وإذا أباح(891) بالعقد الواقع التمتع، فكيف منعه لما يقتضيه العقد؟. والمنع من العقد أولى من إيقاعه والمنع من مقتضاه، وإنما أحوج إلى ذلك العجز عن ذكر العذر الصحيح»(892)

الوجه الرابع: امتناع تسلط الإنس على الجن بدعوة سليمان

وقد حاول جعفر مرتضى توجيه متن القصة وإن حكم بضعف سندها فقال: «وقد كان للإمام علي عليه السلام سلطة على الجن، كما صرحت به الروايات، كما كان لسليمان عليه السلام سلطة عليهم أيضاً»(893) !.وهذا غريب فعلا، فإن ما جاء في الرواية من تسلط علي رضي الله عنه على الجنية، وائتمارها بأمره يخالف ما جاء في كتاب الله من استجابته سبحانه وتعالى لدعاء سليمان عليه السلام أن يسخر الجن له، وأن ينفرد بهذه السطوة عليهم، فقد جاء في كتابه سبحانه وتعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾(894) وهذا السلطان الذي تفرّد به سليمان عليه السلام على الجنِّ هو الذي منع نبيّنا صلى الله عليه وسلم من تقييد الشيطان لما عرض له، ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة أو كلمة نحوها ليقطع علي الصلاة، فأمكنني الله منه، فأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم، فذكرت قول أخي سليمان: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾(895) فإذا تقرر هذا فلا شك في اختصاص سليمان بالتسلط على الجن، فقياس جعفر مرتضى عليا على سليمان فيما اختص الله تعالى به سليمان قياس خاطئ وغير صحيح(896) فضلا عن أن مثل هذه الأمور التي فيها خرق للعادات لا يصح فيها القياس، وإلا فتحنا الباب لكل صاحب دعوى بأن يثبت دعوى امتلاكه قوة خارقة للعادة بدعوى حدوث مثل ذلك للأنبياء.

الوجه الخامس: رد ونقد علماء الإمامية لرواية الجنية وتكذيبهم لها

ويكفي في وهاء هذه الرواية أن جملة من علماء الإمامية لم يقبلوا بهذه الرواية، وقاموا بنقدها وصنفوها ضمن الخرافات السمجة، وإليك أقوالهم:

قال المرتضى مستهزئا بهذه الدعوى: «أما من قال من جهال أصحابنا إن العقد وقع لكن الله تعالى أبدل المعقود عليها بشيطانة عند القصد إلى التمتع بها، فما يضحك به الثكلى»(897) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال الكاظمي: «أما القول بأنه زوجه جنية تشبهها، فلم أعثر على قائله ولا ناقله، ولا دلالة في شيء من الكتب، وإنما هو نسمعه من الأفواه وليس له عين ولا أثر(898) ، وإنما هو شيء أحدثه بعض من لم يقف على ما تلوناه عليه، ولا له تدبر في كتاب ينظر إليه، وأما ما وقع في بعض الأوهام من أن أمير المؤمنين عليه السلام زوجه جنية تشبهها، أو أنه حين المواقعة تحول الجنية بينه وبينها، فذاك من التحكمات، بل خلاف ما دلت عليه الأدلة»(899) .

وقال جعفر بحر العلوم: «وقال الصدوق في التوحيد: «إن أم كلثوم ما دخلت بيت عمر، بل جنية تصورت بصورتها، ودخلت بيته»(900) ، وهو غير صحيح أيضاً»(901) .

وقال التنكابني: «وزوّج أمير المؤمنين عليه السلام أمّ كلثوم بعمر، وقد وردت بعض الروايات بأنّ أمير المؤمنين عليه السلام زوّج جنّية من أجنّة (بني نجران) بعمر، وصوّرت بصورة أمّ كلثوم، ولكن هذه الرواية لم يثبت اعتبارها لدى جمع من الفضلاء، بل اتّقى أمير المؤمنين»(902) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال أبو الحسن الشعراني:«وأما ما رواه المصنِّف من حديث الجنية اليهودية من أهل نجران فعن جماعة مجهولين، ولا حاجة إليه كما ذكرنا، ولا ندري ما الداعي إلى وضع هذه الحكاية ونقلها»، وقال أيضا: «كأن واضع هذا الخبر قاس عليّاً عليه السلام بسائر أفراد الناس، فاخترع هذه الخرافة التي تضحك منها الثكلى»(903) .

وقال إبراهيم بن ناصر البحراني: «وأغرب من ذلك كله ما روي في البحار أن أمير المؤمنين (ع) مثل لعمر جنية وأخفى ابنته حتى مات عمر»(904) .

وقال المرجع المعاصر محمد آصف المحسني وهو يعيب على المجلسي إيراده لهذه الرواية في بحاره، فقال: «نقْلُ الرواية وأمثالها من مثل المؤلف وقبولها عجيب وغريب، ويحكي عن سذاجة المحدثين، وإلا لدرى أنّ نقلها يُوهِن المذهب، ويقلل الاعتماد على أحاديث أهل البيت، ويجعلها مخالفة للعقول، ومن الأسف أن مفاد الرواية وأمثالها أصبحت بفعل المبلغين والمؤلفين ثقافة مذهبية عند العوام، اغترارا بمقام المجلسي وبحاره»(905) .

وقال علي الميلاني: «وأما رواياتنا حول هذا الموضوع، روايات أصحابنا حول هذا الموضوع تنقسم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول: يشتمل على ما لا نصدق به، أو لا يصدق به كثير من الناس، وذلك أن المرأة التي تزوج

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بها عمر كانت من الجن، أي: ولما خطب عمر أم كلثوم، الله سبحانه وتعالى أرسل جنية وسلمت إلى عمر، وكذا، هذه الأشياء لا يصدق بها كثير من الناس على الأقل، إذن لا نتعرض لهذه الأخبار!(906)

وقال علي الشهرستاني معلقا على قول من ذهب من الإمامية إلى أن علياً رضي الله عنه زوج عمر رضي الله عنه جنية تشبه أم كلثوم:«هذا القول ضعيف لم يؤخذ به»(907) .

وجاء في جواب مركز الأبحاث العقائدية عن سؤال حول زواج عمر بأم كلثوم: «ذهب بعض الأخباريين إلى أنّها كانت جنية، ولم يتزوّج عمر من أم كلثوم حقيقة, مستندين إلى بعض الروايات, ولكن هذه الروايات ضعيفة، مضافاً إلى أنها أخبار آحاد لا توجب علماً ولا عملاً»(908) .

وقال الدكتور علي صالح رسن: «الملاحظ على الرواية وكأنها خرافة»، ووصف سندها بأنه «مرتبك وغير معروف»(909) .

ويقول الدكتور حسن العلوي: «إن روايات أهل البيت لم تنف حصول الزواج، فكيف يتصرف منهج القطيعة مع خبر مرفوع عن الأئمة؟. هنا يتدخل منطق الانشقاق فتقحم روايات، إما باعتبار الزواج اغتصاباً أو تهديداً

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أو أنه لم يحصل أساساً، وأن الله بعث إلى عمر كما يقول المجلسي في (بحار الأنوار) جنية تشبهها فيما تم إخفاء أم كلثوم عن الأنظار حتى وفاة عمر»(910)

وهكذا يتضح عدم صحة هذه الرواية سندا ومتنا، ومخالفتها للشرع والعقل السليم، والتاريخ الصحيح، وفضلا عن هذا فقد رفضها جملة من الإمامية، وعليه فالمنصف يستنكف أن يستدل بهذه الأقوال الضعيفة التي لا تصح عقلا ولا نقلا، ويذهب إليها إلى من كان لديه أدنى مسكة من فطنة.

التبرير الثاني: دعوى المعترضين أن عمر رضي الله عنه لم يدخل بأم كلثوم رضي الله عنها وإنكارهم ولادة زيد ورقية

وأول من قرر هذه الدعوى هو أبو محمد النوبختي كما سبق أن ذكرنا، وهي دعوى لم يسبق بها، ثم تابعه بعض الإمامية على ذلك، ومنهم جعفر مرتضى العاملي حيث يقول: «وإذا كان هذا الزواج زواج أم كلثوم رحمها لله بعمر قد تم بالإكراه والإجبار، فإن ذلك لا يعني أنها عاشت معه كزوجة، أو أنها قد ولدت له أولاداً، وذلك لأن التناقض الظاهر في الروايات لا يبقي مجالاً لإثبات حتى أنه قد دخل بها. بل قد صرحت بعض النصوص بأن عمر قد مات قبل أن يدخل

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بها، وأنها كانت صغيرة»(911)

وقد حاول البعض أن يستغل جزءا من كلام الزرقاني حول وفاة عمر وأم كلثوم صغيرة، كي ينسب إليه أنه من القائلين بعدم دخول عمر رضي الله عنه بأم كلثوم(912) ، فقد قال الزرقاني في شرح المواهب اللدنية: «وأم كلثوم زوج عمر بن الخطاب، توفي عنها قبل بلوغها»(913) ، والحق أن هذه الدعوى غير صحيحة، لأن الزرقاني قد نص على أن أم كلثوم قد ولدت زيدا ورقية في نفس الكتاب فقال: «وتزوج عمر بن الخطاب في خلافته أم كلثوم بنت فاطمة... فولدت له زيدا ورقية ولم يعقبا، فأصيب زيد في حرب كانت بين بني عدي فخرج ليصلح بينهم، فشجه رجل وهو لا يعرفه في الظلمة، فعاش أياماً، وكانت أمه مريضة فماتا في يوم واحد. ذكره الزبير بن بكار»(914) .

أقول: فيتبين أن ما نسبه بعض الكتاب إلى الزرقاني لا صحة له، وأنهم انتقوا من كلامه ما يناسبهم وكتموا ما لا يعجبهم، وهذا مخالف للأمانة، خاصة أن تصريح الزرقاني بولادة أم كلثوم لزيد ورقية جاء في

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فصل مخصص للكلام عن ذرية النبي صلى الله عليه وسلم خلافا لما ذكره من موت عمر عن أم كلثوم قبل البلوغ فإنه جاء في فصل مخصص للكلام عن محبة الصحابة، فترك الهندي لكلام الزرقاني الواضح، وانتقائه لكلامه المجمل، ومتابعة جعفر مرتضى العاملي وعلي الميلاني و الشهرستاني له على ذلك دليل واضح على عدم جديتهم وعدم تجردهم من ميول الهوى أثناء البحث، بل إن منهجهم قائم على التحاول والتجني مع التقليد، فضلا عن بعدهم عن الإنصاف والتحقيق. وأما كلام الزرقاني الذي يصرح فيه بأن عمر مات عن أم كلثوم وهي صغيرة، فلا شك أنه وهم منه، ولا عيب في أن يهم الزرقاني في مثل هذا وهو ليس من أهل العلم بالنسب ولا بالتاريخ، وإنما كان عنده علم بالفقه رحمة الله عليه، وإنما العيب على من استغل هذا الوهم ليوهم الناس أن الزرقاني يقول بمقالتهم في نفي دخول عمر رضي الله عنه أم كلثوم رضي الله عنها، فإن هذا الصنيع جمع إلى التدليس والافتراء أفراطا من التحامل والجناية على الأمانة العلمية. وعلى كل فالثابت هو براءة الزرقاني من التشكيك في ولادة زيد ورقية ابني عمر وأم كلثوم رضي الله عنهما.

وأما ادعاء النوبختي ومن تبعه أن عمر لم يدخل بأم كلثوم، فلا صحة له لأن الروايات الصحيحة والثابتة، تنقض هذه الدعوى و تردها و تثبت بطلانها، لأنها تنص تارة على أن أم كلثوم اعتدت بعد وفاة الفاروق رضي الله عنه، وتارة تنسب إلى الصادق أنه قال: «ذلك فرج غصبناه»، وهذا مستلزم قطعا لوقوع الدخول، ولذلك رفض بعض الإمامية هذه الدعوى، وعلى رأسهم المرتضى، فقال: «فأما من جحد من غفلة أصحابنا

وقوع هذا العقد ونقل هذا البيت وأنها ولدت أولادا من عمر معلوم مشهور ولا يجوز أن يدفعه إلا جاهل أو معاند»(915) ومضى معنا رد النسابة أبي الحسن العلوي لهذه الدعوى حين ذكر أن بعضهم زعم أن عمر لم يدخل بها فقال: «وآخرون من أهلنا يزعمون أنه لم يدخل بها... والمعوَّل عليه من هذه الروايات ما رأيناه آنفاً من أن العباس بن عبد المطلب زوَّجها عمر برضاء أبيها عليه السلام وإذنه، وأولدها عمر زيداً»(916)

وحتى محمد جميل حمود العاملي الذي ينكر وقوع الزواج ألزم جعفر مرتضى العاملي بأن يقول بوقوع الدخول لأنه قال بصحة الروايات التي تثبت ذلك فقال بعد أن ساق كلامه: «فهو بهذا يميل إلى أن عمر لم يدخل بها، بل الأمر لا يعدو كونه عقدا بلا دخول، وهو أشبه شيء بعقد التحريم، وهو خلاف ما جاء في صحيحة زرارة التي تمسك بها المستشكل، والتي أفادت بأن ذلك فرج غصبناه، حيث يفهم منها ظاهرا الزواج بالإكراه مع لوازمه من النكاح ومقدماته»(917) وقال أيضا: «فالاعتقاد بالصحيحة المزبورة يستلزم الاعتقاد بإباحة فرج من ذكرتها الصحيحة، وإلا فإن العرف والمتشرعة لا يطلقون اسم زنا الرجل بالمرأة على مجرد الإتيان بمقدمات النكاح دون الدخول»(918) إلى أن يقول «كيف يجتمع عدم الدخول مع غصبية(919) الفرج؟، وهل الغصبية

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سوى الدخول رغما عنها وعن أبيها وحاشاهما؟»(920) وقال أيضاً: «وكونها صغيرة لا يستلزم عدم البناء بها كما لا يخفى»(921) وبيّن محمد جميل حمود تناقض جعفر مرتضى العاملي في تصحيحه لرواية الاغتصاب مع قوله بنفي الدخول فقال: «حسنة زرارة دلت على الدخول والمستشكل يتبنى الخبرين المذكورين، فكيف لم يبن بها عمر وقد دلت حسنة زرارة التي يأخذ بها المستشكل على ذلك لصحة حمل غصب الفرج على خصوص الدخول»(922)

وقد انتقد الشوكاني وهو من علماء الزيدية المشهورين هذه المقالة أيضا فقال بعد أن نقل عن صاحب الأوام أنه قال إن الزواج وقع بغير دخول: «وما أقبح قوله: كان عقدا من غير دخول، فإن هذا كلام من لا يعرف من هذا العلم شيئا، فإن أم كلثوم ولدت لعمر زيدا، وهذا أشهر من نار على علم»(923) .

والحق أن هذا التبرير من أوهى التبريرات التي لجأ إليها المعترضون، فماذا يفيدهم ألا يكون عمر قد دخل بأم كلثوم، وقد تم العقد وصارت أم كلثوم في عصمة عمر رضي الله عنه؟، والواقع أن الحامل لهم على هذا التبرير هو ثقل وقع مصاهرة عمر لعلي رضي الله عنهما عليهم، لأنها تهدم أساس التصور القائل بانقطاع الأواصر بين الآل والأصحاب رضي الله عنهم.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التبرير الثالث: دعوى وقوع التزويج غصبا عن علي وآل البيت رضي الله عنهم

لجأ البعض إلى تبرير واه لمحاولة طمس العلاقة الطيبة التي جمعت الفاروق بعلي رضي الله عنه، فادعوا أن المصاهرة التي جمعت عمر بعلي رضي الله عنهما لم تكن إلا بعد تهديد ووعيد من الفاروق لعلي رضي الله عنهما، فخاف علي رضي الله عنه بزعمهم من هذا الوعيد، فزوّج ابنته أم كلثوم من عمر رضي الله عنه تحت ضغط الإكراه والتهديد، ولذا قالوا مقالتهم المشهورة بأن هذا أول فرجٍ غصب في الإسلام! .

قد مضى أن أول من أشاع هذه المقولة هو أبو القاسم الكوفي حيث أنه أقدم من وصلنا عنه الاستدلال بهذا التبرير وتقريره والتدليل عليه، حيث قال: «وأما تزويج عمر من أم كلثوم بنت أمير المؤمنين عليه السلام فإنه حدثنا جماعة من مشايخنا الثقات منهم جعفر بن محمد بن مالك الكوفي عن أحمد بن الفضل عن محمد بن أبي عمير عن عبد الله بن سنان قال سألت جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن تزويج عمر من أم كلثوم فقال عليه السلام: ذلك فرج غصبنا عليه»(924) .وقال أيضا: «فكان من احتجاج جهالهم أن قالوا ما كان دعا عليا (ع) أن يسلم ابنته غصبا على هذا الحال الذي وصفتم، فقيل لهم هذا منكم جهل بوجوه التدبير وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أوصى عليا عليه السلام بما احتاج إليه في وقت وفاته عرفه جميع ما يجري عليه من بعده من أمته واحدا بعد واحد من المستولين، فقال علي (ع): فما تأمرني أن اصنع، قال: تصبر وتحتسب

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إلى أن ترجع الناس إليك طوعاً»(925) ثم برر أبو القاسم الكوفي سكوت علي بأن اغتصاب عمر رضي الله عنه للخلافة –بزعمه- «أعظم عند الله وأفظع وأشنع من اغتصابه ذلك الفرج»(926) وأنت ترى ما في هذا الكلام المنكر من الشناعة والحط من رتبة علي وسائر آل البيت ونسبة هذا العار إليهم، وللأسف تبنى بعض كبار علماء الإمامية هذا القول، منهم الشريف المرتضى حيث يقول: «الذي يجب أن يعتمد في نكاح أم كلثوم، أن هذا النكاح لم يكن عن اختيار ولا إيثار، ولكن بعد مراجعة ومدافعة كادت تفضي إلى المخارجة والمجاهرة...وهذا إكراه يحلُّ له كل محرَّم، ويزول معه كل اختيار، ويشهد بصحته ما روي عن أبي عبد الله عليه السلام من قوله وقد سئل عن هذا العقد؟ فقال عليه السلام: ذلك فرج غصبنا عليه! ثم قال المرتضى: «وقد تبيح الضرورة أكل الميتة وشرب الخمر، فما العجب مما هو دونها؟»(927)

ويقول المجلسي: «والأصل في الجواب هو أن ذلك وقع على سبيل التقية والاضطرار، ولا استبعاد في ذلك، فإن كثيراً من المحرَّمات تنقلب عند الضرورة وتصير من الواجبات»(928) .

ويقول الكاظمي: «والمشهور من الأصحاب والأخبار أنه تزوجها عمر بن الخطاب غصبا كما أصر السيد المرتضى رحمه الله وصمم عليه في

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رسالة عملها في هذه المسألة، وهو الأصح للاستفاضة»(929) وقال أيضا: «وبهذه الأخبار انقطع ما قد شك به بعض الشاكين من أنه كيف جاز تزويج أمير المؤمنين إياه، وهو على ما تعتقدونه لا يجوز نكاحه، فإن الغصب والاضطرار، أباح كل شيء. وكذلك ما قد يقال إنه كيف يليق بأمير المؤمنين عليه السلام تحمل هذا الغصب، فإن الشيمة الهاشمية والنخوة العربية لا تتحمل هذا العار والذل، وأمثال ذلك، فإن هذه النصوص تحسم مادة هذه الاستبعادات، وليس ذلك بأصعب من غصب الخلافة، فإن دونها الضلال والإضلال، وهدم الدين ومحو شريعة سيد المرسلين»(930)

ويقول الميلاني: «وتلخّص: أنّي لو سئلت عن هذه القضية أقول: إنّ هذه القضية تتلخّص في خطوط: خطب عمر أُمّ كلثوم من عليٍّ، هدّده واعتذر عليٌّ، هدّده مرّة أُخرى، وجعل يعاود ويكرِّر، إلى أن أوكل علي الأمر إلى العباس، وكان فرجٌ غُصِب من أهل البيت، فالعقد وقع، والبنت انتقلت إلى دار عمر، وبعد موته أخذها علي، أخذ بيدها وأخذها إلى داره، ليس في هذه الروايات أكثر من هذا، وهذا هو القدر المشترك بين رواياتنا وروايات غيرنا، أمّا مسألة الدخول، مسألة الولد والأولاد، وغير ذلك، فهذا كلّه لا دليل عليه أبداً»(931) .

