أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالبالصفحة المطبوعة 256
الفَوارقِ الفَرديَّةِ لطُلابِ حَلقاتِه العِلْميَّةِ، رَاعَى عليٌّ رضي الله عنه في الوَقتِ نَفسِه أنْ لا يَنشُرَ حَدِيثَه إلا بينَ أهلِه وطُلابِه، ويَرْفعَه عن السُّوقَةِ ورِعَاعِ النَّاسِ. فالفِتَنُ كَثُرَت في زَمانِه، وتلبَّسَ بها جَمْعٌ غَفِيرٌ مِن حَاضرِي الخِلافَةِ، ممَّا أدَّت إلى زَعزَعةِ الثِّقَةِ في أكثَرِهم.
فكانَ حَرِيصًا على انتِقَاءِ مَن يَجعلُه خِزَانةَ عِلْمِه ومُستَودعَ فِقْهِه، وكانَ يتَحسَّرُ في بَعضِ الأحيَانِ على نُدْرَةِ هؤلاءِ مِن بينِ عُمومِ المَلأ، فيقولُ: «إنَّ هَهنا –وأشارَ إلى صَدرِه- لَعِلمًا جَمًّا، لو أصَبْتُ له حَمَلَةً، بلى أصَبْتُ لَقِنًا غيرَ مَأمُونٍ«(538) ، أي: فَهِمًا غيرَ ثِقَةٍ(539) .
بِنَاءً على مَا تَقدَّمَ مِن بَيَانِ جُهودِ عليٍّ رضي الله عنه المَبذُولَةِ في المُحافَظةِ على السُّنَّةِ النَّبويَّةِ، بنَشرِها صَافِيةً نَقيَّةً، ودَرْءِ مَا عَلِقَ بها. وبِنَاءً على سِيرَتِه في الدَّعْوَةِ إلى الاتِّبَاعِ والتَّحذِيرِ مِن الابْتِدَاعِ... إلخ. لَعلِّي لَسْتُ مُجَانِبًا للصَّوابِ إنِ ادَّعَيْتُ أنَّ عَليًّا رضي الله عنه قَد أعْطَى مَقامَ الوَحْيِ حَقَّه، وأنَّه عَمِلَ على إيضَاحِ مَعالِمِه، وتَبلِيغِ أحْكَامِه، بلِسَانِ حَالِه ومَقَالِه.
** *
المبحث الرابع نماذج تطبيقية في اعتماد السنة
هذه جُملَةٌ مِن المَسائلِ الفِقهيَّةِ لا أقْصِدُ بهَا الاستِيعابَ، بلِ التَّمثِيلَ فقط لمَا تَقرَّرَ سَابِقًا من أنَّ عليًّا رضي الله عنه اتَّخذَ مِن السُّنَّةِ مَصدَرًا لأحْكَامِه.
نَظَمْتُهَا في مَطلَبينِ، هما:
المَطلبُ الأوَّل: في فِقْهِ العِبَادَاتِ.
المَطلبُ الثَّاني: في فِقْهِ الحُدودِ والجِنَايَاتِ.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.