أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالبالصفحة المطبوعة 43
الحُصُولِ عليها، بعدَ طُولِ صَبْرٍ وأنَاةٍ. من هنا تَبدُو أهميَّةُ ما انْفَرَدَ به عَمَلُ الأصُولِيِّ جَليَّةً في تَقدُّمِه على غَيرِه، وأنَّه يُمثِّلُ حَجَرَ الزَّاوِيَةِ في العُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ.
عُرِفَ عليٌّ رضي الله عنه -كوَاحِدٍ من المُجتَهدِينَ- بنُبوغِه في هذا المَجَالِ، فبَدا إلى جَانبِ كَونِه مُفتيًا من الطِّرَازِ الأوَّلِ، يُوقِّعُ الفَتَاوَى، وقَاضِيًا يُصدِرُ الأحْكَامَ... أصُوليًّا نِحْرِيرًا، استَطَاعَ -بحسب ما فُطِرَ عليه- أن يُوَظِّفَ هذه القَواعِدَ والمَبَادِئَ في مَجَالاتٍ مُتعدِّدةٍ، دَعَت إليها الحَاجَةُ المَاسَّةُ في الدَّعْوَةِ إلى اللهِ تعالى بمُخْتَلفِ مَجالاتِها، وتَنوُّعِ أسَاليبِها. وبالأخَصِّ في تلك الحِقْبةِ التي عاشَها، تحتَ وَطْأةِ الخِلافَاتِ الفِقْهيَّةِ، والنِّزَاعَاتِ السِّياسيَّةِ، وفي ظِلِّ انفِتَاحِ العُلومِ على بَعضِها، وتَلاقُحِ الحَضَاراتِ، مَعَ نَقْلِ حَاضِرَةِ الخِلافَةِ الإسْلاميَّةِ إلى العِرَاقِ.
وفي اخْتِيَارِه الكُوفةَ عَاصِمةً للخِلافَةِ أوْفَقُ اختِيَارٍ نَاتِجٍ عن نَظْرَتِه الحَضَارِيَّةِ للمُجتَمَعاتِ العُمْرَانِيَّةِ، إذْ كانَتِ الكُوفَةُ مُلْتَقَى الشُّعُوبِ من جَمِيعِ الأجْنَاسِ، لِمكَانَتِها التِّجَارِيَّةِ الهَامَّةِ، ومَرْكَزِها الثَّقافِيِّ المُمْتَازِ.
هكذا شَأْنُ العَالِمِ إذا قَبَضَ بزِمَامِ هذا الفَنِّ، فإنَّه يُحسِنُ استِخْدَامَه والإفَادةَ منه في غَيرِ ما مَوقِعٍ، ومن خِلالِ حُضُورِه الدَّائمِ بين يَدَي شَعْبِه وأُمَّتِه، ووُقُوفِه على ما يَحتاجُون إليه في مَعَاشِهم وأُخْرَاهم.
لذلك استَطاعَ أن يُوجِدَ الحُكْمَ الشَّرْعِيَّ، للحَوادثِ المُتجدِّدَةِ