الحصون — مكتبة مبرة الآل والأصحاب الرقمية — النص الموثّق والمصدر المصوّر
الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالقراءة المتصلة
صفحة 5
حجم النص28
بحث في الكتاب

الصفحة الحالية: 5

الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب

صفحة 1 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثناء النشر

عنوان الكتاب: الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب

اسم المؤلف: محمد فؤاد ضاهر

نوع المطبوع: كتاب -الطبعة الأولى - عدد الصفحات: 617

السلسلة: تراث الآل والأصحاب (2)

الناشر: مبرة الآل والأصحاب

ص. ب. 12421 الشامية - الرمز البريدي 71655 - ت: 2560203

ردمك: 2-34-64-99966-978 ISBIN

حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب

إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة

الطبعة الأولى

1438هـ / 2017م

هاتف: 22560203 - 22552340 فاكس: 22560346

ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت

E-mail: almabarrh@gmail.com

www.almabarrah.net

بسم الله الرحمن الرحيم

يقول الله جل جلاله:

صفحة 3 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

﴿وَإِذا جاءَهُم أَمرٌ مِنَ الأَمنِ أَوِ الخَوفِ أَذاعوا بِهِ ۖ وَلَو رَدّوهُ إِلَى الرَّسولِ وَإِلىٰ أُولِي الأَمرِ مِنهُم لَعَلِمَهُ الَّذينَ يَستَنبِطونَهُ مِنهُم ۗ وَلَولا فَضلُ اللَّهِ عَلَيكُم وَرَحمَتُهُ لَاتَّبَعتُمُ الشَّيطانَ إِلّا قَليلًا﴾(1)(2) )( .

مقدمة المركز

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحمد لله الولي الأعلى ذو الأفضال والمنن، والصلاة والسلام على الرسول الخاتم الهادي لأقوم سَنَن، وعلى آله وصحبه، والصالحين المتعبين له إلى يوم البعث ما طار طير وغرّد على فَنَن.

أما بعد؛

فهذا سفر جديد لمبرتكم (مبرة الآل والأصحاب) نبرز فيه اجتهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه في مباني أصوله في الاستنباط ببسط علمي سهل العبارة، للباحث «د. محمد فؤاد ضاهر» وعنوانها «الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب» دراسة في المنهج الأصولي للاجتهاد بالرأي لدى عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وغير خافٍ على فضلكم أن المبرة منذ نشأتها تسعى لإبراز العلاقة الحميمة بين الآل والأصحاب وإبراز تراثهم وأثرهم الطيب في الأمة، كتابنا هذا يصب في هذا المضمار.

وليس هذا بأول تعاون لنا في نشر كتاب يخدم أهداف المبرة لباحث من خارجها، ونحن بعون المولى عز وجل مستمرون في انتقاء أطايب المؤلفات من إخواننا الباحثين لنشرها وبثها في أرجاء الأمة، فضلاً عما يقوم به إخوانكم بمركز البحوث والدراسات بالمبرة من

مصنفات لاقت رواجاً واستحساناً ولله الحمد والمنة.

نسأل الله أن يوفق راقمه وقارئه وناشره لكل خير، وأن يجمع أمة الإسلام على خير حال وخير كلمة.

رئيس مركز البحوث والدراسات

محمد سالم الخضر

سُطُورٌ خَالِدَةٌ وقَالَاتٌ رَائِدَةٌ

قَالُوا عنْ أمِيرِ المُؤمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه(3) :

«إنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ، وإنَّهُ إنْ كَانَ فِي أمَّتِي هَذِهِ مِنْهُم، فإنَّهُ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ».

رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم

«مَا نُبْعِدُ أنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ».

عليُّ بنُ أبِي طَالِبٍ رضي الله عنه

«إنْ كُنَّا نَحْسِبُ أنَّ عُمَرَ قَدِ انفَرَدَ بتِسْعَةِ أعْشَارِ العِلْمِ».

عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه

«مَنْ رَأى عُمَرَ؛ عَلِمَ أنَّهُ خُلِقَ غَنَاءً للإسْلامِ. كَانَ -واللهِ- أحْوَذيًّا، نَسِيجَ وَحْدِهِ، قَدْ أعَدَّ للأمُورِ أقْرَانَهَا. مَا رَأيْتُ مِثْلَ خُلُقِهِ رضي الله عنه».

أمُّ المُؤْمنِينَ عَائِشَةُ رضي الله عنها

«دِرَاسَةُ عُمَرَ غَنِيمَةٌ لِكُلِّ عِلْمٍ يَتَّصِلُ بالحَيَاةِ الإنْسَانِيَّةِ».

عَبَّاسُ مَحْمُودِ العَقَّادِ رحمه الله»

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الإهْدَاءُ

إلَى الَّذِي رَبَّانِي وأدَّبَنِي، وجَادَ بِمَا يَمْلِكُ فِي سَبِيلِ تَعْلِيمِي.. ومَا يَزَالُ يَهْتَمُّ لِشَأنِي، ويُتَابِعُنيِ فِي سَيْرِي إلَى اللهِ تَعَالَى...

إلَى أبِي

إلَى الَّتِي حَمَلَتْنِي فِي أحْشَائِهَا عَلَى وَهْنٍ، ووَضَعَتْنِي عَلَى ضَعْفٍ، ثُمَّ رَبَّتْنِي عَلَى فَاقَةٍ... تَسْتَشْرِفُ فِيَّ مُسْتَقْبَلاً أعَدَّتْنِي لَهُ، يَحْدُوهَا أمَلٌ تَصْبُو إلَيْهِ، فنَهَضَتْ بتَرْبِيَتِي ولَمْ تَتَوَانَ فِي حَقِّي...

إلَى أمِّي

أهْدِي هَذَا العَمَلَ حُبًّا وكَرَامَةً، أمْسَحُ عَنْ وَجْنَتَيْكُمَا دُمُوعَ الأسَى، وأَغْسِلُ يَدَيْكُمَا بالطِّيبِ والشَّذَا...

ابْنُكُمَا/ مُحَمَّدٌ

بَاقَةُ شُكْرٍ وعِرْفَانٍ

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً اُخْرٰىٓ﴾(4) .

أحْمَدُ اللهَ تَعَالَى أنْ وَفَّقَنِي لِمُتَابَعَةِ مَسِيرَتِي العِلْميَّةِ، ثُمَّ مَنَّ عَلَيَّ مَرَّةً أخْرَى أنْ قَدَّرَ لِي تَقْدِيمَ أطْرُوحَةِ الدُّكْتُورَاه. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَآتاكُم مِن كُلِّ ما سَأَلتُموهُ ۚ وَإِن تَعُدّوا نِعمَتَ اللَّهِ لا تُحصوها ۗ إِنَّ الإِنسانَ لَظَلومٌ كَفّارٌ﴾(5) ، فَلَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَى والآخِرَةِ...

والفَضْلُ بَعْدَ اللهِ تَعَالَى إلَى وَالِدَيَّ الكَرِيمَيْنِ، اللَّذَيْنِ لا يَزَالانِ يَكْلآنِنِي بِعِنَايَتِهِمَا ورِعَايَتِهِمَا، فَلَهُمَا الحُبُّ والاحْتِرَامُ، والتَّقْدِيرُ والعِرْفَانُ.

ولَمَّا كَانَ مِنْ جَمِيلِ مَنْ يُصْنَعُ إلَيْهِ مَعْرُوفٌ، أنْ يُكَافِئَ ذَا اليَدِ عَلَيْهِ. وإذْ قَدْ أعْجَزُ عَنْ ذَلِكَ لِجَلالَةِ كُلِّ مَنْ لَهُ فَضْلٌ عَلَيَّ؛ فَإنِّي ألُوذُ بجَنَابِ الدُّعَاءِ لَهُ، وتَقْدِيمِ الشُّكْرِ إلَيْهِ.

لذَلِكَ، أرَانِي أرْفَعُ أزَاهِيرَ الشُّكْرِ والعِرْفَانِ إلَى سَماحَةِ مُفتِي الجُمْهُورِيَّةِ اللُّبْنَانِيَّةِ الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّطِيفِ دَرْيَان، رَئِيسِ جَامِعَةِ بَيرُوتَ الإسْلامِيَّةِ، حَفِظَه اللهُ تَعَالَى، عَلَى مَا يُقَدِّمُهُ فِي سَبِيلِ إنْشَاءِ جِيلٍ مِثَالِيٍّ رَائِدٍ، وأمَلِ غَدٍ مَيْمُونٍ.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كَمَا أتَوجَّهُ بخَالِصِ الشُّكْرِ وعَاطِرِ الثَّنَاءِ إلَى مَجْلِسِ عُمدَةِ الكُلِّيَّةِ، وفِي مُقدِّمَتِهِم: سَعَادَةُ الوَالِدِ الفَاضِلِ الأسْتَاذِ الدُّكْتُور أنَس جَمِيل طبَّارَة، الَّذِي مَا فَتِئَ يُشَجِّعُنِي عَلَى إنْهَاءِ الأطْرُوحَةِ. والأسْتَاذِ الدُّكْتُور عَلِي حَسَن الطَّوِيل، والدُّكْتُور فَادِي الجَارُودِي وأفْرَادِ الأسْرَةِ التَّعْلِيمِيَّةِ، عَلَى مَا يَبْذُلُونَهُ مِنْ جُهُودٍ مُضْنِيَةٍ مَشْهُودَةٍ، فِي تَحْقِيقِ الغَايَةِ المَرْجُوَّةِ مِنْ هَذَا الصَّرْحِ العِلْمِيِّ الشَّامِخِ المُمْتَازِ.

ثُمَّ أخُصُّ بالذِّكْرِ فَضِيلَةَ المُوَجِّهِ والمُرَبِّي الأسْتَاذِ الدُّكْتُور صَالِح يُوسُف مَعْتُوق، شَامَةِ الجَنُوبِ ورَيْحَانَةِ القُلُوبِ، الَّذِي تَفَضَّلَ بالإشْرَافِ عَلَى هَذَا البَحْثِ، فمَا بَخِلَ بنُصْحٍ، ولا ضَنَّ بحُسْنِ عَهْدٍ وتَوْجِيهٍ.

وأُزْجِي بَالِغَ رَحْمَتِي وتَقْدِيرِي لشَرِيكَةِ حَيَاتِي أمِّ بَنَاتِي زَوْجِي أرَجِ الدُّنْيَا وعَبِيرِ الحَيَاةِ، الَّتِي أتَاحَتْ لِي مِنْ وَقْتِهَا، وأغْدَقَتْ عَلَيَّ مِنْ أُنْسِهَا، مَا حَمَلَنِي عَلَى إتْمَامِ هَذَا العَمَلِ.

ولا أنْسَى صَدِيقَ رُوحِي وبَلْسَمَ جُرُوحِي الأسْتَاذَ الفَاضِلَ كَمَال حَسَن مِرْعِي، الَّذِي مَا بَرِحَ يُقَدِّمُ المَعُونَةَ والمُسَاعَدَةَ، فِي إخْرَاجِ الرِّسَالَةِ بأبْهَى حُلَّةٍ وأزْهَى ثَوْبٍ.

فلَكُمْ ولجَمِيعِ مَن لَهُ يَدٌ عَلَيَّ: لا أمْلِكُ إزَاءَ فَضْلِكُم مَا يَكْفِي مِن عِبَارَاتِ الإطْرَاءِ المُتَعَيِّنَةِ فِي حَقِّكُم، فأنْتُم تَسْمَونَ عَمَّا يُمْكِنُ أنْ تُمْتَدَحُوا بِهِ!

جَزَاكُمُ اللهُ خَيْرَ مَا جَزَى بِهِ وَلِيَّ نِعْمَةٍ، ودُمْتُم فِي عِنَايَتِهِ مُتَألِّقِينَ برِعَايَتِهِ..

المُقَدِّمَةُ

إنَّ الحَمْدَ للهِ نَحْمَدُهُ ونَسْتَعِينُهُ ونَسْتَغْفِرُهُ، ونَعُوذُ باللهِ مِنْ شُرُورِ أنْفُسِنَا وسَيِّئَاتِ أعْمَالِنَا.

مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ.

وأشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ.

صَلَّى اللهُ عليْهِ، وعلى آلِهِ، وصَحْبِهِ، وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

أمَّا بَعْدُ:

فتُعْتَبَرُ دِرَاسَةُ سِيرَةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ رضي الله عنهم يَنْبُوعَ عَطَاءٍ إنْسَانِيٍّ، فِي مَجَالاتِهِ المَعْرِفِيَّةِ والوِجْدَانيَّةِ والسُّلُوكِيَّةِ. ولا زَالَ كَثِيرٌ مِنْ أحْدَاثِ سِيَرِهِم مُحَاطًا بتَسَاؤُلاتٍ، وتَشكِيكَاتٍ.

وإذَا كَانَ الفِقْهُ هو: الفَهْمُ لِمَضْمُونِ النَّصِّ، فإنَّ الحِكْمَةَ تَقْتَضِي فَهْمَ النَّصِّ برُوحِ النَّصِّ، وسَعَةِ الإسْلامِ، وشُمُولِيَّةِ التَّشْرِيعِ. لا الوُقُوفَ عِنْدَ الرِّوَايَاتِ الوَارِدَةِ عَلَى أنَّهَا نُصُوصٌ دُسْتُورِيَّةٌ فَارِغَةٌ مِنَ الرُّوحِ المَقَاصِدِيَّةِ، الدَّاعِيَةِ لمِثْلِ هَذَا الحُكْمِ أوْ ذَاكَ، فنَظُنُّ بأهْلِ الفَضْلِ سُوءًا!

كَمَا أنَّ مُلاحَظَةَ السِّيَاقِ أوِ البِيئَةِ لأيِّ حَادِثَةٍ، وفَهْمَ مَا يُحِيطُ بِهَا مِنْ مُلابَسَاتٍ، ومَا يَنْبَنِي علَيْهَا مِنْ نَتَائِجَ، ودِرَاسَةَ الحُكْمِ الفِقْهيِّ الخَاصِّ بِهَا، ومَا لَهُ مِنْ مَفَاعِيلَ عَلَى الفَرْدِ والمُجتَمَعِ... أدْعَى إلَى تَصَوُّرِ الوَاقِعِ، وبُلُوغِ الحَقِيقَةِ فِي تَوْصِيفِ عَمَلِ المُجْتَهِدِ مُصِيبًا كَانَ أوْ لا.

مِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ، كَانَ لا بُدَّ مِنْ تَسْلِيطِ الضَّوْءِ عَلَى المَنَاهِجِ الأصُولِيَّةِ لَدَى مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ، والعَمَلِ عَلَى كَيفِيَّةِ الاسْتِفَادَةِ مِنْهَا فِي مُقَارَبَةِ الفَهْمِ الَّذِي بَلَغُوهُ.

لمَاذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ بالذَّاتِ؟

فِي دِرَاسَتِي هَذِهِ سَبْرٌ لأغْوَارِ وَاحِدٍ مِنْ عَمَالِقَةِ المُنَظِّرِينَ وعَبَاقِرَةِ المُجْتَهِدِينَ، مَنْ طَوَّعَ مَا وَهَبَهُ اللهُ إيَّاهُ مِنْ سَعَةِ أفُقٍ، ودِقَّةِ مُلاحَظَةٍ، وتَحْلِيلٍ صَائِبٍ... فِي العَمَلِيَّةِ الاجْتِهَادِيَّةِ، واسْتَطَاعَ أنْ يَفِيَ بِهَا حَاجَاتِ العَالَمِ فِي المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، حَتَّى دَانَتْ لَهُ دَولَةُ فَارِسٍ والرُّومِ، وتَسَلَّمَ مَفَاتِيحَ بَيْتِ المَقْدِسِ. «ومَنْ مِثْلُ عُمَرَ فِي صِدْقِ إيمَانِهِ، وقُوَّةِ يَقِينِهِ، وسَعَةِ أفُقِهِ، وحُسْنِ فَهْمِهِ لدِينِهِ، وإخْلاصِهِ فِي عَمَلِهِ، وحِرْصِهِ عَلَى التَّمَسُّكِ بالحَقِّ والعَدْلِ»(6) .

انْطِلاقًا مِنَ الهَدْيِ النَّبوِيِّ العَظِيمِ، الَّذي عَبَّرَتْ عنهُ أمُّ المُؤْمنِينَ عَائِشةُ رضي الله عنها

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بقَولِهَا: «أمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُم»(7) ومَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِ المَعْصُومِ صلى الله عليه وسلم: «فعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْألُونِي؟ خِيَارُهُم فِي الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُم فِي الإسْلامِ إذَا فَقِهُوا»(8) عَرَفْتُ مَا لسيِّدِنَا عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ مِنَ المَنْزِلَةِ العَظِيمَةِ فِي الوَاقِعِ السِّيَاسِيِّ والتَّشْرِيعيِّ، خَاصَّةً أنَّهُ كَانَ سَفِيرَ قُرَيْشٍ بَيْنَهَا وبَيْنَ القَبَائِلِ العَرَبيَّةِ الأخْرَى، إذَا وَقَعَ بَيْنَهُمَا خِلافٌ، أوْ حَدَثَ قِتَالٌ.

ومَا كَانَ عُمَرُ لِيَتَبَوَّأَ هَذَا المَنْصِبَ الخَطِيرَ، لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتأهِّلاً لَهُ، يتَضَلَّعُ بثَقافَاتٍ وَاسِعَةٍ، تُخوِّلُهُ أنْ يَكُونَ مَنْدُوبَ قُرَيشٍ، أعْظَمِ قَبَائلِ العَرَبِ.

ثُمَّ جَاءَ الإسْلامُ، وإذَا برَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يتَفَرَّسُ فِي عُمَرَ، ويَرْجُو اللهَ لَهُ الهِدايَةَ، ليَنْتَصِرَ بإسْلامِهِ أهْلُ الحَقِّ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلامَ بأحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إلَيْكَ: بأبِي جَهْلٍ، أوْ بعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ. قَالَ: وكَانَ أحبَّهُمَا إلَيهِ عُمَرُ»(9) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثُمَّ تتَوَالَى أوْسِمَةُ الخَيرِ والفَضْلِ في عُمَرَ، تَصْدَحُ بالحَقِّ والصِّدْقِ، فيَقُولُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «فلَمْ أرَ عَبقَرِيًّا فِي النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ(10) ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بعَطَنٍ(11)(12) ) ( ».

فظَهَرَ نُبُوغُهُ، وَبانَتْ عَليهِ مَخَايِلُ الفِطْنَةِ والذَّكَاءِ، وهَا هُوَ ذَا يَفُوزُ بشَهَادَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ بالعِلْمِ، قَالَ: «بَيْنَا أنَا نَائِمٌ، أُتِيتُ بقَدَحِ لَبَنٍ، فشَرِبْتُ حَتَّى إنِّي لأرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ فِي أظْفَارِي، ثُمَّ أعْطَيْتُ فَضْلِيَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ». قَالُوا: فَمَا أوَّلتَهُ، يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «العِلْمُ»(13) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فأدْرَكْتُ سَاعَتَئِذٍ مَا لأمِيرِ المُؤْمنِينَ مِنَ الحَبْوَةِ عِندَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ومَا كَانَ ذَلِكَ لِيَكُونَ لَوْلا اسْتِعْدَادُهُ الفِطْرِيُّ، وصِدْقُهُ فِي الطَّلَبِ...

تَحْدِيدُ مَوضُوعِ البَحْثِ:

أمَامَ هَذِهِ المُعْطَيَاتِ، رَأيتُنِي رَاغِبًا فِي تَسْلِيطِ الضَّوْءِ عَلَى اجْتِهَادِ عُمَرَ الأصُولِيِّ، الَّذِي هُوَ مَحَطُّ أنْظَارِ الأئِمَّةِ المُجْتَهِدِينَ السَّابِقِينَ والمُعَاصِرِينَ، الَّذِينَ أدْرَكُوا مَا لِهَذَا العَلَمِ مِنْ بَاعٍ فِي بُلُوغِ الغَايَةِ مِنَ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَاءِ، ووُقُوفِهِ عَلَى مَقَاصِدِهَا الغَرَّاءِ.

فطَفِقْتُ أسْتَظِلُّ بحَدِيقَتِهِ الغَنَّاءِ، أرْتَوِي مِن مَعِينِهِ الصَّافِي عُلُومًا شَرْعِيَّةً، وقَوَاعِدَ أصُولِيَّةً، ومَسَالِكَ تَعلِيلِيَّةً، ومُنطَلقَاتٍ رَئِيسَةً فِي عَمَلِيَّةِ الإصْلاحِ والتَّوجِيهِ. حتَّى تَكوَّنَتْ لَدَيَّ فِكْرَةٌ شُمُولِيَّةٌ عَنْ بُعْدِهِ الاجْتِهَادِيِّ فِي التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ، وفَلْسَفَتِهِ فِي سَنِّ القَوانِينِ والدَّسَاتِيرِ الحَكِيمَةِ، لِرَعِيَّةٍ هُوَ قُطْبُ رَحَاهَا، فلَنْ يَألُوَ جَهْدًا فِي تَقَصِّي الحَقِّ، واسْتِنْطَاقِ النَّصِّ، مُرَاعَاةً للأصْلَحِ ومُنَاشَدَةً لِلْعَدْلِ.

بِنَاءً عليهِ، اخْتَرْتُ هذِهِ الخُطَّةَ لِلمَشْرُوعِ الَّذي أُعِدُّهُ لِنَيْلِ دَرَجَةِ الدُّكْتُورَاه فِي أصُولِ الفِقْهِ، تَحْتَ عُنْوَانِ:

الاجْتِهَادُ الأصُولِيُّ عِندَ أميرِ المؤمنِينَ عمرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه

(دِرَاسَةٌ فِي المَنْهَجِ الأصُولِيِّ للاجْتِهَادِ بالرَّأيِ لَدَى عُمَرَ)

ذَلِكَ لِمَا عُرِفَ بِهِ عُمَرُ مِنَ التأمُّلِ العَمِيقِ فِي نُصُوصِ الوَحْيِ، وإعْمَالِ عَقْلِهِ الرَّجِيحِ فِي استِنبَاطِ الأحْكَامِ مِنْ مَصَادِرِهَا النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، بالنَّظَرِ إلَى رُوحِ الشَّرِيعَةِ وتَطَلُّعَاتِهَا السَّامِيَةِ، مُرَاعَاةً للضَّرُورِيَّاتِ والحَاجِيَّاتِ والتَّحسِينِيَّاتِ، حَتَّى عُدَّ «الأوَّلَ فِي هَذَا المِضْمَارِ»(14) .

مِمَّا أثَارَ لَدَيَّ تَسَاؤُلاتٍ، هِيَ مَا سَأورِدُهُ فِي إشْكَالِيَّةِ البَحْثِ:

إشْكَالِيَّةُ البَحْثِ:

كَيْفَ أصْقَلَ أمِيرُ المُؤمنِينَ شَخْصِيَّتَهُ العِلْمِيَّةَ، حتَّى عُدَّ وَاحِدًا مِمَّنْ يَنْطِقُ الوَحْيُ على لِسَانِهِمْ؟ ومَا أثَرُ ذَلِكَ فِي التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ؟ كَيْفَ أبْدَعَ الفَارُوقُ فِي قَضَايَاهُ الَّتِي حَكَمَ بِهَا، واستَطَاعَ أنْ يُؤَثِّرَ بقُوَّةِ حُجَّتِهِ فِي أصْحَابِ القَرَارِ، فيَحْذُوا حَذْوَهُ؟ مَا الفِقْهُ الإسْلامِيُّ الَّذي أسَّسَ لَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ؟ ومَا دَعَائِمُهُ الَّتي بَنَاهُ عَلَيْهَا؟

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هَلْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أنَّهُ كَانَ يُخَالِفُ النَّصَّ لِهَوًى مُتَّبَعٍ، أوْ مَصْلَحَةٍ ضَيِّقَةٍ، أوْ غَرَضٍ شَخْصِيٍّ؟ ومَا المَوقِفُ الشَّرْعِيُّ الَّذِي كَانَ يُسجِّلُهُ فُقَهَاءُ الصَّحَابَةِ إثْرَ ذَلِكَ؟ مَا التَّرِكَةُ الأصُولِيَّةُ الَّتي خَلَّفَهَا للأجْيَالِ اللاَّحِقَةِ؟

تَوَلَّى البَحْثُ الإجَابَةَ عَنْ هذِهِ التَّسَاؤُلاتِ، انْطِلاقًا مِنْ حَافِزِ الأسْبَابِ الَّتِي دَفَعَتْنِي إلَى اخْتِيَارِ هَذَا المَوضُوعِ.

أسْبَابُ اخْتِيَارِ المَوضُوعِ:

تَنْتَظِمُ الأسْبَابُ الَّتِي دَفَعَتْنِي إلَى اخْتِيَارِ هَذَا المَوْضُوعِ فِي النِّقَاطِ الآتِيَةِ:

أوَّلاً: السَّبَبُ الأكَادِيمِيُّ:

نَيْلُ شَهَادَةِ العَالِمِيَّةِ (الدُّكْتُورَاه).

ثَانِيًا: الأسْبَابُ المَعْرِفيَّةُ:

الصِّلَةُ الوَثِيقَةُ بالتَّخَصُّصِ، وهَذَا وَاضِحٌ جِدًّا مِنْ عُنْوَانِ البَحْثِ الدَّالِّ عَلَى مَضْمُونِهِ. اشْتَهَرَ سَيِّدُنَا عُمَرُ بأنَّهُ ذُو نَظَرٍ ثَاقِبٍ، وتَطلُّعَاتٍ سَابِقَةٍ للآنِيَّةِ

الَّتِي يَعِيشُ، مِمَّا وَلَّدَ لَدَيْهِ الحِسَّ المُرْهَفَ فِي اسْتِنبَاطِ الأحْكَامِ ومُعَالَجَةِ الوَاقِعِ، بمُنْتَهَى الدِّقَّةِ والأنَاةِ. فرَأيْتُ مِنَ الوَاجِبِ الإشْارَةُ إلَى هَذِهِ القَضَايَا الكُلِّيَّةِ، وجَمْعُهَا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ، لاسْتِلْهَامِ هَذَا الفِكْرِ العَظِيمِ. دَرَسْتُ فِي مَرْحَلَةِ المَاجستِير الخَلِيفَةَ الرَّاشِدَ عليَّ بْنَ أبِي طَالِبٍ رضي الله عنه أصُولِيًّا، فكَانَ مِنَ المُنَاسِبِ جِدًّا أنْ يَكُونَ لأمِيرِ المُؤْمنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ نَصِيبٌ مِنَ الدِّرَاسَةِ الأكَادِيميَّةِ، وهُوَ أهْلٌ لِذَلِكَ. حَاجَةُ المَكتَبَةِ الإسْلامِيَّةِ إلَى مِثْلِ هَذِهِ الدِّرَاسَاتِ، الَّتِي تَنْطَلِقُ مِنَ الجِيلِ الأوَّلِ، فتُسَجِّلُ قَوَاعِدَهُمُ الأصُولِيَّةَ، ومُنْطَلَقَاتِهِمُ الرَّئِيسَةَ، فِي إيجَادِ الحُلُولِ المُؤَاتِيَةِ للمُسْتَجِدَّاتِ النَّازِلَةِ. العُزُوفُ عَنِ اجْتِرَارِ المَوَاضِيعِ الَّتِي كَثُرَ تَنَاوُلُهَا، والاتِّجَاهُ إلَى التَّأصِيلِ المَشْفُوعِ بالتَّطْبِيقِ العَمَلِيِّ، عَلَى أنْ تَكُونَ الشَّخْصِيَّاتُ المُخْتَارَةُ مِنَ الرَّعِيلِ الأوَّلِ. طَعْنُ البَعْضِ فِي عُمَرَ، لجِهَةِ زَعْمِهِم أنَّهُ كَانَ يَقفِزُ فَوْقَ النَّصِّ، ويَتَخَطَّاهُ بِلا مُستَنَدٍ شَرْعِيٍّ! مِمَّا أوْجَدَ الحَفِيزَةَ الدَّافِعَةَ للذَّوْدِ عنْ هَذَا الإمَامِ العَبْقَرِيِّ، والإشَادَةِ بحُسْنِ صَنِيعِهِ فِي تَأسِيسِ «الفِقْهِ المَقَاصِدِيِّ».

تَمَاشِيًا مَعَ مَا ذَكَرْتُ مِن أسْبَابٍ، يُمْكِنُ الحَدِيثُ عنِ الأهْدَافِ المُتَوَخَّاةِ مِن بَحْثِ مِثْلِ هَذَا المَوضُوعِ.

أهْدَافُ البَحْثِ:

أمِيرُ المُؤْمنِينَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَاحِدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ الَّذين سَبَقُوا تَقْعِيدَ العُلُومِ وتَدْوِينَهَا، بَيْدَ أنَّهُ فِي فَتَاوِيهِ وأقْضِيَتِهِ كَانَ -لا مَحَالَةَ- يَنْطَلِقُ مِنْ قَوَاعِدَ جَاءَتِ الإشَارَةُ إلَيْهَا فِي النَّصِّ؛ قُرْآنًا وسُنَّةً.

هُنَا، تَبْرُزُ الأهْدَافُ العِلْمِيَّةُ المَرْجُوَّةُ لهَذَا البَحْثِ، عَنْ طَرِيقَينِ اثْنَيْنِ:

بالنَّظَرِ إلَى العِلَّةِ الغَائِيَّةِ؛ فإنَّ البَاعِثَ عَلَى إعْدَادِهِ، يَنتَظِمُ فِي تَحْقِيقِ هَدَفَيْنِ اثْنَيْنِ: الكَشْفُ عَنِ الفِكْرِ الأصُولِيِّ للفَارُوقِ، الَّذِي سَارَ فِي ضَوْئِهِ، لاسْتِنبَاطِ الأحْكَامِ، وتَخْرِيجِ الفُرُوعِ عَلَى الأصُولِ. واسْتِخْلاصِ الأسُسِ المَنْهَجِيَّةِ الَّتِي أقَامَ عَلَيْهَا عُمَرُ أصُولَهُ الاجْتِهَادِيَّةَ، وحَصْرِ مَصَادِرِهِ الَّتِي يَسْتَمِدُّ مِنْهَا أحْكَامَهُ الفِقْهيَّةَ. مُنَاقَشَةُ مَا أُثِيرَ حَوْلَ اجْتِهَادِ عُمَرَ، مِمَّا نُسِبَ فِيهِ إلَى الاجْتِهَادِ مُقَابِلِ النَّصِّ، ومُخَالَفَةِ الوَحْيِ... إلخ! وبالنَّظَرِ إلَى الفَائِدَةِ المَأمُولَةِ مِنْهُ، فَإنَّ ثَمَرَتَهُ تَظْهَرُ مِنْ خِلالِ تَأكِيدِ الأهْدَافِ الآتِيَةِ: إكْمَالُ المَشْرُوعِ الَّذِي بَدَأتُهُ فِي رِسَالَةِ المَاجِسْتِيرِ، المُتَمَثِّلِ فِي لَحْظِ الحَرَكَةِ العِلْمِيَّةِ لا سِيَّمَا الأصُولِيَّةَ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الخُصُوصِ-

مُنْذُ بِدَايَاتِهَا الأولَى، مَعَ أعْظَمِ جِيلٍ تَرَبَّى عَلَى مَائِدَةِ النُّبُوَّةِ. لَفْتُ نَظَرِ البَاحِثِينَ، واسْتِنْهَاضُ عَزَائِمِهِم، لدِرَاسَةِ فِكْرِ الصَّحَابَةِ الأصُولِيِّ؛ بُغْيَةَ الإفَادَةِ مِنْهُ فِي إيجَادِ مِسَاحَةٍ أوْسَعَ، مِنَ النَّمَاذِجِ والأمْثِلَةِ التَّطبِيقِيَّةِ لاجْتِهَادِ الأئِمَّةِ، فِي تَخْرِيجِ الفُرُوعِ عَلَى الأصُولِ، ومُرَاعَاةِ المَصَالِحِ، ودَرْءِ المَفَاسِدِ فِي عَمَلِيَّةِ اسْتِنْبَاطِ الأحْكَامِ... الاطِّلاعُ عَلَى مَبْلَغِ عِلْمِ الرَّعِيلِ الأوَّلِ مِنَ المُجْتَهِدِينَ، والتَّعَرُّفُ إلَى قُدُرَاتِهِمُ الذِّهْنِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ، فِي اسْتِنْبَاطِ الأحْكَامِ مِنْ أدِلَّتِهَا الإجْمَالِيَّةِ، مِمَّا سَبَّبَ نَجَاحَهمُ العَظِيمَ فِي الدَّعْوَةِ إلَى اللهِ تَعَالَى عَلَى هُدًى وبَصِيرَةٍ. ثَلَجُ قُلُوبِ مُحبِّي الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم، فِي الإبَانَةِ عَنْ سَيرِهِم عَلَى مَنَاهِجَ عِلْمِيَّةٍ مُنْضَبِطَةٍ فِي الاجْتِهَادِ والتَّعْلِيلِ، وأنَّهُم كَانُوا يتَقيَّدُونَ بقَوَاعِدَ كُلِّيَّةٍ بَاتَتْ مُنصَهِرَةً فِي مَلَكَتِهِمُ الفِقْهِيَّةِ. تَمْكِينُ طَالِبِ العِلْمِ مِنَ الوُقُوفِ عَلَى المَصَادِرِ الأصُولِيَّةِ لاجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ، وتَوْثِيقِ مَصَادِرِ الأئِمَّةِ أصْحَابِ المَذَاهِبِ بنِسْبَتِهَا إلَى مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ.

