الحصون — مكتبة مبرة الآل والأصحاب الرقمية — النص الموثّق والمصدر المصوّر
الفتوحات الإسلامية بين الآل والأصحاب حقائق وشبهاتالقراءة المتصلة
صفحة 9
حجم النص28
بحث في الكتاب

الصفحة الحالية: 9

الفتوحات الإسلامية بين الآل والأصحاب حقائق وشبهات

بين الآل والأصحاب حقائق وشبهات

د. أحمد سيد أحمد علي الباحث بمركز البحوث والدراسات بالمبرة

فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثناء النشر

953,02 علي، أحمد سيد . الفتوحات الإسلامية بين الآل والأصحاب: حقائق وشبهات، د/ أحمد سيد أحمد علي. – ط 1 .- الكويت: مبرة الآل والأصحاب، 2010 . 242 ص؛ 24 سم. (سلسلة قضايا التوعية الإسلامية؛ 13 ) ردمك: 1 - 0 - 673 - 99906 - 978 الصحابة والتابعون 2 - المهاجرون والأنصار 3 - عصر الجهاد في سبيل نشر الدعوة العنوان ب. السلسلة رقم الإيداع: 252 / 2010 ردمك: 1 - 0 - 673 - 99906 - 978

حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب

إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية

الطبعة الأولى

1431 هـ / 2010 م

مبرة الآل والأصحاب

هاتف: 22560203 – 22552340 فاكس: 22560346

ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت

إهداء

إليك يا سيدي يا رسول الله صلى الله عليه وسلم

اعترافاً بحبك، وإقراراً بفضلك، واعتزازاً بالانتساب إلى رسالتك، وطلباً لشفاعتك يوم الحساب.

ثم إلى كل داعية مسلم

أراد البناء وتحمَّل المشاق والعناء؛ فقرأ ومحَّص، ونصح وأخلص، وعلَّم ودرَّس، وابتُلي فصبر، وعُرضت عليه المغريات فما ألان قناته ولا هجر... لا سيما أولئك الأبرار الذين عملوا بالليل والنهار واغتنموا الأوقات والأعمار وتحمَّلوا المشاق والأخطار وفاضت أرواحهم إلى باريها العلي الغفار.

لكل مَن سبق أهدي هذا البحث راجياً من الله القبول وتحصيل المأمول فهو أكرم مسئول.

فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الموضوعالصفحة
المقدمة9
تمهيد دراسة تاريخ الآل والأصحاب أهمية وأهدافاً13
أولاً: تعريف مصطلح (الآل)13
التعريف اللغوي13
التعريف الاصطلاحي14
ثانياً: تعريف مصطلح (الصحابة)14
التعريف اللغوي14
التعريف الشرعي15
ثالثاً: التاريخ في اللغة والاصطلاح16
المفهوم اللغوي16
المفهوم الاصطلاحي17
رابعاً: أهمية دراسة التاريخ17
خامساً: خطورة التلاعب بالتاريخ19
الفصل الأول: تاريخ الفتوحات الإسلامية بين الآل والأصحاب25
الفتوحات في اللغة والاصطلاح27
أهداف الفتوحات في الإسلام28
المشاركة في الفتوحات من صور العلاقة الطيبة بين الآل والأصحاب33
إيضاح وبيان33
الفتوحات الإسلامية في خلافة الصديق رضي الله عنه35

فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
حروب الردة في خلافة الصديق رضي الله عنه كانت البداية35
معركة أجنادين40
الفتوحات الإسلامية في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه53
من استشارات الفاروق عمر لعلي رضي الله عنهما54
من صور استخلاف الفاروق عمر لعلي على المدينة60
فتح بيت المقدس62
الفتوحات الإسلامية في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه66
فتح سبيطلة بأفريقية66
فتوح أفريقية واستشهاد معبد وعبد الرحمن ابني العباس فيها74
فتح طبرستان ونواحيها «جرجان وطميشة»76
الفتوحات الإسلامية في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه86
الفتوحات الإسلامية في خلافة معاوية رضي الله عنه93
حصار القسطنطينية93
فتح سمرقند واستشهاد قثم بن العباس رضي الله عنه99
الفصل الثاني: شبهات حول فتوحات الآل والأصحاب105
مدخل: «بين يدي الفصل»107
تنبيه وبيان112
أولاً: شبهة دموية فتوحات الآل والأصحاب وإكراهها الناس على اعتناق الإسلام113
الرد على الشبهة118
لماذا هذه الشبهة؟119
لا إكراه في الدين121
تاريخ الغزوات والفتوحات خير شاهد124
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
تاريخ الدعوة الإسلامية شاهد على بطلان هذه الشبهة125
الإسلام دعوة ذاتية يخاطب العقل بالحجة والبرهان128
تشريع الجهاد في الإسلام ينفي هذه الفرية133
آداب الجهاد في الإسلام وأخلاقياته137
1 - تحرير النفس من الأطماع137
2 - رد العدوان يكون بقدر العدوان138
3 - عدم تمني لقاء العدو139
4 - الدعوة إلى الإسلام قبل القتال139
5 - التخلق بأخلاق الإسلام في الحرب142
6 - الجنوح للسلم إذا ما جنح لها الأعداء غير مخادعين145
وماذا بعد الحرب؟146
الحق ما شهدت به الأعداء148
ثانياً: فتوحات الآل والأصحاب بين الدوافع الاقتصادية والمصالح الشخصية151
الرد على الشبهة157
ونبدأ بالرد على الشبهة العامة157
الدوافع الاقتصادية للفتوحات الإسلامية157
نظرة الإسلام إلى المال158
قدم هذه الشبهة بقدم الدعوة160
تعاليم الإسلام تنفي هذه الشبهة164
حال النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه وكبار الفاتحين رضي الله عنهم ينفي هذه الشبهة164
تاريخ الفتوحات شاهد على بطلان هذه الشبهة175
وماذا بعد الحق إلا الضلال؟181
الكتاب المقدس وغنائم الحروب184
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
وشهد شاهد من أهله185
ردود جزئية186
ثالثاً: شبهة الجزية، وتعلقها بالشبهتين قبلها، والرد عليها192
الرد على الشبهة193
بداية: رحمة الإسلام بأهل الذمة194
الجزية تشريع قديم195
الجزية مقابل الحماية197
الجزية على من تجب ومقدارها202
على من تجب الجزية؟202
مقدار الجزية203
أصناف تسقط عنهم الجزية204
شهادات غربية منصفة208
تعقيب210
الخاتمة212
المراجع215

بسم الله الرحمن الرحيم

صفحة 8 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

المقدمة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن العلاقة بين آل البيت والصحابة علاقة فريدة تسودها المحبة وتكتنفها الرحمة في كل فصل من فصولها وهذه مسألة واضحة للعيان لا يجادل فيها إلا مَن في قلبه مرض ودخَل، وتبرز معالم تلك العلاقة القوية في الأسماء والمصاهرات بين آل البيت والصحابة، وكذا الثناء المتبادل بينهم، وهي أمور لا تقبل النزاع وواضحة في كتب من ينتمي إلى الإسلام على اختلاف مذاهبهم وتنوع مشاربهم.

وكان كذلك من معالم وملامح العلاقة الطيبة بين الآل والأصحاب الفتوحات الإسلامية التي خاضها آل البيت والصحابة جنباً إلى جنب لإعلاء كلمة الله والدفاع عن دينه وبذل الغالي والنفيس في سبيل تحقيق هذا الهدف العظيم، حتى امتزجت دماؤهم المباركة على ثرى أرض المعارك الإسلامية كل يفدي صاحبه بدمه ونفسه.

فكانت الفتوحات الإسلامية- التي خاضها المسلمون الفاتحون، والتي قامت على أكتاف الخلفاء الراشدين وبسواعد المجاهدين المسلمين من الآل والأصحاب ومَن جاء بعدهم- بحقٍ مفخرة من مفاخر التاريخ ودرة على جبين كل مسلم.

وقد حمل لواءها ثلة كريمة من المسلمين الفاتحين من آل البيت والصحابة ومَن جاء بعدهم والذين جعلهم الله سبباً لإنارة الأكوان بنور الإيمان، فضحوا في سبيل إعلاء هذا الدين العظيم بالغالي والنفيس، وبذلوا المهج وفلذات الكباد وغوالي الأنفس لإعزازه حتى هدى الله به أعيناً عمياً وآذاناً صماً وقلوباً غلفاً.

فكانت مشاركة الآل والأصحاب في الفتوحات الإسلامية من أصدق الدلائل وأوضح المعالم على تلك العلاقة القوية التي كانت بينهم، وإلا فلم كانت هذه النفرة القوية والجماعية التي صدرت من الآل والأصحاب والتي قطعوا فيها الأميال الطوال مثقلين بالأحمال تاركين الأهل والعيال؟ أتراهم دخلوا المعارك وكل منهم يتمنى الموت لصاحبه؟ أهذه أخلاق جيش يُمكَّن له وينتصر في بلاد لم يألفها وسهول لم يعرفها؟ أهذا أمر يُعقل فضلاً عن أن يستقر ويُقبل؟

لقد خرج المسلمون إلى فتوحاتهم بقلوب يملؤها الحب وبأجواء تسيطر عليها المودة والرحمة، حاملين معهم عقيدتهم بدافع إرادة الخير للبشرية جميعاً، عن طريق هدايتهم إلى الإسلام بعد إزالة كافة الحواجز والعوائق والأسوار التي تحول دون تحقيق هذا الهدف العظيم، فكانت النتيجة أن انهالت الشعوب على اعتناق هذا الدين، فكانت نصرتهم في فتوحاتهم رغم قلة عددهم وعُدَّتهم وكذا نجاحهم في إيصال دعوة ربهم إلى العالمين دليلاً على العلاقة الطيبة التي سادت أجواءهم وأُترعت بها قلوبهم؛ لأنه لا يُمكَّن لجيش تسود الأحقاد والضغائن بين أفراده، ولا يمكن أن ينتصر على هذا الحال أبداً، ولو فُرض انتصاره مرة أو اثنتين فلن يكون هذا دأبه وديدنه، فكانت الانتصارات من دلائل طيب العلاقات، فسلامة النهايات فرع عن صحة البدايات.

إلا أن جماعة استولى الحقد عليها وهالها أمر الفتوحات وما آلت إليه من دخول الناس في دين الله أفواجاً لما علموه من تعاليم الإسلام ولما رأوه من أخلاق الفاتحين، فأخذوا ينالون من الفتوحات الإسلامية قدحاً وتشويهاً، وهم جماعة المستشرقين وأذنابهم ومن والاهم ممن ينتمي إلى

الإسلام، فأعدوا العدة، وجهزوا الجيوش من كتب وكتيبات وصحف ومجلات، وكذبوا وافتروا وتنمروا واعتدوا وحاولوا جاهدين وسم الفتوحات الإسلامية بسمة الدموية، وأنها عملت على نشر الإسلام بالقوة وحدِّ السيف، وإرجاع الفتوحات الإسلامية إلى دوافع غير دينية، معللين إياها بدوافع اقتصادية ومصالح شخصية خاصة بالفاتحين وقادتهم. وهذا ما سنتناوله بالعرض والتحليل والنقد والرد في بعض صفحات هذا البحث المتواضع.

ومما ينبغي إيضاحه في هذه المقدمة هو أننا سنعنى هنا بالفتوحات التي شارك فيها الآل والأصحاب ونصَّ المؤرخون على أسمائهم، أي أن معتمدنا ومبلغ اهتمامنا هنا هو نصُّ المؤرخين وأصحاب السير على أسماء من حضر الفتح من آل البيت والصحابة، وإلا فإن الفتوحات كلها شارك فيها

الآل والأصحاب، وهذا من البدهيات، ولكن معتمدنا الفتوحات التي نصَّ فيها المؤرخون على أسماء آحاد آل البيت والصحابة، باعتبارها شاهداً على العلاقة الطيبة التي سادت بينهم، هذا وليس قصدنا استقصاء جميع موارد مشاركة الآل مع الأصحاب في الفتوحات، وكذا كل الشبهات التي لحقت بالفتوحات فهذا أمر دونه خرط القتاد، وإنما تكفينا الدلالة، فرب إشارة أبلغ من عبارة.

هذا وأسأل المولى جل وعلا أن يتقبل هذا العمل المتواضع، وينفع به، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله في ميزان حسنات كاتبه ووالديه مِن قبله وشيخته وكذا إخوانه وأهله.

كما أسأله تبارك وتعالى أن يجزي عني الإخوة في مبرة الآل والأصحاب خير الجزاء، وأن لا يحرمهم الأجر والثواب وأن يحوطهم برضاه، وأن ييسر بالخير أعمالهم وبالطاعات سبيلهم، فهم من كلَّف وأعان، ومن تابع وراجع، ومن يسَّر واستبشر، إنه ولي ذلك ومولاه والقادر عليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

د/أحمد سيد أحمد علي أحمد

تمهيد دراسة تاريخ الآل والأصحاب أهمية وأهدافاً

قبل الخوض في غمار البحث فلا بد من بيان بعض المصطلحات التي تدخل في نطاق بحثنا وذات صلة وثيقة به، بل لا غنى عنها، فهي فيه بمثابة المقدمات التي تسبق النتائج، وهي كالتالي:

أولاً: تعريف مصطلح (الآل)

التعريف اللغوي

قال صاحب مقاييس اللغة ((الهمزة والهاء واللام أصلان متباعدان أحدهما الأهل. وقال الخليل: أهل الرجل زوجه، والتأهل التزوج، وأهل الرجل أخصُّ الناس به، وأهل البيت سكانه، وأهل الإسلام من يدين به))(1) .

وقال ابن منظور: «وآل الرجل أهله، وآل الله وآل رسوله أولياؤه، أصلها ((أهل)) ثم أُبدلت الهاء همزة، فصار في التقدير((أأل))، فلما توالت الهمزتان أبدلوا الثانية ألفاً»(2) .

وعليه فأهل الشيء هم أخصُّ الناس به، كما أن لفظ أهل يدل فى حقيقته على صلةٍ وثيقةٍ بينه وبين ما يضاف إليه.

واشتق من ((أهل)) لفظ الآل وهو لا يضاف إلا فيما فيه شرف غالبًا، فلا يقال: آل الحائك خلافًا لأهل، فيقال: أهل الحائك(3) .

وبيت الرجل داره وشرفه(4) ، وإذا قيل: أهل البيت، في الجاهلية، انصرف إلى سكانه من قريش خاصة، وبعد الإسلام إذا قيل: أهل البيت، فالمراد آل رسول الله صلى الله عليه وسلم(5) .

التعريف الاصطلاحي

اختلف العلماء في تحديد مصطلح ((آل)) النبي صلى الله عليه وسلم على أقوال، أشهرها:

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

القول الأول: هم الذين حرِّمت عليهم الصدقة وهم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس ويلحق بهم بنو هاشم، وبه قال الجمهور(6) .

القول الثاني: هم ذرية النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه خاصة، اختاره ابن العربي(7) وانتصر له، ومن القائلين بهذا القول مَنْ أخرج زوجاته.

القول الثالث: آل النبي صلى الله عليه وسلم هم أتباعه إلى يوم القيامة، واختاره الإمام النووي من الشافعية(8) والمرداوي من الحنابلة(9) .

القول الرابع: هم الأتقياء من أمته.

والراجح- والله أعلم- من هذه الأقوال هو القول الأول، مع إضافة أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فإنهن وإن لم يكنَّ من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم بالأصالة إلا أنهن منه قطعاً بالتبعية.

ويدل عليه ما رواه مسلم بسنده عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيباً بماءٍ يدعى خماً بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر ثم قال: أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغَّب فيه، ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، فقال له حصين: ومن أهل بيته؟ يا زيد أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: وهم؟ قال: هم آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم(10) .

وجاء في الدرر السنية: والصحيح أن آل محمد هم أهل بيته، وهذا هو المنقول عن الشافعي وأحمد... كما أن الصحيح أن أزواجه من آله(11) .

ويدل عليه قول المولى جل وعلا في كتابه مخاطباً أمهات المؤمنين: ﴿وَقَرْنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ ٱلْجَـٰهِلِيَّةِ ٱلْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتِينَ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِعْنَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(12) .

فقد دلت الآية الكريمة صراحة على أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من آله، ولا يمنع هذا من دخول غيرهن في هذا التشريف، بدلالة نصوص أخرى فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا الفهم هو ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم ؛ وعلى وجه الخصوص آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو ما أكده ابن عباس في هذه الآية أنها نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم(13) ، مثلما روى عنه عكرمة، حيث قال: «من شاء باهلته أنها نزلت في نساء النبي صلى الله عليه وسلم(14) » .

وروى القرطبي في تفسيره بسنده عن علقمة قال: كان عكرمة ينادي في السوق ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ ٱللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ ٱلرِّجْسَ أَهْلَ ٱلْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(15) .

قال: نزلت في نساء النبي خاصة(16) .

وقد صرح ابن القيم في كتابه القيم ((جلاء الأفهام))(17) بدخول الأزواج في مسمى ((الآل))؛ لأن اتصالهن بالنبي صلى الله عليه وسلم غير مرتفع، وهن محرمات على غيره صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته، لأنهن زوجاته صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، فالسبب الذي لهن بالنبي صلى الله عليه وسلم قائم مقام النسب، وقد نص النبي صلى الله عليه وسلم على الصلاة عليهن، ولهذا كان القول الصحيح، أن الصدقة تحرم عليهن لأنها أوساخ الناس، وقد صان الله سبحانه ذلك الجناب الرفيع وآله من كل أوساخ بني آدم.

وورد في عمدة القاري بعد أن ذكر نقل ابن بطال الاتفاق على أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لا تحل عليهن الصدقة: ذكره ابن قدامة وقال: وهذا يدل على تحريمها(18) .

ومن ينكر هذا المفهوم فعليه أن يأتي بالدليل الصحيح الذي يناقض كلام الله المحكم في سورة الأحزاب، وأنى له ذلك؟ وإلا فعليه التسليم، ومن ثم الإكرام والتبجيل لهن رضوان الله عليهن.

ثانياً: تعريف مصطلح (الصحابة)

التعريف اللغوي

قال الجوهري في الصحاح: الأصحابُ: جمع صحب، والصحابة بالفتح: الأصحاب، وهي في الأصل مصدرٌ...وقولهم في النداء يا صاحِ، معناه يا صاحبي. ولا يجوز ترخيم المضاف إلا في هذا وحدَه... وأَصْحَبْتُهُ الشيءَ: جعلته له صاحباً... واصطحب القومُ: صَحِبَ بعضهم بعضاً، وأصله اصْتَحَبَ(19) .

وفي مفردات الراغب: أن الصَّاحِبُ: الملازم إنساناً كان أو حيواناً أو مكاناً أو زماناً، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن وهو الأصل و الأكثر أو بالعناية والهمة.... و لا يقال في العرف إلا لمن كثرت

حواشي هذه الصفحة14 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ملازمته، و يقال للمالك للشيء: هو صاحبه، وكذلك لمن يملك التصرف فيه(20) وكل من لازم شيئاً فقد استصحبه(21)

والإصْحَابُ للشيء: الانقياد له، وأصله: أن يصير له صاحباً، ويقال: أَصْحَب فلانٌ، إذا كبر ابنه فصار صاحبه، وأصْحَبَ فلانٌ فلاناً: جعل صاحباً له(22) ، ويقال: صَحَبَكَ الله، وسِرْ مُصَاحَبَاً: أي محفوظاً، وفي القرآن الكريم: ﴿وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾(23) ، أي: يحفظون(24) .

وأصْحَبَ فلاناً: منعه، ومنه في التنزيل: ﴿وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ قال الزجاج: يعني الآلهة لا تمنع نفسها ﴿وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ يجارون(25) .

و من خلال جولتنا مع المعاجم اللغوية سالفة الذكر يتبين لنا أن مدلول الصحابي في اللغة العربية يشمل عدة معان من أهمها:-

– الملازمة والمخالطة والمعاشرة، فكل من لازم شيئاً استصحبه.

– الانقياد والتبعية.

– الحفظ والمنع.

وهذه كلها أمور تفيد شدة المحبة بين الأصحاب وشدة متابعة وملاصقة أحدهما لصاحبه.

التعريف الشرعي

اختلفت أقوال العلماء في تحديد المصطلح الشرعي للفظ ((الصحابي))، ومنشأ هذا الاختلاف هو: ما يجب مراعاته في المعني الاصطلاحي، هل يراعي فيه المعني اللغوي أو المعني العرفي؟

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وخلاصة الأقوال في تعريف الصحابي:

أنه كل مسلم لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم و لو لحظة و مات على الإسلام. -وهو تعريف المحدثين-.

هذا هو الصحيح في حدِّه، وهو مذهب أحمد بن حنبل، و أبي عبد الله البخاري في صحيحه و المحدثين كافة، قاله النووي(26) .

ومال إلى هذا الرأي الحافظ ابن حجر حيث عرَّف الصحابي بقوله: وأصحُّ ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمناً به ومات على ذلك(27) .

مصطلح (( الآل والأصحاب )) :

حين يتكلم العلماء على من كان مع النبي صلى الله عليه وسلم ويطلقون عليهم فقط كلمة ((الصحابة)) فإن هذا لا يعني خروج الآل المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم من هذا الإطلاق، أو فيه، فلا دلالة على خروجهم من الاعتبار في تلقي الأحكام الفقهية والعقدية وغيرها منهم.

لكنهم رحمهم الله إنما قالوا هذا الوصف؛ لأنه الدائرة الأوسع في التشريف، وتتضمن دائرة آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم التي هي أخص بالوصف من بعد نيل شرف الصحبة، فمصطلح ((صحابي)) يشمل كل آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم المؤمنين منهم والذين ينطبق عليهم تعريف الصحابي السابق، ولا عكس، فليس كل من كان مؤمناً من آل البيت كان صحابياً؛ لأن الصحبة -كما مَرَّ- مقيدة برؤية النبي صلى الله عليه وسلم وزمنه.

وعليه: فإطلاق لفظ الصحابة يدخل فيه قطعاً مَن آمن من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وانطبقت عليه شروط الصحبة الواردة في تعريف الصحابي(28) .

ثالثاً: التاريخ في اللغة والاصطلاح

المفهوم اللغوي

من يتتبع مادة التاريخ ومشتقاتها في معاجم اللغة يجد أنها تدور حول معنى الإعلام بالوقت ففي الصحاح: التأريخ تعريف الوقت(29) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المفهوم الاصطلاحي

يعرف السخاوي التاريخ بأنه: التعريف بالوقت الذي تضبط به الأحوال، من مولد الرواة والأئمة ووفاة وصحة، وعقل وبدن، ورحلة وحج، وحفظ وضبط، وتوثيق وتجريح، وما أشبه هذا مما مرجعه الفحص عن أحوالهم في ابتدائهم وحالهم واستقبالهم...- إلى قوله- والحاصل: أنه فن يبحث عن وقائع الزمان من حيثية التعيين والتوقيت(30) .

موضوع علم التاريخ:

وموضوع علم التاريخ: الإنسان والزمان، أي دراسة ماضي البشرية، ومسائله: أحواله المفصلة للجزئيات تحت دائرة الأحوال العارضة الموجودة للإنسان وفى الزمان))(31) .

ومما سبق يتضح لنا: أن التاريخ هو جملة الأحوال والأحداث البشرية التي جرت، وهذه اللفظة تطلق ويراد بها شيئان أو أحدهما: فتارة تستعمل ويراد بها مضمون ومحتوى المادة التاريخية، وتارة أخرى تستعمل ويراد بها طريقة التعامل مع هذه المادة.

رابعاً: أهمية دراسة التاريخ

التاريخ سجل الأمم الصادق وديوانها القائم ومرآتها الناصعة التي تعكس ماضيها وتترجم حاضرها وتستلهم من خلاله مستقبلها، كما أنه مثير نهضة الأمم ومنقذها من كبواتها وعثراتها، وهو ذاكرة الجنس البشري ومستودع تجاربه ومخزن أسراره وخفاياه، وما من أمة إلا وتحرص على تدوين ما وقع لها من حوادث، خيراً كانت أو شراً.

لذا كان من الأهمية بمكان الاهتمام به، والحفاظ عليه، ونقله إلى الأجيال نقلاً صادقاً صحيحاً، بحيث يكون نبراساً وهادياً لهم في حاضرهم ومستقبلهم..

فتاريخ الأمة إن كان يحوي مجداً فهو دافع لمستقبلها للأمام أسوة بالسابقين، وإن كان يجمع بين صفحاته ذلاً وعاراً فهو موضع عظة وعبرة للحاضرين ومحذراً لهم مما وقع فيه الأسلاف البائدون، وفي كلٍ خير.

ولو حاولنا أن نبحث عن أهمية التاريخ في حياة الأمم عموماً فإنه سيبدو أمامنا ما يلي:

1 - التاريخ الموثق يُمكِّن من معرفة حقائق الأحداث والوقائع ومدى صدقها.

2 - التاريخ تُعرف به الأحداث والوقائع وتاريخ وقوعها، وما صاحبها من تغيرات ومجريات.

3 - التاريخ يعين على معرفة حال الأمم والشعوب، من حيث القوة والضعف، والعلم والجهل، والنشاط والركود، ونحو ذلك من صفات الأمم وأحوالها.

4 - التاريخ يبرز القدوات الصالحة التي دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، وتركت صفحات بيضاء ناصعة، لا تُنسى على مر الأيام والسنين.

5 - التاريخ فيه شحذ للهمم، وبعث للروح من جديد، وتنافس في الخير والصلاح والعطاء.

كانت هذه إطلالة على أهمية دراسة التاريخ بصفة عامة عند أي أمة من الأمم أو شعب من الشعوب، ومعلوم أن هذه الأمور تشترك فيها الأمة الإسلامية باعتبارها أمة من الأمم لها تاريخ معتبر.

أما لو حاولنا دراسة أهمية التاريخ عند المسلمين بصفة خاصة فإنه يمكننا إضافة عدة أمور تضاف إلى ما سبق. وهذا مورد حديثنا في المقصد التالي:

خامساً: أهمية دراسة التاريخ الإسلامي:

إن التاريخ الإسلامي كنز من كنوز البشرية، والتي لا قوام لها إلا به، فهو في مجمله تاريخ حافل بالقيم والمبادئ والفضائل التي حملت نور

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الهداية للعالم أجمع، فأخرجته من الظلمات إلى النور، ومن عصبية الجاهلية إلى تسامح الإسلام.

ويتميز تاريخ الأمة الإسلامية بمميزات كثيرة: ((فالتاريخ الإسلامي هو تاريخ عقيدة ونظام حياة شامل.. وهو الوثيقة الصحيحة على نجاح الإسلام كمنهج حياة صالح لكل زمان ومكان، والتاريخ الإسلامي هو تاريخ تطبيق الشريعة الإسلامية التطبيق الواقعي، وهو تاريخ الأمم والشعوب التي كانت تعيش بالإسلام وعلى الإسلام، وكل انحراف عن الطريق السوي أصاب هذا التاريخ كان نتيجة للانحراف عن تلك الشريعة الربانية))(32) .

وتتضح أهمية دراسة تاريخنا الإسلامي من خلال عدة أمور بيانها فيما يلي:

التاريخ الإسلامي له دور كبير في ميدان حشد الطاقات الأمة الإسلامية.

فتراثنا الإسلامي تراث مؤثر في تدعيم وحدة أمتنا وإيقاظها من سباتها، ودحر الطائفية المقيتة والعصبية البغيضة عنها؛ ذلك لأن هذا التاريخ إنما هو تراث كل عناصر هذه الأمة وفئاتها وطوائفها، بصرف النظر عن الأصول العرقية البعيدة والمتنوعة، إنه تاريخ صنعته سواعد الصحابة والتابعين، إنه تاريخ شارك في صنعه المسلمون جميعاً، فبجانب العربي نجد بلال الحبشي وسلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وهذا الأمر الذي يمثل حاجة ملحة في ميدان حشد طاقات هذه الأمة كي تنجز المهام الحقيقية التي طرحها ويطرحها التاريخ.

التاريخ الإسلامي له أثر كبير في رؤية مستقبل الأمة الإسلامية وتحديد درجة نضج شخصيتها، وبلوغها الرشد في عملية البعث والنهضة.

فالأمة الراشدة هي التي تستمد أصول بقائها وعوامل تقدُّمها ونهضتها من العناصر الجوهرية في عصر نهضتها طالما هي عناصر مختارة من الصفحات المشرقة لهذا التراث، والتي تمثل القيم المتقدمة في المجتمع الذي أبدعت فيه، ويكون بذلك سلاحاً في يدها للنهوض ودفع عجلة التطور إلى الأمام.

فمعرفة الماضي هي وحدها تطوِّع لنا تصوير المستقبل، وتوجِّه جهودنا إلى الغاية الجديرة بتراثنا العظيم، فالماضي والحاضر والمستقبل وحدة لا سبيل إلى انفصامها، ومعرفة الماضي هي وسيلتنا لتشخيص الحاضر ولمعرفة المستقبل(33) .

وليس معنى ذلك أن نعود بحياتنا وفكرنا إلى العصور التي أُنتج فيها هذا التراث، بقيمها، وحضارتها، ونظمها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والآفاق التي وقف عندها عقل أسلافنا الذين أنتجوا هذا التراث..

كذلك ليس مطلوباً منا أن نعود بهذا الماضي، ولا العودة بالماضي هدف من الأهداف؛ لأننا نتحدث عن التراث الذي يدفع التطور إلى الأمام في الاتجاه الذي يخدم قضية حرية الإنسان ورفائه.. أما العودة إلى الماضي، أو العودة بالماضي -وهما هدف واحد - فهي آمال الذين لا يؤمنون بالتطور والتقدم، ويريدون الانتكاس بمنجزات الإنسان على هذه الأرض، ويرون في الجوانب المتخلفة في التراث إحدى الوسائل التي يرجون بواسطتها الوصول إلى هدفهم هذا المستحيل(34) .

التاريخ الإسلامي يعين على معرفة تاريخ الرواة، من جهة وقت الطلب واللقاء، والرحلة في طلب العلم، والاختلاط والتغير، وسنة الوفاة، وحال الراوي من جهة الصدق والعدالة. التاريخ يعين على معرفة المتعاصرين من الناس، ويسهم في تحديد الصواب من الخطأ حال تشابه الأسماء والاشتراك فيها. التاريخ الإسلامي له أهمية في معرفة الناسخ والمنسوخ، إذ عن طريقه، ومن خلاله يُعلم الخبر المتقدم من المتأخر. دراسة التاريخ الإسلامي تعمل على بعث الثقة في نفوس المسلمين ووجدانهم.

وهذه الثقة مستمدة من عراقة الأمة وإنجازاتها السابقة، وهو زاد روحي يساعد على تأهيل الجيل الحالي والأجيال المستقبلة؛ لأن تكون الامتداد المتطور والمجيد لما صنعه هؤلاء الأسلاف العظام.

فكيف بعد هذا يكون الإسلام دعوة إلى التخلف والجمود، إن التخلف أو الجمود الذي تحياه الأمة في بعض جوانبها - وبصفة مؤقتة - يرجع بصفة أساسية إلى هيمنة الغرب على ثقافتنا وتقاليدنا، لقد أخذ الغربيون منا قيمنا أو بعضها وحاربونا بها حرب إبادة ودمار.

إن المسلمين إذا أرادوا مجداً ونجاحاً في دنياهم وعزاً وفلاحاً في أُخراهم، فعليهم أولاً أن يفهموا دينهم بفهم أسلافهم السابقين الذين بذلوا الغالي والنفيس في سبيل هذا الدين وحملوا رايته إلى كل العالمين، ولن يتسنى لهم ذلك كله إلا إذا عرفوا تاريخهم ودرسوا تراثهم.

ونظراً لأهمية التاريخ في حياة الأمم، فقد لجأ أعداء هذه الأمة - فيما لجؤوا إليه- إلى تاريخ هذه الأمة، لتفريق جمعها، وتشتيت أمرها، وتهوين شأنها، فأدخلوا فيه ما أفسد كثيراً من الحقائق، وقلب كثيراً من الوقائع، وأقاموا تاريخاً يوافق أغراضهم، ويخدم مآربهم، ويحقق ما يصبون إليه.

سادساً: من أهداف دراسة التاريخ الإسلامي:

التاريخ الإسلامي هو تاريخ عقيدة ونظام حياة شامل لها سماتها وخصائصها التطبيقية للإسلام، وهو الوثيقة الصحيحة على نجاح الإسلام كمنهج حياة صالح لكل زمان ومكان، والتاريخ الإسلامي هو تاريخ تطبيق الشريعة الإسلامية التطبيق الواقعي، وهو تاريخ الأمم والشعوب التي كانت تعيش بالإسلام وعلى الإسلام، وكل انحراف عن الطريق السوي أصاب هذا التاريخ كان نتيجة للانحراف عن تلك الشريعة الربانية(35) .

وبالتالي فدراسة تاريخنا الإسلامي ليست مجرد سرد لحكايات بائدة عن أمم غابرة، أو لون من ألوان التلهي والسمر وضياع الأوقات واستفراغ الطاقات، بل إن دراسة التاريخ بأحداثه وقسماته، بمحنه وإحنه، ومنحه ومننه، يراد منها تحقيق أهداف عظيمة لها فوائد جمة، وآثار كريمة مباركة في حياة المسلمين(36) ولعل من هذه الأهداف:

معرفة حقائق الأحداث والوقائع ومدى صدقها. إبراز الوجه المشرِق لأمتنا الإسلامية، تلك الأمة التي قدر لها أن تكون خير أمة أخرجت للناس كما قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ﴾(37) فالباحث الأمين يجد في تراث هذه الأمة كل مقومات الحياة سواء في إطارها العقائدي أو السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي. تساهم دراسة التاريخ الإسلامي في وقاية الأمة من أمراض الانفصام بين النظرية والتطبيق. معرفة أخطاء السابقين، والحذر من المزالق التي تمَّ الوقوع فيها عبر التاريخ، أخذاً بالهدي النبوي فيما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا يلدغ المؤمن من جحرٍ واحدٍ مرتين))(38) . حُسن قيادة الحاضر وإدارة المستقبل. المساعدة والإعانة على فهم تسلسل الأحداث التاريخية والربط بين فصولها.

تهدف دراسة التاريخ الإسلامي-ضمن ما تهدف -إلى تحديد البداية لتصور مجريات الأمور ولفهم وقوع الحوادث وتسلسلها التاريخي؛ وذلك لأن النظر في بدايات الوقائع معين مهم لمعرفة وإدراك خواتيمها، وثمرة من الثمرات الأساسية حتى لا يعيش القارئ في حالة من الغموض والإبهام الذي لا يستطيع معه أن يفهم كيفية وقوع أو نشأة الحوادث.

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

خامساً: خطورة التلاعب بالتاريخ

إن من أكبر وأعظم أهداف التاريخ بعامة، والإسلامي منه بخاصة ((الاستفادة من تجارب الماضي في التخطيط لسياسة الحاضر)) وذلك لأن المستقبل إنما هو نتاج تفعيل الحاضر مع الماضي(39) .

ودراسة التاريخ تعمل على حُسن قيادة الحاضر وإدارة المستقبل، وهناك مقولة شاعت على الألسنة وتداولها الكُتاب والمفكرون ألا وهي:((التاريخ يعيد نفسه)). ومقولة أخرى راجت نفس رواج الأولى وهي: ((خذوا من التاريخ عبرة)). وهما مقولتان لهما وجاهتهما وقبولهما؛ ذلك أن الأيام تتشابه والحوادث تتكرر، ودراسة التاريخ إذا تمت بشكلها الصحيح وبأسلوب علمي واضح فإنها بلا شك ستؤدي إلى حسن قيادة الحاضر والمستقبل.

ولقد بات واضحاً دور التاريخ الإسلامي وما يمكنه أن يصنع في واقع المسلمين المعاصر، بحيث يمكنهم أن يعودوا لما كانوا عليه من العزة والمجد، هذا إذا درسوا تاريخهم جيداً، وراجعوا فصوله وأحداثه، وأخذوا منه العظة والعبرة، وربطوا جيداً بين السبب والمسبب والحدث والنتيجة.

وهذا ليس حكراً على المسلمين وحدهم، بل إن أي أمة لو درست عوامل تقدُّمها في الماضي وأسباب نهضتها وقوتها، ثم درست عوامل تأخُّرها وكبوتها وربطت بين السبب والمسبب فإنه يمكنها أن تعود لما كانت عليه

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إذا أحسنت أمرها واستحضرت مجدها وطبقت ما كانت عليه بالأمس.

وعليه فتاريخنا الإسلامي يُعد صورة حية للواقع الذي طُبق فيه الإسلام، وبمعرفته نقف على الجوانب المشرقة في تاريخنا فنقتفي أثرها، ونقف أيضاً على الجوانب السلبية فيه فنحاول تجنبها والابتعاد عنها، أي أن فيه استلهاماً للمستقبل على ضوء السنن الربانية الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل ولا تحابي أحداً.

ولقد أدرك أعداء الإسلام جيداً أهمية التاريخ الإسلامي وما يمكنه أن يصنع في واقع المسلمين؛ فحاولوا جهدهم توهين صلة المسلمين به وصرف أنظارهم وهممهم عنه عن طريق التلبيس في بعض حوادثه وإثارة الشبهات حول بعض متعلقاته حتي يسهل لهم تحقيق مرادهم، وهذا ما تولى كِبره المستشرقون وأضرابهم.

فما عرف التاريخ الإنساني عبر مراحله المتباينة أن طوائف من أممٍ مختلفة، تنوعت ثقافاتها ولغاتها وأعرافها التقت كلمتها واتحدت أهدافها حول العكوف على دراسة دينٍ لا تؤمن به لا تريد من ذلك معرفة الحق من الباطل، وإنما تريد العمل دون كللٍ أو مللٍ من أجل تشويه الإسلام وحضارته الإنسانية الرائعة(40) .

ولو حاولنا أن نجمل الأسباب التي دعت المستشرقين وغيرهم للتنقيب في تاريخنا الإسلامي والبحث فيه فسنجد أن منها الآتي:

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الوقوف على مصادر القوة والضعف في تاريخ المسلمين. تجسيم الصراع الذي حدث بين المسلمين عبر تاريخهم وتصويره على أنه هو السمة الغالبة في التاريخ الإسلامي. إبراز الجانب السلبي الاستسلامي الموجود في التاريخ الإسلامي وتصويره على اعتبار أنه الإسلام. إحياء فكر الفرق الضالة التي تنتسب للإسلام واعتبار أنها تمثل التاريخ الإسلامي.

فالمنهج الاستشرا قي في تناوله للتاريخ الإسلامي لا يهتم مطلقاً بذكر الجوانب المضيئة فى الحضارة الإسلامية، وإنما يهتمون اهتماماً بالغاً بالجوانب الضعيفة فى هذه الحضارة ومحاولة إبرازها ونشرها بكل السبل، ويعنون أشد العناية بدراسة حركات الرفض والخروج على الإسلام، ويسلطون عليها الأضواء، وربما خصوها بالمديح والإطراء بالإشارة مرة وبالتصريح مرات أخرى(41) .

وهذا من باب تزوير الحقائق وقلب المفاهيم والتلاعب بالتاريخ ومسلماته؛ لإماتة القيم في نفوس المسلمين، واستحضار الصفحات السوداء في تاريخهم والتي لا يخلو منها تاريخ أمة، تمهيداً لنشر العصبية البغيضة وتأجيج نار العداوة والبغضاء بين المسلمين، ومما ساعدهم على ذلك وجود فئة من المسلمين تلقَّت إفكهم وباطلهم واستساغته، بل

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ودافعت عنه وعملت دون كلل أو ملل على شيوعه وإظهاره، وكانوا بهذا آداةً طيِّعةً في خدمة أهداف المستشرقين وتحقيق مآربهم.

ولم يأل المستشرقون جهداً في تغذية هذا الرافد الهام وإمداد القائمين عليه بكل ما يحتاجون إليه من شبهات وضلالات بعد إقناعهم قطعاً أنها الحقيقة لا غير والصواب لا سواه.

وأسفر هذا التمازج الخطير عن وجود شبهات مشتركة بين المستشرقين والمخدوعين بهم، حول تراثتنا الإسلامي بكل ما يحويه.

بل إن المعادلة هذه قد تنقلب في بعض الأحيان فإذ بنا نجد متلقي الأمس يصبح هو الناشر للشبهة والقائم عليها اليوم، وناشر الأمس متلقي اليوم؛ فيأخذ المستشرقون ممن خُدِع بهم، وهذا أمر في غاية الخطورة، وتكمن خطورته في أن المستشرقين استطاعوا تكوين جيش خاضع لهم من الأذناب والتابعين يمتلك مقدرة على خلق الشبهات والافتراءات والتلاعب بالتاريخ، لدرجة جعلت من موجهي الأمس تلاميذ خاضعين، ونقلة مؤتمنين، أي أن المعادلة اليوم بين المستشرقين وأذنابهم أضحت الأثر والتأثر المشترك.

وهذا يدل دلالة قاطعة على مدى خطورة التلاعب بالتاريخ وعلى مقدار الجناية الناتجة عن هذا الأمر السيئ، بل إنه لو أمعنا النظر جيداً لوجدنا أن خلق جيل من أذناب المستشرقين إنما هو في حد ذاته أثر نتج عن تلاعب المستشرقين بالتاريخ الإسلامي.

وبعبارة أخرى يمكننا القول: إن التلاعب بالتاريخ الإسلامي إنما هو

تلاعب بعقول الأمة وأبنائها ومقدراتها، ومستقبلها كله، فأي أمة تفقد تاريخها وتتنكَّر لماضيها وتراثها فإنها تفقد كذلك ذاتيتها وخاصيتها، حاضرها ومستقبلها، فمن فقد أمسه فقد معه بل قبله- يومه وغده. والشعوب التي لا تاريخ لها لا وجود لها، إذ به قوام الأمم، تحيا بوجوده وتموت بانعدامه.

صفحة 24 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الفصل الأول: تاريخ الفتوحات الإسلامية بين الآل والأصحاب

صفحة 26 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الفتوحات في اللغة والاصطلاح

الفتح في اللغة نقيض الإغلاق(42) :

وفي القاموس المحيط: والفتح: الباب الجاري، والنصرة، كالفتاحة، وافتتاح دار الحرب(43) .

أما في الاصطلاح: فيقصد بالفتح أو الفتوحات الإسلامية: إخضاع الدول الكافرة وإدخالها ضمن ولاية الدولة الإسلامية، كما هو الحال بالنسبة لدولتي فارس والروم في العهد الأول، والأصل في الفتح الإسلامي تأمين طريق الدعوة إلى الإسلام بحيث لا تقف أي عقبة أو سلطة في وجه تبليغ الإسلام، ثم بعد ذلك تبقى لكل حريته إن شاء آمن وإن شاء كفر.

ويذكر أنور الجندي كلاماً طيباً في معنى الفتح أرى نقله هنا لتعم الفائدة، حيث يقول:

إذا جاز لنا أن نستعمل كلمة فتح فإنما يتم ذلك بمفهوم واحد، وهو إزالة القوة التي تقف أمام أمانة عموم الرسالة التي حملها المسلمون عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكانت في تقديرهم مهمة حياتهم يهبون لها أرواحهم ويستشهدون من أجلها، فالفتح هو: كسر الحواجز المادية التي يحاول أن يقيمها الحكام والأباطرة والأمراء أصحاب السلطة في الأقطار التي ينفذ إليها الإسلام، رغبة في تحقيق اللقاء بين الإسلام وبين هذه الشعوب المغلوبة على أمرها(44) .

فالفتح إذن هو: خروج المسلمين للدعوة إلى دين الإسلام، في البلدان المختلفة والأقطار النائية، فإن دخل أهل تلك البلاد في الإسلام فذاك، وإن أبوا عُرض عليهم دفع الجزية، فإن أبوا فالقتال حتى يدخلوا في سلطان المسلمين، ليتمكن المسلمون من دعوتهم إلى الإسلام دون أن يقف في طريقهم أحد، ثم بعد ذلك من شاء منهم أن يدخل في الإسلام فعل، ومن شاء أن يبقى على كفره فعل، ولكن يبقى تحت سلطان المسلمين ويدفع إليهم الجزية، فيعصم دمه وماله.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إذن فالفتوح الإسلامية هي حركة نشر الإسلام عن طريق الدعوة والقدوة، أو عن طريق القتال لمن صدَّ وأبى وأظهر العداوة. ويقصد بها أيضًا افتتاح دار الحرب، والانتصار على محاربيها.

ولا يقتصر مفهوم الفتح على الانتصار العسكري فحسب، بل يتعداه إلى الانتصار في مختلف الميادين العسكرية والأدبية والأخلاقية، والتي سببت مجتمعة دخول الأقوام في البلاد المفتوحة عسكرياً في دين الإسلام بقناعة ورضا، مما سبب انتصار عقيدة التوحيد على الشرك في تلك البلدان(45) .

أهداف الفتوحات في الإسلام

جدير بالذكر أن نقول: إن الفتوحات الإسلامية انطلقت من عالمية الدعوة الإسلامية، والتي جعلت من الإسلام ديناً عاماً عالمياً للناس كافة بيضاً وسوداً عرباً وعجماً إنساً وجناً؛ ولذا فهو مساير لكل العصور ومصلح لكل زمان ومكان. وصدق الله القائل لرسوله في محكم التنزيل: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾(46) ، ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾(47) .

فالأصول العامة التي شرعها الله لعباده في هذا الدين تنبئ عن أنه الدين الخاتم الذي أراده الله أن يكون دين البشرية كلها، فهي أصول ترسي دعائم المجتمع السعيد الذي تتحدد فيه العلاقة بين الإنسان وخالقه، وبين الإنسان ونفسه وبين الإنسان وأخيه الإنسان(48) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعلى ضوء هذه العالمية فإن غاية الفتوحات الإسلامية تكمن في التمكين لدين الله في الأرض، ونشر نوره في كافة أرجاء المعمورة، بهدف إسعاد البشرية وتخليصها من كل شوائب الوثنية، بعد إزالة كافة الحواجز والعوائق والأسوار التي تحول دون تحقيق هذا الهدف العظيم.

فبعد أن تقف الحدود والسدود حائلا بين المسلمين وبين تبليغ دين الله تعالى عندها يكون الجهاد؛ ليخلى بين الناس وبين حرية الاختيار.

ويمكن أن نلخص أهداف الفتوحات الإسلامية في عدة أمور هي كالتالي:

1 - كسر الحواجز الظالمة والمصطنعة التي وضعها المفسدون وغلاة الشر من البشر ليحولوا بين الناس وبين نور الإسلام وهداه.