ويقول جعفر مرتضى العاملي: «ونحن نعتقد أن أم كلثوم قد

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أجبرت على هذا الزواج وأن أباها كان مكرهاً عليه أيضاً»(932) وقال في نهاية كتابه ظلامة أم كلثوم: «وإذ قد انتهى بنا البحث إلى هذا الحد، فقد ظهر للقارئ الكريم أن من غير البعيد أن يكون الزواج إلى حد إجراء صيغة العقد قد تم فيما بين أم كلثوم رضوان الله تعالى عليها وبين عمر.. وذلك في أجواء من الإلحاح، بل والتهديد البالغ حد الإكراه»(933)

وقال محمد الحسيني الطهراني: «ولو أوردنا هذه‌ القصّة‌ مع‌ مقدّماتها التأريخيّة‌، فإنّ ذلك‌ يمثّل‌ وثيقةً تدين‌ عمر بن‌ الخطّاب‌، إذ غصب‌ تلك‌ المخدَّرة‌ بمكر، وأولدها زيداً ورقيّة»(934) .

وقد ذكر محمد حسون أن هذا رأي أكثر علمائهم(935) .

تنزيه الفاروق وآل البيت رضي الله عنهم من هذا الافتراء المشين

والجواب عن هذه الدعوى الباطلة هو ردها جملة وتفصيلا، فهذا القول غير مقبول لما فيه من الإزراء على آل البيت والصحابة، فعلي رضي الله عنه كان أشجع وأقوى من أن يذر أحدا يتزوج ابنته غصبا عنه، وما كان بنو هاشم ليسكتوا عن ذلك فكيف يُتصور في حقهم مثل هذه الدعوى القائمة على الافتراء والبهتان والتي فيها من الإساءة له ما لا يقبل به كل منصف، وكذلك عمر رضي الله عنه، فقد كان من أورع وأتقى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومن أحرص الخلفاء الراشدين على أمته، ومن أبعد الناس عن الظلم، بل هو المشهود بالعدل في الرعية، ومن كان بمثل هذه الصفات لا يمكن أبدا أن يصدر منه مثل هذا الفعل الشنيع الذي لا يقع إلا من الجبابرة والظلمة.

ولما وقف ميرزا مخدوم وهو من علماء القرن العاشر على هذه الرواية استفظعها، فقال رحمه الله: «ومن هفواتهم أنهم يقولون بوقوع الزنا على أم كلثوم بنت علي من فاطمة، مع علم علي والحسنين رضي الله عنهما بذلك، ولزوم هذا العار الأفظع، والشنار الأشنع على أهل البيت للتقية»(936) ، إلى أن قال: «لا يخفى على من عنده أدنى غيرة وعار، أن الزنا أفحش الأذى، وإن كان المزني بها مجبورة،...ما من قلب سليم إلا ويتنفر عن نبي زُنِي بابنة بنته التي انحصرت ذريتها في ولدها، وسماها بضعة منه، وسيدة نساء العالمين، وبعلُها نفسه وأخاه(937) ، وولديها سيدي(938) شباب أهل الجنة وريحانتيه، وجاء في شأنهم وسمو مكانهم(939) ، ويتوحش عن إمام سكت من غاية الخوف حتى وطئت بنته أو أخته محرما مرارا، فولدت من الزنا ولدا»(940) .

وقد كان لهذا الكلام أثر كبير في التأثير على مواقف المتأخرين، فإنهم لما تنبهوا لما في هذا القول من الإزراء على آل البيت، سلكوا مسالك مختلفة قصد التخلص من هذا الإشكال، وإليك

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إياها:

المسلك الأول تحريف دلالة الرواية : فقد حاول البعض أن يحرفوا دلالة الرواية، فادعوا أن المعنى: غصبناه ظاهرا وبزعم الناس(941) ، وقد تقدم نقد هذا المسلك القائم على التكلف المحض، فضلا عن أن كلام الكوفي الآنف الذكر-وهو أول من أسس نظرية الاغتصاب- فيه التصريح بمعنى الاغتصاب الظاهري بما لا نحتاج لإعادته هنا.

المسلك الثاني: التمويه على دلالة الرواية ، وذلك بالإجابة بأجوبة فيها نوع من التحكم ومحاولة التملص من دلالة الرواية، وستستغرب حين ترى أن من اتبع هذه الطريقة قد وقع التناقض في كلامهم، وإليك البيان:

الجواب الأول: العقد كان صحيحا وعمر بريء من تهمة الزنا!

يزعم من ذهب إلى هذا القول أن الزواج حتى لو كان بالإكراه فإنه وقع على صورة شرعية، وعليه فلا يترتب على دعوى الاغتصاب والإكراه أن يتدنس عرض آل البيت بعار الفاحشة.

يقول التستري: «قول الصادق عليه السلام: هذا أول فرج غصبناه، لا يستلزم وقوع الزنا، إلا أن من أجبر رجلا في طلاق زوجته، يقال في العرف: غصبت منه امرأته، مع أنه إذا عقد عليها ذلك الجابر لا يكون زانيا عند أبي حنيفة»(942) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويقول نعمة الله الجزائري: «وأما الشبهة الواردة على هذا وهي أنه يلزم أن يكون عمر زانيا في ذلك النكاح، وهو مما لا يقبله العقل بالنظر إلى أم كلثوم، فالجواب عنها من وجهين، أحدهما أن أم كلثوم لا حرج عليها في مثله لا ظاهرا و لا وواقعا وهو ظاهر، أما هو فليس بزان في ظاهر الشريعة، لأنه دخول ترتب على عقد بإذن الولي الشرعي»(943) ، والقارئ قد يظن أن الجزائري أراد تنزيه عمر من الفاحشة، إلا أنه يفاجأ بقول الجزائري بعدها: « وأما في الواقع وفي نفس الأمر فعليه عذاب الزاني»، فدل هذا على أن جوابه السابق ليس إلا من باب التخلص من الإشكال، وإلا كيف يجتمع أن لا يكون زانيا في ظاهر الشريعة ثم في نفس الوقت يقع عليه عذاب الزاني؟؟

والحقيقة أن هذا الكلام فيه تحكم غريب، فكيف يكون العقد صحيحا والرواية صريحة في وقوع الاغتصاب، وتسمية زواج عمر لأم كلثوم اغتصابا ليس فقط لأنه وقع بالإكراه والإجبار كما يزعمون، بل لأن تزويجه عمر عندهم غير جائز، لأنه خارج من الملة عندهم، وهذا ما نبه عليه السمعاني رحمه الله حين قال:«لو كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما كافرين لكان عليٌّ بتزويجه ابنته أم كلثوم الكبرى من عمر رضي الله عنه كافراً، أو فاسقاً معرِّضاً بنته للزنا، لأن وطء الكافر للمسلمة زناً محض»(944) ولذلك برر القائلون برواية سكوت علي رضي الله عنه عن منع هذا النكاح، بأن الضرورات تبيح المحظورات، وبأنه سكت عما هو أولى وهو حقه

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

في الخلافة، وستأتي أقوال علماء الإمامية الذين رفضوا هذه الرواية لأنهم فهموا منها أن فاحشة الزنا لحقت عرض آل البيت حاشاهم من هذا البهتان.

الجواب الثاني: العقد غير صحيح لكن الزنا يلحق عمر -وحاشاه- دون أم كلثوم!

وهذا الجواب أغرب من الذي سبقه، ففضلا عن مناقضته للجواب السابق، فهو متناقض في نفسه إذ يجمع بين الضدين!!

يقول محمد الحسيني الطهراني: «وأمّا قول‌ الإمام‌ الصادق‌ علیه‌ السلام‌: ذَلِكَ فَرْجٌ غَصَبُوهَا، فهو صحيح‌، أي‌:أنّ الزواج‌ تمّ بدون‌ إمضاء الأب‌ والبنت‌ ورضاهما، مع‌ أنّ المراسم‌ الصوريّة‌ والصيغة‌ العرفيّة‌ قد تحقّقت‌. ولكن‌ لمّا كان‌ من‌ وحي‌ الإكراه‌، فلا تترتّب‌ علیه‌ آثار الزواج‌ الحقيقي‌ّ. لقد كان‌ عمل‌ عمر حراماً، بَيدَ أنّ عمل‌ أُمّ كلثوم‌ لم‌ يكن‌ حراماً. فعملها بالنسبة‌ إلیه‌ لم‌ يكن‌ زنا، ويعدّ أولادها منه‌ أولاد حلال‌، لأنّ كلّ عمل‌ يتحقّق‌ بإكراه‌، فلا مؤاخذة‌ ولا عذاب‌ علیه‌ في‌ شريعة‌ الإسلام‌ المقدّسة‌. وتترتّب‌ آثار أولاد الحلال‌ علی‌ من‌ ولدوا من‌ امرأةٍ موطوئة‌ بإكراه‌، كأولاد الوط‌ء بالشبهة‌، المذكورة‌ تفاصيله‌ في‌ الفقه»(945) .

والجواب هو كيف يجتمع القول بأن العقد غير صحيح مع عدم وقوع الزنا على أم كلثوم، هل هذا إلا تعسف وتمحل، وهب أن هذا الكلام صحيح، فإن لازمه أن أم كلثوم وحاشاها قد وقع عليها الزنا،

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهي مكرهة، وهذا هو الإشكال نفسه، فهذا الجواب زاد الطينة بلة ولم يرفع الإشكال بوجه.

الجواب الثالث: العقد صحيح والزنا يلحق عمر رضي الله عنه – وحاشاه- دون أم كلثوم رضي الله عنها:

وهذا الجواب مناقض للذي سبقه، ومتناقض في نفسه، حيث يثبت رواية الاغتصاب، دون أثرها، وهو وقوع الزنا على أم كلثوم عياذا بالله، يقول الشهرستاني: «إن الزواج من أم كلثوم على فرض وقوعه، كان على نحو الإكراه لا عن طيب خاطر، فيكون المكره هو الزاني، لا البنت ولا وليها فإنّ القائل بالتزويج من الشيعة يذهب إلى أنّ الإمام قد أجاز هذا العقد ; للحرج والتقية»(946) ، وجوابنا عنه مثل جوابنا عن الذي سبقه، لأن محصله أن الزنا وقع على أم كلثوم بغير رضاها، وهذا محل النزاع بيننا وبينهم، وهو عين ما نرده ونرفضه وننزه عنه أم كلثوم وعمر رضي الله عنهما، فهذا التبرير لم يجب عن واقع الحال.

وهذا آوان الشروع في الجواب عن هذا التبرير الذي يعد أشهر تبريرات المعترضين على مصاهرة عمر وعلي رضي الله عنهما، وسنفصل جوابنا في وجوه:

الوجه الأول: شذوذ رواية تهديد عمر رضي الله عنه لعلي والعباس رضي الله عنهما

إن مما يدل على بطلان هذه الدعوى وعدم صحتها، أن المرويات التي نقلها أهل السنة في هذا الزواج على كثرتها وتنوعها و شمولها لتفاصيل الزواج من خطبة عمر لأم كلثوم حتى وفاتها وابنها زيد

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بن عمر لم تشر إلى دعوى الإكراه و الإجبار المزعومة، بل لم ترد حتى في روايات الكذابين والوضاعين، وكذلك لم يذهب أحد من المحدثين أو المؤرخين أو النسابين من أهل السنة والجماعة إلى هذا الرأي الشاذ المنكر، ولذلك حاول البعض أن ينسب هذا القول إلى روايات أهل السنة، فادعى البياضي أن رواية الاغتصاب قد رواها أهل المذاهب الأربعة!!(947) وهذا افتراء بلا شك، فلا أثر لهذه الرواية في أي كتاب من كتب فقهاء الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، و ادعى جعفر مرتضى العاملي(948) وتبعه الشهرستاني(949) أن بعض الروايات فيها إشارات إلى أن عليا أكره على تزويج عمر رضي الله عنه، وقال جعفر مرتضى العاملي: «وحين عدنا إلى روايات أهل السنة، وجدنا أنها قد ألمحت بوضوح إلى الإكراه والإجبار الذي مارسه عمر.. وألمحت أيضاً إلى ما ورد في كتب الشيعة من تفاصيل، حتى إنك لتستطيع أن تجد معظم عناصر رواية الاستغاثة متوفرة في كتب أهل السنة»(950)

والجواب أن هذا غير صحيح، وكل ما استدل به العاملي والشهرستاني والميلاني من اعتذار علي رضي الله عنه بصغر سن أم كلثوم، وما ورد في متون بعض الروايات من ذكر إلحاح عمر رضي الله عنه، أو تعليل تردد علي في تزويج عمر أول الأمر بأنه قد أعد بناته لبني جعفر، وكذا ما

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

جاء في بعض الروايات من مراجعة عمر لعلي رضي الله عنهما حين اعتذر بصغر سن أم كلثوم، وما جاء في روايات أخرى من قول عمر: «والله ما بك إلا منعي»، فكل هذا لا دلالة فيها أبدا على أن عمر رضي الله عنه هدد عليا أو أخافه، وإنما تردد علي رضي الله عنه أول الأمر للفارق بين سن عمر رضي الله عنه وسن أم كلثوم، فلما بين الفاروق لعلي رضي الله عنه أن مراده ليس مجرد الزواج وقضاء الوطر، بل أراد الانتساب إلى البيت النبوي، رضي حينها بتزويج عمر رضي الله عنه وعقد له على ابنته راضيا مختارا مسروراً بمصاهرة الخليفة له، وهذا هو الذي تتفق عليه الروايات الصحيحة وهو الحق الذي لا ريب فيه والذي يوافق التاريخ القطعي الذي ينص على علاقة الفاروق الطيبة بعلي رضي الله عنهما وجعفر مرتضى العاملي والشهرستاني إنما اقتطعوا عبارات من روايات مختلفة كي يصنعوا منها صورة مختلقة لتهديد خيالي لا وجود له، محملين تلك الألفاظ أكثر مما تحتمله، ولو كان عندهم دليل على هذه الدعوى لما لجؤوا إلى هذا الأسلوب المنافي للأمانة العلمية، ويكفي أن الشهرستاني نفسه حين عرض الأقوال المختلفة في هذا الزواج، نسب إلى أهل السنة أنهم يرون وقوعه برضا علي رضي الله عنه، وحين عرض قول القائلين بوقوع الزواج بالإكراه لم ينسبه إلى أهل السنة، وهذا يبين براءة أهل السنة من هذا المقالة المنكرة(951) وبالتالي تكون هذه الرواية شاذة منكرة، لا ينبغي الاعتماد عليها.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الوجه الثاني: تناقض روايات الإكراه

لا ينقضي العجب من كثير من الكتُّاب المعاصرين الذين جمعوا بين التشكيك في كثير من تفاصيل زواج عمر بأم كلثوم بدعوى اختلاف وتناقض الروايات، وفي نفس الوقت يقولون بأن الزواج وقع بإكراه وتهديد من عمر لعلي رضي الله عنهما، مع أن الروايات التي ذكرت تفاصيل الإكراه والإجبار الذي لا أصل له قد اختلفت ووقع بينها التناقض بما يؤدي إلى تكذيبها ونفي وقوعها بناء على موازينهم التي قرروها والتي قامت على اعتبار الاختلاف في تفاصيل القصة دليلا على بطلانها واختلاقها. فقد اختلفت رواية الكليني مع رواية أبي القاسم الكوفي في تفاصيل واقعة التهديد، فبينما تزعم رواية الكليني أن عمر رضي الله عنه هدد علياً رضي الله عنه بأن يُشهد عليه رجلين بأنه قد سرق وسيقيم عليه حد السرقة، زعمت رواية أبي القاسم الكوفي أن عمر هدد عليا رضي الله عنه بأن بأن يشهد عليه شهودا بأنه قد زنى ليقتله حدا، ومع ذلك لم نسمع من المشككين في ثبوت زواج عمر من أم كلثوم أي تشكيك في روايات الاغتصاب التي تحدتث عن واقعة واحدة وتناقضت في تفاصليها!.

الوجه الثالث: ردود علماء الإمامية على نسبة الاغتصاب إلى عرض علي رضي الله عنه

عندما وقف أهل العلم على هذه رواية الاغتصاب المنكرة، استشنعها وردها، وعلى رأسهم ابن الجوزي رحمه الله في المنتظم، فقال بعد أن نقل رواية الاغتصاب عن رسالة للشريف المرتضى: «ومن التخرص وعيد عمر

لعلي إذ أبي تزويجه وغير ذلك من المحالات»(952) ثم أنكر هذه الرواية أيضا أحد علماء الشافعية في القرن السادس(953)

وقد استبشع بعض علماء الإمامية و مثقفيهم نسبة هذه المنقصة العظيمة إلى أهل البيت رضي الله عنهم، ونزهوا عليا من أن يقع الزنا على عرضه، ومنهم من أنكر وجود رواية الاغتصاب في الكتب:

1 - يقول النسابة أبو الحسن العمري في رد رواية الاغتصاب: «وآخرون يقولون هو أول فرج غصب في الإسلام والمعوَّل عليه من هذه الروايات ما رأيناه آنفاً من أن العباس بن عبد المطلب زوَّجها عمر برضاء أبيها عليه السلام وإذنه، وأولدها عمر زيداً»(954) ، فواضح من كلامه أنه لم يرتض دعوى الاغتصاب وردها، واختار وقوع الزواج برضا علي رضي الله عنه.

2 - ويقول عبد الجليل القزويني (توفي في حدود سنة 560 هـ) - وهو يرد على أحد علماء أهل السنة حين استشهد برواية الاغتصاب التي نقلها المرتضى وغيره- : «وما حُكي في هذا الفصل عن المرتضى البغدادي رضي الله عنه، وعن جعفر الصادق صلوات الله عليه والشيعة الإمامية كثر الله عددهم، كله كذب وافتراء، والنكاح كان برضا علي، والعباس كان مصيبا في الوساطة بينهما، ورغبة عمر في النكاح كانت محمودة»(955) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فهذا اعتراف نادر من أحد علماء الإمامية القدماء بوقوع هذا الزواج برضا علي رضي الله عنه، وبأن رغبة عمر في الانتساب إلى البيت النبوي كانت محمودة، وهذا فيه رد على الذين يزعمون أن الفاروق رضي الله عنه كانت له مآرب سياسة من وراء هذا الزواج.

وأما إنكار عبد الجليل القزويني لرواية الاغتصاب ولكلام المرتضى فلا وجه له، فقد مضى توثيق استدلال المرتضى وغيره برواية الاغتصاب و تصريحهم بوقوعه على أم كلثوم، فإنكار وجود هذه الرواية في المصادر الروائية للإمامية لا ريب أنه غير سديد، والشاهد عندنا أن فظاعة هذه الرواية جعلت عبد الجليل القزويني يتبرأ منها، فضلا عما في كلامه من التصريح بوقوع الزواج برضا علي رضي الله عنه، وهو موافق للثابت في الروايات الصحيحة.