بِنَاءً على هَذِهِ الأهْدَافِ، يُمْكِنُ أنْ أسْتَخلِصَ أهَمِّيَّةَ البَحْثِ مِنْ خِلالِ الآتِي.

أهَمِّيَّةُ البَحْثِ:

تَكْمُنُ أهَمِّيَّةُ هَذَا البَحْثِ، فِي أنَّهُ يَدرُسُ آلِيَّةَ التَّفْكِيرِ الأصُولِيِّ لإمَامٍ مِنْ أئِمَّةِ الصَّحَابَةِ، حِينَ كَانَتِ المَفَاهِيمُ العِلمِيَّةُ، والمَبَادِئُ اللُّغَوِيَّةُ، والقَوَاعِدُ الأصُولِيَّةُ، والمَسَالِكُ التَّعلِيلِيَّةُ، جِبِلَّةً رَاسِخَةً فِي نُفُوسِهِمْ، ثُمَّ تَحَوَّلَتْ إلَى صِنَاعَةٍ عِلمِيَّةٍ عَلَى يَدِ المُعَلِّمِ الأوَّلِ مُحمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فيَعْمَلُ عَلَى تِبْيَانِ هَذِهِ الحَقائِقِ، ورَبْطِهَا بالأقْضِيَةِ الَّتِي حَكَمَ بِهَا، أوِ الاسْتِفْتَاءَاتِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا، أوِ التَّنْظِيمَاتِ الَّتِي شَرَعَهَا. ثُمَّ إعَادَةِ صِيَاغَتِهَا بأسْلُوبٍ عَصْرِيٍّ سَهْلِ التَّنَاوُلِ، قَرِيبِ الفَهْمِ غَيْرِ مُعَقَّدٍ.

كَذَلِكَ، تتَجَلَّى أهَمِّيَّةُ هَذَا البَحْثِ فِي تَقْدِيمِ القُدْوَةِ، لمُجتَمَعٍ يَشْهَدُ انْفِجَارًا عِلْمِيًّا مُتَطَوِّرًا، وثَوْرَةً مَعْلُومَاتِيَّةً مُتقَدِّمَةً يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، يَحْتَاجُ فِيهِ أهْلُ الاجْتِهَادِ إلَى اقْتِفَاءِ أثَرِ عَدَّاءٍ مَاهِرٍ، كَانَ لَهُ الكَعْبُ المُعَلَّى فِي استِنْكَاهِ النُّصُوصِ، وإعْمَالِ رُوحِ الشَّرِيعَةِ الغَرَّاءِ، لمُتَابَعَةِ النَّوَازِلِ المُسْتَجِدَّةِ فِي عَصْرِهِ، والانْتِقَاءِ مِنْهَا مَا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ حَلاًّ مُجْدِيًا، ودَوَاءً نَاجِعًا لعَوَالِقِ هذا الزَّمَانِ. والاستِرْوَاحِ إلَى مَنْهَجِهِ فِي التَّأصِيلِ والتَّخْرِيجِ، بُغْيَةَ رَفْعِ الحَرَجِ أوِ التَّأثُّمِ فِي بَعْضِ المَوارِدِ .

عَسَى أنْ تَحْظَى هَذِهِ الدِّرَاسَةُ ومَثِيلاتُهَا بالقَبُولِ عِنْدَ إخْوَانِي طَلَبَةِ العِلْمِ، فيَقْتَفُوا الأثَرَ، ويُقَدِّمُوا شَيئًا جَدِيدًا عَنْ سَلَفِ هَذِهِ الأمَّةِ، مِنَ النَّاحِيَةِ الأكَادِيمِيَّةِ.

الدِّرَاسَاتُ السَّابِقَةُ وخَصَائِصُهَا:

قَلِيلَةٌ هِيَ الدِّرَاسَاتُ العِلْمِيَّةُ الَّتِي اهْتَمَّتْ بإبْرَازِ جَانِبِ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ البَحْتِ، فِي شَخْصِيَّةِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ بالدَّرْسِ والتَّحْلِيلِ، إذَا مَا قُورِنَتْ بِكَثْرَةِ الكِتَابَاتِ عَنْ سِيرَتِهِ، وحُكْمِهِ، وفِقْهِهِ، وعَدْلِهِ... إلخ.

وهَاكُمْ إجْمَالَ القَوْلِ فِي بَعْضِهَا:

«نَظَرَاتٌ فِي اجْتِهَادَاتِ الفَارُوقِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ»، مَجْمُوعَةُ مَقَالاتٍ كَتَبَهَا المَدَنِيُّ، مُحَمَّد مُحَمَّد (ت1388هـ)، ثُمَّ جَمَعَتْهَا أسْرَتُهُ فِي كِتَابٍ(15) عَالَجَ فِيْهَا الكَاتِبُ جَانِبًا مِنَ الاجْتِهَادَاتِ العُمَرِيَّةِ مِنَ النَّاحِيَةِ الأصُولِيَّةِ، والفِقْهِيَّةِ، والأدَبِيَّةِ، والاجْتِمَاعِيَّةِ. «مَنْهَجُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فِي التَّشرِيعِ، دِرَاسَةٌ مُستَوعِبَةٌ لفِقْهِ عُمَرَ وتَنظِيمَاتِهِ»، للدُّكْتُور بِلْتَاجِي، مُحَمَّد بِلْتَاجِي حَسَن (ت2004م). رِسَالَةٌ عِلمِيَّةٌ تَقدَّمَ بِهَا المُؤلِّفُ لِنَيْلِ شَهَادَةِ الدُّكتُورَاه مِنْ جَامِعَةِ الأزْهَرِ في مِصْرَ(16) يَعْرِضُ فِقْهَ عُمَرَ مَعَ ذِكْرِ نَبْذَةٍ مِنْ أقْوَالِ الفُقَهَاءِ مِنْ بَعْدِهِ. ويَعْمَلُ عَلَى تَحْلِيلِهِ فِي سَبِيلِ تَقْدِيمِ تَصَوُّرٍ مَوْضُوعِيٍّ لبَعْضِ مَا يَحْتَوِيهِ التَّشْرِيعُ الإسْلامِيُّ مِنْ خُصُوبَةٍ وثَرَاءٍ.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

«مَنْهَجُ الاجْتِهَادِ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وأثَرُهُ فِي التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ»، إعْدَاد: تبينات، ساعد (مُعَاصِرٌ). رِسَالَةٌ عِلْمِيَّةٌ تَقَدَّمَ بِهَا البَاحِثُ إلَى كُلِّيَّةِ العُلُومِ الإسْلامِيَّةِ بجَامِعَةِ الأمِيرِ عَبْدِ القَادِرِ فِي الجَزَائِرِ، سَنَةَ 1998م(17) بَنَاهَا عَلَى نَوْعَينِ مِنِ اجْتِهَادَاتِ عُمَرَ: تِلْكَ المُسْتَنِدَةِ إلَى النَّصِّ، والأخْرَى المُسْتَنِدَةِ إلَى الرَّأيِ. وتَطَرَّقَ إلَى خَصَائِصِ اجْتِهَادِهِ وأثَرِهِ فِي التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ. «مُرَاعَاةُ المَقَاصِدِ فِي فِقْهِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ»، إعْدَاد: الغَزَالِيّ، أحْمَد (مُعَاصِرٌ). رِسَالَةٌ تَقَدَّمَ بِهَا البَاحِثُ لنَيْلِ دِبْلُومِ الدِّرَاسَاتِ العُلْيَا، بجَامِعَةِ مُحَمَّدٍ الخَامِسِ- الرِّبَاط، سَنَةَ 1420هـ=1999م. «سِيَاسَةُ التَّشْرِيعِ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه»، إعْدَاد: الدُّكْتُور أبُو صَقْر، مُحَمَّد صُبْحِي حُسَيْن (مُعَاصِرٌ). رِسَالَةٌ تَقدَّمَ بِهَا البَاحِثُ لِنَيلِ دَرَجَةِ المَاجِسْتِيرِ فِي الفِقْهِ المُقَارَنِ، مِنْ كُلِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ والقَانُونِ فِي الجَامِعَةِ الإسْلامِيَّةِ- غَزَّةَ(18) عَرَّفَ بعُمَرَ وسِيَاسَةِ التَّشرِيعِ، ثُمَّ اسْتَعرَضَ ضَوابِطَها، وبَعْضَ مَسَائِلِهَا وتَطبِيقَاتِهَا، وانْتَهَى إلَى الحَدِيثِ عنْ تَحْقِيقِ عُمَرَ العَدْلَ والمُسَاوَاةَ. «اجْتِهَادَاتُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ: دِرَاسَةٌ أصُولِيَّةٌ»، إعْدَادُ:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الدُّكْتُور حَنَفِي، خَالِد مُحَمَّد عَبْد الوَاحِد (مُعَاصِرٌ). رِسَالَةٌ تَقدَّمَ بِهَا البَاحِثُ لِنَيلِ دَرَجَةِ الدُّكتُورَاه مِنْ كُلِّيَّةِ الشَّرِيعَةِ والقَانُونِ بجَامِعَةِ الأزْهَرِ فِي مِصْرَ، سَنَةَ 1426هـ=2005م(19) اقْتَصَرَ فِيهَا البَاحِثُ عَلَى مُعَالَجَةِ اجْتِهَادِ عُمَرَ فِي فَهْمِ النَّصِّ وتَفْسِيرِهِ، وعَمَلِهِ بسَدِّ الذَّرَائِعِ، ورِعَايَتِهِ لمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ. «التَّعْلِيلُ المَصْلَحِيُّ فِي مَنْهَجِ التَّشْرِيعِ عِنْدَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ (عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ نَمُوذَجًا)»، إعْدَاد: هالا، رملي (مُعَاصِرٌ). رِسَالَةٌ تَقَدَّمَ بِهَا البَاحِثُ لنَيْلِ دَرَجَةِ الدُّكْتُورَاه مِنْ جَامِعَةِ المَدِينَةِ العَالَمِيَّةِ، بمَالِيزِيَا، سَنَةَ 2010م(20)

الفَجْوَةُ المُرَادُ تَغْطِيَتُها:

انْطِلاقًا مِنَ القِرَاءَةِ أعْلاهُ للدِّرَاسَاتِ السَّابِقَةِ، وحَيْثُ إنَّهَا لمْ تُغَطِّ –بمُجْمَلِهَا- المِسَاحَةَ الأصُولِيَّةَ الَّتِي عَزَمْتُ عَلَى دِرَاسَتِهَا فِي شَخْصِيَّةِ عُمَرَ الاجْتِهَادِيَّةِ، لجِهَةِ تَوَسُّطِهِ الرَّأيَ بمَفْهُومِهِ العَامِّ سَبِيلاً فِي تَوْصِيفِ الوَاقِعَاتِ المُسْتَجِدَّةِ، ومُعَاوَدَةِ النَّظَرِ فِي قَضَايَا سَابِقَةٍ لَهَا تَعَلُّقٌ حَادِثٌ مَنُوطَةٌ بِهِ، مِمَّا يُحَقِّقُ مَقْصُودَ الشَّارِعِ إجْرَاءً أوِ اسْتِثْنَاءً.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لذَلِكَ، يَأتِي هَذَا البَحْثُ ليَسُدَّ ثَغْرَةً فِي المَكْتَبَةِ الإسْلامِيَّةِ الجَامِعَةِ بَيْنَ التَّأرِيخِ، والتَّأصِيلِ، والتَّحْلِيلِ، والتَّطْبِيقِ. مِمَّا أوْجَدَ لَدَيَّ العَزْمَ عَلَى النُّهُوضِ بهِذِهِ المَسْؤُولِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ والأدَبِيَّةِ.

وحَيْثُ إنَّ البَحْثَ مُتَشَعِّبُ المَوَاضِيعِ، مُتَرَامِي الأطْرَافِ، لَجَأتُ إلَى هَيْكَلِيَّةٍ مُنضَبِطَةٍ، لِضَمَانِ حُسْنِ سَيْرِ العَمَلِ فِي هَذِهِ الأطْرُوحَةِ.

هَيْكَلِيَّةُ البَحْثِ:

حَرَصْتُ فِي إعْدَادِ هَذِهِ الأطْرُوحَةِ أنْ أكُونَ مُلِمًّا –قَدْرَ الإمْكَانِ- بجَمِيعِ حَيثِيَّاتِ البَحْثِ اللاَّزِمَةِ، للخُرُوجِ بنَتَائِجَ عِلْمِيَّةٍ تُجِيبُ عَنِ إشْكَاليَّاتِهِ.

فاقْتَضَتْ طَبِيعَةُ البَحْثِ أنْ يَشْتَمِلَ عَلَى: مُقَدِّمَةٍ، وتَمْهِيدٍ، وبَابَيْنِ، وخَاتِمَةٍ، ومُلْحَقٍ، وفَهَارِسَ عِلْمِيَّةٍ . ثُمَّ قَسَّمْتُ البَابَيْنِ إلَى فُصُولٍ، والفُصُولَ إلَى مَبَاحِثَ، وهَذِهِ إلَى مَطَالِبَ، حَسْبَمَا تَقْتَضِيهِ المَادَّةُ العِلْمِيَّةُ لكُلِّ مَوْضُوعٍ.

المُقَدِّمَةُ:

وتَنَاوَلْتُ فِيهَا النِّقَاطَ الآتِيَةَ:

لمَاذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ بالذَّاتِ؟الدِّرَاسَاتُ السَّابِقَةُ وخَصَائِصُهَا.
تَحْدِيدُ مَوضُوعِ البَحْثِ.الفَجْوَةُ المُرَادُ تَغْطِيَتُها.
إشْكَالِيَّةُ البَحْثِ.هَيْكَلِيَّةُ البَحْثِ.
أسْبَابُ اخْتِيَارِ المَوضُوعِ.مَنْهَجُ البَحْثِ.
أهْدَافُ البَحْثِ.المَصَادِرُ والمَرَاجِعُ المُعْتَمَدَةُ.
أهَمِّيَّةُ البَحْثِ.الصُّعُوبَاتُ وكَيفِيَّةُ تَذْلِيلِهَا.

التَّمهِيدُ:

وهُوَ بعُنْوَانِ: المَنْهَجُ الأصُولِيُّ فِي اجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ ودَوْرُ عُمَرَ فِي التَّشْرِيعِ . الهَدَفُ مِنْهُ: تَزْوِيدُ القَارِئِ بالخُطُوطِ العَرِيضَةِ لاجْتِهَادِ الدَّوْرِ الأوَّلِ، وإيْضَاحُ ضُلُوعِ عُمَرَ فِيهِ.

لذَلِكَ تَضَمَّنَ مَبْحَثَيْنِ، هُمَا:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: القَوَاعِدُ الأصُولِيَّةُ مِنَ السَّجِيَّةِ اللُّغَوِيَّةِ إلَى الصِّنَاعَةِ العِلْمِيَّة.

المَبْحَثُ الثَّانِي: دَوْرُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ فِي التَّشْرِيعِ.

بَابَا الأطْرُوحَةِ:

ثُمَّ بَعْدَ الانْتِهَاءِ مِنَ المُقَدِّمَةِ والتَّمْهِيدِ، قَسَّمْتُ الأطْرُوحَةَ إلَى

بَابَيْنِ، عَلَى النَّحْوِ الآتِي:

البَابُ الأوَّلُ ، وهُوَ بعُنْوَانِ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ومَعَالِمُ الاجْتِهَادِ لَدَيْهِ . يتَوَخَّى تَقْدِيمَ دِرَاسَةٍ مَوْضُوعِيَّةٍ عَنْ حَيَاةِ عُمَرَ الشَّخْصِيَّةِ والعِلْمِيَّةِ الَّتِي لَهَا مَسَاسٌ وَثِيقٌ بمَادَّةِ البَحْثِ، وإبْرَازِ مَعَالِمِ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ لَدَيْهِ.

لذَلِكَ انْتَظَمَ فِي فَصْلَيْنِ، هُمَا:

الفَصْلُ الأوَّلُ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ومَلامِحُ شَخْصيَّتِهِ العِلْميَّةِ.

ويَشْتَمِلُ عَلَى أرْبَعَةِ مَبَاحِثَ، هِيَ:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: عُمَرُ مِنَ الجَاهِليَّةِ إلَى الإسْلامِ.

المَبْحَثُ الثَّانِي: عُمَرُ مِنَ الخِلافَةِ إلَى الشَّهَادَةِ.

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: مَلامِحُ شَخْصِيَّةِ عُمَرَ العِلْميَّةِ.

المَبْحَثُ الرَّابِعُ: عُمَرُ فِي فِكْرِهِ الأصُولِيِّ وآثَارِهِ الثَّقَافِيَّةِ.

الفَصْلُ الثَّانِي: مَعَالِمُ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ.

ويَشْتَمِلُ عَلَى ثَلاثَةِ مَبَاحِثَ، هِيَ:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: الاجْتِهَادُ الأصُولِيُّ: مَضْمُونُهُ، شُمُولِيَّتُهُ، وتَمَايُزُهُ.

المَبْحَثُ الثَّانِي: مَوْقِفُ عُمَرَ مِنَ الاجْتِهَادِ ودَوَافِعُهُ.

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الخَصَائِصُ العَامَّةُ لاجْتِهَادِ عُمَرَ ورَوَافِدُهُ.

البَابُ الثَّانِي ، وهُوَ بعُنْوَانِ: المَنْهَجُ الأصُولِيُّ للاجْتِهَادِ بالرَّأيِ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ . الغَايَةُ مِنْهُ: الاطِّلاعُ عَلَى كَيْفِيَّةِ تَشَكُّلِ الاجْتِهَادِ، والخَوْضُ فِي بَيَانِ الأسُسِ الَّتِي قَامَ عَلَيْهَا، وبَيَانُ المَجَالاتِ الَّتِي طَالَهَا وسُبُلِ مُعَالَجَتِهَا ضِمْنَ الإطَارِ الأصُولِيِّ.

لذَلِكَ نَظَمْتُهُ فِي فَصْلَيْنِ، هُمَا:

الفَصْلُ الأوَّلُ: مَظَاهِرُ الاجْتِهَادِ وأُسُسُهُ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ.

ويَشْتَمِلُ عَلَى ثَلاثَةِ مَبَاحِثَ، هِيَ:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: الاجْتِهَادُ الفَرْدِيُّ ومَظَاهِرُ تَطْبِيقَاتِهِ.

المَبْحَثُ الثَّانِي: الاجْتِهَادُ الجَمَاعِيُّ ودَوْرُ الخِلافَةِ فِي تَنْظِيمِهِ.

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الأسُسُ المَرْجِعِيَّةُ لاجْتِهَادِ عُمَرَ.

الفَصْلُ الثَّانِي: مَجَالاتُ الاجْتِهَادِ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ.

ويَشْتَمِلُ عَلَى مَبْحَثَيْنِ اثْنَيْنِ، هُمَا:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: مَجَالُ الاجْتِهَادِ فِي مَا فِيهِ نَصٌّ.

المَبْحَثُ الثَّانِي: مَجَالُ الاجْتِهَادِ فِي مَا لا نَصَّ فِيهِ.

الخَاتِمَةُ:

وأخِيرًا، خَاتِمَةٌ ذَكَرْتُ فِيهَا أهَمَّ النَّتَائِجِ، والتَّوْصِيَاتِ.

المُلْحَقُ:

سَرَدْتُ فِيهِ بَعْضَ العَنَاوِينِ لدِرَاسَاتٍ أكَادِيمِيَّةٍ، حَوْلَ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه، تَقَصَّدْتُ تَأخِيرَهُ لِئَلاَّ أثْقِلَ الهَوَامِشَ.

ولتَحْقِيقِ أهْدَافِ البَحْثِ، رَأيْتُ أنْ أسِيرَ بدِرَاسَتِي فِي ضَوْءِ مَنهَجٍ عِلْمِيٍّ مُتكَامِلٍ، يُتِيحُ الإفَادَةَ مِنْهَا والوُصُولَ إليهَا.

مَنْهَجُ البَحْثِ:

نَظَمْتُ البَحْثَ ضِمْنَ مِحْوَرَينِ رَئِيسَيْنِ يَرجِعَانِ إلَى الأسْلُوبِ العِلْمِيِّ ، و الشَّكْلِ .

أمَّا مِنْ حَيْثُ الأسْلوبُ العِلْمِيُّ ، فسَلَكْتُ طُرُقَ البَحْثِ الاستِقرائيَّةَ، والتَّوثِيقيَّةَ، والتَّحلِيليَّةَ، والاستِدلالِيَّةَ، حَسْبَمَا هُوَ مُوَضَّحٌ فِي مَا يَلِي:

المَنْهَجُ الاسْتِقْرَائِيُّ وذَلِكَ بالوُقُوفِ عَلَى مَسَائِلِ عُمَرَ، وجَمْعِ

أفْرَادِهَا، لاسْتِلْهَامِ فِكْرِهِ الأصُولِيِّ فِي الاستِنْبَاطِ. وبتَتَبُّعِ مَا نُسِبَ إلَيْهِ مِنْ أقْوَالٍ دُسْتُورِيَّةٍ شَكَّلَتْ مَنْهَجًا للحُكْمِ فِي حَيَاتِهِ الرَّشِيدَةِ. وهُنَا تَجْدُرُ الإشَارَةُ إلَى أنَّهُ قَدْ يَكُونُ للأثَرِ أكْثَرُ مِنْ بُعْدٍ أصُولِيٍّ، فيَتَكَرَّرُ إيرَادُهُ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ للإفَادَةِ مِنْ أفُقِهِ الدَّلالِيِّ عَلَى مَصَادِيقَ مُتَعَدِّدَةٍ. المَنْهَجُ التَّوْثِيقِيُّ، إذْ وَثَّقْتُ النُّصُوصَ والنُّقُولَ تَوْثِيقًا دَقِيقًا، يَعُودُ بِهَا إلَى مَصَادِرِهَا الرَّئِيسَةِ. المَنْهَجُ التَّعْلِيلِيُّ التَّحْلِيلِيُّ يَأتِي فِي المَرْحَلَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ استِقْرَاءِ نُصُوصِهِ وأحْكَامِهِ، وتَوْثِيقِهَا؛ بإمْعَانِ النَّظَرِ فِيهَا لاستِخْلاصِ مَسْلَكِهِ فِي التَّأصِيلِ، واستِبْيَانِ طَرِيقَةِ حُكْمِهِ فِي التَّطْبِيقِ. المَنْهَجُ الاستِدْلالِيُّ البُرْهَانِيُّ وذَلِكَ بالتَّدْلِيلِ عَلَى مَا استَوْحَيْتُهُ مِنْ مَسَائِلِهِ، بالرُّجُوعِ إلَى أقْضِيَتِهِ وفَتَاوِيهِ واخْتِيَارَاتِهِ الاجْتِهَادِيَّةِ، وتَحْلِيلِهَا والرَّبْطِ بَيْنَهَا وبَيْنَ مَا اتَّبَعَهُ العُلَمَاءُ فِي التَّدْلِيلِ عَلَى آرَائِهِم، بِحَسْبِ مَا هُوَ مُودَعٌ فِي كُتُبِ الأصُولِ

وقَدْ جَهِدْتُ فِي تَطْبِيقِ هَذَا المَنْهَجِ بمَبَادِئِهِ كُلِّهَا.

أمَّا مِنْ حَيْثُ الشَّكْلُ ، لِجِهَةِ العَزْوِ، والتَّوثِيقِ، والتَّخرِيجِ، وإعْدَادِ الهَوامِشِ، وصُنْعِ الفَهَارِسِ – بصِفَةٍ عَامَّةٍ- فَقَدْ سَلَكْتُ مَا هُوَ مُبيَّنٌ فِي النِّقاطِ الآتِيَةِ:

عَزوْتُ الآيَاتِ

القُرآنِيَّةَ إلَى مَوَاضِعِهَا فِي كِتَابِ اللهِ تعالى، وذَلِكَ بالإشَارَةِ إلَى السُّورَةِ ورَقْمِ الآيَةِ، مُعْتَمِدًا عَلَى مُصْحَفِ المَدِينَةِ النَّبوِيَّةِ المُنوَّرَةِ(21) خَرَّجْتُ الأحَادِيثَ تَخْرِيجًا مُقْتَضَبًا مِنْ رَأسِ القَلَمِ، ونَقَلْتُ أحْكَامَ أهْلِ الصَّنْعَةِ عَلَيْهَا في الغَالِبِ. نَصَّصْتُ عَلَى الآيَاتِ القُرْآنِيَّةِ بقَوْسَيْنِ مُزَهَّرَيْنِ: وجَعَلْتُ الأحَادِيثَ النَّبَوِيَّةَ، والأقْوَالَ المَنْقُولَةَ بَيْنَ مُزدَوِجَينِ: وإذَا كَانَ ثَمَّةَ إضَافَاتٌ فبَيْنَ مَعقوفَينِ: عَرَّفْتُ بالمُصْطلَحَاتِ العِلْميَّةِ، وشَرَحْتُ الغَرِيبَ مِنَ الألفَاظِ اللُّغَوِيَّةِ، وضَبَطْتُهَا –أحْيَانًا- بالحُرُوفِ، وذَلِكَ بالعَودَةِ إلى مَعَاجِمِ اللُّغَةِ والكُتُبِ المُخْتَصَّةِ. تَرْجَمْتُ للأعْلامِ لَدَى المَرَّةِ الأولَى مِنْ وُرُودِهِم. اعتَمَدْتُ التَّارِيخَ الهِجْرِيَّ دُونَ سِوَاهُ، إلاَّ فِي تَوْثِيقِ المَرَاجِعِ، ومَا نَدَرَ. عَرَّفْتُ الأمَاكِنَ، والأزْمِنَةَ، والوَقَائِعَ الغَامِضَةَ. ضَبَطْتُ المَتْنَ بالشَّكْلِ التَّامِّ. ذَيَّلْتُ الدِّرَاسَةَ بِتِسْعَةِ فَهَارِسَ عِلْمِيَّةٍ(22) تُقَرِّبُ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الإفَادَةَ مِنْهَا بشَكْلٍ سَرِيعٍ، فَصَنعْتُ:

فِهْرِسَ الآيَاتِ القُرآنيَّةِ. فِهْرِسَ الأحَادِيثِ النَّبويَّةِ والآثَارِ. فِهْرِسَ الفَوَائِدِ الأصُولِيَّةِ والمَسَائِلِ الفِقْهِيَّةِ. فِهْرِسَ الأشْعَارِ. فِهْرِسَ الغَرِيبِ والمُصْطَلَحَاتِ المَشْرُوحَةِ. فِهْرِسَ الأعْلامِ. فِهْرِسَ البُلْدَانِ والوَقَائِعِ والأيَّامِ. فِهْرِسًا بثَبْتِ المَصَادِرِ والمَرَاجِعِ.

فِهْرِسَ المُحْتَويَاتِ والمَوْضُوعَاتِ.

التَزَمْتُ بِمَا وَرَدَ فِي مُخَطَّطِ البَحْثِ المُشَارِ إلَيْهِ سَابِقًا، وحَاوَلْتُ أنْ أوَفِّيَ كُلَّ بَابٍ حَقَّهُ قَدْرَ الإمْكَانِ.

ولمَّا كَانَ إعْدَادُ أيِّ بَحْثٍ لا بُدَّ لَهُ مِنْ مَصَادِرَ يَنْطَلِقُ مِنهَا، ومَرَاجِعَ تُؤَكِّدُ المَعْلُومَةَ، وتُورِثُ الثَّلَجَ فِي صُدُورِ قَارِئِيهِ، كَانَ مِنَ المُحَتَّمِ التَّصْرِيحُ عَنْ هَذِهِ المُؤلَّفَاتِ.

المَصَادِرُ والمَرَاجِعُ المُعْتَمَدَةُ:

لَمْ يَكُنِ الاجْتِهَادُ الأصُولِيُّ لعُمَرَ مُنْحَصِرًا فِي كُتُبٍ مُحَدَّدَةٍ أوْ مُفْرَدَةٍ، بَلْ جَاءَ مَبْثُوثًا فِي مُصَنَّفَاتٍ شَتَّى وعُلُومٍ مُتَنَوِّعَةٍ. مِمَّا اقْتَضَى الرُّجُوعَ إلَى المَصَادِرِ الأصِيلَةِ، وعَدَمَ الاكْتِفَاءِ بِمَا وَرَدَ فِي كُتُبِ الأصُولِ والفِقْهِ، وتَارِيخِ التَّشْرِيعِ، والسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ. إذْ تَطَلَّبَ تَأصِيلُ المَوْضُوعِ العَوْدَةَ أيْضًا – بَعْدَ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى- إلَى كُتُبِ التَّفْسِيرِ، والحَدِيثِ والآثَارِ وشُرُوحِهَا، والمَغَازِي والسِّيَرِ، والزُّهْدِ والرَّقَائِقِ، والتَّارِيخ والتَّرَاجِمِ، والإفَادَةَ مِنْ بَعْضِ المُؤَلَّفَاتِ الأجْنَبِيَّةِ بنُسَخِهَا المُعَرَّبَةِ. بَلِ اعْتَمَدْتُ -فِي بَعْضِ الأحْيَانِ- عَلَى أكْثَرَ مِنْ طَبْعَةٍ؛ نَظَرًا لصُدُورِ أجْزَائِهِ تِبَاعًا، أوْ لِمَا اسْتَجَدَّ مِنْ أجْزَاءٍ كَانَتْ مَفْقُودَةً فطُبِعَت.

والجَدِيرُ بالذِّكْرِ، أنَّ الخُطْوَةَ الأولَى الَّتي سَلَكْتُهَا فِي إعْدَادِ الأطْرُوحَةِ، انْبَثَقَتْ عنْ ثَلاثِ دِرَاسَاتٍ رَئِيسَةٍ،

فَتَحَتْ لِي آفَاقًا وَاسِعَةً، ألا وهِيَ:

«دِرَاسَةٌ نَقْدِيَّةٌ فِي المَرْوِيَّاتِ الوَارِدَةِ فِي شَخْصِيَّةِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه وسِيَاسَتِهِ الإدَارِيَّةِ»، للدُّكْتُورِ آل عِيسَى، عَبْدِ السَّلامِ بْنِ مُحْسِنٍ (مُعَاصِرٌ). استَخْلَصْتُ مِنهَا الدِّرَاسَةَ التَّارِيخِيَّةَ لشَخْصِيَّةِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ وحَيَاتِهِ، وأعْمَالِهِ وإنْجَازَاتِهِ. «مَوْسُوعَةُ فِقْهِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ»، للدُّكْتُورِ قَلْعَه جِي، مُحَمَّد رَوَّاس (ت1435هـ) رحمه الله. صَحِبَنِي حَتَّى خَاتِمَةِ الرِّسَالَةِ، إذْ كَانَ مُحْتَوَاهُ مَادَّةً حَاضِرَةً لاستِنتَاجِ البَحْثِ الأصُوليِّ مِنْهَا. «الاجْتِهَادُ بالرَّأيِ فِي عَصْرِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ»، للدُّكْتُورِ السَّنُوسِيِّ، عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعمَّر (مُعَاصِرٌ). وهوَ كِتَابٌ جِدُّ مُهِمٍّ فِي بَابِهِ، يُعَدُّ دِرَاسَةً تَحْلِيلِيَّةً فِي أصُولِ سِيَاسَةِ التَّشْرِيعِ، ومَقاصِدِهِ، وتَارِيخِهِ. وقَدْ أفَدْتُ مِنْهُ إفَادَاتٍ جَمَّةً.

