أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالبالصفحة المطبوعة 44
مَعَ مَرِّ الزَّمانِ وتَقدُّمِ العُمْرَانِ. إنَّها طَبِيعَةُ العُنْصُرِ الإنسَانيِّ، الذي لا يَتمَالكُ نَفْسَه أن يَقِفَ عَاجِزًا، عن إيجَادِ الحُلولِ اللازِمَةِ للنَّوَازِلِ الطَّارِئَةِ، فكَيفَ بمن هو في سُدَّةِ الصَّدارةِ وقد طَوَّقَ عُنُقَه بوَاجِبِ النُّصْحِ لرَعيَّتِه!
هذه هي طَبِيعَةُ عِلْمِ أصُولِ الفِقْهِ، فإنَّه يُبيِّنُ المَنَاهِجَ القَوِيمَةَ والأسُسَ السَّلِيمَةَ للفقيهِ، كي يَطْرُقَها بعَزِيمَةٍ وثَبَاتٍ، لاستِنْبَاطِ أحْكَامِ اللهِ في أَفْعَالِ العِبَادِ.
وقد فَاقَ أقْرَانَه في الوُقُوفِ على عِلَلِ الشَّرِيعَةِ ومَصالِحِ التَّكالِيفِ الإلهيَّةِ، وحُسْنِ بَيانِها للنَّاسِ بألْطَفِ عِبَارَةٍ، وأَوْضَحِ إشَارَةٍ. فضلاً عمَّا تملَّكَه من الأُسْلُوبِ الدَّعَوِيِّ رَفيعِ المُسْتَوَى، الذي استَطَاعَ من خِلالِه أن يُثبِتَ نَجَاحَاتٍ لاقَت إعْجابَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم به، حتى اخْتَارَه من بين صُفُوفِ إخْوانِه، لِحَملِ هذا الدِّينِ وإبلاغِه لعُمومِ النَّاسِ، على اخْتِلافِ انتِمَاءاتِهم العَقدِيَّةِ، وتَنوُّعِ مَفاهِيمِهم الثَّقافيَّةِ آنذاك، إذا ما أخْفَقَ وَاحِدٌ من الصَّحابةِ رضي الله عنهم في الأمْرِ المُوكَلِ إليه.
وهكذا أصُولُ الفِقْهِ، بفَضْلِه يَستَطِيعُ الدَّاعِيَةُ أن يَدْعُوَ إلى اللهِ تعالى على قَوَاعِدَ مَتِينَةٍ تُقنِعُ الآخَرِينَ.
وكذا أحْسَنَ تَوظِيفَه في مُعالَجَةِ الآياتِ القُرآنيَّةِ، وتَفْسِيرِها، واستِخْرَاجِ لَطائفِها اللُّغَويَّةِ، وحِكَمِها، ومَقَاصِدِها. ولا أدَلَّ على ذلك من التَّرِكَةِ التي خَلَّفَها للأجْيَالِ الصَّاعِدَةِ من طَبقةِ التَّابِعينَ ابتِدَاءً، وانتِهَاءً بالعَصْرِ الحَدِيثِ- في تَفسِيرِ الكِتَابِ المَجِيدِ، وتلك التي تَناقلَتْها الأُمَمُ