أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالبالصفحة المطبوعة 29
الإجْمَاعِ حُجَّةً، في سُؤالٍ تَقدَّمَ به عليٌّ رضي الله عنه كانَ لا بُدَّ مِن تَأصِيلِ هذا المَوضُوعِ على نَحْوٍ مُوَسَّعٍ، ومُناقَشَةِ بَعْضِ الشُّرُوطِ في تَكوِينِه وحُجِّيَّتِه، وبَيانِ الأحْكامِ المُترَتِّبَةِ على انْعِقَادِه.
وإذْ قَد أرْشَدَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم أمَّتَه إلى الاهْتِداءِ بعَمَلِ الخُلَفاءِ الرَّاشِدينَ، كانَ مِنَ المُناسِبِ تَناوُلُ السَّوابِقِ القَضائِيَّةِ بالشَّرْحِ والتَّحلِيلِ، للدَّلالَةِ على مَا احْتَلَّتْهُ في اجْتِهَادِ عليٍّ مِنَ الحُجِّيَّةِ، وأنَّها قَاعِدَةٌ دُستُورِيَّةٌ لا يُمْكِنُ التَّغاضِي عنها أو مُخالَفَتُها.
ثُمَّ حَرَّرْتُ مَوضِعَ النِّزَاعِ في مَصدَرِيَّةِ شَرْعِ مَن قَبلَنا، وحُجِيَّتَه عندَ عليٍّ رضي الله عنه ، وتَناوَلْتُ بَعْضَ النَّماذِجِ التَّطبِيقِيَّةِ التي تَدُلُّ على ذلك.
وحيثُ إنَّ العَقْلَ لا يَنفَكُّ مُصاحِبًا للنَّقْلِ، وبمَا أنَّ عليًّا رضي الله عنه قَد بَلَغَ مَكانَةً مُتقدِّمَةً في استِخْدامِ مَواهبِه العِلْميَّةِ وطَاقَتِه الفِكرِيَّةِ، لذلك تَوقَّفْتُ عندَ القِيَاسِ طَوِيلاً، فاستَعرَضْتُ فيه مَا أُثِرَ عن عليٍّ في المَسألَةِ مِنَ التَّنصِيصِ عليها، واعتِبَارِ ذلك بوَاسِطَةِ الأحْكامِ التي قَضَى بها. ثُمَّ شَرَعْتُ بالاستِحْسَانِ، ونَاقَشْتُ بَعْضَ أقْضِيَةِ عليٍّ التي قَضَى بهَا بِناءً على هذا الأصْلِ. مُخْتَتِمًا هذا البَابَ بتَفصِيلِ مَسائلِ الاستِصْحابِ والقَواعدِ المَبنِيَّةِ عليه، واعتِمادِه في مَنظُومَةِ عليٍّ الفِكرِيَّةِ.
البَابُ الثالِثُ: الاجتِهَادُ المَقاصِديُّ ومَوارِدُه:
تَحدَّثْتُ في هذا البَابِ عنِ الاجْتِهادِ بشَكْلٍ عامٍّ، واضْطِلاعِ عليٍّ به، وعُزُوفِه عنِ التَّقلِيدِ ومُحارَبَتِه له. مُسَلِّطًا الضَّوْءَ على شُرُوطِ