ثُمَّ كَانَ الاعْتِمَادُ فِي كُلِّ مَوْضُوعٍ عَلَى المُعتَدِّ بِهِ مِنْ مُؤلَّفَاتِ أهْلِهِ، مِمَّا تَرَاهُ مُفَصَّلاً فِي فِهْرِسِ المَصَادِرِ والمَرَاجِعِ.

الصُّعُوبَاتُ وكَيفِيَّةُ تَذْلِيلِهَا:

إنَّ الإلْمَاحَ إلَى بَعْضِ المَشَاقِّ لا يَعْنِي بالضَّرُورَةِ الشَّكْوَى مِنْهَا، فطَالِبُ العِلْمِ مَا فَتِئَ يَشْعُرُ بنَشْوَةِ البَحْثِ والدِّرَاسَةِ والكِتَابَةِ، طَالَمَا أنَّ صُعُوبَاتٍ وخُطُوبًا تُوَاجِهُهُ، فِي إعْدَادِ أيِّ مَشْرُوعٍ عِلْمِيٍّ يَقُومُ بِهِ.

هَذَا مَا كَانَ يَعْتَرِينِي حِيَالَ تَجَشُّمِ هَذِهِ الصِّعَابِ المَصْحُوبَةِ بلَذَّةٍ عَزَّ نَظِيرُهَا، وتتَمَثَّلُ فِي الآتِي:

فقِلَّةُ البُحُوثِ المُسَاعِدَةِ الَّتِي بَحَثَتِ الجَانِبَ الأصُولِيَّ بالذَّاتِ فِي شَخصِيَّةِ عُمَرَ، مَعَ صُعُوبَةِ الوُصُولِ إلَيْهَا للحُصُولِ عَلَيْهَا، لَزِمَ مِنْهُ الصَّبْرُ والعَمَلُ بدِقَّةٍ وتَأمُّلٍ. وتَنَاثُرُ أجْزَاءِ المَوْضُوعِ فِي بُطُونِ المَصَادِرِ، والتَّثبُّتُ الطَّوِيلُ الَّذي يَصْحَبُهَا، أوْجَبَ مُضَاعَفَةَ الجَهْدِ وبَذْلَ الوُسْعِ. ثُمَّ ظُرُوفُ الحَيَاةِ، ومَا تَفَصَّى عَنْهَا مِنْ مَسْؤُولِيَّاتٍ جِسَامٍ، جُبِلَتْ بغُصَّةٍ وكَمَدٍ عَلَى مَا تَمُرُّ بِهِ الأمَّةُ أخِيرًا، وهِيَ تُكَابِدُ الأمَرَّيْنِ فِي المُحَافَظَةِ عَلَى مُهْجَتِهَا ودِينِهَا وهُوِيَّتِهَا تَحْتَ وَطْأَةِ السَّيَّافِ، ذَلِكَ كُلُّهُ كَانَ لَهُ تَدَاعِيَاتٌ شَكَّلَتْ سَحَابَةً مُشَبَّعَةً بالصِّعَابِ!

ولَكِنْ مَعَ شَيْءٍ مِنَ الصَّبْرِ يَحْدُوهُ كَثِيرٌ مِنَ الأمَلِ، والنَّظَرِ بعَيْنِ البَصِيرَةِ إلَى النَّتَائِجِ الَّتِي سَتُحقِّقُهَا الدِّرَاسَةُ إنْ شَاءَ اللهُ... هَوَّنَ مِنْ وَقْعِ تِلْكَ الصُّعُوبَاتِ، بَلْ حَوَّلَهَا إلَى مُحَفِّزَاتٍ، حتَّى إذَا انْتَهَى العَمَلُ بِهَا؛ تَلاشَتِ الهَوَاجِسُ، وتَوَالَتِ الخَوَاطِرُ.

وخِتَامًا،

هَذَا عَمَلٌ لا أدَّعِي فِيهِ السَّبْقَ والأوَّلِيَّةَ، بَلْ هُوَ نِتَاجُ جُهُودٍ تَقَدَّمَ

بِهَا كِبَارُ أئِمَّةِ الدِّينِ، وأفَاضِلُ البَاحِثِينَ. كَانَتْ لِي عِنَايَةٌ بجَمْعِهَا وتَنْظِيمِهَا، مُسَاهَمَةً مِنِّي بوَضْعِ لَبِنَةٍ فِي صَرْحِ جَامِعَةِ الأمَّةِ الحَضَارِيَّةِ...

فمَا كَانَ صَوَابًا فمِنَ اللهِ وَحْدَهُ، فَلَهُ الحَمْدُ. ومَا كَانَ خَطَأً فعَلَيَّ تَبِعَتُهُ، ﴿أُبَرِّئُ نَفسي ۚ إِنَّ النَّفسَ لَأَمّارَةٌ بِالسّوءِ إِلّا ما رَحِمَ رَبّي ۚ إِنَّ رَبّي غَفورٌ رَحيمٌ ۝٥٣﴾(23) . وحَسْبِي أنِّي بَذَلْتُ طَاقَتِي، وأمْضَيْتُ فِيهِ وَقْتِي، واللهُ المَأمُولُ أنْ يَضَعَ لَهُ القَبُولَ عِنْدَ رَاجِحَاتِ العُقُولِ، ﴿رَبَّنا تَقَبَّل مِنّا إِنَّكَ أَنتَ السَّميعُ العَليمُ﴾(24) .

وكَتَبَ

طَالِبُ العِلْمِ الشَّرِيفِ

مُحَمَّد بْنُ فُؤَاد ضَاهِر

التَّمْهِيدُ

المَنْهَجُ الأصُولِيُّ فِي اجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ

ودَوْرُ عُمَرَ فِي

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التَّشْرِيعِ

ويَشْتَمِلُ عَلَى مَبْحَثَيْنِ، هُمَا:

المَبْحَثُ الأوَّلُ:

القَوَاعِدُ الأصُولِيَّةُ مِنَ السَّجِيَّةِ اللُّغَوِيَّةِ إلَى الصِّنَاعَةِ العِلْمِيَّة. المَبْحَثُ الثَّانِي: دَوْرُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ فِي التَّشْرِيعِ.

التَّمْهِيدُ

المَنْهَجُ الأصُولِيُّ فِي اجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ

ودَوْرُ عُمَرَ فِي التَّشْرِيعِ

حَرِيٌّ بِي فِي هَذَا البَحْثِ عَنِ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ لَدَى أمِيرِ المُؤْمِنينَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه أنْ أُمَهِّدَ بكَلِمَةٍ مُقْتَضَبَةٍ، أسْتَهِلُّهَا بدِرَاسَةٍ عَامَّةٍ عَنِ المَنْهَجِ الأصُولِيِّ، الَّذِي كَانَ مُعْتَمَدًا لَدَى مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ، الَّذِينَ اسْتَحَالَتْ عِنْدَهُمُ السَّلِيقَةُ صَنَاعَةً، وبَاتُوا عَلَى دِرَايَةٍ تَامَّةٍ بأصُولِ الاسْتِنْبَاطِ، ومَنَاهِجِ التَّفْكِيرِ. ثُمَّ أكْشِفَ عَنِ الدَّوْرِ الرِّيَادِيِّ الَّذِي سَجَّلَهُ عُمَرُ فِي التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ.

فيَكُونَ التَّمْهِيدُ تَوْطِئَةً لمَرَاحِلِ البَحْثِ القَادِمَةِ، بحَيْثُ يَضَعُ القَارِئَ فِي الإطَارِ العَامِّ للرِّسَالَةِ ومَعَالِمِهَا.

لذَلِكَ، يُمْكِنُ أنْ أُوجِزَ الكَلامَ فِي مَبْحَثَيْنِ اثْنَيْنِ، هُمَا:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: القَوَاعِدُ الأصُولِيَّةُ مِنَ السَّجِيَّةِ اللُّغَوِيَّةِ إلَى الصِّنَاعَةِ العِلْمِيَّة. المَبْحَثُ الثَّانِي: دَوْرُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ فِي التَّشْرِيعِ.

المَبْحَثُ الأوَّلُ: القَوَاعِدُ الأصُولِيَّةُ مِنَ السَّجِيَّةِ اللُّغَوِيَّةِ إلى الصِّنَاعَةِ العِلْمِيَّة

مِنَ الأمُورِ البَدَهِيَّةِ أنَّ فُقَهَاءَ الصَّحَابَةِ قَدِ اجْتَهَدُوا، والحَالُ أنَّ مَعَالِمَ الاستِدْلاَلِ، ومَنَاهِجَ الاستِنْبَاطِ، ومَسَالِكَ التَّعلِيلِ، كَانَتْ وَاضِحَةً لَدَيهِم، ومُلاَحَظَةً فِي استِنبَاطِهِمْ. فَكَانُوا أصُولِيِّينَ بالسَّلِيقَةِ والفِطْرَةِ السَّوِيَّةِ، نَظَرًا لامْتِلاكِهِم مُقَوِّمَاتِ الاجْتِهَادِ، «فَإنَّ المَسَائِلَ الفَرْعِيَّةَ – عَلَى اتِّسَاعِهَا وبُعْدِ غَايَاتِهَا- لَهَا أصُولٌ مَعْلُومَةٌ، وأوْضَاعٌ مَنْظُومَةٌ. ومَنْ لَمْ يَعْرِفْ أصُولَهَا وأوْضَاعَهَا؛ لَمْ يُحِطْ بِهَا عِلْمًا»(25) .

يَقُولُ ابْنُ القَيِّمِ (ت751هـ) رحمه الله(26) «فالصَّحَابَةُ رضي الله عنهم مَثَّلُوا الوَقَائِعَ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بنَظَائِرِهَا، وشَبَّهُوهَا بأمْثَالِهَا، ورَدُّوا بَعْضَهَا إلَى بَعْضٍ فِي أحْكَامِهَا، وفَتَحُوا للعُلَمَاءِ بَابَ الاجْتِهَادِ، ونَهَجُوا لَهُم طَرِيقَهُ، وبَيَّنُوا لَهُمْ سَبِيلَهُ»(27)

وإنَنا إذْ نَعُودُ بالمَنَاهِجِ الأصُولِيَّةِ إلَى بِدَايَاتِهَا الأولَى، الَّتِي شَقَّتْ طَرِيقَهَا مَعَ بَذْرَةِ التَّوحِيدِ، الَّتِي غَرَسَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي عَهْدِهِ، والَّتِي وَاكَبَتْ حَرَكَةَ التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ عَلَى نَحْوٍ خَاصٍّ فِي العَهْدِ المَكِّيِّ، وعَلَى نَحْوٍ عَامٍّ وأكْثَرَ شُمُولِيَّةً فِي عَهْدِهِ المَدَنِيِّ؛ فإنَّ هَذِهِ العَوْدَةَ كَفِيلَةٌ بتَسْلِيطِ الضَّوْءِ عَلَى المَنَاهِجِ الأصُولِيَّةِ المُتَّبَعَةِ فِي العَمَلِيَّةِ الاجْتِهَادِيَّةِ، مُنْذُ أنْ كَانَتْ لا تَزَالُ مُجَرَّدَ قَانُونٍ فِكْرِيٍّ، اتَّخَذَ طَابِعَ السَّلِيقَةِ العَرَبِيَّةِ المُطَعَّمَةِ بإرْشَادَاتِ الوَحْيِ، قَبْلَ أنْ تُصْبِحَ عِلْمًا قَائِمًا برَأسِهِ، وتَظْهَرَ الأسْبَابُ الدَّاعِيَةُ لتَدْوِينِهِ والتَّصنِيفِ فِيهِ.

ومَنْ يُحَاوِلُ رَصْدَ تَطَوُّرِ المَضْمُونِ الدَّلالِيِّ اللُّغَوِيِّ للمُفْرَدَاتِ العَرَبِيَّةِ ومَا تُفِيدُهُ مِنْ مَعَانٍ، مَعَ مَا أضْفَتْ عَلَيْهَا الشَّرِيعَةُ الإسْلامِيَّةُ؛ يَلْحَظُ أنَّهَا عَلَى صَعِيدِ الأحْكَامِ التَّكْلِيفِيَّةِ مَثَلاً- قَدِ اكْتَسَبَتْ بُعْدًا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أخْرَوِيًّا، حَيْثُ ترَتَّبَ عَلَى مَفْهُومِ الإلْزَامِ الثَّوَابُ أوِ العِقَابُ. وبالتَّالِي اسْتَطَاعَتِ الشَّرِيعَةُ أنْ تَرْتَقِيَ باللُّغَةِ مِنْ مُجَرَّدِ وَسِيلَةِ تَخَاطُبٍ بَيْنَ الخَلْقِ، حَتَّى أضْحَتِ اللِّسَانَ النَّاطِقَ باسْمِ الشَّرْعِ. الأمْرُ الَّذِي يُلْمِحُ إلَى كَوْنِ العَرَبِيَّةِ صَنْعَةً عِلْمِيَّةً، ومَلَكَةً لِسَانِيَّةً وَاسِعَةً، قَادِرَةً أنْ تَفِيَ بحَاجَاتِ النَّاسِ أبَدًا، وإنَّمَا يتَكَوَّنُ القُصُورُ مِنَ النَّاطِقِينَ بِهَا.

اصْطَبَغَ عَصْرُ الرِّسَالَةِ بكَوْنِهِ عَهْدَ النَّشْأةِ والتَّأسِيسِ للقَوَاعِدِ الأصُولِيَّةِ، الَّتِي انْطَلَقَتْ مِنَ الوَحْيِ الإلَهِيِّ المُتَمثِّلِ بالقُرْآنِ الكَرِيمِ والسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ المُطَهَّرَةِ، يُعَاوِنُهُ فِي إبْدَاءِ النُّصْحِ والرَّأيِ والمَشُورَةِ فَرِيقٌ مِنَ الصَّحَابَةِ الكِبَارِ، الَّذِينَ رَبَّاهُمْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وعَمِلَ عَلَى تَأهِيلِهِمْ، وأثَارَ فِيهِمْ دَوَافِعَ الاجْتِهَادِ والنَّظَرِ، واجْتَهَدَ فِي مَحْضَرِهِمْ لِيَكتَسِبُوا آلِيَّةَ الاجْتِهَادِ، ويَشْحَذُوا فِكْرَهُمْ فِي تَأمُّلِ الوَقَائِعِ، والبَحْثِ فِي الاستِفْتَاءَاتِ والمَسَائِلِ، لاستِنبَاطِ الفَتَاوَى والأحْكَامِ المُنَاسِبَةِ.

فاجْتَهَدَ الصَّحَابَةُ عَلَى عَيْنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وعِنْدَ غِيَابِهِ، فيُقِرُّهُم عَلَى مَا أصَابُوا فِيهِ، ويُصَحِّحُ لَهُمْ مَا جَانَبُوا فِيهِ الحَقَّ. هَادِفًا إلَى تَعْلِيمِهِمْ طُرُقَ التَّفْكِيرِ المَنْطِقيِّ السَّلِيمِ، عَنْ طَرِيقِ تَعْلِيلِ الأحْكَامِ، وإقْرَارِ بَعْضِ الاجْتِهَادَاتِ ونَقْضِ بَعْضِهَا الآخَرِ.

فَعُرِفَ عَهْدُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بمَرْحَلَةِ البِدَايَةِ لنَشْأةِ القَوَاعِدِ الأصُولِيَّةِ، الَّتِي أُتِيحَ لَهَا أنْ تتَطَوَّرَ فِي العُهُودِ المُتَتَالِيَةِ، حَتَّى اسْتَقَامَتْ قَوَاعِدَ مُتَكَامِلَةً

يتَدَارَسُهَا الأصُولِيُّونَ، عَلَى مَائِدَةِ الطَّرْحِ العِلْمِيِّ.

مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ:

قِيَاسُ المُمَاثَلَةِ(28) :

قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: هَشِشْتُ(29) يَوْمًا، فقَبَّلْتُ وأنَا صَائِمٌ! فَأتَيْتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، فقُلْتُ: صَنَعْتُ اليَوْمَ أمْرًا عَظِيمًا؛ فقَبَّلْتُ وأنَا صَائِمٌ! فقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أرَأَيْتَ لَوْ تمَضْمَضْتَ بمَاءٍ وأنْتَ صَائِمٌ؟» . قُلْتُ: لا بَأسَ بذَلِكَ. فقَالَ: «فَفِيمَ؟!»(30) .

وَجْهُ الدَّلالَةِ: أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وسلم شَبَّهَ القُبْلَةَ الَّتِي لَمْ يَعْقِبْهَا إنْزَالٌ، بالمَضْمَضَةِ الَّتِي لَمْ يَعْقِبْهَا شُرْبٌ، بجَامِعِ انْتِفَاءِ الثَّمَرَةِ المَقْصُودَةِ مِنَ المَوْضِعَينِ. وهَذَا هُوَ عَيْنُ القِيَاسِ(31)

وحَيْثُ إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدِ اسْتَعْمَلَ المَسَالِكَ القِيَاسِيَّةَ فِي تَبْيِينِ الأحْكَامِ، فَهَذَا يتَضَمَّنُ –نَافِلَةً- الإشَارَةَ إلَى مَشْرُوعِيَّةِ الاجْتِهَادِ بالرَّأيِ.

ثُمَّ تَولَّى الخِلافَةَ أبُو بَكْرٍ، فَكَانَ أحْرَصَهُمْ عَلَى اتِّبَاعِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم فِي كُلِّ أعْمَالِهِ وأحْوَالِهِ. عَنْ مَيمُونِ بْنِ مِهْرَانَ (ت117هـ) رحمه الله(32) قَالَ: «كَانَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه إذَا وَرَدَ عَلَيْهِ الخَصْمُ، نَظَرَ فِي كِتَابِ اللهِ، فَإنْ وَجَدَ فِيهِ مَا يَقْضِي بَينَهُم، قَضَى بِهِ. وإنْ لَمْ يَكُنْ فِي الكِتَابِ، وعَلِمَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ الأمْرِ سُنَّةً، قَضَى بِهِ.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَإنْ أعْيَاهُ؛ خَرَجَ فَسَألَ المُسْلِمِينَ، وقَالَ: أتَانِي كَذَا وكَذَا، فَهَلْ عَلِمْتُم أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى فِي ذَلِكَ بقَضَاءٍ؟ فرُبَّما اجْتَمَعَ إلَيْهِ النَّفَرُ كُلُّهُم يَذْكُرُ مِنْ رَسُولِ صلى الله عليه وسلم فِيهِ قَضَاءً. فيَقُولُ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه: الحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِينَا مَنْ يَحْفَظُ عَلَى نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم.

فَإنْ أعْيَاهُ أنْ يَجِدَ فِيهِ سُنَّةً مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؛ جَمَعَ رُؤُوسَ النَّاسِ وخِيَارَهُم فاسْتَشَارَهُم، فَإذَا اجْتَمَعَ رَأيُهُم عَلَى أمْرٍ، قَضَى بِهِ»(33) .

يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا الأثَرِ: عَرْضُ المَنْهَجِ الأصُولِيِّ لأبِي بَكْرٍ، فِي تَرتِيبِ مَصَادِرِ الاسْتِدْلالِ، عَلَى طَرِيقَةٍ هَرَمِيَّةٍ مُنْضَبِطَةٍ. مُنْطَلِقًا مِنَ الوَحْيَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، مُنْتَهِيًا إلَى اجْتِهَادِ رَأيِهِ، حَسْبَمَا يَفْتَحُ اللهُ عَلَيْهِ مُرَاعِيًا جَانِبَ المَصْلَحَةِ فِي كُلٍّ.

مِنَ القَوَاعِدِ الأصُولِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ مَلْحُوظَةً فِي اجْتِهَادِ أبِي بَكْرٍ رضي الله عنه:

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حَمْلُ الألْفَاظِ العَامَّةِ عَلَى مُخَصِّصَاتِهَا(34) :

مِثَالُهُ:

قِتَالُ مَانِعِي الزَّكَاةِ:

حَصَلَتْ مُنَاظَرَةٌ جَدَلِيَّةٌ بَيْنَ الخَلِيفَةِ وعُمَرَ، إذْ ذَهَبَ الأخِيرُ إلَى إجْرَاءِ النُّصُوصِ عَلَى العُمُومِ. فاحْتَجَّ عَلَى أبِي بَكْرٍ بقَولِهِ: كَيْفَ تُقَاتِلُ هَؤُلاءِ القَوْمَ وهُم يُصَلُّونَ(35) ؟! وقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أُمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لا إلَهَ إلاَّ اللهُ. فَإذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُم وأمْوَالَهُم»(36) .

فاسْتَخْلَصَ مِنَ العُمُومِ المُسْتَفَادِ مِنِ اقْتِرَانِ الألِفِ واللاَّمِ فِي لَفْظِ: «النَّاسَ»، وضَمِيرِ الجَمْعِ: «حَتَّى يَقُولُوا، قَالُوهَا، عَصَمُوا»، ثُمَّ الجَمْعِ المُضَافِ: «دِمَاءَهُم وأمْوَالَهُم»: عَدَمَ جَوَازِ القِتَالِ بَعْدَ النُّطْقِ بالإسْلامِ، لتَحْصِينِهِ الدِّمَاءَ والأمْوَالَ.

إلاَّ أنَّ أبَا بَكْرٍ قَلَبَ الدَّلِيلَ عَلَى عُمَرَ، وتَعَلَّقَ بوُرُودِ الاسْتِثْنَاءِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فِيهِ، لجِهَةِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «إلاَّ بحَقِّهَا». ودَلَّ عَلَى أنَّ الزَّكَاةَ مِنْ حَقِّهَا، وأنَّ اللهَ تَعَالَى فَرَضَ الصَّلاةَ والزَّكَاةَ جَمِيعًا ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، وأبَى أنْ يَقْبَلَ الصَّلاةَ إلاَّ بالزَّكَاةِ، اسْتِنَادًا إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِن تابوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإِخوانُكُم فِي الدّينِ﴾(37)

فقَالَ أبُو بَكْرٍ: «واللهِ، لأُقاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ والزَّكَاةِ؛ فإنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ. واللهِ، لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا(38) كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لقَاتَلْتُهُم عَلَى مَنْعِهَا».

قَالَ عُمَرُ: «فَوَاللهِ، مَا هُوَ إلاَّ أنْ قَدْ شَرَحَ اللهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ، فعَرَفْتُ أنَّهُ الحَقُّ(39) . فقَاتَلْنَا مَعَهُ، فرَأيْنَا ذَلِكَ رُشْدًا»(40) .

وإنَّمَا عَرَفَ عُمَرُ الحَقَّ بِمَا ظَهَرَ مِنَ الدَّلِيلِ الَّذِي أقَامَهُ أبُو بَكْرٍ.

قَضَاؤُهُ بعَدَمِ تَورِيثِ ذُرِّيَّةِ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأنبِيَاءِ:

احْتَجَّتِ السَّيِّدَةُ فَاطِمَةُ رضي الله عنها عَلَى أبِي بَكْرٍ فِي عَدَمِ تَوْرِيثِهَا مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يوصيكُمُ اللَّهُ في أَولادِكُم ۖ لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ(41) ۚ﴾ ، بِدَلالَةِ أنَّ (الأوْلادَ) اسْمُ جِنْسٍ يُفِيدُ العُمُومَ.

فلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا الخَلِيفَةُ هَذَا الفَهْمَ، بَلْ عَدَلَ إلَى دَلِيلٍ أفَادَ تَخْصِيصَ هَذَا العُمُومِ، ورَوَى لَهَا قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا: صَدَقَةٌ». وقَالَ مُعْتَذِرًا: «لَسْتُ تَارِكًا شَيْئًا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَعْمَلُ بِهِ إلاَّ عَمِلْتُ بِهِ؛ فَإنِّي أخْشَى إنْ تَرَكْتُ شَيْئًا مِنْ أمْرِهِ أنْ أزِيغَ»(42) .

فيُلْحَظُ مِن خِلالِ هَذَينِ المِثَالَينِ كَيْفَ أنَّ القَوَاعِدَ الأصُولِيَّةَ كَانَتْ مَلَكَةً حَاضِرَةً فِي أذْهَانِ مُجتَهِدِي الصَّحَابَةِ، يُكَيِّفُونَ بِهَا المَسَائِلَ الشَّرْعِيَّةَ، ويُرَاعُونَهَا فِي الاسْتِنْبَاطِ والاسْتِدْلالِ، ثُمَّ تَطَوَّرَتْ بَعْدُ صِنَاعَةً وفَنًّا.

والحَقِيقَةُ أنَّ لعُمَرَ يَدًا طُولَى فِي تَطْوِيرِ المَنَاهِجِ، وازْدِهَارِ الحَيَاةِ العِلْمِيَّةِ، إبَّانَ خِلافَتِهِ الرَّاشِدَةِ، أسْهَمَ فِيهَا بشَكْلٍ مُبَاشِرٍ بتَوْقِيعِ الفَتَاوَى وإصْدَارِ الأحْكَامِ، لمُشْكِلاتٍ وأحْدَاثٍ طَلَّتْ برَأسِهَا، دَعَتْ إلَى وُجُودِ مُجْتَهِدٍ مُبَرَّزٍ كعُمَرَ.

المَبْحَثُ الثَّانِي: دَوْرُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ فِي التَّشْرِيعِ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أوَّلاً: عُمَرُ شَارِحًا للوَحْيِ الإلَهِيِّ:

يُعْتَبَرُ عَصْرُ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ – بشَكْلٍ عَامٍّ- فَاتِحَةَ الدَّوْرِ الثَّانِي مِنْ أدْوَارِ التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ، فَهُوَ المَرْحَلَةُ الأولَى بَعْدَ عَصْرِ التَّأسِيسِ، الَّذِي تَطَوَّرَتْ فِيهِ المَصَادِرُ الشَّرْعِيَّةُ. وهُوَ دَوْرُ البِنَاءِ والكَمَالِ أوِ الشَّبَابِ، فِي اعْتِبَارِ المُؤَرِّخِينَ للفِقْهِ الإسْلامِيِّ(43) .

ويُعَدُّ عَهْدُ عُمَرَ أزْهَرَ عُهُودِهَا المُبَارَكَةِ، وأكْثَرَهَا إنْتَاجًا وحَيَوِيَّةً، لأسْبَابٍ مِنْهَا:

لِمَا تَمَّ فِيهِ مِنَ الفُتُوحَاتِ، واتِّسَاعِ رُقْعَةِ الدَّوْلَةِ، حَتَّى جَاوَرَتْ حُدُودَ فَارِسَ وبِلادِ الشَّامِ ومِصْرَ والعِرَاقِ.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولِمَا تَقَرَّرَ فِيهِ مِنَ النُّظُمِ السِّيَاسِيَّةِ، والإدَارِيَّةِ، والقَضَائِيَّةِ، والمَالِيَّةِ لِلدَّوْلَةِ الإسْلامِيَّةِ. واسْتَوَتْ فِيهِ مَنَاهِجُ الاجْتِهَادِ التَّشْرِيعِيِّ، وأصُولُ النَّظَرِ الفِقْهِيِّ الصَّحِيحِ، ومَسَالِكُ الجَرْحِ والتَّعْدِيلِ، وضَوَابِطُ التَّخْرِيجِ والتَّأصِيلِ، وآدَابُ الجَدَلِ والخِلافِ، وقَوَاعِدُ التَّطْبِيقِ فِي النُّصُوصِ الحَدِيثِيَّةِ. وفِيْهِ ظَهَرَتْ مَدْرَسَتَا الفِقْهِ الإسْلامِيِّ: الأُولَى مُتَمَثِّلَةٌ بمَدْرَسَةِ أهْلِ الحَدِيثِ، والثَّانِيَةُ بمَدْرَسَةِ أهْلِ الرَّأيِ. ونَشِطَتِ الحَرَكَةُ العِلْمِيَّةُ عَلَى يَدِ طَبَقَةِ كِبَارِ التَّابِعِينَ، الَّذِينَ تَتَلْمَذُوا لفُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ، وتَخَرَّجُوا بأئِمَّتِهِم.

وقَدْ تَوَافَقَ عَدَدٌ مِنَ المُسْتَشْرِقِينَ عَلَى أنَّ عُمَرَ «قَامَ بدَوْرٍ كَبِيرٍ فِي تَنْظِيمِ الدَّوْلَةِ الدِّينِيَّةِ النَّاشِئَةِ... ووَضَعَ أسَاسَ كُلِّ التَّنْظِيمَاتِ الَّتِي سَارَتْ عَلَيْهَا الدَّوْلَةُ الإسْلامِيَّةُ بَعْدَ ذَلِكَ... حَتَّى عَدُّوهُ بِحَقٍّ المُؤَسِّسَ الثَّانِي للدَّوْلَةِ الإسْلامِيَّةِ»(44) . لِمَا امْتَازَ بِهِ مِنْ سَعَةِ الأفُقِ وتَوْسِيعِ مَجَالِ العَمَلِ بالرَّأيِ السَّدِيدِ.

نُقِلَتْ عَنْ عُمَرَ آرَاءٌ اجْتِهَادِيَّةٌ ذَاتُ فِكْرٍ أصُولِيٍّ ومَنْهَجٍ اسْتِدْلالِيٍّ، شَقَّ بِهِ الطَّرِيقَ نَحْوَ الإبْدَاعِ، وقَدْ «تَجَلَّتْ فِيهَا لِهَذَا الخَلِيفَةِ العَظِيمِ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عَبْقَرِيَّةٌ فِقْهِيَّةٌ، تَصْلُحُ أنْ تَكُونَ دُسْتُورًا لمِنْهَاجِ الفِقْهِ الوَاقِعِيِّ»(45) إذْ كَانَ أكْثَرَ الصَّحَابَةِ اسْتِعْمَالاً للرَّأيِ عُمُومًا(46) مَيَّالاً للمَصْلَحِيِّ مِنْهُ خُصُوصًا.

وتَجَلَّتْ بَصْمَتُهُ فِي فِقْهِ المَذَاهِبِ سِيَّمَا المَذْهَبَانِ الحَنَفِيُّ والمَالِكِيُّ، فأخَذَ الأوَّلُ بمَبْدَأ الاسْتِحْسَانِ، وأخَذَ الآخَرُ بقَاعِدَةِ المَصَالِحِ المُرْسَلَةِ، ومَبْدَأ سَدِّ الذَّرَائِعِ.

وإذَا كَانَ الإمَامُ الشَّافِعِيُّ هُوَ وَاضِعَ عِلْمِ أصُولِ الفِقْهِ، فِي «الرِّسَالَةِ» أوَّلِ كِتَابٍ يَصِلُ إلَيْنَا؛ فإنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه هُوَ مُنَظِّرُ هَذَا العِلْمِ(47) ، وفَالِقُ بَحْرِهِ العَمِيقِ، المُتَكَلِّمُ بأُسُسِهِ، النَّاظِمُ فُرُوعَهُ عَلَى مَنْهَجٍ تَشْرِيعِيٍّ قَوِيمٍ. وهَلِ اسْتَمَدَّتِ الأصُولُ الإجْرَائِيَّةُ مَشْرُوعِيَّتَهَا إلاَّ مِنْ تَطْبِيقَاتِ عُمَرَ ورِفَاقِهِ مِنْ مُقَدَّمِي فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ ومِنْ وَاقِعِ اجْتِهَادَاتِهِم؟!

مِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ، تَتَجَلَّى أهَمِّيَّةُ الدَّوْرِ العِلْمِيِّ الَّذِي زَاوَلَهُ عُمَرُ، تَحْدِيدًا إثْرَ وَفَاةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم ومُبَايَعَةِ أبِي بَكْرٍ بالخِلافَةِ، إلَى انْتِهَاءِ عَهْدِهِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المُبَارَكِ، فِي كَوْنِهِ شَارِحًا للوَحْيِ الإلَهِيِّ، ومُطَبِّقًا لِمُقَرَّرَاتِهِ التَّشْرِيعِيَّةِ، وفَاتِحًا بَابَ الاجْتِهَادِ الجَمَاعِيِّ والاسْتِصْلاحِيِّ، الدَّاعِي إلَيْهِ.

حَتَّى أيْقَظَ القِيمَةَ الذَّاتِيَّةَ للفِكْرِ الإنْسَانِيِّ، وأمْعَنَ فِي تَرْسِيخِ هَذَا المَفْهُومِ، مِنْ خِلالِ اجْتِهَادَاتِهِ التَّأصِيلِيَّةِ التَّنْظِيرِيَّةِ، فَضْلاً عَنْ تِلْكَ الاسْتِنْبَاطِيَّةِ فالتَّطْبِيقِيَّةِ، الَّتِي كَشَفَتْ عَنْ خُلُودِ الشَّرِيعَةِ بعُمُومِهَا وشُمُولِهَا ومُرُونَتِهَا.

