أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالبالصفحة المطبوعة 382
ثَالِثًا- الاجْتِهَادُ الجَمَاعِيُّ:
«هو استِفْرَاغُ أغْلَبِ الفُقَهَاءِ الجُهْدَ لتَحْصِيلِ ظَنٍّ بحُكْمٍ شَرْعيٍّ بطَرِيقِ الاستِنْبَاطِ، واتِّفَاقُهم جَمِيعًا أو أغْلَبِهم على الحُكْمِ بعدَ التَّشَاوُرِ»(854) .
أصْبَحَ غَيرَ خَافٍ أنَّ اجْتِهَادَ العَصْرِ الأوَّلِ مِن الصَّحَابَةِ كانَ يَخْطُو بهذه الخَطْوَةِ الوَاثِبَةِ، التي أسَّسَت فيمَا بَعْدُ لتَبَلْوُرِ مَفهُومِ الإجْمَاعِ. وقَد كانَ هذا النَّوْعُ مِن الاجْتِهَادَاتِ ضَرُورَةً مُلِحَّةً، فَرَضَها في البِدَايَةِ وَرَعُ الخُلفَاءِ مِن الإقْدَامِ على الفَتْوَى وتَحمُّلِ المَسؤُوليَّةِ مُنفَرِدينَ. ثُمَّ هو يَعكِسُ بِيئةَ العَربيِّ الاجْتِمَاعيَّةَ التي تَرفُضُ النَّزْعةَ الأحَادِيَّةَ في اتِّخَاذِ القَرارِ، والتَّفرُّدَ بالحُكْمِ دُونَ مَشُورَةٍ.
لقَد تميَّزَ مِنهَاجُ عليٍّ رضي الله عنه في الاجْتِهَادِ أنَّه اعتَمدَ النَّمَطَ الاجتِماعيَّ (الشُّورَى) في الاستِنبَاطِ(855) ، فلا تَرَاه يَخلُو مُنعَزِلاً ليَجتَهِدَ مُنفَرِدًا، وإنَّما تَجِدُه اختَارَ مِن بينِ تَلاميذِه أصْحَابًا له يجتَمِعونَ إليه ويَلتَقِي بهم(856) . وعندَ كلِّ وَاحدٍ من التَّخصُّصِ بصَنعةٍ مَا ليسَ عندَ الآخَرِ. فيَطرَحُونَ المَسْألةَ، ويتنَاظَرُونَ فيها، فلرُبَّما انتَهَى بهم المَقامُ إلى الاتِّفاقِ معَ الإمَامِ، ولربَّما استَقلُّوا، وهو القَائِلُ: «مَن استَقْبَلَ وُجُوهَ الآرَاءِ؛ عَرَفَ مَواقِعَ الخَطَأَ»(857) .
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.