أقضية الخليفة الراشد علي بن أبي طالبالصفحة المطبوعة 133
ولمَّا كانَ العَدْلُ بهذه المَنزِلَةِ شَرَفًا ورِفْعةً، غَدَا في نَظرِ النُّظارِ من أهمِّ الوَظائفِ المَنوطَةِ بمَنصبِ الإمَامةِ العُظمَى والسِّياسَةِ العُليَا للأمَّةِ، تَحقِيقًا لمَصالِحها، ودَرءًا للمَفاسدِ عنها، لنَبذِ كُلِّ مَا مِن شَأنِه الإخلالُ بنِظَامِها مِن الشِّقَاقِ والنِّزَاعِ والمُخاصَمةِ.
جَاءَ النَّصُّ بالحَضِّ على العَدْلِ والأمْرِ به في مَقامِ الحُكْمِ بينَ النَّاسِ خَاصَّةً لعَظيمِ حَاجتِهم إليه، ولكَونِ أحوَالِهم لا تَستقِيمُ إلا به. قالَ اللهُ تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَماناتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا(208) ﴾ .
«هذه الآيَةُ من أمَّهاتِ الآيَاتِ المُشتَمِلَةِ على كَثيرٍ من أحكامِ الشَّرعِ؛ لأنَّ الظَّاهرَ أنَّ الخِطابَ يشملُ جَمِيعَ النَّاسِ في جَميعِ الأمَاناتِ (...) وتَدخلُ الوُلاةُ في هذا الخِطَابِ دُخولاً أوَّليًّا. فيَجِبُ عليهم تَأدِيَةُ ما لديهم مِن الأمَاناتِ ورَدُّ الظُّلامَاتِ، وتَحرِّي العَدْلِ في أحكَامِهم. ويَدخلُ غيرُهم من النَّاسِ في الخِطَابِ، فيَجِبُ عليهم رَدُّ ما لديهم من الأمَانَاتِ، والتَّحرِّي في الشَّهادَاتِ والأخبَارِ (...).
والعَدْلُ هو: فَصْلُ الحُكومَةِ على مَا في كِتَابِ اللهِ عز وجل وسُنَّةِ رَسُولِه صلى الله عليه وسلم، لا الحُكْمُ بالرَّأيِ المُجرَّدِ، فإنَّ ذلك ليسَ من الحَقِّ في شَيءٍ، إلا إذا لم يُوجَدْ دَلِيلُ تلك الحُكومَةِ في كِتَابِ اللهِ، ولا في سُنَّةِ رَسُولِه صلى الله عليه وسلم، فلا بَأسَ باجتِهَادِ الرَّأيِ من الحَاكمِ الذي يَعلمُ بحُكْمِ اللهِ عز وجل ، وبمَا هو أقرَبُ إلى الحَقِّ عندَ عَدمِ وُجودِ النَّصِّ.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.