يَقُولُ المُسْتَشْرِقُ كولسون(48) Coulson : «وَاجِبُ الخُلَفَاءِ ومُسْتَشَارِيهِم العَمَلُ عَلَى اطِّرَادِ تَحْقِيقِ النُّصُوصِ القُرْآنِيَّةِ وتَطْبِيقِهَا فِي الوَاقِعِ، بنَفْسِ الرُّوحِ الَّتِي أذْكَاهَا فِيهِم قَائِدُهُمُ الأوَّلُ»(49) .

اكْتَسَبَتْ تَأصِيلاتُهُ التَّشْرِيعِيَّةُ قِيمَةً عِلْمِيَّةً عَظِيمَةً، دَعَتِ الأصُولِيِّينَ إلَى بَحْثِهَا وشَرْحِهَا والتَّخْرِيجِ عَلَيْهَا، وتَلَقَّى الفُقَهَاءُ فُرُوعَهُ باحْتِفَاءٍ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بَالِغٍ. يَقُولُ أحْمَدُ أمِينٌ (ت1373هـ)(50) «كَانَ لعُمَرَ مِنَ التَّشْرِيعِ فِي المَسَائِلِ الاقْتِصَادِيَّةِ، والسِّيَاسِيَّةِ، والعُمْرَانِيَّةِ، مَا كَانَ أصْلاً للفُقَهَاءِ مِنْ بَعْدِهِ. ولذَلِكَ يَقُولُ فِيهِ الفُقَهَاءُ فِي بَابِ الجِهَادِ والسِّيَرِ...: إنَّهُ العُمْدَةُ فِي هَذَا البَابِ»(51)

لذَلِكَ، يَنْبَغِي الالْتِفَاتُ إلَى أمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: إنَّ اجْتِهَادَ عُمَرَ عُمُومًا- لا يَتَطَلَّبُ اسْتِدْلالاً لَهُ، عَلَى اعْتِبَارِ أنَّهُ حُجَّةٌ بذَاتِهِ، مَا لَمْ يُخَالِفْ كِتَابًا، أوْ سُنَّةً، أوْ إجْمَاعًا سَابِقًا(52)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

اسْتِنَادًا إلَى مَا دَلَّ عَلَيْهِ النَّصُّ، عَلَى نَحْوِ مَا قَرَّرَهُ الإمَامُ الشَّافِعِيُّ (ت204هـ) رحمه الله، فِي مَا وَرَدَ عَنْهُ أنَّهُ قَالَ مَرَّةً بمَكَّةَ، وأخْرَى ببَيْتِ المَقْدِسِ: «سَلُونِي عَمَّا شِئْتُم؛ أُخْبِرْكُم عَنْهُ مِنْ كِتَابِ اللهِ«. فَقِيلَ لَهُ: مَا تَقُولُ فِي المُحْرِمِ: يَقْتُلُ الزُّنْبُورَ(53)

فَقَالَ: ﴿بِسمِ اللَّهِ الرَّحمـٰنِ الرَّحيمِ﴾، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَما آتاكُمُ الرَّسولُ فَخُذوهُ وَما نَهاكُم عَنهُ فَانتَهوا﴾(54) وعَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «اقْتَدُوا باللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أبِي بَكْرٍ، وعُمَرَ»(55) وعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

«أنَّهُ أمَرَ بقَتْلِ المُحْرِمِ الزُّنْبُورَ»(56)

الثاني: إنَّ تَشْرِيعَاتِ عُمَرَ لا تَحْتَاجُ إلَى تَبْرِيرٍ لتَتَلاءَمَ مَعَ النَّصِّ الدِّينِيِّ. بَلْ تَحْتَاجُ لمَنْ يَفْهَمُهَا، ويَكُونُ مُلِمًّا بمَفَاهِيمِ النُّصُوصِ، ومُطَّلِعًا عَلَى وَقَائِعِ الحَيَاةِ وظُرُوفِهَا فِي عَهْدِ عُمَرَ. فِي مُحَاوَلَةٍ مِنْهُ للاقْتِرَابِ مِنَ السَّمَاوَاتِ الَّتِي كَانَ يَرْتَادُهَا(57) . لأنَّ طَبِيعَةَ كُلِّ مَسْألَةٍ بِمَا يَحُوطُهَا مِنْ ظُرُوفٍ واعْتِبَارَاتٍ، تَخْتَلِفُ بِهَا عَمَّا يَحُوطُ غَيْرَهَا مِنَ المَسَائِلِ، مِمَّا يُؤَدِّي إلَى تَشَعُّبِ الطُّرُقِ الَّتِي يُمْكِنُ الوُصُولُ بِهَا إلَى الغَايَةِ.

وإنَّ الْتِزَامَ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ بتَطْبِيقِ التَّشْرِيعِ –بصُورَةٍ تَكْفُلُ تَحْقِيقَ مَصَالِحِ النَّاسِ- نَابِعٌ عَنْ فَهْمِهِ العَمِيقِ لمَضَامِينِ رِسَالَةِ السَّمَاءِ ومَرَامِيهَا وأبْعَادِهَا. ومِمَّا لا شَكَّ فِيهِ أنَّ التَّصَوُّرَ الصَّحِيحَ لمَهَمَّةِ التَّشْرِيعِ قَمِينٌ أنْ يُؤَدِّيَ عِنْدَ تَطْبِيقِهِ بطَرِيقَةٍ سَلِيمَةٍ إلَى تَحْقِيقِ الهَدَفِ. وعَلَيْهِ، فَكُلُّ مَا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يتَقَاعَدُ عَنْ هَذِهِ المَهَمَّةِ هُوَ خُرُوجٌ عَنِ التَّشْرِيعِ، أوْ سُوءُ تَطْبِيقٍ لَهُ. هَذَا مَا عَمِلَ الشَّاطِبِيُّ (ت790هـ) رحمه الله(58) عَلَى تَقْرِيرِهِ، إذْ يَقُولُ: «وَضْعُ الشَّرَائِعِ إنَّمَا هُوَ لمَصَالِحِ العِبَادِ فِي العَاجِلِ والآجِلِ مَعًا»(59)

ثَانِيًا: مَوارِدُ عُمرَ بَيْنَ النَّصِّ والاسْتِنبَاطِ:

لمْ يَرِدْ عَنِ الصَّحَابَةِ عُمُومًا- التَّصْرِيحُ بأصُولِهِمُ الَّتي اعْتَدُّوا بِهَا عِنْدَ الاجْتِهَادِ، ولَمْ يُفْصِحُوا عَنْ مَنْهَجِهِم فِي البَحْثِ عَنْ حُكْمٍ مَا، مِنْ هَذِهِ المَصَادِرِ إلاَّ مَا نَدَرَ. فلَزِمَ أنْ نَسِيرَ فِي ضَوْءِ التَّخْرِيجِ عَلَى الفُرُوعِ الوَارِدَةِ عنْ عُمَرَ، لاستِثْمَارِ فِكْرِهِ الأصُولِيِّ فِي الاجْتِهَادِ، وإظْهَارِ مَعَالِمِ مَنهَجِهِ وطَرَائِقِهِ الكُبْرَى. فلَحَظْتُ أصُولَهُ بتَتَبُّعِ شَتِيتِهِ المُتَفرِّقِ مِنْ فِقْهِهِ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الزَّكيِّ فِي كُتُبِ «المُصنَّفاتِ»، و«الآثَارِ»، وغَيْرِهَا. حَتَّى اسْتَبَانَ مَنهَجُهُ، وبَدَتْ مَسَالِكُهُ، وظَهَرَتْ مَدارِكُهُ. وحَيْثُ قَدْ صَدَرَتْ عَنْهُ رَسَائِلُ عِدَّةٌ فِي مَنهَجِيَّةِ القَضَاءِ، تتَضَمَّنُهَا رِسَالتَانِ مُحْكَمَتَانِ، فيُمكِنُ أنْ نَجْعَلَهُما دُسْتُورًا تَشْرِيعيًّا، نُفِيدُ مِنهُمَا تَصَوُّرًا عَامًّا لِمَنهَجِهِ الأصُولِيِّ.

لذَلِكَ، فإنَّ سَبِيلَ العِلْمِ بهَذِهِ الأصُولِ وتِلْكَ القَواعدِ، يَنْحُو مَنحَيينِ اثْنَينِ:

مِنهَا مَا أشَارَ إليْهَا فِي تَضَاعِيفِ كَلامِه وثَنَايَا خِطَابَاتِهِ، ونَصَّ عَلَيْهَا فِي رَسَائلِهِ ووَصَايَاه، أوْ سَبَقَ لَهُ أنْ سَألَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ مُتَعلِّقَاتِهَا، فأرْشَدَه إلَيْهَا كُليَّةً عَامَّةً. وأكْثَرُها أصُولٌ خَرَّجتُهَا عَلَى مُقتَضَى قَولِهِ، واستَنْبَطْتُهَا عَنْ طَرِيقِ الاسْتِقْرَاءِ لمَسَائِلِهِ وأقْضِيَتِه الَّتِي بَتَّ بِهَا.

أخْلُصُ إلَى أنَّ مَوَارِدَ عُمَرَ الاجْتِهَادِيَّةَ تُقْسَمُ إلَى قِسْمَينِ:

القِسْمُ الأوَّلُ: الأدِلَّةُ المَنْصُوصُ عليْهَا:

وهِيَ مَا نَطَقَتْ بِهَا شَفتَاهُ، أوْ خَطَّتْهَا أنَامِلُهُ، مِنْهَاجًا لوُلاتِهِ وقُضَاتِهِ، كَيْ يَقْتَفُوا أثَرَهَا فِي العِلْمِ بالحَلالِ والحَرَامِ، وسَائرِ شَرائعِ الإسْلامِ؛ كالكِتَابِ، والسُّنَّةِ، والشُّورَى، والقِيَاسِ... إلخ.

القِسْمُ الثَّانِي: الأدِلَّةُ المُسْتَنبَطَةُ:

وهِيَ مَا وَقفْتُ عليْهِ مِنْ خِلالِ تَتبُّعِ أقْضِيَتِه وفَتَاوِيهِ، وتَدَبُّرِهَا، ومُلاحَظَةِ المَوْرِدِ الَّذي بُنِيَتْ عَلَيْهِ؛ كَسَدِّ الذَّرَائِعِ، والاستِصْحَابِ، والاحْتِيَاطِ... إلخ.

بَرَزَتِ اجْتِهَادَاتُ عُمَرَ فِي مَنظُومَةٍ تَطْبِيقيَّةٍ مُتكَامِلَةٍ، كَشَفَتْ عَنْ قُدُرَاتِهِ الاجْتِهَادِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ عَصْرَ الرِّسَالَةِ فِي طَوْرِ النُّضُوجِ، وتَجَلَّتْ فِي مُوَافَقَاتِ الوَحْيِ لَهَا. وهُوَ الَّذِي تَمَرَّسَ عَلَى الاجْتِهَادِ والاسْتِنبَاطِ، وتَدَرَّبَ عَلَى مُوَاجَهَةِ القَضَايَا والمُشْكِلاتِ والصِّعَابِ، مِمَّا مَكَّنَهُ مِنَ النُّهُوضِ بِمَا أُنِيطَ بِهِ لاحِقًا، حَتَّى خَلَصَ إلَى تَطْبِيقِ الأصُولِ العَامَّةِ المُقرَّرَةِ عَلَى الحَوَادِثِ المُتَغيِّرَةِ .

ثَالِثًا: آلِيَّةُ تَفْكِيرِهِ فِي تَتَبُّعِ الأحْكَامِ:

أخْضَعَ عُمَرُ اجْتِهَادَاتِهِ ومُنَاقَشَاتِهِ إلَى قَوَاعِدَ مَحَّضَهَا واسْتَفَادَهَا مِنْ سَلِيقَتِهِ العَرَبِيَّةِ الخَالِصَةِ عَنْ شَوَائِبِ العُجْمَةِ، ومُعَايَشَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، ونُصُوصِ الوَحْيَيْنِ، وتَنَقَّلَ بَيْنَهَا مُسْتَثْمِرًا دَلالاتِهَا.

فَكَانَ إذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ قَضِيَّةٌ نَظَرَ إنْ كَانَ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا أوْ لا.

فَإنْ كَانَ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا، فَإمَّا أنْ يَكُونَ حَفِظَ فِيهَا نَصًّا، أوْ لا.

فَإنْ كَانَ يَحْفَظُ فِيهَا نَصًّا، نَظَرَ فِي القُرْآنِ، وإلاَّ فَفِي السُّنَّةِ.

وإنْ لَمْ يَكُنْ يَحْفَظُ فِيهَا نَصًّا؛ جَمَعَ النَّاسَ وسَألَهُم، فَلَنْ يُعْدَمَ سَامِعًا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُبَلِّغُهُ.

وإنْ لَمْ يَكُنْ مَنْصُوصًا عَلَيْهَا؛ عَادَ إلَى أقْضِيَةِ أبِي بَكْرٍ، لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهَا حُكْمًا.

فَإنْ لَمْ يَجِدْ؛ أدَارَ وُجُوهَ النِّقَاشِ مَعَ أهْلِ الاجْتِهَادِ، بِمَا لَدَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنِ اخْتِصَاصٍ لاحْتِمَالِهِ التَّجَزُّؤَ، فِي مَا قَرَّرَهُ ابنُ القَيِّمِ بِقَوْلِهِ: «الاجْتِهَادُ حَالَةٌ تَقبَلُ التَّجزُّؤَ والانْقِسَامَ، فيَكُونُ الرَّجُلُ مُجْتَهِدًا فِي نَوْعٍ مِنَ العِلْمِ، مُقلِّدًا فِي غَيْرِهِ أو فِي بَابٍ مِنْ أبْوَابِهِ»(60) . وهُوَ مَا فَطِنَ لَهُ عُمَرُ، إذْ جَاءَ فِي وَاحِدَةٍ مِنْ خُطَبِهِ التَّوْجِيهِيَّةِ: «مَنْ أرَادَ أنْ يَسْألَ عَنِ القُرْآنِ، فَلْيَأتِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ(61) . ومَنْ أرَادَ أنْ يَسْألَ عَنِ الفَرَائِضِ، فَلْيَأتِ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ(62) . ومَنْ أرَادَ أنْ يَسْألَ عَنِ الفِقْهِ، فَلْيَأتِ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ(63)(64) )( ».

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقَالَ فِي مَوْرِدٍ آخَرَ: «أقْرَؤُنَا: أُبَيٌّ، وأقْضَانَا: عَلِيٌّ»(65) .

وقَبْلَهُ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أرْحَمُ أُمَّتِي بأُمَّتِي: أبُو بَكْرٍ، وأشَدُّهُم فِي أمْرِ اللهِ: عُمَرُ، وأصْدَقُهُم حَيَاءً: عُثْمَانُ، وأقْرَؤُهُم لكِتَابِ اللهِ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وأفرَضُهُم: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وأعْلَمُهُم بالحَلالِ والحَرَامِ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، ألا وإنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ أمِينًا وإنَّ أمِينَ هَذِهِ الأُمَّةِ: أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ»(66) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يُوَصِّفُ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ العُمَرِيَّةَ فِي الاجْتِهَادِ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ رحمه الله، فيَقُولُ: «إنْ أعْيَاهُ أنْ يَجِدَ فِي القُرْآنِ والسُّنَّةِ؛ نَظَرَ: هَلْ كَانَ لأبِي بَكْرٍ فِيهِ قَضَاءٌ؟ فإنْ وَجَدَ أبَا بَكْرٍ قَدْ قَضَى فِيهِ بقَضَاءٍ؛ قَضَى بِهِ. وإلاَّ دَعَا رُؤُوسَ المُسْلِمِينَ وعُلَمَاءَهُم، فاستَشَارَهُم؛ فَإذَا اجْتَمَعُوا عَلَى الأمْرِ قَضَى بَيْنَهُم»(67) .

لَكِنَّ هَذِهِ الآلِيَّةَ يَنْبَغِي أنْ تُفْهَمَ فِي ضَوْءِ مُلابَسَاتِ كُلِّ قَضِيَّةٍ عَلَى حِدَةٍ، فَلا يَجُوزُ أنْ نَتَجَاهَلَ أحوال الوَقَائِعِ التَّارِيخِيَّةِ، والدَّوَافِعَ النَّفْسِيَّةِ والاجْتِمَاعِيَّةِ، وتَأثِيرَاتِهَا فِي تَكْيِيفِ المَسَائِلِ، مَعَ الأخْذِ بِعَيْنِ الاعْتِبَارِ تَدَخُّلاتِ وَلِيِّ الأمْرِ بِمَا أُنِيطَ بِهِ مِنْ سُلْطَةٍ فِي تَطْبِيقِ النُّصُوصِ عَلَى الحَوَادِثِ الوَاقِعَةِ، اسْتِنَادًا إلَى مَصَالِحِ النَّاسِ العَامَّةِ(68) .

بَعْدَ هَذَا التَّمْهِيدِ السَّرِيعِ، يَجْدُرُ البَدْءُ بدِرَاسَةِ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ لأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ عَلَى بَيِّنَةٍ، فَوْرَ الوُقُوفِ عَلَى مَلامِحِ شَخْصِيَّتِهِ العِلْمِيَّةِ، اسْتِنَادًا إلَى البَابِ الأوَّلِ المُعَدِّ لهَذِهِ الغَايَةِ.

البَابُ الأوَّلُ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ومَعَالِمُ الاجْتِهَادِ لَدَيْهِ

ويَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ اثْنَيْنِ، هُمَا:

الفَصْلُ الأوَّلُ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ومَلامِحُ شَخْصيَّتِهِ العِلْميَّةِ. الفَصْلُ الثَّانِي: مَعَالِمُ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ.

البَابُ الأوَّلُ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ومَعَالِمُ الاجْتِهَادِ لَدَيْهِ

لَمَّا كَانَتْ حَيَاةُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ عَامِرَةً بالمَحَطَّاتِ العِلْمِيَّةِ ذَاتِ الأبْعَادِ التَّشْرِيعِيَّةِ والمَقَاصِدِيَّةِ، وتَرْشَحُ بالفِكْرِ الحَضَارِيِّ المُوَاكِبِ للمَدَنِيَّةِ والعُمْرَانِ فِي جَدِيدِهَا الفُرُوعِيِّ باسْتِمْرَارٍ؛ كَانَ لا بُدَّ مِنْ دِرَاسَةِ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ سِيرَتُهُ الشَّخْصِيَّةُ، ومَا نَجَمَ عَنْهَا مِنِ انْعِكَاسَاتٍ امْتَدَّتْ ذُيُولُهَا فشَمَلَتْ بِيئَتَهُ ومُجْتَمَعَهُ، وطَاوَلَتْ مُحِيطَهُ وإقْلِيمَهُ، حَتَّى انْتَشَرَتْ فِي أرْجَاءِ الخِلافَةِ... ورَبْطِهَا بمَعَالِمِ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ لَدَيْهِ، ومَدَى إفَادَتِهِ مِنْ رُوحِ الشَّرِيعَةِ ومَعْقُولِيَّتِهَا فِي تَجَاوُبِهَا مَعَ احْتِيَاجَاتِ الإنْسَانِ، فِي مُخْتَلِفِ الزَّمَانِ والمَكَانِ سَرْمَدًا.

لذَلِكَ، جَاءَ هَذَا البَابُ مُشْتَمِلاً عَلَى فَصْلَيْنِ اثْنَيْنِ، هُمَا:

الفَصْلُ الأوَّلُ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ومَلامِحُ شَخْصيَّتِهِ العِلْميَّةِ. الفَصْلُ الثَّانِي: مَعَالِمُ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ.

الفَصْلُ الأوَّلُ

عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ومَلامِحُ شَخْصيَّتِهِ

العِلْميَّةِ

ويَشْتَمِلُ عَلَى أرْبَعَةِ مَبَاحِثَ، هِيَ:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: عُمَرُ مِنَ الجَاهِليَّةِ إلَى الإسْلامِ. المَبْحَثُ الثَّانِي: عُمَرُ مِنَ الخِلافَةِ إلَى الشَّهَادَةِ. المَبْحَثُ الثَّالِثُ: مَلامِحُ شَخْصِيَّةِ عُمَرَ العِلْميَّةِ. المَبْحَثُ الرَّابِعُ: عُمَرُ فِي فِكْرِهِ الأصُولِيِّ وآثَارِهِ الثَّقَافِيَّةِ.

الفَصْلُ الأوَّلُ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ومَلامِحُ شَخْصيَّتِهِ العِلْميَّةِ

التَّعَرُّفُ إلَى شَخْصِيَّةٍ عِلْميَّةٍ أصُولِيَّةٍ كَعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه، واكْتِشَافُ جَوْهَرِهِ، وإدْرَاكُ مَا امْتَازَ بِهِ عَنْ غَيرِهِ، حتَّى بَلَغَ شَأوًا عَظِيمًا... حَتْمًا يَكُونُ مِنْ خِلالِ دِرَاسَتِهِ دِرَاسَةً مُتأنِّيَةً، تَغُوصُ فِي النَّظَرِ إلَى أسْرَتِهِ، ونَشْأتِهِ، وصِفَاتِهِ، وأخْلاقِهِ، وفَضَائِلِهِ، وعِلْمِهِ ومُكْتَسَبَاتِهِ الحَيَاتِيَّةِ، ودَوْرِهِ فِي حَيَاةِ العُظَمَاءِ، وعَلاقَتِهِ مَعَ المُبرَّزِينَ فِي زَمَانِهِ، وإنْجَازَاتِهِ كَخَلِيفَةٍ مُجتَهِدٍ... مَا حَدَا بالفَارُوقِ أنْ يَكُونَ مُميَّزًا فِي كُلِّ شَيْءٍ.

وحَيْثُ إنَّ سِيرَةَ عُمَرَ كُتِبَ فِيهَا الكَثِيرُ، ولا أُرِيدُ الاسْتِقْصَاءَ بقَدْرِ مَا أبْغِي الوُقُوفَ عَلَى أهَمِّ مَلامِحِ شَخْصِيَّتِهِ العِلْمِيَّةِ.

لذَلِكَ، جَاءَ الحَدِيثُ مُنتَظَمًا ضِمْنَ المَبَاحِثِ الأرْبَعَةِ الآتِيَةِ، باخْتِصَارٍ وإيجَازٍ:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: عُمَرُ مِنَ الجَاهِليَّةِ إلى الإسْلامِ. المَبْحَثُ الثَّانِي: عُمَرُ مِنَ الخِلافَةِ إلى الشَّهَادَةِ. المَبْحَثُ الثَّالِثُ: مَلامِحُ شَخْصِيَّةِ عُمَرَ العِلْميَّةِ. المَبْحَثُ الرَّابِعُ: عُمَرُ فِي فِكْرِهِ الأصُولِيِّ وآثَارِهِ الثَّقَافِيَّةِ.

المَبْحَثُ الأوَّلُ: عُمَرُ مِنَ الجَاهِليَّةِ إلى الإسْلامِ

كتَرْجَمَةٍ مُقْتَضَبَةٍ تُكتَبُ فِي حَيَاةِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، فِي الجَاهلِيَّةِ والإسْلامِ، نَحْتَاجُ إلَى استِطْلاعِ نَشْأتِهِ، وإسْلامِهِ، والإلْمَامِ بأبْرَزِ جُهُودِهِ فِي عَهْدِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وخَلِيفَتِهِ أبِي بِكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه.

لِذَا، جَاءَ هَذَا المَبْحَثُ فِي مَطْلَبَينِ اثْنَينِ، هُمَا:

المَطلَبُ الأوَّلُ: بَاقَةُ أُنْسٍ وإطْلالَةُ نَسَبٍ. المَطْلَبُ الثَّانِي: عُمَرُ في عَهْدِ صَاحِبَيهِ.

المَطلَبُ الأوَّلُ: بَاقَةُ أُنْسٍ وإطْلالَةُ نَسَبٍ

أوَّلاً: بِطاقَتُهُ الشَّخْصيَّةُ:

اسْمُهُ ونَسَبُهُ، كُنْيَتُهُ ولَقَبُهُ:

هُوَ: الفَارُوقُ(69) ، عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ بْنِ نُفَيلِ بْنِ عَبْدِ العُزَّى بْنِ رِيَاحِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رِزَاحِ بْنِ عَدِيٍّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ، القُرَشِيُّ، العَدَوِيُّ(70) .

كُنْيَتُهُ: أبُو حَفْصٍ(71) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهُوَ ثَانِي الخُلفَاءِ الرَّاشدِينَ، وأوَّلُ مَن لُقِّبَ بأمِيرِ المُؤمنِينَ(72) .

أمُّهُ: حَنْتَمَةُ بْنَتُ هَاشمِ(73) بْنِ المُغيرَةِ (ذِي الرُّمْحَينِ) بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخزُومِ بْنِ يَقظةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ(74) .

تتَجَلَّى مِنْ خِلالِ استِعْرَاضِ هَذَا النَّسَبِ الشَّرِيفِ –بأصْلَيْهِ- المُلاحَظَاتُ الآتِيَةُ:

يَلتَقِي عُمَرُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الجَدِّ الثَّامِنِ: كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ (ت173ق هـ)، الَّذِي كَانَ عَظِيمَ القَدْرِ والشَّأنِ عِنْدَ العَرَبِ، حَتَّى أرَّخُوا بسَنَةِ وَفَاتِهِ إلَى عَامِ الفِيلِ(75) وجَدُّهُ: نُفَيْلُ بْنُ عَبْدِ العُزَّى (ت50 ق هـ) شَرِيفٌ نَبِيلٌ، تَحَاكَمَتْ إلَيْهِ قُرَيشٌ(76)

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأبُوهُ: الخَطَّابُ، رَجُلٌ ذَكِيٌّ شَرِيفٌ مَوْفُورُ الاحْتِرَامِ فِي قَوْمِهِ، عَلَى غِلْظَةٍ وفَظَاظَةٍ فِيهِ، شُجَاعٌ يَخُوضُ المَعَارِكَ عَلَى رَأسِ بَنِي عَدِيٍّ فِي جُرْأةٍ وثَبَاتٍ(77) وقَبِيلَةُ بَنِي عَدِيٍّ، مِنْ كِرَامِ النَّاسِ، كَانُوا عَلَى قِلَّةِ عَدَدِهِم ذَوِي دِرَايَةٍ وحِكْمَةٍ، قَدَّمَهُم عِلْمُهُم إلَى مَكَانِ السِّفَارَةِ؛ يتَحَدَّثُونَ عَنْ قُرَيْشٍ إلَى غَيْرِهَا مِنَ القَبائِلِ. وأدَّتْ بِهِمُ الحِكْمَةُ أنْ ظَهَرَ بَيْنَهُم زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ابْنِ عَمِّ عُمَرَ، أحَدُ مَنِ اعْتَزَلُوا عِبَادَةَ الأوْثَانِ، وامْتَنَعُوا مِنْ أكْلِ ذَبَائِحِهِم(78) قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ أمَّةً وَحْدَهُ»(79) وأمُّهُ حَنْتَمَةُ، هِيَ:

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ابْنَةُ عَمِّ أبِي جَهْلٍ (ت2هـ)(80) تَلتَقِي مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي جَدِّهَا الخَامِسِ: مُرَّةَ. وجَدُّهُ الثَّانِي لأمِّهِ: المُغِيرَةُ المَخْزُومِيُّ(81) سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِ قُرَيشٍ، وبَطَلٌ مُهَابٌ، كَانَتْ لَهُ إمَارَةُ الجُنْدِ، فلذَلِكَ لُقِّبَ: صَاحِبَ الأعِنَّةِ(82) وهُوَ أوَّلُ مَنْ نَصَحَ إلَى عَبْدِ المُطَّلِبِ(83) جَدِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ألاَّ يَذْبَحَ ابْنَهُ عَبْدَ اللهِ(84) وَفَاءً لنَذْرِهِ.

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فعُمَرُ قُرَشِيٌّ عَدَوِيٌّ مِنْ جِهَةِ أبِيهِ، قُرَشِيٌّ مَخْزُومِيٌّ مِنْ جِهَةِ أمِّهِ. تَحَصَّلَ أجْدَادُهُ عَلَى مَكَانَةٍ عَظِيمَةٍ فِي بَنِي قَوْمِهِم. جَعَلَ هَذَا النَّسَبُ مِنْ عُمَرَ مَحَطَّ أنْظَارِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، لِمَا تَجَسَّدَ فِي شَخْصِهِ الكَرِيمِ مِنْ مَوْرُوثَاتِ الأجْدَادِ الكِبَارِ، وحَسْبُكَ بِهِ فَخْرًا لقَبِيلَةٍ يَنْتَمِي إلَيْهَا(85)

يُسْتَنتَجُ أنَّهُ لا صِحَّةَ لِمَا سَوَّدَتْ بِهِ صَفَحَاتِهَا مَصَادِرُ قَدِيمَةٌ مَوْبُوءَةٌ، وعَادَتْ فتَلوَّثَتْ بِهَا أيَادٍ آثِمَةٌ! بِمَا يُخَالِفُ النَّقْلَ الصَّحِيحَ عَنْ نَسَبِ عُمَرَ رضي الله عنه(86) .

مَوْلِدُهُ:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وُلِدَ عُمَرُ بمَكَّةَ، بمَنَازِلِ بَنِي عَدِيٍّ(87) ، فِي دَارِ وَالِدِهِ الخَطَّابِ، عَنْ يَسَارِ الدَّاخِلِ مِنْ بَابِهَا، بَعْدَ عَامِ الفِيلِ بثَلاثَةَ عَشَرَ عَامًا(88) ، أيْ: سَنَةَ (40 ق هـ=584م).

ومَعْلُومٌ أنَّ عَامَ الفِيلِ هوَ العَامُ الَّذِي وُلِدَ فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، سَنَةَ (571م). فعَلَى هَذَا يَكُونُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أسَنَّ مِنْ عُمَرَ بثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً. يَشْهَدُ لِهَذَا مَا ثَبَتَ مِنْ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وأبَا بَكْرٍ وعُمَرَ، مَاتُوا كُلُّهُم وهُم أبْنَاءُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ(89) .

وبَيَانُهُ: أنَّ عُمَرَ مَكَثَ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ثَلاثَةَ عَشَرَ عَامًا، فيَكُونُ عُمْرُهُ يَوْمَ وَفَاتِهِ مُسَاوِيًا لعُمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ رَحِيلِهِ إلَى الرَّفِيقِ الأعْلَى.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثَانِيًا: نَشْأتُهُ وأثَرُهَا فِي صَقْلِ شَخْصيَّتِهِ:

عَاشَ عُمَرُ فِي صِغَرِهِ حَيَاةَ الفَقْرِ والعَوَزِ، وتَذَوَّقَ شَظَفَ العَيْشِ وقَسْوَتَهُ. مَا جَعَلَ مِنْ نَفْسِهِ قَوِيَّةً تُقَاوِمُ الصِّعَابَ، وذَاتِهِ أشَدَّ تَحَمُّلاً للمَسْؤُولِيَّةِ، وحَيَاتِهِ أبْعَدَ عَنِ الدَّعَةِ والتَّرَفِ. أمْضَى شَطْرًا مِنْ عُمْرِهِ فِي الجَاهِليَّةِ بَيْنَ أهْلِهِ وعَشِيرَتِهِ. وتَرَبَّى فِي كَنَفِ وَالِدِهِ، الَّذِي كَانَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ، مَا فَتِئَ يُكَلِّفُهُ بالشَّاقِّ مِنَ العَمَلِ، ثُمَّ يَضْرِبُهُ ضَرْبًا شَدِيدًا إذا قَصَّرَ.

وَرِثَ عُمَرُ عَنِ الخَطَّابِ طِبَاعَهُ الصَّارِمَةَ، الَّتي لا تَعْرِفُ الخَوَرَ، فعَاشَ حَازِمًا لا يُدَانِيهِ التَّرَدُّدُ، ومُصَمِّمًا لا يَقْبَلُ أنْصَافَ الحُلُولِ.

أثَّرَتْ فِيهِ الجَاهِليَّةُ إذْ نَشَأَ فِي أحْضَانِ الوَثَنيَّةِ، حتَّى غَدَا مُعَادِيًا لِلدِّينِ الجَدِيدِ كَأشَدِّ مَا يَكُونُ العَدَاءُ، ثم سُرْعَانَ مَا يَنقَلِبُ بَعْدَ إسْلامِهِ عَلَى الشِّرْكِ وأهْلِهِ جُملَةً وَاحِدَةً، وتتَحَوَّلُ صَرَامَتُهُ عَلَى أعْدَاءِ اللهِ، واستَفَادَ المُسْلِمُونَ مِنْ قُوَّتِهِ فِي الحَقِّ.

