أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالبالصفحة المطبوعة 456
الغيرِ، وسدُّ ذَرِيعَةِ التَّهاوُنِ بمُمتلكاتِ الآخَرينَ. والأمْرُ لمْ يكنْ بهذا الحُكْمِ إبَّانَ العَهْدِ النَّبوِيِّ، لقُوَّةِ الوَازعِ الدِّينِيِّ عندَ النَّاسِ.
أمَّا في عَهْدِ عليٍّ رضي الله عنه ، فقَد جَعَلَ لها بَيتًا خَاصًّا، يَحبِسُها فيه، ويُطعِمُها ويَسقِيها مِن بَيتِ المَالِ، إلى أنْ يَظْهرَ صَاحِبُها ويُثبِتَ أنَّها له، ونَهَى عنِ التِقَاطِها فقالَ: «لا تَأكُلِ الضَّالَّةَ إلا ضَالٌّ»(1030) .
عن سَعيدِ بنِ المُسيّبِ رحمه الله قالَ: «رَأيْتُ عليًّا رضي الله عنه بَنَى للضَّوَالِّ مِرْبدًا(1031) ، فكانَ يَعلِفُها عَلفًا لا يَسمُنُها ولا يَهزِلُها، مِن بَيتِ المَالِ. فكانَت تُشرِفُ بأعنَاقِها، فمَن أقَامَ بَيِّنةً على شَيءٍ أخَذَه، وإلا أقَرَّها على حَالِها، لا يَبِيعُها.
قالَ ابنُ المُسيّبِ: لو وُلِّيتُ أمْرَ المُسلِمينَ صَنَعْتُ هكذا»(1032) .
لا شَكَّ أنَّ هذا الفِعْلَ يُراعِي المَصلَحةَ التي لمْ يَعُدْ بالإمْكَانِ تَحقِيقُها بتَرْكِ الإبلِ على حَالِها، خَوْفًا مِن أنْ تَمتدَّ إليها يَدٌ غَيرُ أمِينَةٍ، فيَضِيعَ المَالُ على صَاحبِه. فاجْتَهدَ عليٌّ رضي الله عنه في تَحقيقِ المَصلَحةِ المَنشُودَةِ، وإنْ كانَ خَالفَ الحَدِيثَ ظَاهرِيًّا، ولمْ يَفعلْ مَا فَعَلَه سَلَفُه، ولكنَّه عَمِلَ على تَحقِيقِ الغَرَضِ مِن الحَديثِ، ووَافَقَ عثمانَ رضي الله عنه في وَجْهٍ وخَالفَه في آخرَ، مُراعَاةً لمَا سَادَ في زَمَانِه والبِيئَةِ التي كانَ يَعِيشُ فيها(1033) .
ولا يُقَالُ: إنَّ في العَمَلِ بالمَصلَحةِ هنا مُخالَفةً لشَرْطِ عَدَمِ مُخالَفَتِها للنَّصِّ! وإنَّما هو اجْتِهَادٌ في مَقصِدِ النَّصِّ ورُوحِه العَامَّةِ التي انطَلقَ على أسَاسِها، كمَا هو ظَاهِرٌ.
الرَّأيُ في
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.