أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالبالصفحة المطبوعة 194
يُحدِثَ خَللاً في المَعنَى، يُؤدِّي إلى اضْطِرَابٍ في التَّصَوُّرِ والحُكْمِ!! لِذَا وَجَبَ أنْ نفهمَ النَّصَّ في ضَوْءِ الوَاقعِ الذي يُحِيطُ به، وأن يُفسَّرَ بحَسَبِ المَرْحَلةِ التي نَزَلَ فيها، والظُّروفِ المُلابِسَةِ له.
ولمَعْرِفَةِ طَبِيعَةِ العَرَبِ وعَاداتِهم ومَن حَولَهم مِن أهلِ الكِتَابِ وغَيرِهم، زَمَنَ نُزولِ القُرآنِ ومَكانَه، دَوْرٌ كَبِيرٌ في الإعَانَةِ على فَهْمِ الخِطَابِ الإلهيِّ. ممَّا يكونُ سَببًا وَجِيهًا في صَوابيَّةِ الأحْكَامِ المُنزَلَةِ على وَاقعٍ حَقِيقيٍّ مَلْمُوسٍ.
وإذا كانَ الوَاقِعُ في تَغيُّرٍ ظَاهرٍ، فهلْ تَبقَى هذه الأحْكَامُ رَهِينةَ مَرْحلَةٍ زَمنِيَّةٍ مُعيَّنةٍ؟ بالطَّبعِ لا، فالوَاقِعُ إذا تَغيَّرَ أو تَبدَّلَ، فإنَّه سيؤدِّي –لا مَحَالةَ- إلى تَغيُّرٍ في الحُكْمِ المَنُوطِ به ، جَرْيًا على مُا عُرِفَ مِنَ القَاعِدَةِ الأصُوليَّةِ: «لا يُنْكَرُ تَغيُّرُ الأحْكَامِ بتَغيُّرِ الأزْمَان»، وكذا لا يُنْكَرُ تَغيُّرُ الأحْكَامِ بتَغيُّرِ المَكانِ، والأعْرَافِ، والأحْوَالِ. وعليٌّ رضي الله عنه عَاشَ زَمَانَ نُزولِ الوَحْيِ، وعَرَفَ الكَثِيرَ مِن عَادَاتِ العَرَبِ وأحْوَالِ المَاضِينَ، ممَّا أقرَّها القُرآنُ، أو بَعْضًا منها، أو نَهَى عنها بالكلِّيَّةِ، أو جَرَى عليها بشَيءٍ من التَّعديلِ.
وهو يخبرُ عن نفسِه بهذا الخصوصِ، فيقولُ لابنِه الحسنِ: «إنِّي –وإنْ لم أكنْ عُمِّرتُ عُمُرَ مَن كان قَبلِي- فقد نَظرْتُ في أعمَالِهم، وفَكَّرْتُ في أخبَارِهم، وسِرْتُ في آثَارِهم، حتَّى عُدْتُ كأحَدِهم، بلْ كأنَّي بمَا انتَهى إليَّ من أمُورِهم قد عُمِّرْتُ معَ أوَّلِهم إلى آخرِهم، فعَرَفْتُ