أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالبالصفحة المطبوعة 281
المطلب الثالث موقف عليٍّ من الإجماع السكوتي
يُلْحَظُ مِن خِلالِ التَّأمُّلِ في النُّصُوصِ الوَارِدَةِ عن عَصْرِ الخِلافَةِ، فيمَا يَخصُّ هذا الشَّأنَ، أنَّ عليًّا رضي الله عنه يَذهَبُ إلى عَدمِ اعتِبَارِ مَا يُعرَفُ عندَ الأصُوليِّينَ (بالإجْمَاعِ السُّكوتيِّ)، كأنُ يُفتِي بَعضُ الصَّحابَةِ رضي الله عنهم بفَتْوَى ويَسكُتَ الآخَرُونَ(597) ، فلا يَنعَقِدُ الإجْمَاعُ بهذا النَّحوِ، على أسَاسِ أنَّه «لا يُنسَبُ إلى سَاكتٍ قَولُ قَائلٍ، ولا عَمَلُ عَاملٍ»(598) .
ذلك أنَّ فَتْوَى المُجتَهدِ إنَّما تُعلَمُ بقَولِه الصَّرِيحِ الذي لا يتَطرَّقُ إليه احتِمَالٌ وتَردُّدٌ، و«السُّكوتُ تَردُّدٌ»(599) .
مِن الأخْبَارِ التي يُستفَادُ منها هذا المَوقِفِ للثُّنائيِّ: عمرَ وعليٍّ رضي الله عنهما، مَا وَردَ في قَضيَّةِ تَقسِيمِ فَضْلَةٍ مِن الغَنائمِ، كانَ عمرُ رضي الله عنه قَدِ استَشَارَ فيها بَعْضَ الصَّحابَةِ، فأشَارُوا عليه بتَأخِيرِ القِسْمَةِ، والإمْسَاكِ إلى وَقْتِ الحَاجَةِ! قَائلِينَ: «يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ، لك حَوائِجُ، وتَنُوبُكَ أشيَاءُ. فخُذْه فَاقْضِ به حَاجتَك، فإنَّ أنفُسَنا لك به طَيِّبَةٌ».
وعليُّ رضي الله عنه سَاكِتٌ، فقالَ له: ألا تتَكلَّمُ، يَا أبَا الحَسنِ. فقالَ: «يَا أمِيرَ المُؤمنِينَ أتَجْعَلُ عِلْمَك جَهْلاً، ويَقِينَك ظَنًّا؟ -ثُمَّ رَوَى حَدِيثًا، ثُمَّ قالَ: أرَى أنْ تُقَسِّمَ ذلك بينَ المُسلِمينَ»(600) .
وَجْهُ الدَّلالَةِ: أنَّ عمرَ رضي الله عنه لمْ يَجعَلْ
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.