الفتوحات الإسلامية بين الآل والأصحاب حقائق وشبهاتالصفحة المطبوعة 146
هذه حكمة بالغة من القرآن، بل هذه معجزة من معجزاته الخالدة، وهى أدل دليل على أنه لم يشرع الحرب لذاتها، ولكن لأنها من عوامل الاجتماع التي لابد منها ما دام الإنسان فى عقليته ونفسيته المأثورتين عنه، غير أنه لم ينف أن يحدث تطور عالمى يتفق فيه على إبطال الحرب فصرح بهذا الحكم قبل حدوثه ليكون حُجة لأهله من ناحية، وليدل على أنه لا يريد الحرب لذاتها من ناحية أخرى، ولو كان يريدها لذاتها لما نوه لهذا الحكم.
وماذا بعد الحرب؟
ولا ينتهي الجهاد في الإسلام بمجرد إخضاع الكافرين واستئصال شوكتهم، بل إنه مستمر حتى بعد القتال، ولكن جهاد من نوعٍ آخر، إنه جهاد النفس وهو الجهاد الأكبر.
فيجب على المسلم أن يجاهد نفسه الجهاد الأكبر؛ حتى لا يتحول الفارس المجاهد إلى شخصٍ مؤذٍ لمجتمعه أو لجماعته أو للآخرين، وبالرغم من أن لفظة الجهاد إذا أطلقت انصرف الذهن إلى معنى القتال فى سبيل الله. إلا أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد أسماه بالجهاد الأصغر، وسمى الجهاد المستمر بعد القتال بالجهاد الأكبر؛ لأن القتال يستمر ساعات أو أيام، وما بعد القتال يستغرق عمر الإنسان كله.
إذن فالحرب في الإسلام ليست حرباً انتقامية تقوم على التشفي والعدوان، وليست حرباً توسُّعية تهدف إلى السيطرة على مقدرات البلاد والعباد، إنها حرب ذات هدف نبيل ومشروع، غايتها إزهاق الباطل والتمكين في الأرض لدين الله، حتى يصل نوره إلى العالمين.
روى مسلم في صحيحه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا مِنْ غَازِيَةٍ