أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالبالصفحة المطبوعة 466
الاجتِهَادِ، إذِ الحُكْمُ على الشَّيءِ فَرْعٌ عن تَصوُّرِه، فكلَّما كانَ الفَهمُ لطَبِيعَةِ الوَاقعِ وإدْرَاكِه بجَمِيعِ حَيثيَّاتِه وأبْعَادِه، والوُقُوفِ على مُعطَياتِه، وتَسَارُعِ أحْدَاثِه وقَضَاياه، وعَواملِ نُموِّهِ وازْدِهَارِه، ومَكامنِ الضَّعفِ فيه... إلخ قَرِيبًا مِن الصَّوابِ، كانَ تَطبِيقُ الأحْكَامِ، وتَحقِيقُ مَرامِيها نَتِيجةً لذلك أكْثرَ دِقَّةً ووَاقعيَّةً، وألصْقَ بمَقاصدِ الشَّريعَةِ.
فمَعرِفَةُ النَّاسِ أصْلٌ يَحتَاجُ إليه المُجتَهِدُ، وإلا أفْسَدَ أكْثرَ ممَّا أصْلَحَ، فعليه أنْ يكونَ عَالِمًا بالأمْرِ والنَّهيِ، وطَبَائِعِ النَّاسِ وعَوَائدِهم وأعْرَافِهم، والمُتغيِّرَاتِ الطَّارِئَةِ في حَيَاتِهم، لأنَّ الحُكْمَ يتَغيَّرُ بتَغيُّرِ الزَّمَانِ والمَكَانِ والعَوَائدِ والأحْوَالِ(1058) .
نَتِيجَةً لذلك هَمَّ عليٌّ رضي الله عنه أنْ يُقسِّمَ سَوادَ العِرَاقِ بينَ أفْرَادِ جَيْشِه، ولكنَّه خَشِيَ عليهم الدُّنيَا أنْ تَدخُلَ قُلوبَهم، فيَضرِبَ بَعضُهم رِقَابَ بَعضٍ، فقالَ: «لولا أنْ يَضرِبَ بَعضُكم وُجُوهَ بَعضٍ، لقَسَمْتُ السَّوادَ بينَكم»(1059) .
وقَدِ استَحضَرَ عليٌّ رضي الله عنه أهمِّيَّةَ العُرْفِ في حَياةِ النَّاسِ وبِنَاءِ مُجتمَعاتِهم، وارْتِكَازِهم عليه في شُؤونِهم اليَوميَّةِ وحَاجَاتِهم الحَياتيَّةِ، فلم يَغِبْ عن مَنظُومَتِه الاجتِهَاديَّةِ ومِنهَاجِه الأصُوليِّ، بلْ رتَّبَ عليه أحْكَامًا عَمليَّةً، ومَسَائلَ فِقهيَّةً.
حتى بَرَزَ عندَه مَا عُرِفَ لاحِقًا بنَصِّ القَاعِدَةِ الأصُوليَّةِ: تَتغيَّرُ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.