صَحِبَ الخَمْرَ، وأحَبَّهَا فعَاقَرَهَا بنَهَمٍ(90) فلمَّا دَخَلَ شُعَاعُ الإيمَانِ قَلْبَهُ أُلهِمَ بُغْضَهَا، فدَعَا اللهَ أنْ يُبَيِّنَ فِي الخَمْرِ حُكْمَهُ، حتَّى إذَا نَزَلَ تَحْرِيمُهَا قَالَ: «انْتَهَينَا، انْتَهَينَا»(91) وبَاتَ بَعْدَ إسْلامِهِ مِنْ أبْعَدِ النَّاسِ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عَنْهَا، وأكْثَرِهِمْ كَرَاهِيةً لَهَا.

وحَيْثُ إنَّ عُمَرَ عَاشَ فِي أوْحَالِ الجَاهِلِيَّةِ وتَلَطَّخَ بِهَا، وأدْرَكَ خُطُورَتَهَا... ثُمَّ لَمَّا عَاشَ فِي رِحَابِ الإسْلامِ؛ تَلَمَّسَ حَفَاوَةَ الإيمَانِ... فَقَدْ خَشِيَ عَلَى الإسْلامِ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدِ الجَاهلِيَّةَ ولا عَرَفَ لَوْثَتَهَا. وصَرَّحَ بذَلِكَ عَلَى طَرِيقَتِهِ المَوْهُوبَةِ، فَقَالَ:

«قَدْ عَلِمْتُ -وَرَبِّ الكَعْبَةِ- مَتَى تَهْلِكُ العَرَبُ». فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَالَ: مَتَى يَهْلِكُونَ؟ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ! قَالَ: «حِينَ يَسُوسُ أمَرَهُمْ مَنْ لَمْ يُعَالِجْ أمْرَ الجَاهِلِيَّةِ، [فيَأخُذُ بأحْلامِهِمْ]، ولَمْ يَصْحَبِ الرَّسُولَ صلى الله عليه وسلم [فيُقيِّدُهُ الوَرَعُ]»(92) . كَأنَّهُ يَقُولُ: «إنَّمَا تُنْقَضُ عُرَى الإسْلامِ عُرْوَةً عُرْوَةً إذَا نَشَأ فِي الإسْلامِ مَنْ لا يَعْرِفُ الجَاهِليَّةَ»(93) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عَلَى الرَّغْمِ مِنْ إجْحَافِ الجَاهِليَّةِ بطَبِيعَتِهَا الشِّرْكيَّةِ، وانْعِكَاسَاتِهَا الضَّاغِطَةِ عَلَى شَخْصِيَّةِ عُمَرَ، نَظَرًا للظُّرُوفِ القَاهِرَةِ الَّتِي عَاشَهَا؛ فَقَدِ اسْتَطَاعَ أنْ يتَحَصَّلَ مِنْهَا عَلَى مُكْتَسَباتٍ هَامَّةٍ عَادَتْ عَلَيْهِ بالخَيْرِ العَمِيمِ والفَضْلِ الجَزِيلِ، أسْهَمَتْ فِي تَكْوِينِ شَخْصِيَّتِهِ العِلْمِيَّةِ والقِيَادِيَّةِ، مِنْهَا:

تَحْصِيلُهُ مَهَارَاتٍ عَدِيدَةً بَدَنِيَّةً وعِلْمِيَّةً:

حَذَقَ عُمَرُ مِن أوَّلِ شَبَابِهِ ألْوَانًا مِن رِيَاضَةِ البَدَنِ؛ كالمُصَارَعَةِ، ورُكُوبِ الخَيْلِ والفُرُوسِيَّةِ. كَذَلِكَ تذَوَّقَ الشِّعْرَ ورَوَاهُ، وكَانَتْ لَهُ مُشارَكَةٌ فِي عُلُومٍ أخْرَى مُهِمَّةٌ(94) .

امتِهَانُ عَمَلٍ للرِّزْقِ:

أرَادَ اللهُ عز وجل أنْ يُهيِّئَ عُمَرَ رضي الله عنه لقِيَادَةِ النَّاسِ. واللهُ إذَا أرَادَ أمْرًا يَسَّرَ أسْبَابَهُ، مِن هَذِهِ الأسْبَابِ مُزَاوَلَةُ الأشْغَالِ، الَّتي مِنهَا:

عَمَلُهُ بالرَّعْيِ(95) وهُوَ مَظْهَرٌ هَامٌّ فِي تَدْبِيرِ الشُّؤُونِ، وسِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ، واكْتِسَابِ مَهَارَةِ الحِكْمَةِ والصَّبْرِ. ثُمَّ اشتِغَالُهُ بالتِّجَارَةِ، مِمَّا خَوَّلَهُ أنْ يتَعَرَّفَ بدِقَّةٍ إلَى أخْلاقِ النَّاسِ وطِبَاعِهِمْ. ولا زَالَتْ مُصَاحِبَتَهُ يَشْتَغِلُ بِهَا بَعْدِ إسْلامِهِ(96) مِنْ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أجْلِ الكَسْبِ لِعِيَالِهِ(97) وعَمِلَ بِهَا بَعْدَ تَوَلِّيهِ الخِلافَةَ، لِيَتَعَفَّفَ عَنِ النَّاسِ، فاحْتَرَفَ فِي مَالِ نَفْسِهِ(98) وجَهَّزَ عِيرًا فِي تِجَارَةٍ لَهُ وبَعَثَهَا إلى الشَّامِ(99) وتَزَوَّدَ مِنهَا برَصِيدٍ وَافِرٍ، سَاهَمَ بِهِ –لاحِقًا- فِي نَشْرِ دَعْوَةِ الإسْلامِ، وتَرْغِيبِ النَّاسِ بِهِ(100)

مُزَاوَلَةُ أعْمَالٍ خَطِيرَةٍ:

تَوَارَثَ عُمَرُ عَن أجْدَادِهِ مَكَانَةً عَظِيمَةً، أكْسَبَتْهُ خِبْرَةً فِي الحَيَاةِ، ودِرَايَةً فِي طَبَائِعِ النَّاسِ(101) ، ومَعْرِفَةً بأحْوَالِ العَرَبِ وحَيَاتِهِمْ. فَضْلاً عَن مَواهِبِهِ الذَّاتِيَّةِ؛ كفِطْنَتِهِ وذَكَائِهِ...

ولَمَّا كَانَ مِن أشْرَافِ قُرَيْشٍ وأعْيَانِهِا، يتَمَتَّعُ بالقُوَّةِ والحَزْمِ والحَصَافَةِ

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والحِلْمِ، ويَحْضُرُ فِي أنْدِيَةِ القَوْمِ وأسْوَاقِهِمْ؛ لَجَأُوا إليْهِ فِي خُصُومَاتِهِم، يُحكِّمُونَهُ بَينَهُم فِي النِّزَاعِ والشِّقَاقِ. حَتَّى أسْنَدُوا إلَيْهِ أعْمَالَ السِّفَارَةِ، فإذَا وَقَعَتْ فِي مَا بَينَهُمْ حَرْبٌ أوْ مُنَازَعَةٌ، أو بَيْنَهُمْ وبَيْنَ غَيرِهِم، انْتَدَبُوا عُمَرَ، وبَعَثُوهُ سَفِيرًا. وإنْ نَافَرَهُمْ مُنَافِرٌ(102) أوْ فَاخَرَهُمْ مُفَاخِرٌ رَضُوا بِهِ، وبَعثُوهُ مُنَافِرًا ومُفَاخِرًا(103)

إنَّ احْتِمَالَ تَكْلِيفِ قُرَيشٍ لعُمَرَ بهَذِهِ المَهَمَّةِ الخَطِيرَةِ – وإنْ جَاءَ خَبَرُهُ مِنْ طُرُقٍ ضَعِيفَةٍ- أمْرٌ وَارِدٌ(104) ، لِسَبَبَيْنِ اثْنَيْنِ:

السَّبَبُ الأوَّلُ: لِمَا لَهُ مِن مَكَانَةٍ عَالِيَةٍ فِي قُرَيْشٍ، وَرِثَهَا عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ.

السَّبَبُ الثَّانِي: لِمَا وَهَبَهُ اللهُ مِنْ كَمَالِ العَقْلِ مَعَ قُوَّةِ الجِسْمِ، والنُّطْقِ بالحِكْمَةِ وفَصْلِ الخِطَابِ.

المَطْلَبُ الثَّانِي: عُمَرُ فِي عَهْدِ صَاحِبَيْهِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أوَّلاً: إسْلامُهُ واسْتِثْمَارُهُ فِي نُفُوسِ المُسْلِمِينَ:

تقلَّبَ عُمَرُ فِي حَيَاتِهِ تَقلُّبَاتٍ عَدِيدَةً، كَانَتِ انعِكَاسَاتِ البِيئَةِ الَّتي حَلَّ بِهَا وتَرَعْرَعَ فِي أحْضَانِ ثَقَافَتِهَا، وتَفَاعُلاتِهَا مَعَ شَخْصِيَّتِهِ فِي آنٍ وَاحِدٍ. فمِنْ رَجُلٍ جَاهِليٍّ صَلْدٍ، إلَى مُعَادٍ للإسْلامِ وأهْلِهِ؛ تَرَى التَّلازُمَ وَثِيقًا بَينَهُمَا.

بَلْ إنَّ إمْعَانَهُ فِي الجَاهلِيَّةِ، كَانَ سَبَبًا فِي عَدَائِهِ المُسْتَمِيتِ للدِّينِ الجَدِيدِ، وكَانَ مَوْقِفُهُ الجَرِيءُ والمُعْلَنُ مِنْ هَذِهِ الدَّعْوَةِ الحَادِثَةِ، نَتِيجَةً لِتلْكَ النَّشْأةِ الَّتِي تَرَبَّى عَليْهَا فِي الجَاهلِيَّةِ.

إنَّ رَجُلاً كَابْنِ الخَطَّابِ، مَهْمَا كَانَتْ تَصْطَرِعُ فِي نَفْسِهِ مَشَاعِرُ مُتناقِضَةٌ؛ مِنِ احْتِرَامِهِ للتَّقَالِيدِ الَّتِي سَنَّهَا الآبَاءُ والأجْدَادُ، إلَى استِرْسَالِهِ مَعَ شَهَوَاتِ السُّكْرِ واللَّهْوِ الَّتي ألِفَهَا... إلاَّ أنَّ فِطْنَتَهُ وفَرَاسَتَهُ فِي النَّاسِ لا تَخِيبُ أبَدًا(105) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومَنْ كَانَتْ نَفْسُهُ بهَذَا الصَّفَاءِ، لا بُدَّ – حَتْمًا- أنْ تَقُودَهُ فِطْرَتُهُ إلَى الحَقِيقَةِ الكُبْرَى. فَلا عَجَبَ بَعْدَ ذَلِكَ أنْ تَرَاهُ يَستَمِيتُ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الإسْلامِ وأهْلِهِ، ويَحُوطُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم بكُلِّ مَا أُوتِيَ مِنْ قُوَّةٍ، ويَفْدِي دَعْوَتَهُ بمَالِهِ ونَفْسِهِ.

ثُمَّ إعْجَابُهُ بصَلابَةِ المُسْلِمِينَ، واحْتِمَالِهِمُ البَلاءَ فِي سَبِيلِ عَقِيدَتِهِم(106) ، ثُمَّ الشُّكُوكُ الَّتِي تُسَاوِرُهُ – كَأيِّ عَاقِلٍ- فِي أنَّ مَا يَدْعُو إلَيْهِ الإسْلامُ قَدْ يَكُونُ أجَلَّ وأزْكَى مِنْ غَيرِهِ، ولِهَذَا مَا إنْ يثُورُ(107) حتَّى يَخُورَ(108) . دَلَّ عَلَيْهِ مَا أصَابَهُ وهُوَ يَسْتَمِعُ إلَى القُرْآنِ غَضًّا طَرِيًّا مِنْ فِيِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. فمِثْلُ عُمَرَ – فِي ذَوْقِهِ الأدَبِيِّ، وعِلْمِهِ باللُّغَةِ وأسَالِيبِهَا، وتَذَوُّقِهِ للجَيِّدِ مِنَ الكَلامِ- مِمَّنْ تَأسُرُهُ بَلاغَةُ القُرْآنِ، وأسْرَارُ الإعْجَازِ(109) .

هَذَا مِنْ شِيَمِ الحُرِّ الَّذِي يتَّصِفُ بالشَّجَاعَةِ والشَّهَامَةِ، أنَّهُ مَتَى رَأى حَقًّا واقْتَنَعَ بِهِ؛ بَادَرَ فِي الحَالِ إلَى اعْتِقَادِهِ، مِنْ غَيْرِ تَلَكُّؤٍ أوْ مُكَابَرَةٍ،

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لِكَونِهِمَا مِنْ خُبْثِ السَّرِيرَةِ ولُؤْمِ الطِّبَاعِ، وهُوَ مَا يُنَافِي شَهَامَةَ عُمَرَ وكَرَامَتَهُ الأصِيلَةَ، دَلَّ عَلَيْهِ مَا أعْقَبَهُ مِنْ إعْلانِ إسْلامِهِ. مِمَّا يُلْفِتُ إلَى الأخْلاقِ الَّتِي تَحَلَّى بِهَا، وقَدْ أتَى النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم، يَستَأذِنُهُ أنْ لا يَدَعَ مَجْلِسًا سَبَقَ لِعُمَرَ أنْ جَلَسَهُ فِي الكُفْرِ، إلاَّ أعْلَنَ فِيهِ الإسْلامَ(110)

بِنَاءً عَلَيْهِ، ولِمَا كَانَ مَعْرُوفًا بِهِ مِنِ انْصِيَاعِهِ للحَقِّ، وإخْلاصِهِ لِمَا يَعتَقِدُهُ، وتَفَانِيهِ فِي الدِّفَاعِ عَمَّا يُؤْمِنُ بِهِ... كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يتَوَسَّمُ في عُمَرَ الخَيْرَ، ويتَفَرَّسُ فِيهِ الصِّدْقَ والنُّبْلَ، ويَطْمَعُ بإسْلامِهِ. لِذَلِكَ كَانَ يَدْعُو اللهَ قَائِلاً: «اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسلامَ بأحَبِّ هذينِ الرَّجُلَينِ(111) إليكَ»(112) .

ولَمَّا كَانَ أحَبَّ الرَّجُلَيْنِ إلَى اللهِ عز وجل عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ؛ رَأيْتَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَخُصُّهُ أحْيَانًا بالدُّعَاءِ(113) . فإذَا اللهُ يجْعَلُ دَعْوَةَ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم لعُمَرَ خَاصَّةً، وبتَوْفِيقٍ مِنَ اللهِ يُسْلِمُ، فيَبْنِي عليهِ مُلْكَ الإسْلامِ، ويَهدِمُ بِهِ الأوْثَانَ(114) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فتَرَاهُ فِي مَرْحَلَةِ التَّغييرِ الجَذْرِيِّ – فِي سُلُوكِهِ وتَصرُّفَاتِهِ- إنْسَانًا آخَرَ، قَدْ حَمَلَ مِنْ جَاهلِيَّتِهِ مَا أفَادَ مِنْهُ فِي السَّيْرِ عَلَى طَرِيقِ الهِدَايَةِ. ثُمَّ يَنْهَضُ بوَاجِبِ الدَّعْوَةِ عَلَنًا. فيَقْوَى المُسْلِمُونَ، وتَعْلُو صَيْحَاتُ التَّكْبِيرِ، ويتَوَاجَهُ والبَاطِلَ وَجْهًا لوَجْهٍ، حتَّى تَفِرَّ الشَّياطِينُ مِنْ دَرْبِهِ، وتَبْحَثَ لَهَا عَنْ طَرِيقٍ أخْرَى تَسْلُكُهَا، مِصْدَاقَ قَولِه صلى الله عليه وسلم: «والَّذِي نَفْسِي بيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا، إلاَّ وَسَلَكَ فَجًّا غَيرَ فَجِّكَ»(115) .

قالَ ابْنُ حَجَرٍ (ت852هـ) رحمه الله: «الشَّيطَانُ لا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ... وهَذَا دَالٌّ عَلَى صَلابَتِهِ فِي الدِّينِ، واستِمْرَارِ حَالِهِ عَلَى الجِدِّ الصِّرْفِ والحَقِّ المَحْضِ»(116) .

فظَهَرَ فِي إسْلامِ عُمَرَ عِزُّ الإسْلامِ ورِفْعَةُ المُسْلِمينَ، لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ المَنْزِلَةِ العَالِيَةِ فِي قَوْمِهِ، ومَا انْطَبَعَ بِهِ مِنَ الشَّخْصِيَّةِ المَهِيبَةِ فِي أوْسَاطِ مُجْتَمَعِهِ. يَقُولُ تُومَاس آرنُولْد (ت1349هـ)(117) «يُعَدُّ إسْلامُ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عُمَرَ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي تَارِيخِ الإسْلامِ»(118)

ويَقُولُ مَايْكِل هَارَت (ت2011م)(119) : «إنَّ مَآثِرَ عُمَرَ مُؤَثِّرَةٌ حَقًّا؛ فَقَدْ كَانَ شَخْصِيَّةً رَئِيسَةً فِي انْتِشَارِ الإسْلامِ»(120) .

أحْسَنَ الصَّحَابَةُ استِثْمَارَ إسْلامِهِ، فخَرَجُوا يُعْلِنُونَ الإسْلامَ، وتَجَرَّأوا عَلَى إظْهَارِ شَعَائِرِهِم، فَصَلَّوا وطَافُوا بالبَيْتِ، وجَلَسُوا حَوْلَهُ غَيْرَ خَائِفِينَ، وانْتَصَفُوا مِمَّنْ غَلُظَ عَلَيْهِم، وظَلَّ النَّاسُ فِي عِزٍّ مُنْذُ أسْلَمَ عُمَرُ(121) .

قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ (ت32هـ) رضي

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الله عنه: «كَانَ إسْلامُ عُمَرَ فَتْحًا، وكَانَتْ هِجْرَتُهُ نَصْرًا، وكَانَتْ إمَارَتُهُ رَحْمَةً. لَقْدَ رَأيْتُنَا ومَا نَسْتَطِيعُ أنْ نُصَلِّيَ بالبَيْتِ حَتَّى أسْلَمَ عُمَرُ! فلَمَّا أسْلَمَ عُمَرُ قَاتَلَهُمْ حَتَّى تَرَكُونَا، فصَلَّيْنَا»(122)

ثَانِيًا: إغْنَاؤُهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:

احْتَلَّ عُمَرُ مَكَانَةً مُتَمَيِّزَةً إبَّانَ حَيَاتِهِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولَعِبَ دَوْرًا بَالِغَ الأهَمِّيَّةِ فِي تَثْبِيتِ دَعَائِمِ الإسْلامِ ومُنَاهَضَةِ الشِّرْكِ. مَا كَشَفَ عَنْ جَدَارَتِهِ وتَأهُّلِهِ لاعْتِمَادِ الرِّسَالَةِ عَلَيْهِ، بدَلالَةِ قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَ الرَّجُلُ عُمَرُ»(123) . فوَقَعَ خَيَارُهُ عَلَيْهِ ليَنْهَضَ بمَسْؤُولِيَّاتٍ فِي مَجَالاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، كُلُّهَا فِي الشَّأنِ العَامِّ، مِنْهَا:

الاسْتِشَارَةُ، وَرَدَ الأمْرُ الإلَهِيُّ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم باسْتِشَارَةِ صَاحِبَيْهِ رضي الله عنهما، فقَالَ تَعَالَى:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

﴿وَشاوِرهُم فِي الأَمرِ﴾(124) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (ت68هـ) رضي الله عنهما: «أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ»(125) فكَانَا يتَسَامَرَانِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي الأمْرِ مِنْ أمْرِ المُسْلِمينَ(126) فيَخْتَلِفَانِ عَلَيْهِ حِينًا ويتَّفِقَانِ حِينًا آخَرَ(127)

وأنْتَ خَبِيرٌ بِمَا يَلْزَمُ المُسْتَشَارَ أنْ يتَضَلَّعَ بِهِ مِنْ ثَقَافَاتٍ عَمِيقَةٍ، ودِرَايَةٍ وَاسِعَةٍ، وأمَانَةٍ ونَزَاهَةٍ، تُورِثُ مُسْتَشِيرَهُ الثِّقَةَ بِهِ. فكَانَ صلى الله عليه وسلم يَطْمَئِنُّ لرَأيِ الشَّيْخَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ، حَتَّى قَالَ فِيهِمَا: «هَذَانِ السَّمْعُ والبَصَرُ»(128) .

كِتَابَةُ الوَحْيِ، امْتَازَ عُمَرُ عَلَى أتْرَابِهِ بكَوْنِهِ مِمَّنْ أجَادُوا القِرَاءَةَ والكِتَابَةَ(129) ، لتَعلُّقِهِمَا بالتِّجَارَةِ، مِمَّا أهَّلَهُ أنْ يَكُونَ أحَدَ مَنْ يَكْتُبُونَ الوَحْيَ لرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم(130) .

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهَذَا أمْرٌ يَسْتَلزِمُ دِقَّةً، وحَصَافَةً، وأمَانَةً، وعِنَايَةً لَدَى الكَاتِبِ ويَقَظَةً.

التَّبْلِيغُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَبْعَثُ عُمَرَ فِي النَّاسِ مُبلِّغًا عَنْهُ مُرَادَهُ. وحَصَلَ أنْ أرْسَلَهُ إلَى نِسَاءِ الأنْصَارِ فِي بَيْتٍ تَجَمَّعْنَ فِيهِ لأخْذِ البَيعَةِ لَهُ مِنْهُنَّ(131) . الإفْتَاءُ والقَضَاءُ، بَلَغَ عُمَرُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَرْتَبَةَ الاجْتِهَادِ، فكَانَ يُفْتِي ويَقْضِي(132) . وكَمْ مِنَ المَسَائِلِ الَّتِي أفْتَى فِيهَا عُمَرُ ثُمَّ وَافَقَهُ عَلَيْهَا القُرْآنُ الكَرِيمُ والنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم! جِبَايَةُ الصَّدَقَاتِ، هَذِهِ مَهَمَّةٌ تَحتَاجُ – بالإضَافَةِ إلَى القُوَّةِ والأمَانَةِ- إلَى عِلْمٍ واطِّلاعٍ وفِقْهٍ فِي الدِّينِ، ورِعَايَةٍ وحُسْنِ سِيَاسَةٍ للنَّاسِ. فكَانَ عُمَرُ مِمَّنْ يأتَمِنُهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى أمْوَالِ المُسْلِمِينَ، ويَثِقُ بعِلْمِهِ وفِقْهِهِ، فيَستَعْمِلُهُ عَلَى أعْمَالِ الصَّدَقَةِ(133) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثَالِثًا: مُشَارَكَاتُهُ فِي حَيَاةِ أبِي بَكْرٍ:

عَرَفَ عُمَرُ فَضْلَ أبِي بَكْرٍ، ومَا لَهُ مِنَ المَنزِلَةِ العَظِيمَةِ فِي الإسْلامِ، وهُوَ المَوْرُوثُ عَنْهُ قَولُهُ فِيهِ: «أبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وأعْتَقَ سَيِّدَنَا(134)(135) ) ( ». وقَالَ: «واللهِ، أنْ أُقَدَّمَ فتُضْرَبَ عُنُقِي، لا يُقَرِّبُنِي ذَلِكَ مِنْ إثْمٍ؛ أحَبَّ إليَّ مِنْ أنْ أتَأمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِم أبُو بَكْرٍ»(136) . فكَانَ لَصِيقَ الصِّلَةِ بِهِ، يُعَاوِنُهُ ويُسَانِدُهُ.

مِنَ المَهَامِّ الجَلِيلَةِ الَّتِي شَغَلَهَا عُمَرُ فِي حَيَاةِ أبِي بَكْرٍ:

مُعَاوَنَتُهُ فِي إدَارَةِ شُؤُونِ الرَّعِيَّةِ:

كَانَ عُمَرُ وَاحِدًا مِنْ أهْلِ مَشُورَةِ أبِي بَكْرٍ، ومِمَّنْ يَعْضُدُهُ فِي إدَارَةِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

شُؤُونِ الرَّعِيَّةِ بقَوْلِهِ وفِعْلِهِ. دَلَّ عَلَى ذَلِكَ طَلَبُ أبِي بَكْرٍ مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيدٍ(137) أنْ يَأذَنَ لِعُمَرَ فِي البَقَاءِ بالمَدِينَةِ، لِيُعَاوِنَهُ عَلَى إدَارَةِ شُؤُونِ المُسْلِمينَ، ومُوَاجَهَةِ مَا قَدْ يَحْدُثُ مِنْ رِدَّةِ الأعْرَابِ حَوْلَهَا(138)

ومِنَ المَهَامِّ الَّتي رُوِيَ أنَّ أبَا بَكْرٍ أسْنَدَهَا إلَى عُمَرَ:

القَضَاءُ، لَمَّا وُلِّيَ أبُو بَكْرٍ الخِلافَةَ، قَالَ لَهُ عُمَرُ: «أنَا أكْفِيكَ القَضَاءَ». فمَكَثَ عُمَرُ سَنَةً لا يَخْتَلِفُ إلَيْهِ أحَدٌ، ولا يَأتِيهِ رَجُلانِ ليَقْضِيَ بَينَهُمَا. ثُمَّ كَانَ عَلَى القَضَاءِ أيَّامَ خِلافَتِهِ كُلِّهَا(139) اسْتِخْلافُهُ عَلَى المَدِينَةِ، حِينَ خَرَجَ خَلِيفَةُ المُسْلِمينَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مُعْتَمِرًا فِي العَامِ الثَّانِي عَشَرَ مِنَ الهِجْرَةِ؛ اسْتَخْلَفَ عُمَرَ عَلَى المَدِينَةِ(140)

وبَدَهِيًّا هَذَا الاسْتِخْلافُ يتَضَمَّنُ إمَامَةَ المُسْلِمينَ فِي الصَّلاةِ.

حَجُّهُ بالنَّاسِ، ذَلِكَ أنَّ أبَا بَكْرٍ رضي الله عنه لَمَّا استُخْلِفَ استَعْمَلَ عُمَرَ عَلَى الحَجِّ، ثُمَّ حَجَّ هُوَ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ(141) .

هَذِهِ الوَظَائِفُ الثَّلاثَةُ الأخِيرَةُ، وإنْ لَمْ تَرِدْ بسَنَدٍ ثَابِتٍ، إلاَّ أنَّ وُقُوعَهَا أمْرٌ غَيْرُ مُسْتبْعَدٍ، حَيْثُ إنَّ الثَّابِتَ مِنْ صَنِيعِ الخُلَفَاءِ الرَّاشدِينَ ومَنْ بَعْدَهُم، أنَّهُمْ يُنِيبُونَ مَنْ يَرَوْنَ فِيهِ الكَفَاءَةَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الأمُورِ، ومِنْ قَبْلِهِم فَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم(142) .

فإذَا كَانَ عُمَرُ فِي الجَاهِليَّةِ ومَعَ صَاحِبَيْهِ عَلَى هَذِهِ الدَّرَجَةِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ الوَعْيِ والاجْتِهَادِ، حتَّى أُنِيطَتْ بِهِ مَسْؤُولِيَّاتُ الدَّوْلَةِ، فكَيْفَ سَيكُونُ فِي عَهْدِهِ الرَّشِيدِ؟ ومَا مَوقِفُ الشُّعوبِيِّينَ مِنْهُ وهُمْ يَرَوْنَ إمْبَرَاطُورِيَّتَهُم تَصِيرُ أنْقَاضًا؟!

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 88 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

المَبْحَثُ الثَّانِي: عُمَرُ مِنَ الخِلافَةِ إلى الشَّهَادَةِ

فِي حَيَاةِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ مَوَاقِفُ مِفصلِيَّة، كَشَفَتْ عَنْ إبْدَاعِهِ، ودِقَّتِهِ، وقُدْرَتِهِ عَلَى إدَارَةِ الدَّوْلَةِ بامْتِيَازٍ. كَانَ لَهَا فِي نُفُوسِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا أثَرٌ سَلبِيٌّ تُجَاهَهُ! فبَاتَتْ حَيَاتُهُ مُهَدَّدَةً بالخَطَرِ، حَيْثُ يتَرَصَّدُهُ كُلُّ حَاقِدٍ عَلَى الإسْلامِ والمُسْلِمينَ، للتَّشَفِّي مِنْهُ والانْتِقَامِ لأمْجَادِهِ..!

لِذَلِكَ، جَاءَ هَذَا المَبْحَثُ مُشْتَمِلاً عَلَى مَطْلَبَينِ اثْنَينِ، هُمَا:

المَطْلَبُ الأوَّلُ: اسْتِخْلافُ عُمَرَ وإنْجَازَاتُهُ. المَطْلَبُ الثَّانِي: اسْتِشْهَادُ عُمَرَ وتَأثِيرُه فِي رَعيَّتِهِ.

المَطْلَبُ الأوَّلُ: اسْتِخْلافُ عُمَرَ وإنْجَازَاتُهُ

أوَّلاً: آلِيَّةُ استِخْلافِهِ:

هَيَّأ اللهُ عُمَرَ لاسْتِلامِ زِمَامِ المُسْلِمِينَ والنُّهُوضِ بدَولَتِهِمْ، فخَلَقَهُ عَلَى صُورَةٍ قَوِيَّةٍ، وشَكِيمَةٍ ثَابِتَةٍ، ثُمَّ أضْفَى عَلَيْهِ مِنَ الصِّفَاتِ النَّفْسَانِيَّةِ والأخْلاقِ الكَرِيمَةِ، مَا أهَّلَتْهُ للاضْطِلاعِ بسِيَاسَةِ الجَمَاهِيرِ، فَضْلاً عَمَّا يَسَّرَهُ لَهُ رَبُّهُ مِنَ الاشْتِغَالِ بالرَّعْيِ والتِّجَارَةِ. ولا زَالَ عُمَرُ يتَقلَّبُ فِي ظِلِّ الإسْلامِ، حتَّى يَكُونَ الرَّجُلَ الثَّانِيَ بَعْدَ أبِي بَكْرٍ، عَلَى عَيْنِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم(143) ، فوَزِيرًا للصِّدِّيقِ فِي خِلافَتِهِ، فأمِيرًا للمُؤْمِنِينَ.

وَرَدَت جُمْلَةُ نُصُوصٍ شَرْعِيَّةٍ أشَارَتْ بمُجْمَلِهَا عَنْ طَرِيقِ الاسْتِنْبَاطِ إلَى خِلافَةِ عُمَرَ(144) وقَدْ تَفَرَّسَ فيهِ أبُو بَكْرٍ، فاخْتَارَهُ مِنْ بَيْنِ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ، ثُمَّ يحْصُلُ الإجْمَاعُ عَلَى خِلافَتِه. قَالَ صلى الله عليه

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وسلم: ثُمَّ أخَذَهَا ابْنُ الخَطَّابِ مِنْ يَدِ أبِي بَكْرٍ، فاسْتَحَالَتْ بيَدِهِ غَرْبًا(145)(146)

قَالَ ابُنُ حَجَرٍ (ت852هـ) رحمه الله: «فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أنَّ عُمَرَ وَلِيَ الخِلافَةَ بعَهْدٍ مِنْ أبِي بَكْرٍ إلَيْهِ»(147) .

اجْتَهَدَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه فِي أنْ يَستَخْلِفَ عَلَى المُسْلِمينَ فِي حَيَاتِهِ، فإنَّ ذَلِكَ أجْدَرُ أنْ لا يَخْتَلِفُوا بَعْدَ وَفَاتِهِ، وأدْعَى إلَى الوِحْدَةِ والتِئَامِ الكَلِمَةِ، ومُوجِبٌ للسَّمْعِ والطَّاعَةِ. وكَانَ رضي الله عنه عَارِفًا بأقْدَارِ الرِّجَالِ، مُقَدِّرًا لَهُم، دَلَّ عَلَيْهِ مَوقِفُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي غَيرِ مَا مَشْهَدٍ، مِنهَا: قَولُهُ لوَفْدِ قُرَيشٍ إثْرَ إخْبَارِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بحَادِثَةِ الإسْرَاءِ: «فأنَا أشْهَدُ إنْ كَانَ قَالَ ذَاكَ لَقَدْ صَدَقَ... أصَدِّقُهُ بِأبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ، أصَدِّقُهُ بخَبَرِ السَّمَاءِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً»(148) .