2 حماية الدعوة من عدوان خصومها، سواء أكانوا من عرب الجزيرة

نفسها، أم من خارجها، كالفرس والروم(49)

3 - تخليص الشعوب من طغاتها الظالمين ومن أوضاعها الدينية والاجتماعية السيئة.

وهذا المعنى أشار إليه أحد جنود المسلمين أمام رستم قائد الفرس في معركة القادسية التي زلزلت بنيانهم وقوَّضت أركانهم.

فقد ذكر ابن كثير في البداية أنه لما تواجه الجيشان- في القادسية- بعث رستم إلى سعد أن يبعث إليه برجل عاقل عالم بما يسأله عنه، فبعث إليه المغيرة بن شعبة رضي الله عنه ، فلما قدم عليه جعل رستم يسأله، وكان من ضمن ما سأله عنه، ما هو دينكم؟ فأجابه المغيرة قائلاً: أما عموده الذي لا يصلح شئ منه إلا به فشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله، فقال: ما أحسن هذا؟! وأي شئٍ أيضاً؟ قال: وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله. قال: وحسن أيضاً، وأي شئ أيضاً؟ قال: والناس بنو آدم ((وحواء))، فهم أخوة لأب وأم، قال: وحسن أيضاً(50) .

ثم بعث إليه سعد بعد ذلك ربعي بن عامر الذي دخل على رستم وحاشيته دخول المعتز بدينه والواثق من نصر ربه، ولما دخل سأله مَن بحضرة رستم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فقالوا له: ((ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سعتها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبِل ذلك قبِلنا منه ورجعنا عنه، ومن أبى قاتلناه أبداً حتى نفضي إلى موعود الله. قالوا: وما موعود الله؟ قال: الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي(51)

فما ذكره الصحابيان الجليلان المغيرة بن شعبة وربعي بن عامر يلخص أهداف الفتوحات الإسلامية والتي سعى المسلمون الفاتحون إلى تحقيقها، (( الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام )).

فما أعظمها من كلمات وما أسماها من معان، وما أجلها من أهداف.

وعليه فالفتوحات الإسلامية لم تقم بقصد الإرهاب والإرجاف وسفك الدماء وترويع الآمنين كما قد يشيع بعض الحاقدين، وإنما قامت لنشر كلمة الله إلى الدنيا كلها، ونشرنور الإسلام ليبدد ظلمات الشرك والوثنية.

دوافع الفتوحات الإسلامية:

إن المقصود من دوافع الفتوحات الإسلامية: تلك المؤثرات والقوى التي تدفع الأفراد أو الدول للتحرك والقيام بالفتوح، وهذه الدوافع تتعدد وتتنوع وتعمل على دفع الأمة وأفرادها للتحرك(52) .

إن الفتوحات التي قامت على أكتاف الخلفاء الراشدين وبسواعد المجاهدين المسلمين من الآل والأصحاب ومَن جاء بعدهم لهي بحقٍ مفخرة من مفاخر التاريخ ودرة على جبين كل مسلم.

وكان الدافع الرئيس لهذه الفتوحات هو: إرادة الخير للبشرية جميعاً، عن طريق هدايتهم إلى الإسلام، ((إنارة الأكوان بنور الإسلام)).

وهذا الأمر جعل من أمة الإسلام مطمعاً لقوى ظالمة استمرأت استعباد البشر وإذلالهم والتحكم في إراداتهم ومواردهم.

فواجهت أمة الإسلام، ولا زالت تواجه، منهم مع مطلع كل شمس غزواًُ منظماً وجيوشاً من الأفكار الهدامة متلاحقة، تريد تطويق بلاد المسلمين وأرضهم وعقيدتهم لا لجرمٍ اقترفوه ولا لإثمٍ اكتسبوه، وإنما لأنهم أرادوا الأخذ بيد البشرية إلى عقيدة خالصة تجعل الخلائق بعيدة عن عبادة المادة والبشر إلى عبادة خالق المادة ورب البشر، عقيدة تحترم الإنسان وعقله، وتهذب أخلاقه وشهواته، وتجعله بعيداً عن الرذائل مقبلاً دائماً وأبداً على الفضائل(53) .

لقد خرج المسلمون إلى فتوحاتهم حاملين معهم عقيدتهم بدافع إرادة الخير، فكانت النتيجة أن انهالت الشعوب على اعتناق هذا الدين، إلا أن جماعة استولى الحقد عليها وهالها أمر الفتوحات وما آلت إليه من دخول الناس في دين الله أفواجاً لما رأوه من أخلاق الفاتحين الجدد، فأخذوا ينالون من الفتوحات الإسلامية قدحاً وتشويهاً، وهم جماعة المستشرقين وأذنابهم ومن والاهم ممن ينتمي إلى الإسلام(54) فأعدوا العدة، وجهزوا الجيوش من كتب وكتيبات وصحف

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومجلات، وكذبوا وافتروا وتنمروا واعتدوا وحاولوا جاهدين وسم الفتوحات الإسلامية بسمة الدموية، وأنها عملت على نشر الإسلام بالقوة وحدِّ السيف، وإرجاع الفتوحات الإسلامية إلى دوافع غير دينية، معللين إياها بدوافع اقتصادية ومصالح شخصية خاصة بالفاتحين وقادتهم. وهذا ما سنتناوله بالعرض والتحليل والنقد في بعض صفحات هذا البحث المتواضع.

معرفة تاريخ الآل والأصحاب مطلب شرعي:

إن معرفة تاريخ الآل والأصحاب ودراسة سيرتهم ومسيرتهم في حمل لواء الإسلام وعلاقتهم ببعضهم أمر لا بد منه للمسلم الحريص على دينه ونصرة أمته، فهم خير جيل وطأ الثرى، وخير من فهم الدين وقام به، فهم مصابيح الهدى وأنوار الدجى، ومشاعل النور التي بددت ظلمات الوثنية، وقوضت أركان الظالمين، وعروش الجبابرة المتألهين.

كما أن دراسة تاريخهم مفصلاً بأدق جوانبه، أمر- بجانب بعده العقدي والشرعي- من شأنه أن يخرس ألسنة الحقد، ويكمِّم أفواه الطعن، ويطفئ جذوة الفتنة ولهيبها، وبخاصة بعد ما يتبين لنا من دراستنا لأدق شئون حياتهم؛ من وحدتهم العقدية، وفهمهم المشترك لقضايا الشرع والدين، وبما يظهر من أواصر المحبة والمودة بينهم بكافة صورها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

فما كان الصحابة رضي الله عنهم في علاقتهم واتصالهم ومحبتهم لبعضهم البعض إلا أنموذجاً فريداً من المودة والرحمة والترابط والتحاب.

المشاركة في الفتوحات من صور العلاقة الطيبة بين الآل والأصحاب

إن العلاقة بين آل البيت والأصحاب علاقة فريدة تسودها المحبة وتكتنفها الرحمة في كل فصل من فصولها وهذه مسألة واضحة للعيان لا يجادل فيها إلا من في قلبه مرض ودخل، وتبرز معالم تلك العلاقة القوية في الأسماء والمصاهرات والثناء المتبادل بين الآل والأصحاب وهذه هي الأخرى مسألة لا تقبل النزاع وواضحة في كتب من ينتمي إلى الإسلام على اختلاف مذاهبهم وتنوع مشاربهم.

ومما يزكي هذه العلاقة ويبين معالمها وملامحها الفتوحات الإسلامية التي خاضها آل البيت والصحابة جنبا إلى جنب لإعلاء كلمة الله والدفاع عن دينه وبذل الغالي والنفيس في سبيل تحقيق هذا الهدف العظيم، حتى امتزجت دماؤهم المباركة على ثرى أرض المعارك الإسلامية كل يفدي صاحبه بدمه ونفسه.

فكانت الفتوحات الإسلامية من أصدق الدلائل وأوضح البراهين على تلك العلاقة القوية التي كانت بين الآل والأصحاب، وفيما يلي عرض لتلك الفتوحات التي شارك فيها آحاد الآل والأصحاب معاً لنشر الإسلام وإيصال نوره إلى العالمين.

إيضاح وبيان

وهنا لابد من بيان شيء له أهميته لتعلقه بالمنهج الذي سيتبع في كتابة هذه الصفحات المتعلقة بتاريخ الفتوحات الإسلامية بين الآل والأصحاب ألا وهو أن الهدف من وراء هذه الصفحات ليس الاستقصاء فهذا أمر يصعب تحقيقه، إلا أننا سنُعنى بالفتوحات التي شارك فيها الآل والأصحاب ونصَّ المؤرخون على أسمائهم، أي أن معتمدنا ومبلغ اهتمامنا هنا هو نصُّ المؤرخين وأصحاب السير على أسماء من حضر الفتح من آل البيت والصحابة، وإلا فإن الفتوحات كلها شارك فيها الآل والأصحاب، ولا يوجد فتح إسلامي في العصر الأول وإلى وفاة آخر صحابي إلا وشارك فيه آل البيت والصحابة، ولكن معتمدنا الفتوحات التي نصَّ فيها المؤرخون على أسماء آحاد آل البيت والصحابة، باعتبارها شاهداً على العلاقة الطيبة التي سادت بينهم، وليس هدفنا أيضا استقصاء هذه الفتوحات التي نصَّ المؤرخون على وجود الآل والأصحاب فيها، وإنما الهدف التدليل على مشاركتهم في الفتوحات مع ذكر أمثلة عليها؛ لأن فيها خير دلالة على مدى المحبة والمودة التي كانت بينهم ومدى الإخلاص الذي تمكَّن من قلوبهم وسار بين جوانحهم وحنايا صدورهم، كما حدث في مشاركة الحسين بن علي للصحابة في فتح أفريقية وغزو طبرستان وجرجان والقسطنطينية.

كما أن البداية الزمنية لمدار بحثنا تبدأ بأول فتحٍ أو معركة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم والنهاية الزمنية ترتبط بوقت وفاة آخر صحابي(55) أو بآخر فتح اشترك

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فيه الآل مع الأصحاب؛ وذلك لأن خطّ الصحبة له وقت زمني محدد لا يتعداه، بخلاف خطّ الآل فهو مستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

الفتوحات الإسلامية في خلافة الصديق رضي الله عنه(56)

تعد البداية الحقيقية للفتوحات الإسلامية من بداية خلافة الصديق أبي بكر رضي الله عنه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، حيث نشطت الفتوحات الإسلامية، وتوالت الانتصارات البكرية في العراق والشام، حيث كانت المعارك الكبيرة ومنها: ذات السلاسل والمذار والولجة وأُلَّيٌس والحيرة وتدمر وبصرى ومرج الصفَّر وأجنادين.

ويسَّر الله تعالى للآل والأصحاب في هذه المعارك وغيرها كسر الحواجز الظالمة والمصطنعة التي وضعها المفسدون من البشر ليحولوا بين الناس وبين نور الإسلام وهُداه، فكانت النتيجة أن تسابق الناس على الدخول في الإسلام بعد ما علموا من تشريعاته وعاينوا من أخلاق أتباعه.

حروب الردة في خلافة الصديق رضي الله عنه كانت البداية

وقبل أن نخوض غمار الفتوحات الإسلامية ونستوضح معالم التضحية والفداء في تراث الآل والأصحاب فإنه يجب علينا أن نتحدث بداية عن حروب الردة التي حدثت في بداية خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه والتي لولاها لتفرقت الأمة شذر مذر، مزقاً متناثرة وأشلاء مبعثرة، فمع أن هذه الحروب لم تكن من الفتوحات إلا أنها أسست لها ولولا موقف الصديق المشرِّف ومن معه من الآل والأصحاب لما خرج المسلمون للفتوحات

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الإسلامية خارج الجزيرة العربية.

فلم يكد نبأ وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ينتشر في بلاد العرب حتى اشتعلت الفتنة في كل أنحاء الجزيرة العربية بأشكال مختلفة، ولأسباب متباينة، وبرزت ظاهرة التنبؤ كإحدى الانعكاسات للنجاح الإسلامي في الحجاز(57) .

فبعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم حدث أن ارتدت بعض قبائل العرب عن الإسلام واتبعت بعض من ادعى النبوة، كما حدث مع قبيلة مذحج وعنس الذين اتبعوا الأسود العنسي، ومع بني حنيفة الذين اتبعوا مسيلمة الكذاب، ومع بني أسد قوم طليحة الأسدي، ومع بني تغلب وبني يربوع الذين اتبع جمع كثير منهم سجاح بنت الحارث، وكذلك جمع غفير من أهل عمان الذين اتبعوا ذا التاج لقيط بن مالك الأزدي.

كما امتنعت بعض القبائل من إخراج الزكاة بحجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وهو الذي كان يتولى جمع وتوزيع الزكاة، وبموته سقطت فريضة الزكاة، ومن تمام رحمة الله وفضله أن قيض للإسلام في هذه الفترة العصيبة رجالاً من نوع فريد، حموا بيضته وصانوا شريعته، وذبوا عن حياضه، وكان منهم الصديق أبو بكر رضي الله عنه ، والذي جرَّد الجيوش لإخضاع المرتدين وكسر شوكتهم، وتولَّى مع الصديق زمام هذا الأمر، بل هذا الواجب العظيم الصحابة الكرام وآل البيت العظام رضي الله عنهم ، الذين بذلوا غوالي الأنفس والمهج للتمكين لدين الله تعالى.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وكان في طليعة المشاركين في حروب الردة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه والذي شارك أبا بكر رضي الله عنه في قتال المرتدين، ولم يضن عليه بنصحٍ ولا مشورةٍ.

لقد كان علي رضي الله تعالى عنه وأرضاه رفيق أبي بكر رضي الله عنه ، والمشير عليه في أمور الخلافة ونوازل الأمة، وكان شديد الحرص على نصح أبي بكر رضي الله عنه وإخلاص النصيحة له في كل أمرٍ من أمور الخلافة.

لقد كان علي رضي الله عنه الناصح الصادق والمستشار الأمين، والقاضي الحكيم يفضّ المشكلات، ويزيح الشبهات، فعندما عزم أبو بكر رضي الله عنه على أن يخرج بنفسه إلى ذي القصة لقتال المرتدين، واستوى على راحلته؛ أخذ علي رضي الله عنه بزمامها وقال: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ أقول لك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد ((لُمّ سيفك، ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة فو الله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبداً، فرجع))(58) .

إن علي بن أبي طالب يدرك قيمة أبي بكر ويعرف حقه ومدى النفع العظيم الذي يلحق المسلمين من وجوده، لذا فحين أراد الصدِّيق أن يقود بنفسه زمام الحروب مع المرتدين أدرك علي أن عليه دوراً يجب أن يقوم به في وقته ولا يتخلف عنه برهة من الزمن؛ فوقف بوازع من المحبة، وبدافع من الواجب، وببصيرة تدرك حجم المخاطر التي تنوء بالمسلمين والتي تكاد أن تعصف بأركان دولتهم وتزلزل بنيانها من الداخل.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وخاطب الصديق قائلاً: ((لمّ سيفك، ولا تفجعنا بنفسك، وارجع إلى المدينة فوالله لئن فجعنا بك لا يكون للإسلام نظام أبدًا، فرجع)).

فانظر معي أخي القارئ الكريم إلى هذه الكلمات الحميمات والعبارات النديات التي خرجت تترى من قلب وفم علي بن أبي طالب سالكة دربها إلى قلب وأذن أبي بكر الصديق، إنها من أصدق الدلائل على عمق المحبة التي صهرت قلوب الآل والأصحاب، فانعدمت في ظلها الأنا، واختفت في حناياها الأثرة، وبرز فيها الإيثار في أروع معانيه، حتى أضحى الواحد منهم يخاطب صاحبه بقوله: ((يا أنا)).

ولم تقتصر مشاركة علي في حروب الردة في خلافة الصديق على حدِّ المشاورة، بل إن علي بن أبي طالب أخذ دوره كفارس مقدام وقائد بارز وكان يقوم مع إخوانه من الصحابة بحراسة أنقاب المدينة(59) والذود عنها في بداية حروب الردة.

روى الطبري في تاريخه قال: حدثني السرى قال حدثنا شعيب عن سيف عن سهل بن يوسف عن القاسم بن محمد قال: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم واجتمعت أسد وغطفان وطيئ على طليحة، إلا ما كان من خواص أقوام في القبائل الثلاث، فاجتمعت أسد بسميراء، وفزارة ومن يليهم من غطفان بجنوب طيبة، وطيئ على حدود أرضهم، واجتمعت ثعلبة بن سعد ومن يليهم من مرة وعبس بالإبرق من الربذة، وتأشب إليهم ناس من بنى كنانة فلم تحملهم البلاد فافترقوا فرقتين، فأقامت فرقة منهم بالإبرق وسارت الأخرى إلى ذي القصة، وأمدَّهم طليحة بحبال، فكان حبال على أهل

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ذي القصة من بنى أسد ومن تأشب من ليث والديل ومدلج، وكان على مرة بالإبرق عوف بن فلان بن سنان، وعلى ثعلبة وعبس الحارث بن فلان أحد بنى سبيع، وقد بعثوا وفوداً فقدموا المدينة فنزلوا على وجوه الناس فأنزلوهم، ما خلا عباسا، فتحملوا بهم على أبى بكر على أن يقيموا الصلاة وعلى أن لا يؤتوا الزكاة، فعزم الله لأبي بكر على الحق، وقال: لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه، وكان عقل الصدقة على أهل الصدقة مع الصدقة، فردهم فرجع وفد من يلي المدينة من المرتدة إليهم، فأخبروا عشائرهم بقلة من أهل المدينة وأطمعوهم فيها، وجعل أبو بكر بعدما أخرج الوفد على أنقاب المدينة نفراً علياً والزبير وطلحة وعبد الله بن مسعود وأخذ أهل المدينة بحضور المسجد وقال لهم: إن الأرض كافرة وقد رأى وفدهم منكم قلة وإنكم لا تدرون أليلاً تؤتَون أم نهاراً وأدناهم منكم على بريد(60) وقد كان القوم يأملون أن نقبل منهم ونواعدهم وقد أبينا عليهم ونبذنا إليهم عهدهم، فاستعدوا وأعدوا فما لبثوا إلا ثلاثاً حتى طرقوا المدينة غارة مع الليل وخلفوا بعضهم بذى حسي ليكونوا لهم ردءا فوافوا الغوار ليلاً الأنقاب وعليها المقاتلة ودونهم أقوام يدرجون فنبهوهم وأرسلوا إلى أبى بكر بالخبر فأرسل إليهم أبو بكر أن الزموا أماكنكم ففعلوا، وخرج في أهل المسجد على النواضح(61)

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إليهم، فانفش العدو، فأتبعهم المسلمون على إبلهم حتى بلغوا ذا حسي فخرج عليهم الردء بأنحاء(62) قد نفخوها وجعلوا فيها الحبال ثم دهدهوها بأرجلهم في وجوه الإبل فتدهده كل نحى في طوله فنفرت إبل المسلمين وهم عليها ولا تنفر من شئ نفارها من الأنحاء فعاجت بهم ما يملكونها حتى دخلت بهم المدينة فلم يصرع مسلم ولم يصب(63)

فانظر رحمك الله إلى علي بن أبي طالب وهو يأخذ دوره في صفوف المجاهدين في خلافة الصديق ويقوم بحراسة أنقاب المدينة مع إخوانه من الصحابة وتحديداً مع الزبير وطلحة وابن مسعود، ويشاركهم ويشاركونه في حماية المدينة حتى لا يخلص إليها المرتدون.

معركة أجنادين(64)

وهي إحدى معارك الشام التي خاضها المسلمون لدحر الروم، وكانت في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقبل وفاته بقليل. وبُشر بها أبو بكر رضي الله عنه وهو بآخر رمق(65) ، وتعد معركة أجنادين أولى المعارك الكبيرة التي انتصر فيها المسلمون.

روى ابن عساكر بسنده: قال الوليد أخبرني سعيد بن عبد العزيز وابن

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

جابر أن أول وقعة كانت بين المسلمين وبين الروم بأجنادين نصر الله المسلمين، قال ابن جابر فهي إحدى ملاحم الروم التي أبيروا فيها(66)

وبلغ تعداد الجيش المسلم الذي شارك فيها قرابة عشرين ألف مجاهد ضد جيش الروم والذي كان تعداده قرابة مائة ألف مقاتل والذي كان يقوده أخو الإمبراطور، وكانت أحداث هذه المعركة في جمادى الأولى سنة 13 هـ(67) .

وفي الاستيعاب أن الأمراء بأجنادين كانوا أربعة وهم: عمرو بن العاص وأبو عبيدة ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة كل على جنده، وقد قيل: إن عمرا بن العاص كان عليهم جميعاً يومئذ(68) .

وهو ما رجَّحه غير واحد ٍ، فكانت القيادة العامة للجيش الإسلامي لعمرو بن العاص، وعلى الميمنة معاذ بن جبل، وعلى الميسرة سعيد بن جذيم، وعلى جناح الميمنة يزيد بن أبي سفيان، وعلى جناح الميسرة شرحبيل بن حسنة(69) .

وضمت هذه المعركة أسماء جمع

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كبير من كبار الصحابة وأعلامهم، ومنهم قطعاً آل البيت، وفيما يلي إلقاء مزيد من الضوء على أحداث تلك المعركة ومن شارك فيها من آل البيت والصحابة.

ذكر ابن الأثير قصة معركة أجنادين وما دار فيها ومن مات بها من الصحابة فقال:

ذكر وقعة أجنادين، قد ذكرها أبو جعفر عقيب وقعة اليرموك، وروي خبرها عن ابن إسحاق من اجتماع الأمراء ومسير خالد بن الوليد من العراق إلى الشام نحو ما تقدَّم، وقال: فسار خالد من مرج راهط إلى بصرى، وعليها أبو عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة، ويزيد بن أبي سفيان، فصالحهم أهلها على الجزية، فكانت أول مدينة فتحت بالشام في خلافة أبي بكر، ثم ساروا جميعاً إلى فلسطين مدداً لعمرو بن العاص، وهو مقيم بالعربات واجتمعت الروم بأجنادين، وعليهم تذارق أخو هرقل لأبويه، وقيل: كان على الروم القبقلار، وأجنادين بين الرملة وبيت جبرين من أرض فلسطين، وسار عمرو بن العاص حين سمع بالمسلمين فلقيهم، ونزلوا بأجنادين وعسكروا عليهم، فبعث القبقلار عربياً إلى المسلمين يأتيه بخبرهم؛ فدخل فيهم وأقام يوماً وليلة، ثم عاد إليه فقال: ما وراءك؟ فقال: بالليل رهبان، وبالنهار فرسان، ولو سرق

ابن ملكهم قطعوه، ولو زنى رُجِم لإقامة الحق فيهم. فقال: إن كنت صدقتني لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها. والتقوا يوم السبت لليلتين بقيتا من جمادي الأولى سنة ثلاث عشرة فظهر المسلمون وهزم المشركون وقتل القبقلار وتذارق، واستشهد رجال من المسلمين، منهم سلمة بن هشام بن المغيرة، وهبار بن الأسود، ونعيم بن عبد الله النحام، وهشام بن العاص بن وائل، وقيل: بل قتل باليرموك، وجماعة غيرهم. قال: ثم جمع هرقل للمسلمين فالتقوا باليرموك، وجاءهم خبر وفاة أبي بكر وهم مصافون وولاية أبي عبيدة، وكانت هذه الوقعة في رجب هذه سياقة الخبر. وكان فيمن قتل ضرار بن الخطاب الفهري، وله صحبة، وعمرو بن سعيد ابن العاص، وهو من مهاجرة الحبشة، وقيل: قتل باليرموك، وممن قتل الفضل بن العباس وقيل: قتل بمرج الصفر، وقيل: مات في طاعون عمواس، وفيها قتل طليب بن عمير بن وهب القرشي، وقيل: قتل، باليرموك شهد بدراً، وهو من المهاجرين الأولين، وفيها قتل عبد الله بن أبي جهم القرشي العدوي، وكان إسلامه يوم الفتح، وفيها قتل عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بعد أن قتل جمعاً من الروم في المعركة، وكان عمره يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم نحو ثلاثين سنة. وفيها قتل عبد الله بن الطفيل الدوسي، وهو الملقب بذي النور، وكان من فضلاء الصحابة قديم الإسلام. هاجر إلى الحبشة(70)

ويذكر ابن كثير معركة أجنادين في حوادث سنة 13 هـ ويقول:

وفيها كانت وقعة أجنادين في قول ابن إسحاق يوم السبت لثلاث من جمادى الأولى منها. وكذا عند الواقدي فيما بين الرملة وبين جسرين على الروم القيقلان وأمير المسلمين عمرو بن العاص، وهو في عشرين ألفاً في قول، فقتل القيقلان وانهزمت الروم، وقتل منهم خلق كثير(71) .

ويقول البلاذري: ثم كانت وقعة أجنادين وشهدها من الروم زهاء مئة ألف سرب هرقل أكثرهم، وتجمع باقوهم من النواحي، وهرقل يومئذ مقيم بحمص، فقاتلهم المسلمون قتالاً شديداً، وأبلى خالد بن الوليد يومئذ بلاءً حسناً، ثم إن الله هزم أعداءه ومزقهم كل ممزق، وقتل منهم خلق كثير، واستشهد يومئذ عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم وعمرو بن سعيد بن العاص بن أمية، وأخوه أبان بن سعيد، وذلك الثبت، ويقال بل توفى أبان في سنة تسع وعشرين. وطليب بن عمير بن وهب بن عبد بن قصي، بارزه علج فضربه ضربة أبانت يده اليمنى فسقط سيفه مع كفه، ثم غشيه الروم فقتلوه، وأمه أروى بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يكنى أبا عدى، وسلمة بن هشام بن المغيرة، ويقال: إنه قتل بمرج الصفر، وعكرمة بن أبي جهل ابن هشام المخزومي، وهبار بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي، ويقال: بل قتل يوم مؤتة، ونعيم بن عبد الله النحام العدوى، ويقال: قتل يوم اليرموك، وهشام بن العاص بن وائل السهمي، ويقال: قتل يوم اليرموك، وعمر بن الطفيل بن عمرو الدوسي، ويقال: قتل يوم اليرموك، وجندب بن عمرو الدوسي، وسعيد بن الحارث. والحارث بن الحارث، والحجاج بن الحارث بن قيس بن عدي السهمي.... قالوا: ولما انتهى خبر هذه الوقعة إلى هرقل نخب قلبه وسقط في يده وملئ رعباً، فهرب من حمص إلى أنطاكية، وقد ذكر بعضهم أن هربه من حمص إلى أنطاكية كان عند قدوم المسلمين الشام، وكانت وقعة أجنادين يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى، سنة ثلاث عشرة، ويقال: لليلتين خلتا من

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

جمادى الآخرة، ويقال: لليلتين بقيتا منه(72)

روى ابن عساكر بسنده إلى ابن إسحاق قال: وكانت أجنادين في سنة ثلاث عشرة لليلتين بقيتا من جمادى الأولى، وقتل يومئذ من المرسلين(73) ممن ينتمي(74) لنا من قريش أربعة عشر رجلاً ولم يسم لنا من الأنصار أحد أصيب بها.

وروى أيضا بسنده عن محمد بن عايذ القرشي نا الوليد عن سعيد وابن جابر قالا: ثم كانت أجنادين بعد وقعة مرج الصُّفَّر، قال سعيد: التقوا على النهر عند الطاحونة، فقتلت الروم يومئذ حتى جرى النهر وطحنت طاحونتها بدمائهم، فأنزل الله على المسلمين نصره، وقتلت يومئذ أم حكيم أربعة من الروم بعمود فسطاطها.

وروى أيضاً بسنده عن عطية بن قيس عن أبي العوام مؤذِّن بيت المقدس قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص يحدِّث في بيت المقدس يقول: شهدنا أجنادين ونحن يومئذ عشرون ألفاً وعلى الناس يومئذ عمرو بن العاص، فهزمهم الله تعالى وتفرقوا، ففاءت فئة إلى فِحل(75) في خلافة عمر بن الخطاب، فسار إليهم عمرو ابن العاص في الناس حتى نفاهم عن فِحل(76) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأورد الذهبي في تاريخه قصة هذه المعركة أيضاً ومن استشهد بها فقال:

في ((أحداث سنة ثلاث عشرة)) قال إسحاق: لما قفل أبو بكر عن الحج بعث عمرو ابن العاص قبل فلسطين، ويزيد بن أبي سفيان وأبا عبيدة بن الجراح وشرحبيل بن حسنة، وأمرهم أن يسلكوا على البلقاء. وروى جرير قال: قالوا لما وجه أبو بكر الجنود إلى الشام أول سنة ثلاث عشرة، فأول لواء عقده لواء خالد بن سعيد بن العاص، ثم عزله قبل أن يسير خالد، وقيل: بل عزله بعد أشهر من مسيره، وكتب إلى خالد فسار إلى الشام، فأغار على غسان بمرج راهط، ثم سار فنزل على قناة بصرى، وقدم أبو عبيدة وصاحباه فصالحوا أهل بصرى، فكانت أول ما فتح من مدائن الشام، وصالح خالد في وجهه ذلك أهل تدمر. قال ابن إسحاق: ثم ساروا جميعاً قبل فلسطين، فالتقوا بأجنادين بين الرملة، وبين جبرين، والأمراء كل على جنده، وقيل: إن عمراً كان عليهم جميعاً، وعلى الروم القبقلار فقتل، وانهزم المشركون يوم السبت لثلاث من جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة. فاستشهد نعيم بن عبد الله بن النحام، وهشام بن العاص، والفضل بن العباس ، وأبان بن سعيد.

وقال الواقدي: الثبت عندنا أن أجنادين كانت في جمادى الأولى، وبُشِّر بها أبو بكر وهو بآخر رمق. وقال ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عروة قال: قتل من المسلمين يوم أجنادين عمرو، وأبان، وخالد بنو سعيد بن العاص بن أمية، والطفيل بن عمرو، وعبد الله بن عمرو الدوسيان، وضرار بن الأزور، وعكرمة بن أبي جهل بن هشام، وسلمة بن هشام بن المغيرة عم عكرمة، وهبار بن سفيان المخزومي، ونعيم بن النحام، وصخر بن نصر العدويان، وهشام بن العاص السهمي، وتميم، وسعيد ابنا الحارث بن قيس. وقال محمد بن سعد: قتل يومئذ طليب بن عمير، وأمه أروى هي عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن أبي الحويرث قال: برز يوم أجنادين بطريق فبرز إليه عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم ، فقتله عبد الله، ثم برز بطريق آخر فقتله عبد الله بعد محاربة طويلة، فعزم عليه عمرو بن العاص أن لا يبارز، فقال: والله ما أجدني أصبر، فلما اختلطت السيوف وجد مقتولا ً.

قال الواقدي: عاش ثلاثين سنة، ولا نعلمه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم . وقيل: إنه كان ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين. وقال ابن جرير: قتل يوم أجنادين: الحارث بن أوس بن عتيك، وعثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري. كذا قال ابن جرير(77) .

وقد أورد ابن كثير في البداية أسماء بعض من استشهد في هذه المعركة فقال:

واستشهد من المسلمين أيضا جماعة منهم هشام بن العاص والفضل بن العباس وأبان بن سعيد وأخواه خالد وعمرو، ونعيم بن عبد الله بن النحام، والطفيل بن عمرو بن عبد الله بن عمرو الذوسيان، وضرار بن الأزور، وعكرمة بن أبي جهل، وعمه سلمة بن هشام، وهبار بن سفيان، وصخر بن نصر، وتميم وسعيد ابنا الحارث بن قيس رضي الله عنهم وقال محمد بن سعد قتل يومئذ طليب بن عمرو وأمه أروى بنت عبد المطلب عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وممن قتل يومئذ عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب وكان عمره يومئذ ثلاثين سنة فيما ذكره الواقدي قال: ولم يكن له رواية وكان ممن صبر يوم حنين. قال

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ابن جرير وقتل يومئذ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة والحارث بن أوس بن عتيك رضي الله عنهم(78)

وواضح مما سبق أن الذهبي وابن كثير قد عدَّا الفضل بن العباس فيمن استشهد يوم أجنادين مع عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب وإخوانهما من الصحابة الكرام.

ونزيد الأمر وضوحاً عن مشاركة عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب في هذه المعركة الكبيرة، حيث ذكره عدد من المؤرخين ضمن من استشهد بها.

قال ابن عساكر: عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي القرشي الهاشمي له صحبة ولا أعرف له رواية استشهد بأجنادين... كان ممن ثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين واستشهد بأجنادين، لا بقية له(79) .

وفي الاستيعاب: عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي وأمه عاتكة ابنة أبى وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، لا عقب له، وقتل يوم أجنادين في خلافة أبى بكر شهيداً، ووجد عنده عصبة من

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الروم قد قتلهم ثم أثخنته الجراح فمات، ذكر الواقدي قال: حدثني هشام بن عمارة عن أبي الحويرث قال: أول قتيل قتل من الروم يوم أجنادين برز بطريق معلم يدعو إلى البراز، فبرز إليه عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، فاختلفا ضربات، ثم قتله عبد الله بن الزبير، ولم يتعرض لسلبه، ثم برز آخر يدعوه إلى البراز، فبرز إليه عبد الله بن الزبير فتشاولا(80) بالرمحين ساعة ثم صارا إلى السيفين فحمل عليه عبد الله فضربه وهو دارع على عاتقه وهو يقول: خذها وأنا ابن عبد المطلب، فأثبته وقطع سيفه الدرع وأسرع في منكبه، ثم ولّى الرومي منهزماً فعزم عليه عمرو بن العاص لا يبارز وقال عبد الله: إني والله ما أجدني أصبر، فلما اختلطت السيوف وأخذ بعضها بعضا وجد في ربضة من الروم وعشرة حوله قتلى وهو مقتول بينهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول له ابن عمى وحبى ومنهم من يروى أنه كان يقول له ابن أمي لا أحفظ له رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم روت عنه أختاه ضباعة وأم الحكم ابنتا الزبير بن عبد المطلب وكانت سنه يوم توفي النبي صلى الله عليه وسلم نحوا ًمن ثلاثين سنة(81)

وقد روى هذا ابن حجر في الإصابة(82) وابن الأثير في أسد الغابة(83) والصفدي في الوافي بالوفيات(84) .

ولم ينفرد أهل السنة بذكر استشهاد عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب فيمن استشهد يوم أجنادين، بل هناك من أثبت ذلك أيضاً من غير أهل السنة.

فقد أورد ذلك أيضاً صاحب الدرجات الرفيعة فقال: عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب، أمه عاتكة بنت أبي وهب بن عمرو بن عائذ المخزومية، أدرك الاسلام وثبت مع النبي صلى الله عليه وآله فيمن ثبت

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يومئذ، وكان رسول الله يقول له: ابن عمى وحِبى ومنهم من يقول: كان يقول له: ابن أمي، ((وروى)) لما قدم من مكة على النبي صلى الله عليه وسلم ألبسه حلة وأجلسه إلى جانبه، وقال: هو ابن أمي، وكان أبوه يحبني ويبرني ويحسن إلى، وكان أبوه الزبير من أشراف قريش. وقتل عبد الله بن الزبير يوم أجنادين في خلافة أبى بكر شهيداً، ووجد حوله عصبة من الروم قد قتلهم، ثم أثخنه الجراح فمات بها.

وذكر الواقدي أن أول قتيل من الروم يومئذ بطريق معلم برز ودعا إلى الميدان، فبرز إليه عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب فاختلفا ضربات ثم قتله عبد الله ولم يتعرض لسلبه، ثم برز آخر يدعو إلى البراز، فبرز إليه فاقتتلا بالرمحين ساعة، ثم صارا إلى السيفين، فضربه عبد الله على عاتقه وهو يقول: خذها وانا ابن عبد المطلب، فأثبته وقطع سيفه الدرع، فأسرع في منكبه، ثم ولى الرومي منهزماً، فعزم عليه عمرو بن العاص أن لا يتبارز، فقال عبد الله: إني والله ما أجد أنى أصبر، فلما اختلفت السيوف وأخذ بعضها بعضاً وجد في ربضة(85) من الروم عشرة حوله قتلى وهو مقتول بينهم، وكانت سنُّه نحواً من ثلاثين سنة، وقيل: إن سنَّه لما توفى النبي صلى الله عليه وسلم كانت ثلاثين سنة ولم يعقب، والله أعلم(86) .

وفي ذخائر العقبى:

عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أمه عاتكة بنت أبي وهب بن عمرو بن عائذ المخزومية، أدرك الاسلام وأسلم وثبت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين فيمن ثبت يومئذ، ذكره الدارقطني، وقتل يوم أجنادين في خلافة أبى بكر شهيداً، ووجد حوله عصبة من الروم قد قتلهم ثم أثخنه الجراح فمات - ثم ساق خبر الواقدي السابق في كيفية قتله وعزم عمرو عليه بعدم المبارزة-(87) .

وتأمل معي أخي القارئ، إلى ما فعله عمرو بن العاص مع عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب حين عزم عليه عمرو أن لا يبارز، ولك أن تتساءل: ما الذي دعا عمراً إلى أن يفعل هذا أو أن يعزم عليه بعدم العود إلى المبارزة؟

لو كان الرجل يبغض عبد الله لما فعل هذا؟ ولتركه يبارز دون أن يحادثه أو يخاطبه، بل إنه ربما كان يدفعه للموت دفعاً، ولكن الذي حدث غير هذا إنه أشفق عليه وخشي أن يصيبه مكروه نتيجة انسياقه وراء نشوة انتصاراته السابقة، وعبد الله محق في نشوته، لأنه ما خرج إلا لدحر الكافرين وإعلاء راية الإسلام، وإذ به يحقق ما خرج إليه، ومن الطبيعي أن تأخذ منه الحمية لدينه مأخذاً عندها أدرك عمرو الخطر المحيط بعبد الله فعزم عليه ألا يبارز من جديد مخافة أن يناله سوء؛ لأنه له محب وعليه حريص،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وكيف لا يحبه ولا يحرص عليه وبينهما أخوة الإسلام، ثم هو ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وعمرو يعرف له حقه وقرابته ومكانته؟ ولكن عبد الله مع تقديره لعمرو أبى إلا أن يستمر في جهاده ويطيح بسيفه رقاب المشركين.

وذكر بعض المؤرخين أن الفضل بن العباس استشهد هو الآخر في هذه المعركة كما مر معنا فيما ذكره البلاذري وابن الأثير والذهبي وابن كثير، وإن كان بعضهم قد نقل الاختلاف حول استشهاده بأجنادين، لا شهوده لها.

وقد ورد في طبقات خليفة: الفضل بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، أمه أم الفضل لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهزم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر، يكنى أبا عبد الله، ويقال: يكنى أبا محمد، واستشهد بالشام يوم أجنادين في جمادي الآخرة سنة ثلاث عشرة ويقال: استشهد يوم مرج الصُّفَّر في جمادي الأولى سنة ثلاث عشرة(88) .

وقد رجح ابن حجر استشهاده في أجنادين في خلافة الصديق أبي بكر وقال: وقال الواقدي مات في طاعون عمواس وتبعه الزبير وابن أبي حاتم، وقال ابن السكن: قتل يوم أجنادين في خلافة أبي بكر، وقيل: باليرموك، وذكر ابن فتحون أنه وقع في الاستيعاب قتل الفضل يوم اليمامة سنة خمس عشرة وتعقَّبه بأن قال: لا خلاف بين اثنين أن اليمامة كانت أيام أبي بكر سنة إحدى أو اثنتي عشرة، وقال ابن سعد: مات بناحية الأردن في خلافة عمر والأول هو المعتمد وبمقتضاه جزم البخاري فقال: مات في خلافة أبي بكر(89) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وورجَّح ابن عساكر وفاته في طاعون عمواس وقال: لكن الأظهر أنه مات بناحية الأردن في طاعون عمواس، وذلك في خلافة عمر سنة 18 هـ، أي بعد معركة أجنادين بخمس سنوات(90) .

لكنه على الأظهر قد شارك أيضاً في معركة أجنادين وهذا ما ذكره بعض المؤرِّخين.

ذكر الذهبي في سيَره قال الواقدي: فحدثت بهذا الزبير بن سعيد النوفلي، فقال: سمعت شيوخنا يقولون: لما انهزمت الروم يومئذ – أي يوم أجنادين- انطلق الفضل بن عباس في مئة نحواً من ميل، فيجد عبد الله مقتولاً في عشرة من الروم قد قتلهم، فقبروه(91) .

وهذه المشاركة ظاهرة في روايات أخرى نصَّت على أن الفضل بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم خرج مجاهداً بناحية الشام، ومعركة أجنادين كانت بالشام.

وفي الطبقات: قالوا: وكان الفضل بن عباس فيمن غسَّل النبي صلى الله عليه وسلم وتولى دفنه، ثم خرج بعد ذلك إلى الشام مجاهداً، فمات بناحية الأردن في طاعون عَمَواس سنة ثماني عشرة من الهجرة، وذلك في خلافة عمر بن الخطاب(92) .

وواضح هنا أن الروايات السابقة قد جعلت الفضل بن العباس فيمن شارك في معركة أجنادين؛ لأن أجنادين كانت بالشام وكانت من أولى اللقاءات بين الروم والمسلمين، وإن كان هناك من المؤرخين من ذكر أنه توفي في هذه المعركة، وهناك من ذكر أنه وفاته كانت بعدها.

وسواء توفي الفضل في أجنادين أم بعدها، فإن الذي يعنينا هنا أنه شارك هو وابن عمه عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب مع

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إخوانهما من الصحابة في معركة أجنادين، وبالتالي فإنه يدخل ضمناً فيما سبق وذكرناه، من حيث إن مشاركته تدل دلالة صادقة وحقيقية على عمق العلاقة الطيبة بين آل البيت والصحابة.

وانظر معي أخي القارئ المنصف إلى الروايات السابقة التي رواها مؤرخوا أهل السنة وغيرهم حتى تتجلى لك الحقيقة ناصعة لا لبس فيها ولا خفاء، ولا تعصُّب فيها ولا جفاء.

إن هذه المعركة الفاصلة اشترك فيها الآل والأصحاب لنصرة الإسلام وإيصال رسالته إلى العالمين، فكان فيها أبو عبيدة بن الجراح وعمرو بن العاص وخالد بن الوليد وشرحبيل بن حسنة والفضل بن العباس وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب وغيرهم الكثير والكثير.

إن الفضل بن العباس وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بوصفهما من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم قد شاركا في هذه المعركة الكبيرة جنباً إلى جنب مع إخوانهما من الصحابة تاركين موطنهم الذي ألفوه سالكين دروباً مهلكة وصحارى مقفرة، أتراهم جميعاً سلك هذا كله وهم يحملون بين جنوبهم قلوباً مشحونة بالبغض تجاه بعضهم البعض؟

أم ترى الصحابة خرجوا برفقة عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب والفضل بن العباس إلى أجنادين وهم طوال طريقهم يفكر كل منهم في تدبير مهلكة لهما؟ إن الذي حدث غير ذلك.

ولك أن تمعن النظر مرة أخرى في صنيع عمرو بن العاص مع عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب حين عزم عليه عمرو أن لا يبارز، والرواية أوردتها

مصادر أهل السنة والإمامية على السواء، إن عمرو بن العاص تحرك بدافع من الأخوة وبوازع من المحبة، ولو كانت المسألة مسألة بغض وعداء بين الآل والأصحاب كما يزعم الزاعمون فلربما دفع عمرو بن العاص عبد الله بن الزبير إلى الموت دفعاً، هذا إن لم يقتله بنفسه في زحام المعركة وبين صليل سيوفها وتعالي غبارها، ولكن الذي حدث غير هذا، إنه عزم عليه ألا يبارز وفي العزم تمسك واستماتة في تحقيق ما يعزم عليه العازم.

أهذه أخلاق المتباغضين وخصال المتخاصمين بالله خبروني يا أولي الألباب؟

ثم ألا يمكننا أن نأخذ مغزى من جهاد عبد الله بن الزبير والفضل بن العباس في جيش تحت قيادة عمرو بن العاص؟ ألا توجد فيها دلالة على أن الأمور بينهم ما داخلها بغض وما تخلّلها عداء؟

ثم تأمل معي إلى أسماء الصحابة الذين استُشهدوا على ثرى أرض أجنادين إن فيهم: أبان بن سعيد وأخواه خالد وعمرو، ونعيم بن عبد الله بن النحام، والطفيل بن عمرو بن عبد الله بن عمرو الذوسيان، وضرار بن الأزور، وعكرمة بن أبي جهل، وعمه سلمة بن هشام، وهبار بن سفيان، وصخر بن نصر، وتميم وسعيد ابنا الحارث بن قيس رضي الله عنهم .

بل واستشهد في يوم أجنادين أيضاً طليب بن عمير، وأمه أروى بنت عبد المطلب هي عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ألا تدلك مشاركة هذه الأسماء على اللحمة التي كانت بين الصحابة، وعلى الهدف العظيم الذي سعوا لأجله، من غير أن تعكر صفوه عداوة مصطنعة أو بغض زائف تجاه بعضهم بعضاً، وبخاصة آل البيت والصحابة.

ومن هنا نعلم أن العلاقة بين آل البيت والصحابة كانت علاقة الإخوة المتحابين، علاقة تسودها المحبة وتكتنفها الرحمة، وكيف لا يكون ذلك كذلك وهم صنيعة المصطفى صلى الله عليه وسلم .

الفتوحات الإسلامية في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه

كانت خلافة الفاروق عمر رضي الله عنه خلافة خير وبركة وعطاء للمسلمين، فقد كثر فيها الخير، وأُقيم فيها العدل، وقُتلت فيها الفتنة، وكثرت فيها الفتوحات الإسلامية التي كانت تعد إيذاناً بعصرٍ جديدٍ للإسلام، حيث اتسعت في خلافة الفاروق رقعة الدولة الإسلامية، و فيها دحر الله الفرس وأزال ملكهم وقوَّض أركان دولتهم؛ حيث كسرهم المسلمون في معقلهم، وخسر الروم أكبر حامياتهم.

وكان من أشهر الفتوحات والمواقع في خلافة الفاروق عمر:

فتح دمشق– وقعة النمارق- وقعة الجسر– وقعة البويب– وقعة القادسية– وقعة حمص الأولى– وقعة قنسرين– وقعة قيسارية– فتح بيت المقدس– فتح المدائن– وقعة جلولاء– فتح حلوان– فتح تكريت والموصل... فتح الأهواز ومنازر– فتح تستر– غزو بلاد فارس– فتح مصر– فتح الري– غزوة الأكراد(93) .

