أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالبالصفحة المطبوعة 383
رَابِعًا- هَلْ كانَ عليٌّ يَستَأثِرُ بالاجْتِهَادِ؟
بِنَاءً على القَوْلِ بتَجزُّؤِ الاجْتِهَادِ، ومَشرُوعِيَّةِ الاجْتِهَادِ الجَمَاعيِّ، دَعَا عليٌّ رضي الله عنه إلى الاجْتِهَادِ، بَلْ كانَ في زَمَانٍ كَثُرَ فيه المُجتَهِدُونَ، فمِنَ المُحتَمَلِ جِدًّا أنْ تتَعدَّدَ الاجْتِهَادَاتُ في الآنِ الوَاحدِ تُجَاه قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، فمَا هو مَوقِفُ عليٍّ مِن ذلك؟
لمْ يكنُ عليٌّ رضي الله عنه بثَقافَتِه الوَاسِعَةِ ممَّن يُنكِرُ تَعدُّدَ الاجْتِهَادَاتِ في المَسْألَةِ الوَاحِدَةِ، ولمْ يَمنَعْ مِن حُدُوثِ ذلك، كمَا أنَّه لمْ يَحْملِ النَّاسَ على رَأيِه –وهو أمِيرُ المُؤمنِينَ- وإنَّما تَرَكَ لهم فُسْحةً مِن الرَّأيِ، يتَخيَّرُونَ فُتْيةَ أيِّ مُجتَهِدٍ، طَالَمَا اتَّصَفَ بأهْلِيَّةِ الاجْتِهَادِ(858) .
الأمرُ الذي نَلمَحُ مِن خِلالِه مَدَى اتِّسَاعِ دَائِرَةِ الحُرِّيَّةِ في ذلك العَصْرِ، والتي تَجلَّت في عَدَمِ حَمْلِ الخَلِيفَةِ النَّاسَ على تَقلِيدِه. كمَا تَجلَّت في الدَّعْمِ المُستَمِرِّ مِن الخَلِيفَةِ للعُلمَاءِ على الاجْتِهَادِ، إذْ لمْ يتَوجَّهْ إليهم بالأمْرِ باتِّبَاعِه. بَلِ اتَّسَعَت دَائِرَةُ الحِوَارِ، ونَشِطَ الاجْتِهَادُ الفِقْهيُّ في مَجَالاتِ الحَيَاةِ كَافَّةً، سَواءٌ في القَضَاءِ أو الإفْتَاءِ.
وقَد مَرَّ(859) نَمُوذَجٌ في التَّطبِيقِ لهذه المَسْألَةِ حينَما اختَلَفَت آرَاءُ الصَّحَابَةِ في المَرْأةِ المُخيَّرَةِ، على ثَلاثَةِ مَذاهِبَ:
فذَهَبَ عمرُ رضي الله عنه إلى أنَّها إنِ اخْتارَت نَفْسَها فهي وَاحِدَةٌ،
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.