3 -ويقول الميرزا أبو الحسن الشعراني في تعليقه على الوافي:«وذكر بعض مشاهير أهل الحديث لا أحب ذكر اسمه(956) شيئاً أفحشَ وأشنعَ مما روي في هذا الخبر، وهو: إن نكاح أم كلثوم لم يكن صحيحاً في ظاهر الشرع أيضاً، ولكنه وقع للتقية والاضطرار، فإن كثيراً من المحرمات تنقلب عند الضرورة أحكامها، إلى آخر ما قال». ثم عقّب الشعراني قائلاً:« وأنا لا أرضى بأن أنسب الزنا إلى ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم،

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لا للتقية ولا للضرورة، وإن لزم منه كفر جميع المسلمين وإيمان جميع الكفار...فإن ثبت أنه أنكح أم كلثوم لعمر دل فعله على جوازه، ولا أستطيع أن أقول رضي عليه السلام بأن يسلِّم ابنته للزنا تقيةً واضطراراً، ولا أظن أن يلتزم به عاقل مطلع على صفاتهم، ومكارم أخلاقهم، ومذهبي أن بنتي فاطمة سلام الله عليهما معصومتان يشملهما آية التطهير.. ولا يحتمل كون النكاح باطلاً، ووقوعه للتقية والضرورة، كما ارتكبه المحدِّث المذكور»(957)

4 -وممن أنكر مقولة «ذلك فرج غصبناه» عبد الزهراء الخطيب فقال: «في النفس من هذه الرواية شيء، فاللازم أن ترد على راويها، لا لمنع أصل الوقوع ولكن حاشى لله أن يبلغ الأمر من اضطهاد أهل البيت إلى اغتصاب بناتهم، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، فالأمر بهذه الصورة ممنوع»(958) .

5 - وحاول المرجع محمد آصف محسني صرف دلالة هذا الخبر عن ظاهره لما فيه من قبح نسبة الزنا إلى أعراض آل البيت فقال:«الظاهر أن الغصب باعتبار التهديد الأول، ويبعد كل البعد بطلان العقد وتحقق الزنا وصبر أمير المؤمنين عليه السلام عليه، فإنه غير معقول بالنسبة إليه»(959) .

6 -ولمحمد جميل حمود كلام متفرق في رفض رواية الاغتصاب

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المنكرة وردها، فيقول: «الاعتقاد بحصول الزواج حسبما قال به المشهور خلاف الحكمة لاستلزامه تصغير آل بيت العصمة عليهم السلام في أعين المنافقين والضعفاء والسذج وإدراجهم في خانة البسطاء والجبناء والمتملقين»(960) ويقول أيضاً: «كان بمقدور أمير المؤمنين عليه السلام أن يرفض طلب عمر للزواج من أم كلثوم رضي الله عنها بحجة أن ابنته كارهة له، والإكراه على الزواج مبطل له، ولا يجوز في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، فلا يمكن لعمر حينئذ أن يصر على الزواج لأنه لو فعل ذلك لكان حجة الإمام عليه السلام أمام جموع المسلمين ولا يمكن لعمر لو فعل الإمام عليه السلام ما قلنا أن يخالف إرادة الله تعالى ورسوله ظاهرا أمام المسلمين»(961) .وبعد أن نقل عن جعفر مرتضى العاملي قوله بوقوع الزواج بالإكراه بناء على رواية الكافي قال:«لا أعتقد أن أمير المؤمنين ومولى الثقلين يصل به الأمر إلى الإسفاف بعرضه من أجل مصلحة شخصية، كما لا أعتقد أن تهديد عمر له يؤثر على مواقفه البطولية وشجاعته التي لا نظير لها في عالم الوجود، وكيف تؤثر السمعة السيئة كاتهامه بالسرقة- على مواقفه العظمى التي لها فضل على أنفاس المسلمين قاطبة إلى يوم القيامة، في حين أن النبي يوسف قد ألصق اخوته به السرقة ولم تؤثر على موقفه سرا وعلانية»»(962) وقال أيضا وهو ينتقد تبرير تزويج علي لعمر بالخوف من تهمة السرقة: «لقد ألصقت تهم كثيرة بشخصيات دينية وسياسية في عالمنا الإسلامي، ولم يصدقها الناس ولا إنهم اعتنوا

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بها، بل لم يزد أصحابها إلا إصرارا على المضي قدما نحو تحقيق الأهداف التي ينشدونها ويبتغون تحقيقها، فإلصاق التهمة به لا يصلح أن يكون مبررا للرضوخ إلى عمر بن الخطاب وما تشتهيه نفسه»(963)

وقال أيضا: «لما كان بإمكان الإمام علي عليه السلام أن يتملص بأي وجه ووسيلة من طلب عمر مصاهرته، فلا يصح حينئذ دعوى المناكحة للتقية والضرورة»(964) .

وقال أيضا: «وهل الغصبية سوى الدخول رغما عنها وعن أبيها وحاشاهما»(965) .

وقال أيضا: «وهل تجيز الشريعة للمعصوم أن يحلل الزنا والسحاق واللواط إذا هدده شخص بالسرقة أو بقطع يمينه»(966) .

7 -وقد رفض الدكتور علي صالح رسن المحمداوي رواية الاغتصاب الباطلة التي نقلها الكليني عن جعفر الصادق، وكذا رواية تهديد عمر رضي الله عنه لعلي والعباس، وشكك في سندها وانتقد متنها، بل يظهر من كلامه اتهام الرواة باختلاقها، وإليك كلامه:

قال وهو يصرح بأن هذه الرواية مختلقة:« لا بد من الاعتراف بحقيقة، وهي أن محبي آل البيت عليهم السلام، قد دسوا بعض الروايات وبالغوا

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فيها، ربما من دون قصد، أو بقصد إظهار حبهم لهم، إلا أنهم أساءوا لهم بذلك، وبهذا لا نستبعد دس الرواية للرد على مسألة زواج عمر بدلا من تفنيدها، فردوا بأن عمر تزوجها قهرا، وبذلك أساءوا للإمام (ع)، وأعطوا المبررات لنقدهم وتجريحهم!(967)

وبعد أن تكلم عن ترجمة زرارة بن أعين راوي رواية الاغتصاب، قال عنه:«فيما يخص زرارة بن أعين، إن صح عنه صدور رواية تزويج عمر من أم كلثوم وقول الإمام الصادق (ع)، إن ذلك فرج غصبنا عليه، هذه وحدها كافية لقدحه، ويبقى هو ومن نحى منحاه مطالبين بدعوى تُرفع عليهم يوم الحشر من قبل أمير المؤمنين (ع)، لاتهامه بأمور منكرة من أمثال هذه، وأن عمر تزوج ابنته على رغم أنفه، أي أخذها منه بالإكراه، ومن قبيل أن عمر هجم على دار الإمام وفعل ما فعل، وقد صور روحي فداه بأنه إنسان مستضعف من قبل ابن الخطاب، الذي صوروه وهو الآخر كأنه منتهك لحرمات المؤمنين، وإذا صحت هذه التهم فهل الإمام ضعيفا خائفا(968) ليس لديه إيمان وقدرة على رد الظالمين، فإنه لا تأخذه في الله لومة لائم»(969) .

وقال وهو يبرئ الفاروق رضي الله عنه مما نسبته إليه الرواية من تهديد علي والعباس رضي الله عنهما: «أما عن عمر فقد صورته الرواية وكأنه إرهابي لأنه هدد بردم بئر زمزم، الذي هو سقيا من الله إلى حجاج بيته، فهل زمزم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

خاص بعلي(ع) أو عمر أم أنه للمسلمين كافة؟ فهل يتمكن عمر من مواجهة كافة المسلمين، كما واجه ذلك عثمان، وتوعد بهدم مناقب بنو هاشم(970) وإقامة الحد على أمير المؤمنين بحجج باطلة مثل الزنا و السرقة، بشهادة زور، وهذه الأمور لا تليق بخليفة المسلمين مثل عمر، علما بأنه لا يستطيع الوقوف بوجه بني هاشم كلهم، خاصة وأنهم واجهوا قريشا كلها، ومنعوهم عن أذى النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف لا يدرأوا شر عمر، وهل هو قادر على التلفيق ضد الإمام، خاصة وأن أخلاق الأخير معروفة، وسيرته عطرة، لا يمكن تلويثها ولا يمكن تصديق هكذا تهم،... فأين المسلمين(971) من هذه التلفيقات، وأين صحابة الإمام»(972)

ثم حكم ببطلان هذه الروايات فقال: «ويبقى حكمنا على الرواية: إنها عاطلة باطلة، لا يمكن الركون إلى صحتها، حتى لو صح سندها لعدم تقبل العقل لها ولانفراد الكليني بها، ومهما كانت فهي رواية تاريخية لا قرآن، تحتمل الصحة والخطأ، فيجب التوقف عندها من دون قبولها على علاتها»(973) .

8 -ويقول الدكتور حسن العلوي: «إن كتاب إفحام الفحول هو النموذج الأخير

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المتكامل الجوانب للمنهج الذي لا يتأخر عن جعل الإمام علي كما يقول صاحب الكتاب ذليلاً ومهاناً بل ومهدداً بقطع يده، كما لو كان طفلاً يتلاعب بمشيئة خاطف متمرس بالقتل، مقابل أن لا يتحدث التاريخ عن وشيجة إنسانية وشرعية بين اثنين من الصحابة المحمديين»(974) أي عمر وعلي رضي الله عنها، وما أحسن صنيع الدكتور حسن العلوي حين استنكف من إيراد رواية الاغتصاب المنسوبة إلى آل البيت، والتي لو لم نضطر لمناقشتها وبيان بطلانها، لتركنا إيراد لفظها كما فعل الدكتور حسن العلوي، حين قال:«ويروي الشيخ حمود ما تسمى حسنة زرارة، إذ ينسب للإمام الصادق قوله بما يشير إلى حصول الغصب في الزواج واجلالاً لمقام الإمام أحجمنا عن إيراد نص الخبر لما يتضمنه من إساءة بالغة للإمام ومقام الإمامة»(975)

ويحسن بنا أن نذكر ما رد به الشيخ الفاضل حسين المؤيد – الذي كان من أساتذة الحوزة العلمية عند الإمامية– حيث يقول: «ومن هذه التخرصات أن عليّاً عليه السلام كان مكرهاً على تزويج بنته من عمر لأن عمر هدَّد بفبركة تهمة السرقة على علي وقطع يده، كما هدَّد بردم زمزم، والتضييق على بني هاشم، ومن هنا ورد عن جعفر الصادق التعبير عن هذا التزويج بأنه فرج غصبناه. وهذا التخرُّص من أوهن وأسخف التخرُّصات:

أولاً: إن نزاهة عليٍّ عليه السلام ومكانته وزهده وتعففه وورعه من الأمور

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الثابتة الجلية؛ التي لا يمكن لأحد مهما بلغت مكانته أن يورِّط نفسه في التحايل لإلصاق تهمة مخلة بنزاهة عليٍّ ومكانته، لأنها ستكون مفضوحة ويكون مردودها سلبياً على المتآمر نفسه، فكيف يتصور أن يقوم شخص يتَّصف بالعقل والحكمة مثل عمر بمثل هذه الفبركة، وهو العارف بمكانة علي في المجتمع؟ وهل يعقل أن يقدم عمر على ردم زمزم لأن علياً لم يزوِّجه من أم كلثوم؟

ثانياً: إن عليّاً وبني هاشم لم يكونوا بهذه الدرجة من الضعف بين الناس وفي مجتمع الصحابة؛ كي يسهل تمرير مثل هذا التهديد والتهمة ومن أجل قضية تزويج.

ثالثاً: هل من المعقول أن يقدم عمر على مثل هذه الخطوة التي ستحدث احتقاناً كبيراً بينه وبين عليٍّ وبني هاشم ويكون لها مردودٌ سلبيٌ في المسلمين، ولا تنسجم مع ما حرص عليه عمر رضي الله عنه طيلة خلافته من السيرة الحسنة بين الناس عموماً؛ والسيرة الحسنة مع أهل البيت وبني هاشم على وجه الخصوص؟ وكيف ستصفو له العلاقة الزوجية التي تأسست على هذا التهديد؟

رابعاً: لم نجد على مدى خلافة عمر ما يدلُّ على أن الأجواء كانت بينه وبين عليٍّ وبني هاشم محتقنة، ولو قام هذا الزواج على أساس التهديد وبهذا المنطق الرخيص لكان هناك احتقانٌ مستمرٌ ومناخٌ سلبيٌ تستمر آثاره، مع أن الأمور كانت على العكس من ذلك تماماً»(976) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الوجه الرابع: دفاع علماء الزيدية عن عرض علي رضي الله عنه وإنكارهم لرواية الاغتصاب

من المؤسف أن يتأثر بعض متأخري الزيدية بالروايات التي زعمت أن عمر أجبر عليا على أن يزوجه بابنته، وعلى رأس هؤلاء عبد الله بن حمزة 614 هـ قال في الشافي: «وفي هذه السنة خطب عمر إلى علي عليه السلام أم كلثوم ابنة فاطمة عليها السلام، فقال علي عليه السلام: إنك امرؤ قد حِلْت، وهي صبية صغيرة لا تعرف حقك، وأنت محتاج إلى امرأة تعرف حقك، فقال عمر: لم أذهب حيث ذهبت، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل سبب ونسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي وصهري»، فأردت أن يكون لي سبب وصهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكره علي ذلك، وخرج من عنده، وعمر يتوقد من الغضب، فدخل العباس وقد ورم أنف عمر من الغضب، فقال: والله يا بني هاشم لأفعلن ولأفعلن. قال العباس رضي الله عنه: وما عليك أنا عمه، وأنا أزوجك؛ فزوجه...وهل علمت أيها الفقيه أنه لا يجوز زواج الفاطمية بغير الفاطمي إلا من ضرورة، فالضرورات تبيح المحظورات... ولولا ذلك لأنكح علي عليه السلام عمر مختاراً، ولكنه امتنع حتى حصل المبيح الشرعي وهو الضرورة، ولطف الله سبحانه في ذلك فماتت هي وولدها في وقت واحد، لا يدرى أيهما مات أولا، فجرى فيهما حكم الغرقى!(977) وتابعه على ذلك الأمير الحسين بن بدر الدين الحسني 662 هـ) في كتابه شفاء الأوام في أحاديث الأحكام(978) وممن قال

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بهذا الحسن بن أحمد الجلال 1084 هـ)، حيث قال: «وقد امتنع علي عليه السلام من إنكاح عمر رضي الله عنه، حتى غضب، و لم ينكحه إلا العباس تقية حين أقسم لا يترك لبني هاشم مأثرة إلا هدمها، وذلك من ترجيح دفع أعظم المفسدين بأهونهما، وفعل علي عليه السلام حجة عند كافة أولاده عليهم السلام»(979) ونُقل هذا الرأي أيضا عن أحمد بن عبد الله حنش في الجمان المضيئة(980)

وقد انتقد المحققون من علماء الزيدية هذه الأقوال التي لا أصل لها في مروياتهم، ورفضوا الروايات التي نقلت هذه القصة الباطلة، وأنكروا صحتها، وبينوا وهاءها، وإليك كلامهم:

1 -يقول يحيى بن الحسن القرشي ( 780 هـ) : «ومنها ما رووا أنه هدد(981) علياً حتى زوجه أم كلثوم وتهدد(982) بني هاشم وأكرههم على ذلك، وهذا منه جرأة على الدين، ودليل على الفسق. والجواب: قالت المعتزلة: هذا مما لا يُلتفت إليه، ولا يُشتبه كذبه، وبنو هاشم أجَلُّ من أن يُكْرَهوا على تزويج امرأة، وأيضاً فالنكاح مع الإكراه لا ينعقد»(983) .

2 -وقال ابن بهران الصعدي 957 هـ «والذي يقال من أنه لم

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يدخل بها وأنه أكره عليا عليه السلام أن يعقد له بها ونحو ذلك مما لا أصل له»(984)

3 - وقال المقبلي ( 1108 هـ ) وهو يناقش المنكرين لجواز تزويج الفاطمية بمن ليس فاطميا: «ومما فرعوا عليه من الافتراء أن عمر رضي الله عنه اغتصب أم كلثوم بنت علي بدون رضا علي رضي الله عنه، وتهدد(985) حتى تلافى ذلك العباس وعقد له، وقال بعضهم لم يدخل بها عمر، قالوا ذلك لما رأوا فعل علي يهدم بدعتهم هذه، وكان يلزمنا أن الزنا يجوز بالإكراه، وصان الله أمير المؤمنين وبني هاشم والمهاجرين والأنصار وسائر المسلمين أجمعين، لقد بلغوا من حطه وحطهم إلى حد لم يبلغ إليه أراذل العرب وأذلهم وأقلهم، وهذا والله من أعظم مطالب إبليس، فدس لهم هذا السم في حلوى تلك الأهواء، وكفى بالمذهب شناعة أن يشهدوا على أئمتهم بأنهم فعلوا هذا المنكر العظيم في زعمهم علي و الحسن و الحسين وجميع أهل البيت، كما ذلك في السير جميعها من كتب هؤلاء الغالين»(986) .

4 -وقال الصنعاني 1182 هـ) معقبا على كلام الجلال: «وأما قوله إن العباس أنكح أم كلثوم تقية، فهو كلام في نهاية التهافت والسقوط، وما كان يظن صدوره من الشارح و لا يجري به قلمه، وقد كان الوصي والعباس رضي الله عنهما أجل قدرا وأعظم شأنا من المتاقاة(987) بما

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يحرم، على أن هذه رواية باطلة. ويا عجباه للشارح يبحث عن الروايات بحث الخريت الماهر، ويمشي هنا مشي الأعمى القاصر»، ثم نسب هذه الرواية إلى الغلاة «الذين هم معترك الكذبات على السلف والافتراء!، إلى أن قال: «ثم يقال هل أنكحها العباس بإذن علي رضي الله عنه فلا حجة أو بغير إذنه فلا يجوز»(988)

5 - وقال الشوكاني ( 1250 هـ ) وهو يرد على صاحب شفاء الأوام: «وأما ما أجاب به عن نكاح عمر لأم كلثوم فهذيان لا طائل تحته، وحاشا علي بن أبي طالب أن يُفتات عليه في ابنته أو يُؤخذ بالقهر في محارمه، وحاشا عمر أن يُرَدَّ من نكاحٍ يطلبه، ولا سيما وهو إذ ذاك خليفةٌ، أو يتوعد بذلك الوعيد الذي هو من أخلاق الجبابرة، وما كان أولى كتب الهداية أن تصان عن هذه الأكاذيب التي هي من باطل الكلام وحشوه!(989) ، ثم نقل كلام ابن بهران الآنف.