وقطعاً كان لآل البيت دور كبير مع إخوانهم من الصحابة في هذه الفتوحات، ويكفينا أن نعلم أن علي بن أبي طالب وهو من أعلام آل البيت كان مستشار الفاروق المؤتمن وناصحه المحب، حيث كان عمر يستشيره في أموره كلها ما دقَّ منها وما عظم، وبخاصة في الأمور

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحربية والمتعلقة بالفتوحات الإسلامية، وهذه الاستشارة جعلت علياً في موضع القيادة مع الفاروق وجعلت له نصيباً غير منقوص ومشاركة تامة في الفتوحات التي كانت في خلافة الفاروق، فهو في موضع القيادة وتحمُّل المسئولية والجيش لا بد له من مسيَّر ومتابع، وناصح ومستشار وقائد.

وعليه فإنه يمكننا أن نعتبر استشارات عمر لعلي في شأن الفتوحات من قبيل مشاركة آل البيت في الفتوحات الإسلامية في الخلافة العُمرية، وكذا استخلاف عمر لعلي مرات عديدة على المدينة يقوم بأمرها ويدير شئونها.

هذا مع علمنا أن آل البيت قطعاً شاركوا إخوانهم من الصحابة في الفتوحات الإسلامية في خلافة عمر الفاروق، إلا أن معتمدنا هو نصَّ المؤرخ كما سبق وبينا، وعذراً أننا صرنا في عصرٍ نبرهن فيه على البدهيات، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

من استشارات الفاروق عمر لعلي رضي الله عنهما

بين أيدينا الآن نماذج لاستشارات الفاروق عمر لعلي بن أبي طالب في الفتوحات التي تمت في عهده، ومنها ما يلي:

- استشارة عمر لعلي في المسير إلى العراق بعد أن استخلفه على المدينة:

فقد خرج عمر إلى ماء صرار فعسكر فيه: وذلك قبيل القادسية، وكان

الفرس قد حشدوا للمسلمين، فجمع عمر الناس فاستشارهم فكلهم أشار عليه بالمسير، وكان علي بن أبي طالب ممن استشارهم عمر بن الخطاب.

فقد ورد في الكامل: لما اجتمع الناس إلى عمر خرج من المدينة حتى نزل على ماء يدعى صراراً، فعسكر به ولا يدري الناس ما يريد أيسير أم يقيم، وكانوا إذا أرادوا أن يسألوه عن شيء رموه بعثمان أو بعبد الرحمن بن عوف، فإن لم يقدر هذان على علم شيء مما يريد ثلثوا بالعباس بن عبد المطلب، فسأله عثمان عن سبب حركته، فأحضر الناس فأعلمهم الخبر واستشارهم في المسير إلى العراق، فقال العامة: سر وسر بنا معك، فدخل معهم في رأيهم وقال: اغدوا واستعدوا فإني سائر إلا أن يجيء رأي هو أمثل من هذا، ثم جمع وجوه أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وأرسل إلى علي، وكان استخلفه على المدينة، فأتاه وإلى طلحة، وكان على المقدمة، فرجع إليه، وإلى الزبير وعبد الرحمن، وكانا على المجنبتين، فحضرا، ثم استشارهم فاجتمعوا على أن يبعث رجلاً من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، ويرميه بالجنود، فإن كان الذي يشتهي فهو الفتح وإلا أعاد رجلاً وبعث آخر ففي ذلك غيظ العدو.

فجمع عمر الناس وقال لهم: إني كنت عزمت على المسير حتى صرفني ذوو الرأي منكم، وقد رأيت أن أقيم وأبعث رجلاً فأشيروا علي برجلٍ....(94) .

- استشارة الفاروق عمر لعلي حين أراد تقسيم سواد الكوفة وأخذه برأي علي:

فقد ورد في تاريخ اليعقوبي: وشاور عمر أصحاب

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رسول الله في سواد الكوفة، فقال له بعضهم: تقسمها بيننا، فشاور عليا، فقال: إن قسمتها اليوم لم يكن لمن يجئ بعدنا شئ، ولكن تقرها في أيديهم يعملونها، فتكون لنا ولمن بعدنا. فقال: وفقك الله! هذا الرأي(95)

- استشارة الفاروق لعلي في أن يغزو الروم بنفسه:

ورد في نهج البلاغة: ومن كلام له عليه السلام وقد شاوره عمر بن الخطاب في الخروج إلى غزو الروم بنفسه وقد توكل الله لأهل هذا الدين بإعزاز الحوزة، وستر العورة. والذي نصرهم وهم قليل لا ينتصرون، ومنعهم وهم قليل لا يمتنعون: حي لا يموت إنك متى تسر إلى هذا العدو بنفسك فتلقهم بشخصك فتنكب لا تكن للمسلمين كانفة دون أقصى بلادهم. ليس بعدك مرجع يرجعون إليه. فابعث إليهم رجلاً مجرِّباً، واحفز معه أهل البلاء والنصيحة، فإن أظهر الله فذاك ما تحب، وإن تكن الأخرى كنت ردءا للناس ومثابة للمسلمين(96) .

استشارة الفاروق لعلي في الذهاب إلى قتال الفرس:

فقد ورد في نهج البلاغة: ومن كلام له((وقد استشاره عمر بن الخطاب في الشخوص لقتال الفرس بنفسه)) إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعده وأمده، حتى بلغ ما بلغ وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله. والله منجز وعده وناصر جنده، ومكان القيم بالأمر مكان النظام من الخرز

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يجمعه ويضمه. فإن انقطع النظام تفرق وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبداً، والعرب اليوم وإن كانوا قليلا فهم كثيرون بالاسلام وعزيزون بالاجتماع، فكن قطباً، واستدر الرحى بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها وأقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهم إليك مما بين يديك إن الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا: هذا أصل العرب فإذا قطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشد لكلبهم عليك وطمعهم فيك، فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإن الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأما ما ذكرت من عددهم فإنا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، وإنما كنا نقاتل بالنصر والمعونة(97)

وهذا النص فيه إشارة إلى عزم عمر على الخروج لقتال الفرس بنفسه في نهاوند ونصح الصحابة له ومنهم قطعاً علي بن أبي طالب، وهذا ما أوردته أيضاً مصادر أهل السنة تفصيلاً.

وذلك أن أهل الري وأصبهان وهمذان ونهاوند تعاقدوا وتعاهدوا وقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نبي العرب الذي أقام لها دينها مات وإن ملكهم من بعده ملك يسيراً يعنى أبا بكر ثم هلك، وإن عمر قد طال ملكه ومكثه وتأخر أمره حتى جيش إليكم الجيوش في بلادكم وليس بمنقطع عنكم حجتي(98) تسيروا إليهم في بلادهم فتقتلوهم، فلما بلغ الخبر أهل الكوفة من المسلمين كتبوا إلى عمر، فلما أخذ عمر الصحيفة مشى بها إلى منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو باك

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وجعل ينادى، أين المسلمون أين المهاجرون والأنصار من ههنا من المسلمين؟ فلم يزل ينادى حتى امتلأ عليه المسجد رجالاً، ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فإن الشيطان قد جمع لكم جموعاً كثيرة وأقبل بها عليكم، ألا وإن أهل الري وأصبهان وأهل همذان وأهل نهاوند أمم مختلفة ألوانها وأديانها، ألا وإنهم تعاقدوا وتعاهدوا على أن يسيروا إليكم فيقتلوكم، ألا وإن هذا يوم له ما بعده من الأيام، ألا فأشيروا على برأيكم، فقام طلحة بن عبيد الله فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، يا أمير المؤمنين فقد حنكتك البلايا وعجمتك التجارب وقد ابتليت يا أمير المؤمنين واختبرت فلم ينكشف شئ من عواقب قضاء الله لك إلا عن خيار وأنت يا أمير المؤمنين ميمون النقيبة مبارك الأمر، فمرنا نطع وادعنا نجب واحملنا نركب، فأثنى عمر على طلحة خيراً ثم جلس، فقام عثمان بن عفان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: يا أمير المؤمنين إني أرى أن تكتب إلى أهل الشام فيسيرون إليك من شامهم، وتكتب إلى أهل اليمن فيسيرون من يمنهم، وتسير أنت بمن معك من أهل هذين الحرمين إلى هذين المصرين، فإنك لو فعلت ذلك كنت أنت الأعز والأكبر وإن هذا يوم له ما بعده من الأيام وأثنى عليه عمر فجلس، فقام علي بن أبي طالب فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا أمير المؤمنين فإنك إن تكتب إلى أهل الشام أن يسيروا إليك من شامهم إذا تسير الروم إلى ذراريهم فتسبيهم، وإن تكتب إلى أهل اليمن أن يسيروا إليك من يمنهم إذا تسير الحبشة إلى ذراريهم فتسبيهم، وإن سرت أنت بمن معك من أهل هذين الحرمين إلى هذين المصرين إذا والله انتقضت عليك الأرض من أقطارها وأكنافها وكان والله

يا أمير المؤمنين من تخلف وراءك من العورات والعيالات أهم إليك مما بين يديك من العجم ولا لله يا أمير المؤمنين لو أن العجم نظروا إليك عياناً إذاً لقالوا: هذا عمر هذا إريس العرب وكان والله أشد لحربهم وجرأتهم عليك، وأما ما كرهت من مسير هؤلاء القوم فإن الله أكره لمسيرهم منك وهو أقدر على تغيير ما كره، وأما ما ذكرت من كثرتهم فإنا كنا ما نقاتل مع نبينا بالكثرة ولكنا نقاتل معه بالنصرة من السماء وأنا أرى يا أمير المؤمنين رأياً من تلقاء نفسي رأيي أن تكتب إلى أهل البصرة فيفترقوا على ثلاث فرق: فرقة تقيم في أهل عهودهم بأن لا ينتقضوا عليهم، وفرقة تقيم من ورائهم في ذراريهم، وفرقة تسير إلى إخوانهم بالكوفة مدداً لهم، فطبق عمر ثم أهل مكبراً يقول الله أكبر الله أكبر هذا رأى هذا رأى كنت أحب أن أتابع صدق ابن أبي طالب، لو خرجت بنفسي لنقضت على الأرض من أقطارها، ولو أن العجم نظروا إلى عيانا ما زالوا عن العرص حتى يقتلوني أو أقتلهم، أشر عليَّ يا علي بن أبي طالب برجل أوليه هذا الأمر، قال: مالي ولهم هم أهل العراق وفدوا عليك ورأوك ورأيتهم وتوسمتهم وأنت أعلمنا بهم، قال عمر: إن شاء الله لأولين الراية غداً رجلاً يكون لأول أسنة يلقاها وهو النعمان بن مقرن المزني، ثم دعا عمر السائب بن الأقرع الكندي فقال: يا سائب أنت حفيظ على الغنائم بأن تقاسمها، فإن الله أغنم هذا الجيش شيئاً فلا تمنعوا أحداً حقاً هو له ثكلتك أمك يا سائب، وإن هذا الجيش هلك فاذهب عنى في عرض

الأرض فلا أنظر إليك بواحدة فإنك تجيئني بذكر هذا الجيش كلما رأيتك(99)

استشارة عمر لعلي في الذهاب إلى بيت المقدس لما طلب منه ذلك أبو عبيدة لعقد الصلح:

فقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق بسنده عن عدي بن سهيل قال: لما استمد أهل الشام عمر على أهل فلسطين استخلف علياً وخرج ممداً لهم فقال له علي: أين تخرج بنفسك؟ إنك تريد عدوا كلباً فقال: إني أبادر بجهاد العدو موت العباس إنكم لو قد فقدتم العباس لانتقض بكم الشر كما ينتقض الحبل فمات العباس لست سنين خلت من إمارة عثمان فانتقض والله بالناس الشر(100) .

من صور استخلاف الفاروق عمر لعلي على المدينة

كما ثبت استخلاف الفاروق عمر لعلي بن أبي طالب على المدينة في مواضع عديدة لعل من أهمها:

استخلاف عمر لعلي حين خرج إلى ماء صرار

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد ذكرنا ذلك آنفا(101) استخلاف عمر لعلي عند نزوله بالجابية(102)

وقد مرَّ ذلك معنا(103) حين دعاه أبو عبيدة لفتح بيت المقدس وعقد صلحها.

وقد خرج عمر إلى الشام أربع مرات وقد عدَّها الطبري في تاريخه حيث قال: وجميع ما خرج عمر إلى الشأم أربع مرات، فأما الأولى فعلى فرس، وأما الثانية فعلى بعير، وأما الثالثة فقصر عنها أن الطاعون مستعر، وأما الرابعة فدخلها على حمار فاستخلف عليها وخرج(104) .

استخلاف عمر لعلي حين خرج إلى الشام الخرجة الأخيرة(105) . استخلاف عمر لعلي حين حجَّ عمر بأزواج النبي صلى الله عليه وسلم :

وكان علي رضي الله عنه طيلة حياة عمر مستشاراً ناصحاً لعمر، محباً له خائفاً عليه، وكان عمر يحب علياً، وكانت بينهما مودة ومحبة وثقة متبادلة، وهي بدهية من البدهيات ومسلَّمة من المسلمات.

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فتح بيت المقدس

كان من الفتوحات الهامة التي حدثت في خلافة الفاروق عمر فتح بيت المقدس، حيث حاصر المسلمون تحت قيادة أبي عبيدة بيت المقدس وضيَّقوا على أهلها حتى أجابوا إلى الصلح بشرط أن يُقدم عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فأرسل أبو عبيدة إلى عمر يخبره الخبر، واستشار عمر الصحابة فأشار علي بن أبي طالب عليه بالمسير، ورأى عثمان بن عفان غير ذلك، فأخذ عمر برأي علي وولَّاه على المدينة وسار إلى الشام وعلى مقدمته العباس بن عبد المطلب، ثم صالح النصارى، واشترط عليهم شروطاً ذكرها المؤرخون في معرض حديثهم عن فتح بيت المقدس.

وما يخصنا هنا في بحثنا هو أن هذا الفتح العظيم في خلافة الفاروق قد شارك فيه علي بن أبي طالب بالرأي والمشورة أولاً حين شاوره في المضي لبيت المقدس فأشار عليه علي بالمضي، ثم ببقائه في المدينة حين استخلفه عليها عمر يتولى أمرها ويدير شئونها.

كما شارك العباس بن عبد الله المطلب في فتح بيت المقدس حيث كان على مقدمة الجيش الذي ذهب مع عمر لعقد صلح بيت المقدس وفتحها.

وقد ذكر ابن عساكر في تاريخه مصاحبة العباس بن عبد المطلب للفاروق عمر في الخروج إلى الشام، وأورد ذلك في ترجمته للعباس حيث قال:

العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف..عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: إنه أسلم قبل الهجرة وكتم إسلامه إلى أن أُسر ببدر فأظهر إسلامه، روى عن النبي صلى

الله عليه وسلم وقدم الشام مع عمر بن الخطاب(106)

وزاد ابن عساكر في شأن مصاحبة العباس لعمر وملازمته له في خروجه إلى الشام إلى أن تمَّ له ما أراد حيث روى بإسناده عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: لما دنا عمر من الشام وأخذ طريق أيلة تنحَّى معه غلامه فلما أراد الركوب عمد إلى مركب غلامه وأن عليه لفرواً مقلوباً، فركب وحوَّل غلامه على رحل نفسه وهو على جملٍ أحمر، وعمر يومئذ متزر بإزار ومرتد بعمامة على حقبيه تحته فرو، وأن العباس لبين يديه على عتيق(107) يتقذى به وكان رجلاً جميلاً، فجعلت البطارقة يسلمون عليه، ويشير أني لست به وأنه ذاك فيسلمون عليه ويرجعون معه حتى انتهى إلى أيلة والجابية وتوافى إليه بها المسلمون وأهل الذمة.

قال: ونا سيف عن أبي عثمان وأبي حارثة والربيع بإسنادهم قالوا: وركب عمر من الجابية يريد الأردن بعدما قضى ما أراد وقد توافي إليه الناس ووقف له المسلمون وأهل الذمة، فخرج عليهم على حمار وأمامه العباس على فرس، فلما رآه أهل الكتاب سجدوا له، فقال: لا تسجدوا للبشر واسجدوا لله، ومضى في مسيره، وقال القسيسون والرهبان: ما رأينا أحداً قط أشبه بما يوصف من الحواريين من هذا الرجل، ثم دخل الأردن على بعيره(108) .

فما أورده ابن عساكر فيه خير دلالة على مشاركة آل البيت للصحابة في

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الفتوحات في خلافة الفاروق، كما ظهر من مصاحبة العباس للفاروق في فتح إيلياء وكتابة الصلح بين المسلمين وأهلها، وهذا فتح عظيم لا شك.

وقد لخص ابن كثير ما ذكر في فتح بيت المقدس وذكر دور كل من علي والعباس مع الفاروق عمر، وقال:

فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب، ذكره أبو جعفر بن جرير في هذه السنة عن رواية سيف بن عمر وملخص ما ذكره هو وغيره أن أبا عبيدة لما فرغ من دمشق كتب إلى أهل إيليا يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، أو يبذلون الجزية أو يؤذنوا بحرب. فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه. فركب إليهم في جنوده واستخلف على دمشق سعيد بن زيد، ثم حاصر بيت المقدس وضيق عليهم حتى أجابوا إلى الصلح بشرط أن يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فكتب إليه أبو عبيدة بذلك، فاستشار عمر الناس في ذلك، فأشار عثمان بن عفان بأن لا يركب إليهم ليكون أحقر لهم وأرغم لأنوفهم. وأشار علي بن أبي طالب بالمسير إليهم ليكون أخف وطأة على المسلمين في حصارهم بينهم، فهوى ما قال علي ولم يهو ما قال عثمان. وسار بالجيوش نحوهم واستخلف على المدينة علي بن أبي طالب وسار العباس بن عبد المطلب على مقدمته، فلما وصل إلى الشام تلقاه أبو عبيدة ورؤوس الأمراء، كخالد بن الوليد، ويزيد بن أبي سفيان، فترجَّل أبو عبيدة وترجَّل عمر، فأشار أبو عبيدة ليقبَّل يد عمر فهمَّ عمر بتقبيل رجل أبي عبيدة، فكفَّ أبو عبيدة فكفَّ عمر، ثم سار حتى صالح نصارى بيت المقدس واشترط عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث، ثم دخلها، إذ دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء(109) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وروي الطبري رواية تؤكد خروج العباس مع عمر لفتح بيت المقدس: حيث روى قائلاً: كتب إلي السري عن شعيب عن سيف عن عطية وهلال عن رافع بن عمر قال: سمعت العباس بالجابية يقول لعمر: أربع من عمل بهن استوجب العدل الأمانة في المال والتسوية في القسم والوفاء بالعدة والخروج من العيوب نظف نفسك وأهلك(110) .

وتوالت بعد ذلك الفتوحات العُمَرية فتحاً تلو آخر، وبالقطع كانت هناك مشاركات للآل مع الأصحاب فيها ولم أحظ بنصٍ للمؤرخين على أسمائهم مجتمعة ولعل ذلك سببه أنها مسألة بدهية لا تحتاج إلى تدليل، وأن همة المؤرخين لم تكن منصبَّة ومركوزة على استقصاء الأسماء، لكن ما سبق فيه خير دليل على مشاركة الآل مع الأصحاب في الفتوحات الإسلامية التي تمت في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الفتوحات الإسلامية في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه

لعلنا لا نغالي إذا قلنا: إن خلافة ذي النورين عثمان رضي الله عنه كانت خلافة الخير والرزق والبركة، ففيها عمَّت البركة أرجاء خلافته رضي الله عنه وتناقل الركبان أخبار رحمته، واتسعت رقعة الإسلام في عهده، وكان من أشهر الفتوحات في خلافته: فتح أرمينية، وفتح طرابلس والشام، وفتح جزيرة قبرص، وغزو إفريقية، ومعركة ذات الصوراي، وفيما يلي بيان فتوحات عثمان التي شارك فيها الآل والأصحاب رضي الله عنهم .

فتح سبيطلة بأفريقية

كان من الفتوحات التي شارك فيها الآل مع الأصحاب فتح سبيطلة من أفريقية في سنة سبع وعشرين للهجرة، حيث ذكر المؤرخون بعض أعلام آل البيت والصحابة في جملة من شارك في هذا الفتح، وفيما يلي إيضاح ذلك:

ذكر الحموي في ضبطه لاسم سبيطلة:((سُبَيطِلة)) بضم أوله، وفتح ثانيه، وياء مثناة من تحت، وطاء مكسورة، ولام: مدينة من مدن إفريقية وهي كما يزعمون مدينة جرجير الملك الرومي، وبينها وبين القيروان سبعون ميلاً(111) .

وهذا الفتح العظيم دعت الضرورة إليه، وكان لابد منه للمسلمين، فبعد أن فتح عمرو بن العاص مصر ودخل مدينة الإسكندرية التي كانت عاصمة الحكم آنذاك أرسل حملة لفتح برقة وطرابلس سنة 23 هـ وتم لها هذا الفتح، غير أن طرابلس وبرقة سرعان ما أعلنت انفصالها عن الدولة الإسلامية، كما نقل جرجير حاكم أفريقية قاعدة حكمه إلى داخل

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أفريقية وجعل من مدينة سبيطلة مقراً لها، حينها كان لا بد للمسلمين من أن يفتحوا هذه المدينة ويقهروا الحكم الروماني فيها، وكانت معركة سبيطلة.

وكانت هذه المعركة الكبيرة بقيادة القائد المسلم عبد الله بن سعد بن أبي سرح الذي تولى أمر مصر خلفاً للقائد عمرو بن العاص، عندها استأذن عبد الله بن سعد خليفة المسلمين عثمان بن عفان في فتح سبيطلة، وكان الأمر جد خطير، فاستشار عثمان من معه من كبار الصحابة فأشاروا عليه بفتحها، وأمده بجيش كبير فيه عدد كبير من أعلام آل البيت والصحابة وأهل مكة، وكان منهم: ابن عباس وابن عمر وابن عمرو ابن العاص وابن جعفر والحسن والحسين وابن الزبير، وفيما يلي عرض لوقائع هذه المعركة ومن شارك فيها كما نصَّ عليها المؤرخون.

وعن قصة هذا الفتح العظيم وما دار فيه ومن شارك فيه يقول ابن الأثير:

((ثم دخلت سنة سبع وعشرين)) ذكر ولاية عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر وفتح إفريقية في هذه السنة عزل عمرو بن العاص عن خراج مصر، واستعمل عليه عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وكان أخا عثمان من الرضاعة... وكان عبد الله من جند مصر، وكان قد أمره عثمان بغزو إفريقية سنة خمس وعشرين، وقال له عثمان: إن فتح الله عليك فلك من الفيء خمس الخمس نفلاً، وأمَّر عبد الله بن نافع بن عبد القيس وعبد الله بن نافع بن الحارث على جند وسرحهما إلى الأندلس، وأمرهما بالاجتماع مع عبد الله بن سعد على صاحب إفريقية، ثم يقيم عبد الله في عمله ويسيران إلى عملهما. فخرجوا حتى قطعوا أرض مصر ووطئوا أرض إفريقية، وكانوا في جيش كثير عدتهم عشرة آلاف من شجعان المسلمين، صالحهم أهلها على مال يؤدونه، ولم يقدموا على دخول إفريقية والتوغل فيها لكثرة أهلها. ثم إن عبد الله بن سعد لما ولي أرسل إلى عثمان في غزو إفريقية والاستكثار من الجموع عليها وفتحها، فاستشار عثمان من عنده من الصحابة فأشار أكثرهم بذلك، فجهز إليه العساكر من المدينة وفيهم جماعة من أعيان الصحابة منهم عبد الله بن عباس وغيره فسار بهم عبد الله بن سعد إلى إفريقية، فلما وصلوا إلى برقة لقيهم عقبة بن نافع فيمن معه من المسلمين وكانوا بها وساروا إلى طرابلس الغرب فنهبوا من عندها من الروم، وسار نحو إفريقية، وبثَّ السرايا في كل ناحية، وكان ملكهم اسمه جرجير، وملكه من طرابلس إلى طنجة،

وكان هرقل ملك الروم قد ولَّاه إفريقية فهو يحمل إليه الخراج كل سنة، فلما بلغه خبر المسلمين تجهز وجمع العساكر وأهل البلاد فبلغ عسكره مائة ألف وعشرين ألف فارس، والتقى هو والمسلمون بمكان بينه وبين مدينة سبيطلة يوم وليلة وهذه المدينة كانت ذلك الوقت دار الملك فأقاموا هناك يقتتلون كل يوم، وراسله عبد الله بن سعد يدعوه إلى الإسلام أو الجزية فامتنع منهما وتكبَّر عن قبول أحدهما، وانقطع خبر المسلمين عن عثمان فسيَّر عبد الله بن الزبير في جماعة إليهم ليأتيه بأخبارهم، فسار مجِّداً، ووصل إليهم، وأقام معهم، ولما وصل كثر الصياح والتكبير في المسلمين، فسأل جرجير عن الخبر، فقيل: قد أتاهم عسكر، ففتَّ ذلك في عضده، ورأى عبد الله بن الزبير قتال المسلمين كل يوم من بكرة إلى الظهر فإذا أذن بالظهر عاد كل فريق إلى خيامه...

ثم إن عبد الله بن الزبير قال لعبد الله بن سعد: إن أمرنا يطول مع هؤلاء وهم في أمداد متصلة وبلاد هي لهم ونحن منقطعون عن المسلمين وبلادهم وقد رأيت أن نترك غداً جماعة صالحة من أبطال المسلمين في خيامهم متأهبين ونقاتل نحن والروم في باقي العسكر إلى أن يضجروا ويملوا، فإذا رجعوا إلى خيامهم، ورجع المسلمون ركب من كان في الخيام من المسلمين ولم يشهدوا القتال وهم مستريحون ونقصدهم على غرة فلعل الله ينصرنا عليهم، فأحضر جماعة من أعيان الصحابة واستشارهم فوافقوه على ذلك، فلما كان الغد فعل عبد الله ما اتفقوا عليه، وأقام جميع شجعان المسلمين في خيامهم وخيولهم عندهم مسرجة ومضى الباقون فقاتلوا الروم إلى الظهر قتالاً شديداً، فلما أذن بالظهر هم الروم بالانصراف على العادة فلم يمكنهم ابن الزبير وألحَّ عليهم بالقتال حتى

أتعبهم ثم عاد عنهم هو والمسلمون فكل من الطائفتين ألقى سلاحه ووقع تعبا، فعند ذلك أخذ عبد الله بن الزبير من كان مستريحاً من شجعان المسلمين وقصد الروم فلم يشعروا بهم حتى خالطوهم وحملوا حملة رجلٍ واحدٍ وكبَّروا، فلم يتمكن الروم من لبس سلاحهم حتى غشيهم المسلمون، وقتل جرير؛ قتله ابن الزبير، وانهزم الروم، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وأخذت ابنة الملك جرجير سبية، ونازل عبد الله بن سعد المدينة فحصرها حتى فتحها ورأي فيها من الأموال ما لم يكن في غيرها فكان سهم الفارس ثلاثة آلاف دينار وسهم الراجل ألف دينار، ولما فتح عبد الله مدينة سبيطلة بثَّ جيوشه في البلاد فبلغت قفصة فسبوا وغنموا وسير عسكرا إلى حصن الأجم، وقد احتمى به أهل تلك البلاد فحصره وفتحه بالأمان فصالحه أهل إفريقية على ألفي ألف وخمسمائة ألف دينار، ونفل عبد الله بن الزبير ابنة الملك وأرسله إلى عثمان بالبشارة بفتح إفريقية، وقيل: إن ابنة الملك وقعت لرجل من الأنصار فأركبها بعيراً، وارتجز بها يقول:

يا ابنة جرجير تمشي عقبتكإن عليك بالحجاز ربتك
لتحملن من قباء قربتك(112) ( 112 ) .

وذكر ابن خلدون في تاريخه فتح سبيطلة من أفريقية، وأورد بعض أسماء أعلام آل البيت والصحابة الذين شاركوا في هذا الفتح المبارك ومما أورده في ذلك قوله:

((ولاية عبد الله بن أبي سرح على مصر وفتح إفريقية(( وفي سنة ست وعشرين عزل عثمان عمرو بن العاصي(113) عن خراج مصر واستعمل مكانه عبد الله بن أبي سرح أخاه من الرضاعة، فكتب إلى عثمان يشكو عمرا فاستقدمه واستقل عبد الله بالخراج والحرب وأمره بغزو إفريقية.

ثم إن عبد الله بن أبي سرح كان أمره عثمان بغزو إفريقية سنة خمس وعشرين، وقال له: إن فتح الله عليك فلك خمس الخمس من الغنائم وأمر عقبة بن نافع بن عبد القيس على جند وعبد الله بن نافع بن الحرث على آخر وسرحهما فخرجوا إلى إفريقية في عشرة آلاف وصالحهم أهلها على مال يؤدونه ولم يقدروا على التوغل فيها لكثرة أهلها ثم إن عبد الله بن أبي سرح استأذن عثمان في ذلك واستمده فاستشار عثمان الصحابة، فأشاروا به فجهز العساكر من المدينة، وفيهم جماعة من الصحابة منهم: ابن عباس، وابن عمر، وابن عمرو بن العاص، وابن جعفر، والحسن، والحسين، وابن الزبير وساروا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مع عبد الله بن أبي سرح سنة ست وعشرين ولقيهم عقبة بن نافع فيمن معه من المسلمين ببرقة ثم ساروا إلى طرابلس فنهبوا الروم عندها ثم ساروا إلى إفريقية وبثوا السرايا في كل ناحية وكان ملكهم جرجير يملك ما بين طرابلس وطنجة تحت ولاية هرقل ويحمل إليه الخراج فلما بلغه الخبر جمع مائة وعشرين ألفا من العساكر ولقيهم على يوم وليلة من سبيطلة دار ملكهم، وأقاموا يقتتلون ودعوه إلى الإسلام أو الجزية، فاستكبر ولحقهم عبد الرحمن ابن الزبير مدداً بعثه عثمان لما أبطأت أجنادهم وسمع جرجير بوصول المدد ففتَّ في عضده..... وساق الخبر السابق(114)

ويزيد ياقوت الحموي في معجم البلدان الأمر وضوحاً في شأن من كان حضر معركة سبيطلة من آل البيت والصحابة ويقول:

وأما فتحها- أي أفريقية- فذكر أحمد بن يحيى بن جابر أن عثمان بن عفان رضي الله عنه ولى عبد الله بن سعد بن أبي سرح مصر وأمره بفتح إفريقية، وأمدَّه عثمان بجيش فيه معبد بن العباس بن عبد المطلب، ومروان بن الحكم بن أبي العاص، وأخوه الحارث بن الحكم، وعبيد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير بن العوام، والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وعبد الله وعاصم ابنا عمر بن الخطاب، وبسر بن أبي أرطأة العامري، وأبو ذؤيب الهذلي الشاعر وذلك في سنة 29 وقيل: سنة 28 وقيل: 27 ففتحها عنوة وقتل بطريقها، وكان يملك ما بين أطرابلس إلى طنجة، وغنموا واستاقوا من السبي والمواشي ما قدروا عليه، فصالحهم عظماء

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إفريقية على ثلاثمائة قنطار من الذهب على أن يكف عنهم ويخرج من بلادهم، فقبل ذلك منهم، وقيل: إنه صالحهم على ألف ألف وخمسمائة ألف وعشرين ألف دينار، وهذا يدل على أن القنطار الواحد ثمانية آلاف وأربعمائة دينار...(115)

وأورد اليعقوبي في تاريخه قصة هذا الفتح وما دار فيه قائلاً: وأغزى عثمان الناس إفريقية سنة 27 هـ، وعليهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فلقي جرجيس ودعاه إلى الإسلام، أو أدّ له الجزية، فامتنع، وكان جرجيس في جمع عظيم، ففض الله ذلك الجمع، فطلب جرجيس الصلح، فأبي عليه، وهزموه حتى صار إلى مدينة سبيطلة، والتحمت الحرب حتى قتل جرجيس، وكثرت الغنائم، وبلغت ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وعشرين ألف دينار.... ووجه عبد الله بن سعد بن أبي سرح عبد الله بن الزبير إلى عثمان بالبشارة، فسار عشرين ليلة، حتى قدم المدينة، وأخبر عثمان، فصعد عثمان المنبر، فخبر به الناس(116) .

تعقيب:

ومن مجموع الروايات السابقة بعامة، ورواية ابن خلدون بخاصة، يتضح لنا أن مجموعة من كبار آل البيت والصحابة قد اشتركوا في لحمة واحدة في فتح مدينة سبيطلة من مدن أفريقية، وقد ذكرت الروايات مجموعة من الأسماء الشهيرة من أعلام آل البيت والصحابة، وكان من هذه الأسماء:

الحسن والحسين وابن عباس وابن عمر وابن عمرو بن العاص وابن جعفر وابن الزبير وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وعبد الرحمن بن أبي بكر والمسور بن مخرمة وبسر بن

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أرطأة وغيرهم..

فهؤلاء الصحابة الكرام والآل العظام قد تعانقت قطرات دمائهم المسالة على ثرى أفريقية كما تعانقت أجسادهم وقلوبهم، رجاء هدف واحد وغاية واحدة ألا وهي نشر الإسلام في ربوع الدنا عن طريق تأمين طريق دعوته حتى تصل للعالمين.

ومن أجل هذا الهدف العظيم تركوا الأهل والبلدان وفارقوا الأحباب والخلان وجابوا الفيافي والقفار والوديان والأنهار في بلاد لأ أنيس لهم فيها ولا جليس ولا ناصر ولا معين إلا رب العالمين، ولك أن تتخيل معي أخي القاريء المنصف مدى الأهوال التي لقيها الآل والأصحاب في طريقهم الطويل من المدينة إلى سبيطلة بأفريقية، أترى أنهم جابوا هذا الطريق الطويل واقتحموا الخطوب والدروب وصاحبوا الأهوال والكروب وهو يحملون بين جنوبهم قلوباً يملؤها الغل والحقد والبغضاء والشحناء تجاه بعضهم البعض؟ أهذا أمر يتخيل فضلا عن أن يعقل أو يقبل؟ ثم أتراهم اقتحموا هذه الأهوال العظام وهذا الطريق الموحش الطويل ولم يحدث بينهم كلام ولا سلام، ألم يأكلوا في معي واحد، ويشربوا من إناء واحد ويصلوا صلاة واحدة قد تراصّت فيها أبدانهم، وتآخت فيها قلوبهم، وعلت فيها أصواتهم بالدعاء إلى المولى جل وعلا بالنصرة والتمكين؟ أيمكن في هذا الطريق الطويل أن يجانب عبد الله بن الزبير الحسن والحسين وهو ابن الزبير بن العوام بن خويلد أخو خديجة بنت خويلد أم فاطمة وجدة الحسن والحسين، ثم هو مَن جدته لأبيه؟ إنها صفية بنت عب المطلب عمة النبي صلى الله عليه وسلم وأمه أسماء

ذات النطاقين بنت الصديق أبي بكر؟ أتراهم دخلوا معركة سبيطلة الفاصلة وكل منهم يتمنى الموت لصاحبه؟ أهذه أخلاق جيش يمكَّن له وينتصر في بلاد لم يألفها وسهول لم يعرفها؟ أهذا أمر يعقل؟ أهذا أمر يقبل؟ الإجابة متروكة لك أخي القارئ الكريم.

فتوح أفريقية واستشهاد معبد وعبد الرحمن ابني العباس فيها

وقد توالت فتوحات المسلمين في إفريقية بقيادة القائد المجاهد عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ولم تقتصر مشاركة آل البيت على فتح سبيطلة بل إنهم قد شاركوا في غيرها، وقتل منهم على ثرى أفريقية معبد بن العباس بن عبد المطلب، وعبد الرحمن بن العباس ابن عبد المطلب على اختلاف فيه، وإليك ما ذكره العلماء في هذا الصدد.

ورد في الاستيعاب في ترجمة عبد الرحمن بن العباس بن عبد المطلب:

عبد الرحمن بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقتل بإفريقية شهيداً هو وأخوه معبد بن العباس في زمن عثمان بن عفان مع عبد الله ابن سعد بن أبي سرح هذا قول مصعب وغيره وقال ابن الكلبي قتل عبد الرحمن بن العباس بالشام(117) .

وفي أسد الغابة في ترجمة عبد الرحمن بن العباس بن عبد المطلب:

عبد الرحمن بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخو عبد الله بن عباس ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتل بإفريقية شهيداً هو وأخوه معبد بن العباس مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح قاله مصعب وغيره وقال ابن الكلبي قتل عبد الرحمن بن العباس بالشأم أخرجه أبو عمر(118) .

وفي الاستيعاب أيضا في ترجمة معبد بن العباس بن عبد المطلب:

معبد بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي يكنى أبا العباس، ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحفظ عنه، قتل بإفريقية

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

شهيداً سنة خمس وثلاثين في زمن عثمان، وكان غزاها مع ابن أبي سرح، وأمه أم الفضل لبابة بنت الحارث أخت ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهى أم الفضل(119)

وفي طبقات خليفة ورد في ترجمة عبد الله بن سعد بن سرح: وعبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث بن حبيب بن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك قتل بأفريقية ومعه معبد بن العباس بن عبد المطلب(120) .

وفي الإصابة في ترجمة معبد بن العباس:

معبد بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي أحد الإخوة، قال بن عبد البر: ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه، واستشهد بإفريقية في خلافة عثمان سنة خمس وثلاثين، وقيل: استشهد بها بعد ذلك في خلافة معاوية، وذكر الدارقطني في كتاب الإخوة أن علياً ولَّاه مكة(121) .

وفي البداية والنهاية: معبد بن العباس بن عبد المطلب بن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قتل شاباً بأفريقية من بلاد المغرب(122) .

وورد في الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة في ترجمة معبد بن العباس:

معبد بن العباس بن عبد المطلب أمه أم الفضل أيضاً، ولد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يحفظ عنه شيئاً، وقتل بإفريقيا..(123) .

ومما سبق يتبين لنا استشهاد معبد بن العباس على أرض أفريقية في خلافة عثمان في جيش عبد الله بن أبي السرح، كما ذكر ابن عبد البر وابن كثير وابن حجر، وإن كان ابن حجر ذكر رأياً آخر مفاده أنه توفي في أفريقية ولكن في عهد معاوية، إلا أنه ذكر هذا الرأي بصيغة التمريض وهي «قيل» وهي

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

صيغة لا تفيد جزماً بل إنها مرجوحة بما سبقها، أما بالنسبة لأخيه عبد الرحمن بن العباس فقد اختلف في مشاركته وحكى ابن عبد البر هذا الاختلاف، وجزم ابن حجر باستشهاده في أفريقية، وهذا ما يرجحه الباحث، وسواء أكان مقتله في أفريقية أم في الشام فإن موطن الاستدلال واحد ألا وهو خروجه للمشاركة في الفتوحات مع إخوانه من الصحابة.

وفي هذه المشاركة دلالة على سلامة صدورهم ونقاء سرائرهم، فما أخرجهم إلا هدف عظيم فارقوا من أجله بلادهم وأبناءهم وخرجوا مع إخوان لهم في الدين يجمعهم الحب وتؤلف بينهم المودة والرحمة، فكانت قلوبهم أبعد ما تكون عن البغضاء والشحناء تجاه بعضهم البعض.

وعلى من يريد أن يثبت العكس أن يأتي بالدليل، وأنَّى له ذلك؟

فتح طبرستان ونواحيها «جرجان وطميشة»

كان من الفتوحات التي شارك فيها الآل والأصحاب معا لنصرة الإسلام وامتزجت فيها دماؤهم وآمالهم فتح طبرستان ونواحيها كجرجان وطميسة، وكان هذا الفتح من الفتوحات صعبة المنال؛ نظراً لحصانة تلك البلاد ومنعتها ووعورة مسالكها ودروبها، وبخاصة جرجان وطميسة، فقد فتح المسلمون هذه الناحية من بلاد خراسان مرات عديدة، وفي كل مرة كان ينكث أهلها في عهودهم.

وكان بداية فتحها الأول في خلافة عمر بن الخطاب عندما أرسل إليها سويد بن مقرن ليفتحها – على اختلاف بين العلماء في ذلك الفتح-.

فقد ورد في تاريخ الطبري في أحداث سنة ثلاثين: فمما كان فيها غزوة سعيد بن العاص طبرستان في قول أبي معشر حدثني بذلك أحمد بن ثابت عمن حدثه عن إسحاق بن عيسى عنه، وفي قول الواقدي وقول علي بن محمد المدائني حدثني بذلك عمر بن شبة عنه، وأما سيف بن عمر فإنه ذكر أن إصبهبذها صالح سويد بن مقرن على ألا يغزوها على مال بذله له قد مضى ذكرى الخبر عن ذلك قبل في أيام عمر رضي الله عنه ، وأما علي بن محمد المدائني فإنه قال فيما حدثني به عنه عمر: لم يغزها أحد حتى قام عثمان بن عفان رضي الله عنه فغزاها سعيد بن العاص سنة ثلاثين(124) .

وقال ابن الأثير مشيراً إلى الفتح الأول في خلافة الفاروق عمر: ذكر فتح قومس وجرجان وطبرستان، لما أرسل نعيم- ابن مقرن- إلى عمر بالبشارة وأخماس الري كتب إليه عمر يأمره بإرسال أخيه سويد بن مقرن ومعه هند بن عمرو الجملي وغيره إلى قومس، فسار سويد نحو قومس، فلم يقم له أحد، فأخذها سلماً وعسكر بها، وكاتبه الذين لجأوا إلى طبرستان منهم والذين أخذوا المفاوز(125) ، فأجابهم إلى الصلح والجزية وكتب لهم بذلك، ثم سار سويد إلى جرجان فعكسر بها ببسطام وكتب إلى ملك جرجان، وهو زرنان صول، وكاتبه زرنان صول وصالحه على جرجان على الجزية وكافية حرب جرجان وأن يعينه سويد إن غلب، فأجابه سويد إلى ذلك، وتلقاه زرنان صول قبل دخوله جرجان، فدخل معه وعسكر بها حتى جبى الخراج وسمى فروجها فسدَّها بترك دهستان، ورفع الجزية عمن قام بمنعها وأخذها من الباقين، وقيل: كان فتحها سنة ثماني عشرة، وقيل: سنة ثلاثين زمن عثمان، قيل: وأرسل الأصبهبذ صاحب طبرستان سويداً في الصلح على أن يتوادعا ويجعل له شيئاً على غير نصر ولا معونة على أحد، فقبل ذلك منه وكتب له كتاباً(126) .

وذكر ابن كثير الفتح الأول لجرجان في أحداث سنة اثنتين وعشرين حيث قال: فتح جرجان، لما عسكر سويد

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بقومس بعث إليه أهل بلدان شتى منها جرجان وطبرستان وغيرها يسألونه الصلح على الجزية، فصالح الجميع وكتب لأهل كل بلدة كتاب أمان وصلح. وحكى المدائني أن جرجان فتحت في سنة ثلاثين أيام عثمان. فالله أعلم(127)

وقال الذهبي في تاريخه في أحداث سنة اثنتين وعشرين: وفيها افتتحت جرجان(128) .

ويظهر أن أهل هذه المنطقة نقضوا عهدهم مع سويد فاضطر المسلمون إلى فتحها بعد ذلك في خلافة عثمان، وبعدها أيضاً.

وسنُعنى هنا بالفتح الذي تمَّ في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه ، لأنه الفتح الذي نصَّ المؤرخون فيه على مشاركة الآل مع الأصحاب، وهذا الفتح قد سبقته فتوحات في خلافة عمر بن الخطاب، إلا أن أهل هذه المنطقة كثيراً ما كانوا ينقضون عهودهم ومواثيقهم.

ذكر الحموي في معجمه أمر ذلك الفتح قائلاً: كانت بلاد

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

طبرستان في الحصانة والمنعة على ما هو مشهور من أمرها، وكانت ملوك الفرس يولونها رجلاً ويسمونه الأصبهبذ فإذا عقدوا له عليها لم يعزلوه عنها حتى يموت، فإذا مات أقاموا مكانه ولده، إن كان له ولد، وإلا وجهوا بأصبهبذ آخر، فلم يزالوا على ذلك حتى جاء الإسلام وفتحت المدن المتصلة بطبرستان، وكان صاحب طبرستان يصالح على الشئ اليسير فيُقبل منه لصعوبة المسلك، فلم يزل الأمر على ذلك حتى ولى عثمان بن عفان رضي الله عنه سعيد بن العاص الكوفة سنة 29 وولى عبد الله بن عامر بن كريز بن حبيب ابن عبد شمس البصرة(129)

أما عن وقائع الفتح وما دار فيه فيخبرنا بها الإمام الطبري موضِّحاً من شارك من آل البيت والصحابة في هذا الفتح ويقول:

حدثني عمر بن شبة قال: حدثني علي بن محمد عن علي بن مجاهد عن حبش بن مالك قال: غزا سعيد بن العاص من الكوفة سنة ثلاثين يريد خراسان، ومعه حذيفة بن اليمان وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبد الله بن الزبير وخرج عبد الله بن عامر من البصرة يريد خراسان فسبق سعيدا ونزل أبرشهر، وبلغ نزوله أبرشهر سعيدا، فنزل سعيد قومس وهي صلح صالحهم حذيفة بعد نهاوند، فأتى جرجان فصالحوه على مائتي ألف، ثم أتى طميسة وهي كلها من طبرستان متاخمة جرجان، وهي مدينة على ساحل البحر وهي في تخوم جرجان، فقاتله أهلها حتى صلَّى صلاة الخوف، فقال لحذيفة: كيف صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره، فصلَّى بها سعيد صلاة الخوف وهم

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يقتتلون(130) وضرب يومئذ سعيد رجلاً من المشركين على حبل عاتقه فخرج السيف من تحت مرفقه، وحاصرهم فسألوا الأمان فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلاً واحداً، ففتحوا الحصن فقتلهم جميعاً إلا رجلاً واحداً وحوى ما كان في الحصن(131)

وحدثني عمر بن شبة قال: حدثنا علي بن محمد قال: أخبرني علي بن مجاهد عن حنش بن مالك التغلبي قال: غزا سعيد سنة ثلاثين فأتى جرجان وطبرستان معه عبد الله بن العباس وعبد الله ابن عمر وابن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص فحدثني علج(132) كان يخدمهم قال: كنت آتيهم بالسفرة(133) فإذا أكلوا أمروني فنفضتها وعلقتها فإذا أمسوا أعطوني باقيه.....

وحدثني عمر قال: حدثنا علي بن كليب بن خلف وغيره أن سعيد بن العاص صالح أهل جرجان ثم امتنعوا وكفروا، فلم يأت جرجان بعد سعيد أحد، ومنعوا ذلك الطريق فلم يكن أحد يسلك طريق خراسان من ناحية قومس إلا على وجل وخوف من أهل جرجان، وكان الطريق إلى خراسان من فارس إلى كرمان فأول من صيَّر الطريق من قومس قتيبة بن مسلم حين ولى خراسان(134) .