لَحَظَ أبُو بَكْرٍ فِي عُمَرَ الشِّدَّةَ والقُوَّةَ، لَكِنَّهُ وَثِقَ بإخْلاصِهِ، ويَعْلَمُ أنَّ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سَرِيرَتَهُ خَيرٌ مِنْ عَلانِيَّتِهِ. فسَارَ فِي ضَوْءِ الهَدْيِ النَّبَوِيِّ، وعَمِلَ برِوَايَةِ عَائِشَةَ رضي الله عنها: «أمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنازِلَهُم»(149) مُسْتَنِيرًا بقَوْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم: «خِيَارُهُم فِي الجَاهِليَّةِ خِيَارُهُم فِي الإسْلامِ إذَا فَقِهُوا»(150)

فتَشَاوَرَ الأصْحَابُ، وكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يُحَاوِلُ أنْ يَدْفَعَ الأمْرَ عَنْ نَفْسِهِ ويَطْلُبُهُ لأخِيهِ. فرَجَعُوا إلَى أبِي بَكْرٍ. فأخَذَ الصِّدِّيقُ يَخْتَلِي بكِبَارِهِم يَستَشِيرُهُم فِي عُمَرَ. وكُلُّهُم فِيهِ عَلَى رَأيٍ وَاحِدٍ. ومِمَّا قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: «لا نَرْضَى إلاَّ أنْ يَكُونَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ»(151) .

ثُمَّ نَظَّمَ عَهْدًا مَكْتُوبًا(152) ، وبَلَّغَ النَّاسَ بلِسَانِهِ وَاعِيًا مُدْرِكًا؛ لِئَلاَّ يَحْصُلَ أدْنَى لَبْسٍ، ومِمَّا قَالَ: «أتَرْضَونَ بمَنْ قَدْ أسْتَخْلِفُ عَليْكُم؟ فإنِّي – واللهِ- مَا ألَوْتُ مِنْ جَهْدِ الرَّأيِ ، ولا وَلَّيْتُ ذَا قَرَابَةٍ. وإنِّي قَدِ استَخْلَفْتُ عَلَيْكُم عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ(153) ، فاسْمَعُوا لَهُ وأطِيعُوا». فقَالُوا: سَمِعْنَا وأطَعْنَا(154) .

يُلاحَظُ مِنْ خِلالِ هَذَا العَرْضِ أمُورًا:

الأمْرُ الأوَّلُ:

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إنَّ أبَا بَكْرٍ رضي الله عنه بقَرَارِهِ هَذَا، لَمْ يَأْلُ جَهْدًا فِي إعْمَالِ الرَّأيِ، فَقَاسَ تَعْيِينَ الخَلِيفَةِ بالعَهْدِ عَلَى تَعْيِينِهِ بعَقْدِ البَيْعَةِ(155) واستِشَارَةِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم الَّذِينَ وَافَقُوهُ عَلَيْهِ، واستِخَارَةِ اللهِ تَعَالَى.

الأمْرُ الثَّانِي: إنَّ تَرْشِيحَ أبِي بَكْرٍ لعُمَرَ استَمَدَّ قُوَّتَهُ الشَّرْعِيَّةَ اسْتِنَادًا إلَى رِضَا الغَالِبِيَّةِ بِهِ، بَعْدَ أنِ اتَّبَعَ سِيَاسَةَ المُشَاوَرَاتِ، فِي ضَوْءِ خُطَّتِهِ المَعْهُودَةِ:

طَلَبَ إلَى النَّاسِ أنْ يَبْحَثُوا لأنْفُسِهِمْ عَنْ خَلِيفَةٍ بَعْدَهُ، فوَضَعُوا الأمْرَ بَيْنَ يَدَيْهِ. استَشَارَ أعْيَانَ الصَّحَابَةِ عَلَى انْفِرَادٍ. أخَذَ رِضَاهُم عَلَى مَلأٍ مِنْهُم.

الأمْرُ الثَّالِثُ: إنَّ أهْلَ البَيْتِ كَانُوا مُؤَيِّدِينَ أشَدَّ التَّأيِيدِ لعُمَرَ، وقَدْ نَطَقَ باسْمِهِم عليٌّ رضي الله عنه.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مَا يَدُلُّ عَلَى أنَّ الخِلافَةَ مِنْ مَصَالِحِ المُسْلِمينَ، وأمْرَهَا شُورَى بَينَهُم، ويُلْفِتُ إلَى فَضْلِ عُمَرَ الَّذي شَهِدَ بِهِ عَلِيٌّ.

هَكَذَا تَمَّ عَقْدُ الخِلافَةِ لعُمَرَ، بالشُّورَى والاتِّفَاقِ، ولَمْ يُورِدِ التَّارِيخُ أيَّ خِلافٍ وَقَعَ لاحِقًا حَوْلَ خِلافَتِهِ. ولَمْ يَنْهَضْ أحَدٌ طُولَ عَهْدِهِ لِيُنَازِعَهُ الأمْرَ، فحَصَلَ الإجْمَاعُ عَلَى خِلافَتِهِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لعُمَرَ: «ولَمْ يَخْتَلِفْ فِي خِلافَتِكَ اثْنَانِ»(156) . قَالَ النَّوَوِيُّ (ت676هـ) رحمه الله: «أجْمَعُوا عَلَى اخْتِيَارِ أبِي بَكْرٍ، وعَلَى تَنْفِيذِ عَهْدِهِ إلَى عُمَرَ»(157) .

وصَدَقَتْ فِرَاسَةُ أبِي بَكْرٍ، وكَانَ عُمَرُ عِنْدَ حُسْنِ الظَّنِّ بِهِ. فَأمِنَ النَّاسُ، واسْتَقَرَّ الوَضْعُ، وانتَشَرَتْ دَعْوَةُ الإسْلامِ فِي عَهْدِهِ، مُدَّةَ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، وخَمْسَةِ أشْهُرٍ، وإحْدَى وعِشْرِينَ لَيْلَةً(158) . وتَوَالَتِ الشَّهَادَاتُ تَنْطِقُ بفَضْلِ خِلافَةِ عُمَرَ.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثَانِيًا: فَضْلُ خِلافَتِهِ:

وُفِّقَ أبُو بَكْرٍ فِي اخْتِيَارِ عُمَرَ لِيَقُومَ بأعْبَاءِ الخِلافَةِ، إذْ وَثِقَ بأنَّ عُمَرَ خَيْرُ مَنْ يَصْلُحُ لِهَذَا الأمْرِ. وحَيْثُ إنَّهُ وَلَّى عُمَرَ، فإنَّهُ لَمْ يُوَلِّ قَرِيبًا، وإنَّمَا وَلَّى جَدِيرًا .

لِذَلِكَ، كَانَتْ خِلافَةُ الفَارُوقِ ذِرْوَةَ سَنَامِ تَارِيخِ الأمَّةِ الإسْلامِيَّةِ، ودُرَّةً فِي تَاجِ تَارِيخِ الإنْسَانِيَّةِ. كَثُرَ فِيهَا الخَيْرُ، وأُقِيمَ فِيهَا مِيزَانُ العَدْلِ، وخَبَتَتْ فِيهَا الفِتْنَةُ، وعُرِفَتْ بِالأمْنِ، وكَثُرَتْ فِيهَا الفُتُوحَاتُ، ودَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللهِ أفْرَادًا وجَمَاعَاتٍ، فاتَّسَعْت رُقْعَةُ الدَّوْلَةِ الإسْلامِيَّةِ، وكَسَرَ المُسْلِمُونَ الفُرْسَ فِي مَعْقِلِهِم، وخَسِرَ الرُّومُ أكْبَرَ حَامِيَاتِهِم(159) .

شَهِدَ بذَلِكَ – قَبْلُ- رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأقَرَّ بِهِ – بَعْدُ- الصَّحَابَةُ الكِرَامُ رضي الله عنهم:

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أُرِيتُ كَأنِّي أنْزِعُ بدَلْوِ بَكْرَةٍ عَلَى قَلِيبٍ(160) فجَاءَ أبُو بَكْرٍ فنَزَعَ ذَنُوبًا أوْ ذَنُوبَينِ(161) فنَزَعَ نَزْعًا ضَعِيفًا، واللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى يَغْفِرُ لَهُ. ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فاسْتَقَى، فاسْتَحَالَتْ بيَدِهِ غَرْبًا. فلَمْ أرَ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ، حتَّى رَوِيَ النَّاسُ، وضَرَبُوا العَطَنَ»(162)

يُخْبِرُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ خِلافَةِ عُمَرَ، ومَا سَوْفَ تَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ طُولِ زَمَانِهَا، وكَثْرَةِ الفُتُوحَاتِ فِيهَا، واتِّسَاعِ أمْرِ الإسْلامِ، واسْتِقْرَارِ قَوَاعِدِهِ، ومَا يُصِيبُ المُسْلِمينَ فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والنِّعَمِ الكَثِيرَةِ(163) . «إنَّهُ فَيْضُ العَبْقَرِيَّةِ، الَّتي يَنْفَسِحُ لَهَا الأجَلُ، وتَتَّسِعُ أمَامَها مَنَادِحُ العَمَلِ»(164) .

وأعْرَبَ الصَّحَابَةُ عَنْ تَقْدِيرِهِم لِخِلافَةِ عُمَرَ، وارْتِيَاحِهِم لحُكْمِهِ، وشَهِدُوا فِيهَا شَهَادَةَ فَضْلٍ وخَيرٍ، فَقَالَ عليٌّ رضي الله عنه: «استُخْلِفَ عُمَرُ، رَحْمَةُ اللهِ عَلَى عُمَرَ، فَأقَامَ واسْتَقَامَ، حَتَّى ضَرَبَ الدِّينُ بجِرَانِهِ(165)(166) )( ».

وقَامَ عَلِيٌّ يَوْمًا خَطِيبًا عَلَى مِنْبَرِ الكُوفَةِ، فذَكَرَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم،

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فقَالَ: «قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم واستُخْلِفَ أبُو بَكْرٍ، فعَمِلَ بعَمَلِهِ، وسَارَ بسِيرَتِهِ، حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ عز وجل عَلَى ذَلِكَ. ثُمَّ استُخْلِفَ عُمَرُ، فعَمِلَ بعَمَلِهِمَا، وسَارَ بسِيرَتِهِمَا، حَتَّى قَبَضَهُ اللهُ عَلَى ذَلِكَ»(167)

ثَالِثًا: إنْجَازَاتُ الخِلافَةِ:

اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الخِلافَةَ صَبِيحَةَ مَوْتِ أبِي بَكْرٍ، ولَمْ يَقْعُدْ عَنِ العَمَلِ فِي خِدْمَةِ أمَّتِهِ، وسِيَاسَةِ رَعِيَّتِهِ، طِيلَةَ عَهْدِهِ المُبَارَكِ. فَأدَّى للإسْلامِ خِدْمَاتٍ جَلِيلَةً، نَطَقَتْ بفَضْلِهِ ورَجَاحَةِ عَقْلِهِ، وبَرَزَتْ فِي الأعْمَالِ الإدَارِيَّةِ والمَيْدَانِيَّةِ... وكَانَ مِثَالَ الحَاكِمِ العَادِلِ والقَائِدِ المَاهِرِ، الَّذِي كَانَ قَلْبَ الدَّعْوَةِ، وقُطْبَ رَحَاهَا. حَتَّى عُرِفَتْ حُكُومَتُهُ بأنَّهَا أرْقَى الحُكُومَاتِ، حَيْثُ سَاسَ أمَّتَهُ؛ فأنْصَفَهَم، وهَذَّبَهُم، وقَوَّمَ أخْلاقَهُم، وعَلَّمَهُم.

جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وجَهَّزَ الجُيُوشَ، وفَتَحَ البُلْدَانَ، ومَصَّرَ الأمْصَارَ. ولَمْ يَكُنِ الدَّافِعَ لَهُ فِي يَوْمٍ مِنَ الأيَّامِ عَلَى هَذِهِ الفُتُوحَاتِ التَّوَسُّعُ وإشْبَاعُ المَطَامِعِ، بَلِ الهِدَايَةُ ونَشْرُ العِلْمِ، وتَأسِيسُ المَدِينَةِ القَائِمَةِ عَلَى عِمَارَةِ الكَوْنِ، عَلَى أسَاسٍ مِنَ الحَقِّ والفَضْلِ والإنْسَانِيَّةِ . دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ أخْلاقُهُ وعِفَّتُهُ، وزُهْدُهُ ووَرَعُهُ.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

شَهِدَتْ خِلافَتُهُ عَصْرَ التَّطْبِيقِ الذَّهَبِيِّ للنُّظُمِ الإسْلامِيَّةِ، فِي مِسَاحَاتٍ شَاسِعَةٍ لَمْ يَطْرُقْهَا العَرَبُ مِن ذِي قَبْلُ، فحَقَّقَ فِي سِنِي خِلافَتِهِ العَشْرِ أمُورًا عَظِيمَةً، عُدَّتْ مِنْ إنْجَازَاتِهِ الضَّخْمَةِ عَلَى صَعِيدِ التَّشْرِيعِ، والحُكْمِ، والسِّيَاسَةِ، والعُمْرَانِ، والاقْتِصَادِ... وغَالِبُهَا يُعْتَبَرُ مِنْ أوَّلِيَّاتِهِ غَيْرِ المَسْبُوقَةِ، مِمَّا يُعَدُّ مِنْ مَعَانِي العَبْقَرِيَّةِ فِي التَّفَرُّدِ، والسَّبْقِ، والابْتِكَارِ . «فمَنْ يَكْتُبْ تَارِيخَ عُمَرَ فَقَدْ يَجِدُ فِي النِّهَايَةِ أنَّهُ يَكْتُبُ تَارِيخًا لأوَّلِ مَن صَنَعَ كَذَا، وأوَّلِ مَنْ أوْصَى بكَذَا، حَتَّى يَنْتَهِيَ بسَرْدِ هَذِهِ الأوَّلِيَّاتِ إلَى عِدَادِ العَشَرَاتِ(168)(169) )( ».

هُنَا تتَجَلَّى القِيمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ لخِلافَةِ عُمَرَ الرَّاشِدَةِ، فِي كَوْنِهَا تُمَثِّلُ البَيَانَ الفِعْلِيَّ والتَّطْبِيقَ الوَاقِعِيَّ، لِمَا جَاءَتْ بِهِ المَصَادِرُ التَّشْرِيعِيَّةُ الأصِيلَةُ، ومَا جَادَتْ بِهِ قَرَائِحُ المُجْتَهِدِينَ الأوَائِلِ .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يَقُولُ الشَّيْخُ مُحَمَّد مُحَمَّد المَدَنِيُّ (ت1388هـ) رحمه الله(170) : «المَعَانِي الَّتِي تَدُلُّ عَلَى شَخْصِيَّةِ عُمَرَ الفَذَّةِ، وعَلَى أوَّلِيَّتِهِ وأسْبَقِيَّتِهِ وإلْهَامِهِ و(مُحَدَّثِيَّتِهِ)، تَبْرُزُ وَاضِحَةً فِي آرَائِهِ الفِقْهِيَّةِ، وتَصَرُّفَاتِهِ الحُكْمِيَّةِ. حَتَّى لَيَتَعَجَّبَ الإنْسَانُ كُلَّ العَجَبِ مِنْ تَهَدِّي عُمَرَ إلَيْهَا، عَلَى حِيْنٍ لَمْ تَهْتَدِ إلَيْهَا البَشَرِيَّةُ إلاَّ بَعْدَ قُرُونٍ وقُرُونٍ»(171) .

هَذَا، ولَمْ يتَوَانَ قَطُّ عَنْ نَشْرِ الثَّقَافَةِ والمَعْرِفَةِ الدِّينِيَّةِ، وكُلِّ مَا يتَّصِلُ بِهَا مِنْ عُلُومِ الآلَةِ. ويتَّضِحُ ذَلِكَ مِنْ خِلالِ مَا يَلِي:

حَضُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى تَعَلُّمِ العُلُومِ النَّافِعَةِ؛ الكَوْنِيَّةِ وغَيرِهَا:

أَوْلَى عُمَرُ العِلْمَ اهْتِمَامًا بَالِغًا، فأمَرَ رَعِيَّتَهُ أنْ يتَفَقَّهُوا فِي دِينِ اللهِ(172) ، فقَالَ: «تفَقَّهُوا قَبْلَ أنْ تَسُودُوا(173)(174) )( ».

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولَمَّا كَانَ للُّغَةِ العَرَبِيَّةِ وأصُولِهَا نَثْرًا ونَظْمًا، أهَمِّيَّةٌ بَالِغَةٌ فِي دِرَاسَةِ الشَّرِيعَةِ ومَعْرِفَةِ أحْكَامِهَا؛ كَتَبَ إلَى رَعِيَّتِهِ: «تَعلَّمُوا العَرَبِيَّةَ»(175) . وحَثَّ عَلَى تَعَلُّمِ الشِّعْرِ المَحْمُودِ الَّذي فِيهِ مِنَ العِظَاتِ والعِبَرِ مَا يتَّعِظُ بِهِ المَرْءُ، فقَالَ: «تعَلَّمُوا مِنَ الشِّعْرِ مَا يَكُونُ حِكَمًا، ويدُلُّكُم عَلَى مَكَارِمِ الأخْلاقِ»(176) .

بَعْثُ الفُقَهَاءِ والقُرَّاءِ إلَى الأمْصَارِ مُعَلِّمِينَ ومُرْشِدِينَ:

أرْسَلَ عَمَّارًا(177) وابْنَ مَسْعُودٍ إلَى الكُوفَةِ، فكَتَبَ إلَى أهْلِهَا: «أمَّا

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بَعْدُ، فإنِّي بَعَثْتُ إلَيْكُم عَمَّارًا أمِيرًا، وعَبْدَ اللهِ مُعَلِّمًا ووَزِيرًا. وهُمَا مِنَ النُّجَبَاءِ، مِن أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فاسْمَعُوا لَهُمَا، واقْتَدُوا بهِمَا. وإنِّي آثَرْتُكُم بعَبْدِ اللهِ عَلَى نَفْسِي أثَرَةً»(178)

يُعْتَبَرُ هَذَا الخِطَابُ بمَثَابَةِ تَقْدِيمٍ وتَكْرِيمٍ لِهَذَا الوَفْدِ المَبْعُوثِ، يَهْدِفُ مِنْ وَرَائِهِ إلَى تَكْرِيمِ العِلْمِ الَّذي يَحْمِلُهُ والإشَادَةِ بِهِ، لِيَكُونَ عِنْدَهُم فِي المَقَامِ الأجَلِّ.

بَيَانُ الطَّرِيقَةِ المُثْلَى فِي المُحَافَظَةِ عَلَى العِلْمِ:

أمَرَ عُمَرُ بتَقْيِيدِ العِلْمِ لئَلاَّ يَذْهَبَ! فقَالَ: «قَيِّدُوا العِلْمَ بالكِتَابِ»(179) وحَثَّ عَلَى تحَسْيِنِ كِتَابَتِهِ، وإجَادَةِ قِرَاءَتِهِ، واخْتِيَارِ التَّحْقِيقِ دُونَ المَشْقِ(180)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والتَّعْلِيقِ، فقَالَ: «شَرُّ الكِتَابَةِ المَشْقُ، وشَرُّ القِرَاءَةِ الهَذْرَمَةُ(181) وأجْوَدُ الخَطِّ أبْيَنُهُ»(182)

إلَى جَانِبِ هَذِهِ المُتَابَعَةِ الحَثِيثَةِ للحَرَكَةِ العِلْمِيَّةِ، قَامَ بإنْجَازَاتٍ عَظِيمَةٍ عَلَى الصَّعِيدِ السِّيَاسِيِّ، والعَسْكَرِيِّ، والإدَارِيِّ، وغَيْرِهَا، كَانَ مِنْهَا:

إخْرَاجُ اليَهُودِ والنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ كُلِّهَا، فلا يَجْتَمِعُ فِيهَا دِينَانِ(183) تَحْطِيمُ أعْظَمِ دَوْلَتَيْنِ فِي الأرْضِ، حَيْثَ أطْفَأَ نَارَ كِسْرَى، وجَرَّتِ الرُّومُ أذْيَالَ الخَيْبَةِ. فانْتَشَرَ الإسْلامُ، وحَلَّ العَدْلُ، ورُفِعَتْ رَايَةُ المُسَاوَاةِ بَيْنَ النَّاسِ(184)

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وَضْعُ التَّقْوِيمِ الهِجْرِيِّ، كَانَ العَرَبُ يُؤَرِّخُونَ بالأحْدَاثِ والوَقَائِعِ، فوَضَعَ عُمَرُ التَّارِيخَ مِنْ هِجْرَةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ إلَى المَدِينَةِ(185) عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسيّبِ قَالَ: «جَمَعَ عُمَرُ النَّاسَ، فسَألَهُم: مِنْ أيِّ يَوْمٍ يَكْتُبُ التَّارِيخَ؟ فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: «مِنْ يَوْمِ هَاجَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وتَرَكَ أرْضَ الشِّرْكِ». ففَعَلَهُ عُمَرُ»(186)

«فكَانَ التَّقْوِيمُ الإسْلامِيُّ البَاقِي مَا بَقِيَ المُسْلِمُونَ، وكَانَ ذَلِكَ فِي حِكَمِ ومَصَالِحَ إسْلامِيَّةٍ إنْسَانِيَّةٍ دَعَوِيَّةٍ، وكَانَ ذَلِكَ العُنْوَانُ مُنِيرًا مُثِيرًا للمُفَكِّرِينَ والمُنْصِفِينَ ، وفِيهِ تَفَاؤُلٌ وتَبْشِيرٌ؛ فقَدْ كَانَتِ الهِجْرَةُ بِدَايَةَ عَهْدٍ جَدِيدٍ فِي التَّارِيخِ البَشَرِيِّ والسِّيرَةِ الإنْسَانيَّةِ»(187) .

المَطْلَبُ الثَّانِي: اسْتِشهَادُ عُمَرَ وتَأثِيرُهُ فِي رَعِيَّتِهِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أوَّلاً: قِصَّةُ اسْتِشْهَادِهِ:

سُؤَالُهُ نَيْلَ شَرَفِ الشَّهَادَةِ:

عَلِمَ عُمَرُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ سَيُقْتَلُ، وسَيَلْقَى اللهَ شَهِيدًا(188) . ولَطَالَمَا سَألَ اللهَ عز وجل الشَّهَادَةَ بصِدْقٍ، ويُلِحُّ عَلَى رَبِّهِ بِهَا، وأنْ تَكُونَ فِي المَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ(189) . فقِيلَ: وأنَّى يَكُونُ ذَلِكَ؟! قَالَ: «يَأتِي بِهِ اللهُ إذَا شَاءَ»(190) .

وكَانَ لِشِدَّةِ تَألُّهِهِ وصَفَاءِ نَفْسِهِ صَادِقَ التَّعْبِيرِ، مَا أوَّلَ رُؤْيَا إلاَّ وَقَعَتْ كَفَلَقِ الصُّبْحِ. يُذْكَرُ أنَّ الَّذي دَعَاهُ إلَى رَجَاءِ الشَّهَادَةِ مَعَ بِشَارَةِ النَّبيِّ صلى

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الله عليه وسلم لَهُ بحِيَازَتِهَا، هُوَ حِرْصُهُ الشَّدِيدُ عَليْهَا. فلَمَّا مَكَّنَ اللهُ لَهُ، وانْتَشَرَتْ رَعِيَّتُهُ، ودَنَا أجَلُهُ؛ رَأى رُؤْيَا قَصَّهَا عَلَى النَّاسِ وعَبَّرَهَا لَهُم، قَالَ: «إنِّي رَأيْتُ رُؤْيَا؛ كَأنَّ دِيكًا نَقَرَنِي ثَلاثَ نَقْرَاتٍ، وإنِّي لا أرَاهُ إلاَّ حُضَورَ أجَلِي»(191)

إرْهَاصَاتُ الشَّهَادَةِ:

كَانَ لِعُمَرَ مَوقِفٌ مِنَ السَّبَايَا فِي الأقْطَارِ المَفْتُوحَةِ، فلا يَأذَنُ لَهُم بدُخُولِ المَدِينَةِ عَاصِمَةِ دَوْلَةِ الخِلافَةِ. فمَنَعَ مَجُوسَ العِرَاقِ وفَارِسَ، ونَصَارَى الشَّامِ ومِصْرَ مِنَ الإقَامَةِ فِي المَدِينَةِ إلاَّ إذَا أسْلَمُوا. مَا يَدُلُّ عَلَى حِكْمَتِهِ وبُعْدِ نَظَرِهِ ومَعْرِفَتِهِ بطَبَائِعِ النَّاسِ ومَورُوثَاتِهِم. ذَلِكَ أنَّ هَؤُلاءِ القَومَ المَغْلُوبِينَ المُنْهَزِمِينَ حَاقِدُونَ عَلَى الإسْلامِ مُبْغِضُونَ لَهُ، لَدَيْهِمُ اسْتِعْدَادٌ للتَّآمُرِ عَليْهِ والنَّيْلِ مِنْهُ! فأرَادَ أنْ يَحْتَرِزَ مِنْ كَيْدِهِم ويَدْفَعَ الأذَى عَنِ المُسْلِمِينَ ودِيَارِهِم.

وإذْ بِبَعْضِ الصَّحَابَةِ يُلِحُّ عَلَيْهِ أنْ يَأذَنَ للعَبِيدِ مِنهُم والرَّقِيقِ بالإقَامَةِ فِي المَدِينَةِ، لِيسْتَعِينُوا بِهِم فِي أمُورِهِم وأعْمَالِهِم، فأذِنَ عُمَرُ لبَعْضِهِم على كُرْهٍ مِنهُ.

كانَ للمُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه(192) غُلامٌ مَجُوسِيٌّ يُدْعَى: فَيرُوزُ،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويُكَنَّى: أبُو لُؤْلُؤَةَ. يَستَغِلُّهُ كُلَّ يَومٍ أرْبَعَةَ دَرَاهِمَ! فلَقِيَ أبُو لُؤْلُؤَةَ عُمَرَ وشَكَا إلَيهِ المُغِيرَةَ! فقَالَ عُمَرُ: «اتَّقِ اللهَ، وأحْسِنْ إلَى مَوْلاكَ». ومِن نِيَّةِ عُمَرَ أنْ يَلْقَى المُغِيرَةَ، فيُكَلِّمَهُ فِي التَّخْفِيفِ عَنْهُ. فغَضِبَ المَجُوسِيُّ، وقَالَ: وَسِعَ النَّاسَ كُلَّهُم عَدْلُكَ غَيرِي! فأضْمَرَ على قَتْلِهِ، فاصْطَنَعَ خَنْجَرًا لَهُ رَأسَانِ، وسَمَّهُ!

فلَبِثَ عُمَرُ لَيَالِيَ، ثُمَّ إنَّ العَبْدَ مَرَّ بِهِ، فدَعَاهُ، فقَالَ لَهُ: «ألَمْ أحَدَّثْ أَنَّكَ تَقُولُ: لَوْ أشَاءُ لَصَنَعْتُ رَحًى تَطْحَنُ بالرِّيحِ؟». فَالتَفَتَ العَبْدُ سَاخِطًا عَابِسًا إلى عُمَرَ! ومَعَ عُمَرَ رَهْطٌ، فَقَالَ: لأصْنَعَنَّ لَكَ رَحًى يتَحَدَّثُ بِهَا النَّاسُ. فلَمَّا وَلَّى العَبْدُ أقْبَلَ عُمَرُ على الرَّهْطِ الَّذين مَعَهُ، فَقَالَ لَهُم: «أوْعَدَنِي العَبْدُ آنِفًا»(193) .

عُمَرُ شَهِيدًا:

تَحَيَّنَ أبُو لُؤْلُؤَةَ عُمَرَ، فجَاءَهُ فِي صَلاةِ الغَدَاةِ حتَّى قَامَ وَرَاءَهُ، وأمِيرُ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المُؤْمِنِينَ يُسَوِّي الصُّفُوفَ، فلَمَّا كبَّرَ وَجَأهُ(194) أبُو لُؤْلُؤَةَ فِي كَتِفِهِ وخَاصِرَتِهِ، فسَقَطَ(195) وقَالَ: «قَتَلَنِي –أوْ: أكَلَنِي- الكَلْبُ». ثُمَّ نَحَرَ نَفْسَهُ.

سَألَ عُمَرُ ابْنَ عَبَّاسٍ أنْ يَنْظُرَ مَنْ قَتَلَهُ. فجَالَ سَاعَةً، ثُمَّ جَاءَ فقَالَ: غُلامُ المُغِيرَةِ! قَالَ: «الصَّنَعُ؟». قَالَ: نَعَمْ! قَالَ: «قَاتَلَهُ اللهُ، لَقَدْ أمَرْتُ بِهِ مَعْرُوفًا. الحَمْدُ للهِ الَّذي لَمْ يَجْعَلْ مِيتَتِي بِيَدِ رَجُلٍ يَدَّعِي الإسْلامَ»(196) .

إنَّ الَّذي دَفَعَ أبَا لُؤْلُؤَةَ إلَى اغْتِيَالِ أمِيرِ المُؤْمنِينَ، هُوَ خُبْثُهُ وعَصَبِيَّتُهُ العُنْصُرِيَّةُ، فقَدْ كَانَ إذَا نَظَرَ السَّبْيَ الصِّغَارَ؛ أتَاهُم حتَّى يَمْسَحَ على رُؤُوسِهِم، ثُمَّ يَبكِي ويقُولُ: «إنَّ العَرَبَ أكَلَتْ كَبِدِي»(197) . مَا يَدُلُّ عَلَى الحِقْدِ الدَّفِينِ الَّذي انْطَوَت عَليْهِ قُلُوبُ هَؤُلاءِ المَجُوسِ.

إنَّها طَبِيعَةُ مَنْ يَرَى دَوْلَتَهُ قَدِ انْهَارَتْ عَلَى أيْدِي المُسْلِمِينَ، فأضْمَرَ العَدَاوَةَ، وعَزَمَ عَلَى الثَّأرِ، ولَمْ يَدْخُلِ الإيمَانُ إلَى قَلْبِهِ!

شَهَادَةُ صِدْقٍ فِي عَظِيمٍ رَحَلَ:

لَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ حَزِنَتْ عَليْهِ رَعِيَّتُهُ حُزْنًا شَدِيدًا، وأجْرَى اللهُ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحَقَّ عَلَى ألْسِنَةِ الصَّادِقينَ، فأثْنَى عَليْهِ النَّاسُ فِي نَفْسِهِ وإمَارَتِهِ. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: وُضِعَ عُمَرُ عَلَى سَرِيرِهِ، فتَكَنَّفَهُ النَّاسُ يَدعُونَ ويُثْنُونَ ويُصَلُّونَ عليْهِ، قَبْلَ أنْ يُرفَعَ، وأنَا فِيهِم، فلَمْ يَرُعْنِي إلاَّ برَجُلٍ(198) قَدْ أخَذَ بمَنْكِبِي مِنْ وَرائِي، فَالتَفَتُّ إليهِ، فإذَا هُوَ عَلِيٌّ، فتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ، وقَالَ:

«مَا خَلَّفْتَ أحَدًا أحَبَّ إليَّ أنْ ألْقَى اللهَ بمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ، وَايْمُ اللهِ، إنْ كُنْتُ لأظُنُّ أنْ يَجعلَكَ اللهُ مَعَ صَاحِبيْكَ، وذَلِكَ أنِّي كُنْتُ كَثِيرًا مَا أسْمَعُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:

«جِئْتُ أنَا وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، ودَخَلْتُ أنَا وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ، وخَرَجْتُ أنَا وأبُو بَكْرٍ وعُمَرُ».

فإنْ كُنْتُ لأرْجُو –أو: لأظُنُّ- أنْ يَجْعلَكَ اللهُ مَعَهُمَا»(199) .

تَأتِي أهَمِّيَّةُ هَذِهِ الشَّهَادَةِ، فِي انْسِجَامِهَا مَعَ الهَدْيِ النَّبَوِيِّ الدَّالِّ عَلَى فَضْلِ إمَارَةِ عُمَرَ، فِي مِثْلِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «خِيَارُ أئِمَّتِكُمُ: الَّذِينَ تُحِبُّونَهُم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويُحِبُّونَكُم، ويُصَلُّونَ عَلَيْكُم وتُصَلُّونَ عَلَيْهِم(200) الحَدِيثُ(201)

تَارِيخُ استِشْهَادِهِ، ومَبْلَغُ سِنِّهِ:

طُعِنَ أمِيرُ المُؤْمنِينَ عُمَرُ يَوْمَ الأرْبِعَاءِ لأرْبَعٍ أو ثَلاثٍ بَقِينَ مِن ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ مِنَ الهِجْرَةِ(202) . ودُفِنَ يَوْمَ الأحَدِ صَبِيحَةَ هِلالِ المُحَرَّمِ سَنَةَ أرْبَعٍ وعِشْرِينَ للهِجْرَةِ، المُوَافِقِ لِعَامِ (644م). وهُوَ ابْنُ ثَلاثٍ وسِتِّينَ سَنَةً(203) .