6 وقال مجد الدين المؤيدي 1428 هـ «ومن هذا الغلوّ الملوم، ما يتكلّمون به في أم كلثوم بنت أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء عليهم السلام؛ وما كان لمثل كلامهم السخيف هذا أن يُنظر إليه أو يُجاب عليه؛ ولكن قصدت التنبيه لئلا يغتر به جاهل أو يفتتن به غافل؛ وحسبنا الله ونعم الوكيل. تزوجها عمر، وفي قصة العقد أخبار متضاربة، أما التزويج فقد وقع بلا ريب وقد كان اعتذار أمير المؤمنين عليه السلام بصغرها

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وكبره، ثم رضي بعد ذلك قطعاً، وأما القول بعدم رضاه، فيه من الفضاضة وانتهاك الحرمة ونقص الدين والمروءة أعظم وأطم من عدم الكفاءة المدعاة، وتوفيت هي وولدها زيد بن عمر في وقت واحد ولم يذكر لها تاريخ وفاة»(990)

الوجه الخامس: تفنيد دعوى أبي القاسم الكوفي أن صبر علي رضي الله عنه على اغتصاب عرض بنته كان بوصية من النبي صلى الله عليه وسلم

-ادعى أبو القاسم الكوفي أن امتناع علي رضي الله عنه عن الدفاع عن عرض أم كلثوم سببه أن عليا كان مقيدا بوصية من النبي صلى الله عليه وسلم تأمره بالصبر على ذلك!، لوجود مصلحة أعظم وهي الحفاظ على بيضة الإسلام تارة، ومنع الناس من الرجوع إلى الجاهلية، فقال:«فكان (ع)(991) حافظا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم إبقاء في ذلك على المسلمين المستضعفين، وحفظا للدين لئلا ترجع الناس إلى الجاهلية الجهلاء وتثور القبائل تريد الفتنة في طلب ثارات الجاهلية ودخولها، فلما جرى من عمر في حال خطبته لأم كلثوم ما تقدم به الحكاية، فكر علي (ع) فقال إن منعته رام قتلي- على ما وصفناه وإن رام قتلي فمنعته عن نفسي خرجت بذلك عن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخالفت وصيته ودخل في الدين ما كان حاذره رسول الله صلى الله عليه وسلم من ارتداد الناس الذي لأجله

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أوصاني بالصبر والاحتساب»(992) وهذا ما قرره علي الشهرستاني حين برر قول القائلين بأن الزواج كان لضرورة، زاعما أن مرادهم أن ما فعله علي رضي الله عنه كان «حفاظاً على هدف أسمى، وهو: أن يبقوا على ظاهر الإسلام خير من تمحى شعائره إلى الأبد،... فلو حرّم رسول الله أو الإمام علي مناكحتهم وتورثهم وتغسيلهم وتدفينهم لأعلنوا الكفر الصراح ولأعادوا الإسلام إلى الجاهلية المحضة، وبعبارة أخرى: إنّه عليه السلام رجّح الأهم على المهم في سيرته معهم»(993)

ولا شك أن هذا الاعتذار الباطل في حيز السقوط فضلا عما فيه من جرأة كبيرة في نسبة إقرار ما يخالف الشريعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ويدل على ذلك أمور:

الأول: أن الوصية المدعاة، مفتراة على النبي صلى الله عليه وسلم، افتراها أصحابها لترسيخ مفهوم العداوة بين الصحابة وآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وإقناع أتباعهم بهذه الفرية، فهي من روايات الوضاعين من الأخباريين الذين أرادوا تشويه تاريخ الصحابة وآل البيت وصناعة أوهام تبرر حسن العلاقة بينهم، ففسروا عدم وجود منافرة بين علي رضي الله عنه وبين الخلفاء الثلاثة رضي الله عنهم طوال خلافتهم بأنه وحاشاه مأمور بالسكوت عن حقه بوصية من النبي صلى الله عليه وسلم، والحق الذي لا ريب هو عدم وجود نص من النبي صلى الله عليه وسلم على أي أحد بعده بالخلافة، وأن العلاقة الطيبة بين علي والخلفاء الراشدين الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم هي أدل دليل على ذلك(994) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الثاني: يكفي في بيان بطلان هذه الدعوى أن يتساءل القارئ: ما الذي يجعل الناس ترجع إلى الجاهلية عندما يقاتل الحرُّ من يريد اغتصاب فرج ابنته، أوليس قد قاتل أبو بكر الصديق رضوان الله عليه فئة منعوا زكاة أموالهم، وكان هذا القتال سببا في تثبيت الناس على دين الله تعالى ولم يكن سببا في ارتدادهم ؟ نترك الجواب للقارئ النبيه.

الثالث: قد اشتهر في كتب السير أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلن الحرب على بني قينقاع لأنهم انتهكوا عرض امرأة مسلمة، بأن كشفوا ثوبها، فأجلاهم صلى الله عليه وسلم من المدينة مع أنه صلى الله عليه وسلم كان قد عاهدهم، ومع أنه صلى الله عليه وسلم كان في حرب مع قريش وبأمس الحاجة إلى أن يكون له أنصار، فضلا عما في ذلك من تعريض الصحابة للاستشهاد في سبيل الله تعالى إذا حصل القتال، وكل هذا كان في بدو الإسلام بالمدينة وفتوته، فمن يصنع هذه لأجل كشف ستر امرأة مسلمة هل يتصور فيه أن يوصي بالصبر على اغتصاب عرض حفيدته، كلا وحاشاه صلى الله عليه وسلم من هذا الإفك المبين.

الرابع: أن الشريعة قد جاءت بحفظ الأعراض وصونها، و لذا قرر العلماء أن حفظ الأعراض من ضروريات الإسلام الخمسة، وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم من بذل نفسه للدفاع عن أهله بالشهادة فقال صلى الله عليه وسلم: «من قُتل دون ماله

فهو شهيد، ومن قُتل دون أهله فهو شهيد، ومن قُتل دون دينه فهو شهيد، ومن قُتل دون دمه فهو شهيد»(995) .وهذا المعنى مروي في كتب الإمامية، فقد روى الكليني عن أبي جعفر الباقر أنه قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من قتل دون مظلمته فهو شهيد، ثم قال: يا أبا مريم هل تدري ما دون مظلمته؟ قلت: جعلت فداك الرجل يقتل دون أهله ودون ماله وأشباه ذلك، فقال: يا أبا مريم إن من الفقه عرفان الحق!(996) وروى أن الرضا سُئل عن الرجل يكون في السفر ومعه جارية له فيجيئ قوم يريدون أخذ جاريته أيمنع جاريته من أن تؤخذ وإن خاف على نفسه القتل؟ قال: نعم، قلت: وكذلك إن كانت معه امرأة؟ قال: نعم. قلت: وكذلك الأم والبنت وابنة العم والقرابة يمنعهن وإن خاف على نفسه القتل؟ قال: نعم، قلت:وكذلك المال يريدون أخذه في سفر فيمنعه وإن خاف القتل؟ قال: نعم»(997) وهذا المبدأ مسلّم به عند علماء الإمامية أيضا، قال الطوسي: «إذا قصد رجل رجلا يريد نفسه أو ماله أو حريمه فله أن يقاتله دفعا عن نفسه بأقل ما يمكنه دفعه به، وإن أتى ذلك على نفسه لقوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل دون ماله فهو شهيد!»(998) فإذا تقرر هذا عُلم امتناع صدور الوصية المفتراة عن النبي صلى الله عليه وسلم في أمر أم كلثوم، لأنها تعارض ما قطع بثبوته مما نقل في سنته وسيرته صلى الله عليه وسلم، والمعلوم

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من شرعه من الأمر بصيانة الأعراض والذود عنها ولو بإزهاق النفوس، و لا يعترض بما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أمره عثمان بالصبر على بلواه، فإن الصبر على إزهاق النفس أهون من الصبر على انتهاك العرض، لأن انتهاك العرض عار يلحق صاحبه ويبقى مستمرا في نسبه، وقد يترتب عليه مفاسد عظيمة من تولد ولد زنا، فضلا عن نفرة الناس عمن وقع عليها الزنا، خلافا لإزهاق النفس، فإنه شرف ورفعة لصاحبه في الدنيا، وفوز و فلاح له في الآخرة، و الناس يفتخرون بأن يكون من ذويهم من استشهد في سبيل الدين أو العرض، ويتحدثون بأخبارهم في المجالس، خلافا لانتهاك العرض، فلا يفتخر به أحد، فضلا عن المفاسد العظيمة والمحققة التي كان سيتعرض لها أهل المدينة لو اتخذ عثمان قرار القتال، خلافا لما يقرره هؤلاء من أن عمر وحده هو من هدد عليا، فدفع علي هذا الضرر العظيم عن نفسه ما كان ليترتب عليه مفسدة عظيمة كما هو الأمر بالنسبة لعثمان رضي الله عنه(999)

الخامس: إن ادعاء المعترضين إباحة النبي صلى الله عليه وسلم و علي رضي الله عنه تزويج ابنته أم كلثوم لرجل خارج عن الدين بزعمهم لأجل الحفاظ على إسلام صوري وغير حقيقي، مؤداه إلى الحفاظ على شعائر الإسلام الظاهرة، دون أن يكون لها حقيقة، هو ادعاء لا ينبغي أن يصدر ممن له أدنى معرفة بنصوص القرآن ومقاصد الشريعة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فإن الله تبارك وتعالى قد بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى العرب ليزكيهم ويصلح ظواهرهم وبواطنهم، قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾(1000) وقال سبحانه وهو يمتن على المؤمنين: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾(1001) وجعل الله تبارك وتعالى مفتاح النجاة يوم القيامة سلامة القلب من سائر أمراض الشبهات والشهوات، قال سبحانه وهو يقص علينا دعاء إبراهيم: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾(1002) والقصد أن تزكية قلوب الصحابة والرقي بإيمانهم، وترسيخ الإيمان والتوحيد و الإخلاص والتقوى في حياتهم، وتحريرهم من الرياء ومصانعة الناس والنفاق، هو من المقاصد العظيمة التي بعث لأجلها النبي صلى الله عليه وسلم، فدعوى أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وعلى رأسهم الفاروق الذي كان من أصفيائه وخلّص أصحابه كان إسلامهم مشابها لإسلام المنافقين الذين يُظهرون الإسلام ويبطنون النفاق، دعوى لا يقبلها عاقل، و لا تصدقها نصوص القرآن، ولا تؤيدها الروايات التاريخية التي نقلت لنا تاريخ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وتاريخ الفاروق الذي يعد من أزهى عصور هذه الأمة، فضلا عن أن يُتصور أن النبي صلى الله عليه وسلم يتنازل عن حفظ عرض حفيدته أم كلثوم وابنة بضعته فاطمة، وابن عمه علي رضي الله عنه لأجل أن يحافظ على إظهار الناس لشعائر لا يؤمنون بها و لا يعتقدون بها!! وأي عاقل يقبل أن قائدا يرضى أن يكون أتباعه غير معتقدين بمبادئه، ومع ذلك يحافظ عليهم ويسترضيهم بما يخالف ويناقض مبادئه، فإن هذا يتنزه عنه آحاد العقلاء، فكيف بسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم، أن يتنازل عن أحد مقاصد الشريعة وهي صيانة أعراض

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المسلمات ممن لا يحل لهم من الرجال لأجل أناس ليسوا مسلمين حقيقة!!.

السادس: لأجل ما سبق رد بعض الإمامية على من استدل بهذه الحجة التبريرية:

1 - يقول الدكتور علي صالح رسن مستنكرا لهذه القصة وهو يتكلم عن علي رضي الله عنه: «وهو بالمقابل لم يستطيع أن يدرأ الخطر عن عائلته بحجة أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه بكذا وكذا وأن القوم يفعلون به ما يفعلون بعده، فما عليه إلا أن يكون صابرا محتسبا، وهذه حجة غير مقبولة، فلو كان صلى الله عليه وسلم حاضراً، ويرى ما حل بالإمام وأسرته، لشد حزام الحرب، حتى يدفع الخطر عنهم، دون الصبر والاحتساب، وأي صبر على ما؟فالقضية متعلقة بالعرض والنفس(1003) ، وهل هناك قضية يوجب فيها الجهاد أهم من العرض، وإذا كان من متقول يقول إن الإمام حفاظا على وحدة المسلمين صبر واحتسب نقول له كن أنت محل الإمام، وليفعل بأهلك كما حصل له روحي الفداء، واصبر واحتسب،؟ لا نريد الإطالة في هذا الموضوع بقدر ما نريد تفنيد الرواية وعدم صحتها»(1004) .

وقال أيضاً: «وربما يتساءل بعضهم، عن أي ضرورات ومحظورات وما الضرورة وما المحظورة(1005) فمثلما رفضته ابنة أبي بكر رفضته أم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كلثوم بنت أمير المؤمنين فما الضير في الموضوع، والعجب أن السيد قارن بين هذه الزيجة وبين التنازل عن الخلافة فجعل المبرر واحد فالقارئ عندما يطلع على هذه الأقاويل يظن الظنون في شخص الإمام وكأن عمر واضعا سيفه على نحره متى ما شاء ذبحه والإمام لم يحرك ساكن(1006) فاغتصب حقه في الخلافة كما يدعون، وسكت ونهب داره واعتدى على زوجته الزهراء وكسر ضلعها وسقط جنينها ولم يفعل شيء،(1007) وأخيرا أجبره عمر على أن يزوجه طفلته أم كلثوم، فوافق على ذلك واغتصب حق الزهراء في فدك وغيرها، والإمام يعمل بالتقية، فما هذه الأباطيل يا مسلمين؟ كفاكم التعرض لشخص الإمام واتركوه لشأنه أفضل من أن تأذوه في قبره»(1008)

2 -ويقول محمد جميل حمود: «أي فساد يترتب على عدم قبول أم كلثوم الزواج من عمر!، وقال أيضاً: «وهل عدم قبول امرأة الزواج من عمر يستلزم خراب الدين وتعطيل شريعة سيد المرسلين»(1009) ، وقال أيضا: «ودعوى أن المبرر لتزويجه ابنته هو الخوف من أن يرتد المسلمون لو لم يزوجه إياها مردودة، إذ أن الارتداد حاصل منذ وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أن دعوى عدم التزويج يفضي إلى القتل دونها خرط القتاد»(1010) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والخلاصة أن هذه المقالة الباطلة هي أقوى وأهم التبريرات التي لجأ إليها من لم يستطع تضعيف الأسانيد الصحيحة في إثبات هذا الزواج المبارك، لأن في ثبوت وقوع هذا الزواج برضا علي رضي الله عنه، هدمٌ للنظرية القائمة على ادعاء وجود العداوة بين آل البيت وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تبين من خلال النقد القائم على أصول القرآن والسنة والتاريخ الصحيح أن آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه برآء من هذه المقالة التي لا تمت إلى الواقع بأي صلة، وبالله التوفيق.

التبرير الرابع: دعوى وجود نظائر مشابهة لزواج عمر بأم كلثوم رضي الله عنهما في الشرائع السابقة وفي بداية الإسلام

لجأ بعض من أثبت وقوع زواج عمر وأم كلثوم إلى تبرير هذه المصاهرة التي وقعت على صورة مخالفة للشرع عندهم إلى الاستدلال بوقائع وقعت في الشرائع السابقة أو قبل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، حيث أنه قد أشكل عليهم القول بوقوع التزويج مع قول إن عمر رضي الله عنه خارج من الملة، ومع ذلك أجازوا لعلي رضي الله عنه أن يزوجه ابنته أم كلثوم رضي الله عنها، ومعلوم أن الإسلام حرم تزويج الكفار، فلما وقع هذا التعارض والتناقض بين الأمرين لجأ المعترضون إلى ادعاء وجود نظائر مشابهة لتزويج عمر بأم كلثوم رضي الله عنهما بالإجبار والإكراه في الأمم السابقة، فقاسوا بعض الوقائع المحكية في القرآن والسنة على واقعة زواج عمر رضي الله عنه بأم كلثوم رضي الله عنها، ليبرروا قولهم بتعرض عرض علي رضي الله عنه للاغتصاب، وتزويجه لمن

لا يحل له تزويجه، ومحصل جوابهم: إن وقع مثل هذا للأنبياء والصالحين في الأمم السابقة فما المانع من وقوعه لعلي رضي الله عنه، وسنبين بالتفصيل عدم صحة هذه التبريرات و الاستدلالات.

1-محاولة الاستدلال بزواج فرعون بآسية

مضى أن أبا القاسم الكوفي هو أول من أتى بهذه التبرير(1011) ،و تبعه من جاء بعده من المتأخرين(1012) ، ثم تبنى هذا التبرير جماعة من المعاصرين كجعفر مرتضى(1013) ، والشهرستاني(1014) وغيرهم، وملخص كلامهم أن حال أم كلثوم في زواجها من عمر وهو على غير الإسلام، شبيه بحال آسية مع فرعون حيث أنها كانت مؤمنة تكتم إسلامها، وشبيه بزواج لوط ونوح بكافرتين!!

والجواب: من وجوه:

الأول: إن الاستدلال بما وقع في الأمم السابقة لتبرير ما يخالف شريعتنا أمر غريب فعلا، لأن المتفق عليه بين المسلمين أن شرائع الأمم السابقة لا يؤخذ بها إن خالفت شرعنا، كما أن المعلوم أن شريعة الإسلام ناسخة لبقية الشرائع، وهذه مسألة أصولية مشهورة من

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مسائل أصول الفقه التي لا تخفى على طلبة العلم والتي قررها الأصوليون بقولهم: «شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يأت شرعنا بما يخالفه»، وما دام نكاح الكفار محرما في دين الإسلام فلا وجه للاستدلال بشرائع الأمم السابقة، ومن المقطوع به أن تحريم النكاح بين المؤمنين والكفار لم يكن محرما في الشرائع السابقة، يقول محمد آصف محسني معلقا على قوله تعالى:﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ﴾(1015) «أقول تدل الآية وغيرها على جواز نكاح الكافرات للمؤمنين، وكذا جاز للمسلمة تزويج الكافر كما في قصة زوجة فرعون (آسية) في بعض الشرائع السابقة»(1016) وهذا أمر معلوم ومقطوع به، فما وجه الاستدلال بهذا الدليل إذا، إلا الإمعان في تضليل القارئ؟، وإيهامه بان هذا الزواج لا يثبت العلاقة الطيبة بين علي وعمر رضي الله عنهما، ولا يثبت أن عليا كان يرى عمر مرضيا وأهلا للتزويج.

الوجه الثاني: قال الشيخ حسين المؤيد:«والرد على هذا التخرُّص السخيف هو: أن آسية كانت زوجة لفرعون قبل دعوة موسى عليه السلام وإيمانها بموسى، فهي إذ تزوجت فرعون لم تكن مؤمنة حين ذاك، فكيف يقاس هذا بزواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم؟ فلو كان في عمر رضي الله عنه مطعن لما زوّج عليٌّ عليه السلام ابنته من عمر، وهي من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وبنته من فاطمة عليها السلام، وهو الذي لا يمكن أن يعتمد في التزويج إلا على معايير الإسلام، وقد وجدها متوفرة في زواج أم كلثوم من عمر»(1017) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد فند محمد جميل حمود هذا التبرير فقال: «إن كراهة آسيا بنت مزاحم البقاء مع فرعون كان طارئا على العقد والزواج، ولم يكن متقدما عليه كما هو الحال في زواج أم كلثوم، فقياسها على آسيا غير صحيح»(1018) .

الوجه الثالث: كذلك الأمر بالنسبة لزوجتي نوح ولوط عليهما السلام، فإن الظاهر أن نوحا ولوطا قد تزوجاهما قبل أن يبعثهما الله بالنبوة إلى أقوامهما، ثم إن شرعهم كان يبيح التزوج من الكفار، وليس ذلك مباحا في شرعنا. ثم إن ذلك قد وقع بالرضا قطعا، خلافا لزواج أم كلثوم بعمر رضي الله عنه، وهذا ما أشار إليه محمد جميل حمود العاملي: «إن قياس زواج الأنبياء من بعض الكافرات على زواج أم كلثوم مع وجود فارق، فلم يعهد بأن امرأة منهم تزوجت نبيا من دون رضاها، وأين هذا من زواج مولاتنا أم كلثوم حيث لم تكن راضية بالاقتران من عمر، فكيف يمكن قياس زواجها على زواجهن»(1019) .