ويزيد البلاذري الأمر وضوحاً ويذكر أن الحسن والحسين كانا ممن شارك في هذا الفتح، مع أنه لم يذكر ذلك جزماً بل وردت عبارته بصيغة التمريض حيث قال:

ولى عثمان بن عفان رحمه الله سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية الكوفة في سنة تسع وعشرين، فكتب مرزبان طوس إليه وإلى عبد الله بن عامر بن كريز ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وهو على البصرة،

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يدعوهما إلى خراسان، على أن يملكه عليها أيهما غلب وظفر. فخرج ابن عامر يريدها، وخرج سعيد، فسبقه ابن عامر، فغزا سعيد طبرستان، ومعه في غزاته فيما يقال: الحسن والحسين أبناء علي بن أبي طالب عليهم السلام وقيل أيضا: إن سعيدا غزا طبرستان بغير كتاب أتاه من أحد، وقصد إليها من الكوفة، والله أعلم، ففتح سعيد طميسة ونامنة، وهي قرية، وصالح ملك جرجان على مائتي ألف درهم، ويقال: على ثلاث مئة ألف بغلية وافته، فكان يؤديها إلى غزاة المسلمين، وافتتح سعيد سهل طبرستان والرويان ودنباوند، وأعطاه أهل الجبال مالاً، وكان المسلمون يغزون طبرستان ونواحيها فربما أعطوا الإتاوة عفواً وربما أعطوها بعد قتال(135)

ويؤكد ابن كثير مشاركة الحسن والحسين مع العبادلة الأربعة في هذا الفتح ويروي في ذلك بعض الروايات حيث قال في البداية والنهاية في أحداث سنة ثلاثين من الهجرة:

فيها افتتح سعد بن العاص طبرستان في قول الواقدي وأبي معشر والمدائني، وقال: هو أول من غزاها. وزعم سيف أنهم كانوا صالحوا سويد بن مقرن قبل ذلك على أن لا يغزوها، على مال بذله له أصبهبذها فالله أعلم. فذكر المدائني أن سعيد بن العاص ركب في جيش فيه الحسن والحسين، والعبادلة الأربعة، وحذيفة بن اليمان، في خلق من الصحابة ، فسار بهم فمرَّ على بلدان شتى يصالحونه على أموال جزيلة، حتى انتهى إلى بلد معاملة جرجان، فقاتلوه حتى احتاجوا إلى صلاة الخوف، فسأل حذيفة: كيف صلَّى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأخبره فصلى كما أخبره، ثم سأله أهل ذلك الحصن الأمان، فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلاً واحداً ففتحوا الحصن فقتلهم إلا رجلاً واحداً وحوى ما كان في الحصن .... قالوا: ثم نقض أهل جرجان ما كان صالحهم عليه سعيد بن العاص، وامتنعوا عن أداء المال الذي ضربه عليهم - وكان مائة ألف دينار، وقيل: مائتي ألف دينار، وقيل: ثلاثمائة ألف دينار - ثم وجّه إليهم يزيد بن المهلب بعد ذلك(136) .

وفي الكامل لابن الأثير تأكيد على ما سبق ذكره حيث قال:

غزو سعيد بن العاص طبرستان في هذه السنة-سنة ثلاثين- غزا سعيد بن العاص طبرستان، فإنها لم يغزها أحد إلى هذه السنة(137) وقد تقدم في أيام عمر الخلاف في ذلك وأن أصبهبذها صالح سويد بن مقرن أيام عمر على مال بذله، وأما على هذا القول فإن سعيدا

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

غزاها من الكوفة سنة ثلاثين ومعه الحسن والحسين وابن عباس وابن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وحذيفة بن اليمان وابن الزبير وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وخرج ابن عامر من البصرة يريد خراسان فسبق سعيدا ونزل نيسابور ونزل سعيد قومس، وهي صلح صالحهم حذيفة بعد نهاوند، فأتي جرجان فصالحوه على مائتي ألف، ثم أتي طميسة وهي كلها من طبرستان متاخمة جرجان وهي مدينة على ساحل البحر فقاتله أهلها فصلي صلاة الخوف أعلمه حذيفة كيفيتها وهم يقتتلون- ثم ساق ما سبق ذكره-(138)

وذكر الذهبي رواية عن مشاركة الحسن بن علي مع عبد الله بن الزبير في الشخوص إلى خراسان مع سعيد بن العاص حيث قال: قال أبو عبيد الله الحاكم: أجمع مشايخنا على أن نيسابور فتحت صلحاً، وكان فتحها في سنة إحدى وثلاثين. ثم روى بإسناده إلى مصعب بن أبي الزهراء أن كنارى صاحب نيسابور كتب إلى سعيد بن العاص والي الكوفة، وإلى عبد الله بن عامر والي البصرة، يدعوهما إلى خراسان ويخبرهما أن مرو قد قتل أهلها يزدجرد ، فندب سعيد بن العاص الحسن بن علي وعبد الله بن الزبير لها ، فأتى ابن عامر دهقان فقال: ما تجعل لي إن سبقت بك قال: لك خراجك وخراج أهل بيتك إلى يوم القيامة، فأخذ به على قومس، وأسرع إلى أن نزل على نيسابور، فقاتل أهلها سبعة أشهر ثم فتحها، فاستعمله عثمان عليها أيضاً.(139)

فهذه الرواية وإن لم تحو تفاصيل فتح جرجان إلا أنها تنبأ عن مشاركة للحسن مع ابن الزبير بتوجيه من سعيد بن العاص في الشخوص إلى خراسان مروراً بجرجان وطميسة، ومع أن النية والوجهة كانت إلى خراسان إلا أن ابن عامر والي البصرة سبقهم إليها، ولا يفهم من الرواية أن ذلك كان في سنة إحدى وثلاثين، فالذهبي بذكره لهذه الرواية يوضَّح بداية الأمر في الذهاب إلى خراسان، وفتح نيسابور.

وفي تاريخ جرجان: باب ذكر من دخل جرجان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

منهم أبو عبد الله الحسين بن علي رضي الله عنه وعبد الله بن عمر رضي الله عنه وحذيفة بن اليمان رضي الله عنه وسعيد ابن العاص رضي الله عنه وسويد بن مقرن رضي الله عنه وعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه وأبو هريرة رضي الله عنه وعبد الله بن الزبير رضي الله عنه ويقال: الحسن بن علي رضي الله عنه وسواد بن قطبة ويقال: سوادة بن قطبة رضي الله عنه وسماك بن مخرمة رضي الله عنه وهند بن عمرو رضي الله عنه وعتيبة بن نهاس رضي الله عنه وعن جميع الصحابة(140)

تعقيب:

ومن الروايات السابقة يتضح لنا أن فتح طبرستان وجرجان المقصود هنا هو الفتح الذي تمَّ في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه في سنة ثلاثين للهجرة؛ لأنه من الواضح أن هذه المنطقة قد أُعيد فتحها أكثر من مرة؛ نتيجة أن أهلها قد نقضوا الصلح أكثر من مرة فأغزوا مراراً، فقد غزاها سويد بن مقرن في خلافة الفاروق عمر وصالح أهلها، ولعل هذا هو سبب الاختلاف في تأكيد من غزاها وافتتحها.

إلا أن الذي يعنينا هنا هو الفتح الذي كان في خلافة عثمان سنة 30 هـ وتمت فيه مشاركة نفر من آل البيت والصحابة في هذا الفتح(141) رغم مشقة الطريق وعسرته ووعورته والتي ظهرت بادية في جُلِّ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الروايات التي تحدثت عن هذا الفتح، ولا أدل على ذلك من أن هذه البلاد أهلكت كثيراً من جيش مصقلة بن هبيرة والذي ولَّاه معاوية وأرسله ليفتح هذه البلاد مرة أخرى، وأوغل مصقلة بجيشه في مسالكها ودروبها ولما همَّ بالرجوع وتجاوز المضايق والعقاب أخذها عليه وعلى جيشه العدو عند انصرافه للخروج ودهدهوا عليه الحجارة والصخور من الجبال، فهلك أكثر ذلك الجيش، وهلك مصقلة، فضرب الناس به مثلاً فقالوا: لا يكون هذا حتى يرجع مصقلة من طبرستان، فكان المسلمون بعد ذلك إذا غزوا هذه البلاد تحفظوا وتحذروا من التوغل فيها(142)

وهذا ما حدث أيضاً مع محمد بن الأشعث بن قيس الكندي حين ولَّاه عبيد الله بن زياد بن أبي سفيان طبرستان. فصالحهم وعقد لهم عقداً، ثم أمهلوا له حتى دخل، فأخذوا عليه المضايق وقتلوا ابنه أبا بكر وفضخوه(143) ، ثم نجا. فكان المسلمون يغزون ذلك الثغر وهم حذرون من التوغل في أرض العدو(144) .

كما يتضح أيضاً أن مشاركة أعلام آل البيت مع الصحابة في الفتح الذي بين أيدينا بدأت مع بداية الحملة العسكرية بقيادة سعيد بن العاص في فتح طبرستان وما والاها وصولاً إلى جرجان.

واتضح أيضاً أنه كان من الأسماء التي شاركت في فتح كل من طبرستان

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وجرجان، والذي كان في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه والتي ذكرتها الروايات السالفة وغيرها:

الحسن والحسين وعبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر وابن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص وحذيفة بن اليمان وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .

إن هذه الشخصيات الكريمة خرجت لفتح طبرستان ونواحيها من جُرجان وطميسة في خلافة عثمان بن عفان الخليفة الثالث، وفي خروجهم إقرار بخلافته وانصياع لأمره، إنهم خرجوا سالكين طرقاً وعرة ودروباً مهلكة لنصرة الإسلام، مضحِّين بأنفسهم وأرواحهم، أفتراهم خرجوا معاً وقلوبهم مشحونة بالبغض والكراهية لبعضهم البعض، أم أن الإخلاص هو المحرِّك لهم والمحبة صاحبتهم من أول خطوة خطوها كل يفدي صاحبه بنفسه ويقدِّم نحره دون نحره؟ إنهم خرجوا إلى بلاد نائية تاركين أوطانهم التي على ثراها ولدوا وبين جبالها وسهولها نشأوا وتربوا، ما خرجوا إلا لإعلاء كلمة الإسلام ورفع رايته، وكأني بهم والخطر يحدق بهم من كل صوب وحدب، والموت يلاعب أجفانهم في كل خطوة يخطوها وكل بلد يعبروه، وكأني بهم والصحابة يلتفون بالحسن والحسين وابن عباس يحمونهم من أعين الغدر حتى لا يخلص إليهم شر ولا يصيبهم مكروه، وكأني بهم ولسان حالهم يقول: يكفينا فخراً أنكم خرجتم معنا فلا خير فينا إن أصابكم مكروه وفينا عين تطرف أو قلب ينبض، أين هذا البغض وأين هذه الشحناء المفتراة التي يزعم الزاعمون أنها كانت بين الآل والأصحاب؟.

وانظر معي أخي القارئ الكريم إلى جملة وردت في رواية الطبري

تظهر فيها بعض دلائل المحبة وعلامات القربى، حيث قال:

غزا سعيد سنة ثلاثين فأتى جرجان وطبرستان معه عبد الله بن العباس وعبد الله بن عمر وابن الزبير وعبد الله بن عمرو بن العاص فحدثني علج(145) كان يخدمهم قال: كنت آتيهم بالسُّفرة(146) فإذا أكلوا أمروني فنفضتها وعلقتها فإذا أمسوا أعطوني باقيه(147) .

إنهم خرجوا في جيش واحد وعبروا طريقاً واحداً ينتظرهم الموت في كل خطوة خطوها وأكلوا من مزود واحد وليس مرة واحدة، إن الرواية تشعر بالعود والتكرار، كما يظهر من لفظة: ((آتيهم)) أهذا شأن المتباغضين وديدن المتخاصمين؟

سأترك الإجابة لك أخي القارئ المنصف وأنا على يقين أنك لن تحيد عن الحق ولن يحيد عنك الحق.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الفتوحات الإسلامية في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه

يرى بعض الدارسين للتاريخ الإسلامي أن خلافة علي بن أبي طالب كانت خالية من الفتوحات الإسلامية نتيجة إنشغال علي رضي الله عنه بالفتن والخلافات الداخلية التي كانت بدايتها في نهاية أواخر خلافة عثمان واستمرت طيلة خلافة علي بن أبي طالب وخلافة ولده الحسن.

ويرى الندوي أن المؤرخين لم ينصفوا هذا الجانب من سيرة سيدنا علي المرتضى، بياناً وشرحاً، وبقي مطموراً- على حدٍ كبير- في مادة زاخرة من أخبار الحروب الداخلية في العراق والشام(148) .

وفيما يلي ذكر بعض من الفتوحات في خلافة علي بن أبي طالب على اعتبار أن أي فتح أو تثبيت لسلطان المسلمين في البلاد التي فتحت سابقاً إنما هو فتح شارك فيه الآل يمثلهم علي بن أبي طالب قائداً عاماً وخليفة للمسلمين وموجِّهاً لهم.

ورد في تاريخ الطبري تحت عنوان: سبب توجيهه إياه إلى فارس:

حدثني عمر قال حدثنا على قال لما قتل ابن الحضرمي واختلف الناس على علي طمع أهل فارس وأهل كرمان في كسر الخراج فغلب أهل كل ناحية على ما يليهم وأخرجوا عمالهم.

حدثني عمر قال حدثنا أبو القاسم عن سلمة بن عثمان عن علي بن كثير أن عليا استشار الناس في رجل يوليه فارس حين امتنعوا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من أداء الخراج فقال له جارية بن قدامة ألا أدلك يا أمير المؤمنين على رجل صليب الرأي عالم بالسياسة كاف لما ولى، قال: من هو؟ قال: زياد، قال: هو لها، فولاه فارس وكرمان ووجهه في أربعة آلاف فدوخ تلك البلاد حتى استقاموا.

حدثني عمر قال: حدثنا أبو الحسن عن علي بن مجاهد قال: قال الشعبي: لما انتقض أهل الجبال وطمع أهل الخراج في كسره وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس، وكان عاملا ًعليها لعلى، قال ابن عباس لعلى: أكفيك فارس، فقدم ابن عباس البصرة ووجه زياداً إلى فارس في جمع كثير فوطئ بهم أهل فارس فأدوا الخراج(149) .

وقال ابن الأثير في أحداث السنة التاسعة والثلاثين للهجرة: ذكر ولاية زياد بن أبيه بلاد فارس

وفي هذه السنة ولَّى علي زياداً كرمان وفارس، وسبب ذلك أنه لما قتل ابن الحضرمي واختلف الناس على علي طمع أهل فارس وكرمان في كسر الخراج، فطمع أهل كل ناحية وأخرجوا عاملهم، وأخرج أهل فارس سهل بن حنيف، فاستشار علي الناس فقال له جارية بن قدامة: ألا أدلك يا أمير المؤمنين على رجل صلب الرأي عالم بالسياسة كافٍ لما ولي؟ قال: من هو؟ قال: زياد. فأمر علي ابن عباس أن يولي زياداً، فسيره إليها في جمع كثير، فوطىء بهم أهل فارس، وكانت قد اضطرمت، فلم يزل يبعث إلى رؤويسهم يعد من ينصره ويمنيه ويخوف من امتنع عليه، وضرب بعضهم ببعض، فدل بعضهم على عورة بعضٍ، وهربت طائفة، وأقامت طائفة، فقتل بعضهم بعضاً، وصفت له فارس ولم يلق منهم جمعاً

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولا حرباًن وفعل مثل ذلك بكرمان ثم رجع إلى فارس وسكن الناس واستقامت له، ونزل إصطخر، وحصن قلعة تسمى قلعة زياد قريب إصطخر ثم تحصن فيها بعد ذلك منصور اليشكري، فهي تسمى قلعة منصور، وقيل: إن ابن عباس أشار بولايته(150)

ولم تقتصر المشاركات الحربية في خلافة علي على حد حماية الثغور بل كانت فيها فتوحات كخلافة من سبقه، نعم كانت قليلة ومعدودة مقارنة بفتوحات الخلفاء الثلاثة إلا أن سببها كان معروفاً حيث كانت الفتن التي انقسم فيها المسلمون وأريقت بسببها دماء إلى أن قيض الله لها الحسن بن علي فتنازل عن الخلافة بعد موت أبيه إلى معاوية بن أبي سفيان وسمي العام الذي تنازل فيه الحسن لمعاوية بعام الجماعة.

ففي العام التاسع والثلاثون من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي خلافة علي أرسل علي بن أبي طالب الحارث بن مرة العبدي أحد قواده لفتح بلاد السند، فظفر بهم وأخذ منهم غنائم كثيرة، وبقي غازياً إلى أن جمعوا حشودهم وأحاطوا بجيش الحارث بن مرة فقتلوه بأرض القيقان هو ومن معه إلا قليلا سنة 42 أيام معاوية.

ورد في تاريخ خليفة: السند: جمع الحارث بن مرة العبدي جمعاً أيام علي وسار إلى بلاد مكران فظفر وغنم، وأتاه الناس من كل وجه، فجمع له أهل ذلك الثغر جندا، فقتل من كان معه إلا عصابة يسيرة، فلم يغز الثغر حتى كان أيام معاوية(151) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفي فتوح البلدان ذكر البلاذري محاولة المسلمين لفتح بلاد السند، وعن المحاولة التي حدثت في خلافة علي يقول:

فلما كان آخر سنة ثمان وثلاثين وأول سنة تسع وثلاثين في خلافة علي بن أبي طالب رضي الله عنه توجَّه إلى ذلك الثغر الحارث بن مرة العبدي متطوعاً بإذن علي، فظفر وأصاب مغنماً وسبياً، وقسم في يوم واحد ألف رأس، ثم إنه قتل ومن معه بأرض القيقان، إلا قليلاً(152) .

وفي تاريخ الإسلام في أحداث سنة 39 هـ: وفيها غزا الحارث بن مرة العبدي أرض الهند، إلى أن جاوز مكران، وبلاد قندابيل، ووغل في جبل القيقان، فآب بسبي وغنائم، فأخذوا عليه بمضيق فقتل هو وعامة من معه في سبيل الله تعالى(153) .

وفي الكامل في أحداث سنة 39 يقول ابن الأثير: وفيها توجه الحارث بن مرة العبدي إلى بلاد السند غازيا متطوعا بأمر أمير المؤمنين علي فغنم وأصاب غنائم وسبياً كثيراً وقسم في يومٍ واحدٍ ألف رأس وبقي غازيا إلى أن قتل بأرض القيقان هو ومن معه إلا قليلا سنة اثنتين وأربعين أيام معاوية(154) .

وفي أعيان الشيعة: غزو السند قال: وفيها- سنة 39 - توجَّه الحارث بن مرة العبدي إلى بلاد السند غازياً متطوعاً بأمر أمير المؤمنين علي فأصاب غنائم وسبياً كثيراً وقسم في يوم واحد ألف رأس(155) .

ومما يجدر ذكره هنا أن هذه البلاد استعصت فترات طويلة على المسلمين الفاتحين نظراً لوعورة أرضها وبُعد مكانها وسعة أرجائها،

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فقد كانت هناك محاولات قبل خلافة علي لفتحها.

فقد حاول عثمان بن عفان فتحها في خلافته ووجَّه إليها جيشاً جرَّاراً إلا أن هذه المحاولة لم تؤت ثمارها المرجوة نظراً لوعورة أرض تلك البلاد وقلة خيرها.

جاء في فتوح البلدان: فلما ولى عثمان بن عفان رضي الله عنه وولى عبد الله بن عامر بن كريز العراق كتب إليه يأمره أن يوجه إلى ثغر الهند من يعلم علمه وينصرف إليه بخبره. فوجه حكيم بن جبلة العبدي. فلما رجع أوفده إلى عثمان، فسأله عن حال البلاد فقال: يا أمير المؤمنين! قد عرفتها وتنحرتها. قال: فصفها لي: قال: ماؤها وشل، وثمرها دقل، ولصها بطل. إن قل الجيش فيها ضاعوا، وإن كثروا جاعوا. فقال له عثمان: أخابر أم ساجع؟ قال: بل خاير. فلم يغزها أحدا(156) .

ومن بعد علي حاول معاوية في خلافته أن يفتح هذا الثغر فأرسل المهلب بن أبي صفرة سنة أربع وأربعين لفتحه ودارت مقتلة عظيمة، ثم ولى عبد الله بن عامر في زمن معاوية بن أبي سفيان عبد الله بن سوار العبدي، ويقال ولاه معاوية من قبله ثغر الهند. فغزا القيقان فأصاب مغنماً، ثم وفد إلى معاوية وأهدى إليه خيلاً قيقانية، وأقام عنده، ثم رجع إلى القيقان فاستجاشوا الترك. فقتلوه، وولى زياد بن أبي سفيان في أيام معاوية سنان بن سلمة بن المحبق الهذلي. فأتى الثغر، ففتح مكران عنوة ومصرها، وأقام بها، وضبط البلاد، وقال ابن الكلبي: كان الذي فتح مكران حكيم بن جبلة العبدي. ثم استعمل زياد على الثغر راشد بن عمرو الجديدي من الأزد. فأتى مكران، ثم غزا القيقان فظفر، ثم غزا الميد فقتل. وقام بأمر الناس

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سنان ابن سلمة. فولاه زياد الثغر. فأقام به سنتين....(157)

وهكذا توالت جيوش المسلمين لفتح بلاد السند وكانوا كلما استقر لهم الأمر انتفض أهل الثغر وقاتلوا المسلمين، وقد آثرت ذكر هذه المحاولات قبل وبعد خلافة علي حتى لا يظن ظان السوء بعلي، أو ينتقص أحد من قدٌره وقدرته على إدارة الأمور في خلافته، وليُعلم أن هذه البلاد كانت لها طبيعة خاصة نظراً لوعورة أرضها وسعتها وبُعد مكانها وقلة خيراتها.

وهكذا فلم تخل خلافة علي بن أبي طالب من فتح شارك فيه الآل يمثلهم علي بن أبي طالب خليفة وقائداً عاماً ومسيّراً للجيوش، والأصحاب الذين قامت الفتوحات على أكتافهم وضحوا في سبيل دينهم بأرواحهم وما ملكت أيديهم، حتى فتحوا بالإسلام قلوب العباد قبل الثغور والبلاد، وما كانت مهمتهم لتنجح لولا توفيق الله لهم ثم المحبة التي ملأت قلوبهم وسرت بين جوانحهم وظهرت بادية في مقالهم وفعالهم بعد أن اعتمدوا على ربهم.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعلى ضوء ما سبق فإن المسلمين الفاتحين آلاً وأصحاباً لم يتخلوا عن واجب نشر الإسلام والدفاع عنه حتى في أحلك الظروف وأصعب الأوقات، الأمر الذي جعل علي بن أبي طالب بعد ذلك يفتقدهم ويتساءل متوجعاً عنهم فيقول كما نسب إليه في نهج البلاغة:

أين القوم الذين دُعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه. وهُيجوا إلى القتال فولهوا وله اللقاح إلى أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها. وأخذوا بأطراف الأرض زحفاً زحفاً وصفاً صفاً. بعض هلك وبعض نجا. لا يبشرون بالأحياء، ولا يعزون عن الموتى. مره العيون من البكاء(158) . خمص البطون من الصيام. ذبل الشفاه من الدعاء. صفر الألوان من السهر. على وجوههم غبرة الخاشعين. أولئك إخواني الذاهبون. فحق لنا أن نظمأ إليهم ونعض الأيدي على فراقهم(159) .

إن هذه العبارات النديات إنما هي بمثابة تجديد عهد على حبٍ متأصل في القلب، وشوق إلى أناس أحبهم علي حباً ملك فؤاده وتمكَّن من سويداء قلبه، إنهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مرآة قلب علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن إخوانه من الآل والأصحاب، ألا فليتق ربه من يحاول أن يدعي عداءً زائفاً بين الآل والأصحاب، وليستحي من مقالته تلك هذا إن كان في أوردته دماء، أو كان عنده بقايا حياء.

الفتوحات الإسلامية في خلافة معاوية رضي الله عنه

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حفلت خلافة أمير المؤمنين معاوية رضي الله عنه بالكثير من الفتوحات التي اخترقت حدود آسيا وقرعت أبواب أوربا وتحدت أعتى حصونها لإزالة قوى الشرك وأساطين الشر، ومهَّدت للتعرف على دين الله تعالى بصورته النقية دون تلبيس الملبسين أو خلط الحاقدين أو تزوير المفترين، وكان من جملة هذه الفتوحات فتح القسطنطينية، وفتح سمرقند، وقد خصصناهما بالذكر لنصِّ المؤرخين على مشاركة الآل والأصحاب فيهما، وفيما يلي بيان ذلك:

حصار القسطنطينية

مدينة القسطنطينية هي أكبر معاقل الروم، وكانت عاصمة ملكهم، ومع أن المسلمين استطاعوا إفقاد الروم أهم معاقلهم في الشام ومصر إلا أن دولة الروم كانت باقية لم يمسها سوء، وكانت الروم بهذا تمثل خطرا كبيرا على الدولة الإسلامية، فالمسلمين استطاعوا بعون الله أن يخترقوا عاصمة الملك الفارسي، وهزموا كسرى على أرضه في فارس وقوضوا سلطانه وأزالوا ملكه الطاغي، إلا أن الروم لا زالت باقية تهدد الدولة الإسلامية، وقد أدرك النبي قبل ذلك بكثير أهمية فتح هذه المدينة مدينة القسطنطينية، حيث قال صلى الله عليه وسلم : أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم(160) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولقد أدرك خلفاء المسلمون هذا التوجيه النبوي وأدركوا حجم المخاطر التي يمكن أن تحدق بالدولة الإسلامية إن ظلت الروم على قوتها وتماسكها، فوجهوا هممهم تباعا إلى غزو القسطنطينية مدينة قيصر وعاصمة ملكة إلا أن الأمر تهيأ في خلافة معاوية بن أبي سفيان، الذي كان مدركا بدوره لأهمية غزو الروم في معقلهم لأنه كان يرى أن الخطر الأكبر يتمثل في الدولة البيزنطية، لذا فقد قرر أن يغزو الروم في عقر دارهم.

وساعده على ذلك أنه كان موجوداً بالشام منذ مطلع الفتوحات في عهد الصديق أبي بكر، وأصبح والياً عليه ولمدة عشرين سنة تقريباً، وهو يشكل مع مصر خط المواجهة الرئيسي مع الدولة البيزنطية، فطول إقامة معاوية بالشام أكسبته خبرة واسعة بأحوال البيزنطيين وسياستهم وأهدافهم مما أعانه على أن يعرف كيف يتعامل معهم(161) .

وبالفعل أعدَّ معاوية للأمر عدته من الاهتمام بصناعة السفن في مصر والشام والاستيلاء على الجزر الواقعة في شرق البحر المتوسط، وتحصين الأطراف الشمالية للشام لتكون سنداً للجيش الإسلامي الزاحف إلى القسطنطينية.

وتم حصار القسطنطينية مرتين في عهد معاوية، المرة الأولى في سنة 49 هـ وشارك معه مجموعة من آل البيت والصحابة، منهم: الحسين وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن الزبير، وأبو أيوب الأنصاري الذي استشهد ودفن عند سور القسطنطينية،

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والمرة الثانية في سنة 54 هـ واستمر الحصار إلى نحو سنة 60 هـ وكاد أن ينجح ويؤتي ثماره لولا أن استعمل البيزنطيون ما أسموه بالنار الإغريقية، وفيما يلي إلقاء الضوء على حصار القسطنطينية وتحديداً الأول منه، ومن شارك في هذا الحصار من آل البيت والصحابة من خلال ما ذكره المؤرخون.

ورد في تاريخ الطبري في الحديث عن حوادث سنة تسع وأربعين: ( وفيها ) كانت غزوة يزيد ابن معاوية الروم حتى بلغ قسطنطينية ومعه ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري(162) .

وذكر ابن الأثير غزوة القسطنطينية في خلافة معاوية وقال:

ذكر غزوة القسطنطينية في هذه السنة - 49 - وقيل: سنة خمسين، سير معاوية جيشاً كثيفاً إلى بلاد الروم للغزاة وجعل عليهم سفيان بن عوف وأمر ابنه يزيد بالغزاة معهم فتثاقل واعتل فأمسك عنه أبوه فأصاب الناس في غزاتهم جوع ومرض شديد فأنشأ يزيد يقول:

ما أن أبالي بما لاقت جموعهمبالفرقدونة من حمى ومن موم
إذا اتكأت علي الأنماط مرتفقابدير مران عندي أم كلثوم

وأم كلثوم امرأته، وهي ابنة عبد الله بن عامر. فبلغ معاوية شعره فأقسم عليه ليلحقن بسفيان في أرض الروم ليصيبه ما أصاب الناس فسار ومعه جمع كثير أضافهم إليه أبوه وكان في هذا الجيش ابن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وعبد العزيز بن زرارة الكلابي وغيرهم فأوغلوا في بلاد الروم حتى بلغوا القسطنطينية فاقتتل المسلمون والروم في بعض الأيام

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

واشتدت الحرب بينهم فلم يزل عبد العزيز يتعرض للشهادة فلم يقتل فأنشأ يقول:

قد عشت في الدهر أطوارا علي طرقشتى فصادفت منها اللي والبشعا
كلا بلوت فلا النعماء تبطرنيولا تخشعت من لأوائها جزعا
لا يملأ الأمر صدري قبل موقعهولا أضيق به ذرعا إذا وقعا

ثم حمل على من يليه فقتل فيهم وانغمس بينهم فشجره الروم برماحهم حتى قتلوه رحمه الله فبلغ خبر قتله معاوية فقال لأبيه: والله هلك فتى العرب فقال: ابني أو ابنك قال: ابنك فآجرك الله فقال:

فإن يكن الموت أودى بهوأصبح مخ الكلابي زيرا
فكل فتى شارب كأسهفإما صغيراً وإما كبيرا

ثم رجع يزيد والجيش إلى الشام وقد توفي أبو أيوب الأنصاري عند القسطنطينية فدفن بالقرب من سورها فأهلها يستسقون به وكان قد شهد بدراً وأحداً والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد بصفين مع علي وغيرها من حروبه(163) .

وفي البداية والنهاية ذكر ابن كثير في حودث سنة 49 هـ:

سنة تسع وأربعين فيها غزا يزيد بن معاوية بلاد الروم حتى بلغ قسطنطينية ومعه جماعات من سادات الصحابة منهم ابن عمر وابن عباس وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري وقد ثبت في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وسلم قال: ((أول جيش يغزون مدينة قيصر مغفور لهم ((فكان هذا الجيش أول من غزاها، وما وصلوا إليها حتى بلغوا الجهد. وفيها توفى أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري، وقيل لم يمت في هذه الغزوة بل بعدها سنة إحدى أو ثنتين أو ثلاث وخمسين كما سيأتي))(164)

وقد ذكر ابن عساكر الحسين بن علي فيمن شهد غزو القسطنطينية في خلافة معاوية حيث قال في ترجمته للإمام الحسين:

الحسين بن علي بن أبي طالب ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أبو عبد الله سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته من الدنيا حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أبيه روى عنه ابنه علي بن الحسين وابنته فاطمة وابن أخيه زيد بن الحسن وشعيب بن خالد وطلحة بن عبيد الله العقيلي ويوسف الصباغ وعبيد بن حنين وهمام بن غالب الفرزدق وأبو هشام ووفد على معاوية وتوجه غازيا إلى القسطنطينية في الجيش الذي كان أميره يزيد بن معاوية(165) .

وفي البداية والنهاية: ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه، وقد كان في الجيش الذين غزوا القسطنطينية مع ابن معاوية يزيد في سنة إحدى وخمسين(166) .

وكما هو واضح مما سلف فإن هناك عدداً كبيراً من أعيان الصحابة وآل البيت قد شارك في غزوة القسطنطينية، لدرجة أن ابن عساكر قد عدَّ الحسين بن علي فيمن شهد وشارك في هذا الفتح الذي لم يقدر الله له أن يتم.

وهناك من لا يعجبه هذا الكلام على الإطلاق لأنه يرى فيه إثبات أفضلية

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لمعاوية وابنه يزيد وتحديداً ليزيد لأنه قاد الجيش الذي قام بأول غزو وحصار للقسطنطينية، وبالتالي فإنه يدخل في الحديث الذي رواه البخاري بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم. هذا من جهة(167)

ومن جهة أخرى لأن الكلام السابق يشير إلى قيادة يزيد بن معاوية لجيش فيه عبد الله بن عباس وابن عمر وابن الزبير وأبو أيوب الأنصاري، بل والحسين بن علي حسب ما ذكره ابن عساكر في ترجمته للحسين بن علي في تأريخه لدمشق.

ووجه الاستنكار عند أصحاب هذا التوجه لأنه كيف يتسنى للحسين وابن عباس أن يخرجا في جيش يقوده يزيد؟ إن هذا يحوي ضمناً رضاهم بشخصه وولايته على الحرب، وهذا أمر يرفضه أصحاب هذا التوجه.

وما يخصنا هنا هو مشاركة الحسين وابن عباس رضي الله عنهما مع إخوانهم من الصحابة رضي الله عنهم في حصار القسطنطينية عاصمة دولة الروم، وفي هذا ما فيه من إثبات الصلة الطيبة والمودة والرحمة التي كانت بين الآل والأصحاب فرضي الله عنهم أجمعين.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فتح سمرقند واستشهاد قثم بن العباس رضي الله عنه

كان من الفتوحات العظيمة التي كانت فيها بصمات آل البيت مع الصحابة واضحة، فتح سمرقند، في خلافة معاوية وكان ذلك في سنة 56 هـ وفيها توجه سعيد بن عثمان والي خرسان من قبل معاوية إلى سمرقند والتقى فيها مع الترك ودارت معركة كبيرة شارك فيها آل البيت مع الصحابة، وكان قثم بن العباس بن عبد الله المطلب(168) أحد شهداء هذا الفتح العظيم، وقد نص المؤرخون على ما سبق ذكره.

ورد في فتوح البلدان في قصة هذا الفتح ما يلي: ثم ولى معاوية سعيد بن عثمان بن عفان خراسان فقطع النهر وكان أول من قطعه بجنده، فكان معه رفيع أبو العالية الرياحي، وهو مولى لامرأة من بنى رياح، فقال: رفيع أبو العالية رفعة وعلو. فلما بلغ خاتون عبوره النهر حملت إليه الصلح، وأقبل أهل السغد والترك وأهل كش ونسف وهي نخشب إلى سعيد في مئة ألف وعشرين ألفا، فالتقوا ببخارى، وقد ندمت خاتون على أدائها الإتاوة ونكثت العهد. فحضر عبد لبعض أهل تلك الجموع فانصرف بمن معه، فانكسر الباقون، فلما رأت خاتون ذلك أعطته الرهن وأعادت

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الصلح، ودخل سعيد مدينة بخارى، ثم غزا سعيد بن عثمان سمرقند، فأعانته خاتون بأهل بخارا. فنزل على باب سمرقند وحلف أن لا يبرح أو يفتحها ويرمى قهندزها، فقاتل أهلها ثلاثة أيام، وكان أشد قتالهم في اليوم الثالث. ففقئت عينه وعين المهلب بن أبي صفرة

ويقال إن عين المهلب فقئت بالطالقان. ثم لزم العدو المدينة، وقد فشت فيهم الجراح. وأتاه رجل فدله على قصر فيه أبناء ملوكهم وعظمائهم. فسار إليهم وحصرهم. فلما خاف أهل المدينة أن يفتح القصر عنوة ويقتل من فيه طلبوا الصلح. فصالحهم على سبع مئة ألف درهم، وعلى أن يعطوه رهنا من أبناء عظمائهم، وعلى أن يدخل المدينة، ومن شاء يخرج من الباب الآخر: فأعطوه خمسة عشر من أبناء ملوكهم، ويقال أربعين، ويقال ثمانين. ورمى القهندز فثبت الحجر في كوته. ثم انصرف. فلما كان بالترمذ حملت إليه خاتون الصلح. وأقام على الترمذ حتى فتحها صلحا. ثم لما قتل عبد الله بن خازم السلمي أتى موسى ابنه ملك الترمذ فأجاره وألجأه وقوما كانوا معه، فأخرجه عنها وغلب عليها، وهو مخالف. فلما قتل صارت في أيدي الولاة. ثم انتقض أهلها ففتحها قتيبة بن مسلم.....

وكان قثم بن العباس بن عبد المطلب مع سعيد بن عثمان، فتوفى بسمرقند. ويقال استشهد بها. فقال عبد الله بن العباس حين بلغته وفاته: شتان ما بين مولده ومقبره. فأقبل يصلى. فقيل له: ما هذا؟ فقال: أما سمعتم الله يقول: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين(169) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفي تاريخ اليعقوبي: وولَّى معاوية خراسان بعد عبد الرحمن بن زياد سعيد بن عثمان بن عفان، فقطع النهر، وصار إلى بخارى، فطلبت خاتون ملكة بخارى الصلح، فأجابها إلى ذلك، ثم رجعت عن الصلح، وطمعت في سعيد، فحاربهم سعيد، فظفر، وقتل مقتلة عظيمة. وسار إلى سمرقند، فحاصرها، فلم يكن له طاقة بها، فظفر بحصن فيه أبناء الملوك، فلما صاروا في يده طلب القوم الصلح، فحلف ألا يبرح حتى يدخل المدينة، ففتح له باب المدينة، فدخلها، ورمى القهندز بحجر، وكان معه قثم بن العباس بن عبد المطلب فتوفي بسمرقند. فلما بلغ عبد الله بن عباس موته قال: ما أبعد ما بين مولده ومقبره، مولده بمكة، وقبره بسمرقند، فانصرف سعيد بن عثمان إلى معاوية، فولى معاوية مكانه أسلم بن زرعة(170) .

يقول ابن كثير في أحداث سنة 56 وفيها ولى معاوية سعيد بن عثمان بلاد خراسان، وعزل عنها عبيد الله بن زياد، فسار سعيد إلى خراسان والتقى مع الترك عند صُغد(171) سمرقند، فقتل منهم خلقاً كثيراً، واستشهد معه جماعة منهم فيما قيل: قثم بن العباس بن عبد المطلب(172) .

ويقول ابن كثير أيضاً: قثم بن العباس بن عبد المطلب كان أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ، تولى نيابة المدينة في أيام علي، وشهد فتح سمرقند فاستشهد بها(173) .

ويقول ابن سعد: قثم بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأمه أم الفضل وهي لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية وكان قثم يشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم وغزا قثم خراسان وكان عليها سعيد بن عثمان فقال له اضرب لك بألف سهم فقال لا بل أخمس ثم أعط الناس حقوقهم ثم أعطني بعد ما شئت وكان قثم ورعاً فاضلاً وتوفي بسمرقند(174) .

ويقول الصفدي في وافيه: قثم بن العباس أمه لبابة بنت الحارث الهلالية... أردفه النبي صلى الله عليه وسلم خلفه وكان آخر من خرج من لحد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولما ولي علي الخلافة استعمله على مكة وكان يشبه النبي صلى الله عليه وسلم وغزا مع سعيد بن عثمان إلى سمرقند فاستشهد بها سنة سبع وخمسين للهجرة له صحبة ولم يعقب(175) .

ويقول السمعاني في أنسابه: ويقال: إن قثم بن العباس بن عبد المطلب قتل بسمرقند ثم حمل منها إلى

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مروان بمرو ودفن بالجصين بقرب بريدة(176)

وذكر الجصاص في أحكام القرآن: وروى شريك عن أبي إسحاق قال: قدم قثم بن العباس على سعيد بن عثمان بخراسان وقد غنموا، فقال: أجعل جائزتك أن أضرب لك بألف سهم؟ فقال: اضرب لي بسهم ولفرسي بسهم(177) )) .

وقال ابن عبد البر في ترجمته لقثم: مات قثم بن العباس بسمرقند واستشهد بها وكان خرج إليها مع سعيد بن عثمان بن عفان زمن معاوية.(178) ونقله عنه ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة(179) .

وفي كتاب طرائف المقال: قثم بن العباس بن عبد المطلب ((ي)) وعن نسخة معتبرة زاد قبره بسمرقند... وكان والياً من جانب أمير المؤمنين عليه السلام في مكة وقيل: في المدينة، ثم ذهب في زمان معاوية إلى سمرقند ففاز بالشهادة(180) .

ومما سبق يتضح أن قثم بن العباس كان ممن شهد فتح سمرقند وهذا هو الذي يعنينا، وإن كان هناك اختلاف بعد ذلك في موضع وفاته، فجمهرة العلماء والمؤرخين ذكروا أنه توفي بسمرقند، وكان منهم ابن حبان في الثقات(181) وابن الأثير في أسد الغابة(182) وصححه المزي في تهذيب

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الكمال(183) والذهبي في سير أعلام النبلاء(184) وابن حجر في الإصابة(185) والخوئي في معجم رجال الحديث(186) ومحمد الأنصاري في معجم الرجال والحديث(187)

وهناك من ذكر أنه توفي في مرو وقد وحكى ابن حبان هذا الخلاف في موضع وفاة قثم ولم يُفصِل فيه(188) .

وسواء استشهد قثم في فتح سمرقند أم لم يستشهد أو دفن بسمرقند أم بمرو إلا أن الذي يعنينا هنا أنه شارك في هذا الفتح الكبير، والذي كان في خلافة معاوية وتحت إمرة سعيد بن عثمان بن عفان، وفي هذا من الدلالات ما فيها، فمعنى أنه شارك في فتح في خلافة معاوية أي أنه ارتضاه خليفة، ومعنى أنه كان تحت إمرة سعيد بن عثمان أي أنه ارتضاه أميراً عليه، وسعيد بن عثمان هو ابن الخليفة عثمان بن عفان، وهذا فيه خير دلالة على المودة التي سادت بين الآل والأصحاب.

وبين أيدينا نص يوضح أن آل البيت كانوا حراصاً على المشاركة في الفتوحات الإسلامية مع إخوانهم من الصحابة نشراً للإسلام ورفعاً لرايته

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وطلباً للثواب والأجر.

ورد في شرح نهج البلاغة: يقال: ما رئي قبور إخوة أكثر تباعداً من قبور بنى العباس رحمه الله تعالى: قبر عبد الله بالطائف، وقبر عبيد الله بالمدينة، وقبر قثم بسمرقند، وقبر عبد الرحمن بالشام، وقبر معبد بأفريقية(189) .

وبعد: فقد كشفت لنا المشاركات التي تمت بين الآل والأصحاب في الفتوحات السابقة عن مدى العلاقة الطيبة التي كانت بين الآل والأصحاب، ومع أن هذه الموارد ليست الوحيدة، فهناك قطعاً غيرها، لأن الفتوحات من أساسها قامت على أكتاف الآل والأصحاب، بل وقبلها الغزوات التي كانت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم .

وما قصدنا من بحثنا في هذا الجانب إلا الكشف عن صورة من صور العلاقة الطيبة التي سادت أجواء آل البيت والصحابة، والمحبة التي صهرت قلوبهم تجاه بعضهم البعض، والتي نحن منها على يقين، بناء على آي الذكر الحكيم، وسنة سيد المرسلين، وسيرة آله وأصحابه الغر الميامين رضي الله عنهم أجمعين، وهدَى من كان الحق بغيته وأنار به قلبه وبلَّغه مُنيته.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الفصل الثاني: شبهات حول فتوحات الآل والأصحاب

مدخل: «بين يدي الفصل»

صفحة 106 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

كان من العقبات التى وقفت فى وجه المد الإسلامى وحالت بين المسلمين ووحدتهم هو اجتماع أعداء الإسلام صفاً واحداً للقضاء على الإسلام، وبث روح التفرقة بين المسلمين؛ للحيلولة بينهم وبين مبادئ دينهم العظيم.

فمنذ أحقابٍ طويلة وأعداء الإسلام يكيدون له، ويضعون المخططات، ويحيكون المؤامرات، ويجمعون قواهم لكسر شوكته، وإسقاط رايته، ودحر أهله فى كل ميدان، وهالهم ما عاينوه من قوة الإسلام الذاتية التى جعلته يثبت أمام عواصفهم الهوجاء كالطود الراسخ، وأفزعهم– كذلك– ما شاهدوه من اتحاد المسلمين على مبادئ دينهم، وتماسكهم وثباتهم أمام أعدائهم.

من هنا: أدرك أعداء الإسلام أنه لا سبيل للقضاء على الإسلام طالما ظل المسلمون متحدين على مبادئه وشرائعه ومجتمعين تحت رايته؛ ولذا عملوا – دون كلل – على زرع روح التفرقة بين المسلمين، وبذر بذور الشقاق والنزاع بينهم، وتشكيكهم في ثوابت دينهم وشرائعه محاولة منهم لإحداث صدعٍ فى الصف الإسلامى، وإنهاكٍ للقوى الإسلامية، وصرف لغير المسلمين عن الدخول في الإسلام.

وفي سبيل هذا الهدف الذي أعلنه أعداء الإسلام تارة، واستنبطنوه تارة أخرى فى حربهم على المسلمين، وتمزيقهم لصفوفهم لم يرعوا فيه إلاً

ولاَّ ذمة، ولم يعرفوا طريقاً من شأنه أن يقربهم إلى أهدافهم إلا وسلكوه، أياً كان هذا الطريق وأياً كانت دناءته وخسته، فليس لشرف الخصومة عندهم أى وزنٍ يذكر.

ويحدثنا محمد على علوبة عن بعض الصور أو الطرق التى سلكها أعداء الإسلام في تعاملهم مع المسلمين لتحقيق مآربهم قائلاً: ((إنهم– أى الأعداء– دسُّوا لهم فى السياسة، ودسُّوا لهم فى التاريخ، ودسُّوا لهم فى العلم والرواية، ودسُّوا لهم فى النظريات الفلسفية، والقضايا الغيبية، وفتحوا لهم آفاق الشك والريب فيما لديهم وشغلوهم بالجدل والخصام حتى أنهكوا قواهم، وأوهنوا عقولهم، وحطموا أعصابهم، وأفقدوهم الثقة بأنفسهم، والتعويل على مواهبهم، ثم اقتطعوا أوطانهم قطعة بعد قطعة، واقتسموها فيما بينهم غنائم باردة، فى صورة الاستعمار أحياناً والحماية أحياناً، والوصاية أحياناً، ومناطق النفوذ أحياناً، وفتح الأسواق أحياناً، وهكذا من كل ما برر به الغاصبون غصبهم، وجعلوه ستاراً على مطامعهم وشهواتهم))(190) .

