أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالبالصفحة المطبوعة 20
إنَّ هذا الفنَّ من الفُنونِ المُستَحدَثةِ في المِلَّةِ، وكانَ السَّلَفُ في غُنيةٍ عنه فلمَّا انقَرَضَ السَّلَفُ، وذَهَبَ الصَّدرُ الأوَّلُ، وانقَلَبَتِ العُلومُ كلُّها صِنَاعَةً احتَاجَ الفُقهَاءُ والمُجتَهِدُونَ إلى تَحصِيلِ هذه القَوانِينِ والقَواعدِ، لاستِفَادَةِ الأحْكَامِ مِن الأدِلَّةِ، فكَتبُوها فنًّا قَائِمًا برَأسِه»(1)
فرَغِبْتُ في البَحثِ عن المَناهجِ الفِكرِيَّةِ والقَواعدِ الأصُولِيَّةِ التي أشَارَ إليها ابنُ خَلْدونَ، فيمَا تَمحَّضَت جِبلَّةً كَامِنةً في نُفُوسِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم. فاختَرتُ (المَسَائِلَ القَضَائِيَّةَ) لتَتِمَّ دِرَاسَتُها، كَونَها نِتَاجًا عَمَلِيًّا للمَقاصدِ التَّشرِيعيَّةِ، وثِمَارًا صَالِحةً للدَّلالَةِ على القَواعدِ الأصُولِيَّةِ التي كانَت مَرعِيَّةً في المَنظُومَةِ الاجتِهادِيَّةِ لَدَى السَّلَفِ الأوَّلِ.
ثُمَّ رَأيْتُ أنَّ الوَقْتَ يَضِيقُ بدِرَاسَةِ مَا انطَوَت عليه مِن الفِكْرِ الأصُوليِّ لقُضَاةِ الصَّحابةِ رضي الله عنهم ، فيمَّمْتُ شَطرَ عليٍّ رضي الله عنه لأبْحَثَ أقضِيتَه -على وَجْهِ الخُصُوصِ- لِمَا اتَّصَفَ به مِن مَدارِكَ عَقليَّةٍ مُتقدِّمةٍ، ومَا تَحلَّى به مِن مَواهِبَ فِطْريَّةٍ ومُكتَسبَةٍ؛ كانَت خَيرَ مُعينٍ في صَقْلِ شَخصيَّتِه الفِقهيَّةِ والأصُوليَّةِ في آنٍ، ممَّا حَدا به أن يكونَ فَقِيهَ نَفْسٍ مِن الطِّرازِ الفَريدِ.
وإنَّما اختَرتُ أقضِيةَ عليٍّ رضي الله عنه لِمَا تَميَّزَت به من النُّبوغِ الفِكْريِّ، والفِقْهِ الحَضَارِيِّ المُمتَازِ، الذي تَجلَّى فيه الإسلامُ الذي تَبنَّاه عليٌّ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.