2 - محاولة الاستدلال بعرض لوط عليه السلام بناته على قومه

أراد من سلك هذا المسلك أن يبرر عرض لوط لبناته على قومه من الكفار، بتزويج علي ابنته لعمر، كي يستقيم له أن يدعي أن تزويج علي لعمر لا يدل على إيمان عمر رضي الله عنه عند علي و لا على صلاحه وديانته، وأول من سلك هذا المسلك هو المفيد حين قال:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

«وليس ذلك بأعجب من قول لوط عليه السلام كما حكى الله تعالى عنه ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾(1020) فدعاهم إلى العقد عليهم لبناته وهم كفار ضلال قد أذن الله تعالى في هلاكهم»(1021) وتابع المفيد كثير ممن ارتضى هذه الإجابة الغريبة، فاستدلوا بهذه الواقعة لمحاولة تبرير زواج عمر بأم كلثوم ونفي دلالته على المودة و المحبة بين علي وعمر رضي الله عنهما(1022) والجواب من وجهين:

الوجه الأول: مضى تقريره وهو أن ما وقع في الشرائع السابقة مما يخالف شرعنا لا يصح الاستدلال به، وقد نص الخواجوئي الإمامي على هذا فقال: « كان غرض نبي الله لوط عليه السلام من عرض بناته على قومه وهم كفار استصلاحهم وردهم عن ضلالهم، وإتمام الحجة عليهم، ومع ذلك كان ذلك في شرع من قبلنا، فلم يكن حجة علينا!(1023) .

الوجه الثاني: قد رفض بعض الإمامية هذا التبرير ولم يقبلوا به:

1 قال محمد جميل حمود: «زواج المسلم بالكافرة جائز بلا إشكال(1024) و لكن الإشكال إنما هو في زواج المرأة المسلمة من الكافر، وقد قام الإجماع على حرمة ذلك، واقتران نوح ولوط بأزواج

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كافرات لا يمكن قياسه على اقتران كافر بامرأة مسلمة، وكارهة له أيضاً»(1025)

2 -وقال الدكتور علي صالح رسن عن جواب المفيد: «أما الشيخ المفيد فقد صور عمر وكأنه رجل غير سوي فأراد الإمام استصلاحه وكف أذاه، فزوجه ابنته معتبرا بقضية لوط (ع)، في حين لم يرد ذلك عند غيره وهذه حجة ساقطة»(1026) . وقال أيضا تعليقا على استدلال المفيد بقصة لوط: «الرواية تحدثت عن قول لا عن فعل فيما يخص بنات النبي لوط (ع)، فهو لم يزوج بناته لهؤلاء الكفار بل ظاهر الآية أنه عرض بناته عليهم وهذا كلام فلا يجوز الاستشهاد به فيما يخص زواج أم كلثوم الذي لم يقف عند الكلام بل حصل الزواج فعلا على حد زعمهم فالكلام شيء بالنسبة لبنات لوط (ع)(1027) ، ووقوع فعل الزواج بالنسبة لزواج أم كلثوم والاستدلال بالآية خاطئ من هذا الباب»(1028) .

الوجه الثالث: إن لوطا عليه السلام لم يكن يعلم بأن الله سينصره ويكفيه شر قومه، وأن ضيوفه هم الملائكة الذين نزلوا ليهلكوا قوم لوط، لأنه لو كان يعلم ذلك لما عرض عليهم بناته.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

3- محاولة الاستدلال بتزويج النبي صلى الله عليه وسلم بنتيه لعتبة بن أبي لهب وأبي العاص في الجاهلية

ومن الاستدلالات التي يتشبث بها الذين يحاولون إفراغ مصاهرة عمر لعلي رضي الله عنهما من دلالاتها الواضحة على العلاقة الوثيقة بينهما، إجابتهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد زوج قبل البعثة عتبة بن أبي لهب وأبا العاص بن الربيع وهما كافران، وعليه فلا فضيلة لعمر في زواجه بأم كلثوم عند هؤلاء. وقد كان هذا الجواب من صناعة المفيد كالعادة حيث قال: «وقد زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنتيه قبل البعثة كافرين كانا يعبدان الأصنام، أحدهما: عتبة بن أبي لهب، والآخر: أبو العاص بن الربيع فلما بعث صلى الله عليه وسلم فرق بينهما وبين ابنتيه. فمات عتبة على الكفر، وأسلم أبو العاص بعد إبانة الإسلام، فردها عليه بالنكاح الأول. ولم يكن صلى الله عليه وسلم في حال من الأحوال مواليا لأهل الكفر، وقد زوج من تبرأ من دينه، وهو معاد له في الله عز وجل»(1029) .

والجواب من وجهين:

الأول: مضى تقريره، وهو أن هذا من الأمور التي كانت جائزة في الشرائع السابقة و بقيت مباحة في أول الإسلام ثم حرمت ونسخت فيما بعدُ، ومحاولة القياس بين الزيجتين فيه كثير من التضليل، فقبل أن يُبعث النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن هناك ما يمنع تزويج الكفار، أما بعد البعثة فبقي تزويج الكفار مباحا إلى أن حرمه الله تعالى، وقد اشتهر في السير

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أنه لما نزل تحريم نكاح الكفار وإنكاحهم، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بمفارقة أزواجهم الكافرات، وفرق بين زينب وبين زوجها أبي العاص بن الربيع ثم لما أسلم ردها إليه بالنكاح الأول وهذا ما قرره الطبرسي من الإمامية فقال: كان تزويج المسلمات من الكفار جائزا، كما زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنتيه من عتبة بن أبي لهب وأبي العاص بن الربيع قبل أن يسلما وهما كافران»(1030)

الثاني: ستعجب حين ترى المفيد ينقض هذا الدليل في موضع آخر حيث يقول: « أما تزويجه صلى الله عليه وسلم بكافرين فإن ذلك كان قبل تحريم مناكحة الكفار وكان له صلى الله عليه وسلم أن يزوجهما ممن يراه وقد كان لأبي العاص وعتبة نسب برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لهما محل عظيم إذ ذاك ولم يمنع شرع من العقد لهما فيمتنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجله»(1031) ، أقول: فإذا تبين هذا فما وجه الاستدلال به على تبرير تزويج علي ابنته لعمر رضي الله عنه، والمقصود أن نبين تناقض كلام المفيد، لأن سعيه في تشويه علاقة علي بعمر رضي الله عنهما أعماه عن رؤية الحق وجعله يقرر جوابا ينقضه بنفسه في موضع آخر!!.

4 - محاولة ادعاء المشابهة بين زواج عمر من أم كلثوم رضي الله عنهما بزواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة وحفصة رضي الله عنهما

لا ريب أن القارئ يستغرب من هذا العنوان أول الأمر، ولا يفهم العلاقة بين ادعاء الامامية أن عليا وأم كلثوم كانا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مكرهين على مصاهرة عمر رضي الله عنه، وبين زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة وحفصة، لأنه لا يوجد ارتباط بين الأمرين بأي وجه، ولكن التعنت و محاولة التبرير ولو بتكلف أعمت جعفر مرتضى العاملي الذي لجأ إلى هذا الجواب العجيب، فقد اخترع تبريراً جديدا غريبا في أمر زواج أم كلثوم، حيث قاس زواج عمر بأم كلثوم رضي الله عنهما، بزواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة وحفصة رضي الله عنهما زاعما أن كراهة علي وأم كلثوم لهذا الزواج مثل كراهة النبي صلى الله عليه وسلم للزواج بعائشة وحفصة، ولكنهم كانوا مضطرين لهذا الزواج!!(1032) وأنت خبير أيها القارئ أن هذا التبرير لا يصح جملة وتفصيلا لأمرين:

الأول: أن زواج النبي صلى الله عليه وسلم بكل من عائشة وحفصة زواج صحيح موافق للشرع، وقع برضا الطرفين، خلافا لزواج عمر من أم كلثوم الذي يرى مرتضى العاملي أنه زواج غير موافق للشرع وقع غصبا على أهل البيت.

الثاني: ادعاء جعفر مرتضى العاملي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مضطرا لتحمل البقاء مع عائشة وحفصة رضي الله عنهما هو محض خيال لا وجود له، وذلك أن الله تبارك وتعالى قد زكى نساء النبي صلى الله عليه وسلم وشهد لهن بالإيمان، فقال سبحانه: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾(1033) وقد خيرهن الله تعالى بين الدنيا والآخرة حين قال جل شأنه:﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾(1034) فاخترن الآخرة، ولذلك أبقى عليهن النبي صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

في عصمته، ثم أمره سبحانه وتعالى بالإبقاء عليهن ونهاه عن طلاقهن، فقال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾(1035) قال الإمام الطبري: «إنما نهي صلى الله عليه وسلم بهذه الآية أن يفارق من كان عنده بطلاق أراد به استبدال غيرها بها، لإعجاب حسن المستبدلة له بها إياه إذ كان الله قد جعلهن أمهات المؤمنين وخيرهن بين الحياة الدنيا والدار الآخرة، والرضا بالله ورسوله، فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فحرمن على غيره بذلك، ومنع من فراقهن بطلاق»(1036) وأم المؤمنين عائشة و أم المؤمنين حفصة داخلتان في هذه الآية، وما كان منهما من إفشاء سر النبي صلى الله عليه وسلم قد تابا منه وعفا الله عنه، بدليل أمر الله تعالى له بالإبقاء عليهما، ولو لم يتوبا من ذلك لأمره الله تعالى بطلاقهما، وبذلك يتضح عدم صحة دعوى اضطرار النبي صلى الله عليه وسلم للإبقاء عليهما كما زعمه جعفر مرتضى، فإقحامهما في هذه القضية لا وجه له أصلاً.

5 - محاولة الاستدلال بقصة إبراهيم عليه السلام حين أرسل زوجته سارة إلى الجبار

حاول البعض أن يبرر رواية الاغتصاب الموضوعة التي تقرر سكوت علي عن الدفاع عن عرضه، بالاستدلال بقصة إبراهيم عليه السلام مع الملك الجبار الذي أراد أن يأخذ منه زوجته سارة غصبا، فقد بوب الإمام البخاري رحمه الله بابا سماه: «باب إذا استكرهت المرأة على الزنا فلا حد عليها»، ثم روى فيه روايات منها قصة إبراهيم مع الجبار، وجاء

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فيها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هاجر إبراهيم بسارة، دخل بها قرية فيها ملك من الملوك، أو جبار من الجبابرة، فأرسل إليه: أن أرسل إلي بها، فأرسل بها، فقام إليها، فقامت توضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك، فلا تسلط علي الكافر، فغط حتى ركض برجله»(1037) ثم استدل المعترضون بقول الحافظ ابن حجر: «واختلف في السبب الذي حمل إبراهيم على هذه الوصية مع أن ذلك الظالم يريد اغتصابها على نفسها أختا كانت أو زوجة فقيل كان من دين ذلك الملك أن لا يتعرض إلا لذوات الأزواج..»(1038) وأراد المعترضون بالاستدلال بهذه النصوص أن يبرروا رواية الاغتصاب، ويردوا على من يعيب عليهم قولهم بسكوت علي وعدم دفاعه عن عرضه(1039) والجواب من وجوه:

الأول: لا يصح القياس على هذه القصة إطلاقا، لأمور:

الأمر الأول: إن عرض إبراهيم قد صانه الله تعالى من أن يناله هذا العار، كما ثبت في هذه الرواية وبقية الطرق حيث جاء فيها أن الله تعالى منع الجبار من أن يمس سارة بأي شر، أما المعترضون، فيزعمون أن أم كلثوم قد وقع عليها الاغتصاب وحاشاها من ذلك، فالقياس باطل.

الأمر الثاني: أن من يقرأ قصص الأنبياء في القرآن الكريم يعلم أن

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أكثر الأنبياء لم يؤمروا بالجهاد والدفاع عن أنفسهم، ولذلك نالهم أذى أقومهم، فقد أوذي نوح وإبراهيم ولوط وزكريا وصالح وهود وشعيب وعيسى، وقد أمروا بالصبر، فمنهم من أظهر الله دعوته، ومنهم من انتصر له رب العالمين فأنزل عذابه على قومه وأهلك من كذبوه، ومن الأنبياء من ناله القتل، فقد قتل يحيى عليه السلام وحاول بنو إسرائيل قتل عيسى، وقص الله علينا في كتابه عن بني إسرائيل أنهم قتلوا بعض أنبيائهم، فقال سبحانه: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾(1040) وإبراهيم عليه السلام لم يكن مأمورا بالدفاع عن نفسه، ولذلك تعرض للأذى وحاول قومه إحراقه فنجاه الله منهم، أما المسلمون فقد أمرهم الله تعالى بالجهاد، وقد مضى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«من قتل دون أهله فهو شهيد»، فليس يصح أن يقاس علي رضي الله عنه على إبراهيم عليه السلام بأي وجه من الوجوه.

الثاني: إن إيراد الإمام البخاري لهذه الرواية في باب: إذا استكرهت المرأة على الزنا، لا يعني وقوع الزنا على سارة إطلاقا، وإنما أشار البخاري إلى مسألة دقيقة وهي أن الجبار قد خلا بسارة وهي مكرهة، فلا إثم عليها في ذلك، قياسا على أن من زُني بها وهي مُكرهة لا إثم عليها، وهذا ما نص عليه أهل العلم، قال ابن بطال: «وأما حديث إبراهيم وسارة فإنما شابه الترجمة من وجه خلو الكافر بسارة وإن كان لم يصل إلى شيء منها، ولما لم يكن عليها ملامة في الخلوة، فكذلك لا يكون على المستكرهة ملامة، ولا حد فيما هو أكثر من

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الخلوة»(1041) ووافقه على هذا جماعة من شراح البخاري، كابن الملقن(1042) والكرماني(1043) وزكريا الأنصاري(1044)

ومن أهل العلم من اعترض على الإمام البخاري لإيراده هذا الحديث في باب الإكراه على الزنا، قال ابن المنير: «قلت: رضي الله عنك! إدخال حديث سارة في الترجمة غير حسن، ولا مطابق، إلا من جهة سقوط الملامة عنها خلوته بها لأنها مكرهة... ولم يكن من الأدب الحسن إدخال الحديث في الترجمة بالجملة»(1045) ، ووافقه على ذلك بعض الشراح كابن الدماميني(1046) ، أقول: وهذا القول هو الذي نميل إليه، فلا وجه لذكر قصة سارة تحت الباب المذكور، والبخاري مجتهد في ذلك فهو مأجور بإذن الله تعالى.

الوجه الثالث: إن إبراهيم عليه السلام كان عالما بأن الجبار لن يصل إلى زوجته، فقد جاء عند أبي يعلى بسند صحيح أن إبراهيم لما أرسل سارة إلى الجبار قال لها: «اذهبي إليه، فإن الله سيمنعه منك»(1047) ، وأين هذا من ادعاء المعترضين أن عليا أرسل ابنته أم كلثوم عمر رضي الله عنه وهي لا تحل لها لكي يغتصبها وحاشا عليا وعمر رضي الله عنهما من هذا الافتراء المشين!.

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الوجه الرابع: ثبت في هذه القصة أن سارة لما أحست بالخطر لجأت إلى الله تعالى بالدعاء، فمنع الله منها أذى ذلك الجبار، أما أم كلثوم فلم ينقل عنها أي رواية تفيد أنها كانت غير راضية بعمر رضي الله عنه، ونحن نسأل إن كان الأمر على ما يزعم المعترضون، أما كان بوسع علي أن يخرج أم كلثوم من المدينة مع أحد بنيه، ولماذا بقيت أم كلثوم في بيت عمر حتى وفاته ثم جاء علي رضي الله عنه وأخذها إلى داره، هل هذا إلا دليل على أن دعوى الإكراه و الخوف لا أساس لها من الصحة؟.

فإذا علم ذلك سقط استدلال المعترضين بهذه القصة، وبذلك نكون قد أتينا على أقوى إشكالات المخالفين وبيناها وفندناها بحمد الله وتوفيقه.

صفحة 428 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الفصل الرابع: آثار مصاهرة عمر لعلي رضي الله عنهما وموقف أهل البيت من هذه المصاهرة

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: آثار مصاهرة الفاروق رضي الله عنه لعلي رضي الله عنه.

المبحث الثاني: موقف آل البيت من زواج أم كلثوم بنت علي من عمر بن الخطاب رضي الله عنهما

المبحث الأول: آثار مصاهرة عمر لعلي رضي الله عنهما

إن علاقة عمر رضي الله عنه بآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم كانت

علاقة طيبة ومميزة، والشواهد على ذلك كثيرة ويتعذر حصرها، ومنها إحسانه إليهم في خلافته وإجزال العطاء لهم، وثناؤه على أهل البيت، وثناء أهل البيت عليه، ورواية أكابر أهل البيت لفضائله ومناقبه، وتسمية سادات آل البيت كعلي والحسن والحسين وزين العابدين رضي الله عنهم وغيرهم من بني هاشم أبناءهم باسم عمر رضي الله عنه اعتزازا وفخرا بالفاروق(1048) وغيرها من الأمارات التي تبَصِّرك بحقيقة المودة والمحبة التي جمعت بين عمر والبيت العلوي، وقد توجت هذه العلاقة الطيبة بمصاهرة عمر لعلي رضي الله عنهما، وزواجه من أم كلثوم بنت فاطمة رضي الله عنها، ولا ريب أن المصاهرات من أهم الأمور التي تقوي الأواصر الاجتماعية والنسبية بين الناس، فقد اتصل في هذه المصاهرة الرائعة النسب العمري بالنسب النبوي والنسب العلوي، وتقوت العلاقة بين عمر وعلي رضي الله عنهما، فقد صارت بينهما رحم مشتركة، وكفى بذلك دليلا على قوة آثار هذه المصاهرة المباركة. لكن المنظرين لدعوى القطيعة بين الصحب والآل لم تعجبهم هذه المصاهرة، فحاولوا التشكيك فيها تارة، والتقليل من آثارها ولوزامها

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تارة أخرى، وقد فندنا أهم تشكيكاتهم واعتراضهم، ولم يتبق إلا مناقشة محاولاتهم إفراغ هذه المصاهرة من دلالاتها الكثيرة، وهذا ما سنشرع فيه إن شاء الله تعالى في هذا المبحث.

الأثر الأول: إثبات عدالة الفاروق رضي الله عنه وبطلان مقالة الطاعنين فيه

قدمنا أن واقعة زواج عمر بأم كلثوم من أبين الدلائل على حسن العلاقة التي جمعت آل النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام، والتي تدل على أن أواصر المحبة والمودة التي كان متجذرة في قلوبهم، لم تقتصر على مجرد الآصرة الإيمانية، بل امتدت وتطورت إلى أواصر قرابة، ولذلك لم يستغرب محبو الآل والأصحاب وقوع هذه المصاهرة ولم يستنكروها، وإنما أشكلت على من روج لخلاف هذه الحقيقة التاريخية المقطوع بها، فادعى أن الصحب والآل أعداءٌ وخصومٌ، وأنهم كانوا على طرفي نقيض!، فحينها يجابهون بالأسئلة المحرجة، كالسؤال عن سبب تزويج علي رضي الله عنه ابنته لعمر رضي الله عنه، مع مناقضة ذلك لدعوى أن عليا كان يرى عمر رضي الله عنه عدواً وخصماً لدودا بل وحاشا الفاروق منافقا في زمن النبوة، مرتدا خارج من الملة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فكيف تستقيم هذه الدعوى مع تزويج علي رضي الله عنه إياه، ولا أدل على مدى أثر هذه الواقعة في تصحيح الصورة الخاطئة التي أشاعها الأخباريون والغلاة عن عمر رضي الله عنه ما حدثتنا به كتب التاريخ من أن معز الدولة حاكم الدولة البويهية في زمنه، كان ممن يعادي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والفاروق رضي الله عنه، فلما علم بهذا الزواج رجع عن ذلك وتاب وأناب يقول أبو الحسن الهمداني 521 هـ) في

تكملة تاريخ الطبري وهو يذكر قصة العالم الفاضل أبي عبد الله البصري مع معز الدولة البويهي: «وسأله عَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه وَعَن الصَّحَابَة رضوَان الله عَنْهُم، فَذكر أبو عبد الله سابقتهم وأن عليا زوج عمر ابْنَته أم كُلْثُوم رضي الله عنهم فاستعظم ذَلِك وَقَالَ: مَا سَمِعت هَذَا قطّ، وَتصدق معز الدولة بأكثر مَاله وَأعْتق مماليكه ورد شَيْئا كثيرا من المظالم»(1049)

إذا علمت هذا تيقنت أن ما قرره البعض من قولهم بخروج الفاروق رضي الله عنه من الإسلام، وحكمهم عليه بالكفر والارتداد، ونسبتهم إياه إلى الفسق والنفاق، لا ريب في أنه من أظهر المقالات الفاسدة، مثل قول أبي الصلاح الحلبي وهو يحاول تبرير تزويج علي رضي الله عنه لعمر:«علمُ عليٌّ عليه السلام بالدليل كفر عمر كعلم النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي كفر ابن أبي السلول وغيره، فكما لا يمنع ذلك من مناكحتهم، فكذلك هذا»(1050) .

