الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 500
وأخَّرَ إقَامَتَهَا حَتَّى يَزُولَ المَانِعُ، وكَتَبَ إلَى وُلاتِهِ: «أنْ لا يَجْلِدَنَّ أمِيرُ جَيْشٍ ولا سَرِيَّةٍ رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ حَدًّا وهُوَ غَازٍ، حَتَّى يَقْطَعَ الدَّرْبَ قَافِلاً، لِئَلاَّ تَحْمِلَهُ حَمِيَّةُ الشَّيْطَانِ، فَيَلْحَقَ بالكُفَّارِ»(1334)
وعَلَيْهِ انْعَقَدَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ(1335) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ (ت279هـ) عَقِبَ إخْرَاجِ الحَدِيثِ: «والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ... لا يَرَوْنَ أنْ يُقَامَ الحَدُّ فِي الغَزْوِ بِحَضْرَةِ العَدُوِّ، مَخَافَةَ أنْ يَلْحَقَ مَنْ يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ بِالعَدُوِّ. فَإذَا خَرَجَ الإمَامُ مِنْ أرْضِ الحَرْبِ ورَجَعَ إلَى دَارِ الإسْلامِ أقَامَ الحَدَّ عَلَى مَنْ أصَابَهُ»(1336) .
فَالأصْلُ يَقْتَضِي إجْرَاءَ العُمُومِ الوَارِدِ فِي المَسْألَةِ، وهُوَ إقَامَةُ الحَدِّ عَلَى الجَانِي مَتَى ثَبَتَتِ البَيِّنَةُ عَلَيْهِ. وإنَّمَا عَدَلَ عُمَرُ عَنْ هَذَا الأصْلِ لِمَا رَأى أنَّ فِي التَّمسُّكِ بالعُمُومِ ذَرِيعَةً إلَى فَسَادٍ خَطِيرٍ، جَاءَ التَّشْرِيعُ الجِنَائِيُّ لدَرْئِهِ. واسْتَرْوَحَ لذَلِكَ لتَيَقُّنِهِ أنَّ اللُّجُوءَ إلَى القِيَاسِ أسَدُّ وأدْفَعُ للمَفْسَدَةِ المُحَقَّقَةِ مِنْ تَحْكِيمِ العُمُومِ، فِي هَذَا الظَّرْفِ الطَّارِئِ.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.