أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالبالصفحة المطبوعة 216
وعَاينَها بمُمارَساتِه الدَّؤوبَةِ في الاجتِهَادِ، تَجعلُنا نَجفِلُ ونكونُ بغَايةِ التَّأهُّبِ والحَساسيَّةِ من تَسلُّلِ الأهْوَاءِ إلى دَارِنا الفِكْريَّةِ(443)
سَبقَه إلى هذا المَعنَى -بحُكْمِ الحِقْبَةِ الزَّمنيَّةِ والسَّبْقِ التَّارِيخيِّ- عليٌّ رضي الله عنه ومعَه خِرِّيجُو بَيْتِ النُّبوَّةِ، إذْ يقولُ مُعبِّرًا عن هذا المَلحَظِ الأصُوليِّ بطَرِيقَةِ الأقْدَمِينَ: «لو كانَ الدِّينُ بالرَّأيِ؛ لكانَ أسْفَلُ الخُفِّ أوْلَى بالمَسْحِ من أعْلاه»(444) .
لذلك، وَجَدَ عليٌّ رضي الله عنه الحَاجةَ مُلِحَّةً إلى مُلازَمةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، والتَّعلُمِ منه عن كَثَبٍ، وحِفْظِ أحَاديثِه، ومُذاكَرةِ سُنَّتِه، وكِتَابَةِ أقوَالِه وأفْعَالِه وتَقرِيرَاتِه، حيثُ المَرْتَعُ الخَصْبُ إذا مَا استَجدَّتِ الحَوادِثُ وطَرَأت على الأمَّةِ النَّوازِلُ، يَجِدُ فيها الحُكْمَ الشَّرعيَّ، إمَّا عن طَريقِ النَّصِّ، أو عن طَريقِ الاجتِهَادِ، بمَا خلَّفَه من حِكْمَةٍ مَعقُولَةِ يُمكِنُ أنْ نَقِيسَ عليها... إلخ.
فلا زَالَ عليٌّ يتَقلَّبُ في مَجالسِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم من حَلْقَةٍ لأخرى، منذُ نُعومَةِ أظْفَارِه، ولمَّا يَنبُتْ على لِحْيَيهِ شَعْرٌ. فعَرَفَ من سِيرَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، وشَاهدَ من تَصرُّفاتِه، وعَاينَ من أحْوَالِه مَا غَابَ عِلْمُه عن غَيرِه. وحَفِظَ من سُنَّتِه وسِيرَتِه وهَديِه مَا لم يَحفَظْه الآخَرون. فكانَ مُشارِكًا لكِبَارِ الصَّحابةِ بمَا عندَهم من عِلْمٍ، لا يَفُوتُه إلا نَزْرٌ يَسِيرٌ. قالَ ابنُ عبَّاٍس رضي الله عنهما:
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.