ونحن نتسائل: كيف يتصور أن يكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم وصهره، وزوج ابنة علي رضي الله عنه من الكفار والمنافقين المرتدين، وهو خليفة المسلمين الذي حكم عشر سنوات كانت من أفضل أزمان الخلافة الراشدة، وفتح الله على يديه البلاد، وهدى إلى الإسلام كثير من العباد.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وكيف جاز لعلي رضي الله عنه أن يُنكح ابنته لكافر؟ سواء بنفسه أم بتوكيل عمّه العباس رضي الله عنه، كما مرّ معنا في تفصيل الروايات؟

وفي هذا يقول الحافظ أبو سعد السمعاني ( 562 هـ): «لو كان أبو بكر وعمر رضى الله عنهما كافرين لكان عليٌّ بتزويجه ابنته أم كلثوم الكبرى من عمر رضي الله عنه كافراً، أو فاسقاً معرِّضاً بنته للزنا، لأن وطء الكافر للمسلمة زناً محض»(1051) .

ويقول علامة الزيدية يحيى بن الحسن القرشي: «ولو استدل بتزويج علي ابنته من عمر على أنه ليس بفاسق لاستقام، لأنه لو كان فاسقا لم يكن كفؤا لها»(1052) .

ويقول الأستاذ الزيدي محمد عزان عن تزويج علي رضي الله عنه ابنته لعمر رضي الله عنه:«فلو كان عنده غير رضا لما زوجه ابنته»(1053) .

وقد جعلت هذه الأسئلة الملزمة، والإشكالات المعقدة أصحاب نظرية خروج عمر من الدين يتراجعون قليلا عن غلوهم، فتراهم يضطرون مذعنين إلى الإقرار بإسلام عمر وإظهاره شعائر الإسلام، مع أن هذا مناقض لتقريراتهم القائمة على خروج عمر رضي الله عنه من الملة.

يقول المفيد: «وسئل أيضاً عن تزويج أمير المؤمنين (ع) ابنته أم كلثوم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عمر بن الخطاب، وقد عُرف خلافه و كفره، وقول الشيعة أنه ردَّ أمرها إلى العباس يدلُّ على أنه كان يرى تزويجه في الشريعة، لأنه لو لم يجز لما ساغ له التزويج والتوكيل فيه، قال السائل: فإن كان عمر مسلماً فلم امتنع علي (ع) من مناكحته ثم جعل ذلك إلى العباس رضي الله عنه؟ والجواب و بالله التوفيق: أن المناكح على ظاهر الإسلام دون حقائق الإيمان، والرجل المذكور وإن كان بجحده النص ودفعه الحق قد خرج عن الإيمان، فلم يخرج عن الإسلام لإقراره بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، واعترافه بالصلاة والصيام والزكاة والحج، وإذا كان مسلماً بما ذكرناه جازت مناكحته من حكم الشريعة، وليس يمتنع كراهة مناكحة من يجوز مناكحته؛ للإجماع على جواز مناكحة الفاسقين من أهل القبلة لفسقهم، وإن كانت الكراهة لذلك لا تمنع من إباحته على ما بيناه»(1054) ونقل الشهرستاني عن الطوسي أنه قال في تمهيد الأصول: «وقد استقر في الشرع أنّ من أظهر الشهادتين جازت مناكحته(1055) وإنّ كان على ظاهر اعتقاد يحكم عليه بالكفر به، وعمر كان مظهراً للشهادتين، فلذلك جاز تزويجه، وأدّل دليل على أنّ الصواب في ذلك فعله عليه السلام، مع قيام الدلالة على عصمته وأنّ أفعاله حجّة، لأنّه لو كان غير جائز لما جاز منه عليه السلام

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ذلك»(1056)

وقال في كتابه الاقتصاد: «على أنّه من أظهر الشهادتين وتمسك بظاهر الإسلام يجوز مناكحته، وها هنا أمور متعلّقة في الشرع بإظهار كلمة الإسلام كالمناكحة والموارثة والمواكلة والصلاة على الأموات، وغير ذلك من أحكام أخر، فعلى هذا سقط السؤال»(1057) .

وقال الشعراني: «وليس نكاحه فاسدا، لأن عمر كان على ظاهر الإسلام، ولم ير منه ما يوجب كفره في ظاهر الشرع»(1058) .

وقال الشهرستاني مجيبا على كلام الإمام السمعاني فقال: «أولاً: أنّ القول بالكفر عام ولا يختص بعدم الاعتقاد بالله أو الارتداد عن الدين، فقد يشمل ما قاله الإمام عليّ حينما سئل عن الذين قاتلهم من أهل القبلة: أكافرون هم؟ قال: كفروا بالأحكام، وكفروا بالنعم، كفراً ليس ككفر المشركين الذين دفعوا النبوة ولم يقروا بالإسلام، ولو كانوا كذلك ما حلّت لنا مناكحتهم ولا ذبائحهم ولا مواريثهم». إلى أن يقول: «ثالثاً: من المعلوم أنّ الأحكام الشرعية تجري على الظواهر لا البواطن، فإن كان في نفسِ شخص كفرٌ أو نفاق أو ما شابه ذلك، فليس على المكلّف أن يرتّب على ذلك الآثار الشرعية، وإنّما تجري الأحكام على ظاهر الإسلام»(1059) .

فعلى ما مضى، يقرّر أصحاب هذه النظرية إسلام عمر رضي الله عنه في الظاهر، لأنه لم يظهر منه ما يقتضي كفره، ولذا جازت عندهم

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مناكحته على ظاهر الإسلام.

ولا شك أن هذا أحد آثار هذه المصاهرة المباركة، إذ أنها خففت من حدة الغلو في القدح في عمر، وإلا فأنت تجد أصحاب هذه النظرية ينسبون لعمر رضي الله عنه من المثالب والعظائم التي تخرج صاحبها من الإسلام ظاهراً وباطناً، كادعائهم أنه رأس النواصب المبغضين المعادين لأهل البيت، وأنه غصب الخلافة، وأجبر عليّاً على المبايعة مقيداً بالحبل في رقبته، وأنه اعتدى على فاطمة الزهراء بضربها وكسر ضلعها، وأنه أسقط جنينها محسناً، وأن ذلك تسبب في موتها، بل، نسبوا له أنه اشترك مع حفصة وأم المؤمنين عائشة –وحاشاهم- في اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم بالسم.

فهل يعقل بعد هذه الافتراءات التي نسبوها لعمر أن يبقى عمر رضي الله عنه على الإسلام عندهم؟

ولئن كان بعض القدماء قد خففوا من حدة موقفهم من عمر، وقالوا بإسلامه (ظاهرا) وإظهاره لشعائر الإسلام، فإن بعض المتأخرين لم يقبل هذا القول، وردوا على من قال بإسلام عمر رضي الله عنه، فقال محمد تقي المجلسي: عمر كان كافرا في الواقع و لم يسلم أبدا وفي الظاهر ارتد بإنكار النصوص على الخلافة، مع أنه روي أنه (ع) زوجه بنتا من الجن كانت شبيهة بها»(1060) وقال محمد باقر المجلسي: «بعد إنكار عمر النص الجلي، وظهور نصبه وعداوته لأهل البيت عليهم السلام، يشكل

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

القول بجواز مناكحته من غير ضرورة ولا تقية، إلا أن يقال بجواز مناكحة كل مرتد عن الاسلام، ولم يقل به أحد من أصحابنا، ولعل الفاضلين إنما ذكرا ذلك استظهاراً على الخصم»(1061)

ويقول يوسف البحراني: «من العجب الذي يضحك الثكلى، والبيِّن البطلان الذي أظهر من كل شيء وأجلى، أن يحكم بنجاسة من أنكر ضرورياً من سائر ضروريات الدين وإن لم يعلم أن ذلك منه عن اعتقاد ويقين، ولا يحكم بنجاسة من يسب أمير المؤمنين عليه السلام، وأخرجه قهراً مقاداً يساق بين جملة العالمين، وأدار الحطب على بيته ليحرقه عليه وعلى من فيه، وضرب الزهراء عليها السلام حتى أسقطها جنينها، ولطمها حتى خرَّت لوجهها وجبينها، وخرجت لوعتها وحنينها، مضافاً إلى غصب الخلافة الذي هو أصل هذه المصائب، وبيت هذه الفجائع والنوائب.

وقال محمد جميل حمود: «لا إشكال أن النكاح إنما هو على ظاهر الإسلام الذي هو الشهادتان والصلاة على(1062) الكعبة، والإقرار بجملة الشريعة، لكن عمر بن الخطاب خارج حكما عما ذكره الشيخ المفيد من حيث تجاهره بالنصب والعداوة لأمير المؤمنين والصديقة الطاهرة عليها السلام، فأي إسلام ننسبه لمن كان حاله كعمر لا سيما ما فعله

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بالصديقة الطاهرة من ضربها ورفسها على بطنها وتهشيم أضلاعها مع ما عهد منه من تحريف الشريعة وكثرة بدعه التي قلب بها الحلال إلى الحرام والحرام إلى الحلال؟»(1063)

فتلخص مما تقدم أن موقف المخالفين من الأثر المترتب على زواج عمر يتركز في اتجاهين:

الاتجاه الأول: الاعتقاد أن تزويج علي لعمر لا ينافي نظرية القطيعة بين الصحابة وآل البيت، لأن عليا عامل عمر معاملة المسلم، لأن عمر بزعمهم كان يظهر شعائر الإسلام وإن كان في الواقع مبطنا للكفر بزعمهم فهو عندهم بمنزلة المنافقين الذين حقنت دمائهم وأموالهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم كانوا يتظاهرون بالإسلام، وهذا الجواب منقوض ومردود، لأن أصحاب نظرية القطيعة يصرحون ويعتقدون بأن عمر أظهر الكفر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فنسبوا له غصب منصب علي في الخلافة، والاعتداء على فاطمة وغيرها من المثالب التي جعلتهم يحكمون بخروجه عن الإسلام الظاهري، لكنهم اضطروا هنا إلى مناقضة نظريتهم بسبب تزويج علي له، فسقط بذلك جوابهم. فضلا عن أن نسبة النفاق إلى عمر من أظهر الفرية والظلم والتعسف، لأن عمر رضي الله عنه أسلم في مكة وترك أمواله ودياره لله وهاجر إلى المدينة، وأوذي في سبيل إسلامه، وكان عزيزا في قومه لما كان كافرا فما الذي يحمله على الدخول للإسلام حتى يناله الذل و الأذى؟، فضلا عن أن نسبة النفاق إلى المهاجرين رضي الله عنهم جهل

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عظيم بتاريخ الإسلام وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن النفاق إنما ظهر في المدينة بعد الهجرة، لما فقد جماعة من رؤساء أهل المدينة منزلتهم في أقوامهم بعد مجيء النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، فحملهم ذلك على بغض النبي صلى الله عليه وسلم وانتهى بهم الأمر بعد ظهور الإسلام وانتشاره إلى أن أظهروا الإسلام وأبطنوا الكفر والنفاق، وأما المهاجرون رضي الله عنهم فلم يكن فيهم قط منافق، ولذا لا تجد ذكرا للمنافقين في السور المكية، مقارنة بالسور المدينة التي فضحتهم وكشفت كذبهم ونفاقهم، وبذلك يتضح أن نسبة النفاق إلى عمر رضي الله عنه جمعت إلى الكذب والافتراء ظلماً وجوراً وجهلاً، فنسأل الله السلامة والإنصاف.

الاتجاه الثاني: القائلون بوقوع الزواج غصبا على آل البيت، وهدف أصحاب هذا الاتجاه هو إفراغ زواج عمر من أم كلثوم من دلالاته القاطعة بحسن علاقة عمر مع آل البيت، فلذلك برروا هذه المصاهرة بأنها من الضرورات التي تبيح المحظورات، وفضلوا أن ينسبوا الزنا إلى عرض آل البيت –وحاشاهم - على القول بسقوط نظرية القطيعة بين الصحب والآل، وقد بينا ما في هذه المقالة من الإزراء على أهل البيت ونزهنا عمر وعليا من هذا الافتراء في المباحث السابقة.

ولم يبق إلا الاتجاه الوسطي المعتدل، وهو الاتجاه الذي سلكه محبو الآل والصحب، الذين لم تُشْكل عليهم هذه المصاهرة بأي شيء، بل اعتبروها أمارة من الأمارات الكثيرة التي تدل على بطلان نظرية القائلين بأن علاقة الصحب والآل كانت علاقة عداوة و قطيعة وبغضاء، وهذه أعدل الأقوال وأبعدها عن الاعتراضات، وأسلمها من الإشكالات،

وهي الموافقة لما حدثنا الله تبارك وتعالى به من أنه جل جلاله ألف بين قلوب أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين قال سبحانه: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(1064)

هذا ما يتعلق بأصل إيمان عمر، وأما ما يتعلق بعدالته، فإن هذه المصاهرة تثبت عدالة عمر رضي الله عنه عند علي رضي الله عنه، لأن الأصل أن المسلم لا يختار لابنته إلا من كان مؤمنا خيرا دينا، والظن بعلي رضي الله عنه وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يزوجون بناتهم إلا من يرضون ديانته وخلقه. ولنا أن نستشهد على من يخالفنا في هذا برواية الكليني عن الحسين بن بشار الواسطي قال: «كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام في التزويج فأتاني كتابه بخطه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:إذا جاءكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض و فساد كبير»(1065) .

وفي المقابل فإن المؤمن يجتنب تزويج بناته للفساق، ومن عرف بالانحراف عن سواء السبيل، بل قد ثبت في كتب الإمامية النهي عن تزويج من يعرف عنه الفسق، مثل من يشرب الخمر، فقد روى الكليني عن أبي عبد الله الصادق أنه قال:«من زوج كريمته من شارب الخمر فقد قطع رحمها»، وفي رواية عن الصادق قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شارب الخمر لا يزوج إذا خطب»، وفي رواية ثالثة عن الصادق: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«من شرب الخمر بعد ما حرمها الله على لساني

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فليس بأهل أن يزوج إذا خطب»(1066) وقد علق محمد تقي المجلسي على هذه الروايات مبينا أنها عامة في الفساق فقال: «الأخبار و إن وردت في الخمر خاصة، لكنها تدل على غيرها من الكبائر بالطريق الأولى و إن أمكنت المناقشة فيها لكن الأخبار الأولى تدل بالمفهوم على مطلق الفسق»(1067) فإذا علمت هذا قطعت بأن علياً رضي الله عنه لم يقبل بتزويج بنته لعمر رضي الله عنه إلا لعلمه بأن عمر خير من يزوج بنته، ولرضاه بدينه وخلقه، وبذلك يتضح بجلاء أن ما يروجه البعض من عمر رضي الله عنه كان متنكبا عن الصراط المستقيم، يسلتزم التعريض بعلي رضي الله عنه والطعن فيه، لأنه رضي أن يزوج بنته لرجل فاسق بزعم هؤلاء، ولا شك في بطلان هذا اللازم، فالنتيجة هي براءة عمر الفاروق من تلك الإفتراءات التي نُسبت إليه.

الأثر الثاني: إثبات العلاقة الحميمة بين آل الفاروق وآل علي رضي الله عنهم وبطلان دعوى العداوة بينهما

وهذا أمر واضح جلي لا يحتاج إلى بيان، وسنكتفي بسياق بعض نصوص أهل العلم على ذلك:

يقول يحيى بن الحسن القرشي الزيدي عن تزويج علي ابنته أم كلثوم لعمر:«وكذلك لو كان بينهما معاداة ووحشة لما زوجه إياها وإنما شدد عمر في تزويجها رغبة في ابيها ومنصبها، ولقوله عليه السلام: «كل

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نسب وسبب ينقطع إلا سببي ونسبي» فأحب التزويج من أهل البيت»(1068) ويقول الدكتور الإمامي حسن العلوي: «توشجت العلاقات بين عمر والإمام علي بعد وفاة أبي بكر، واستمرت في التلاحم والتفاهم إلى الحد الذي يدفعنا لجعل ولاية عمر بن الخطاب حكماً مشتركاً مع الإمام علي، وكان عمر حريصاً على تطور وتطوير تلك العلاقة، فلم يحدث بينهما ما يعكرها إلا في مخيلة رواة القطيعة ومن يتلذذ ويستأنس العيش في تخوم الخلاف. كان عمر يسعى لأن يرحل عن الدنيا وله نسب وسبب مع رسول الله، إذ لم يوفق الله ابنته حفصة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم بالإنجاب وحديثه كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي يغري عمر وبقية الصحابة في مصاهرة بني هاشم، ولم يكن للرسول إلا فاطمة، ولم يكن للزهراء سوى بنت غير متزوجة أم كلثوم، وهي آخر حفيدة لرسول الله، وأم كلثوم كانت ماتزال يافعة، وقد اختلف في عمرها عند طلب عمر الزواج منها كما اختلف في عمر عائشة في سنة زواجها بالرسول صلى الله عليه وسلم وأنجبت أم كلثوم لعمر ابنا اسماه زيداً تيمناً باسم أحب أشقائه إليه زيد بن الخطاب. غير أن العاملين في مدرسة الانشقاق قد ساءهم أن يكون لعلي وعمر حفيد مشترك وأن يصبح مقام أم كلثوم عند عمر كمقام عائشة عند النبي صلى الله عليه وسلم حباً ودلالاً ومصاهرة»(1069)

ولا أجمل من قول نافع حين ذهب عبد الله بن عمر بن الخطاب

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إلى زوجة أبيه أم كلثوم:«جاء ابن عمر إلى أمه أم كلثوم فسلم عليها وتوجه إلى مكة»(1070) فإن أم كلثوم ليست أمه قطعا، لكنها لما صارت زوجة لأبيه صارت بمنزلة أمه، فأنت ترى كيف صارت أم كلثوم بنت علي رضي الله عنهما والدة لأبناء عمر رضي الله عنهم، وذلك دليل واضح و صريح على أن هذه المصاهرة المباركة كانت خير صلة بين البيت العمري و البيت العلوي، وفي هذا كفاية لمن أراد الله له الهداية.

الأثر الثالث: براءة عمر رضي الله عنه مما ينسبه له الوضاعون من الاعتداء على فاطمة

لقد أحرجت هذه المصاهرة أصحاب نظرية القطيعة بين الصحابة وآل البيت، فتراهم يقررون وجود تعارض بين مصاهرة عمر وعلي رضي الله عنهما وبين قصة كسر عمر لضلع فاطمة، ولذلك يقول يوسف الغروي مبررا زواج عمر بأم كلثوم: «إنما تزوجها سياسيا ليغطي بذلك على عدوانه على أمها وأبيها»(1071) ، وقد مضى الرد على هذا القول المتعسف، وبينا أن عمر لم يكن يريد إلا الانتساب إلى الدوحة النبوية الطاهرة.