ثَانِيًا: أَثَرُ اسْتِشْهَادِهِ:

لَمَّا كَانَ عُمَرُ مَعْلَمًا مِن مَعَالِمِ الدِّينِ، فَارِقًا بَيْنَ الحَقِّ والبَاطِلِ، وقَدْ عَرَفَ الصَّحَابَةُ مَنزِلَتَهُ ومَكَانَتَهُ مِنَ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم، كَمَا وَقَفُوا عَلَى فَضْلِهِ وبَلائِهِ فِي الإسْلامِ، وشَهِدُوا بتَقَدُّمِهِ عَلَيْهِم... جَاءَ مَقْتلُهُ فَاجِعَةً عَظِيمَةً عَلَى المُسْلِمِينَ، حيثُ لَمْ تَكُنِ الحَادِثَةُ بَعْدَ مَرَضٍ ألَمَّ بِهِ، أوْ نَحْوِ ذَلِكَ! وزَادَ مِنْ هَوْلِهَا أنَّهَا وَقَعَتْ فِي المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ وعُمَرُ يَؤُمُّ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

النَّاسَ لِصَلاةِ الصُّبْحِ!

فثَلَمَ الإسْلامَ ثُلْمَةً(204) يصْعُبُ رَتْقُهَا(205) ، وخَيَّمَتْ عَلَى المَدِينَةِ سَحَابَةٌ مِنَ الحُزْنِ والأسَى واللَّوْعَةِ، لِفَقْدِ عِمْلاقِ الإسْلامِ، «وكَأنَّ النَّاسَ لَمْ تُصِبْهُم مُصِيبَةٌ قَبْلَ يَومَئذٍ»(206) . ومَا مَرَّ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى مَلأٍ إلاَّ وَجَدَهُم يَبْكُونَ، وكَأنَّهُم فَقَدُوا أبْكَارَ أوْلادِهِم(207) ، حَتَّى امْتَنَعَ الصَّحَابَةُ عَنِ الطَّعَامِ(208) . وكَيْفَ لا يَبْكِي الإسْلامُ عَلَى مَوْتِهِ؟! وقَدَ جَرَّدَ نَفْسَهُ للقِيَامِ بِهِ، ولَمْ يَفْتُرْ عَنِ الجِهَادِ فِيهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ.

وكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ إذَا ذُكِرَ لَهُ عُمَرُ؛ بَكَى حَتَّى يَبْتَلَّ الحَصَى مِنْ دُمُوعِهِ(209) وخَطَبَ فِي أهْلِ الكُوفَةِ، فحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أمَّا

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بَعْدُ، فَإنَّ أمِيرَ المُؤْمنِينَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ مَاتَ! فَلَمْ يُرَ يَومٌ أكْثَرُ نَشِيجًا(210) مِنْ يَومَئِذٍ»(211)

وعلَّلَ ذَلِكَ بقَوْلِهِ: «إنَّ عُمَرَ كَانَ للإسْلامِ حِصْنًا حَصِينًا، يَدْخُلُ فِيهِ الإسْلامُ ولا يَخْرُجُ مِنهُ. فلَمَّا قُتِلَ عُمَرُ انثَلَمَ الحِصْنُ، فالإسْلامُ يَخرُجُ مِنهُ، ولا يَدْخُلُ فِيهِ»(212) .

لَقَدْ كَانَتْ حَيَاةُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ حِصْنًا حَصِينًا تتَكَسَّرُ عَليْهِ أمْوَاجُ الفِتْنَةِ، عَاشَ فَتْرَةَ خِلافَتِهِ بمَنْأًى عَنْهَا، بَلْ قَوَّضَهَا وأخْمَدَهَا فِي مَهْدِهَا. وقَدْ أسَرَّ لَهُ بذَلِكَ حُذَيفَةُ بْنُ اليَمَانِ(213) يُبَشِّرُهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «يَا أمِيرَ المُؤْمنِينَ، لا بَأسَ عَلَيْكَ مِنْهَا، إنَّ بَينَكَ وبَينَهَا بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ عُمَرُ: يُفْتَحُ البَابُ أوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: لا، بَلْ يُكْسَرُ. قَالَ: ذَاكَ أجْدَرُ أنْ لا يُغْلَقَ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ»(214) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يُنْبِئُ الحَدِيثُ بحِفْظِ المُجْتَمَعِ مِنْ وُقُوعِ الفِتَنِ فِي عَهْدِ عُمَرَ. ذَلِكَ أنَّ حَيَاتَهُ شَكَّلَتْ سَدًّا مَنِيعًا فِي وَجْهِ مُحَاوَلاتِ الفِتْنَةِ، وكَانَتْ بَابًا مُوصَدًا تَحُوطُ النَّاسَ وتَحْفَظُ دِينَهُم. تَمَثَّلَ مَوْتُ عُمَرَ بكَسْرِ هَذَا البَابِ وانْفِتَاحِهِ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ، والإعْلانِ بعَدَمِ انْغِلاقِهِ مِنْ بَعْدُ! وهَذَا مَا حَصَلَ حَيْثُ بَدَأتِ الفِتْنَةُ عَقِبَ خِلافَتِهِ قَبْلَ مَقْتَلِ الشَّهِيدِ عُثْمَانَ (ت35هـ) رضي الله عنه، ثُمَّ تَتَابَعَتِ الفِتَنُ، وظَهَرَتِ الأهْوَاءُ والبِدَعُ فِي المِلَّةِ(215) .

قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: «سَبَقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وصَلَى(216) أبُو بَكْرٍ، وثَلَّثَ عُمَرُ. ثَمَّ خَبَطَتْنَا فِتْنَةٌ، ويَعْفُو اللهُ عَمَّنَ يَشَاءُ»(217) .

إنَّ مَا نَعَى بِهِ العَارِفُونَ أمِيرَ المُؤْمنِينَ، ومَا نَطَقَتْ ِبهِ شِفَاهُهُم، مِنَ التَّفَجُّعِ لِمَقْتَلِهِ والتَّألُّمِ لاستِشْهَادِهِ... يُنْبِئُ عَن دَوْرِ عُمَرَ الفَاعِلِ فِي حَيَاةِ الأمَّةِ، ويُومِضُ فِي مَا يُشَكِّلُ لَهُم مِنْ إلْهَامِ المُشَرِّعِ الحَكِيمِ، والقَائِدِ العَظِيمِ، والسِّيَاسِيِّ المُلْهَمِ، الَّذِي مَلأ الدُّنيَا وشَغَلَ النَّاسَ.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هَذِهِ الإشَادَةُ بشَخْصِ عُمَرَ وبُعْدِ أُفُقِهِ فِي الاجْتِهَادِ والتَّشْرِيعِ، تَحْدُونَا إلَى الوُقُوفِ عَلَى مَلامِحِ شَخْصِيَّتِهِ العِلْمِيَّةِ، عَلَى نَسَقٍ يَشْرَحُ تَأثِيرَ صِفَاتِهِ الأخْلاقِيَّةِ ومَلَكَاتِهِ النَّفْسِيَّةِ فِي فِكْرِهِ الأصُولِيِّ.

صفحة 114 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: مَلامِحُ شَخْصِيَّةِ عُمَرَ العِلْميَّةِ

تَعَدَّدَتْ مَوَاهِبُ عُمَرَ وتَنَوَّعَتْ، واسْتَطَاعَ أنْ يُجَيِّرَ مُكْتَسَبَاتِهِ فِي الجَاهِلِيَّةِ ومُلْحَقَاتِهَا فِي مَا بَعْدُ، إلَى نُمُوٍّ وغِنًى للإسْلامِ. فأفَادَ مُجْتَمَعَهُ فِي غَيْرِ مَا صَعِيدٍ، بِنَاءً عَلَى مَا جَبَلَهُ اللهُ عَلَيْهِ مِنْ مُؤَهِّلاتٍ تَضَلَّعَ بِهَا، فأخَذَتْ بيَدِهِ إلَى أنْ أبْحَرَ فِي عَالَمٍ وَاسِعٍ مِنَ الاجْتِهَادِ والرَّأيِ، جَذَبَ إلَيْهِ النُّظَّارَ والأصُولِيِّينَ والفُقَهَاءَ والقَانُونِيِّينَ.

لِذَلِكَ جَاءَ هَذَا المَبْحَثُ مُتَضَمِّنًا مَطْلَبَينِ اثْنَينِ، هُمَا:

المَطْلَبُ الأوَّلُ: صِفَاتٌ نَفْسَانِيَّةٌ أوْرَثَتِ اجْتِهَادًا شُمُولِيًّا. المَطْلَبُ الثَّانِي: ثَقَافَتُهُ ودَوْرُهَا فِي تَكْوِينِ العَقْلِيَّةِ الاجْتِهَادِيَّةِ.

المَطْلَبُ الأوَّلُ: صِفَاتٌ نَفْسَانِيَّةٌ أوْرَثَتِ اجْتِهَادًا شُمُولِيًّا

انفَرَدَتْ شَخْصِيَّةُ عُمَرَ – مِنْ بَيْنِ شَخْصِيَّاتٍ تارِيخِيَّةٍ كَثِيرَةٍ- أنَّهَا جَمَعَتْ بَينَ المُتنَاقِضَاتِ ؛ فتَرَاهُ غَايَةً فِي البَأْسِ، وغَايَةً فِي العَدْلِ، وغَايَةً فِي الشِّدَّةِ، وغَايَةً فِي الرَّحْمَةِ(218) ... مَا يُوحِي إلَيْكَ بالتِقَاءِ القُوَّةِ بالحَقِّ، فِي شَخْصٍ شَاهِدٍ عَلَى عَصْرِهِ وضَمِينٍ لَهُ. فاحْتَاطَ للدِّينِ، كَمَا وَسَّعَ عَلَى المُسْلِمِينَ.

تَوَغَّلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إلَى أعْمَاقِ عُمَرَ، فوَجَدَهُ رَجُلاً مُمْتَازًا مَوْهُوبًا ، صَاحِبَ فِرَاسَةٍ صَادِقَةٍ وخِبْرَةٍ طَوِيلَةٍ؛ فتَمَلَّكَهُ حُبُّهُ، حَتَّى صَارَ الرَّجُلَ الثَّانِيَ فِي عَهْدِهِ، وقَدْ سُئِلَ: أيُّ النَّاسِ أحَبُّ إلَيْكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ». قِيلَ: مِنَ الرِّجَالِ؟ قَالَ: «أبُوها». فَقِيلَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «عُمَرُ»(219) .

ثُمَّ أطْلَقَ عَلَيْهِ صِفَةَ العَبْقَرِيَّةِ لِمَا يتَّصِلُ بتَكْوِينِهِ وتَركِيبِ خَلفِيَّتِهِ،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَضْلاً عَنْ مَدلُولاتِ أخْلاقِهِ وأعْمَالِهِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إنَّهُ قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنَ الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ. وإنَّهُ إنْ كَانَ فِي أمَّتِي هذهِ مِنهُم؛ فإنَّهُ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ»(220)

والمُحَدَّثُ هُوَ: المُلْهَمُ طَبْعًا وسَجِيَّةً للصَّوَابِ(221) ، »يُلْقَى فِي نَفْسِهِ الشَّيْءُ، فيُخْبِرُ بِهِ حَدْسًا وفِرَاسَةً، وهُوَ نَوْعٌ يَخْتَصُّ بِهِ اللهُ عز وجل مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ الَّذيِنَ اصْطَفَى»(222) .

ومِنْ ثَمَّ تَأصَّلَتْ في نَفْسِهِ هَذِهِ الخَصْلَةُ، وجَاءَ عَلَى لِسَانِهِ: «مَنْ لَمْ يَنفَعْهُ ظَنُّهُ؛ لَمْ تَنفَعْهُ عَينُهُ»(223) لِمَا اتَّصَفَ باستِيحَاءِ الغَيْبِ مِنْ سِتْرٍ رَقِيقٍ، واسْتِنبَاطِ أسْرَارِ الحَيَاةِ، بالنَّظَرِ الثَّاقِبِ. فتَكْشِفُ عَنِ الخَفَايَا، وتَسْتَوضِحُ البَواطِنَ، وتَستَخْرِجُ المَعَانِي الَّتي تَدِقُّ عَنِ الألْبَابِ(224) قَالَ

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: «مَا سَمِعْتُ عُمَرَ لِشَيْءٍ قَطُّ يَقُولُ: إنِّي لأظُنُّهُ كَذَا، إلاَّ كَانَ كَمَا يَظُنُّ»(225)

هَذَا مَا يُوَصِّفُ اجتِهَادَاتِهِ بمُجْمَلِهَا، خَاصَّةً تِلْكَ الَّتِي انفَرَدَ بِهَا، ودَارَ بَحْثٌ حَوْلَهَا؛ حيثُ تَجِدُهُ عَلَى حُجَّةٍ نَاهِضَةٍ، وإنْ جَانَبَهَا الصَّوَابُ! فقَدْ «كَانَ لِذَاتِيَّةِ عُمَرَ وبُرُوزِهَا أثَرٌ فِي الحَيَاةِ العَقْلِيَّةِ كَأثَرِهَا فِي إدَارَةِ الشُّؤُونِ العَامَّةِ.

فَقَدْ كَانَ مِن أكْثَرِ المُسْلِمِينَ اجْتِهَادًا بالرَّأيِ، كَانَ ذَلِكَ شَأنَهُ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم وفِي حَيَاةِ أبِي بَكْرٍ، ثُمَّ كَانَ المُجْتَهِدَ الأوَّلَ فِي خِلافَتِهِ. فلَمْ تُعْرَضْ مَسْألَةٌ إلاَّ كَانَ لَهُ فِيهَا رَأيٌ، ولَمْ تَكُنْ مَسْألَةٌ فِقْهِيَّةٌ إلاَّ كَانَ مَا يَسْتَقِرُّ عَلَيْهِ حُكْمُهُ فِيهَا حُجَّةً يَأخُذُ بِهَا النَّاسُ فِي عَهْدِهِ، ويَأخُذُ بِهَا النَّاسُ مِن بَعْدِهِ»(226) .

وقَدْ دَلَّتْ إلهَامَاتُهُ عَلَى كَمَالِ تَهَيُّؤِ نَفْسِهِ لِتَقَبُّلِ مَا تَضَمَّنَتْهُ مِن أحْكَامٍ، عَن طِيبِ خَاطِرٍ؛ طَمَعًا فِي عَظِيمِ الثَّوَابِ، ورَغْبَةً فِي تَنْظِيمِ شُؤُونِ المُجْتَمَعِ. ولا يتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ الحِكْمَةِ والسُّؤَالِ عَنْهَا، بَلْ هِيَ طَاعَةٌ مُطْلَقَةٌ، وقَنَاعَةٌ رَاسِخَةٌ، مَصْدَرُهَا الإيمَانُ الثَّابِتُ بكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ المَعْصُومُ صلى الله عليه وسلم.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قَرَأ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَفاكِهَةً وَأَبًّا﴾(227) ، فَقَالَ: «مَا الأبُّ؟». ثُمَّ قَالَ: «مَهْ، قَدْ نُهِينَا عَنِ التَّكَلُّفِ». ثُمَّ قَالَ: «يَا عُمَرُ، إنَّ هَذَا لَمِنَ التَّكَلُّفِ! ومَا عَلَيْكَ ألاَّ تَدْرِي مَا الأبُّ(228)(229) ؟!» .

وكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ الإرْشَادِ النَّبَوِيِّ لا يَتَعَدَّاهُ، وإنْ جَاءَ مُخَالِفًا لِمَشَاعِرِهِ الإنْسَانِيَّةِ، فَلا تَغْلِبُهُ غَيْرَتُهُ عَلَى أمْرِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أوْ نَهْيِهِ! ذَلِكَ أنَّ زَوْجَهُ عَاتِكَةَ(230) كَانَتْ تُصَلِّي الفَجْرَ والعِشَاءَ فِي المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وكَانَ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عُمَرُ يَكْرَهُ خُرُوجَهَا! فَقِيلَ لَهَا: تَخْرُجِينَ وقَدْ تَعْلَمِينَ أنَّ عُمَرَ يَكْرَهُ ذَلِكَ ويَغَارُ! فَقَالَتْ: ومَا يَمْنَعُهُ أنْ يَنْهَانِي؟ قَالُوا: يَمْنَعُهُ قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لا تَمْنَعُوا مَسَاجِدَ اللهِ إمَاءَ اللهِ»(231)

فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ لَهَا إذَا اسْتَأذَنَتْهُ إلَى المَسْجِدِ: «قَدْ عَرَفْتِ هَوَايَ فِي الجُلُوسِ». فَتَقُولُ: لا أدَعُ اسْتِئْذَانَكَ. وكَانَ لا يَحْبِسُهَا إذَا اسْتَأذَنَتْهُ. فَلَقَدْ طُعِنَ وهِيَ فِي المَسْجِدِ(232) .

ومَنْ لازَمَ التَّرَقِّي فِي مِعْرَاجِ العُبُودِيَّةِ للهِ تَعَالَى؛ فَتَحَ اللهُ عَلَى بَصِيرَتِهِ، وأنْطَقَهُ بالحَقِّ مِنْ نُورِهِ ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ﴾(233) . قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «بَيْنَا أنَا نَائِمٌ، رَأيْتُ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَيَّ وعَلَيْهِم قُمُصٌ؛ فمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، ومِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ. وعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ وعَلَيْهِ قَمِيصٌ اجْتَرَّهُ». قَالُوا: فَمَا أوَّلْتَهُ؟ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «الدِّينُ»(234) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

جَاءَهُ عُمَرُ يَوْمًا يَستَأذِنُهُ فِي الخُرُوجِ إلَى العُمْرَةِ، فأذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، والتَمَسَ مِنْهُ الدُّعَاءَ بقَوْلِهِ: «يَا أُخَيَّ، لا تَنْسَنَا مِن دُعَائِكَ، أو قَالَ: يَا أُخَيَّ، أشْرِكْنَا فِي شَيْءٍ مِن دُعَائِكَ ولا تَنْسَنَا». قَالَ عُمَرُ: مَا أُحِبُّ أنْ لِي بِهَا مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ لِقَولِهِ: «يَا أُخَيَّ»(235) .

لَبِسَتِ الهَيْبَةُ عُمَرَ ، فكَانَ يَمْلأُ أفْئِدَةَ النَّاسِ قَبْلَ أنْظَارِهِم، ومَنْ عَرَفَهُ كَانَ أهْيَبَ لَهُ مِنَ الَّذي يَجْهَلُهُ. مَبْعَثُ ذَلِكَ انْفِرَادُهُ بهَيْبَةٍ صَادِرَةٍ عَن قُوَّةِ نَفْسٍ قَبْلَ أنْ تَكُونَ مِنْ قُوَّةِ الجَسَدِ، وعَن كَمَالِ إيمَانٍ وصَلابَةٍ فِي الحَقِّ. فحَظِيَ بتَوْقِيرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ وإجْلالِهِ إيَّاهُ، تَقُولُ أمُّ المُؤْمنِينَ عَائِشَةُ رضي الله عنها: «... فَمَا زِلْتُ أهَابُ عُمَرَ لِهَيْبَةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم»(236) . لذَلِكَ لمْ يَكُنْ يُطَمْئِنُ أحَدًا إلاَّ الثِّقَةَ بعَدْلِهِ وتَقْوَاهُ.

تَجَذَّرَتْ فِي ذَاتِ عُمَرَ فَضِيلَةُ العَدْلِ وأمْسَى بَيْنَهُمَا عِنَاقٌ وتَلاقٍ،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَلا يُذْكَرُ العَدْلُ إلاَّ شُفِعَ بذِكْرِ الفَارُوقِ. ظَهَرَتْ آثَارُهُ فِي اجْتِهَادَاتِهِ الَّتِي رُبَّمَا خَالَفَهُ فِيهَا كِبَارُ المُنَظِّرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ، قَصَدَ بِهَا تَثْبِيتَ نَظَرِيَّةِ العَدْلِ مِنْ خِلالِ مَوْقِعِهِ الرَّسْمِيِّ.

فبَلَغَ بِهِ أنْ سَاوَى بَيْنَ أهْلِ بَيْتِهِ وعُمُومِ رَعِيَّتِهِ لجِهَةِ الحُقُوقِ والوَاجِبَاتِ. بَلْ تَشَدَّدَ مَعَ ذَوِيهِ، وبَالَغَ فِي إنْزَالِ العُقُوبَةِ عَلَيْهِم، لمَكَانِهِم مِنْهُ حَيْثُ أعْيُنُ النَّاسِ إلَيْهِم شَاخِصَةٌ، يَنْظُرُونَ مَا هُم فَاعِلُونَ حتَّى يتَعَذَّرُوا بِهِم(237) .

قَالَ المُسْتَشْرِقُ البَرِيطَانِيُّ مُوِير (ت1905م)(238) «أظْهَرُ مَا اتَّصَفَتْ بِهِ إدَارَاتُهُ: عَدَمُ التَّحَيُّزِ، والتَّعَبُّدُ. وكَانَ يُقَدِّرُ المَسْؤُولِيَّةَ حَقَّ قَدْرِهَا... كَانَ شُعُورُهُ بالعَدْلِ قَوِيًّا، ولَمْ يُحَابِ أحَدًا»(239) ومَنْ بَلَغَ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مَعْرِفَةً بوَاقِعِ العَدْلِ لَدَى عُمَرَ؛ أدْرَكَ أنَّهُ مِنَ النَّوْعِ الشَّامِلِ لِعُمُومِ الرَّعِيَّةِ، ولَيْسَ خَاصًّا بالمُسْلِمينَ وَحْدَهُم. قَالَ صلى الله عليه وسلم: «أرْحَمُ أمَّتِي بأمَّتِي: أبُو بَكْرٍ، وأشَدُّهُم فِي دِينِ اللهِ: عُمَرُ»(240)

حَازَ ابْنُ الخَطَّابِ كَثِيرًا مِنَ الفَضَائِلِ والمَنَاقِبِ، مِنْهَا مَا حَاكَتْ طَبَائِعَهُ وسَجَايَاهُ، وأخْرَى نُسِجَتْ عَلَى نَسَقِ مَلَكَاتِهِ العَقْلِيَّةِ ومَدَارِكِهِ الاجْتِهَادِيَّةِ، وثَالِثَةٌ لاحَظَتْ مَوَاهِبَهُ الجِسْمَانِيَّةَ. حَتَّى ظَهَرَتْ بِهِ -إبَّانَ الرِّسَالَةِ- الدَّعْوَةُ، ورَسَخَتِ الكَلِمَةُ، وجَمَعَ اللهُ بِمَا مَنَحَهُ -مِنَ الصَّوْلَةِ والجَوْلَةِ- مَا نَشَأتْ لَهُم فِي عَهْدِهِ مِنَ الدَّوْلَةِ(241) .

تَقُولُ أمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رضي الله عنها: «مَنْ رَأى عُمَرَ؛ عَلِمَ أنَّهُ خُلِقَ غَنَاءً للإسْلامِ. كَانَ واللهِ- أحْوَذيًّا(242) نَسِيجَ وَحْدِهِ(243) قَدْ أعَدَّ للأمُورِ أقْرَانَهَا(244)

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مَا رَأيْتُ مِثْلَ خُلُقِهِ»(245)

قَرَأهُ المُنْصِفُونَ مِن جَوَانِبَ عِدَّةٍ، فِي شَخْصِيَّتِهِ المَوْسُوعِيَّةِ واجْتِهَادِهِ الشُّمُولِيِّ، وعَدُّوهُ أحَدَ مَنْ تُحْسَدُ هَذِهِ الأمَّةُ عَلَيْهِم. وذَلِكَ فِي سِيَاسَتِهِ، ويَقَظَتِهِ، وحَذَرِهِ، وتَحَفُّظِهِ، وقَرِيحَتِهِ، وبَدِيهَتِهِ، ورَأيِهِ... فعُمَرُ مِنْ نَوَادِرِ الرِّجَالِ، مَنْ فَازَ بِهِ فَقَدْ فَازَ بنَصِيبٍ وَافِرٍ(246) .

عُقِمَ النِّسَاءُ فَمَا يَلِدْنَ شَبِيهَهُإنَّ النِّسَاءَ بمِثْلِهِ عُقْمُ(247) ( 247 )

بحِيَازَةِ هَذِهِ الصِّفَاتِ، كَانَ عُمَرُ خَلِيقًا أنْ يَسْتَوِيَ عَلَى عَرْشِ القِيَادَةِ، ويَنطَلِقَ بِهَا مِنْ مُحِيطِهِ الضَّيِّقِ، ويُحَلِّقَ فِي سَمَاوَاتِ المَعْرِفَةِ والحُكْمِ والقَضَاءِ، حتَّى دَانَتْ لَهُ الأمَمُ والشُّعُوبُ فِي العَالَمِ. وثَبتَتْ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

جَدَارَتُهُ عَلَى مُسْتَوَى التَّشْرِيعِ والاجْتِهَادِ، وسَنِّ القَوَانِينِ وتَنْظِيمِ الدَّسَاتِيرِ.

زَادَ فِي قَدْرِ رَأيِهِ اطِّرَاحُهُ كُلَّ مَصْلَحَةٍ خَاصَّةٍ أوِ اعْتِبَارٍ ذَاتِيٍّ، وتَجَرَّدَ للهِ ودِينِهِ وخَيْرِ المُسْلِمِينَ تَجَرُّدًا عَزَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهِ بَعْدَهُ، قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: «رَأيْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ عَلَى قَتَبٍ(248) يَعْدُو! فقُلْتُ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أيْنَ تَذْهَبُ؟ قَالَ: بَعِيرٌ نَدَّ(249) مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ أطْلُبُهُ.

فقُلْتُ: لَقَدْ أذْلَلْتَ الخُلَفَاءَ بَعْدَكَ! فقَالَ: يَا أبَا الحَسَنِ، لا تَلُمْنِي؛ فوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم بالنُّبُوَّةِ، لَوْ أنَّ عَنَاقًا أُخِذَتْ بشَاطِئِ الفُرَاتِ لأُخِذَ بِهَا عُمَرُ يَوْمَ لقِيَامَةِ(250)(251) )( ».

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المَطْلَبُ الثَّانِي: ثَقَافَتُهُ ودَوْرُهَا فِي تَكْوِينِ العَقْلِيَّةِ الاجْتِهَادِيَّةِ

تَوَافَرَ لِعُمَرَ حَظٌّ كَبِيرٌ مِنْ ثَقَافَةِ مُجْتَمَعِهِ، وشَارَكَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الفُنُونِ المُتَدَاوَلَةِ فِي زَمَانِهِ. ونَشَأ مُدَرَّبًا عَلَى الرِّيَاضَةِ البَدَنِيَّةِ، خَطِيبًا مَطْبُوعًا عَلَى الكَلامِ(252) . شَهِدَ بذَلِكَ المُسْتَشْرِقُ إيرفينغ (ت1859م)(253) فِي قَوْلِهِ: «إنَّ حَيَاةَ عُمَرَ –مِنْ أوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا- تَدُلُّ عَلَى أنَّه كَانَ رَجُلاً ذَا مَوَاهِبَ عَقْلِيَّةٍ عَظِيمَةٍ»(254) .

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «إنْ كُنَّا نَحْسُبُ أنَّ عُمَرَ قَدِ انْفَرَدَ بتِسْعَةِ أعْشَارِ العِلْمِ»(255) جَاءَ تَعْدَادُ بَعْضِ هَذِهِ العُلُومِ فِي قَولِهِ: «إنَّ عُمَرَ كَانَ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أعْلَمَنَا باللهِ، وأقْرَأنَا(256) لكِتَابِ اللهِ، وأفْقَهَنَا فِي دِيْنِ اللهِ»(257)

وقَالَ قَبِيصَةُ بْنُ جَابِرٍ الأسَدِيُّ (ت69هـ) رحمه الله(258) : «مَا رَأيْتُ رَجُلاً أعْلَمَ باللهِ، ولا أقْرَأ لكِتَابِ اللهِ، وأفْقَهَ فِي دِينِ اللهِ، مِن عُمَرَ»(259) .

أوْلَى عُمَرُ العِلْمَ عِنَايَةً خَاصَّةً، ومَا فَتِئَ يَنْهَلُ مِنْ مَوَارِدِ المَعْرِفَةِ المُتَاحَةِ فِي عَصْرِهِ زَمَنَ الجَاهِلِيَّةِ، حتَّى أتْقَنَ القِرَاءَةَ والكِتَابَةَ، واهْتَمَّ بتَارِيخِ قَوْمِهِ وشُؤُونِهِم، وتَذَوَّقَ الشِّعْرَ، وعَرَفَ مَعَانِيَهِ، وأغْرَاضَهُ، وبَرَعَ فِي نَقْدِهِ، وكَثِيرًا مَا كَانَ يتَمَثَّلُ بأبْيَاتٍ مِنْهُ، بَلْ لا يَكَادُ يَعْرِضُ لَهُ أمْرٌ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إلاَّ أنْشَدَ فِيهِ شِعْرًا(260) وأمَرَ لاحِقًا بإتْقَانِهِ؛ فالشِّعْرُ دِيوَانُ العَرَبِ، وأصْلٌ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فِي الكَثِيرِ مِنْ عُلُومِهِم وحِكَمِهِم(261)

وحَرَصَ عَلَى الحُضُورِ فِي أسْوَاقِ العَرَبِ الكُبْرَى «كعُكَاظٍ»(262) ، واستَفَادَ مِنْهَا فِي التِّجَارَةِ، ومَعْرِفَةِ تَارِيخِ العَرَبِ، ومَا يَحْدُثُ بَيْنَ القَبَائِلِ مِن وَقَائِعَ ومُفَاخَرَاتٍ ومُنَافَرَاتٍ. وزَاوَلَ الشَّأنَ العَامَّ، وتَضَلَّعَ بعِلْمِ السِّيَاسَةِ... مِمَّا أهَّلَهُ فِي مَا بَعْدُ للقِيَامِ بالسِّفَارَةِ، وقِيَادَةِ الأمَّةِ(263) .

فكَانَ ذَلِكَ مَوْرِدًا هَامًّا فِي التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ، ورَافِدًا أضْفَى عَلَى عَمَلِيَّةِ الاجْتِهَادِ بُعْدًا مَقَاصِدِيًّا. وقَدْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى أنْ يُزَوِّدَ عُمَرَ بالحِكْمَةِ، وحُسْنِ رِعَايَةِ الأمَّةِ، وتَدْبِيرِ شُؤُونِهَا، لِمَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ مِنْ أنَّ فَتْرَةَ خِلافَتِهِ سَتَطُولُ، فيَحْتَاجُ إلَى مَهَارَاتٍ يَرْبَحُ بِهَا وُدَّ النَّاسِ وثِقَتَهُم، ويُجِيدُ فَنَّ التَّعَامُلِ مَعَهُم.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سَاعَدَهُ عَلَى تَحْقِيقِ نَجَاحَاتِهِ عِلْمُهُ الوَاسِعُ، وقُدْرَتُه التَّنْظِيمِيَّةُ، وخِبْرَتُهُ فِي الحَيَاةِ. بالإضَافَةِ إلَى صِدْقِ إيمَانِهِ برَبِّهِ، وصَفَاءِ نِيَّتِهِ لدِينِهِ، وخُلُوصِ نَفْسِهِ مِنْ شَوَائِبِ الدُّنيَا وعَوَالِقِ الجَاهِليَّةِ، وقُرْبِهِ مِن رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

لَمْ يَخْفَ نُبُوغُهُ الفِقْهِيُّ، ونَبَاهَتُهُ العِلْمِيَّةُ، فِي الوَسَطِ المَعْرِفِيِّ لَدَى مُجْتَمَعِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم، حتَّى شَهِدَ لَهُ فُقَهَاؤُهُم، ومُفَسِّرُوهُم، ومُحَدِّثُوهُم، وقُضَاتُهُم، بالعِلْمِ الرَّاسِخِ. قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «لَوْ وُضِعَ عِلْمُ النَّاسِ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ، وعِلْمُ عُمَرَ فِي كِفَّةٍ، لَرَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ»(264) . وقَالَ حُذَيفَةُ (ت36هـ) رضي الله عنه: «لكَأنَّ عِلْمَ النَّاسِ مَدْسُوسٌ فِي جُحْرٍ مَعَ عِلْمِ عُمَرَ»(265) .