وهذا النص يبرز لنا أحد الأساليب العدائية التى استخدمها– ولا يزال يستخدمها– أعداء الإسلام للقضاء عليه ونهب ثروات بلاده بعد تشتيتهم وإضعافهم، وهذا الأسلوب هو ما يُعرف بالاستشراق(191) وهو: ((اتجاه فكرى يعنى بدراسة الحياة الحضارية للأمم الشرقية بصفة عامة، ودراسة

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الإسلام والعرب بصفة خاصة، وكان فى بداية ظهوره مقتصراً على دراسة الإسلام وحضارته، واللغة العربية وآدابها، ثم بعد ذلك اتسعت مجالاته ليشمل دراسة الشرق كله لغاته، وأديانه، وتقاليده، وآدابه... ولكن أهم ما اعتنى به المستشرقون فى دراساتهم هو الدين الإسلامى واللغة العربية))(192)

والاستشراق فى حقيقته ما هو إلا صورة من صور الفكر المناوئ للإسلام، حيث لم يكن المستشرقين فى أغلب أمرهم إلا امتداداً للحرب التى ابتلى بها الإسلام والمسلمون عبر تاريخهم الطويل، ولقد قدّم المستشرقون بحوثاً ودراسات كان لها أثر ظاهر فى شق الصف الإسلامي وعرقلة مسيرة الدعوة الإسلامية في الغرب ولو نسبياً.

وعلى حدِّ تعبير شيخنا محمد البهي رحمه الله حين قال: ((لا يعرف العقل ولا المنطق حدَّا لما يقوم به المستشرقون من تحريف للتاريخ الإسلامي وتشويه لمبادئ الإسلام وثقافته، وإعطاء المعلومات الخاطئة عنه وعن أهله، وكذلك يجاهدون بكل الوسائل لينتقصوا من الدور الذى لعبه الإسلام فى تاريخ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الثقافة الإنسانية))(193)

وبهذا يتضح جلياً أن أعداء الإسلام لم يعد يكتفون فى محاربته وتمزيق أمته بالوسائل التقليدية القديمة التى تثار فيها الدماء بين الطرفين، بل عمدوا إلى أساليب أخرى أشد أثراً وأمضى فاعلية، ومن هذه الوسائل التى اعتمدوها أسلوب الغزو الفكرى الذى تعددت طرقه ومحاوره وكان أبرزها المحور الاستشراقى الذى يعتمد أساساً على وضع بذور الشك والريبة بين المسلمين، ليصرفوهم عن دينهم، ويمزقوا أمتهم ويحولها إلى شيع وأحزاب ودويلات تتحارب فيما بينها.

أى أن الروح العامة التى سيطرت على المنهج الاستشراقى فى معظم الحالات، وعلى أكثر المستشرقين... كانت روحاً عدائية للإسلام تقوم على دراسة الإسلام لغة وعقيدة وشريعة وقرآناً وسنة وحضارة وتاريخاً للهجوم عليه(194) .

ومن الإنصاف القول: بأن هناك قلة قليلة من المستشرقين استطاعت الإفلات والانعتاق من أسر التقاليد الاستشراقية المستقرة منذ أمدٍ بعيد، واتسمت دراساتهم في بعض جوانبها بالنزاهة والحيدة والوقوف إلى جانب الحق، بل إن بعضهم ليشعر بالحرج والخجل من موقف غيرهم ممن سار فى ركب الاستكبار والعداون.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يقول وايلد: والأقبح من ذلك أنه يوجد جماعة يسمون أنفسهم مستشرقين، سخروا معلوماتهم عن الإسلام وتاريخه فى سبيل مكافحة الإسلام والمسلمين، وهذا واقع مؤلم، لابد أن يعترف به المستشرقون المخلصون لرسالتهم بكل صراحة(195) .

ومهما يكن من أمرٍ فإن الذى يعنينا هو أن الأكثرية الساحقة من المستشرقين لم تخل مؤلفاتهم من الدسَّ والافتراء على الإسلام، ومن بذر بذور الشقاق والفرقة بين المسلمين، وأنهم أسلموا قيادهم لبني جلدتهم من المستعمرين، والذين تركزت جهودهم على التشكيك في مبادىء الإسلام وشرائعه لصرف الأمة الإسلامية عن دينها؛ لأنه يربيهم على الحرية، وينمى فيهم روح العزة والكرامة والإخاء، ويدعوهم إلى العمل لهداية غيرهم من غير المسلمين، والذين ينشؤون على هذا النحو لا يسهل استعبادهم.

وعليه فالحركة الاستشراقية بمثابة المصنع الذي يعدُّ الشبهات حول الإسلام وتشريعاته وتاريخه ليضعها بين أيدي المبشرين الذين لا يفتأون ينشرونها بين المسلمين وغيرهم؛ بقصد صرف غير المسلمين عن الدخول في الإسلام، وتشكيك المسلمين في ثوابت دينهم وأصوله بقصد صرفه عنه أو على الأقل إماتة الدين في قلبه وحصره بمجموعة من المراسم والأشكال الخالية من مضامينها وأهدافها، والذي حدث وللأسف أن تأثر بإفكهم بعض من ينتسب إلى الإسلام كما سنوضحه فيما بعد.

وكانت الفتوحات الإسلامية من ضمن الأمور التي تعرض لها الفكر الاستشراقي، وأخذ ينشر حولها الأراجيف والأباطيل.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لقد وجه المستشرقون وأضرابهم كثير من الشبهات إلى الفتوحات الإسلامية التي حاولوا من خلالها سلخ الفتوحات عن هويتها وإخراجها عن مضمونها وإفقادها أعزّ أهدافها، كعادتهم في التشكيك فى الثوابت الإسلامية، سالكين جميع السبل لتشويه العطاء الحضاري للمسلمين، وتبعهم وللأسف في شبهاتهم بعض من ينتسب إلى الإسلام، فتلقوا ما ذكره المستشرقون وتلقفوه، وصاروا يتخرصون به في كل ساحة وميدان ظناً منهم أنهم بهذا قد حققوا بغيتهم في سلب الصحابة الكرام مآثرهم في الفتوحات الإسلامية، وأسقطوا مكانتهم في قلوب محبيهم، وأنى لهم ذلك؟

وشبهات الفتوحات كثيرة إلا أننا سنخص بالذكر أكثرها انتشاراً وأقواها أثراً، وتحديداً تلك التي رددها خلف المستشرقين بعض من ينتسب إلى الإسلام، لنكشف عن التمازج الخطير الذي حدث بين المستشرقين ومن تأثر بهم عن عمدٍ لخدمة أهداف يصبون إليها وهي كالتالي:

تنبيه وبيان

يجدر بنا أن ننبه هنا إلى أن شبهات المستشرقين حول الفتوحات الإسلامية والتي سنتعرض لها بمزيد من البيان والتفصيل والرد تشمل فتوحات الآل والأصحاب في المقام الأول، وتشمل كذلك فتوحات من جاء بعدهم.

وعليه فتعلق الشبهات بفتوحات الآل والأصحاب أكد، وذكرها والرد عليها واجب؛ لأنها في صميم بحثنا.

أولاً: شبهة دموية فتوحات الآل والأصحاب وإكراهها الناس على اعتناق الإسلام

أرجع كثير من المستشرقين السبب في انتشار دعوة الإسلام في فترةٍ وجيزةٍ من عمر الزمن إلى استعمال المسلمين للقوة والبطش لإكراه الناس على الدخول في الإسلام.

لقد وقف أعداء الإسلام حيارى أمام واقع التاريخ الإسلامي وأمام حقيقة انتشار الإسلام الذي أضاء بنوره معظم أرجاء العالم المتحضر آنذاك وخلال بضع سنين، وحتى يسلب هؤلاء الأعداء من الإسلام علامات صدقه ودلالة إعجازه المستمدة من حقيقة انتشاره السريع وحتى يحجبوا عظمة انتشاره الدالة على صدقه وانتهى رأيهم بل انتهت مؤامراتهم بتعليل انتشار الإسلام بعلل باطلة، ومن أكثر هذه الأقوال شيوعا أن الإسلام انتشر بالسيف(196) .

والمطالع والمتابع لأدبيات كثير من المستشرقين سيجد ولأول وهلة أنهم اتخذوا من الفتوحات الإسلامية غطاءً لوصم الدعوة الإسلامية بالعنف والشدة لصرف أنظار الغربيين عن الدخول فيها، وقد دأب الفكر الغربي المتعصب دائماً إلى وصم الدين الإسلامي بالإرهاب والعنف، وتشويه تاريخ الأمة الإسلامية وتصويره على أنه تاريخ صراع وحروب وفتن، وقد أثار هذه الافتراءات نفر من المستشرقين.

يقول توماس أرنولد: ((ولم ينجحوا ((أي المسلمون)) في نشر الإسلام

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فيما وراء بيئتهم إلا عن طريق الاضطهاد والإكراه على التحول إلى هذا الدين))(197)

- ويقول المستشرق هوجان جاك سيديو: ((إن المسلمين أصحاب عقيدة ولكنهم توسلوا بالتعصب الأعمى وأخضعوا الناس لمبادئهم بالقهر والإرغام وبحار الدم والقسوة وإنهم كانوا يحملون القرآن الكريم بأحدى يديهم والسيف باليد الأخرى))(198) .

- ويقول المستشرق جولد زيهر فى كتابه:((العقيدة والشريعة في الإسلام)) وإنه ليصح لنا أن نضيف أنه بعد انتصارات محمد صلى الله عليه وسلم الحربية التي لم يشاهدها الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، وجدت أمام أعيننا رقعة فسيحة كبيرة للإسلام جاوزت حدود الوطن وقد فتحت بقوة السيف))(199) .

وعلى نفس الوتر عزف المستشرق نلسون فنجده يقول بلا حياء: ((وأخضع سيف الإسلام شعوب إفريقية وآسيوية شعبا بعد شعب))(200) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويعلنها المستشرق كارل بروكلمان صريحة بقوله: ((يتحتم على المسلم أن يعلن غير المسلمين بالعداوة حيث وجدهم، لأن محاربة غير المسلمين واجب دينى))(201) .

ومثل هذا التشويه والافتراء والتشكيك قد ردده عدد من المستشرقين المتعصبين لا سيما فى:((دائرة المعارف الإسلامية)) والتى تناولت هذا الموضوع بشئ من التوسع إذ يقول المستشرق ماكدونلد حول ((مادة الجهاد)):

((إن الإسلام انتشر بالسيف....وهو فرض كفاية على المسلمين، وكاد الجهاد أن يكون ركناً سادساً من أركان الدين أو فرض عين))(202) .

وتعد شبهة انتشار الإسلام بحد السيف من أخطر افتراءات المستشرقين على الإسلام على الإطلاق، وأن هذه الفرية لم يسلم منها حتى رؤساء الكنيسة، ففي عام 2006 م صرح بابا الفاتيكان ((بندكيت السادس عشر)) بهذه الفرية الظالمة في إحدى محاضراته(203) مدعيا أن محمداً نبي الإسلام

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أمر بنشر الإسلام بحد السيف، وأنه لم يأت إلى العالم إلا بكل ما هو سيئ وشرير، وأن الدين الإسلامي قام على الإكراه والعنف وحد السيف، وكان من نص مزاعمه ما يلي:

أرني ما الجديد الذي أتى به محمد ولن تجد سوى كل ما هو سيئ وغير إنساني مثل أنه أوجب نشر الاعتقاد الذي يعلمه بحد السيف واستشهد بابا الفاتيكان ((بندكيت السادس عشر)) بما قاله أحد القساوسة:

إن دين الصليب نشأ في الأرض دون سيف ولا قهر، ودين الإسلام إنما ظهر بالسيف والقهر في الأرض، وقاتل نبي الإسلام الأمم وغلبهم، وكان سبباً في تغيير شريعة النصارى وتكفيرهم.. فقاتل جميع الأمم وغلبهم بسيفه، وإنما جاء المسيح ابن مريم هينا ضعيفا ولم يقاتل أحدا، فأخذ وصلب فى مرضاتنا فهو إلهنا، وخالقنا ورازقنا(204) .

- ويقول المستشرق الأمريكي واشنجتون ايرفنج: القاعدة السادسة والأخيرة من قواعد العقيدة الإسلامية هي الجبرية، وقد أقام محمد اعتماده على هذه القاعدة لنجاح شئونه الحربية.

وواضح هنا أن هذا المستشرق وأضرابه يرمون من كلامهم هذا إلى وصم

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الإسلام بالجبرية التي اعتمدها النبي صلى الله عليه وسلم على حدِّ تعبيره- كقاعدة لنشر الإسلام وتحديداً في الشئون الحربية، إكراه الناس على اعتناق الإسلام(205)

إن هذه كلها محاولات فاشلة ترمي إلى توهين عرى الإسلام وتقويض حصنه الذي عزَّ على الخطوب، وقهر القوى كلها، وثبت في وجه المحن والكروب، كما أنها ترمي إلى تشويه صورته وصرف أهله عنه.

وهذا الكلام ليس بمستغرب عن هؤلاء القوم، ولكن الغريب أن يظهر أحد ممن ينتمي إلى الإسلام ويقرر مثل هذا الكلام الساقط من كل وجه زاعماً أن الفتوحات الإسلامية التي حدثت في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب اتسمت بالدموية والعنف، وأنها شوهت سمعة الإسلام وأعطت نتائج سلبية معكوسة.

فقد ذكر الأحمدي الميانجي: أن فتوحات عمر بن الخطاب كانت خاطئة وكان لها نتائج سلبية معكوسة... فإنه هاجم البلاد وأدخلهم في الإسلام بالسيف والقهر، ولذلك كره الناس الإسلام واتهموه بأنه دين السيف والقوة لا دين المنطق واللين، وصار ذلك سببا لكثرة أعداء الإسلام، فإذن فتوحات عمر شوهت سمعة الإسلام وأعطت نتائج سلبية معكوسة، ولو لم يغصب أبو بكر وعمر وعثمان الخلافة من صاحبها الشرعي: الإمام علي عليه السلام، وكان الإمام يتسلم مهام الخلافة بعد الرسول مباشرة لكان يسير بسيرة الرسول ويقتفي أثره ويطبق منهاجه الصحيح، وكان ذلك

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

موجباً لدخول الناس في دين الإسلام أفواجاً ولكانت رقعة الإسلام تتسع حتى تشمل وجه الكرة الأرضية، ولكن لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم(206)

والأمثلة والشواهد على وجود مثل هذه الشبهة كثيرة، وما ذُكر غيض من فيض وقليل من كثير.

الرد على الشبهة

إن هذه الشبهة قديمة قد لاكتها كثير من الألسنة التي ملأها الحقد والحسد، فادعت أن الإسلام انتشر بحدِّ السيف تحت وطأة الإكراه والعنف، وأن المسلمين أكرهوا غيرهم على الدخول في دينهم.

وكان أولى بالمستشرقين أن يقدموا بين يدي هذه الشبهة دليلاً واحداً ولو ضعيفاً يؤيد دعواهم، حتى يضفوا على كلامهم مسحة من المنهجية العلمية ولو زائفة أو مصطنعة، إلا أنهم أعجز وأقل من أن يفعلوا ذلك.

إنهم بما فعلوه ويفعلونه أرادوا تأسيس منهج يخالف المتعارف عليه والثابت والمقرر لدى أرباب العلم، منهج يتنكر لحقائق التاريخ ومسلماته بدل أن يتحاكم إليها، ويتنكر للحجة والدليل بل ويصادمهما، ويبني فرضيات على أوهام وخيالات، ثم ينشئ عليها أحكاماً وإن شئت فقل أوهاماً.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهذا المنهج الاستشراقى العدائى ليس بغريب على أمثال هؤلاء فهم يختارون من بين كتب التاريخ الإسلامي ما يريدون ويتركون ما يشاؤون بدون رقيب، فإذا لم يجدوا فى الروايات ما يفيدون منه أطلقوا العنان لخيالاتهم المريضة فافترضوا أحداثاً ومواقف لا أساس لها في الواقع، اللهم إلا في خيالهم المريض؛ ليقرروا ما يريدون تقريره، ويبرزوا النتائج التي تخدم أهدافهم مغمضين أعينهم وعقولهم عما يشوبها من الخطأ البيِّن، فهم لا يهتمون بتوثيق بياناتهم بالمصادر المعتمدة بل قد يطعنون فى تلك المصادر أو يتجاهلونها تماماً))، وهذه هي منهجيتهم المعتمدة؛ تزوير الحقائق وقلب المضامين، واتباع منهجية التدليس والافتراء.

وعليه فهذه الشبهة لا أساس لها من الصحة، فهي شبهة تكذبها نصوص الشريعة، ويكذبها الواقع والتاريخ والعقل والمنطق، بل ويكذبها كثير من المنصفين من غير المسلمين، وكما يقال: الحق ما شهدت به الأعداء.

لماذا هذه الشبهة؟

إن السرَّ وراء تمسُّك المستشرقين بهذه الشبهة عبر أزمان طويلة يرجع إلى مدى إدراكهم لأهمية الجهاد في الإسلام وصلته القوية بالدعوة الإسلامية، وأهمية موقعه إذا استيقظ في نفوس المسلمين وأصبح

له أثر بالغ في حياتهم وواقعهم، لما له من مقدرة بالغة على حمل شريعة الإسلام السمحة إلى الشعوب المقهورة وأنه إذا أدرك المسلمون هذا فلن تقف أي قوة بالغة ما بلغت من الأهمية فى وجه الدفع الإسلامي، ولذا ينبغي أن يكون البدء في القيام بأي عمل بغية إيقاف المد الإسلامي من هذه النقطة بالذات.

والجهاد فى اللغة: مأخوذ من الجهد والطاقة والمجاهدة والمشقة يقال: جاهد يجاهد جهادًا ومجاهدةً إذا استفرغ وسعه وبذل طاقته وتحمل المشاق في مقاتلة العدو ومدافعته، ويقال جهد في الأمر جهدا أي جد وطلب حتى وصل إلى الغاية، وجاهد العدو مجاهدة وجهادا أى قاتله، والجهاد شرعًا: بذل الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضًا على مجاهدة النفس والفساق والمقصود به الحرب في العصر الحديث وهى القتال المسلح بين دولتين فأكثر شريطة أن تكون إحدى الدولتين المتقابلتين مسلمة، وقد فرض الله فريضة الجهاد في السنة الثانية من الهجرة النبوية(207) .

وعليه فإنه يجب علينا أن نقرر أن الجهاد باب من أبواب الدعوة الإسلامية وأنه إنما شرع لإزالة الحواجز التي تقف في وجه هذه الدعوة، وتمنع وصولها إلى الناس فهو آخر درجاتها وأعلى مستوياتها، ولا يعني هذا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بحالٍ من الأحوال أن الجهاد باب من أبواب إكراه الناس على الدخول في الإسلام.

لا إكراه في الدين

إن الإسلام لا يكره أحداً على اعتناقه وما يرضى المسلمون أن يكون العالم كله على دينهم بالإكراه والعنف، إن مسلماً واحداً مؤمناً بدينه عن قناعة وتبصُّر لهو خير من آلافٍ مؤلفة من المسلمين المكرَهين.

والقرآن الكريم دستور المسلمين الخالد يقرر مبدأ حرية الاعتقاد في آيات بينات منها:

يقول الله تعالى: ﴿لَآ إِكْرَاهَ فِى ٱلدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشْدُ مِنَ ٱلْغَىِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤْمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسْتَمْسَكَ بِٱلْعُرْوَةِ ٱلْوُثْقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَا ۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾(208) .

ويقول تعالى: ﴿ٱدْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلْحِكْمَةِ وَٱلْمَوْعِظَةِ ٱلْحَسَنَةِ ۖ وَجَـٰدِلْهُم بِٱلَّتِى هِىَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِٱلْمُهْتَدِينَ﴾(209) .

ويقول تعالى: ﴿وَإِلَى ٱلْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ۝ فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾(210) .

ويقول تعالى: ﴿وَقُلِ ٱلْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَآءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ ۚ إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلظَّـٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا ۚ وَإِن يَسْتَغِيثُوا۟ يُغَاثُوا۟ بِمَآءٍ كَٱلْمُهْلِ يَشْوِى ٱلْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتْ مُرْتَفَقًا﴾(211) .

ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ ٱللَّهُ مَآ أَشْرَكُوا۟ وَمَا جَعَلْنَـٰكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَآ أَنتَ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾(212)

ويقول تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَـَٔامَنَ مَن فِى ٱلْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا۟ مُؤْمِنِينَ﴾(213) .

فهذه النصوص القرآنية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن مبدأ الإكراه على اعتناق الإسلام مبدأ مرفوض إسلامياً، وأن حرية العقيدة مكفولة للجميع، شريطة أن تصل إليهم الدعوة الإسلامية نقية واضحة، ثم بعد ذلك من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

فليس لأحدٍ بمقتضى هذه النصوص الربانية المحكمة أن يُكره الناس على دخول الإسلام إكراهاً، ولكن يدعوهم بالحجة النيرة والكلام السديد الحسن، فإن أسلموا عن طواعية واقتناع كان خيراً وبركةً، وإن أبوا إلا المكث على دينهم المنزَّل من السماء تركوا وشأنهم طالما لم يعتدوا على المسلمين.

يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: لا إكراه في الدين.. أي لا تكرهوا أحداً على الدخول في دين الإسلام، فإنه بيّن واضح، جلي دلائله وبراهينه، لا يحتاج إلى أن يكره أحداً على الدخول فيه، بل من هداه الله للإسلام، وشرح صدره، ونور بصيرته، دخل فيه علي بينة، ومن أعمى الله قلبه وختم على سمعه وبصره، فإنه لا يفيده الدخول في الدين مكرهاً مقسوراً(214) .

ويقول ابن تيمية في قوله تعالى: لا إكراه في الدين:

لا نكره أحداً على القتال والدين لمن حاربنا، فإن أسلم عصم ماله ودمه، وإذا لم يكن من أهل القتال لا نقتله، ولا يقدر أحد قط أن ينقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكره أحداً على الإسلام لا ممتنعاً ولا مقدوراً عليه، ولا فائدة في إسلام مثل هذا، لكن من أسلم قبل منه ظاهر الإسلام(215) .

كما أن المتأمل فى الآيات القرآنية فى طريقة دعوة أهل الكتاب إلى هداية الإسلام يلحظ فيها أنها دعوه تعتمد على الإقناع بالمنطق وبيان الحجة ثم تجادلهم

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بالتى هى أحسن قال تعالى: ﴿فَإِنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِىَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْأُمِّيِّـۧنَ ءَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهْتَدَوا۟ وَّإِن تَوَلَّوْا۟ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ ٱلْبَلَـٰغُ وَٱللَّهُ بَصِيرٌۢ بِٱلْعِبَادِ﴾(216)

يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: (( إن كثيراً من أهل الكتاب يزعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته إنما أقاموا دينهم بالسيف لا بالهدى والعلم والآيات، فإذا طلبوا العلم والمناظرة فقيل لهم: ليس لكم جواب إلا السيف كان هذا مما يقرر ظنهم الكاذب، وكان هذا من أعظم ما يحتجون به عند أنفسهم على فساد الإسلام وأنه ليس دين رسول من عند الله، وإنما هو دين ملك أقامه بالسيف، ولكن من المعلوم أن السيف، لاسيما سيف المسلمين وأهل الكتاب، هو تابع للعلم والحجة، بل وسيف المشركين هو تابعٌ لآرائهم واعتقادهم، والسيف من جنس العمل أبداً، والعمل تابع للعلم والرأي، وحينئذٍ فبيان دين الإسلام بالعلم وبيان أن ما خالفه ضلالٌ وجهل هو تثبيت لأصل دين الإسلام، واجتناب لأصل غيره من الأديان التي يقاتل عليها أهلها، ومتى ظهرت صحته وفساد غيره كان الناس أحد رجلين.

1 - إما رجل تبيَّن له الحق فاتبعه، فهذا هو المقصود الأعظم من إرسال الرسل.

2 - وإما رجلٌ لم يتبعه فهذا رجلٌ قامت عليه الحجة، إما لكونه لم ينظر في آثار أعلام الإسلام، أو نظر وعلم، فاتبع هواه أو قصر، فقيام الحجة أنضر وأعذر))(217) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تاريخ الغزوات والفتوحات خير شاهد

إن تاريخ الفتوحات الإسلامية لا توجد فيه أدنى صورة على الإكراه والقسر على الدخول في الإسلام، ولا يوجد فيه ولو حتى مثال واحد لأناس اعتنقوا الإسلام تحت وطأة الإكراه أو التعذيب، إنه صورة حية للتسامح والرحمة.

إن المسلمين حينما فتحوا البلاد لم يتدخلوا قط في شئون دينها، ولم يرغموا أحداً قط على تغيير عقيدته، ولم يثبت التاريخ واقعة واحدة أُكره فيها أحد على الإسلام، فالسيف لا يفتح قلباً.

ولقد روى زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية: أسلمي أيتها العجوز تسلمي، إن الله بعث محمداً بالحق، قالت: أنا عجوز كبيرة والموت إليَّ قريب، فقال عمر: اللهم اشهد، وتلا: لا إكراه في الدين(218) .

وعليه فالإكراه على اعتناق الإسلام مرفوض رفضاً تاماً في شريعة الإسلام، إذ أن العقيدة محلها القلب ولا تستطيع أية قوة أن تغير ما استقر في القلب إلا بالحجة والإقناع والمنطق، وهذا لا يكون إلا بالرفق وعن طريق الحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن.

إن تاريخ الفتوحات خير شاهد على أن الإسلام لم ينتشر بحد السيف، بل إنه انتشر بعقيدته الصافية التي صقلت النفوس وربت الأرواح وقوّت الأبدان،

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فخرَّجت رجالاً في قمة الإخلاص لعقيدتهم، فسعوا يبلغونها إلى العالمين بأخلاقهم، وحالهم قبل مقالهم، وقد باعوا أنفسهم لدينهم فكتب الله لهم النصر والتمكين.

تاريخ الدعوة الإسلامية شاهد على بطلان هذه الشبهة

كما أن تاريخ تاريخ الدعوة الإسلامية شاهد على بطلان هذه الفرية، فالدعوة في المرحلة المكية لم تحمل سلاحاً ولم تدخل معركة ومع ذلك آمن بها من آمن رغم ضراوة الإرهاب والعنت والاضطهاد والأذى الذي كان يحيقه المشركون بمن يعتنق الإسلام فأين هو هذا السيف؟

ويضاف إليه أن الفترة التي نشطت فيها الدعوة إلى الإسلام والتي شهدت إقبال الناس على اعتناق الإسلام هي تلك الفترة التي اتسمت بالاستقرار والبعد عن الحرب، ففترة السلم بعد صلح الحديبية وقبل فتح مكة شهدت إسلام الكثير من الناس لدرجة جعلت بعض المؤرخين يقول: إن من دخل الإسلام في تلك الفترة كانوا أكثر ممن دخلوه في المدة التي تقرب من عشرين عاماً منذ بدء الدعوة حتى تلك الفترة(219) .

ولو كان الإسلام يكره الناس على اعتناقه فلم أبرم الرسول صلى الله عليه وسلم العهود والمواثيق مع اليهود في المدينة، وماذا كان يمنعه من أن يكرههم على اعتناق الإسلام أو أن يبيدهم عن آخرهم علماً بأن المسلمين كانوا القوة الأولى في الجزيرة العربية والرسول رجل الدولة الأول ولو أراد لفعل وما

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عصاه أحد، إنه لا شيء يمنعه من ذلك إلا الأمر الإلهي: لا إكراه في الدين(220)

ثم إنه يلاحظ في حروب المسلمين وفتوحاتهم أن الدعوة لا تنتشر ولا يعلو شأنها إلا بعد أن تغمد السيوف وتخمد جذوة الحرب، وتضع الحرب أوزارها لما يرى من أخلاق المسلمين الفاتحين وما يعلم من تعاليم دينهم.

كما أن هناك كثير من البقاع التي لم يصل إليها المسلمون كجيش وإنما وصل إليها آحادهم من التجار والمسافرين الذين استطاعوا بسلوكهم وأخلاقياتهم أن يقدموا لأهل هذه الأقطار صورة مشرقة عن الإسلام جذبت الناس إليه في شوق ولهفة، مثل أندونيسيا وغيرها، فلم يُرفع فيها سيف ولم ترق فيها قطرة دم.

يقول الشيخ السيد سابق: ((إن الأمة الإسلامية هي الأمة المنتدبة من قبل الله لإعلاء دينه، وتبليغ وحيه وهى منتدبة كذلك لتحرير الأمم والشعوب.. وكانت مكانتها من غيرها مكانة الأستاذ من التلاميذ، وما دام أمرها كذلك فيجب عليها أن تحافظ على كيانها الداخلي، وتكافح لتأخذ حقها بيدها وتجاهد لتتبوأ مكانتها التى وضعها الله فيها، ولا يوجد دين من الأديان دفع بأهله إلى خوض غمار الحروب، وقذف بهم إلى ساحات القتال فى سبيل الله، والحق فى سبيل المستضعفين من أجل الحياة الكريمة غير الإسلام))(221) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهنا يجب أن نلتفت إلى حقيقة هامة ألا وهي أن المسلمين الفاتحين ما نقلوا الإسلام إلى الناس ولكنهم نقلوا الناس إلى الإسلام، فلم يكن النصر العسكري عندهم أعظم مطلوب، بل كان الانتصار الأكبر انتصار العقيدة.

((إن الفتح الإسلامي لم ينحسر عن عزيزٍ وذليلٍ، بل انحسر عن تحريرٍ وعلمٍ وطمأنينة ووحدة في العقيدة والمنهج، بعقيدة ربانية أصبح بها صاحب القافلة وحامي الظعينة يعتقد في نفسه أنه مدار الكون ومحوره(((222) .

ومن ينظر بعمق في تاريخ دعوة الإسلام وانتشاره يجد أن الإسلام لم ينتشر انتشاراً واسعاً في البلاد التي فتحها المسلمون إلا بعد مدة من الزمن، حين زالت الحواجز بين الناس والدعوة، واستمعوا إلى المسلمين في جو هادئ مسالم، وعاينوا أحوالهم وأخلاقهم بعيداً عن صليل السيوف وقعقعة الرماح؛ لأن السيف المسلط على رقبة الإنسان كثيراً ما يحول بينه وبين قبول دعوة صاحب السيف، وذلك لأن الإنسان مجبول على النفور مما يقهره ويذله.

ثم لنا أن نتساءل: أين هو هذا السيف أمام المغول الذين انقضوا على العالم الإسلامي كالصخرة تنقض من علٍ، ثم ما لبث أن عادوا إلى بلادهم مسلمين؟.

إنه مما لا شك فيه أن المسلمين خاضوا حروبا متعددة، ودانت لهم دول وشعوب، وانتشر الإسلام في هذه الدول وبين تلك الشعوب بالحجة والمنطق.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وكان من خصائص ذلك الانتشار:

- عدم إبادة الشعوب.

- جعلوا العبيد حكاماً.

- لم يفتحوا محاكم تفتيش.

- ظل اليهود والنصارى والهندوك فى بلادهم.

- تزاوجوا من أهل تلك البلاد وبنوا أُسراً وعائلات على مرِّ التاريخ.

- ظل إقليم الحجاز مصدر الدعوة الإسلامية - فقيراً إلى عصر البترول في الوقت الذى كانت الدول الاستعمارية تجلب خيرات البلاد المستعمرة إلى مراكزها.

- تعرَّضت بلاد المسلمين لشتى أنواع الاعتداءات ((الحروب الصليبية - الاستعباد فى غرب إفريقيا - إخراج المسلمين من ديارهم فى الأندلس وتعذيب من بقى منهم فى محاكم التفتيش)) ونخلص من هذا كله أن تاريخ المسلمين نظيف وأنهم يطالبون خصومهم بالإنصاف والاعتذار، وأنهم لم يفعلوا شيئاً يستوجب ذلك الاعتذار حتى التاريخ المعاصر(223) .

الإسلام دعوة ذاتية يخاطب العقل بالحجة والبرهان

إن شبهة انتشار الإسلام بالسيف تشير إلى أنه لم يكن في الإسلام من المبادئ ما يجتذب إليه الناس، فهم لم يقبلوه عن طواعية واقتناع، ولكن

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كيف إذاً بقي الناس مسلمين؟ وحتى حين شنت الحرب ضدهم كمسلمين وفي بعض البقاع لفترات طويلة؟ ولو أن أي دعوة أخرى أو فلسفة لاقت جزءاً مما لاقاه الإسلام في عقيدته وبنيه من حملات متعددة الوسائل والاتجاهات وحرب شاملة ولا دولة حالياً فوق ذلك تحميه، ما كانت لتبقى إلا في بطون التاريخ(224)

إن الإسلام فتح أتباعه البلدان بالعقيدة الصافية الواضحة والأخلاق الفاضلة والتشريع المواكب والملائم، بل والمصلح لكل الأعصار والأمصار، ولذا نجد أنه عندما انحسر سلطان الإسلام السياسي والعسكري، بقي ابن البلاد التي فتحت يحمد الله على نعمة الإسلام.

إن إقبال الشعوب على الإسلام كان بسبب ما لمسوه في الإسلام نفسه، فهو النعمة العظيمة، وما لمسوه من المسلمين من التخلق بأخلاق الإسلام والالتزام بأحكامه وأوامره ونواهيه، ولما لمسوه في القادة والجند اللذين كانوا يقومون بالدعوة بالتطبيق العملي، فتميزت مواقفهم بأنبل المواقف التي عرفها التاريخ العالمي، فقد كان الخلفاء والقادة يوصون جندهم بالاستعانة بالله، والتقوى وإيثار أمر الآخرة على الدنيا والإخلاص في الجهاد، وإرادة الله في العمل، والابتعاد عن الذنوب(225) .

ثم لنا أن نتساءل: ماذا يقول أولئك الذين يدعون أن الإسلام انتشر بالقوة وحد السيف عن أولئك الذين يدخلون في دين الإسلام أفواجاً من شتى أنحاء

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأرض على تفاوت ثقافاتهم واختلاف جنسياتهم، وتحديداً في تلك الفترة الزمنية التي ضعف فيها المسلمين وتخاذلوا عن أداء واجبهم المناط بهم. أيمكن لهؤلاء أن يدعوا أن المسلمين أكرهوا تلك الأعداد الغفيرة للدخول في دينهم؟

إن التاريخ شاهد على أن الناس ما يكادوا يقفوا على حقيقة الإسلام بروعة معانيه وجمال أفكاره وتصوراته، وكمال تشريعه الواسع المتين، فلا جرم أنهم يقبلون عليه في تسارع وتزاحم ورغبة، وهذه حقيقة ظاهرة للعيان وقد تحدث عنها التاريخ بإسهاب وإفاضة، وكشفت عن صدقها التجارب عبر الأجيال والأحقاب، فإنه ما كان الإسلام لينكشف بعقيدته وتعاليمه الكاملة فيطلع عليه العالمون حتى يقبلوا عليه أيما إقبال؛ ليدخلوا في حومته راضين راغبين أفواجاً(226) .

((إن هذا الإنصاف الإسلامي لغير المسلمين نابع من طبيعة الإسلام ومن سعة أفقه وقوة عقيدته وسماحة مبادئه والثقة بكل ذلك، ويمكن القول: إن تسامح العقيدة والمبدأ يسير طردياً مع سعة أفقها وقوتها، ولذلك فاق الإسلام كل ماعداه))(227) .

ويمكننا أن نلخص الأسباب التي ساعدت على انتشار الإسلام في فترة وجيزة من الزمن فيما يلي:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وضوح العقيدة الإسلامية وبساطتها وسهولة شعائرها وتعاليمها وسماحة مبادئها.

السلوك الإسلامي الحميد الذي كان يمارسه الصحابة والفاتحون أينما حلوا ونزلوا.

اشتمال الإسلام على مبادئ سامية تعد بمثابة الدواء الشافي لكل الأمراض التي عانت وتعاني منها البشرية.

إقرار مبدأ التسامح والحرية الدينية، وممارسة ذلك عملياً.

الخلق الكريم والسيرة الطاهرة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام.

الحماسة الشديدة التي أظهرها المسلمون الفاتحون في سبيل نشر دينهم وإيصال تعاليمه للناس بالتي هي أحسن(228) .

إن الإسلام جاء رحمة للعالمين، وجاء ليحرر الرقيق لا ليشرع الرق، وما عرف الإسلام الإكراه على عقيدته، ولا أقر إبادة الشعوب وما عرفها، وما قاتل أتباعه إلا الجنود في ميادين المعارك.

حتى الجهاد نفسه والحرب ما أقرها الإسلام إلا لفسح المجال أمام العقيدة لتصل إلى الشعوب، وإزالة كل الحواجز التي تقف بين الدعوة والناس من قوى مختلفة سواء كانت ملوكاً أو حكومات أو أفراد باغين... فالمهم هو أن يصل الإسلام إلى الشعوب ثم بعد ذلك لهم الخيار في اعتناقه أو رفضه

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فهم أحرار في ذلك وهم محاسبون أيضاً على ذلك الخيار، كل نفس بما كسبت رهينة(229)

لقد وجد السيف بالفعل ولكنه لم يكن الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم، وإنما كان لرد المعتدين والمحافظة على الدولة الإسلامية وعلى المسلمين، كما كان إزالة العقبات التي تقف في طريق الدعوة الإسلامية(230) .

وعليه فإن السلام في الإسلام هو القاعدة والأصل، والحرب ضرورة يفرضها الدفع الحضاري من الحق للباطل، ومن الخير للشر؛ حتى لا تفسد الأرض، وحتى يتم التمكين فيها لرسالات السماء ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ ٱلْأَرْضُ﴾(231) . ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَٰتٌ وَمَسَـٰجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا ٱسْمُ ٱللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓ ۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِىٌّ عَزِيزٌ ۝ ٱلَّذِينَ إِن مَّكَّنَّـٰهُمْ فِى ٱلْأَرْضِ أَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَمَرُوا۟ بِٱلْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا۟ عَنِ ٱلْمُنكَرِ﴾(232) .

والمولى جل وعلا يخاطب نبيه بقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾(233) .

إن هذا البيان القرآنى بإطاره الواسع الكبير، الذى يشمل المكان كله فلا يختص بمكان دون مكان، والزمان بأطواره المختلفة وأجياله المتعاقبة فلا يختص بزمان دون زمان، والحالات كلها سلمها وحربها فلا يختص

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بحالة دون حالة، والناس أجمعين مؤمنهم وكافرهم عربهم وعجمهم فلا يختص بفئة دون فئة؛ ليجعل الإنسان مشدوها متأملاً فى عظمة التوصيف القرآنى لحقيقة نبوة سيد الأولين والآخرين، ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَـٰكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَـٰلَمِينَ﴾ رحمة عامة شاملة، تجلت مظاهرها فى كل موقف لرسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه الكون والناس من حوله(234)

تشريع الجهاد في الإسلام ينفي هذه الفرية

إن الباعث على الجهاد في الإسلام إنما هو دفع الأذى، وتمكين الدعوة، ومقاومة الشر، ومكافحة الطغيان، ولم يكن ثمة إكراه على دين، أو قهر على إيمان.

والناظر لتشريع الجهاد ليجد أن الإسلام شرع لعدة أمور منها:

- إعلاء كلمة الله تعالى لحديث أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلذِّكْرِ وَالرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ فَمَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ(235) .

- الدفاع عن المسلمين وصدِّ الطغيان وردِّ العدوان الواقع أو المنتظر: ﴿وَقَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾(236) .

- تأمين طريق الدعوة ومنع الفتنة، أي الدفاع عن حرية الإنسان في اختيار الدين الذي يشاء ﴿وَقَـٰتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِ ۚ فَإِنِ ٱنتَهَوْا۟ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾(237) .

والجهاد فى الإسلام حرب مشروعة عند كل العقلاء من بنى البشر، وهى

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من أنقى أنواع الحروب من جميع الجهات:

1 - من ناحية الهدف.

2 - من ناحية الأسلوب.

3 - من ناحية الشروط والضوابط.

4 - من ناحية الإنهاء والإيقاف.

5 - من ناحية الآثار أو ما يترتب على هذه الحرب من نتائج(238) .

إن الجهاد فى سبيل الله تعالى ((يتسم بنبل الغاية والوسيلة معا، والآثار والثمار المتولدة عن هذا الجهاد متناسقة تماماً فى هذا السياق من النبل والوضوح، ويمكن إجمالها فيما يلى:

1 – إزالة الطواغيت الجاثمة فوق صدور الناس، وهو الشر الذي يؤدي إلى الإفساد في الأرض بعد إصلاحها.

2 – إقرار العدل والحرية لجميع الناس مهما كانت عقائدهم.

3 - تقديم القضايا العامة على المصلحة الشخصية.

4 - تحقيق قوة ردع مناسبة لتأمين الناس في أوطانهم.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

5 - تربية النفس على الشهامة والنجدة والفروسية(239) .

وعلى ضوء ما سبق فلقد كانت الفتوحات الإسلامية حروباً أخلاقية هدفت إلى إزالة الطواغيت وإقرار الحق والعدل، واستنقاذ الأبرياء من أسر الجبابرة المتألهين، كما مر معنا من قول ربعي بن عامر حين دخل على رستم قائد الفرس وسأله مَن بحضرة رستم فقالوا له: ((ما جاء بكم؟ فقال: الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه))(240) .

فحروب المسلمين تقيدت بمبادئ الحق والعدالة والرحمة مع المغلوبين والمحاربين، وهذا أمر واضح لمن يقرأ تاريخ الفتوحات الإسلامية، ولا يقدح فيه ما يثيره الحاقدون بين كل آونة وأخرى من الطعن في الفتوحات ووصمها بما ليس فيها.

ويؤكد الدكتور عبد الصبور مرزوق أن افتراءات المستشرقين وأذنابههم حول الجهاد الإسلامي لا تثبت أمام الحقائق العلمية بقوله:

((أكذوبة كبيرة ظلت وما تزال ينسبها الظالمون للرسول صلى الله عليه وسلم ولرسالته وعقيدته وهي أكذوبة أن الإسلام انتشر بالسيف، وأنه دين إرهابٍ وعنفٍ، وأنه دموي إلى آخر قائمة المقولات الظالمة التي تدين الإسلام وتدين ماضيه العظيم ثم تزرع الكراهية له ولأتباعه، ورداً على هذه

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأكذوبة الكبرى أعرض ما يلي:

أولاً: سجل التاريخ أن حصيلة الغزوات العشرين التى ردَّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم عدوان المشركين ومن تحالف معهم من اليهود، من الشهداء والقتلى لم يزيدوا على ( 386 ) ثلاثمائة وستة وثمانين شهيداً، منهم ( 203 )هم قتلى المشركين ( 183 ) هم شهداء المسلمين، بينما الحروب الدينية داخل النصرانية بين الكاثوليك والبروتستانت والتى دامت أكثر من قرنين قد أبيد فيها 40 % من شعوب وسط أوربا حوالى عشرة ملايين.

ثانياً: البلاد التي دخلها الإسلام وانتشر فيها من غير أن يرجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب ((أي دون قتال أو إكراه أو غزو بأي لون)) هذه البلاد أكثر بكثير مما دخلوا فيه في الجزيرة العربية وفي شمال إفريقيا.

ثالثاً: قضية استخدام السيف في جملتها ليست جريمة نكراء إذا وضعت في ضوابطها التي وضعها الإسلام على السيف قبل الشروع في استخدامه وهي:

1 - لم يستخدم السيف لإكراه أحد على الإسلام ولكن استخدم لدفع من يحولون دون إبلاغ الدعوة.

2 - دفع العدوان على بيت من بيوت الله أو التصدي لمن يحولون بين الناس وبين أن يقوموا بعبادتهم.

3 - إن استخدام القوة تم في الإطار الذي حددته آيات القرآن دفاعًا عن المستضعفين ودفعًا للظالمين.

4 استخدام القوة في أطر تبعد بها عن العنف والوحشية، فمثلاً لا يتم

قتال غير المقاتلين، ولا الشيخ الكبير المتقدم في السن، ويرتقي الإسلام بالنهي عن الإجهاز على جريح، فلا يجوز إتمام قتله))(241)

وعلى الرغم من كون الحرب مشروعة في الإسلام إلا أنه شرع لأتباعه آداباً لا يتخلفوا عنها قبل وأثناء وبعد المعركة، مما يدل على رفعة الهدف وسمو الغاية وأن السيف إنما هو استثناء يقع ضمن ضوابط حددها، وفيما يلي الحديث عنها:

آداب الجهاد في الإسلام وأخلاقياته

لقد وضع الإسلام للجهاد آدابا ترعى وأخلاقا تصان، وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من عدم الالتزام بها، ومن جملة هذه الآداب ما يلي:

1 - تحرير النفس من الأطماع

وتبدأ آداب الجهاد في الإسلام قبل المعركة. فقبل المعركة يجب على المسلم المجاهد أن يحرر نفسه من كل الأطماع، وألا يخرج مقاتلاً من أجل أي مصلحة شخصية، سواء كانت تلك المصلحة من أجل نفسه أو من أجل الطائفة التي ينتمي إليها، أو من أجل أي عرض دنيوي آخر، وينبغي أن يتقيد بالشروط التي أحلَّ الله فيها الجهاد، وأن يجعل ذلك لوجه الله تعالى، وإلا فإن جهاده مردود عليه إن لم يخلص نيته وسريرته لربه، ويكون من أول من تسعَّر بهم النار يوم القيامة كما روى الترمذي بسنده عن أبي هريرة في أول من تسعَّر بهم النار يوم القيامة، وفيه:

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله فيقول الله له فيماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت فيقول الله تعالى له: كذبك وتقول له الملائكة: كذبت ويقول الله بل أردت أن يقال فلان جريء فقد قيل ذاك، ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على ركبتي فقال: يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعَّر بهم النار يوم القيامة(242)

2 - رد العدوان يكون بقدر العدوان

لقد وضع الإسلام للحرب آداباً ومعايير منها أن يكون رد العدوان بمثل ما حدث به العدوان، وذلك حتى لا يستبيح الناس فى الحرب غير المباح، ولأن الحرب فى الرؤية الإسلامية هى جراحات استنثنائية يجب الوقوف فى آلياتها ومقاصدها ونطاقها عند المداواة للداء الذي فرضها دون الآليات والمقاصد التي توسع أبوابها فتحول الداء إلى أدواء؛ ولذلك جاء القرآن الكريم متحدثاً عن هذه الضوابط قال تعالى: ﴿ٱلشَّهْرُ ٱلْحَرَامُ بِٱلشَّهْرِ ٱلْحَرَامِ وَٱلْحُرُمَـٰتُ قِصَاصٌ ۚ فَمَنِ ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَٱعْتَدُوا۟ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا ٱعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ﴾(243) .

