أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالبالصفحة المطبوعة 183
صِدْقِه، ولا يتَأتَّى ذلك إلا إذا كانَ بلِسَانٍ عَربيٍّ مُبينٍ، قالَ تعالى: ﴿ وَلَوْ جَعَلناهُ قُرآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آياتُهُ أَأَعجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ(336) ﴾
فتَحتَّمَ على عليٍّ رضي الله عنه -وهو الذي نَشَأ في بَيْتِ مَن طَوَّعَ اللهُ له الكَلامَ- في إدْرَاكِ المَقاصدِ القُرآنيَّةِ، ومَعرفةِ مَعانِي مُفرَداتِه، أنْ يتَأمَّلَ القُرآنَ بلُغَةِ مَن نَزَلَ عليهم، على امتِدَادِ ثَلاثٍ وعِشْرينَ سَنةً؛ هي عُمْرُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في الرِّسَالةِ، فيفسِّرُه بها، ويَكْشِفُ بوَاسِطَتِها اللِّثامَ عن آيَاتِ أحكَامِه.
وذلك مُمكِنٌ بأن يلتَزِمَ طُرُقَ دَلالَةِ اللُّغَةِ العَربيَّةِ على مَعانِيها، بحَسَبِ مُفرَداتِها وتَراكِيبِها، معَ مُراعَاةِ جَانبِ الحَقيقةِ والمَجازِ فيها، والصَّريحِ والكِنَايَةِ، والعَامِّ والخَاصِّ، والمُطلَقِ والمُقيَّدِ، والوَاضحِ والمُبهَمِ...
وهذا الأمْرُ مِن الصُّعوبةِ أنَّه يُوجِبُ مَعرِفةً تامَّةً باللُّغةِ، وإتقَانَها، ومَعرِفةَ صِيَغِها وأسَاليبِها. في حين أنَّ اللِّسانَ العَربيَّ أوسَعُ ألْسِنَةِ الأمَمِ، وأعظَمُه مَعاني، وأغزَرُه مُفردَاتٍ حتى قالَ الإمَامُ الشَّافِعيُّ –وهو مَن هو في اللُّغةِ-: «لا يُعلَمُ مِن إيضَاحِ جُمَلِ عِلْمِ الكِتَابِ أحَدٌ جَهِلَ سَعَةَ لِسَانِ العَرَبِ، وكَثرَةَ وُجُوهِه، وجِمَاعَ مَعانِيه وتَفرُّقَها. ومَن عَلِمَه انتَفَتْ عنه الشُّبَهُ التي دَخَلَتْ على مَن جَهِلَ لِسَانَها»(337) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.