وقد دأب بعض العلماء على الاستدلال بمصاهرة علي لعمر رضي الله عنهما وجعلها دليلا على عدم صحة قصة كسر ضلع فاطمة رضي الله عنه، قال القاضي عبد الجبار بعد أن ذكر زواج عمر بأم كلثوم:«وهذا الذي زعمتم أنه

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ضربها وقتل جنينها في بطنها، وقد قلنا فيما تدعونه من البقيّة وجوهاً في بعضها كفاية»(1072)

ولا شك أن كل من عنده شيء من النباهة والفطنة سيتساءل: هل يعقل أن عليا سيزوج ابنته لمن اعتدى على أمها وتسبب في موتها كما يزعمه المغالون؟ لا شك أن كل عاقل يعلم أنه لا يمكن أن يجتمع في عقل سليم وفطرة سوية مثل هذين القولين المتنافرين والمتناقضين، فما يروى من قصة اعتداء عمر على فاطمة الزهراء ليس إلا من خيالات الأخباريين ومفترياتهم التي أرادوا منها تشويه علاقة الصحب بالآل، لكن مصاهرة عمر لأم كلثوم المقطوع بها والتي بلغ خبرها أقطار الدنيا، تكفلت بإبطال هذه النظرية المسيئة إلى آل البيت قبل الصحابة.

الأثر الرابع: بطلان دعوى النص على علي رضي الله عنه

من أجلى الأدلة على بطلان دعوى الوصية والنص على علي رضي الله عنه بعد النبي رضي الله عنه، هذه المصاهرة المباركة، إذ أنها وقعت في خلافة عمر رضي الله عنه، وهذا يعارض ما يدعيه أصحاب نظرية القطيعة من أن عليا كان منصوصا عليه بالخلافة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، إذ لو كان الأمر كذلك، كيف يزوج علي صلى الله عليه وسلم ابنته لمن تجرأ وخالف وصية النبي صلى الله عليه وسلم وانتزع الخلافة منه كما يزعم المغالون؟.

ويحسن أن نورد كلاما نفيسا للإمام أبي بكر الباقلاني حيث أنه من أوائل من تنبه لهذه المسألة فقال: «وتعلمون أَن مَا ظهر مِنْهُ من الانقياد لأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان وَالْأَخْذ لغنيمتهم والموطىء للحنفية

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من سَبْيهمْ وتزويجه ابْنَته من عمر بن الْخطاب... في نظائر هذه الأقاويل المشهورة عنه في مدحهم وتقريظهم وحسن الثناء عليهم، وأنه راض بإمامتهم، وأنه لو كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد نص عليه وقطع العذر في بابه لم يجز أنه يقول فيمن غصبه وجحده حقه هذه الأقاويل، وتكون أفعاله معهم واقتداؤه بهم ما ذكرنا، فكيف تركتم هذا الظاهر المعلوم من قوله وفعله إلى تعليل النفوس وشهواتها وتسويفها للأماني، فإن قالوا: كل هذا الذي ظهر منه على سبيل التقية والإرهاب والخوف منهم قيل لهم وما الحجة في ذلك مع ما فيه من القدح وسوء القول في أمير المؤمنين(1073) فلا يجدون في ذلك متعلقاً»(1074)

ويكاد يعترف محمد علي الحلو وهو من المنكرين لثبوت زواج عمر بأم كلثوم- بأن مصاهرة عمر رضي الله عنه لعلي رضي الله عنه تؤدي إلى التشكيك في نظرية النص بالخلافة على علي رضي الله عنه، فيقول: «فتمييع قصة الخلافة...تتكفلها مثل هذه القصص وهي زواج أم كلثوم من عمر التي ستعني ما تعنيه هذه الحادثة من إغلاق ملف الخلاف الفكري والعقائدي»(1075) ونحن نقول بل إن هذا هو واقع الحال، فإن هذه المصاهرة وغيرها من المصاهرات تدل دلالة واضحة على أن عمر رضي الله عنه وغيره من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لو كانوا قد اعتدوا على حق علي رضي الله عنه

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأهل البيت عليهم السلام في الخلافة، لكانت العلاقة بينهم موسومة بالقطيعة والهجر، والحال أن علاقاتهم الاجتماعية كانت قائمة على التصاهر والتزاور والتآزر والتحابب، ولو أن من يخالفنا في هذا تأمل في ذلك لتركوا كثيرا من نظرياتهم المغلوطة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته رضي الله عنهم وأرضاهم.

الأثر الخامس: صيانة عمر رضي الله عنه من طعن الطاعنين في نسبه

يذهب بعض المغالين إلى الطعن في نسب عمر بن الخطاب واتهامه-والعياذ بالله- بأنه ولد زنا، مستندين إلى بعض النصوص والروايات الموضوعة والمكذوبة، والتي نُسبت إلى بعض المتهمين من الأخباريين وغيرهم، ونحن لن نتعرض لمناقشة هذه الاتهامات وردها، فقد تكفل الأستاذ الإمامي بحوزة قم حيدر حب الله بتفنيد جميع الروايات والأقوال التي اعتمد عليها الطاعنون في نسب عمر رضي الله عنه(1076) ولكننا نلفت انتباه من يتبنى هذه الأقوال إلى لفتة مهمة: هل تعلم أنك تسيء من حيث لا تدري إلى علي رضي الله عنه، حيث إن لازم كلامك أن عليا رضي بتزويج عمر رضي الله عنه، في حين أنك تطعن في عمر وتنتنقص منه لأنه مطعون في نسبه بزعمك، فإما أن يكون كلام الأخباريين في الطعن في نسب عمر لا صحة له كما هو واقع الحال، ولذا لم يجد علي رضي الله عنه غضاضة في تزويجه، وإما أن هذا الأمر-لو صح وهو غير صحيح-

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ليس مدعاة للانتقاص من عمر لأنه وقع في الجاهلية ولأن عمر ليس له ذنب في ذلك، ولأن عليا زوجه، ففي كلا الحالين أنت تسيء إلى علي حينما تسيء إلى عمر رضي الله عنهما، ولا ننسى أن هناك مصاهرة أخرى تدفع هذه الأقاويل المنكرة وهي زواج سيد آل البيت محمد صلى الله عليه وسلم بحفصة بنت عمر رضي الله عنه.

المبحث الثاني: موقف آل البيت من زواج أم كلثوم بنت علي من عمر بن الخطاب رضي الله عنهما

إن الناظر في السياقات التاريخية لهذا الزواج يجد أن موقف آل البيت رضوان الله عليهم من هذا الزواج كان موقف المرحب والراضي تمام الرضا، فلم نسمع عن أهل البيت إلا الاحتفاء والاحتفال بهذه المصاهرة، وتناقل أخبارها بين علمائهم، مما يدل على افتخارهم بهذا المصاهرة التي جمعت البيت العلوي والبيت العمري، ولذلك سنستعرض من خلال النصوص المتقدمة موقف آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من هذه المصاهرة المباركة.

موقف علي رضي الله عنه

لم يكن علي رضي الله عنه يتوقع أن يخطب عمر ابنته أم كلثوم، ولذلك لما خطب إليه عمر رضي الله عنه أول الأمر، تفاجأ بذلك، واعتذر عن تزويجه، ولو تأملت في اعتذار علي رضي الله عنه، لرأيت أنه قد اعتذر بصغر أم كلثوم، وأنه قد نوى تزويج بناته لأبناء أخيه من بني جعفر، فلو كان علي يرى أن عمر ليس أهلا للزواج بأم كلثوم، لرفض أول الأمر بحجة قاطعة، لكنه رضي الله عنه، ثم لما بين له عمر أن مراده هو التشرف بالاتصال بالنسب النبوي، وأنه سيحسن مصاحبة أم كلثوم، قَبِل علي رضي الله عنه بتزويجه، وأنكحه بنته وفلذة

كبده، بل إن عليا سمى أحد أبنائه باسم عمر رضي الله عنه، ولعله أراد رضي الله عنه بذلك تذكير أحفاده أن هذا الاسم ليس غريبا عنهم، فليس عمر إلا زوج أختهم الكبرى أم كلثوم بنت فاطمة رضي الله عنهما.

موقف الحسن والحسين ومحمد ابن الحنفية رضي الله عنهم

ولم يكن الحسنان ليخالفا أباهما في مودة ومحبة عمر رضي الله عنه، ولذلك لا نشك و لا نرتاب في أنهما كانا موافقين على هذا الزواج، وأما ما جاء في بعض الروايات الضعيفة التي مضى الكلام عنها من توقفهما في تزويج عمر رضي الله عنه لما أمرهما أبوهما بذلك فقد ثبت أنه لا يصح، ومع ذلك فإن هذه الروايات على ضعفها تنص على أن الحسن قد وافق أباه في آخر الأمر، وأما محمد ابن الحنفية، فكان يتردد على بيت أم كلثوم كما مضى، وكان عمر يسعد برؤيته ويأمر أم كلثوم بأن تكرمه.

موقف زين العابدين والباقر والصادق رضي الله عنهم

عندما نطالع الروايات التي تقص تفاصيل حياة أم كلثوم مع عمر رضي الله عنهما، نلحظ أن أكثر بيت نقل عنه روايات هذه المصاهرة هو البيت العلوي الطاهر، فقد اعتنى علماء آل البيت وأكابرهم برواية أخبار أم كلثوم مع عمر، و كان في طليعة هؤلاء الرواة كبار علماء المدينة من أهل البيت، فعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب روى خبر خطبة عمر لأم كلثوم ورغبة عمر في الاتصال بالبيت النبوي، وهذا الخبر تناقله علماء المدينة النبوية كابن إسحاق وسطروه في كتب السير والتواريخ.

ولم يتأخر الإمامان أبو جعفر محمد بن علي الباقر، وابنه أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق في رواية أخبار خطبة عمر لأم كلثوم، وكانا يبثانها في مجالس الحديث حتى تعدت الطرق التي رويت بها قصة الخطبة من طريق الباقر والصادق أكثر من عشرة طرق، وما أحسن قول ابن حجر الهيتمي حين قال معلقا على رواية أبي جعفر الباقر لقصة خطبة عمر لأم كلثوم: «وبهذا الحديث المروي من طريقة أهل البيت يزداد التعجب من إنكار جماعة من جهلة أهل البيت في أزمنتنا(1077) تزويج عمر بأم كلثوم لكن لا عجب لأن أولئك لم يخالطوا العلماء» إلى أن قال: «وما دروا أنه عين الكذب ومكابرة للحس إذ من مارس العلم وطالع كتب الأخبار والسنن علم ضرورة أن عليا زوجها له وأن إنكار ذلك جهل وعناد ومكابرة للحس وخبال في العقل وفساد في الدين»(1078) .

ومن الأمور الطريفة أن كلا من الصادق وعبد الله بن عمر بن حفص العمري رويا خبر وفاة أم كلثوم و ابنه زيد بن عمر في ساعة واحدة، وجعفر الصادق يفصله ثلاثة آباء عن جده علي رضي الله عنه، وعبد الله بن عمر العمري يفصله أيضا ثلاثة آباء عن جده عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهذه من لطائف الاتفاقات التي جمعت آل علي وآل عمر في رواية أخبار أم كلثوم زوجة عمر رضي الله عنهما.

وقد روى العشاري عن عبد الرحمن بن عبد ربه قال سمعت

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رجلا يقول قدمت المدينة فأتيت أبا جعفر محمد بن علي فجلست إليه فقلت:أصلحك الله ما تقول في أبي بكر وعمر؟، قال: «رحم الله أبا بكر وعمر»، قلت: إنهم يقولون إنك تبرأ منهما، قال: معاذ الله كذبوا ورب الكعبة، أو لست تعلم أن علي بن أبي طالب زوج ابنته أم كلثوم من فاطمة من عمر بن الخطاب؟ وهل تدري من هي جدتها؟ خديجة سيدة نساء أهل الجنة وجدها رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين وسيد المرسلين ورسول رب العالمين وأمها فاطمة سيدة نساء العالمين وأخواها الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوها علي بن أبي طالب ذو الشرف والمنقبة في الإسلام فلو لم يكن لها أهلا عمر بن الخطاب ما زوجها إياه»(1079) وهذا الخبر وإن كان معناه صحيحا، إلا أنه لا يصح عن أبي جعفر الباقر رحمه الله.

وروى ابن عساكر بسنده عن أبي حنيفة أنه ذكر أنه أتى محمد بن علي الباقر، فقال: فسلمت عليه فقعدت إليه فقال لا تقعد إلينا يا أخا العراق، فإنكم قد نهيتم عن القعود إلينا، قال: فقعدت فقلت: يرحمك الله هل شهد علي موت عمر؟، فقال: سبحان الله أو ليس القائل: ما أحد من الناس ألقى الله عز وجل بمثل عمله أحب إلي من هذا المسجى عليه ثوبه؟، ثم زوجه ابنته، فلولا أنه رآه لها أهلا أكان يزوجها إياه؟، وتدرون من كانت لا أبا لك اليوم؟ كانت أشرف نساء العالمين. قال

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ابن عساكر: انتهى حديث عباد وزاد ابن البغدادي عن شيخيه: كان جدها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوها علي ذو الشرف والمنقبة في الإسلام وأمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخواها حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة، وجدتها خديجة، قال: قلت: فإن قوما عندنا يزعمون أنك تتبرأ منهما وتنتقصهما فلولا كتبت إلينا كتابا بالانتفاء من ذلك، قال: أنت أقرب إلي منهم، أمرتك أن لا تجلس إلي فلم تطعني فكيف يطيعني أولئك(1080)

وهذه الرواية قريبة من رواية العشاري، والغرض من ذكرها هو التنبيه على ضعفها وعدم صحته، وفي الأخبار الصحيحة والثابتة، غُنْية عن المختلق والموضوع.

وأما ما روي عن عقيل من اعتراضه على علي رضي الله عنه في تزويج عمر فقد مضى الكلام عليه من ناحية السند وبينا ضعفه وعدم صحته ونكارته، وبهذا يتضح الموقف الحقيقي لآل البيت من هذه المصاهرة المباركة.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مسك الختام

من خلال ما تقدم، نكون قد استعرضنا جل ما يتعلق بزواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم بنت علي وفاطمة رضي الله عنهما، فقد حاولنا أن نستوفي المرويات الثابتة عن هذه المصاهرة المباركة، وجهدنا أن نجعل السطور التي سطرناها في سيرة أم كلثوم أجمع ترجمة لها، واستعرضنا مواقف أهل العلم المجمعة على مر التاريخ على إثبات هذه المصاهرة، ثم عرجنا على أقوى الاعتراضات والإشكالات التي أثارها المنكرون والمشككون في هذه المصاهرة، وأجبنا عنها مستندين إلى الضوابط المنهجية في البحث والتحقيق وانتهينا إلى عدم صحة هذه الاعتراضات وأنها تهدف للتعمية على العلاقة الطيبة الودية بين عمر وآل البيت، ونختم بالنتائج التي انتهينا إليها في هذه الدراسة في النقاط التالية

1 - زواج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما من عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر ثابت وقوعه ثبوتا قطعياً لا شك فيه ولا ريب، فهو منقول بأصح وأوثق الطرق العلمية، إذ أن خبر هذا الزواج مبثوت في كتب الحديث والتاريخ والأنساب والفقه والأدب، وقد فاقت رواياته حد الشهرة والاستفاضة وبلغت درجة التواتر والقطع.

2 الذين أنكروا زواج عمر من أم كلثوم لم يستندوا إلى أي دليل صحيح، لأن الروايات المنسوبة إلى آل البيت والمروية في الكتب والمصادر

التي يعتمد عليها المعترضون تثبت وقوع هذا الزواج و لا تنكره، فلا شك أن إنكار زواج عمر من أم كلثوم من أضعف الأقوال وأبعدها عن الحق لعدم استنادها إلى أي دليل، واما اعتراض المنكرين بمجموعة من الاستدلالات التي حاولوا بها إيهام القارئ بعدم صحة هذا الزواج، فلا تخرج عن التمحل والتكلف ومخالفة الأسس والضوابط العلمية، وما استندوا إليه من الاختلاف المزعوم في الروايات وغيرها من الاستدلالات الغريبة قمنا بمناقشته وتنفيذه وبينا أنه منهج غير صحيح وهدام للتاريخ.

3 - التشكيك في رضا علي بهذا الزواج بادعاء أنه أكره على تزويج ابنته لعمر خوفا على نفسه من القتل، والقول بأن هذا الزواج هو فرج غصب من آل البيت هو من الأقوال الباطلة التي أساءت إلى آل البيت أيما إساءة، والتي ينبغي طيها وعدم حكايتها إلا لردها وتفنيدها، لما فيها من الإزراء على البيت الهاشمي المعروف بالشجاعة والنخوة، وهي من الأقوال المنكرة التي اخترعها الذين حاولوا أن ينصروا نظرية القطيعة بين الصحب والآل رضي الله عنهم.

4 - لهذه المصاهرة المباركة آثار كبيرة في تصحيح المفاهيم الخاطئة والتصورت المغلوطة التي يروج لها البعض عن علاقة عمر رضي الله عنه بآل البيت، إذ أن هذه المصاهرة تثبت عدالة عمر وصلاح ديانته، ومحبته للنسب النبوي، ولذلك زوجه علي رضي الله عنه ابنته حبا ورضا وكرامة له رضي الله عنه، وهذا ما جعل بعض المغالين يخففون من حدة موقفهم من عمر رضي الله عنه

5 -كان آل البيت

وخاصة البيت الحسيني، أكثر من احتفل بهذا الزواج واحتفى به، وقد تجلى ذلك في عنايتهم برواية أخبار زواج عمر بأم كلثوم وسبب خطبته إياها وولادة زيد بن عمر بن الخطاب، وابن أم كلثوم بنت فاطمة رضي الله عنهم، وهذا هو الموقف الحقيقي لآل البيت من هذه المصاهرة المباركة، والذي ينبغي أن يتأسى به كل محب لآل البيت.

وفي الختام وقد بلغ الكلام بنا إلى نهايته، نحمد الله تبارك وتعالى على أن وفقنا لإتمام هذا البحث، فما كان فيه من توفيق فمن الله وحده، وما فيه من زلل أو خلل فمنا ومن الشيطان، ونستغفر الله ونتوب إليه منه، والحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات.

فهرس مؤلفات الإمامية حول زواج عمر رضي الله عنه من أم كلثوم رضي الله عنها

إفحام الأعداء والخصوم بتكذيب ما افتروه على سيدتنا أم كلثوم-ناصر حسين الهندي-تحقيق الدكتور محمد هادي الأميني- مكتبة نينوى الحديثة طهران. إفحام الفحول في شبهة تزويج عمر بأم كلثوم- محمد جميل حمود-مركز العترة للدراسات والبحوث بيروت- الطبعة الأولى- 1423 هـ 2003 م. أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عليه السلام حقيقة أم وهم -علي صالح رسن المحمداوي-بحث منشور بمجلة كلية الآداب بجامعة البصرة- 2011 م إنكاح أمير المؤمنين عليه السلام ابنته من عمر-الشريف المرتضى-مطبوع ملحقا مع رسالة تزويج علي عليه السلام بنته من عمر للمفيد- تحقيق عصام عبد السيد- المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد-الطبعة الأولى- 1413 هـ. تزويج علي عليه السلام بنته من عمر- محمد بن النعمان المفيد-تحقيق عصام عبد السيد-المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد-الطبعة الأولى- 1413 هـ رسالة في خبر تزويج أم كلثوم من عمر-علي الميلاني- ياران قم- الطبعة الأولى 1418 هـ. زواج أم كلثوم الزواج اللغز قراءة في نصوص زواج عمر من أم كلثوم بنت علي (ع)-علي الشهرستاني

طبعتين: طبعة: مركز الأبحاث العقائدية قم ايران، 1428 هـ 2007 م، طبعة: العتبة العباسية- 1435 هـ 2014 م. ظلامة أم كلثوم: تحقيق ودراسة-جعفر مرتضى العاملي-المركز الإسلامي للدراسات بيروت لبنان- 1423 هـ 2002 م. كشف البصر عن تزويج أم كلثوم من عمر-محمد علي الحلو-مكتبة فدك-إيران-الطبعة الأولى 1422 هـ 2001 م. هل تزوج عمر بأم كلثوم؟-خليفة عبيد الكلباني العماني-دار العصمة-الطبعة الأولى 2007 م.