والأصل فى القتال هو مقاتلة المقاتلين من الأعداء المعتدين وليس قتالا ولا قتل النساء والأطفال وعموم غير المقاتلين وعن هذه الشمائل للفروسية الإسلامية تحدثت وصايا الرسول صلى الله عليه وسلم(244) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

3 - عدم تمني لقاء العدو

ثم هناك قبل الجهاد- أيضاً- عدم تمني لقاء العدو، حيث كان من أبرز توصيات النبي لأصحابه عدم تمني لقاء العدو، وكان من قوله صلى الله عليه وسلم : ((لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا))(245) .

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على منع القتال حتى بعد أخذ الأهبة له، وكان يوصي أصحابه بهذا ليعلمهم أن القتال ليس الأصل، وإنما الأصل الدعوة.

4 - الدعوة إلى الإسلام قبل القتال

والمقصود بالدعوة إلى الإسلام، أي دعوة المحاربين إلى الدخول في الإسلام، وتخييرهم بين ثلاث: إما الإسلام أو الجزية أو القتال.

والدعوة أصل إسلامي يجب على المسلمين الوفاء به، وحينما تقف أمامها العقبات يكون الجهاد والذي لا يخلو في بدايته من الدعوة ذاتها قبل خوض غماره ونزال ساحته، فالجهاد إنما هو لتأمين طريق الدعوة ومنع الفتنة.

والإسلام بهذا يوضح لأتباعه حقيقة رسالتهم وأنهم أصحاب رسالة وحملة أمانة وعليهم ألا ينسوا هذا حتى وهم في أحلك ظروفهم.

روى البخاري بسنده عن سهلٍ، قال: قال النبي يوم خيبر: «لأُعطينَّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله»، فبات الناس ليلتهم: أيهم يُعطى، فغدوا، كُلُّهم يرجوه، فقال: «أين عليٌّ؟»، فقيل: يشتكي عَيْنَيْهِ، فبصق في عينيه، ودعا له؛ فبرأ، كَأَنْ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لم يكن به وَجَعٌ، فأعطاه، فقال: أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: «اُنْفُذْ على رِسْلِكَ حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم، فوالله لأَنْ يَهْدِيَ الله بك رجلاً، خيرٌ لك من أن تكون لك حُمْرُ النَّعمَ»(246)

وروى أحمد في مسنده وعن ابن عباس قال: ما قاتل رسول الله

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

صلى الله عليه وسلم قوماًَ قط إلا دعاهم(247)

إن طريق الدعوة إلى الإسلام إذا كان مفتوحاً خالياً من العقبات والسدود ومن حكام الظلم وولاة الجور الذين يقلقهم أمر الإسلام فيحجبون نوره عن رعيتهم ويضعون أمام دعوته العقبات والعراقيل خوفاً على سلطانهم، أقول: إذا كان الطريق مفتوحاً والحرية قائمة فلا مجال للجهاد، أما إذا أقيمت الحدود والسدود، والموانع والحوائل فإنه يكون الجهاد، ولكنه جهاد الملتزم بتعاليم دينه والمنضبط بأوامر شرعه، فلا جهاد قبل دعوة وإعلان، وتخييرٍ وبيان.

إن مبدأ الدعوة إلى الإسلام قبل القتال إنما هو مبدأ إسلامي أصيل طبَّقه النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وأوصى به أصحابه، مرسِّخاً إياه في قلوبهم، ومنبهاً لهم أن يكونوا فيه قدوة لمن بعدهم من المسلمين الفاتحين.

إنه مبدأ أعمله النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه وطبَّقه من بعده أصحابه حتى يعلنوها للبشرية جمعاء أن الإسلام إنما هو دين السلام والتسامح وليس من أولياته أن يزهق الأرواح، ولا أن يبعثر الدماء وينثر الأشلاء، إنما هو سلم لمن سالم وحرب على من حارب.

عندما شرع الله تعالى الجهاد للمسلمين، وأمر به نبيّه صلى الله عليه وسلم ، وذلك من أجل حماية المسلمين، وحماية الدعوة الإسلامية، أمر المسلمين قبل الحرب وبعدها بالدعوة لأنّها الأصل، وهي المهمّة الأولى لهم.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

5 - التخلق بأخلاق الإسلام في الحرب

- عدم الغدر والغلول.

- تجنب المثلة والإحراق بالنار.

- تجنب قتل الضعفاء ((الأطفال والنساء والشيوخ)).

- عدم قطع الشجر والنخل.

ذكرنا سابقا أن الدعوة إلى الإسلام تسبق الحرب، فإذا لم تُجد الدعوة ولم يتقبلها خصوم الإسلام، ولم يختاروا من إحدى البدائل الأخرى، وتحديداً الجزية، يكون عندها القتال، وهنا يدخل المسلمون مرحلة أخرى لها قيمها وآدابها وأخلاقها، فليست كل وسيلة مباحة، وليس كل مخالف حلال الدم، فالغاية في الإسلام لا تبرر الوسيلة. إن الإسلام لا يأمر أتباعه بالتشفي والانتقام، بل يأمرهم بأن يدافعوا عن أنفسهم وينتصروا لمبادئهم دون أن يخرجوا عن حدود إنسانيتهم.

إن تعاليم الإسلام تأبى الوحشية المروعة، فلا دفن على قيد الحياة، ولا إحراق بالنار، ولا سحق للعظام. ولا تمثيل بالجثث.

وتعاليم الشريعة ووصايا النبى صلى الله عليه وسلم فى الحرب خير دليلٍ على ذلك.

روى مسلم في صحيحه وابن ماجة في سننه عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ:كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَّرَ رَجُلًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا فَقَالَ اغْزُوا بِاسْمِ اللَّهِ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ اغْزُوا وَلَا تَغْدِرُوا وَلَا تَغُلُّوا وَلَا تَمْثُلُوا وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَإِذَا أَنْتَ لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى إِحْدَى ثَلَاثِ خِلَالٍ أَوْ خِصَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ وَأَخْبِرْهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنْ أَبَوْا فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا أَنْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ فَسَلْهُمْ إِعْطَاءَ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ فَعَلُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ عَلَيْهِمْ وَقَاتِلْهُمْ، وَإِنْ حَاصَرْتَ حِصْنًا فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّكَ فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّكَ وَلَكِنْ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَبِيكَ وَذِمَّةَ أَصْحَابِكَ، فَإِنَّكُمْ إِنْ تُخْفِرُوا ذِمَّتَكُمْ وَذِمَّةَ آبَائِكُمْ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ رَسُولِهِ، وَإِنْ حَاصَرْتَ حِصْنًا فَأَرَادُوكَ أَنْ يَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ فِيهِمْ حُكْمَ اللَّهِ أَمْ لَا(248) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

- وروى البخاري في قصة عكل وعرينة قول قتادة: ((بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك كان يحثُّ على الصدقة وينهى عن المثلة))(249) .

وعن حنظلة الكاتب قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . فمررنا على امرأة مقتولة قد اجتمع عليها الناس. فأخرجوا له. فقال: ((ماكانت هذه تقاتل فيمن يقاتل)) ثم قال لرجل ((انطلق إلى خالد بن الوليد فقل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك يقول: لا تقتلن ذرية ولا عسيفاً))(250) .

وبين أيدينا نموذجاً من وصايا الخلفاء الراشدين لأمراء جيوشهم:

روى البيهقي بسنده عن صالح بن كيسان قال: لما بعث أبو بكر رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان إلى الشام على رُبع من الأرباع خرج أبو بكر رضي الله عنه معه يوصيه ويَزيد راكب وأبو بكر يمشي، فقال يزيد: يا خليفة رسول الله، إما أن تركب وإما أن أنزل، فقال: ما أنت بنازلٍ وما أنا براكب، إني أحتسب خُطاي هذه في سبيل الله، يا يزيد إنكم سَتَقدمون بلاداً تؤتون فيها بأصنافٍ من الطعام فسمُّوا الله على أولها واحمدوه على آخرها، وإنكم ستجدون أقواماً قد حبسوا أنفسهم في هذه الصوامع

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فاتركوهم وما حبسوا له أنفسهم، وستجدون أقواماً قد اتخذ الشيطان على رؤوسهم مقاعد، يعني الشمامسة، فاضربوا تلك الأعناق، ولا تقتلوا كبيراً هرماً ولا امرأةً ولا وليداً، ولا تخربوا عُمراناً، ولا تقطعوا شجرة إلا لنفع، ولا تعقرنَّ بهيمة إلا لنفعٍ، ولا تحرقن نخلاً ولا تُغرقنَّه، ولا تَغدر، ولا تُمثِّل، ولا تَجبُن، ولا تغَّلُلُ، ولينصرن الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز، استودعك الله أُقرئك السلام، ثم انصرف(251)

إن وصية أبي بكرالصِّدِّيق رضي الله عنه لجيشه هذه لم تكن ناتجة عن اجتهاده الشخصي وإنما هي وصية نابعة من القرآن الكريم الذي هذب النفوس ووضع القواعد والأسس التي تنظم كل شئون الحياة وعلى رأسها شئون الحرب.

فإذا كان الإسلام أباح الحرب كضرورة من الضرورات فإنه يجعلها مقدرة بقدرها؛ فلا يقتل إلا من يقاتل فى المعركة، وأما من تجنَّب الحرب فلا يحل قتله أو التعرض له بحال.. وقد فرض الإسلام حظراً كاملاً على اللجوء إلى الأساليب غير الإنسانية التى كانت تتبع فى الحروب فى جزيرة العرب وسواها قبل الإسلام، وليس أدل على ذلك من التوجيهات والتوصيات التى أصدرها النبى الكريم صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده))(252) .

إن المسلمين الفاتحين عندما خرجوا من بلادهم خرجوا يريدون نشر الإسلام وإيصال نوره للعالمين، وتحركو ا بتعاليم جهادهم، ففتحوا بلاداً شاسعة ودانت لهم شعوب وأمم؛ لأنهم كانوا يجرون في تعاملهم معهم وفق

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تعاليم الشريعة القائمة على العدل والرحمة والحق والنصفة.

إن الإسلام بهذا يرسم لأتباعه الهدف من القتال وهو أن يكون في سبيل الله، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَقَـٰتِلُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ ٱلَّذِينَ يُقَـٰتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوٓا۟ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلْمُعْتَدِينَ﴾(253) .

والطريقة المثلى لتحقيق هذا الهدف هو أن يقاتلوا الذين يرفعون السلاح ويشتركون في الحرب ولا يجب أن يتجاوزهم القتال إلى غيرهم من النساء والصغار والشيوخ ويلحق بهم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في الصوامع.

يقول ابن كثير مفسراً هذه الآية السابقة: أي قاتلوا في سبيل الله ولا تعتدوا.. أي قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا في ذلك ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي، كما قاله الحسن البصري: من المثلة والغلول وقتل النساء والصبيان والشيوخ، الذين لا رأي لهم ولا قتال فيهم، والرهبان وأصحاب الصوامع، وتحريق الأشجار، وقتل الحيوان لغير مصلحة، كما قال ذلك ابن عباس وعمر بن عبد العزيز ومقاتل بن حيان وغيرهم(254) .

إن الإسلام جاء رحمة للجميع وبخاصة الضعفاء، وحتى الأشجار والنخيل شملتهم رحمة الإسلام في ساحات الوغى.

6 - الجنوح للسلم إذا ما جنح لها الأعداء غير مخادعين

قال تعالى: ﴿وَإِن جَنَحُوا۟ لِلسَّلْمِ فَٱجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ ۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلْعَلِيمُ﴾(255) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هذه حكمة بالغة من القرآن، بل هذه معجزة من معجزاته الخالدة، وهى أدل دليل على أنه لم يشرع الحرب لذاتها، ولكن لأنها من عوامل الاجتماع التي لابد منها ما دام الإنسان فى عقليته ونفسيته المأثورتين عنه، غير أنه لم ينف أن يحدث تطور عالمى يتفق فيه على إبطال الحرب فصرح بهذا الحكم قبل حدوثه ليكون حُجة لأهله من ناحية، وليدل على أنه لا يريد الحرب لذاتها من ناحية أخرى، ولو كان يريدها لذاتها لما نوه لهذا الحكم.

وماذا بعد الحرب؟

ولا ينتهي الجهاد في الإسلام بمجرد إخضاع الكافرين واستئصال شوكتهم، بل إنه مستمر حتى بعد القتال، ولكن جهاد من نوعٍ آخر، إنه جهاد النفس وهو الجهاد الأكبر.

فيجب على المسلم أن يجاهد نفسه الجهاد الأكبر؛ حتى لا يتحول الفارس المجاهد إلى شخصٍ مؤذٍ لمجتمعه أو لجماعته أو للآخرين، وبالرغم من أن لفظة الجهاد إذا أطلقت انصرف الذهن إلى معنى القتال فى سبيل الله. إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أسماه بالجهاد الأصغر، وسمى الجهاد المستمر بعد القتال بالجهاد الأكبر؛ لأن القتال يستمر ساعات أو أيام، وما بعد القتال يستغرق عمر الإنسان كله.

إذن فالحرب في الإسلام ليست حرباً انتقامية تقوم على التشفي والعدوان، وليست حرباً توسُّعية تهدف إلى السيطرة على مقدرات البلاد والعباد، إنها حرب ذات هدف نبيل ومشروع،‏ غايتها إزهاق الباطل والتمكين في الأرض لدين الله، حتى يصل نوره إلى العالمين.

روى مسلم في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا مِنْ غَازِيَةٍ

أَوْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فَتَغْنَمُ وَتَسْلَمُ إِلَّا كَانُوا قَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أُجُورِهِمْ وَمَا مِنْ غَازِيَةٍ أَوْ سَرِيَّةٍ تُخْفِقُ وَتُصَابُ إِلَّا تَمَّ أُجُورُهُمْ(256)

ولذا نرى موقف النبى صلى الله عليه وسلم مع مشركي مكة عند الفتح حين قال لهم: ما ترون أني صانع بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء(257) .

والخلاصة: فإن السيف الذي شهره المسلمون هو لإزالة العقبات التي تحول بين الآخرين ونور الإسلام ولا مجال للإكراه في حمل الناس على الإسلام.

وعليه فلا يصح بحال من الأحوال وصم الفتوحات الإسلامية بالدموية، ونظرة واحدة لخسائر الحرب العالمية الأولى تدلنا على حجم الخسائر البشرية، فيكفينا أن نعلم أن حجم هذه الخسائر بالأرواح بلغ تقريباً 8,538,315 وأكثر من ضعف هذا العدد من الجرحى، أما أهم الخسائر المادية فقد وقعت في الأراضي التي دارت فيها المعارك حيث أتلفت المحاصيل الزراعية وقضي على المواشي ودمرت مئات آلاف المنازل وآلاف المصانع إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالسكك الحديدية وبمناجم الفحم التي غمرها هذا الطرف أو ذاك بالماء لمنع استغلالها من قبل العدو.

أما عن الحرب العالمية الثانية فقد بلغ عدد ضحايا ها أكثر من ثمانين مليون

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نسمة 80 ما بين قتيل وجريح ومشرد لا مأوى له ولا مسكن، فأين الفتوحات الإسلامية من هذه الأعداد الهائلة من القتلى والجرحى؟ وهل فات أولئك المستشرقين أن ينقَّبوا في ضحايا هذه الحروب قبل أن يصموا الفتوحات الإسلامية بالدموية وأنها نشرت الإسلام بالقوة وحد السيف.

الحق ما شهدت به الأعداء

ولقد نطق بهذا الحق من ليس على الإسلام من القديم والحديث:

فهاهم نصارى الأردن يخاطبون جيش المسلمين بقيادة أبي عبيدة قائلين لهم:يا معشر المسلمين، أنتم أحب إلينا من الروم، وإن كانوا على ديننا، أنتم أوفى لنا وأرأف بنا، وأكف عن ظلمنا وأحسن ولاية علينا، ولكنهم غلبونا على أمرنا وعلى منازلنا(258) .

ولقد فطن لبطلان هذا الادعاء كاتب غربي ومستشرق من بني جلدتهم ألا وهو غوستاف لوبون حيث يقول في كتابه حضارة العرب متحدثاً عن سرَّ انتشار الإسلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفى عصور الفتوحات من بعده:

قد أثبت التاريخ أن الأديان لا تُفرض بالقوة، ولم ينتشر الإسلام إذن بالسيف بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخراً كالترك والمغول، وبلغ القرآن من الانتشار في الهند التي لم يكن العرب فيها غير عابري سبيل- ما زاد عدد المسلمين إلى خمسين مليون نفس فيها.. ولم يكن الإسلام أقل انتشاراً في الصين التي لم يفتح العرب أي جزء منها قط، وسترى في فصل آخر سرعة الدعوة

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فيها، ويزيد عدد مسلميها على عشرين مليونا في الوقت الحاضر))(259)

ويقول في موضعٍ آخر: فالحق أن الأمم لم تعرف فاتحين راحمين متسامحين مثل العرب، ولا ديناً سمحاً مثل دينهم))(260) .

ويقول فون كريمر: كان العرب المسلمون في حروبهم مثال الخلق الكريم، فحرَّم عليهم الرسول قتل الرهبان والنساء والأطفال والمكفوفين، كما حرَّم عليهم تدمير المزارع وقطع الأشجار، وقد اتبع المسلمون في حروبهم هذه الأوامر بدقةٍ متناهيةٍ، فلم ينتهكوا الحرمات، ولا أفسدوا المزارع، وبينما كان الروم يرمون بالسهام المسمومة فإنهم لم يبادلوا أعداءهم جرماً بجرم، وكان نهب القرى وإشعال النار قد درجت عليه الجيوش الرومانية في تقدمها وتراجعها، أما المسلمون فقد احتفظوا بأخلاقهم المثلى فلم يحاولوا من هذا شيئاً(261) .

ويقول المستشرق توماس كارليل فى كتابه الأبطال: إن اتهامه- أي النبي صلى الله عليه وسلم - بالتعويل على السيف في حمل الناس على الاستجابة لدعوته سخف غير مفهوم، إذ ليس مما يحوز في الفهم أن يُشهر رجل فرد سيفه ليقتل به الناس أو يستجيبوا لدعوته، فإذا آمن به مَن يقدرون على حرب خصومه، فقد آمنوا به طائعين مصدِّقين، وتعرضوا للحرب من أعدائهم قبل أن يقدروا عليها(262) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وتشيد المستشرقة الشهيرة زيجريد هونكه بالتسامح الإسلامي بقولها:((لقد لعب التسامح العربي دوراًحاسماً في انتشار الإسلام، وذلك على العكس تماما من الزعم القائل بأنه قد انتشر بحد السيف والنار، وقد أصبح هذا الزعم من الأغاليط الجاحدة ضد الإسلام))(263) .

فانظر معي أخي القارئ إلى هذه الأقوال التي صدرت من أناس لم يعتنقوا الإسلام ولكنهم درسوا التاريخ الإسلامي، ولم يستطيعوا أن يخفوا إعجابهم الشديد به، فانبرت كتاباتهم تثني على الإسلام وتاريخه الناصع، وتدفع عنه أي ريبة قد يلحقها به الآخرون، مع أن هؤلاء القوم لم يدخلوا الإسلام ولم ينصفوه في كل جوانبه، إلا أنهم ما جرأوا أن يخفوا حقيقة الفتوحات الإسلامية.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثانياً: فتوحات الآل والأصحاب بين الدوافع الاقتصادية والمصالح الشخصية

لقد حاول المستشرقون جهدهم أن يشوهوا دوافع الفتوحات الإسلامية ويغيروا معالمها مدَّعين أنها قامت لمصالح دنيوية وأسباب مادية واقتصادية، زاعمين أن الدافع الحقيقي للفتوح يتمثل في الجوع والحاجة، وأن العرب ما أخرجهم من جزيرتهم إلا الفقر والفاقة، أو بعبارة أدق: حب الهناء في أحضان الهلال الخصيب.

فهاهو توماس أرنولد يصرح بهذه الشبهة ويدعى أن الفتوحات الإسلامية كان الغرض منها السيطرة على البلاد الغنيَّة ذات الترف والنعيم فقال: ((كان أقوى جذبٍ لهم إلى الإسلام أملهم الوطيد في الحصول على غنائم كثيرة في جهادهم في سبيل الدين الجديد، ثم أملهم في أن يستبدلوا بصحاريهم الجرداء التي لم تتح لهم إلا حياة تقوم على البؤس تلك الأقطار ذات الترف والنعيم وهى فارس والشام ومصر(((264) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويقول المستشرق السابق أيضاً متحدثاً عن انتشار الإسلام بين الشعوب المسيحية فى آسيا الغربية:

ويعتبر توسُّع الجنس العربي على أصحِّ تقدير هجرة جماعة نشيطة قوية البأس دفعها الحرمان إلى أن تهجر صحاريها المجدبة، وتجتاح بلاداً أكثر خصباً كانت ملكاً لجيران أسعد منهم حظاً(265) .

ويزيد المستشرق ول ديورانت فى كتابه:((قصة الحضارة)) من وضوح هذه الدعوى بقوله صراحة:

((وكان العربي يدفع ملل الحياة الرتيبة وسآمتها بالحب والحرب، وكان يسرع إلى الانتقام لما عساه أن يوجه إليه أو إلى قبيلته من إهانة وأذى، وكان يقضى جزءاً كبيراً من حياته فى الحرب التي تستعر نارها بين القبائل المختلفة، ولما أن فتح بلاد الشام وفارس ومصر وأسبانيا، لم يكن عمله هذا إلا توسعاً منه فى غارات النهب التي كان يشنها في أيام الجاهلية وإن اختلف الغرض فى هذه عن تلك))(266) .

ويقول ستانلي لين بول:(( إننا لا نستطيع أن ننكر أن ثروة القياصرة والأكاسرة والأراضي الخصبة والمدن العامرة في الممالك المجاورة كانت عاملاً كبيراً في تحمس المسلمين – في الفتوحات-))(267) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وكان ممن ادعى هذا الادعاء، وتخرص بهذا الافتراء؛ يوليوس فلهاوزن، وبرنارد لويس، ومرجليوث، وبروكلمان، وموير...(268) .

لقد حاول المستشرقون جهدهم تشويه صورة الفتوحات الإسلامية عن طريق الادعاء بأن الفتوحات الإسلامية في مجملها ليست في حقيقتها إلا توسعات استعمارية ذات طابع اقتصادي للحصول على الغنائم وفرض الجزية على غير المسلمين.

وفي الحقيقة فإن هذا التعليل السابق للفتوحات الإسلامية ليس بمستغرب عن المستشرقين، ولكن ما يدعو للأسف ويثير الدهشة أن جماعة تنتمي للإسلام وافقت هؤلاء المستشرقين في زعمهم، فادعت أن هذه الفتوحات إنما قامت لأغراض بعيدة كل البعد عن خدمة الإسلام والمسلمين، فيدعون أنها قامت لأجل مصالح الخلفاء والقادة الخاصة.

وهذا التعليل ليس ببعيد عن سابقه إذ أن فيه ادعاء أن الخلفاء أرادوا من الفتوحات تكوين ثراء واسع ونفوذ كبير، وبناء مجد شخصي يحكيه التاريخ، وتعلمه الأجيال، جيل تلو آخر.

يقول صالح الورداني مشنِّعاً على دور الحكام والقادة في الفتوحات الإسلامية: إن المتأمل في حركة الفتوحات الإسلامية سوف يتبين له أنها لم تسهم في إدخال الناس في دين الله وأنها أسهمت في زيادة ثروات الحكام وكانت في حقيقتها صدام عسكري بين حكم عربي وحكم آخر

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أُسقط بالقوة بينما بقيت الشعوب على حالها وقد فرضت عليها الجزية والخراج(269)

ويقول في هامش الصفحة نفسها: كان معاوية ومن تلاه من الحكام يصادرون نفائس الغنائم من الجنود ويأخذونها لأنفسهم ويحولون بين الناس وبين الدخول في الإسلام خوفاً من تدنِّي دخل الدولة من الجزية والخراج حتى جاء عمر بن عبد العزيز(270) .

وورد في كتاب ((الإمام الحسن المجتبى)): إن تلك الفتوحات لم تكن عموماً من أجل مصالح الإسلام العليا، حيث إن الحكام كانوا يستفيدون من تلك الفتوحات في مجال إرضاء طموحاتهم وإشباع غرورهم، فقد أسالت الفتوحات لعابهم بما فيها من غنائم وبسط نفوذ، فصاروا يهتمون بتقوية أمرهم وتثبيت سلطانهم، وهناك من الحكام مَن كان الدين والإسلام بنظرهم مجرد شعار يخدم ملكهم ويقويه(271) .

ويقول سعيد أيوب: إن أصحاب المقاعد الأولى أساءوا أبلغ إساءة إلى الفتوحات، ومن لطف الله تعالى أن عامة المسلمين من التجار وغيرهم، والعديد من العلماء الأفاضل، كانوا الصورة النقية التي عبرت عن الإسلام في البلاد المفتوحة........ إن الذين وضعوا بني أمية في دائرة مناقب الفتوحات، لم يصيبوا الحق في رأينا، لأن بني أمية دخلوا هذه الأبواب من طريق أضاعوا فيه الصلاة، واتبعوا الشهوات، فجاءت الفتن المقروءة

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والمسموعة وغير ذلك. ثم كيف يوضعون في دائرة المناقب هذه في الوقت الذي ضاعت فيه الأمانة؟(272)

ويشير في موضعٍ آخر إلى أن حركة الفتوحات لم تكن في الاتجاه الصحيح، مصرحاً بأن الفتوحات جاءت بالأموال حتى كثر التنافس الذي جرَّ الفتن، والإسلام لم يكن في أصوله البحث عن الأموال والنعيم، وإنما في أصوله البحث عن الفطرة التي تئن تحت أحمال الجاهلية، وفي أصول الإسلام أن وضع الفطرة في المكان الصحيح يترتب عليه دوران صاحبها في اتجاه حركة الكون. ومع هذا الدوران الصحيح سيأتي حتماً الإطعام والأمن..

ثم ينتهي من وراء ذلك إلى شبهة قصد تقريرها بقوله: إن حركة هؤلاء الولاة منذ البداية كانت تعمل لخدمة هوى تلبَّس بالإسلام(273) .

ويقول فارس حسون: ومن أكبر أسباب الضلالة فتوحات عمر التي خدع بها المغفلون، وتاه في واديها المستضعفون، أفترون أن الفتح جهاد ديني أم نخوة جاهلية؟ فإن كانت الثانية فلا شكر على محرم ولا فضل في ردة بعد الهداية، وإن كانت الأولى فللجهاد أحكام قرآنية ونبوية، فهل كان عمر عارفاً وسائراً وفق منهاجهما؟ تتبعوا أحكام عمر في تعيين أمراء الجيش، فانظروا المحاباة في اختيارهم حتى لو أدى إلى سفك من جيش المسلمين بسبب عدم كفاءة القائد، أو عدم تقواه!!....

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فدقق النظر في سيرته المذكورة بأقلام محبيه، ثم انظر إلى أوامر عمر فيمن ينتصر عليهم أو يجلب إليه سباياهم، فهل تتفق مع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وسيرة أبي بكر؟! وانظر إلى تقسيمه المغانم، فهل سار في ذلك على نهج الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو نهج أبي بكر المرضي عندهم؟(274)

فالعجيب أن نرى مَن ينتسب إلى الإسلام يعلن في وقاحة منقطعة النظير أن الفتوحات الإسلامية ما أعطت صورة طيبة عن الإسلام، وأنها ما رحمت أحداً، وأن الغرض منها لم يكن نشر الإسلام وإنارة الدنيا به، وإنما الهدف كان البحث عن المغانم والمصالح الشخصية.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهذا الأمر يردده البعض نقلاً، عن المستشرقين الذين أرجعوا الفتوحات الإسلامية إلى دوافع اقتصادية، وأن العرب والمسلمين ما أخرجهم من ديارهم إلا الجوع والفقر.

الرد على الشبهة

وعند الرد على هذه الشبهة نجد أنها احتوت على شبهة عامة دارات عليها كتابات المستشرقين ومن نحا نحوهم، وهي شبهة الدوافع الاقتصادية.

و هناك شبهة جزئية وقعت في ثنايا ما ذكره أذناب المستشرقين، وسنرجىء الرد عليها لما بعد الشبهة العامة.

ونبدأ بالرد على الشبهة العامة

الدوافع الاقتصادية للفتوحات الإسلامية

إن المسلمين لم يدفعهم للخروج من بيوتهم في فتوحاتهم الحاجة الاقتصادية، فلم يكن الحصول على الغنائم في حروبهم مع الكفار مطلباً هاماً يسعون وراءه، كما يدعي المستشرقون وأذنابهم.

وهنا شيء يجب أن نلفت الأنظار إليه: وهو أنه يظهر جلياً عند الحديث عن الفتوحات الإسلامية، أن المستشرقين حاولوا جاهدين تطبيق موارد تاريخهم على تاريخنا الإسلامي، فعندما يتحدثون عن الفتوحات

الإسلامية نراهم يحاولون تفسيرها انطلاقا من تاريخهم الأوروبي ونظرتهم المادية للأمور، فقد كانت الفتوحات في نظرهم بحثاً عن الغنائم والمكاسب المادية لا غير.

كما نرى أن المستشرق لا يشغل نفسه بالبحث عن حقيقة دوافع المسلمين في الفتوحات الإسلامية وهي نشر رسالة الإسلام التي تدعو إلى تحرير البشر من كل أنواع العبوديات، وفتح الطريق أمام دعوة الله سبحانه وتعالى .

وفي طريقنا لتفنيد هذه الشبة فلابد من بيان شيء في غاية الأهمية في هذا الصدد ألا وهو:

نظرة الإسلام إلى المال

إن المال في الإسلام من جملة الأمانات التي تنشغل بها ذمة المسلمين ليصونوه أحسن صيانة وليرعوه خير رعاية، قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا۟ ٱلْأَمَـٰنَـٰتِ إِلَىٰٓ أَهْلِهَا﴾(275) .

وقد قرر الإسلام أن الأموال رغم ما فيها من متعة الحياة الدنيا إلا أنها تبقى فتنة لمن لم يزهد فيها، ولمن جعلها شغله الشاغل، قال تعالى: ﴿وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾(276) .

فالمال في الإسلام إنما هو وسيلة لهدف نبيل، وليس غاية في حدِّ ذاته، ولا خير في مالٍ لا يعود بالنفع على الإسلام والمسلمين، إنه في هذه الحال نقمة ووبال على صاحبه.

إن صاحب المال يقع وقتها في دائرة قوله تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ يَكْنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾(277) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعليه فقد أوجب الإسلام على صاحب المال الزكاة تطهيراً لماله ومعونة للفقراء والمستحقين، وحث المسلمين على بذل أموالهم في الجهاد تماماً كما حثهم على بذل أرواحهم فقال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَهَاجَرُوا۟ وَجَـٰهَدُوا۟ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمْوَٰلِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ ۚ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلْفَآئِزُونَ﴾(278) .

ولقد أدرك المسلمون الفاتحون هذه الحقيقة، وكانت غضة ندية في قلوبهم وعقولهم؛ لقرب عهدهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتمكُّن تعاليم الإسلام من شغاف قلوبهم.

ولذا نراهم كانوا حراصاً على المسارعة إلى الخيرات، والمسابقة إلى نيل الشهادة مضحين في سبيل ذلك بأموالهم وأرواحهم امتثالاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ ٱشْتَرَىٰ مِنَ ٱلْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَٰلَهُم بِأَنَّ لَهُمُ ٱلْجَنَّةَ ۚ يُقَـٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾(279) .

هذه مقدمة كان لابد منها عند حديثنا عن ردَّ شبهة الفتوحات والغنائم، وهي شبهة تحمل في طياتها أدلة بطلانها وتهافتها.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بمكة ثلاثة عشر عاماً، يدعو إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وقد كان نتاج هذه المرحلة أن دخل في الإسلام خيار المسلمين من الأشراف وغيرهم، وكان الداخلون أغلبهم من الفقراء، ولم يكن لدى رسول الله صلى الله عليه وسلم من المال ما يغري بها هؤلاء الداخلين، ولم يكن إلا الدعوة، والدعوة وحدها، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل تحمَّل المسلمون لاسيما الفقراء والعبيد ومن لا عصبية له منهم من صنوف العذاب وألوان البلاء ما تعجز الجبال الرواسي عن تحمله، فما

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

صرفهم ذلك عن دينهم وما تزعزعت عقيدتهم، بل زادهم ذلك صلابة في الحق، وصمدوا صمود الأبطال مع قلتهم وفقرهم، وما سمعنا أن أحداً منهم ارتدّ سخطاً عن دينه، أو أغرته مغريات المشركين في النكوص عنه وإنما كانوا كالذهب الإبريز لا تزيده النار إلا صفاءً ونقاءً.

قدم هذه الشبهة بقدم الدعوة

إن البحث عن الغنائم لم يكن يوماً هدفاً للمسلمين ولا دافعاً لهم على الخروج من جزيرتهم.

إن هذه الفرية الشنعاء ليست بالجديدة على أسماعنا ولا في تاريخنا، بل هي قديمة قِدَم العداوة بين الإسلام وخصومه الأوائل، لقد وُجِّهت إلى رسل الله من قِبَل أقوامهم.

فهذا رسول الله نوح عليه السلام يقول: ﴿وَيَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِ﴾(280) .

وهاو هو نبي الله هود عليه السلام يقول لقومه: ﴿يَـٰقَوْمِ لَآ أَسْـَٔلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِى فَطَرَنِىٓ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾(281) .

بل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه وهو صاحب الدعوة قد عرضت عليه المغريات من كل جانب ولكنه أبى إلا أن يكون فقيراً زاهداً، لقد عرض عليه المشركون عروضاً مغرية تكفل له العيش الرخي والمجد السني؛ فعرضوا عليه المال والجاه والنساء في محاولة مستميتة منهم لإثنائه عن دعوته ومساومته في عقيدته، فكان رده صلى الله عليه وسلم حازماً صارماً.

فقد روي أن عتبة بن ربيعة جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

((يا ابن أخي، إنك منا)) حيث قد علمت من السطة(282) في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمرٍ عظيم، فرَّقت به جماعتهم؛ فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها. فقال له: قل يا أبا الوليد أسمع، قال: يا ابن أخي: إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً؛ وإن كنت تريد به شرفاً، سوَّدناك علينا، حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً، ملَّكناك علينا: وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوي منه. حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله صلي الله عليه وسلم يستمع منه قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم، قال: فاسمع مني قال: أفعل قال: ﴿حمٓ تَنزِيلٌ مِّنَ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلرَّحِيمِ كِتَـٰبٌ فُصِّلَتْ ءَايَـٰتُهُۥ قُرْءَانًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾(283) ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرأها عليه، فلما سمعها عتبة منه أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليها يسمع منه، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض: يحلف بالله: لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي خلوا بين هذا الرجل

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبين ما هو فيه فاعتزلوه فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به قالوا: سحركم والله يا أبا الوليد بلسانه قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم(284)

لقد كان رد الرسول صلى الله عليه وسلم أمام هذا الإغراء الكبير صارماً وحازماً ولا يقبل الجدل، لقد ردَّ الرسول على عتبة رداً خالداً سوف يبقى دافعاً لهذه التهمة إلى يوم الدين، وخرج عتبة متأثراً من مقالة النبي صلى الله عليه وسلم ، وطالباً من قريش أن يدَعوه وشأنه، إلا أنهم ما يأسوا وحاولوا أن يخوضوا غمار محاولة ثانية لعلها تبوأ بالنجاح وتلقى عند النبي صلى الله عليه وسلم ترحيباً.

فأجمعوا أمرهم وجمعوا ملأهم وذهبوا عند الكعبة وأرسلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأعادوا عليه عرض عتبة من جديد، فكان ردُّ النبي صلى الله عليه وسلم قارعاً لأسماعهم.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((ما بى ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولاً، وأنزل عليَّ كتاباً، وأمرني أن أكون لكم بشيراً ونذيراً، فبلغتكم رسالة ربى ونصحت لكم، فإن تقبلوا منى ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم))(285) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فسوَّل لهم شيطانهم أن يجربوا محاولة ثالثة عن طريق وسيط محبب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذهبوا إلى عمه أبي طالب مطالبين منه التدخُّل، وبالفعل تدخَّل أبو طالب ونقل إلى النبي صلى الله عليه وسلم عرضهم، فكان ردُّ النبي صلى الله عليه وسلم قاصماً لكل أمرٍ، وقاطعاً لأي أملٍ في أي محاولة أخرى، لقد قال النبي صلى الله عليه وسلم مقالة حفظها لنا التاريخ وسجلها كما هي لتبقى نبراساً للمسلمين وهادياً لهم أينما حلوا وارتحلوا.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا عم، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته(286) .

هذه شواهد تدل أبلغ دلالة على بطلان تلك الفرية من حياة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد عرضت عليه كل المغريات من كل جانب ولكنه أبى إلا أن يعيش زاهداً فقيراً.

لقد كان صلى الله عليه وسلم في وسعه وقد دانت له جزيرة العرب بأسرها أن يكون الثري الأول في تلك البقعة، ولكنه لم يأت طمعاً في الثراء أو جمعاً للمال، وإنما جاء من أجل تبليغ دعوة وإرساء دعائم حضارة(287) .

إن جزيرة العرب دانت كلها إلى رسول الله وما زاده هذا إلا زهداً في الحياة.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تعاليم الإسلام تنفي هذه الشبهة

إن الناظر لنصوص القرآن الكريم والسنة النبوية يجد أنها قد حرَّمت على المسلم أن يجاهد طلباً للمغانم الدنيوية، بل إن الإسلام قد اعتبر ذلك جريمة.

ففي الصحيحين عن الصحابي الجليل أبى موسى الأشعري رضي الله عنه قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً، فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا فَقَالَ صلى الله عليه وسلم : مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ(288) .

وقد عنون الإمام مسلم في صحيحه في كتاب الإمارة باباً بعنوان:((من قاتل للرياء والسمعة فهو فى النار)).

حال النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه وكبار الفاتحين رضي الله عنهم ينفي هذه الشبهة

من يقرأ في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ويطالع فصولها يجد أنه صلى الله عليه وسلم كان بعيداً كل البعد عن إغراءات الحياة وزخرفها، ولم يكن من اهتماماته جمع الأموال وتكوين الثروات، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم عاش حياته زاهداً في متع الحياة معرضاً عنها رغم كونه قادراً عليها، فلو شاء النبي صلى الله عليه وسلم أن تكون عنده تلال من الذهب والفضة ووديان من الأنعام والإبل لكان له ما أراد، ولكنه عاش فقيراً ليُعلِّم أصحابه أن يجعلوا الدنيا في أيديهم وليست في قلوبهم، وأن تكون الآخرة هدفهم وغايتهم.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

روى البخاري بسنده عن عروة عن عائشة أنها قالت لعروة ابن أختي: إن كنا لننظر إلى الهلال ثلاثة أهلة في شهرين وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار فقلت ما كان يعيشكم؟ قالت الأسودان التمر والماء إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جيران من الأنصار كان لهم منائح(289) وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبياتهم فيسقيناه(290) .

وروى البخاري بسنده عن الأسود عن عائشة قالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم منذ قدم المدينة من طعام بر ثلاث ليال تباعا حتى قبض(291) .

وروى البخاري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما أكل آل محمد صلى الله عليه وسلم أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر(292) .

وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدم وحشوه من ليف(293) .

وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان يأتي علينا الشهر ما نوقد فيه نارا إنما هو التمر والماء إلا أن نؤتى باللحيم(294) ((واللحيم)) تصغير لحم وأشارت بذلك إلى قلته.

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أهذا حال رجل يربي أتباعه على جمع المغانم وحيازة الثروات؟ أظن أن الإجابة واضحة للعيان.

وعلى هذا الأمر ربَّى النبي صلى الله عليه وسلم أتباعه، الذين كانوا يجودون بأموالهم في سبيل الله، فها هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه يجود بماله في سبيل الله في مرات عديدة.

فقد روى أبو داود بسنده عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا أَنْ نَتَصَدَّقَ فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالاً عِنْدِى فَقُلْتُ الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِى فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : «مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ ». قُلْتُ: مِثْلَهُ.قَالَ وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ». قَالَ أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قُلْتُ لاَ أُسَابِقُكَ إِلَى شَىْءٍ أَبَدًا(295) .

ولما استُخلِف رضي الله عنه كان يخرج ليعمل بالتجارة ليعول أهله، فقد روى ابن سعد في الطبقات بسنده عن عطاء بن السائب قال: لما استخلف أبو بكر أصبح غادياً إلى السوق وعلى رقبته أثواب يتجر بها فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة ابن الجراح فقالا له: أين تريد يا خليفة رسول الله؟ قال: السوق، قالا: تصنع ماذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قالا له: انطلق حتى نفرض لك شيئاًَ، فانطلق معهما ففرضوا له كل يوم شطر شاة وما كسوه في الرأس والبطن، فقال عمر: إلى القضاء، وقال أبو عبيدة: وإلي الفيء، قال عمر: فلقد كان يأتي

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

علي الشهر ما يختصم إلي فيه اثنان، قال أبو بكر: رضيت(296)

ولما حضرته الوفاة قال: ردوا ما عندنا من مال المسلمين فإني لا أصيب من هذا المال شيئاً، وإن أرضي التي بمكان كذا وكذا للمسلمين بما أصبت من أموالهم. فدفع ذلك إلى عمر ولقوح وعبد صيقل وقطيفة ما يساوي خمسة دراهم فقال عمر: لقد أتعب من بعده(297) .

أهذه فعال رجل يُخرج الجيوش لجلب الغنائم وجمع الثروات؟

وهاهو الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو أردنا أن نكتب عن زهده وتعففه فسنحتاج إلى مجلدات، فلعمر مع الزهد قصة وهذه القصة هي الحياة.

إن زهد عمر رضي الله عنه جعله يحيا مع الناس ببدنه، وأما قلبه وعقله ففي عالم الآخرة، ويكفيه شرفاً أنه وهو خليفة وأمير للمؤمنين كلما زادت فتوحات المسلمين وزاد الخير كلما زادت رقع ثيابه.

روى الحاكم بسنده عن مصعب بن سعد: أن حفصة قالت لعمر: ألا تلبس ثوباً ألين من ثوبك و تأكل من طعام أطيب من طعامك هذا و قد فتح الله عليك الأمر وأوسع إليك الرزق؟ فقال: سأخاصمك إلى نفسك فذكر أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وما كان يلقى من شدة العيش فلم يزل يذكر حتى بكت فقال: إني قد قلت لأشاركنهما في مثل عيشهما الشديد لعلي أدرك معهما عيشهما الرخي(298) .

إن

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عمر رضي الله عنه جعل الدنيا في يده ولم يجعلها في قلبه، إنه زهد متاعها الزائل وزخرفها الفاني، إنه زهد في الدعة والراحة، فاجتهد في جهاد الفرس والروم، حتى صار أهل الإسلام سادة الدنيا كلها، وانتشر الإسلام في ربوع المعمورة.

يقول طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه : ما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأوَّلنا إسلاماً، ولا أقدمنا هجرة، ولكنه كان أزهدنا في الدنيا، وأرغبنا في الآخرة(299) .

أما عن عثمان ذي النورين رضي الله عنه فقد عُرف بالزهد والقناعة مع ما توفر له من ثراء عظيم، ومال وفير، يقول أبو عبد الله مولى شداد بن الهاد: رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه يوم الجمعة على المنبر وعليه إزار عدني ((من عدن)) غليظ، ثمنه أربعة دراهم أو خمسة دراهم وريطة(300) كوفية، ضرب اللحم طويل اللحية حسن الوجه(301) .

وروى البيهقي في السنن أن الحسن البصري سئل عن القائلة في المسجد فقال: قال الحسن: رأيت عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو يومئذ خليفة يقيل (ينام وقت الظهيرة) في المسجد، وقد أثر الحصى بجنبه فيقول: هذا أمير

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المؤمنين! هذا أمير المؤمنين!(302)

وقال شرحبيل بن مسلم: كان عثمان رضي الله عنه يطعم الناس طعام الإمارة، وعندما يدخل بيته كان يأكل الخل والزيت(303) .

فانظر رحمك الله إلى هذه النوعية الفريدة من الرجال يمثلهم عثمان بن عفان الذي أتته الدنيا طائعة إلا أنه جعلها في يديه ولم يجعلها في قلبه، فعاش عيش الفقراء وهو في مصافِّ الأغنياء وفي أول قائمة الأثرياء، فرضي الله عنه وأرضاه، وبلغه مطلبه ومبتغاه.

بل إن عثمان وظَّف ماله كله في سبيل الله، فاشتر بئر رومة بحر ماله ووهبها للمسلمين، وجهز جيش العسرة.

فعن عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان إلى النبي صلى الله عليه وسلم بألف دينار حين جهَّز جيش العسرة فينثرها في حجره، قال عبد الرحمن: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقلِّبها في حجره ويقول: ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم مرتين(304) .

وروى البخاري بسنده عن أبي عبد الرحمن: أن عثمان رضي الله عنه حيث

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حوصر أشرف عليهم وقال أنشدكم بالله ولا أنشد إلا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((من حفر رومة فله الجنة)). فحفرتها، ألستم تعلمون أنه قال ((من جهَّز جيش العسرة فله الجنة)) فجهزته، قال: فصدقوه بما قال(305)

لقد حبى المولى سبحانه وتعالى عثمان بالرزق الواسع والمال الوافر الذي جنَّده عثمان لخدمة الإسلام والمسلمين. فأنفق منه في سبيل الله كثيراً، وفرّج الله تعالى بعثمان كروباً وخطوباً ومحناً حلت بالمسلمين، ولم يعرف عن عثمان طيلة حياته أن توانى يوما أو ضنَّ بماله على الإسلام والمسلمين.

فهل يصح بعد هذا أن يقال: إن عثمان أو غيره من الخلفاء وجهوا الجيوش لقتال الفرس والروم طمعاً في غنيمة أو بحثاً عن مال.

لقد آثرت أن أذكر أمثلة للخلفاء الثلاثة الأول والذين كانت في عهدهم أكبر الفتوحات لأبيَّن أنهم كانوا أزهد الناس في الدنيا وأنهم ما أرادوا من بعث الجيوش إلا هداية الخلق إلى الحق وإنارة الأكوان بنور الإيمان.

ولا يعني هذا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان أقل منهم زهداً في الدنيا، بل إنه زهدها وزهد متاعها.

فها هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه بطل الإسلام والشجاع المقدام من يتابع سيرته ويشاهد فصولها وأحداثها المتتابعة والمتلاحقة لا بد وأن تستولي عليه الدهشة والعجب حين يرى مثالاً رائعاً في الزهد في الدنيا وعدم الحرص على

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

متاعها وزينتها وهو من أبطال ميادين الوغى وساحات الاستبسال، وهو رابع الخلفاء ومستشار من سبقه منهم.

