أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالبالصفحة المطبوعة 221
مَنْهجُه المُتشدِّدُ في قَبُولِ حَدِيثٍ لم يَحْمِلْه عن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، خَاصَّةً بعدَ وَفَاةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، فقَد كانَ يستَحلِفُ الرُّواةَ، ويستَوثِقُهم في مَرويَّاتِهم.
المطلب الثالث موقف علي من السنة
عُرِفَ عليٌّ رضي الله عنه بشِدَّةِ حِرْصِه على تَبلِيغِ الهَدْيِ النَّبويِّ إلى المُسلِمينَ عامَّةً، وبالأخصِّ إلى أبنَاءِ المَوالِي والأعَاجمِ الذين دَخلُوا في الإسْلامِ حَدِيثًا، وفَاتَهم مَا شَرُفَ به الأصْحَابُ رضي الله عنهم من لُقْيَا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، والنَّهلِ من مَعينِه الصَّافِي غِذاءً عَذْبًا زُلالاً، يرتَشِفونَه بعُقولِهم وقُلوبِهم، ما خَوَّلَهم أنْ يُصبِحُوا بالحَقِّ سَادةً، في فَترةٍ زَمنيَّةٍ لا تُساوِي في حِسَابِ الأمَمِ شَيئًا يُذكَرُ.
وإذ ينبَغي على الخَلِيفَةِ أنْ يُعلِّمَ النَّاسَ سُنَّةَ نَبيِّهم صلى الله عليه وسلم، ويُشرِفَ بنَفْسِه على تَربِيَتِهم عليها وتَرشِيدِهم بها، ليَسِيرُوا على نُورٍ من أمرِهم وهُدى من رَبِّهم، فقد خَطَا عليٌّ رضي الله عنه في هذا المِضمَارِ خُطُوَاتٍ جَبَّارةً نَحْوَ الأمَامِ، استَطاعَ أنْ يُدْخِلَ السُّنَّةَ إلى كلِّ بَيتٍ من بُيوتِ حَاضرِي الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ، بكُلِّ ثَباتٍ وعَزِيمَةٍ وَصبرٍ، وتَصوُّرٍ لمُستَقبلٍ زَاهرٍ وغَدٍ وَاعدٍ، بنَى خُيوطَه على ضَوءِ القَمرِ ووَميضِ السِّرَاجِ، حتى غَدَتِ الكُوفَةُ ومَا حَولَها مَحجَّةَ العُلماءِ وبُغيةَ الأدَباءِ، ومَقصِدَ مَن رَغِبَ العِلْمَ