أهم المصادر والمراجع

الإرشاد محمد بن النعمان المفيد تحقيق مؤسسة آل البيت -المفيد للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان- الطبعة الثانية 1414 هـ- 1993 م. إستجلاب ارتقاء الغرف محمد بن عبد الرحمن السخاوي-تحقيق خالد بن أحمد بابطين-دار البشائر الإسلامية. الاستيعاب أبو عمر ابن عبد البر النمري -تحقيق علي محمد البجاوي-دار الجيل، بيروت-الطبعة الأولى- 1412 هـ 1992 م. أسد الغابة- أبو الحسن علي ابن الأثير -تحقيق علي محمد معوض عادل أحمد عبد الموجود-دار الكتب العلمية-الطبعة الأولى 1415 هـ 1994 م. الأسماء والمصاهرات بين أهل البيت والصحابة أبو معاذ السيد بن أحمد مبرة الآل والأصحاب –الكويت- 1428 هـ- 2007 م. أصول الأحكام الجامع لأدلة الحلال والحرام-أحمد بن سليمان بن المطهر- تحقيق عبدالله حمود العزي-مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية صنعاء- 1424 هـ. إعلام الأعلام بأدلة الأحكام- محمد بن الحسن العجري-مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية صنعاء اليمن-الطبعة الأولى- 1423 هـ 2002 م. إعلام الورى بأعلام الهدى-الشيخ الطبرسي-مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث- ستارة قم -الطبعة الأولى- 1417 هـ.

أعيان الشيعة -محسن الأمين -تحقيق حسن الأمين- دار التعارف للمطبوعات- بيروت –لبنان. الاقتصاد في الاعتقاد -مطبعة الخيام قم -منشورات مكتبة جامع چهلستون طهران 1400 هـ. الآل والصحابة محبة وقرابة -علي بن حمد التميمي- مبرة الآل والأصحاب الكويت، 1429 هـ 2008 م. الأمالي الإثينينية-يحيى بن الحسين الشجري- تحقيق عبد الله العزي- مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية صنعاء اليمن-الطبعة الأولى 1429 هـ. الإنتصار للفاطميات-أبي عبدالله عادل بن معوض الوادعي-دار الآثار للنشر صنعاء اليمن- الطبعة الأولى 1424 هـ 2003 م أنساب الأشراف-للبلاذري –تحقيق محمد باقر المحمودي -مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت لبنان -الطبعة الأولى 1394 هـ. الأنساب- عبد الكريم السمعاني -تحقيق عبد الرحمن المعلمي اليماني -مجلس دائرة المعارف العثمانية-حيدر آباد الطبعة الأولى- 1382 هـ 1962 م. أولئك مبرؤون، الجزء الثاني، طلحة بن عبيد الله -حافظ أسدرم- مبرة الآل والأصحاب -الكويت-الطبعة الأولى- 1435 هـ 2014 م. بحار الأنوار –محمد باقر المجلسي- تحقيق محمد باقر البهبودي و آخرين- مؤسسة الوفاء- بيروت، لبنان -الطبعة الثانية- 1403 هـ. البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار -وبهامشه جواهر لأخبار-أحمد بن يحيى بن المرتضى، محمد بن يحيى الصعدي-دار الكتب العلمية بيروت لبنان- 1422 هـ 2001 م.

البداية والنهاية –أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير-دار هجر للطباعة والنشر- الطبعة الأولى- 1418 هـ 1997 م. بلاغات النساء-أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر ابن طيفور- تحقيق أحمد الألفي- مطبعة مدرسة والدة عباس الأول- القاهرة- 1326 هـ 1908 م. التاج المذهب لأحكام المذهب -أحمد بن قاسم العنسي-تحقيق طيب عوض منصور-منشورات مكتبة ابن القاسم صعدة اليمن-الطبعة الأولى 1433 هـ. تاريخ الإسلام الإمام الذهبي- تحقيق د. عمر عبد السلام تدمري -دار الكتاب العربي -لبنان بيروت- الطبعة الأولى- 1407 هـ. التاريخ الكبير –الإمام البخاري- المكتبة الإسلامية ديار بكر- تركيا. تاريخ المدينة المنورة أبو زيد عمر بن شبه النميري البصري تحقيق فهيم محمد شلتوت دار الفكر قم إيران 1410 هـ. تاريخ اليعقوبي- أحمد بن أبي يعقوب بن جعفر الكاتب العباسي -دار صادر بيروت لبنان- مؤسسة نشر فرهنگ أهل بيت عليهم السلام قم إيران. تاريخ قم (فارسي)-حسن بن محمد القمي-تحقيق سيد جلال الدين تهراني-انتشارات طوس. تثبيت دلائل النبوة -القاضي عبد الجبار بن أحمد الهمداني- تحقيق د.عبد الكريم عثمان -دار العربية- بيروت لبنان- 1403 هـ. تمهيد الأوائل في تلخيص الدلائل-أبو بكر الباقلاني-تحقيق أحمد حيدر-مؤسسة الكتب الثقافية– لبنان-الطبعة الأولى- 1407 هـ 1987 م. تنزيه الأنبياء-الشريف

الأنبياء-الشريف المرتضى-دار الأضواء بيروت لبنان-الطبعة الثانية- 1409 هـ 1989 م. التنوير شرح الجامع الصغير- الأمير الصنعاني- تحقيق محمد إسحاق محمد ابراهيم-مكتبة دار السلام الرياض السعودية-الطبعة الأولى- 1432 هـ. تهذيب الأحكام أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي- تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري-مكتبة الصدوق طهران، 1417 هـ. الجرح و التعديل-أبو عبد الرحمن أبي حاتم الرازي- مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية حيدر آباد الدكن الطبعة الأولى 1371 هـ. جمهرة النسب–أبو المنذر هشام بن محمد السائب الكلبي تحقيق ناجي حسن عالم الكتب بيروت لبنان- 1425 هـ 2004 م. الجوهرة في نسب النبي وأصحابه العشرة- محمد بن أبي بكر البُرِّي -تحقيق محمد التونجي- دار الرفاعي الرياض-الطبعة الأولى- 1403 هـ 1983 م. الحدائق الناضرة يوسف البحراني تحقيق مؤسسة النشر الإسلامي خورشيد دار الكتب الإسلامية طهران 1408 هـ. دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب رضي الله عنه- عبد السلام بن محسن آل عيسى-عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية- المدينة المنورة-الطبعة الأولى 1423 هـ- 2002 م. الذخيرة في علم الكلام- الشريف المرتضى أحمد الحسيني الإشكوري-مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المقدسة-الطبعة الأولى 1411 الذرية الطاهرة النبوية-أبو بِشْر محمد بن أحمد الدولابي -تحقيق

سعد المبارك الحسن- الدار السلفية الكويت-الطبعة الأولى 1407 هـ. رسائل الشريف المرتضى-الشريف المرتضى-تحقيق مهدي رجائي-دار القرآن الكريم قم ايران- 1405 هـ. روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه محمد تقي المجلسي-بنياد فرهنك اسلامي حاج محمد حسين قم ايران، دون تاريخ. روضة المتقين في شرح من لا يحضره الفقيه- محمد تقي المجلسي مؤسسة دار الكتاب الاسلامي قم إيران، 1429 هـ 2008 م. زواج عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما حقيقة وليس افتراء-أبو معاذ الاسماعيلي-دون ناشر 1423 هـ. سر السلسلة العلوية-أبو نصر البخاري-تقديم وتعليق: السيد محمد صادق بحر العلوم- الطبعة الأولى- 1413 هـ. السرائر-ابن إدريس الحلي -مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم-الطبعة الثانية 1410 هـ. سلاسل الحديد في تقييد ابن أبي الحديد- يوسف بن أحمد آل عصفور البحراني دار العصمة مملكة البحرين- 1428 هـ 2007 م. سلسلة الأحاديث الصحيحة –محمد ناصر الدين الألباني- مكتبة المعارف للنشر والتوزيع- الرياض- الطبعة الأولى 1995 2002 م. سلسلة الأحاديث الضعيفة وأثرها السيء في الأمة -محمد ناصر الدين الألباني -مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الرياض، 1420 هـ 2000 م. السنن الكبرى للبيهقي-تحقيق محمد عبد القادر عطا- دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان الطبعة الثالثة- 1424 هـ 2003 م.

سنن سعيد بن منصور، المحقق: حبيب الرحمن الأعظمي- الدار السلفية الهند- الطبعة الأولى، 1403 هـ 1982 م. سير أعلام النبلاء-الإمام الذهبي مؤسسة الرسالة- الطبعة الثالثة- 1405 هـ 1985 م. كتاب السير والمغازي-محمد بن إسحاق- تحقيق سهيل زكار- دار الفكر بيروت الطبعة الأولى 1398 هـ- 1978 م. الشافي في الإمامة -الشريف المرتضى- مؤسسة إسماعيليان قم الطبعة الثانية- 1410 هـ. شرح التجريد في فقه الزيدية -أحمد بن الحسين الهاروني-تحقيق محمد عزان– حميد جابر عبيد-مركز التراث والبحوث اليمني صنعاء 1427 هـ 2006 م. شرح صحيح البخاري أبي الحسن علي عبدالملك ابن بطال ضبطه أبو تميم ابراهيم مكتبة الرشد الرياض- 1420 هـ 3 200 م. شرح نهج البلاغة -أبو حامد بن أبي الحديد المدائني- تحقيق محمد عبد الكريم النمري- دار الكتب العلمية بيروت لبنان الطبعة الأولى 1418 هـ 1998 م. الصحابة عند الزيدية-محمد يحيى سالم عزان-مركز البحوث والتراث اليمني اليمن، 1425 هـ 2004 م. الصحيح من سيرة الإمام علي عليه السلام -جعفر مرتضى العاملي- المركز الإسلامي للدراسات لبنان، 1431 هـ 2010 م الصحيح من مقتل سيد الشهداء-محمد الريشهري-مؤسسة دار الحديث قم إيران-الطبعة الأولى 1434 هـ.

الطبقات الكبرى –محمد بن سعد- تحقيق إحسان عباس- دار صادر بيروت- الطبعة الأولى- 1968 م. الطبقات الكبرى –محمد بن سعد- تحقيق د علي محمد عمر- مكتبة الخانجي -القاهرة 1421 هـ- 2001 م. طرائف المقال -علي البروجردي تحقيق مهدي الرجائي- مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي العامة قم- الطبعة الأولى- 1410 هـ. العلل الواردة في الأحاديث النبوية-علي بن عمر الدارقطني -تحقيق د. محفوظ الرحمن زين الله السلفي- الطبعة الأولى- 1405 هـ 1985 م. عمدة الطالب-ابن عنبة تحقيق محمد حسن آل الطالقاني -منشورات المطبعة الحيدرية -النجف الأشرف- الطبعة الثانية- 1380 هـ عيون الأخبار –عبد الله بن مسلم بن قتيبة-تحقيق أحمد زكي العدوي-دار الكتاب العربي-بيروت لبنان. فهرست أسماء مصنفي الشيعة- النجاشي مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم -الطبعة الخامسة- 1416 هـ. القول الجلي في اثبات زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت علي -أبو معاذ الإسماعيلي-مكتبة الامام البخاري مصر 1428 هـ 2007 م. الكامل في ضعفاء الرجال-أبو أحمد بن عدي الجرجاني-دار الكتب العلمية-الطبعة الأولى- 1997 م. كتاب رأب الصدع أمالي الإمام أحمد بن عيسى-تحقيق علي بن إسماعيل الصنعاني-دار المحجة البيضاء- لبنان-الطبعة الثانية- 1428 هـ 2007 م. الكنى والألقاب

–عباس القمي-مكتبة الصدر- طهران. المجدي في أنساب الطالبين-علي بن محمد العلوي العمري-تحقيق أحمد الدامغاني المرعشي النجفي العامة قم المقدسة -الطبعة الأولى 1422 هـ. محاضرات في الاعتقادات- علي الميلاني- مركز الأبحاث العقائدية قم ايران -الطبعة الأولى- 1421 هـ. المحبر-محمد بن حبيب-تحقيق إيلزة ليختن شتيتر- دار الآفاق الجديدة، بيروت-. مختصرُ استدرَاك الذّهبي على مُستدرَك الحَاكم- ابن الملقن -تحقيق عبد الله اللحيدان وسعد الحميد- دَار العَاصِمَة- الرياض-الطبعة الأولى- 1411 هـ. مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول-محمد باقر المجلسي-دار الكتب الاسلامية طهران. مروج الذهب ومعادن الجوهر-أبو الحسن علي بن الحسين بن علي تحقيق أسعد داغر-دار الهجرة قم 1409 هـ. المسائل السروية -محمد بن النعمان المفيد-تحقيق صائب عبد الحميد- دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع بيروت لبنان-الطبعة الثانية 1414 هـ. المسائل العكبرية-محمد بن النعمان المفيد-تحقيق علي أكبر الخراساني-الطبعة الثانية- 1414 هـ- 1993 م. مسند الشاميين -سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني -تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي -مؤسسة الرسالة -بيروت -الطبعة الثانية- 1417 هـ. المسند-إسحاق بن راهويه- تحقيق د. عبد الغفور البلوشي- مكتبة الإيمان

المدينة المنورة- الطبعة لأولى- 1412 هـ- 1991 م. مشرعة بحار الأنوار-محمد آصف محسني-مؤسسة العارف للمطبوعات بيروت لبنان- الطبعة الثانية- 1426 هـ 2005 م. المصنف في الأحاديث والآثار –أبو بكر بن أبي شيبة- تحقيق كمال يوسف الحوت- مكتبة الرشد الرياض، الطبعة الأولى، 1409 هـ. المصنف في الأحاديث والآثار –أبو بكر بن أبي شيبة-تحقيق أسامة بن إبراهيم محمد-الفاروق الحديثة للنشر والتوزيع-الطبعة الأولى 1429 هـ 2008 م. المصنف في الأحاديث والآثار –أبو بكر بن أبي شيبة-تحقيق محمد عوامة-دار القبلة-الطبعة الأولى 1427 هـ 2006 م. المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية-ابن حجر العسقلاني- إشراف: د. سعد الشثري- دار العاصمة، الرياض، دار الغيث، الرياض- 1419 هـ 1998 م. المعارف-عبد الله بن مسلم بن قتيبة- طبعة مصر سنة 1882 م. المعارف-عبد الله بن مسلم بن قتيبة-تحقيق ثروت عكاشة-الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة -الطبعة الثانية 1992 م. معجم الأحاديث المعتبرة-دار النشر الأديان طهران-الطبعة الأولى- 1434 هـ. المعجم الكبير –سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي -دار إحياء التراث العربي -الطبعة الثانية. معجم رجال الحديث أبو القاسم الخوئي- الطبعة الخامسة 1413 هـ.

معرفة الثقات -العجلي الطبعة الأولى مكتبة الدار المدينة المنورة. معرفة الصحابة أبو نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني -تحقيق عادل العزازي- دار الوطن للنشر الرياض -الطبعة الأولى- 1419 هـ 1998 م. المعرفة والتاريخ -يعقوب بن سفيان الفسوي -تحقيق د. أكرم ضياء العُمَري -مؤسسة الرسالة –بيروت- 1401 هـ. مقاتل الطالبيين -أبو الفرج الأصبهاني- تحقيق السيد أحمد صقر-دار المعرفة- بيروت. مقاتل الطالبيين-أبو الفرج الأصفهاني- منشورات المكتبة الحيدرية -الطبعة الثانية- 1385 1965 م. ملاذ الأخيار في فهم تهذيب الأخبار -محمد باقر المجلسي- تحقيق مهدي رجائي- مكتبة المرعشي قم ايران 1407 هـ. مناحل الشفا ومناهل الصفا بتحقيق شرف المصطفى- تصنيف عبد الملك الخركوشي-تحقيق السيد أبو عاصم الغمري- دار البشائر الإسلامية مكة-الطبعة الأولى 1424 هـ. مناقب آل أبي طالب-ابن شهر آشوب-مطبعة الحيدرية النجف الأشرف- 1376 1956 م. مناهل الضرب -جعفر الأعرجي الحسيني تحقيق مهدي رجائي-مكتبة المرعشي النجفي قم ايران- 1419 هـ. موسوعة أقوال أبي الحسن الدارقطني مجموعة من المؤلفين- عالم الكتب للنشر والتوزيع بيروت- لبنان -الطبعة الأولى- 2001 م. موسوعة أقوال الإمام أحمد بن حنبل في رجال الحديث وعلله-مجموعة من المؤلفين-دار النشر عالم الكتب-الطبعة الأولى- 1417 هـ 1997 م.

ميزان الاعتدال في نقد الرجال-الإمام الذهبي-تحقيق علي محمد البجاوي- دار المعرفة للطباعة والنشر- لبنان -الطبعة الأولى- 1382 هـ 1963 م. نجوم الأنظار وتخريجه مواهب الغفار -عبدالله المؤيدي- تحقيق عبدالله الهادي-مكتبة الفلاح صعدة اليمن-الطبعة الأولى- 1433 هـ 2012 م. نسائم الود والوفاء في علاقة آل البيت بالثلاثة الخلفاء-علي التميمي-مبرة الآل والأصحاب –الكويت- الطبعة الأولى 1435 هـ/ 2014 م. نسب قريش مصعب بن عبد الله الزبيري -تحقيق ليفي بروفنسال-دار المعارف، القاهرة-الطبعة الثالثة. نقض به معروف بعض مثالب النواصب (فارسي)-عبد الجليل القزويني الرازي-تصحيح مير جلال الدين محدث-طهران.

نبذة عن الكتاب

تناول هذا الكتاب بصورة مفصلة سيرة السيدة الفاضلة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، مع لمحات يسيرة من سيرة أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله عنه، وركز بالأساس على المصاهرة المشهورة والثابتة والتي جمعت عمر وعلياً رضي الله عنهما حين تزوج عمر رضي الله عنه أم كلثوم بنت علي وفاطمة رضي الله عنهما، فتوشجت بذلك أواصر المحبة والمودة بين البيت العمري والبيت العلوي.

إلا أن البعض قد حاول أن يغطي هذه المصاهرة المباركة، لأنها وقفت سداً منيعاً ضد دعاوى القطيعة بين عمر وآل البيت رضي الله عنهم، هذه الدعاوى التي تدور بين نفي وإنكار هذه المصاهرة، وبين التشكيك فيها، وبين ادعاء وقوعها بدون رضى عليه رضي الله عنه، وهو ما تم رده وتفنيده بمنهج علمي مؤصل قائم على استقراء أمهات كتب الحديث والرواية والتاريخ والنسب والفقه، مع الإحاطة بسائر المؤلفات التي تعرضت لهذه المصاهرة، ومناقشة جل الاعتراضات والمغالطات التي تضمنتها، واتضح من خلال هذه الدراسة أن هذه المصاهرة حقيقة تاريخية ثابتة بصورة قطعية وبأوثق الطرق العلمية، فضلاً عن ضعف مغالطات المعترضين وعدم اتساقها مع أصول التحقيق العلمي، بل مجانبتها للأمانة العلمية والإنصاف.

الحاشية
النسخة المصوّرة — نسباً وصهراً إثبات زواج عمر من أم كلثوم بنت علي
يُحمّل المصدر المصوّر…