قال يحيى بن معين: عن علي بن الجعد عن الحسن بن صالح قال: تذاكروا الزهاد عند عمر بن عبد العزيز فقال قائلون: فلان، وقال قائلون: فلان، فقال عمر بن عبد العزيز: أزهد الناس في الدنيا علي بن أبي طالب(306) .

وروى أبو نعيم في الحلية بسنده عن علي بن أبي طالب قال: جاءه ابن النباج فقال: يا أمير المؤمنين، امتلأ بيت مال المسلمين من صفراء وبيضاء، فقال: الله أكبر، فقام متوكئاً على ابن النباج حتى قام على بيت مال المسلمين، فقال:... هذا جناي وخياره فيه... وكل جان يده إلى فيه... يا ابن النباج عليَّ بأشياع الكوفة قال: فنودي في الناس فأعطى جميع ما في بيت مال المسلمين وهو يقول: يا صفراء ويا بيضاء غري غيري ها وها حتى ما بقي منه دينار ولا درهم ثم أمره بنضحه وصلى فيه ركعتين(307) .

وروى البلاذري بسنده أنه لما فرغ علي بن أبي طالب من أهل الجمل أتى الكوفة فدخل بيت مالها فاضرط به- كناية عن عدم اعتنائه بما كان فيه- ثم قال: يا مال غري غيري. ثم قسمه بيننا، ثم جاءت ابنة للحسن- أو للحسين- فتناولت منه شيئا، فسعى وراءها ففك يدها ونزعه منها، قال: فقلنا: يا أمير المؤمنين إن لها فيه حقا!! قال: إذا أخذ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أبوها حقه فليعطها ما شاء. فلما فرغ من قسمته قسم بيننا حبالاً جاءت من البحرين، فأبينا قبضها فأكرهنا عليها، فخرجت كتاناً جيداً، فتنافسنا فيها فبلغت دراهم، ثم عمد إلى بيت المال فكسحه ونضحه بالماء، ثم صلَّى فيه ركعتين، ثم توسَّد رداءه وقال: ينبغي لبيت مال المسلمين أن لا يأتي عليه يوم- أو جمعة- إلا كان هكذا ليس فيه شئ قد أخذ كل ذي حق حقه(308)

وفي الحلية عن هارون بن عنترة عن أبيه قال: دخلت على علي بن أبي طالب بالخورنق وهو يرعد تحت سمل قطيفة - أي قطيفة بالية قديمة- فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال وأنت تصنع بنفسك ما تصنع، فقال: والله ما أرزأكم من مالكم شيئاً، وإنها لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي، أو قال: من المدينة(309) .

وليس هذا حال الخلفاء الأربعة وحدهم، بل إن نظرة عابرة إلى آحاد هؤلاء الفاتحين، بل إلى كبار قوادهم تدحض هذه الشبهة من أساسها.

إن خالد بن الوليد رضي الله عنه بوصفه من أعظم قادة المسلمين وقاهر الفرس والروم، ومزيل دولتهم ومقوَّض أركانهم، يموت مخلفاً وراءه من حطام الدنيا فرساً وحساماً وغلاماً، فأين هي الغنائم إذن؟ وأين هذا العائد الذي جناه من الدوافع الاقتصادية المزعومة.

وها هو أبو عبيدة رضي الله عنه أبرز قواد فتح الشام يدخل عليه عمر رضي الله عنه حين

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قدم الشام وخاطبه قائلاً: اذهب بنا إلى منزلك، قال: وما تصنع عندي؟ ما تريد إلا أن تعصر عينيك علي. قال: فدخل، فلم ير شيئاً، قال: أين متاعك؟ لا أرى إلا لبد أو صحفة وشناً وأنت أمير، أعندك طعام؟ فقام أبو عبيدة إلى جونة، فأخذ منها كسيرات، فبكى عمر، فقال له أبو عبيدة: قد قلت لك: إنك ستعصر عينيك علي يا أمير المؤمنين، يكفيك ما يبلغك المقيل. قال عمر: غيَّرتنا الدنيا كلنا غيرك يا أبا عبيدة(310)

وروى أبو نعيم عن معمر قال: لما قدم عمر الشام تلقاه الناس وعظماء أهل الأرض، فقال عمر: أين أخي؟ قالوا: مَن؟ قال: أبو عبيدة، قالوا: الآن يأتيك، فلما أتاه نزل فاعتنقه، ثم دخل عليه بيته، فلم ير في بيته إلا سيفه وترسه ورحله(311) .

وها هو أيضا نلمحه زاهداً في الحياة متطلعاً إلى ما عند الله، وما عند الله خير وأبقى، فلم تستطع الدنيا بشهواتها ولا زخرفها ومتاعها أن تصل إلى قلبه أو تصرفه عن مقصده وغايته، رغم أنه كان قائداً للجيوش وأميراً للأمراء.

روى ابن سعد في طبقاته: أن عمر بن الخطاب أرسل إلى أبي عبيدة بأربعة آلاف درهم وأربعمائة دينار، وقال للرسول: انظر ما يصنع. قال: فقسَّمها أبو عبيدة. قال: ثم أرسل إلى معاذ بمثلها، وقال للرسول مثل ما قال، فقسَّمها معاذ إلا شيئاً قالت امرأته: نحتاج إليه، فلما أخبر الرسول عمر قال: الحمد لله الذي جعل في الإسلام من يصنع هذا(312) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولم يكتف رضي الله عنه بزهد نفسه، بل كان يحث غيره على الزهد في الدنيا، فيروى أبو نعيم في الحلية أن أبا عبيدة بن الجراح كان يسير في العسكر فيقول: ألا رب مبيَّض لثيابه مدنس لدينه، ألا رب مكرِم لنفسه وهو لها مهين، ادرؤا السيئات القديمات بالحسنات الحديثات، فلو أن أحدكم عمل من السيئات ما بينه وبين السماء ثم عمل حسنة لعلت فوق سيئاته حتى تقهرهن(313) .

ومن أبرز ما سجله التاريخ الإسلامي موقف الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله عندما أشار إليه عامله على مصر بعدم رفع الجزية عن المسلمين من أهل الذمة فكتب إليه عمر بن عبد العزيز رحمه الله :

((أما بعد: فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم داعياً، ولم يبعثه جابياً فإن كان أهل الذمة قد أسرعوا فى الإسلام وكسروا الجزية فاطوِ كتابك وأقبل))(314) .

وما يؤكد نزاهة المسلمين الأوائل أن كثيراً منهم كانوا أغنياء قبل دخولهم فى الإسلام، ومع ذلك وبعد تحقق الفتوحات الإسلامية في عهودهم، فقد كانوا زاهدين فى الدنيا يعيشون حياة بسيطة للغاية أبعد ما تكون عن الترف أو الملذات المادية، فلو كان الدافع الاقتصادي للفتوحات موجوداً لانعكس الأمر ولوجدنا ثرواتهم تزداد، وتزداد معها ملذاتهم وترفهم، وإقبالهم على الحياة.

فأين هذه الغنائم التي يتحدث عنها المغرضون؟ وأين هذا المتاع الذي حرص الفاتحون المسلمون على أن يقلبوا أجسادهم فيه بالليل والنهار؟

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تاريخ الفتوحات شاهد على بطلان هذه الشبهة

إن المتابع لحركة الفتوحات الإسلامية يجد أنها كانت حركة فريدة تختلف عن كل الحركات التوسعية في تاريخ الأمم كلها، من حيث الأهداف والآثار.

إن الفتوحات الإسلامية بدوافعها وكل ما دار فيها أيضًا كانت تهدف إلى نشر الدين الإسلامي بالحسنى، ومن منطلق سامٍ، بعيدًا عن الماديات، وذلك بدلالة ما وقع في أحداث الفتح الإسلامي من قضايا التّعفّف عند الغنيمة وأداء الأمانات والإخلاص لله ما يعجز التاريخ البشري عن إبراز نظائره. وقد أثبتت الفتوحات نفسها مدى بعد الجيش الإسلامي عن الطمع في الغنائم.

فقد روى ابن عساكر في تاريخ دمشق أنه لما هبط المسلمون المدائن وجمعوا الأقباض(315) أقبل رجل بحق معه فدفعه إلى صاحب الأقباض فقال الذين معه: ما رأينا مثل هذا قط ما يعدله ما عندنا ولا يقارنه، فقالوا له: هل أخذت منه شيئاً؟ فقال: أما والله لولا الله ما أتيتكم به، فعرفوا أن للرجل شأناً فقالوا: من أنت؟ فقال: والله لا أخبركم لتحمدوني ولا غيركم لتقرظوني، ولكن أحمد الله وأرضى بثوابه، فأتبعوه رجلاً حتى انتهى إلى أصحابه، فسأل عنه فإذا هو عامر بن عبد قيس(316) .

وهاهو ربعي بن عامر في القادسية يأتي رستم قائدهم وقد أقبل يتوكأ على

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رمحه وزُجّه نصل يقارب الخطو ويزج النمارق(317) والبسط فما ترك لهم نمرقة ولا بساطاً إلا أفسده وتركه منهتكاً مخرقاً، فلما دنا من رستم تعلَّق به الحرس وجلس على الأرض وركز رمحه بالبسط، فقالوا: ما حملك على هذا قال: إنا لا نستحب القعود على زينتكم هذه...(318)

إن ربعيّ بن عامر رضي الله عنه رفض حتى أن يجلس على بساط رستم قائد الفرس في معركة القادسية، بل جلس على الأرض، وقال: إناَّ لا نقعد على زينتكم، فأين هذا الدافع الاقتصادي المزعوم؟ وهل يجدي هذا الدافع مع أناس هذا وضعهم؟

وهذا زهرة بن الحوية في معركة القادسية التي تعد من أشهر معارك المسلمين يجيب رستم قائد الفرس عندما راسله وأراده أن يصالحهم ويجعل له جعلاً على أن ينصرفوا عنه وجعل يقول فيما يقول: أنتم جيراننا وقد كانت طائفة منكم في سلطاننا فكنا نحسن جوارهم ونكفّ الأذى عنهم ونوليهم المرافق الكثيرة، نحفظهم في أهل باديتهم فنرعيهم مراعينا ونميرهم من بلادنا ولا نمنعهم من التجارة في شيء من أرضنا وقد كان لهم في ذلك معاش يعرض لهم بالصلح وإنما يخبره بصنيعهم والصلح يريد ولا يصرح فقال له زهرة: صدقت قد كان ما تذكر وليس أمرنا أمر أولئك ولا طلبتنا، إنا لم نأتكم لطلب الدنيا إنما طلبتنا وهمتنا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الآخرة، كنا كما ذكرت يدين لكم من ورد عليكم منا، ويضرع إليكم يطلب ما في أيديكم، ثم بعث الله تبارك وتعالى إلينا رسولاً فدعانا إلى ربه، فأجبناه، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم إني قد سلطت هذه الطائفة على من لم يدن بديني فأنا منتقم بهم منهم وأجعل لهم الغلبة ما داموا مقرِّين به وهو دين الحق لا يرغب عنه أحد إلا ذل ولا يعتصم به أحد إلا عز..(319)

وفي نفس المعركة لما فتح الله للمسلمين ونصرهم على الفرس ووزِعت الغنائم يروى ابن كثير أن سعد بن أبي وقاص استوهب أربعة أخماس البساط- بساط كسرى- ولبس كسرى من المسلمين، ليبعثه إلى عمر والمسلمين بالمدينة لينظروا إليه ويتعجبوا منه، فطيبوا له ذلك وأذنوا فيه، فبعثه سعد إلى عمر مع الخمس مع بشير بن الخصاصية، وكان الذي بشر بالفتح قبله حليس بن فلان الأسدي، فروينا أن عمر لما نظر إلى ذلك قال إن قوماً أدوا هذا لأمناء، فقال له علي بن أبي طالب: إنك عففت فعفت رعيتك، ولو رتعت لرتعت(320) .

وفي شرح نهج البلاغة: أنه جيء بتاج كسرى إلى عمر فاستعظم الناس قيمته للجواهر التي كانت عليه فقال إن قوما أدوا هذا لأمناء فقال علي عليه السلام: إنك عففت فعفوا ولو رتعت لرتعوا(321) .

وها هو ملك الصين يخاطب هبيرة بن المشمرج الكلابي ممثل قتيبة بن مسلم الباهلي قائلاً: فانصرفوا إلى صاحبكم فقولوا له: ينصرف فإني قد

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عرفت حرصه وقلة أصحابه وإلا بعثت عليكم من يهلككم ويهلكه، قال له كيف يكون قليل الأصحاب من خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون؟ وكيف يكون حريصاً من خلف الدنيا قادراً عليها وغزاك؟ وأما تخويفك إيانا بالقتل فإن لنا آجالاً إذا حضرت فأكرمها القتل فلسنا نكرهه ولا نخافه، قال: فما الذي يرضي صاحبك؟ قال: إنه قد حلف ألا ينصرف حتى يطأ أرضكم ويختم ملوككم ويعطى الجزية، قال: فإنا نخرجه من يمينه نبعث إليه بتراب من تراب أرضنا فيطؤه ونبعث ببعض أبنائنا فيختمهم ونبعث إليه بجزية يرضاها، قال: فدعا بصحاف من ذهب فيها تراب، وبعث بحرير وذهب وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم ثم أجازهم فأحسن جوائزهم، فساروا فقدموا بما بعث به فقبل قتيبة الجزية وختم الغلمة وردَّهم ووطئ التراب(322)

وفي اليرموك: حين دارت رحى الحرب ونادى المنادي ونادى عكرمة بن أبي جهل: من يبايع على الموت؟ لا من يبايع على الغنيمة، فبايعه الحارث بن هشام وضرار بن الأزور في أربع مائة من وجوه المسلمين وفرسانهم فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعاً جراحاً وقُتلوا، إلا من برئ منهم(323) .

وهاهو زيد بن الخطاب ومعه سالم مولى أبي حذيفة في يوم اليمامة وكان يحمل راية المسلمين يوم اليمامة ولقد انكشف المسلمون حتى غلبت حنيفة على الرحال فجعل زيد يقول: أما الرحال فلا رحال، وأما الرجال فلا رجال، ثم جعل يصيح بأعلى صوته اللهم إني أعتذر إليك من فرار

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أصحابي وأبرأ إليك مما جاء به مسيلمة ومحكم بن الطفيل، وجعل يشتد بالراية يتقدم بها في نحر العدو ثم ضارب بسيفه حتى قتل ووقعت الراية، فأخذها سالم مولى أبي حذيفة، فقال المسلمون: يا سالم إنا نخاف أن نؤتى من قبلك، فقال: بئس حامل القرآن أنا إن أتيتم من قبلي(324)

بل إن خصوم المسلمين في فتوحاتهم قد أقروا بحسن أخلاقهم ورفيع سلوكياتهم بما ينافي أن يكون خروج أمثال هؤلاء الفاتحين لغرض المال أو ما شابه.

وفي فتح مصر: اسمع معي إلى رسل المقوقس عندما عادوا إليه من عند عمرو قبيل فتح حصن بابليون وهالهم ما رأوه من أخلاق المسلمين الفاتحين، فلم يتمالكوا أنفسهم أن قالوا لمقوقسهم: رأينا قوماً الموت أحب إلى أحدهم من الحياة، والتواضع أحب إليهم من الرفعة ليس لأحدٍ منهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، وإنما جلوسهم على التراب وأكلهم على ركبهم وأميرهم كواحدٍ منهم ما يعرف رفيعهم من وضيعهم ولا السيد فيهم من العبد، وإذا حضرت الصلاة لم يتخلف عنها أحد منهم يغسلون أطرافهم بالماء ويتخشعون في صلاتهم(325) .

وفي معركة أجنادين في خلافة الصِّديق أبي بكر رضي الله عنه بعث القبقلار قائد جيش الروم عربياً إلى المسلمين يأتيه بخبرهم، فدخل فيهم وأقام يوما وليلة، ثم عاد إليه فقال: ما وراءك؟ فقال: بالليل رهبان، وبالنهار فرسان، ولو

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سرق ابن ملكهم قطعوه، ولو زنى رجم لإقامة الحق فيهم. فقال: إن كنت صدقتني لبطن الأرض خير من لقاء هؤلاء على ظهرها(326)

فأين هو هذا الدافع الاقتصادي المزعوم الذي أخرجهم من ديارهم كما يقول الحاقدون؟ وأين هذه المصلحة الشخصية التي جعلتهم يتركون بيوتهم وأولادهم ونساءهم ويعانقون المنايا في لهفة وشوق أشبه بلهفة وشوق المحبّ لمحبوبه، والغائب لأهله، إن الهدف الذي أخرجهم من بيوتهم هو الإسلام لا غير.

ثم إن مائة ألف مسلم لو أرادوا الثروة والغنيمة حقاً لكانت تكفيهم فلسطين أو غوطة دمشق أو نصف دلتا مصر أو سواد العراق، فلماذا إذن الفتوح في الصين وإسبانيه وفرنسه.. ولقد عاش العرب في باديتهم المقفرة مئات السنين وهم يعرفون الخيرات في الشمال، فلماذا لم ينطلقوا إلى مواقع الخصب قبل الإسلام(327) .

إن الفاتحين المسلمين قوم ليس لهم في الدنيا رغبة ولا نهمة، إنهم أصحاب رسالة وعقيدة لا طامحين لجاه ولا لمال، يتدافعون في ساحات الوغى كل يريد أن يسبق صاحبه في نيل الشهادة في سبيل الله تعالى التي هي أعلى وأعز مطلوب، من أجل أن يبقى نور الإسلام منيراً يهدي العالمين، إنه كان يكفي الواحد منهم ما يقيم أوده ويسدُّ رمقه ويستر عورته ليحيا مجاهداً في سبيل الله تعالى، وحين أدركت الشعوب هذه الحقيقة ورأت منهم صدق التوجُّه وسلامة المقصد

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ورحمة التطبيق أيقنت أنهم حملة رسالة وطلاب حق وأصحاب مبادئ، فتسارعوا فيما بينهم للحاق بركب الإسلام، ودخلوا في دين الله تعالى طائعين، وحتى من بقي منهم على دينه بقي وهو يحمل في نفسه إكباراً وإعظاماً لهؤلاء الفاتحين الذي كانوا نماذج للحق والعدل.

وماذا بعد الحق إلا الضلال؟

إن المسلمين الفاتحين كانوا أبعد ما يكون عن الجري وراء الدنيا وشهواتها، إنهم كانوا رهباناً بالليل فرساناً بالنهار كما وصفهم أعداؤهم، وهنا أتساءل ألم يقرأ المستشرقون هذه النماذج وغيرها خلال اطلاعهم على تاريخ المسلمين؟ بلى... ولكن الذي دعاهم إلى ذلك أمران:

1 - الحقد الدفين على الإسلام وتاريخه.

2 - اعتماد المصادر غير الموثوق بها.

وهذا من أكبر من العيوب المنهجية في الدراسات الاستشراقية، حيث إنهم يعمدون إلى المصادر غير الموثَّقة عند المسلمين فيجعلونها هي المصدر الأساس لدراساتهم وبحوثهم، ومن ذلك أنهم يرجعون إلى كتاب مثل كتاب الأغاني للأصفهاني فيجعلونه مرجعاً أساسياً في دراساتهم للتاريخ الإسلامي وللمجتمع الإسلامي، كما يعمدون إلى المراجع التي ضعفها العلماء المسلمون أو طعنوا في أمانة أصحابها فيجعلونها أساساً لبحوثهم، أو كان أصحاب تلك المراجع منحازين إلى فئة معينة أو متعصبين.

لقد نسي أو تناسى هؤلاء أن الذي يسعى وراء الغنيمة لا يمكنه مطلقاً وهو أسيرها أن يبني مجتمع العقيدة، العقيدة الإسلامية، والمستشرقون وأذنابهم

لا يفهمون هذا المستوى الرفيع المشرق لأنهم لا يستطيعون الارتقاء إليه وهم فقراء في المثل الذي هو شر أنواع الفقر والذي يصاب به لا يستطيع إطلاقا أن يرتفع على ذاك الأفق السامق البعيد، فضلا عن الجهل الفاضح بأوليات الشريعة الإسلامية(328)

إن الفتوحات الإسلامية لم تكن في أي يومٍ من الأيام استعماراً، وإنما الاستعمار يقوم على السلب والنهب واستنزاف أموال الشعوب وتخريب الديار وتشريد الأمم ولم يكن ذلك أبدا شأن الفتوحات الإسلامية والتاريخ أعظم شاهد على ذلك.

إن الفتوحات الإسلامية كانت لنشر النور والعدل، واستخلاص الشعوب من النظم الجائرة، وتبليغ دعوة ربهم، وتحرير عقولهم وضمائرهم من الخضوع لغير الله، فالهدف من هذه الفتوحات هداية الناس إلى الحق أولاً، ثم إقامة الحجة لله على من أبى ثانياً، ثم تحقيق النفع للشعوب التى فتحت بلادها ثالثاً، وهذه مسألة واضحة إلا أن هذه الأمة منيت بالمفترين يغضون من أقدارها ويهونون من مآثرها، ويلصقون بها الأباطيل، فقالوا: طلب القوت والطمع فى الغنائم هو الذي نشر هؤلاء العرب فى أرجاء الأرض إن الإنسان ربما يحارب على الخبز، ولكنه لا يطلب الشهادة فى سبيله، إن الإنسان يريد أن يظفر بالطعام ليعيش به لا أن يموت فى طلبه، فما بال هؤلاء العرب المسلمين طلبوا الموت حينما ذهبوا وحقروا العيش أينما وجهوا؟ ما بالهم وقد فتحت لهم مصر ورأوا الخصب في أرضها

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ورغد العيش على ضفاف نيلها، جاوزوها إلى صحارى النوبة وسهول أفريقيا؟ ما بالهم وقد دانت لهم فارس جابوا صحارى مكران إلى السند، وعبروا نهر جيحون إلى ما وراء النهر، وما بالهم يتركون النعيم والخير العميم والعز المقيم فى الأرض التي سيطروا عليها ليجوزا فيافي قاحلة ويحاربوا أقواما غلاظاً شداداً فى بلاد تنتظرهم فيها قبورهم إن الأمر لأعظم مما توهموا وأسمى مما قالوا))(329)

فهذه الافتراءات التي يثيرها هؤلاء الحاقدون لا صحة لها، فإن المسلمين خرجوا للجهاد ليؤمنوا طريق الدعوة لتصل كلمة الله إلى البشر أجمعين ولنشر الحق والعدل. أما الزعم بالأهداف المادية والسعي إلى الغنائم فيمكن الرجوع إلى تاريخ الفتوحات الإسلامية لمعرفة طبيعة الجنود الذين خاضوا هذه الفتوحات وأنهم أبعد الناس عن السعي للمادة، أليس قادة الجيوش الإسلامية هم الذين ضحوا طوال حياتهم بالغالي والرخيص في سبيل هذه الدعوة؟ فهل كانوا يبحثون عن المكاسب المادية؟ نعم كانت هناك فئة قليلة دخلت المعارك بحثاً عن الغنائم، وهؤلاء قطعاً ليسوا من الآل أو الأصحاب، ولكن النظرة المادية تقول: إن الأعداد القليلة من المسلمين التي كانت تقاتل جيوشاً يفوقونهم عدداً وعدة ما كانت المغانم هي التي تدفعهم للجهاد، لقد كان الجنود المسلمون رهباناً بالليل فرساناً بالنهار إذا سرق ابن قائدهم أقاموا عليه الحد.

إن المسلمين سطروا بدمائهم أروع الصفحات وضربوا بجهادهم أمجد الأمثلة في التضحية والفداء والإخلاص لهذا الدين.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إنهم ما أرادوا الدنيا ولا شهواتها، وما انطلقوا يعبرون الفيافي والصحار والمحيطات والأنهار إلا ليعمروا الأكوان بنور الإيمان، وينشروا دين الله في الدنا كلها.

الكتاب المقدس وغنائم الحروب

إن أخذ الغنائم الناتجة عن الحرب من الأمور المعهودة في عرف المتحاربين ومن الأمور التي أقرها الكتاب المقدس الذي يتحاكم إلى نصوصه المستشرقون، فكيف لهم أن يصموا الإسلام بأخذه الغنائم في الوقت الذي أباحها كتابهم المقدس، بل وأمر بها، فقد ورد في العهد القديم وتحديداً في سفر العدد ما نصه:

((وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: أَحْصِ أَنْتَ وَأَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ وَرُؤَسَاءُ الْعَشَائِرِ الْغَنَائِمَ وَالسَّبْيَ مِنَ النَّاسِ وَالْحَيَوَانِ، وَقَسِّمِ الْغَنَائِمَ مُنَاصَفَةً بَيْنَ الْجُنْدِ الْمُشْتَرِكِينَ فِي الْحَرْبِ وَبَيْنَ كُلِّ الْجَمَاعَةِ، وَخُذْ نَصِيباً لِلرَّبِّ مِنْ غَنَائِمِ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَاحِداً مِنْ كُلِّ خَمْسِ مَئَةٍ مِنَ النَّاسِ وَالْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ وَالْغَنَمِ مِنْ نِصْفِ أَهْلِ الْحَرْبِ تَأْخُذُهَا وَتُعْطِيهَا لأَلِعَازَارَ الْكَاهِنِ تَقْدِمَةً لِلرَّبّ، وَتَأْخُذُ مِنْ نِصْفِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَاحِداً مِنْ كُلِّ خَمْسِينَ مِنَ النَّاسِ وَالْبَقَرِ وَالْحَمِيرِ وَالْغَنَمِ وَسَائِرِ الْبَهَائِمِ، وَتُعْطِيهَا لِلاَّوِيِّينَ الْقَائِمِينَ عَلَى خِدْمَةِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ))(330) .

فكيف يعيبون على الإسلام ما هو واجب عندهم بدلالة كتابهم المقدس؟ أليست هذه ازدواجية في التعامل؟

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وشهد شاهد من أهله

ومن الأمور التي يمكن اصطحابها في محلِّ الرد على شبهة الفتوحات والدوافع الاقتصادية شهادة المنصفين من المستشرقين في بطلان ما ذكره بنو جلدتهم من الدوافع الاقتصادية للفتوحات وغيرها:

- يقول المستشرق ((ول ديورانت)) فى كتابة: ((قصه الحضارة)): ((ولم يكن الأعداء يخيرون بين الإسلام والسيف، بل كان الخيار بين الإسلام والجزية والسيف))(331) - يقول المستشرق مارسيل بوزار فى كتابه ((إنسانية الإسلام)): ((لقد أجبرت الضرورات النبى محمداً صلى الله عليه وسلم على تأليف جيش لصد الهجمات المعادية وإرسال حملات وقائية من الجيران الخصوم، وكان عليه صلى الله عليه وسلم قمع غارات السلب والنهب وتوفير السلام والأمان على طريق القوافل، وأخيرا كانت القوة المسلحة تبدو فى نطاق الحروب القبلية التى كانت تمزق أوصال الجزيرة العربية ضرورة حيوية كيلا يتجرأ أعداء الإسلام ويتعرض للخطر وجود الدولة التى كانت فى أولى مراحل نموها))(332) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

- وتقول المستشرقة زيجريد هونكه:((قد كان الهدف من الفتوحات الإسلامية التى تمت عن طريق الجيوش العربية هو توسيع سيادة الإيمان بالله فى العالم))(333) .

فهذه شهادات لأناس ليسوا بمسلمين، إلا أنهم ما استطاعوا أن يخفوا الحقيقة الساطعة، ولم يتمالكوا أن شهدوا بها عندما حاول بني جلدتهم أن يسيئوا إلى الفتوحات الإسلامية وأن يسموها بما ليس فيها(334) .

ردود جزئية

كان ما سبق رداً عاماً على شبهة الدوافع الاقتصادية، أما فيما يتعلق بالرد الخاص على بعض الأمور التابعة للشبهة والتي رددها وللأسف بعض من ينتسب للإسلام، فإنه كالتالي:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

- صالح الورداني واتهام الدولة الأموية بداية من معاوية ومن تلاه من الحكام بالسعي وراء المغانم الاقتصادية، ومصادرة نفائس الغنائم على حساب الإسلام واعتناق الناس له:

مرَّ معنا سابقاً قول صالح الورداني: كان معاوية ومن تلاه من الحكام يصادرون نفائس الغنائم من الجنود ويأخذونها لأنفسهم ويحولون بين الناس وبين الدخول في الإسلام خوفاً من تدنِّي دخل الدولة من الجزية والخراج(335) .

وهذا ما ردده وزاد عليه سعيد أيوب حين تهجم على الخلفاء المسلمين بعامة والدولة الأموية بخاصة ناسبا إلى قياداتها أنهم ما أرادوا الإسلام في فتوحاتهم وأنهم دخلوها من طريق أضاعوا فيه الصلاة، واتبعوا الشهوات، وأنهم جروا الأمة إلى الفتن(336) .

وهذه شبهة واهية، لا أساس لها من الصحة ولا سند لها من التاريخ، وإلا فليثبت لنا الورداني ما ذكره.

إن الورداني وغيره بكلامه السابق الذي يفتقر إلى الحجة والبرهان ما هو إلا صدى صوت للمستشرقين الذي سبقوه بهذا الإفك، كما أن هجومه على معاوية بن أبي سفيان رأس الدولة الأموية ومن جاء بعده- كما سبق- ما هو إلا صورة من صور التمازج الخطير الذي حدث بين المستشرقين ومن انخدع بهم ممن ينتمي للإسلام، والذي سبق

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأوضحناه.

فهاهو فلهوزن يشكك في تديُّن معاوية بن أبي سفيان ويقول عنه: لم يكن في قلبه تعلُّق بالإسلام(337) .

وهاهو رينيه غروسيه يقول عن معاوية: إنه كان حبراً محباً للفنون، ملحداً تقريباً(338)

ويأتي المستشرق اليهودي المجري جولد تسيهر محاولاً الوصول إلى مبتغاه، ويعلنها صريحة ويقول عن الدولة الأموية ككل بما فيها معاوية: مما لا ريب فيه أن بني أمية لم يكونوا متدينين، ولا متظاهرين بالتقوى(339) .

وعند الرد نقول: هل فات هؤلاء أن معاوية خال المؤمنين وأنه كان كاتباً للوحي بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم .

روى أحمد في مسنده بسند عن ابن عباس يقول: كنت غلاماً أسعى مع الغلمان فالتفت فإذا أنا بنبي الله صلى الله عليه وسلم خلفي مقبلاً فقلت: ما جاء نبي الله صلى الله عليه وسلم إلا إلي قال: فسعيت حتى أختبئ وراء باب دار، قال: فلم أشعر حتى تناولني فأخذ بقفاي فحطأني حطأة(340) ، فقال: اذهب فادع لي معاوية، قال: وكان كاتبه، فسعيت فأتيت معاوية، فقلت: أجب نبي الله صلى الله عليه وسلم فإنه على حاجة(341) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إن هذه الرواية تشهد بفضل معاوية وأنه كان من كتَّاب النبي صلى الله عليه وسلم ، ولسنا هنا بصدد الدفاع عن معاوية رضي الله عنه وتبرأة ساحته فقد كفانا علماؤنا الأخيار مؤنة هذا الأمر، وإن كان الدفاع عنه رضي الله عنه شرف كبير، قد سبقنا إليه غيرنا(342) .

فياترى من أين أتى الورداني وغيره بهذا الكلام الذي حاولوا فيه إسقاط حكام الدولة الأموية بدءاً من معاوية ومن تلاه.

هل نسى الورداني ومن يلفّ لفه أن الدولة الأموية أسهمت إسهاماً بالغاً في الفتوحات الإسلامية، لقد استطاع الأمويين نشر الإسلام في قطاعات واسعة من المعمورة، عن طريق الدعوة إليه بعد كسر الحواجز الظالمة التي حالت بين الناس وبين الإسلام عن طريق الفتوحات.

فالفتوحات الإسلامية في عهد الأمويين امتدت لتشمل ما بين حدود الصين في أقصى الشرق وبلاد الأندلس وجنوبي فرنسا في أقصى الغرب، وما بين النوبة في الجنوب إلى أراضي آسيا الصغرى، وتهديد القسطنطينية- عاصمة البيزنطيين العتيدة- في أقصى الشمال وحصارها عدة مرات(343) .

فلا يصح الطعن في معاوية واتهامه بهذه الصفات التي يأنف منها وضعاء البشر.

كما لا يصح الهجوم على الدولة الأموية واتهام ولاتها بالحرص على الأموال ونفائس الغنائم، وحيلولتهم بين الناس وبين الدخول في الإسلام خوفاً من تدنِّي

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

دخل الدولة من الجزية والخراج إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز.

إن هذا الكلام خاطىء من كل وجه، وفيه تعميم غير مقبول من جهة، ومخالفة لمقررات العقول من جهة أخرى.

إن الورداني يرمي من وراء ماذ كره إلى ما ذكرته بعض الروايات من أن بعض ولاة الأمويين فرضوا الجزية على من أسلم من أهل البلاد، كما ذكر الطبري في رواية له(344) ، من إبقاء الحجاج بن يوسف للجزية على من أسلم، وذلك في خلافة عبد الملك بن مروان.

ورواية أخرى: أن أشرس بن عبد الله السلمي والي خراسان من قبل هشام بن عبد الملك قد فرض الجزية على موالي ما وراء النهر(345) .

وهذا الكلام وإن كان حدث بالفعل مرة أو مرتين إلا أنه لا يصح تعميمه على حكام بني أمية ككل، فهو على أكثر ما فيه أنه انحراف حدث من الحجاج بن يوسف، ومع ذلك يمكن القول بأن التأثير الاقتصادي لهذا الانحراف كان محدوداً، لأن قرار الحجاج في العراق قوبل بثورة أوقفت تطبيقه.كما كان هناك انحراف مماثل وقع في خراسان ولكنه كان محدودا، وعولج سريعا بمجىء عمر بن عبد العزيز(346) .

ويضاف إليه أن هناك من حاول تفسير هذا الأمر معللاً له، ومحاول

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التماس الأعذار للحجاج كمحاول منه لمواجهة الفتن المائجة في العراق أول ولايته، ومواجهة نفقات جيوش الفتح التي استعادت نشاطها...(347)

وإذا كان الحجاج أو غيره قد تجاوز الصواب في عمله ذاك، فإن عمر بن عبد العزيز قد أصلح الأمر، وأسقط الجزية عمن فرضت عليه من الموالي في هذه الفترة الضئيلة(348) .

فهل يصح تعميم هاتين الحادثتين اللتين لم يكتب لهما الاستمرار والحمد لله، على حكَّام الدولة الأموية ككل، وهل في بقاء الجزية على الموالي صدٌّ عن الإسلام، إن سياسة التهويل والتعميم، وإنزال الجزء منزلة الكل، لهوء مبدأ استشراقي أصيل، وقد وعاه الورداني ومن سار على دربه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وقد ذكرت هذا الرد في هذا الموضع مع أنه متعلق وإلى حد كبير بشبهة الجزية، لارتباطه بشبهة الدوافع الاقتصادية للفتوحات الإسلامية، والتي طعن فيها الورداني وكان من الصعب فصل ما ذكره.

وفيما يلي عرض لشبهة الجزية والرد عليها من واقع نصوص الشريعة وتقريرات الفقهاء.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثالثاً: شبهة الجزية، وتعلقها بالشبهتين قبلها، والرد عليها

إن الناظر إلى مسألة الجزية يجد أن لها تعلُّقاً بشبهة الدوافع الاقتصادية وكذلك شبهة دموية الفتوحات وإكراهها الناس على الدخول في الإسلام، وهذا أمر يجب أن نلتفت إليه جيداً حتى تتضح الصورة.

- فأما عن تعلقها بشبهة الدوافع الاقتصادية فمن حيث كونها وسيلة من وسائل الثراء الذي – بزعمهم- خرج الفاتحون لتحقيقه.

حيث يزعم أصحاب هذا التوجه أن المسلمين الفاتحين خرجوا من جزيرتهم العربية بهدف جمع المال وتحقيق الثراء، إما عن طريق القتال ويكون بالغنيمة، أو عن طريق السلم ويكون بالجزية التي يفرضونها على من يحاربونه.

- وأما عن تعلق الجزية بشبهة الإكراه على الدخول في الإسلام فمن حيث كونها تشكل ثقلاً على كاهل من فرضت عليه، الأمر الذي ألجأهم إلى الدخول في الإسلام هرباً منه.

فيزعم أصحاب هذا التوجَّه أن أولئك الذين قاتلهم المسلمون ولم تأخذهم فيهم رأفة ولا رحمة لما استسلموا سواء بعد قتال أو من غيره، فرض عليهم المسلمون الجزية التي أثقلت كواهلهم وأحنت ظهورهم الأمر الذي اضطرهم كارهين إلى اعتناق الإسلام هرباً من ثقل المغرم، فبناء على هذا التأويل تعد الجزية إحدى وسائل الإكراه على الدين، وعليه يظهر ارتباطها بشبهة دموية الفتوحات وإكراهها الناس على اعتناق الإسلام.

وقد تبنى هذه النظرة الحاقدة جمع كبير من المستشرقين يمثلهم المستشرق دوزي والذي يتحدث عن الجزية وأثرها في انتشار الإسلام ويقول:

فقد كان من المعروف أن أوامر الدين تسقط الجزية في الحال عمن يسلم من الذميين الذين في دار الإسلام، مسيحين كانوا أم يهوداً، ولا تجبى هذه الجزية إلا ممن بقي على دين أسلافه، فكان من جراء هذا الطعم الذي يزكيه الطمع أن أخذت الملة الإسلامية تتلقى كل يومٍ في أحضانها جماعات من المسلمين الذين لم يعتنقوه إيماناً تاما، بل كان همهم الأول الاحتفاظ بالمال والمتاع الدنيوي(349) .

ولن نطيل في الاستشهادات على هذه الشبهة فقد سبق وأوردنا بعضا مما يتعلق بها في شبهة الدوافع الاقتصادية.

وهذا كله محض زيفٍ افتراء لا أساس له من شرعٍ ولا موافقة له من عقلٍ، وهذا ما سنبينه إن شاء الله في السطور التالية بإيجاز.

الرد على الشبهة

وعند الرد على هذه الشبهة فلا بد من بيان المنهج، والمتمثل في الرد عليها جملة واحدة سواء أتعلقت بالدوافع الاقتصادية أم بالدموية المزعومة؛ وذلك لأن بيان تشريع الجزية وعلته، والأمور ذات الصلة به من شأنه أن يدفع أي افتراء.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بداية: رحمة الإسلام بأهل الذمة

وقبل أن نخوض في ثنايا الحديث عن الجزية أرى كمنطلق عام أن نشير إجمالاً إلى رحمة الإسلام بأهل الذمة في مجتمعه، حتى نعطي للقارئ الكريم صورة مجمله تمكِّنه من متابعة فصول الحديث.

لقد أعطى النبي صلى الله عليه وسلم نماذج رائعة في التسامح مع أهل الذمة في ظل المجتمع الإسلامي فهو القائل: من ظلم معاهداً أو انتقصه حقاً أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه

شيئاً بغير طيب نفس فأنا حجيجه - أي خصمه- يوم القيامة(350) .

وروى البخاري بسنده عن عبد الله بن عمروب: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من قتل معاهداً لم يُرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً(351) .

هذه نظرة مجملة إلى رحمة الإسلام بأهل الذمة وحرصه على أمنهم ورعايتهم.

إنه قد بات واضحاً لنا من خلال ما سبق أن المسلمين قبل أن يخوضوا أي حرب كان لا بد لهم من دعوة تسبق القتال، حيث يدعون من سيقاتلونهم إلى إحدى ثلاث - كما مرَّ معنا- الإسلام، أو الجزية، أو القتال.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فإن أسلموا فهم إخوة في الدين لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وصاروا من نسيج المسلمين ولحمتهم، وإن اختاروا الحرب فليكن لهم ما اختاروه شريطة أن تراعى آداب الحرب التي مرَّ علينا ذكرها.

أما إن اختاروا عدم خوض الحرب مع البقاء على دينهم فلهم ما اختاروه فالإسلام لا يتعطش للدماء، ولكن في هذه الحال عليهم أن يدفعوا الجزية كإقرارٍ ضمني بانضوائهم تحت سلطان المسلمين من جهة، ومن جهةٍ أخرى كمقابل لحماية المسلمين لهم.

بقول المولى تعالى: ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ﴾(352) .

إن من يدعي زوراً وبهتاناً أن الجزية كانت السبب الرئيس في دخول أهل الكتاب الإسلام لعجزهم عن سدادها، أو أنها كانت دافعاً للمسلمين لخوض الفتوحات، إنما يتنكر لقواعد التفكير السليم ومسلمات وحقائق التاريخ الإسلامي .

الجزية تشريع قديم

إن الناظر إلى تشريع الجزية سيجد أن الإسلام لم يكن أول من أخذ الجزية, فهي تشريع معتبر وقانون متبع عند كل الأمم بما فيهم اليهود والنصارى.

فالعهد القديم الذي يؤمن به اليهود والنصارى يشرع الجزية ويذكر أن الأنبياء عليهم السلام أخذوا الجزية من الأمم المغلوبة حين غلبوا على بعض الممالك، كما صنع النبي يشوع مع الكنعانيين حين تغلَّب عليهم ((فلم

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يطردوا الكنعانيين الساكنين في جازر، فسكن الكنعانيون في وسط افرايم إلى هذا اليوم، وكانوا عبيداً تحت الجزية))((يشوع 16:10

وفي سفر الملوك الأول (( 4 : 21 )) ((أن سليمان أخذ الجزية من جميع الممالك من النهر إلى أرض فلسطين وإلى تخوم مصر، وإليك النص المترجم: ((فكانت هذه الممالك تقدم له الجزية وتخضع له كل أيام حياته)).

وفي سفرصموئيل الثاني(( 8 : 1 )) ((أن نبي الله داود أخذ الجزية من الموآبيين، حيث ورد فيه ما نصه: وقهر أيضاً الموآبيين وجعلهم يرقدون على الأرض في صفوف متراصة، وقاسهم بالحبل. فكان يقتل صفين ويستبقي صفاً. فأصبح الموآبيين عبيداً لداود يدفعون له الجزية)).

ويذكر العهد الجديد في إنجيل متّى ((إصحاح 22 : 17 - 21 )) أن المسيح سئل من قِبل تلاميذ الفرنسيين: ((أيجوز أن تعطى جزية لقيصر أم لا؟ فعلم يسوع خبثهم وقال لماذا تجربوني يا مراؤون، أروني معاملة الجزية، فقدموا له ديناراً.. فقال لهم: لمن هذه الصورة والكتابة؟ قالوا له: لقيصر. فقال لهم: أعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر، وما للّه للّه)).

ويعتبر بولس أداء الجزية للسلاطين حقاً مشروعاً دينياً، فيقول في رسالته إلى رومية (( 13 : 7 ))((لتخضع كل نفس للسلاطين، السلاطين الكائنة هي مرتبة من الله، حتى إن من يقاوم السلطان يقاوم ترتيب الله... فأعطوا الجميع حقوقهم، الجزية لمن له الجزية، الجباية لمن له الجباية، والخوف لمن له الخوف، والإكرام لمن له الإكرام)).

إذن فالإسلام لم يبتدع هذا التشريع ولم يكن أول الأديان والملل تعاطياً

مع شريعة الجزية، بل إنه تشريع معروف عند جميع أمم الأرض بعامة، وشريعة معهودة عند أهل الكتاب بخاصة يعرفونها كما يعرفون أبناءهم، فكيف يشنَّع على المسلمين ويترك غيرهم؟

إن من يريد من المستشرقين أن ينال من المسلمين بحجة تشريع الجزية فعليه أولا أن يبصر نصوص دينه التي يقدسها ويؤمن بها ليرى فيها تشريع الجزية قائماً، وعليه حين يريد التشكيك أن يبدأ بمعتقده ودينه قبل أن يتطلع إلى ما عند الآخرين، وكما يقال: أتترك الحصاة في عينيك وتنظر إلى القذى في عين أخيك، هذا إذا كان قذى، لكن تشريع الجزية في الإسلام هو عنوان رحمة ودليل مسامحة مع الآخرين، وإليك البيان.

الجزية مقابل الحماية

لماذا أخذ المسلمون الجزية من شعوب البلاد التي فتحوها ولم يسلموا؟

إن هذا التساؤل في غاية الأهمية والإجابة عنه لا تقل أهمية.

إن المسلمين أخذوا الجزية مقابل الحماية، الحماية لا غير، فالجزية هي عوض عن التحاق غير المسلمين بجيش المسلمين؛ لأن جيش المسلمين جيش له عقيدة تحركه وتضبطه في كل شأنه؛ لذلك لا يعقل أن يلتحق به غير المسلمين، لذلك أخذت الجزية عوضاً عن حمايتهم، وهذا ما يجب أن يتنبه له من يثير أمثال هذه الشبهات هذا إن فرضنا فيهم حسن النية وعدم العلم، وعدم تعمد الإساءة، وإن كان هذا الفرض بعيد كل البعد ولا يقبله إلا من أصابته سذاجة لبَّست على فكره وعقله.

فالجزية مأخوذة من الجزاء، أي أن أهل الكتاب إنما أخذت منهم الجزية جزاء ما يقدَّم لهم من خدمات، فهؤلاء حين يعاهدون على الجزية تكون

أرواحهم وأموالهم وجميع ممتلكاتهم في حماية المسلمين، لا يمكن لأحدٍ أن يمسها بسوء، فهي ضريبة مقابل امتياز مثلها مثل الكثير من الضرائب التي تأخذها الحكومات اليوم مقابل تقديم خدمات معينة(353)

يقول السيد سابق: ((إن الإسلام قد فرض الجزية على الذميين فى مقابل فرض الزكاة على المسلمين، حتى يتساوى الفريقان لأن المسلمين والذميين يستظلون براية واحدة، ولذلك أوجب الله الجزية للمسلمين نظير قيامهم بالدفاع عن الذميين، وحمايتهم فى البلاد الإسلامية التي يقيمون بها))(354) .

لذلك ضمن النبي صلى الله عليه وسلم لربيعة الحضرمي الحماية حين أخذ منه الجزية، فكتب له: «وأن نَصْرَ آل ذي مرحب على جماعة المسلمين، وأن أرضهم بريئة من الجور»(355) .

وكذلك ضمن عبادة بن الصامت للمقوقس عظيم القبط، حين قال:((نقاتل عنكم من ناوأكم وعرض لكم في شيء من أرضكم ودمائكم وأموالكم، ونقوم بذلك عنكم إن كنتم في ذمتنا، وكان لكم به عهد علينا))(356) .

وكتب خالد بن الوليد لبعض نواحي العراق: فإن منعناكم فلنا الجزية، وإلا فلا حتى نمنعكم- أي نحميكم(357) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقرر الفقهاء أن الجزية شرطها الحماية، فقد ورد في المهذب: ويجب على الإمام الذب عنهم ومنع من يقصدهم من المسلمين والكفار واستنقاذ من أسر منهم واسترجاع ما أخذ من أموالهم سواء كانوا مع المسلمين أو كانوا منفردين عنهم فى بلد (لهم) لأنهم بذلوا الجزية لحفظهم وحفظ أموالهم، فإن لم يدفع عنهم حتى مضى حول لم تجب الجزية عليهم؛ لأن الجزية للحفظ وذلك لم يوجد فلم يجب ما فى مقابلته(358) .

وقال أبو الوليد الباجي في المنتقى شرح موطأ مالك: وذلك أَنّ الْجِزْيَةَ إنَّما تُؤْخَذُ مِنهم عَلى وَجه الْعِوَضِ لإِقَامتهمْ فِي بِلاد المسلمين وَالذَّبِّ عنهُم والْحِمَايةِ لهم(359) .

وبمثله قال النووي وابن قدامة في المغني، بل ينقل القرافي في الفروق عن ابن حزم إجماعاً للمسلمين لا تجد له نظيراً عند أمة من الأمم، فيقول: من كان في الذمة، وجاء أهل الحرب إلى بلادنا يقصدونه، وجب علينا أن نخرج لقتالهم بالكراع والسلاح، ونموت دون ذلك، صوناً لمن هو في ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ فإن تسليمه دون ذلك إهمال لعقد الذمة.

ويعلق القرافي فيقول:فعقد يؤدي إلى إتلاف النفوس والأموال صوناً لمقتضاه عن الضياع إنه لعظيم(360) .

بل يذهب الإسلام إلى أعظم من هذا بكثير، فيقول ابن النجار الحنبلي في مطالب أولي النهى: يجب على الإمام حِفظهم أي أهل الذمة- ومنع من

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يؤذيهم؛ لأنهم بذلوا الجزية على ذلك، وفكِّ أسراهم؛ لأنهم جرت عليهم أحكام الإسلام وتأيَّد عقدهم فلزمه ذلك كما يلزمه للمسلمين، ولو لم يكونوا في معونتنا، بعد فكِّ أسرانا، فيبدأ بفداء المسلمين قبلهم؛ لأن حرمة المسلم أعظم ويجب على الإمام دفع مَن قصدهم بأذى(361)

فالجزية هي علامة لخضوع أعداء الإسلام وإلقاء سلاحهم، وكفِّهم عن مقاتلة المسلمين، ومعارضة الدعوة الإسلامية، وإفساح المجال أمامها ليدخل فيها من أحب دون إكراه أو إرغام.

ثانياً: أن الجزية تؤخذ في مقابل حماية الدولة الإسلامية لأموال هؤلاء الذميين وأنفسهم ولا أدل على ذلك من رد أبي عبيدة عامر بن الجراح لأهل الشام جزيتهم وخراجهم عندما بلغه أن الروم قد جمعوا للمسلمين، فهو وجنده لا يستطيعون حماية هؤلاء الذميين. لأنهم سيتفرغون لقتال الروم. وجاء في كتابه لهم: إنما رددنا لكم أموالكم لأنه قد بلغنا ما جمع الروم لنا من الجموع، و إنكم قد اشترطتم علينا أن نمنعكم، وإنا لا نقدر على ذلك، وقد رددنا لكم ما أخذنا منكم ونحن لكم على الشرط وما كتبنا بيننا إن نصرنا الله(362) .

ومن الأمثلة التطبيقية على هذه القاعدة: لما أغار أمير التتار قطلوشاه على دمشق في أوائل القرن الثامن الهجري، وأسر من المسلمين والذميين من النصارى واليهود عدداً، ذهب إليه الإمام ابن تيمية ومعه جمع من

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

العلماء، وطلبوا فك الأسرى، فسمح له بالمسلمين، ولم يطلق الأسرى الذميين، فقال له شيخ الإسلام: لابد من افتكاك جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا، ولا ندع لديك أسيراً، لا من أهل الملة، ولا من أهل الذمة، فإن لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، فأطلقهم الأمير التتري جميعاً(363)

وعلينا أن لا ننسى مقولة عمر بن عبد العزيز عندما أشار إليه عامله على مصر بعدم رفع الجزية عن المسلمين من أهل الذمة فكتب إليه عمر بن عبد العزيز قائلاً:

((أما بعد: فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وسلم داعيا، ولم يبعثه جابيا فإن كان أهل الذمة قد أسرعوا في الإسلام وكسروا الجزية فاطوِ كتابك وأقبل))(364) .

فالجزية في الإسلام هي إعلان خضوع وولاء من جهة، وعوض عن الحماية من جهة ثانية، فهي بدل نقدي لضريبة الدم، وإنما سلك الإسلام هذه السبيل ولجأ إليها مع غير المسلمين من باب التخفيف عليهم والرحمة بهم وعدم الإحراج لهم حتى لا يلزمهم أن يقاتلوا في صفوف المسلمين فيتهم بأنه إنما يريد لهم الموت والاستئصال والفناء والتعريض لمخاطر الحرب والقتال، فهي في الحقيقة امتياز في صورة ضريبة وفى الوقت نفسه احتياط لتنقية صفوف المجاهدين من غير ذوي العقيدة الصحيحة والحماسة المؤمنة البصيرة.

ومقتضى هذا أن المسلمين إذا عجزوا عن تقديم الحماية اللازمة لغير

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المسلمين من أبناء البلاد التي تدخل تحت حكم الإسلام فإنه لا تحب عليهم الجزية في هذه الحال، وهذا ما فعله الصحابة.

يقول أحمد الحوفى: ((إن الجزية من نتائج الحرب، وأثر من آثارها، وليست دافعا إلى الحرب ولا هدفا من أهدافها قال تعالى: ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ﴾(365) ومعنى هذا أن المسلمين مأمورون بقتال أعدائهم إذا حدث منهم ما يوجب قتالهم، كأن يعتدوا على ديار المسلمين أو على أشخاصهم أو أموالهم، أو يدبروا المؤامرات لتهديد سلامتهم وتعويق دعوتهم وفتنتهم عن دينهم والمسلمون مكلفون أن يقاتلوا هؤلاء الأعداء، حتى يأمنوا شرهم ولا سبيل إلى هذا إلا بالغلب الذى يعقبه الإسلام أو فرض الجزية(366) .

الجزية على من تجب ومقدارها

وبعد أن أوضحنا أن الجزية بدل عن الحماية لغير المسلمين، ينتقل بنا الحديث إلى محور في غاية الأهمية ألا وهو:

على من تجب الجزية؟

المقرر في كتب فقهاء المذاهب أنهم اشترطوا في وجوب الجزية العقل والبلوغ والحرية والذكورية وأن يكون كتابياً، وزاد بعض الفقهاء السلامة

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

من العاهات المزمنة، وتوفر المقدرة المالية، وألا يكون من الرهبان(367) وسنفصل القول نسبياً في هذا الأمر عند حديثنا عمن تسقط عنهم الجزية.

مقدار الجزية

وبعد الحديث عمن تجب عليهم الجزية ننتقل إلى الحديث عن مقدار الجزية الذي يتشدق به المغرضون ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً، لنرى هل يمكن لهذا المقدار الذي حدَّده الإسلام وأرسى قواعده النبي صلى الله عليه وسلم أن يسيل لعاب الفاتحين المسلمين حتى يدفعهم لخوض فتوحاتهم؟ وهل يشكِّل هذا المقدار عبئاً على غير المسلمين يثقل كاهلهم ويدفعهم دفعا لترك دينهم ومعتقدهم هرباً من تكاليفه ومغرمه؟

لقد نسي أصحاب هذه الشبهة أن الجزية في الإسلام أقل بقليل مما يدفعه المسلمون في صورة تشريع الزكاة، مع أنهم يشتركون في الجهاد خلافاً لغير المسلمين في المجتمع الإسلامي.

حيث لم تزد في جُل تاريخها على أربعة دنانير، وتراوحت في أغلب أحوالها بين دينار ودينارين.

فقد ورد في المغني لابن قدامة: والمأخوذ منهم الجزية على ثلاث طبقات: فيؤخذ من أدونهم اثنا عشر درهماً، ومن أوسطهم أربعة وعشرون درهماً، ومن أيسرهم ثمانية وأربعون درهماً(368) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال الماوردي: اختلف الفقهاء في أقل الجزية وأكثرها، فذهب الشافعي إلى أن أقلَّها مقدَّر بدينارٍ لا يجوز الاقتصار على أقلَّ منه من غنيٍّ ولا فَقيرٍ، وأكثرها غير مقدرٍ، وهو موكل إلى اجتهاد الإمام، فإن لم يُجيبوا إلى الزيادة على الدينار من غنيٍّ ولا فقيرٍ وجب على الإمام إجابتهم إليه، وإن طبقوا أنفسهم بالغنى والتوسط، وَالذي عاقدهم عليه، وقال أَبوحنيفةَ : هي مُقدََّةُ الأقَلِّ وَالْأَكْثَرِ بِحَسَب طَبقاتِهِمْ(369) . .

وقال الماوردي: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الجزية من أهل نجران، ومن مجوس هَجَرَ، وأخذها من أهل أيٌلَة، وهم ثلاثمائة رجلٍ أخذ منهم ثلاثمائة دينارٍ(370) .

هذا وإن الجزية في الإسلام هي ضريبة مالية تفرض على غير المسلمين من المقاتلين، ويضاف عليها أن الإسلام أعطى غير المسلمين المقيمين في مجتمعه الحق في أن يأخذوا من بيت مال المسلمين إذا ضاقت عليهم الأمور وأصبحوا غير قادرين على الكسب.

إنه من الواضح هنا أنه إن كان المسلمون خرجوا بقصد تحسين أوضاعهم المادية كما يدعي الحاقدون فإن الجزية لا تكفيهم أبداً؛ لقلتها من جهة، ولكثرة عدد المسلمين الفاتحين من جهة أخرى، فلا تستقيم الشبهة والحال هذا أبداً.

أصناف تسقط عنهم الجزية

لو سلمنا جدلاً أن الإسلام اعتبر الجزية لا علاقة لها بالحماية، وأنها

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تشكل عبئاً مالياً على غير المسلمين لضخامة قدرها، فهل يجوز والحال هذا أن يعفي الإسلام أحداً من غير المسلمين من دفع الجزية طالما أنه لا يراعي فيهم إلاً ولا ذمة؟

أظن أن الإجابة عندها تتمثل في أنه لن يسقطها عن أحد، وكيف له أن يسقطها وهي بناء على المزاعم السابقة تمثل مورداً مالياً هاماً؟

الناظر في التشريع الإسلامي يجد أن الأمر ليس على النحو السالف؛ فالجزية في تفاصيلها لا تجب على جميع أهل الكتاب الخاضعين لدولة الإسلام وحكمه، بل إن هناك أصنافاً قد أعفاهم الإسلام من الجزية وأسقطها عنهم، فتسقط الجزية عن الفقراء والنساء والصغار والعبيد والمجانين والشيخ الفاني.

ودليل ذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلْيَوْمِ ٱلْءَاخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ ٱلْحَقِّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُوا۟ ٱلْكِتَـٰبَ حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَـٰغِرُونَ﴾(371) .

قال الإمام القرطبي: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: والذي دل عليه القرآن أن الجزية تؤخذ من الرجال المقاتلين, لأنه تعالى قال: ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِينَ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟ ٱلْجِزْيَةَ﴾ ((فيقتضي ذلك وجوبها على من يقاتل. ويدل على أنه ليس على العبد وإن كان مقاتلاً لأنه لا مال له ولأنه تعالى قال: ﴿حَتَّىٰ يُعْطُوا۟﴾ ولا يقال لمن لا يملك حتى يعطي. وهذا إجماع من العلماء على أن الجزية إنما توضع على جماجم الرجال الأحرار البالغين وهم الذين يقاتلون دون النساء والذرية والعبيد

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والمجانين المغلوبين على عقولهم والشيخ الفاني(372)

وقال الإمام مالك في الموطأ: مضت السنة أن لا جزية على نساء أهل الكتاب ولا على صبيانهم، وأن الجزية لا تؤخذ إلا من الرجال الذين قد بلغوا الحلم، وليس على أهل الذمة ولا على المجوس في نخيلهم ولا كرومهم ولا زروعهم ولا مواشيهم صدقة(373) .

وفي مختصر الخرقي: ولا جزية على صبي ولا زائل العقل ولا امرأة ولا فقير ولا شيخ فان ولا زمن ولا أعمى ولا على سيد عبد عن عبده إذا كان السيد مسلماً(374) .

ويقول الماوردي: ولا تجب الجزية إلا على الرجال الأحرارِ العقلاء، ولا تَجب على امرأةٍ ولا صبيٍّ ولا مجنونٍ ولا عبدٍ لأنهم أتباعٌ وذراريَّ.. ولا تؤخذ الجزية من خُنثى مشكلٍ(375) .

وذكر نحو ذلك أيضا أبو يعلى في الأحكام السلطانية(376) .

وفي خراج أبي يوسف: ((وإنما تجب الجزية على الرجال منهم دون النساء والصبيان... ولا تؤخذ الجزية من المسكين الذي يتصدق عليه، ولا من أعمى لا حرفة له ولا عمل، ولا من ذمي يتصدق عليه، ولا من مقعد، والمقعد والزمن إذا كان لهما يسار أخذ منهما، وكذلك الأعمى وكذلك

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المترهبون الذين في الديارات إذا كان لهم يسار أخذ منهم...(377)

وفي المغني بعد قول المصنف: ((ولا جزية على صبي ولا زائل العقل ولا امرأة)) قال: ((لا نعلم بين أهل العلم خلافا في هذا، وبه قال مالك وأبو حنيفة وأصحابه الشافعي وأبو ثور. وقال ابن المنذر: ولا أعلم عن غيرهم خلافهم))(378) .

وفي كشاف القناع: فلا تجب الجزية على صغير ولا امرأة.. ولا على خنثى..ولا جزية على مجنون، ولا زمن، ولا أعمى، ولا شيخ فان، ولا راهب بصومعة، وهو الذي حبس نفسه وتخلى عن الناس في دينهم ودنياهم؛ لأنهم لا يقتلون فلم تجب عليهم الجزية كالنساء والصبيان... ولا جزية على عبد ولو لكافر(379) .

وفي الفتح يقول ابن حجر: واختلف السلف في أخذها من الصبى، فالجمهور قالوا لا تؤخذ على مفهوم حديث معاذ، وكذلك لا تؤخذ من شيخ فان ولا زمن ولا امرأة ولا مجنون ولا عاجز عن الكسب ولا أجير ولا من اصحاب الصوامع(380) .

وفي النهاية للطوسي من علماء الإمامية: ((وهي واجبة على جميع الأصناف المذكورة إذا كانوا بشرائط المكلفين، وتسقط عن الصبيان والمجانين والبله والنساء منهم))(381) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفي المبسوط من كتب الإمامية: ((......وأما النساء والصبيان والبله والمجانين فلا جزية عليهم بحال... فأما المملوك فلا جزية عليه، لقوله؛: ((لا جزية على العبيد))... والشيخ الفاني والزمن وأهل الصوامع والرهبان الذين لا قتال فيهم ولا رأي لهم تؤخذ منهم الجزية لعموم الآية وكذلك إذا وقعوا في الأسر جاز للإمام قتلهم، وقد روي أنه لا جزية عليهم(382) .

وليس هذا فحسب بل إنه وصل الأمر إلى أن من وجبت عليهم الجزية، تسقط الجزية عند العجز عن سدادها، يقول ابن القيم في كتابه أحكام أهل الذمة: تسقط الجزية بزوال الرقبة أو عجزها عن الأداء(383) .

ولنا أن نستنتج مما سبق أن الجزية في الإسلام بدل عن الحماية، وأنها مقدارها قليل جدا لدرجة أنها أقل من فريضة الزكاة التي يخرجها المسلمون، وأن الإسلام أعفى أصنافا كثيرة من غير المسلمين من إخراج الجزية، فأين هذا الدافع الاقتصادي المزعوم؟ وأين هذا الإكراه؟

شهادات غربية منصفة

ولقد شهد أناس ليسوا من بني جلدة المسلمين على أن الجزية إنما أخذها المسلمون من غيرهم مقابل الحماية وأنها لم يكن فيها إجحاف بغير المسلمين.

يقول المستشرق توماس أرنولد فى كتابه: ((الدعوة إلى الإسلام)) متحدثاً

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عن نزاهة المسلمين مبطلا ادعاءات المستشرقين المتعصبين حول قضية الجزية موضحا أن الغرض من فرض الجزية على غير المسلمين لم يكن من أجل العقاب إذ يقول: ((ولم يكن الغرض من فرض هذه الضريبة على المسيحيين كما يريدنا بعض الباحثين على الظن لونا من ألوان العقاب لامتناعهم عن قبول الإسلام، وإنما كانوا يؤدونها مع سائر أهل الذمة وهم غير المسلمين من رعايا الدولة الذين كانت تحول ديانتهم بينهم وبين الخدمة فى الجيش فى مقابل الحماية التى كفلتها لهم سيوف المسلمين))(384)

ويقول وول ديورانت قصة الحضارة: ((ولم تكن هذه الضريبة تفرض إلا على غير المسلمين القادرين على حمل السلاح.. وكان الذميون يعفون في نظير هذه الضريبة من الخدمة العسكرية.. وكان لهم على الحكومة أن تحميهم))(385) .

ويشهد آدم متز في كتابه الحضارة الإسلامية فيقول: ((فكان لا يدفعها إلا الرجل القادر على حمل السلاح، فلا يدفعها ذوو العاهات، ولا المترهبون وأهل الصوامع إلا إذا كان لهم يسار))(386) .

يقول المؤرخ بنيامين كما نقل عنه آدم متز في الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري: ((إن اليهود في كل بلاد الإسلام يدفعون ديناراً واحداً))(387) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويذهب مونتسكيو في كتابه ((روح الشرائع)) إلى أبعد من هذا حيث يرى أن بساطة الجزية عجلت بانتشار الفتوحات الإسلامية فيقول: إن هذه الإتاوات المفروضة كانت سبباً لهذه السهولة الغريبة التي صادفها المسلمون في فتوحاتهم، فالشعوب رأت – بدل أن تخضع لسلسلة لا تنتهي من المغارم التي تخيلها حرص الأباطرة – أن تخضع لأداء جزية خفيفة يمكن توفيتها بسهولة، وتسلمها بسهولة كذلك(388) .

ويقول دربير في كتابه ((المنازعة بين العلم والدين)): ((إن المسلمين ما كانوا يتقاضون من مقهوريهم إلا شيئاً ضئيلاً من المال لا يقارن بما كانت تتقاضاه منهم حكوماتهم الوطنية(389) .

فهذه النقول السابقة لأناسٍ ليسوا بمسلمين إلا أنهم ما استطاعوا أن يحجبوا الحقيقة التي بهرتهم فلم يتمالكوا أن نطقوا بها وأعلنوها صريحة دون إكراهٍ أو محاباةٍ.

تعقيب

فهذه أشهر الشبهات التي يثيرها المستشرقون ومن والاهم وللأسف ممن ينتسب إلى الإسلام، وهي شبهات قديمة لاكتها كثير من ألسنة الحقد والبغض حقداً على الإسلام وترديدا ً لما ذكره الأقدمون من أعداء الإٍسلام منذ نزول الوحي الإلهى في مكة المكرمة على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم تصديقاً لقول المولى سبحانه وتعالى : ﴿وَلَا تَأْكُلُوا۟ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ ٱسْمُ ٱللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُۥ لَفِسْقٌ ۗ وَإِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ لَيُوحُونَ إِلَىٰٓ أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَـٰدِلُوكُمْ ۖ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾(390) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهذه الشبهات تكشف عن أن المستشرقين مهما تباينت اتجاهاتهم من التراث الإسلامي، إلا أنهم يتحدون في الهدف النهائي للقضاء على الإسلام والمسلمين، وأنهم لم يستطيعوا التجرد من أهوائهم مهما ادعوا من حيادية في تناول التراث الإسلامي، كما تكشف أن هناك ممن ينتمي للإسلام مَن تبنى شبهات المستشرقين، وسار على دربهم خدمة لأغراض يقصدها.

وهذه الشبهات والهجمات رغم كثرتها ووقاحتها إلا أنها حمداً لله لم تستطع أن تنال من الإسلام، أو تحجب نوره عن العالمين، وتأثيرها لا يعدو أن يكون وقتياً عند من يجهل حقيقة هذا الدين العظيم وسرعان ما تزول، فالإسلام أبقى، وصدق الله القائل: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِـُٔوا۟ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفْوَٰهِهِمْ وَيَأْبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوْ كَرِهَ ٱلْكَـٰفِرُونَ﴾(391)(392) ) ( .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الخاتمة

وبعد:

كنا في جولة مع القارىء الكريم حول موضوع تاريخ الفتوحات الإسلامية بين الآل والأصحاب، حقائقه وشبهاته، وتبين لنا من خلال عرضنا للموضوع عدة أمور هي كالتالي:

أن مشاركة آل البيت والصحابة في الفتوحات الإسلامية جنباً إلى جنب من أكبر معالم العلاقة الطيبة التي سادت بينهم، والرحمة التي اكتنفتهم، والهدف المشترك الذي سعوا جميعاً له تاركين أوطانهم وأهليهم وأولادهم، مضحين في سبيله بالغالي والنفيس.

أن الانتصارات العظيمة التي حققها الآل والأصحاب في فتوحاتهم رغم قلة عددهم وعُدَّتهم دليل على وحدة صفِّهم واتحاد كلمتهم وإخلاص نياتهم وسلامة سرائرهم وخلوِّ قلوبهم من السخائم والأحقاد تجاه بعضهم البعض، فانتصاراتهم من دلائل محبتهم ومودتهم بعض البعض؛ لأنه لا يُمكَّن لجيش تسود الأحقاد والضغائن بين أفراده، ولا يمكن أن ينتصر على هذا الحال

أبداً، ولو فُرض انتصاره مرة أو اثنتين فلن يكون هذا دأبه وديدنه، فكانت الانتصارات من دلائل طيب العلاقات، فسلامة النهايات فرع عن صحة البدايات.

- أن أعداء الإسلام ومن والاهم يعملون دون كلل أو ملل على إسقاط رايته ودحر كلمته ولن تغمض لهم عين ولن يهدأ لهم بال إلا بتحقيق هذه الغاية، والله غالب على أمره.

- أن المنهج الاستشراقي في تناوله للتاريخ الإسلامي لا يهتم مطلقا بذكر الجوانب المضيئة فى الحضارة الإسلامية، وإنما يهتمون اهتماما بالغا بالجوانب الضعيفة فى هذه الحضارة ومحاولة إبرازها ونشرها بكل السبل.

- أن هناك فئة تنتمي للإسلام قد تلقت أباطيل المستشرقين وإفكهم واستساغته، بل ودافعت عنه وعملت دون كلل أو ملل على شيوعه وإظهاره، وكانوا بهذا آداة طيعة في خدمة أهداف المستشرقين وتحقيق مآربهم.

- أنه حدث تمازج خطير بين المستشرقين وبعض من ينتمي للإسلام وكان من نتائج هذا التمازج الأثر والتأثر بين المستشرقين وأذنابهم، فنرى أذناب المستشرقين مرة ينقلون عنهم شبهاتهم، ومرة أخرى ينقل المستشرقون عن أذنابهم.

وبعد فهذا جهد المقل وهو عرضة للخطأ والصواب، فما كان في بحثي هذا من صواب فمن الله، وما كان فيه من خطأ أو تقصير فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء.

والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

وصلَّى الله وسلَّم على الرحمة المهداة والسراج المنير

سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

المراجع

الأبطال المستشرق توماس كارلايل ترجمة أ محمد السباعي ط 4 دار الرائد العربي بيروت لبنان سنة 1402 هـ 1982 م. الأحكام السلطانية أبو يعلي الفراء، طبع مؤسسة الرسالة- بدون. الأحكام السلطانية: أبو الحسن الماوردي، ط 1 دار ابن قتيبة الكويت، سنة 1989 م. أحكام القرآن: أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، ط 1 دا ر الكتب العلمية- بيروت، سنة 1995 م. أحكام أهل الذمة: ابن القيم. دار ابن حزم الدمام بيروت، الطبعة الأولى، 1418 1997 الاستشراق والتاريخ الإسلامي- القرون الإسلامية الأولى-: فاروق عمر، ط 1 الأهلية للنشر والتوزيع، سنة 1988 م شبهات المستشرقين حول التراث الإسلامي، إبراهيم عبد الرحمن، الاستشراق والدراسات الإسلامية عبد القهار داود، دار الفرقان، ط 1 سنة 1421 هـ 2001 م. الاستيعاب في معرفة الأصحاب: للإمام ابن عبد البر، دار الجيل، بيروت، ط 1 سنة 1412 هـ. أُسد الغابة: للإمام أبي الحسن علي بن أبي كرم المعروف بابن الأثير، دار الكتاب العربي- بيروت، بدون. الإسلام في مرآة الفكر الغربي د/محمود حمدي زقزوق، ط دار الفكر العربي ط 4 1414 هـ 1994 م. الإسلام فى مواجهة التحديات د/محمد عمارة، ط نهضة مصر الطبعة 1 سنة 2007

م. الإسلام وحركة التاريخ: أنور الجندي، مطبعة الرسالة القاهرة سنة 1968 م. الإسلام، أحمد شلبي، دار نهضة مصر- القاهرة. الإصابة في تمييز الصحابة: للإمام أحمد بن حجر العسقلاني، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1 سنة 1410 هـ. إعلام الموقعين عن رب العالمين: للإمام محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية، طبعة مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، سنة 1388 هـ 1968 م. أعلام الهداية: الإمام الحسن المجتبى، المجمع العالمي لآل البيت، بدون. الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ: شمس الدين محمد بن عبد الرحمن السخاوي، دار الكتب العلمية- بيروت، بدون. أعيان الشيعة: محسن الأمين، مطبعة ابن زيدون، دمشق، بدون. افتراءات على الإسلام والمسلمين: أمير عبد العزيز، دار السلام- القاهرة، سنة 1422 هـ 2002 م. الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء: سليمان بن موسى الكلاعي الأندلسي، ط 3 عالم الكتب بيروت 1417 هـ. الآل و الصحابة محبة وقرابة: علي بن حمد التميمي، طبعة مبرة الآل والأصحاب، الكويت. الأمالي: لأبي جعفر محمد بن علي ((الصدوق))، مؤسسة البعثة، طهران، ط 1 سنة 1417 هـ. انتشار الإسلام وموقف المستشرقين منه، د/محمد فتح الله الزيادى، ط: دار قتيبه بيروت لبنان، سنة 1411 هـ 1990 م. الانحرافات الكبرى: سعيد أيوب، ط 1 دار الهادي بيروت سنة 1412 هـ- 1992 م. أنساب الأشراف: للمؤرخ أحمد بن يحيى البلاذري، ط 1 مؤسسة

الأعلمي، بيروت، سنة 1394 هـ 1974 م. الأنساب: عبد الكريم بن منصور السمعاني:ط 1 دار الجنان بيروت، سنة 1988 م. إنسانية الإسلام: للمستشرق مارسيل بوزار ترجمة د/عفيف دمشقية، طبعة دار الآداب بيروت- لبنان سنة 1980 م. الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل: أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي، دار إحياء التراث العربي بيروت، بدون. بحار الأنوار: محمد باقر المجلسي، ط 2 مؤسسة الوفاء، بيروت، سنة 1403 هـ- 1983 م. بحث بعنوان: (الفتوحات بين دوافعها الإسلامية ودعاوى المستشرقين) د/جميل عبد الله المصري بحث منشور فى مجله المنهل السعودية العدد السنوي رقم 471 البداية والنهاية: للحافظ أبي الفداء اسماعيل بن كثير، دار إحياء التراث العربي بيروت، سنة 1408 هـ، م 1988 بين الإسلام والغرب ضراوة أحقاد ومرارة حصاد، د/على محمد عبد الوهاب دار كابى للنشر، القاهرة، ط 1 سنة 1416 هـ 1996 م. تاج العروس من جوهر القاموس: محمد مرتضى الحسيني الزبيدي، دار الفكر، بيروت، سنة 1414 هـ- 1994 م. تاريخ ابن خلدون: مؤسسة الأعلمي- بيروت- لبنان، سنة 1391 هـ- 1971 م. تاريخ الإسلام: للإمام أبي عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، ط 1 دار الكتاب العربي، بيروت، سنة 1407 هـ- 1987 م. تاريخ الخلفاء الراشدين: محمد سهيل، ص 39 ط 1 دار النفائس-بيروت، سنة 2003

م. تاريخ الشعوب الإسلامية المستشرق كارل بروكلمان ترجمة أ /نبيه أمين فارس، أ/ منير البعلبكى ط دار العلم للملايين بيروت لبنان الطبعة الثامنة مارس عام 1979 م. تاريخ الطبري «تاريخ الأمم والملوك»: للإمام محمد بن جرير الطبري، ط 4 مؤسسة الأعلمي للمطبوعات- بيروت، سنة 1406 هـ 1983 م. التاريخ الكبير: للإمام البخاري، دار الفكر، بيروت، بدون. تاريخ اليعقوبي: أحمد بن أبي يعقوب، دار صادر، بيروت، بدون. تاريخ جرجان: حمزة بن يوسف السهمي، ط 4 عالم الكتب- بيروت، سنة 1407 هـ. تاريخ مدينة دمشق: للإمام الحافظ أبي القاسم علي بن الحسن «ابن عساكر» دار الفكر بيروت، سنة 1415 هـ. التآمر على التاريخ الإسلامي أ/أبو الوفا أحمد عبد الأخر الكتاب الأول مراجعة وتقديم د/محمد كامل البنا ط مطابع الأهرام بالقاهرة ط 1 1410 هـ 1990 م. التبشير والاستعمار في البلاد العربية د/مصطفى الخالدي، د/عمر فروخ، ط 2 المكتبة العصرية بيروت، 1957 م. تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي: للإمام محمد بن عبد الرحمن المباركفوري، دار الكتب العلمية، بيروت، بدون. تفسير القرآن العظيم: للإمام الحافظ أبي الفداء إسماعيل بن كثير، دار المعرفة، بيروت، سنة 1412 هـ. تفسير القرطبي((الجامع لأحكام القرآن)): دار إحياء التراث العربي بيروت لبنان. تهذيب الكمال: للحافظ جمال الدين يوسف المزي، ط 4 مؤسسة الرسالة، بيروت، سنة 1406

هـ. الثقات: للإمام ابن حبان، مؤسسة الكتب الثقافية، ط 1 سنة 1393 هـ. الجامع الصحيح: للإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسأبو ري، دار الجيل، بيروت، بدون. الجامع الصحيح المختصر للإمام: محمد بن إسماعيل البخاري، ط 3 دار ابن كثير بيروت سنة 1407 هـ. جلاء الأفهام في فضل الصلاة على محمد خير الأنام: أبو عبد الله محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي، دار العروبة الكويت، ط 2 1407 هـ– 1987 م. الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح/ابن تيمية، ط 1 دار العاصمة الرياض- سنة 1414 هـ.. الحاوي الكبير:أبو الحسن الماوردي، دار الفكر بيروت، بدون. حضارة العرب: غوستاف لوبون، طبعة الهيئة المصرية العامة للكتاب. حقائق الإسلام في مواجهة حملات المشككين، إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة. حِلية الأولياء وطبقات الأصفياء: للإمام أبي نعيم الأصفهاني/ط 1 دار الجيل، بيروت، الخصائص الفاطمية، محمد باقر الكجوري، ط 1 مطبعة شريعت، قم. دائرة المعارف الإسلامية تصنيف أصدرها أئمة المستشرقين فى العالم ((النسخة العربية)) ط. دار المعرفة بيروت لبنان بدون. الدر المنثور: جلال الدين السيوطي، دار الفكر بيروت، سنة 1993 دراسات في الاستشراق ورد شبه المستشرقين حول الإسلام د/على على شاهين ط 1 دار الطباعة المحمدية بالقاهرة سنة 1412 هـ 1992

م. دراسات فى الفكر الإسلامى المعاصر: محمد عبد الله الشرقاوى، محمد السيد الجليند، ط. دار الثقافة العربية، سنة 1417 هـ 1996 م. الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة: على خان المدنى، نشر مكتبة بصيرتي- قم، سنة 1397 الدرر السنية: علماء نجد، 1/212 تحقيق: عبد الرحمن قاسم، ط 6 سنة 1417 هـ- 1996 م. الدعوة إلى الإسلام بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية: توماس أرنولد، ط 3 مكتبة النهضة المصرية بالقاهرة سنة 1970 م. دفاع عن الرسول ضد الفقهاء والمحدثين: صالح الورداني، نشر تريدنكو بيروت ط: 1 سنة 1418 هـ- 1997 م. دلائل النبوة: للإمام البيهقي، ط 1 دار الكتب العلمية، بيروت، سنة 1408 هـ 1988 م. دور الجهاد فى نشر الإسلام: معاذ عبد الله أبو غزاله، ط 1 دار الطباعة المحمدية بالقاهرة، سنة 1417 هـ 1996 م. ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى: أحمد بن عبد الله الطبري، مكتبة القدسي- القاهرة سنة 1356 هـ. رد المحتار على الدر المختار: (حاشية ابن عابدين) محمد أمين بن عابدين، طبعة دار الكتب العلمية بيروت. الروض الأُنف: الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله السهيلي، دار الكتب العلمية- بيروت، بدون. الروض النضير في معنى حديث الغدير: فارس حسون كريم، نشر مؤسسة أمير المؤمنين- قم ط 1 سنة 1419 هـ. روضة الطالبين: يحيي بن شرف النووي، دار الكتب العلمية- بيروت،

بدون. زاد المسير في علم التفسير: للإمام ابن الجوزي، ط 1 دار الفكر، بيروت، سنة 1407 هـ. سماحة الإسلام د/أحمد محمد الحوفى، إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة ط مطابع الأهرام التجارية بالقاهرة سنة 1424 هـ 2003 م. سنن ابن ماجه: للإمام أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، دار الفكر، بيروت، بدون. سنن أبي داود: للإمام أبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، دار الكتاب العربي، بيروت، بدون. سنن الترمذي «الجامع الصحيح»: للإمام محمد بن عيسى الترمذي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، بدون. سنن الدارقطني: للإمام أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني البغدادي، دار المعرفة بيروت، سنة 1386 1966 م. سنن الدارمي: للإمام عبد الله الدارمي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 1 سنة 1407 هـ. السنن الكبرى: للإمام أبي بكر أحمد بن علي البيهقي، طبعة مجلس دائرة المعارف النظامية، ط 1 سنة 1344 هـ. سنن النسائي: للإمام أحمد بن شعيب النسائي، ط. مكتبة المطبوعات الإسلامية، حلب، ط 2 سنة 1406 هـ 1986 م. سيد رسل الله وأباطيل خصومه: عبد الصبور مرزوق، إصدار المجلس الأعلى للشئون الإسلامية بالقاهرة 1423 هـ- 2002 م). سير أعلام النبلاء: للإمام شمس الدين محمد بن عثمان الذهبي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1 سنة 1413 هـ 1993 م. السيرة الحلبية: الحلبي، دار المعرفة، بيروت، سنة 1400

هـ. السيرة النبوية: للإمام ابن كثير، دار المعرفة، بيروت، سنة 1396 هـ- 1976 م. السيرة النبوية: للإمام بن هشام الحميري، طبعة المدني- القاهرة، سنة 1383 هـ- 1963 م. السيرة النبوية: محمد بن إسحاق بن يسار، طبعة معهد الدراسات والأبحاث، بدون. شبهات المستشرقين حول التراث الإسلامي خلال النصف الأول من القرن العشرين عرض وتحليل ونقد. د/ابراهيم عبد الرحمن، كلية أصول الدين والدعوة بالقاهرة. شرح النووي على صحيح مسلم: للإمام يحيى بن شرف النووي، دار الكتاب العربي، بيروت، ط 2 سنة 1407 هـ. شرح زاد المستقنع للشنقيطي الموسوعة الفقهية: الأوقاف الكويتية. شرح نهج البلاغة: ابن أبي الحديد المعتزلي، دار إحياء الكتب الدينية، سنة 1379 هـ 1959 م. الصحاح في اللغة: إسماعيل بن حماد الجوهري، دار العلم للملايين، بيروت ط 4 سنة 1990 صحيح ابن حبان: للإمام محمد بن حبان البستي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 2 سنة 1414 هـ 1993 م. صحيح وضعيف تاريخ الطبري: محمد بن طاهر البرزنجي وآخرون، دار ابن كثير- دمشق- بيروت، ط 1 1428 هـ- 2007 م). الطبقات الكبرى: للإمام محمد بن سعد، دار صادر، بيروت، بدون. طبقات خليفة: خليفة بن خياط العصفري، دار الفكر، بيروت، سنة 1414 هـ 1993 م. طرائف

المقال: علي البروجردي، مطبعة بهمن- قم نشر مكتبة المرعشي النجفي قم، ط 1 سنة 1410 هـ. ظاهرة انتشار الإسلام، محمد فتح الله الزيادي، ط. المنشأة العامة للنشر والتوزيع، ط 1 سنة 1983 م. العقيدة والشريعة في الإسلام، المستشرق جولد زيهر– ترجمة د/محمد يوسف موسى، د/عبد العزيز عبد الحق، د/علي حسن عبد القادر ط دار الرائد العربي بيروت لبنان. علم التاريخ ومناهج المؤرخين: صائب عبد الحميد، ط 1 شركة الغدير، سنة 2001 م. عمدة القاري شرح صحيح البخاري: للإمام بدر الدين العيني، دار الفكر، بيروت، سنة 1422 هـ 2002 م. العين: الخليل بن أحمد الفراهيدي، دار الرشيد، العراق، ط 1 سنة 1981 الفتح الإسلامي: محمد علي الصلابي، ط 1 مكتبة الإيمان المنصورة مصر، بدون. فتح الباري بشرح صحيح البخاري: للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت، ط 1 بدون. فتح القدير: محمد بن علي الشوكاني، دار الفكر، بيروت، بدون. الفتوح، أحمد بن أعثم الكوفي، دار الأضواء- بيروت، ط 1 سنة 1411 هـ. الفتوح الإسلامية عبر العصور: عبد العزيز العمري، دار أشبيليه، ط 2 سنة 1419 هـ. فتوح البلدان للبلاذري: مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، بدون. فتوح البلدان: أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، مكتبة النهضة المصرية، بدون.

فتوح مصر وأخبارها، القرشي المصري، ط 1 دار الفكر- بيروت، سنة 1416 هـ 1996 م. الفتوحات الإسلامية: صالح العلي، ط. شركة المطبوعات للتوزيع- بيروت- ط 1 سنة 2004 م. الفروق اللغوية، لأبي هلال العسكري، المكتبة التوفيقية، القاهرة، بدون تاريخ. فصل الخطاب في سيرة ابن الخطاب: محمد علي الصلابي، ط 2 دار التوزيع- القاهرة، سنة 2002 م. فقه السنة: الشيخ: السيد سابق، ط 1 دار الفتح للإعلام العربي بالقاهرة، سنة 1421 هـ 2000 م. في التاريخ الإسلامي: شوقي أبو خليل، دار الفكر دمشق، 1417 هـ 1996 م. قادة الفتح الإسلامي: قادة فتح العراق والجزيرة: محمود شيت خطاب، دار الفكر، ط 4 سنة 2002 م. قصة الحضارة: ول ديورانت ترجمة محمد بدران، ط 3 الإدارة الثقافية فى جامعة الدول العربية بالقاهرة سنة 1974 م. الكامل في التاريخ: للعلامة عز الدين علي بن أبي الكرم «ابن الأثير» دار صادر، بيروت، سنة 1385 هـ 1965 م. كتاب الخراج لأبي يوسف، دار المعرفة بيروت- لبنان، سنة 1399 هـ- 1979 م. الكتاب المقدس: (الفانديك) ط: دار الكتاب المقدس، القاهرة، سنة 2004 م. كشاف القناع عن متن الإقناع: منصور بن يونس البهوتي الحنبلي، دار الفكر- بيروت سنة 1402

هـ. كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: المتَّقي الهندي، مؤسسة الرسالة بيروت، سنة 1989 الكنز اللغوي: لابن السكيت الأهوازي، المطبعة الكاثوليكية، بيروت، بدون. لسان العرب: محمد بن مكرم بن منظور، دار صادر، بيروت، بدون. لماذا يزيفون التاريخ ويعبثون بالحقائق؟: إسماعيل الكيلاني، ط 1 المكتب الإسلامي بيروت لبنان، سنة 1407 هـ 1987 م. المبسوط: محمد بن الحسن الطوسي، المكتبة المرتضوية طهران، سنة 1387 هـ. مجلة الأزهر الجزء السابع ص 525 سنة 1379 هـ مجلة الأزهر السنة 79 الجزء 11 ذو القعدة 1427 هـ ديسمبر 2006 م. مجلة الأزهر:السنة 75 الجزء الأول العدد المحرم 1402 هـ إبريل 2002 م. مجلة رسالة الإسلام: وكانت تصدر عن دار التقريب بين المذاهب الإسلامية بالقاهرة. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد: للحافظ أبي بكر الهيثمي، دار الفكر، بيروت، سنة 1412 هـ. مجموع الفتاوي: للإمام ابن تيمية، ط 3 دار الوفاء، سنة 1426 هـ- 2005 م. محمد عمارة: نظرة جديدة إلى التراث. ط دار الرشاد بالقاهرة بدون. مختار الصحَّاح: محمد بن عبد القادر الرازي، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، سنة 1415 هـ 1995 م. مختصر الخرقي من مسائل الإمام أحمد بن حنبل: عمر بن حسين الخرقي، الناشر المكتب الإسلامي- بيروت سنة 1403

هـ. مختصر تاريخ دمشق: محمد بن مكرم بن منظور، دار الفكر المعاصر، ط 1 سنة 1980 م. المرتضى: أبو الحسن علي الحسني الندوي، ط 2 :المجمع الإسلامي العالمي- الهند، سنة 2003 م. المستدرك على الصحيحين: للإمام محمد بن محمد الحاكم النيسابو ري، دار المعرفة، بيروت، سنة 1406 هـ. المستشرقون والإسلام: زكريا هاشم، ط. المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة، سنة 1965 م. مسند البزار: للإمام أبي بكر أحمد بن عمرو البزار، مؤسسة علوم القرآن- بيروت سنة، بدون. المسند: للإمام أحمد بن حنبل الشيباني، طبعة مؤسسة قرطبة، القاهرة، بدون. المصنَّف: للإمام أبي بكر عبد الرزاق الصنعاني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 2 سنة 1403 هـ. المصنَّف: للإمام عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، مكتبة الرشد، الرياض، ط 1 سنة 1409 هـ. مطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى: ابن النجار الحنبلي، نشر المكتب الإسلامي دمشق، سنة 1961 م. المعارف: ابن قتيبة، دار المعارف القاهرة، بدون. معالم الفتن: سعيد أيوب، ط.مجمع إحياء الثقافة- قم سنة 1416 هـ. معاوية بن أبي سفيان، محمد علي الصلابي، ط. مكتبة الإيمان المنصورة مصر، بدون. المعجم الأوسط: أبو القاسم الطبراني: دار الحرمين- القاهرة، سنة 1415

هـ. معجم البلدان: ياقوت الحموي، دار إحياء التراث العربي بيروت سنة 1399 هـ 1979 م. معجم الرجال والحديث: محمد حياة الأنصاري، بدون ذكر هوية الطباعة. المعجم الكبير: أبو القاسم الطبراني: ط 2 مكتبة العلوم والحكم، الموصل، سنة 1404 هـ 1983 م. معجم رجال الحديث السيد الخوئي، ط 5 سنة 1413 هـ 1993 م. معجم مقاييس اللغة: أحمد بن فارس، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة، ط 2 سنة 1328 هـ- 1969 م. معرفة الصحابة: للإمام أبي نعيم الأصبهاني، دار الوطن الرياض ط 1 سنة 1419 هـ 1998 م. المغني: عبد الله بن أحمد بن قدامة المقدسي، دار الفكر بيروت الطبعة 1 سنة 1405 هـ. مفاهيم حول الآل والأصحاب ط. مبرة الآل والأصحاب بالكويت المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني. المكتبة التوفيقية، القاهرة، بدون. من افتراءات المستشرقين على الأصول العقدية: عبد المنعم فؤاد، ط. مكتبة العبيكان– الرياض، سنة 1422 هـ-. من رسالة الدكتور محمد بن صامل السلمي: (المدخل إلى علم التاريخ). منهج كتابة التاريخ لماذا وكيف؟ د/جمال عبد الهادي د/وفاء محمد رفعت جمعة، ط 1 دار الوفاء بالمنصورة، سنة 1406 هـ 1986 م. المهذب في الفقه الشافعي: أبو إسحق براهيم بن علي بن يوسف الشيرازي، دار الفكر- بيروت،

بدون. مواقف الشيعة: الأحمدي الميانجي، ط 1 :مؤسسة النشر الإسلامي- قم، سنة 1416 هـ. الموسوعة الإسلامية العامة: إعداد وطبع المجلس الأعلى للشئون الإسلامية القاهرة. الموسوعة الإسلامية العامة: المجلس الأعلى للشئون الإسلامية مصر. موسوعة التاريخ الإسلامي، أحمد شلبي، ط 7 مكتبة النهضة المصرية سنة 1977 م. الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة: إعداد الندوة العالمية للشباب الإسلامي تحت إشراف د/مانع بن حماد الجهنى. الموطأ للإمام مالك برواية يحيى الليثي:دار إحياء التراث العربي مصر، بدون. الموطأ: للإمام مالك بن أنس، ط 1 :مؤسسة زايد بن سلطان، سنة 1425 هـ- 2004 نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي. عبد الرحمن الحجي، ط 3 مكتبة الصحوة، سنة 1979 م. النهاية في غريب الحديث: ابن الأثير، مؤسسة إسماعيليان، قم، بدون. نهج البلاغة: خطب منسوبة للإمام علي بن أبي طالب، جمع الشريف الرضي، ط 1 دار الذخائر، قم، سنة 1412 هـ. الوافي بالوفيات: للصفدي، دار إحياء التراث، بيروت، سنة 1420 هـ 2000 م.

صفحة 229 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
الحاشية
النسخة المصوّرة — الفتوحات الإسلامية بين الآل والأصحاب حقائق وشبهات
يُحمّل المصدر المصوّر…