وهَذَا مُسْتَفْتٍ يَحْضُرُ فِي مَجْلِسِ عُمَرَ، فيَجِدُ «الفُقَهَاءَ عِندَهُ مِثْلَ الصِّبْيَانِ، قَدِ اسْتَعْلَى عَلَيْهِم فِي فِقْهِهِ وعِلْمِهِ»(266) .

وخَبَرَ غَيرُ وَاحِدٍ مِن فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ وكِبَارِهِم عِلْمَ الصَّحَابَةِ، فوَجَدُوهُ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قَدِ انْتَهَى إلَى نَفَرٍ قَلِيلٍ، قَالَ مَسْرُوقُ بْنُ الأجْدَعِ (ت63هـ) رحمه الله(267) «شَامَمْتُ(268) أصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، فوَجَدْتُ عِلْمَهُم انْتَهَى إلَى سِتَّةٍ...»(269) تَصَدَّرَ مُقَدِّمَتَهُم عُمَرُ.

اخْتَصَّهُ اللهُ بشَخْصِيَّةٍ بَارِزَةٍ، اجْتَمَعَتْ فِيهَا خِصَالُ الخَيْرِ، ومَزَايَا الإشْرَاقِ، وشُرُوطُ الاجْتِهَادِ. ففَاقَ مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ ومُنَظِّرِيهِم، فِي السِّيَاسَةِ، والقَضَاءِ، والإدَارَةِ...

ولِمَكَانَةِ عُمَرَ العِلْمِيَّةِ العَالَمِيَّةِ العَالِيَةِ، كَانَ مِن أهْلِ الفَتْوَى فِي المَدِينَةِ، ومِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِم مِنَ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم(270) ذَلِكَ أنَّهُ مَلَكَ أدَاةَ الاجْتِهَادِ وضَوَابِطَ المَعْرِفَةِ وأصُولَ الاسْتِدْلالِ والمُنَاظَرَةِ، الَّتي مِنْ أهَمِّهَا مَعْرِفَةُ نَوْعٍ دَقِيقٍ، هُوَ: العِلْمُ بنَاسِخِ القُرْآنِ مِنْ مَنْسُوخِهِ، شَهِدَ لَهُ بِهِ حُذَيْفَةُ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بنُ اليَمَانِ رضي الله عنه(271) كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَنْ آيَةِ إكْمَالِ الدِّينِ(272) «إنِّي لأعْلَمُ حَيْثُ أُنْزِلَتْ، وأيَّ يَوْمٍ أُنْزِلَتْ، وأيْنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ أُنْزِلَتْ...»(273)

فغَدَتِ اجْتَهَادَاتُهُ مُتَمَيِّزَةً بلَوْنِهَا المَقَاصِدِيِّ الَّذي يُوَازِنُ بَيْنَ المَصَالِحِ والمَفَاسِدِ، ويَسُدُّ الذَّرَائِعَ، ويَنْشُدُ العَدْلَ.

دَلَّ عَلَى هَذَا التَّمَيُّزِ، ورَجَاحَةِ هَذِهِ الاخْتِيَارَاتِ، أمُورٌ عِدَّةٌ، مِنْهَا:

نُزُولُ القُرْآنِ بمُوَافَقَتِهِ:

أخْبَرَ الرَّسُولُ صلى الله عليه وسلم عنْ شَيْءٍ مَكْنُونٍ فِي الغَيْبِ، لَوْ قُدِّرَ أنْ يَكُونَ لَمَا فَاتَ عُمَرَ، فيَقُولُ: «لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرُ»(274) . فأفَادَ أنَّ عِلْمَهُ مُسْتَقًى مِنْ عُلُومِ النُّبُوَّةِ، لِهَذَا بَلَغَ التَّوْفِيقَ للصَّوَابِ.

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رحمه الله: «السَّبَبُ فِي تَخْصِيصِ عُمَرَ بِالذِّكْرِ، لِكَثْرَةِ مَا وَقَعَ لَهُ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمُوَافَقَاتِ(275) الَّتِي نَزَلَ القُرْآنُ مُطَابِقًا لَهَا، ووَقَعَ لَهُ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عِدَّةُ إصَابَاتٍ»(276)

حَرَصَ عُمَرُ عَلَى الفَرْدِ المُسْلِمِ والمُجْتَمَعِ الَّذِي يَعِيشُ فِيهِ المُسْلِمُونَ، فكَانَ يَسْتَبِقُ الوَحْيَ ويُدْلِي بِمَا يَرْشَحُ فِي خَاطِرِهِ، مِمَّا هُوَ مَرْكُوزٌ فِي فِطْرَتِهِ وسَجِيَّتِهِ، بِمَا يَعُودُ بالمَنْفَعَةِ عَلَى الرَّعِيَّةِ بأسْرِهَا. فيَجْتَهِدُ بِمَا آتَاهُ اللهُ مِنْ بُعْدِ نَظَرٍ وفَهْمٍ لرُوحِ الشَّرِيعَةِ ومَعَانِيهَا الغَرَّاءِ، فيَنْزِلُ الوَحْيُ برَأيِهِ.

فِي هَذَا السِّيَاقِ، يتَحَدَّثُ عُمَرُ عَنْ نَفْسِهِ، فيَقُولُ: «وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاثٍ(277)(278) وبدَوْرِهِ، يَتَوَلَّى ابنُ عُمَرَ شَرْحَ وَاقِعِ الحَالِ لَدَى

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

جُمْهُورِ الصَّحَابَةِ، فيَقُولُ: «مَا نَزَلَ بالنَّاسِ أمْرٌ قَطُّ، فقَالُوا فِيهِ، وقَالَ فِيهِ عُمَرُ، إلاَّ نَزَلَ فِيهِ القُرْآنُ عَلَى نَحْوِ مَا قَالَ عُمَرُ»(279)

قَالَ مُجَاهِدٌ بْنُ جَبْرٍ (ت104هـ) رحمه الله(280) : «كَانَ عُمَرُ إذَا رَأى الرَّأيَ نَزَلَ بِهِ القُرْآنُ»(281) .

بِنَاءً على هَذِهِ الشَّهَادَاتِ، يُمْكِنُ تَلَمُّسُ الفَوَائِدِ الآتِيَةِ:

إنَّ نُزُولَ القُرْآنِ بمُوَافَقَةِ عُمَرَ، يُشِيرُ إلَى أنَّ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ مَنْزِلَةً عَظِيمَةً ومَكَانَةً رَفِيعَةً. الأمْرُ الَّذي حَدَا بعَلِيٍّ رضي الله عنه أنْ يَقُولَ: «إنَّ فِي القُرْآنِ مِن كَلامِ عُمَرَ لَكَثِيرٌ»(282) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قَالَ النَّوَوِيُّ: «هَذَا مِن أجَلِّ مَنَاقِبِ عُمَرَ وفَضَائِلِهِ»(283) .

قِيمَةُ هَذِهِ المُوَافَقَاتِ فِي أنَّهَا أبْرَزَت عَقْلِيَّةَ عُمَرَ التَّشْرِيعِيَّةَ المُمْتَازَةَ، وكَشَفَتْ عَنِ المَدَى الكَبِيرِ الَّذي وَصَلَتْ إلَيْهِ فِي نَفَاذِ البَصِيرَةِ، وصَوَابِ الرَّأيِ، والمَعْرِفَةِ المُطْبَقَةِ بظُرُوفِ الوَاقِعِ وحَيْثِيَّاتِهِ وأبْعَادِهِ. وتُعْتَبَرُ قَرِينَةً بَدَهِيَّةً عَلَى سَعَةِ عِلْمِهِ وصَفَاءِ ذِهْنِهِ، وصِدْقِ إلْهَامِهِ النَّاجِمِ عَنْ فَهْمِهِ العَمِيقِ للشَّرِيعَةِ، ووُقُوفِهِ عَلَى رُوحِهَا ومَضَامِينِهَا، حَتَّى عُرِفَ «بصَاحِبِ المُبَادَرَاتِ التَّشْرِيعِيَّةِ»(284)

يُصَدِّقُ ذَلِكَ كُلَّهُ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللهَ جَعَلَ الحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وقَلْبِهِ»(285) .

وَجْهُ الدَّلالَةِ : أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم ضَمَّنَ «جَعَلَ» مَعْنَى (أجْرَى)، وعَدَّاهُ بـ «عَلَى»، فَأفَادَ ظُهُورَ الحَقِّ واسْتِعْلاءَهُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ.

وفِي وَضْعِ «الجَعْلِ» مَوْضِعَ (أجْرَى) إشْعَارٌ بأنَّ ذَلِكَ خُلُقٌ لَهُ ثَابِتٌ مُسْتَقِرٌّ(286) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لِذَلِكَ، تَتَّضِحُ وَجَاهَةُ اجْتِهَادِ عُمَرَ، ويَقْرُبُ أنْ يَكُونَ حُجَّةً مُلْزِمَةً، انْطِلاقًا مِنْ كَوْنِهِ مُلْهَمًا مُسدَّدًا، حيثُ كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَرْضَى مَقَالَتَهُ ويَحْمَدُ فِعَالَهُ. يُوَثِّقُهُ قَولُهُ صلى الله عليه وسلم: «مَا لَقِيَكَ الشَّيطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا، إلاَّ وَسَلَكَ فَجًّا غَيرَ فَجِّكَ»(287) . فَفِيهِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ تَتَجَلَّى فِي كَوْنِهِ مَحْفُوظًا مِنَ الشَّيْطَانِ، ولا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ ثُبُوتُ العِصْمَةِ لَهُ، كَمَا لا يَخْفَى(288) .

مُوَافَقَةُ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم لِرَأيِهِ واسْتِصْوَابُهُ:

احْتَلَّ عُمَرُ مَكَانَةً مُبَرَّزَةً عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَمَا فَتِئَ يَسْتَشِيرُهُ فِي القَضَايَا وعُمَرُ يَجْتَهِدُ فِيهَا، ولا يَألُو وُسْعًا فِي تَوَخِّي الصَّوَابِ ومُقَارَبَةِ الحَقِّ. وغَالِبًا مَا يَأخُذُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم برَأيِهِ، ويَشْهَدُ بحُسْنِ نَظْرَتِهِ للوَاقِعِ، ومُقَارَبَتِهِ لِلأمُورِ، فيَقُولُ: «أحْسَنَ ابْنُ الخَطَّابِ»(289) . ويَدْعُو اللهَ لَهُ، فيَقُولُ: «أصَابَ اللهُ بِكَ، يَا ابْنَ الخَطَّابِ»(290) .

تَجلَّتْ مُوَافَقَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِعُمَرَ فِي مَوَاقِفَ عِدَّةٍ، لَهَا أبْعَادٌ تَشرِيعِيَّةٌ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

جَلِيلَةٌ، مِنْهَا على سَبِيلِ المِثَالِ:

مَشْرُوعِيَّةُ الأذَانِ:

تَشَاوَرَ المُسْلِمُونَ حِينَ قَدِمُوا المَدِينَةَ بخُصُوصِ عَلامَةٍ يتَّخِذُونَهَا للإعْلامِ بدُخُولِ وَقْتِ الصَّلاةِ. وبَعْدَ أنْ أدْلَى كُلٌّ بدَلْوِهِ، قَالَ عُمَرُ: أوَلا تَبْعَثُونَ رَجُلاً يُنَادِي بالصَّلاةِ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا بِلالُ(291) ، قُمْ فنَادِ بالصَّلاةِ»(292) .

فَإقْرَارُهُ صلى الله عليه وسلم دَلِيلٌ عَلَى تَصْوِيبِ رَأيِهِ واجْتِهَادِهِ.

إعْطَاءُ أبِي قَتَادَةَ سَلَبَ قَتِيلِهِ:

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَينٍ(293) «مَن قَتَلَ كَافِرًا، فَلَهُ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سَلَبُهُ». فقَالَ أبُو قَتَادَةَ رضي الله عنه(294) يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي ضَرَبْتُ رَجُلاً عَلَى حَبْلِ العَاتِقِ(295) وعَلَيْهِ دِرْعٌ، فَأُجْهِضْتُ عَنْهُ(296) فانْظُرْ مَن أخَذَهَا.

فقَامَ رَجُلٌ، فقَالَ: أنَا أخَذْتُهَا، فأرْضِهِ مِنْهَا وأعْطِنِيهَا. وكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لا يُسْألُ شَيْئًا إلاَّ أعْطَاهُ، أو سَكَتَ. فسَكَتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فقَالَ عُمَرُ: لا واللهِ، لا يُفِيئُهَا اللهُ عَلَى أسَدٍ مِنْ أُسْدِهِ ويُعْطِيكَهَا. فضَحِكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وقَالَ: «صَدَقَ عُمَرُ»(297) .

دَلالَةُ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الاقْتِدَاءِ بِهِ:

حِرْصًا مِنْهُ عَلَى اسْتِوَاءِ الأمُورِ، ولِمَا بَاتَتْ مُنْصَهِرَةً عَلَيْهِ نَفْسُ عُمَرَ مِنَ المَلَكَاتِ الاجْتِهَادِيَّةِ، وإيجَادًا لِلحُلُولِ الشَّرْعِيَّةِ المُنَاسِبَةِ للوَقَائِعِ المُسْتَجِدَّةِ، دَلَّ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى عُمَرَ كَخَلِيفَةٍ، وإمَامٍ، ومُجْتَهِدٍ، ثُمَّ ضَمِنَ لِمَنْ سَارَ فِي ضَوْءِ مَنْهَجِهِ أنْ يَهْتَدِيَ ويَكُونَ عَلَى سَنَنٍ رَشِيدَةٍ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: «إنْ يُطِعِ النَّاسُ أبَا بَكْرٍ وعُمَرَ يَرْشُدُوا»(298) .

وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «اقْتَدُوا باللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ»(299) .

تتَفَصَّى عَنْ هَذِهِ الأحَادِيثِ فَوَائِدُ جَلِيلَةٌ تتَعَلَّقُ بالشَّيْخَينِ رضي الله عنهما، مِنْهَا:

الإشَادَةُ بفَضْلِ خُلَفَاءِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم. الإخْبَارُ عَن خِلافَتِهِم بالأمْرِ بالاقْتِدَاءِ بِهِم. بَيَانُ قُوَّةِ اجْتِهَادِهِم وإصَابَتِهِم الحَقَّ غَالِبًا.

ارْتِيَاحُ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ لاجْتِهَادَاتِهِ:

عُمَرُ شَخْصِيَّةٌ نَاقِدَةٌ، مُتَحَرِّرَةٌ، بَصِيرَةٌ، نَافِذَةٌ، ذُو عَقْلِيَّةٍ وَاعِيَةٍ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مُسْتَوْعِبَةٍ مُطِلَّةٍ... اسْتَطَاعَ أنْ يُورِثَ بعِلْمِهِ الثَّلَجَ والاطْمِئنَانَ لِلْمُتَعَلِّمِ، والسَّائِلِ، والمُسْتَفْتِي، والمُتَقَاضِي، وطَالِبِ العِلْمِ، والعَالِمِ.

صَارَ عَلَمًا عَلَى الحَقِّ، يُغْنِي قَوْلُهُ عَنْ تَكَلُّفِ النَّظَرِ فِي الدَّلِيلِ، بَلِ اعتُبِرَ دَلِيلاً بنَفْسِهِ(300) لِمَا أجْرَى اللهُ عَلَى لِسَانِهِ مِنَ الحَقِّ، مِصْدَاقُهُ قَوْلُه صلى الله عليه وسلم: «أنْتُم شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأرْضِ، [إنَّ للهِ ملائِكَةً تَنْطِقُ على ألْسِنَةِ بَنِي آدَمَ بِمَا فِي المَرْءِ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ]»(301) . والمُجْتَهِدُونَ هُمُ المُوَقِّعُونَ عَنِ اللهِ أحْكَامَهُ، فكَيْفَ بأمِيرِ المُؤْمنِينَ!

إنَّ النَّاظِرَ فِي مَوَاقِفِ أصُولِيي الصَّحَابِةِ ومُجْتَهِدِيهِم، والمُطَّلِعَ على أحْكَامِهِم وفَتَاوِيهِم، والمُحَلِّلَ لأقْوَالِ التَّابِعِينَ وتَصْرِيحَاتِهِم؛ لَيَلْحَظُ ثَلاثَ قَضَايَا، هِيَ:

القَضِيَّةُ الأولَى: ارْتِيَاحُهُم لاجْتِهَادَاتِهِ، الَّتي انْعَكَسَتْ عَلَيْهِم اطْمِئْنَانًا ورِضًى وَجَدُوهُ فِي أنْفُسِهِم، فعَمِلُوا بمُوجِبِهَا، حتَّى قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: «مَا نُبْعِدُ أنَّ السَّكِينَةَ تَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ»(302) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقَالَ الشَّعْبِيُّ (ت103هـ)(303) لأصْحَابِهِ يُرَجِّحُ لَهُم: «إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ، فَانْظُرُوا إلَى قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ»(304) .

وقَالَ مُجَاهِدٌ (ت104هـ): «إذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي شَيْءٍ، فَانْظُرُوا مَا صَنَعَ عُمَرُ، فَخُذُوا بِهِ»(305) .

وقَالَ أيُّوبُ السَّخْتِيَانِيُّ (ت131هـ)(306) : «إذَا بَلَغَكَ اخْتِلافٌ عَنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فوَجَدْتَ فِي ذَلِكَ الاخْتِلافِ: أبَا بَكْرٍ وعُمَرَ، فَشُدَّ يَدَكَ بِهِ، فهُوَ الحَقُّ، وهُوَ السُّنَّةُ»(307) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

القَضِيَّةُ الثَّانِيَةُ: تَأثُّرُهُم بمَنَاهِجِهِ الأصُولِيَّةِ ومَآخِذِهِ الاسْتِدْلالِيَّةِ، بَدَا ذَلِكَ فِي مَنْحَيَيْنِ اثْنَيْنِ:

المَنْحَى الأوَّلُ: في شَهَادَاتِهِم، وهُمْ «أنَاسٌ لَهُم حُلُومٌ رَاجِحَةٌ، وألْسِنَةٌ صَادِقَةٌ، وعَقِيدَةٌ رَاسِخَةٌ، وقُلُوبٌ لا تَهَابُ أنْ تَقُولَ الحَقَّ فِي إنْسَانٍ»(308) . قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «كَانَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ إذَا سَلَكَ بِنَا طَرِيقًا فَاتَّبَعْنَاهُ؛ وَجَدْنَاهُ سَهْلاً»(309) . مَا يَدُلُّ على مَبْلَغِ فَهْمِ عُمَرَ، وحُسْنِ سِيَاسَتِهِ وتَدْبِيرِهِ، ودِقَّةِ اجْتِهَادِهِ، وجُودَةِ إدَارَتِهِ.

المَنْحَى الثَّانِي: فِي مُتَابَعَتِهِم لَهُ، وقَفْوِ أثَرِهِ، وعَدَمِ الحَيْدَةِ عَنْ رَأيِهِ. ولا أدَّعِي ذَلِكَ فِي المُجْتَهِدِينِ كُلِّهِم، بَلْ لا فِي الوَاحِدِ مِنْهُم كَذَا باطِّرَادٍ، ولا حَمَلَهُم عَلَيْهِ عُمَرُ. إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَقَرَ فِي نُفُوسِهِم، واسْتَكَنَّ فِي أذْهَانِهِم، فتَابَعُوهُ حَيْثُ قَصَّرُوا، واعْتَمَدُوهُ حِينَ عَجَزُوا، عَلَى مَا سَيَأتِي بَيَانُهُ.

فَكَانَ عَلِيٌّ رضي الله عنه يُتَابِعُ عُمَرَ فِي مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ ويَرَاهُ، حَتَّى قَالَ عَلِيٌّ: «يُشَاوِرُنِي عُمَرُ فِي كَذَا؛ فرَأيْتُ كَذَا، ورَأى هُوَ كَذَا، فلَمْ أرَ إلاَّ مُتَابَعَةَ عُمَرَ». وإذْ لَمْ تَسَعْهُ مُخَالَفَتُهُ فلِمَا عَرَفَ مِنَ الحَقِّ فِي مُتَابَعَتِه؛ لِكَثْرَةِ عِلْمِهِ، وحُسْنِ نَظَرِهِ، وإصَابَتِهِ فِي مَا يُشْكِلُ عَلَى غَيْرِهِ(310) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وتَبَنَّى ابْنُ مَسْعُودٍ مَنْهَجَهُ الأصُولِيَّ، لِجِهَةِ النَّصِّ عَلَى مَصَادِرِ الاحْتِجَاجِ واعْتِمَادِهَا، وتَرْتِيبِهَا بحَسْبِ القُوَّةِ، وبَلَّغَهُ أصْحَابَهُ وتَلامِيذَهُ بنَصِّ مَضْمُونِ كِتَابِ عُمَرَ وحَرْفِهِ(311) ، وكَذَا صَنَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ(312) .

القَضِيَّةُ الثَّالِثَةُ: تَخَصُّصُ بَعْضِهِم بِاجْتِهَادَاتِهِ؛ كَمَا هُوَ الشَّأنُ بِالتَّابِعِيِّ الجَلِيلِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيّبِ (ت94هـ) رحمه الله، الَّذي جَمَعَ بَيْنَ الرِّوَايَةِ والدِّرَايَةِ، وكَانَ أحْفَظَ النَّاسِ لأحْكَامِ عُمَرَ، يَتَتَبَّعُ أقْضِيَتَهُ يتَعَلَّمُهَا، حَتَّى سُمِّيَ: رَاوِيَةَ عُمَرَ. وكَانَ عَبْدُ اللهِ بنُ عُمَرَ يُرْسِلُ إلَيْهِ يَسْألُهُ عَنْ بَعْضِ شَأنِ أبِيهِ عُمَرَ وأمْرِهِ(313) . مَعَ عِلْمِهِ بأنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهُ، ولَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ اثْنَانِ فِي قَبُولِهَا مِنْهُ مُرْسَلَةً، وقَدْ قَالَ الإمَامُ أحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: «إذَا لَمْ يُقْبَلْ سَعِيدُ بْنُ المُسَيّبِ عَنْ عُمَرَ، فمَنْ يُقْبَلُ؟!»(314) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولَعَلَّ فِي مَوقِفِ الصَّحَابَةِ هَذَا شَاهِدًا عَمَلِيًّا، ومُوَافَقَةً تَطْبِيقِيَّةً تَعْضُدُ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «سَتَحْدُثُ بَعْدِي أشْيَاءُ، فَأحَبُّهَا إلَيَّ أنْ تَلْزَمُوا مَا أحْدَثَ عُمَرُ»(315) .

اقْتِفَاءُ الخُلَفَاءِ أثَرَهُ:

قَالَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ رضي الله عنه لعُمَرَ: « إنْ نَتَّبِعْ رَأيَك فَإنَّهُ رَشَدٌ، وإنْ نَتَّبِعْ رَأيَ الشَّيْخِ قَبْلَكَ؛ فنِعْمَ ذُو الرَّأيِ كَانَ»(316) . ذَلِكَ أنَّ أبَا بَكْرٍ رضي الله عنه كَانَ يَجْعَلُ الجَدَّ أبًا(317) ، يُنْزِلُهُ مَنْزِلَتَهُ، وأنَّهُ أوْلَى مِنَ الأخِ.

ثُمَّ رَأى عُمَرُ رضي الله عنه أنَّ الجَدَّ أوْلَى بمِيرَاثِ ابْنِ ابْنِهِ مِنْ إخْوَتِهِ(318)

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وذَلِكَ بَعْدَ أنْ طُعِنَ، اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ فِي الجَدِّ، فَقَالَ: «إنِّي كُنْتُ رَأيْتُ فِي الجَدِّ رَأيًا، فَإنْ رَأيْتُم أنْ تَتَّبِعُوهُ، فَاتَّبِعُوهُ». فَوَافَقَهُ عُثْمَانُ(319)

وكَانَ عُمَرُ يَقْضِي أنَّ مَنْ أسْلَمَ عَلَى مِيرَاثٍ قَبْلَ أنْ يُقْسَمَ، فإنَّ لَهُ مِيرَاثَهُ وَاجِبًا بإسْلامِهِ. فلَمَّا عُرِضَتْ مَسْألَةٌ مُشَابِهَةٌ عَلَى عُثْمَانَ رضي الله عنه، وأُخْبِرَ بقَضَاءِ عُمَرَ؛ أنْجَزَهُ وعَمِلَ بِهِ(320) .

وكَذَا اتَّبَعَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عليٌّ (ت40هـ) رضي الله عنه عُمَرَ وقَضَايَاهُ(321) ومِنْ ثَمَّ اشْتَهَرَ عَنْهُ قَولُه لمَّا قَدِمَ الكُوفَةَ: «مَا كُنْتُ لأحُلَّ عُقْدَةً شَدَّهَا عُمَرُ رضي الله عنه»(322) وقَالَ فِي مَوْرِدٍ آخَرَ: «واللهِ، لا أرُدُّ شَيئًا مِمَّا صَنَعَهُ عُمَرُ، (وفِي

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رِوَايَةٍ: لَنْ أرُدَّ قَضَاءً قَضَى بِهِ عُمَرُ)، وَيْحَكُمْ، إنَّ عُمَرَ كَانَ رَشِيدَ الأمْرِ»(323) وبدَوْرِهِ، سَارَ أمِيرُ الشَّامِ مُعَاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيَانَ (ت60هـ) رضي الله عنه عَلَى مَنْهَجِ عُمَرَ فِي الأحْكَامِ، وأخَذَ باجْتِهَادِهِ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ(324) قَالَ: «عَمِلَ مُعَاوِيَةُ بسِيرَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ سِنِينَ لا يَخْرِمُ(325) مِنْهَا شَيْئًا»(326)

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «وقَدْ كَانَ مُعَاوِيَةُ مُتَّبِعًا لِعُمَرَ مُقْتَدِيًا بِهِ»(327) .

وأمَرَ ابْنُ الزُّبَيْرِ (ت73هـ) رضي الله عنه وُلاتَهُ أنْ يَسِيرُوا فِي الفَيْءِ بسِيرَةِ عُمَرَ(328) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هـ) وكَانَ أمِيرُ المُؤْمنِينَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ (ت101هـ) رحمه الله - وهُوَ الإمَامُ الحَافِظُ المُجْتَهِدُ عَظِيمُ الشَّأنِ(329) - يَسْتَهْدِي باجْتِهَادِ عُمَرَ، ويَسِيرُ سِيرَتَهُ ويتَشَبَّهُ بِهِ(330) ، فيَتْبَعُ أحْكَامَهُ، ويَسْألُ ابْنَ المُسَيّبِ عَنْهَا، ويُرَاسِلُه بشَأنِهَا(331) .

ولمَّا وَلِيَ الخِلافَةَ كَتَبَ إلَى سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ(332) لِيَكْتُبَ إلَيْهِ بِسِيرَةِ عُمَرَ فِي الصَّدَقَاتِ(333) . وجَاءَ فِي أحَدِ كُتُبِهِ إلَيْهِ قَوْلُهُ: «قَدْ رَأيْتُ أنْ أسِيرَ فِي النَّاسِ بسِيرَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، إنْ قَضَى اللهُ ذَلِكَ، واستَطَعْتُ إلَيْهِ سَبِيلاً، فابْعَثْ إلَيَّ بكُتُبِ عُمَرَ وقَضَائِهِ فِي أهْلِ القِبْلَةِ وأهْلِ العَهْدِ؛ فإنِّي مُتَّبِعٌ أثَرَهُ، وسَائِرٌ بسِيرَتِهِ إنْ شَاءَ اللهُ»(334) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومَشَى عَلَى سِيَاسَتِهِ فِي تَحْمِيلِ الدَّوْلَةِ كَفَالَةَ العَاجِزِينَ المُحْتَاجِينَ مِنْ أهْلِ الذِّمَّةِ، جَاءَ فِي كِتَابِهِ إلَى وَالِيهِ عَلَى البَصْرَةِ عَدِيِّ بْنِ أرْطَأةَ(335) : «... وانْظُرْ مَنْ قِبَلَكَ مِنْ أهْلِ الذِّمَّةِ، قَدْ كَبِرَتْ سِنُّهُ، وضَعُفَتْ قُوَّتُهُ، ووَلَّتْ عَنْهُ المَكَاسِبُ. فَأجْرِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِينَ مَا يُصْلِحُهُ...

وذَلِكَ أنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ مَرَّ بشَيْخٍ مِنْ أهْلِ الذِّمَّةِ، يَسْألُ عَلَى أبْوَابِ النَّاسِ! فَقَالَ: «مَا أنْصَفْنَاكَ إنْ كُنَّا أخَذْنَا مِنْكَ الجِزْيَةَ فِي شَبِيبَتِكَ، ثُمَّ ضَيَّعْنَاكَ فِي كِبَرِكَ. قَالَ: ثُمَّ أجْرَى عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ المَالِ مَا يُصْلِحُهُ»(336) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تَبَنِّي الفُقَهَاءِ لآرَائِهِ:

فِي تَبَنِّي الفُقَهَاءِ وأئِمَّةِ المَذَاهِبِ المُتَّبِعَةِ لاخْتِيَارَاتِهِ الفِقْهِيَّةِ، ودِرَاسَتِهِم لِمَنْهَجِهِ الأصُولِيِّ فِي مُقَارَبَةِ الوَقَائِعِ المُسْتَجِدَّةِ، أعْظَمُ شَهَادَةٍ عَلَى تَمَيُّزِهِ الاجْتِهَادِيِّ.

قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ (ت1252هـ) رحمه الله(337) فِي مَا يَنْقُلُهُ عَنْ بَعْضِهِم: «قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ قَوْلُ عَطَاءٍ(338) وطَاوُوسٍ(339) وهُمَا مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ-

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقَولُهُمَا قَوْلُ عُمَرَ وعَلِيٍّ، وبِهِ يُفْتَى احْتِشَامًا لِعُمَرَ وعَلِيٍّ رضي الله عنهما»(340)

وكَذَا سَجَّلَ الحُقُوقِيُّونَ وفُقَهَاءُ القَانُونِ إعْجَابَهُم بفِكْرِ عُمَرَ الأصُولِيِّ، عَبْرَ امْتِدَاحِهِم رِسَالَتَهُ القَضَائِيَّةَ، الَّتِي شَكَّلَتْ لَهُم دُسْتُورًا قَوِيمًا فِي نِظَامِ القَضَاءِ والتَّقَاضِي، ومَصْدَرًا مِنْ مَصَادِرِ أصُولِ المُحَاكَمَاتِ، ومَعْرِفَةِ طُرُقِ إجْرَاءَاتِ التَّدَاعِي وسَيْرِ المُحَاكَمَةِ(341) .

قَالَ القَاضِي ابْنُ فَرْحُون (ت799هـ) رحمه الله(342) «هَذِهِ الرِّسَالَةُ أصْلٌ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ فُصُولِ القَضَاءِ ومَعَانِي الأحْكَامِ، وعَلَيْهَا احْتَذَى قُضَاةُ الإسْلامِ، وقَدْ ذَكَرَهَا كَثِيرٌ مِنَ العُلَمَاءِ، وصَدَّرُوا بِهَا

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كُتُبَهُم»(343)

إعْدَادُ الدِّرَاسَاتِ الأكَادِيمِيَّةِ حَوْلَهُ:

لا تَخْفَى كَثْرَةُ الكِتَابَاتِ حَوْلَ شَخْصِيَّةِ عُمَرَ، وتَخَصُّصُ بَعْضِ البُحُوثِ فِي دِرَاسَةِ فِقْهِهِ فِي عَدَدٍ مِنَ المَجَالاتِ التَّشْرِيعِيَّةِ، والسِّيَاسِيَّةِ، والقَضَائِيَّةِ، والإدَارِيَّةِ، والتَّرْبَوِيَّةِ، والدَّعَوِيَّةِ، والقِيَادِيَّةِ، والعَسْكَرِيَّةِ، والمَالِيَّةِ وسِوَاهَا(344) .

بَلْ مِنْهَا بُحُوثٌ تَخَصَّصَتْ فِي مُعَالَجَةِ أنْظِمَةٍ أحْدَثَهَا، أوْ مُشْكِلاتٍ تَعَرَّضَتْ لَهَا حَاضِرَةُ الخِلافَةِ آنَذَاكَ كَانَ لَهُ فِيهَا رَأيٌ؛ كَتَأسِيسِ الدِّيوَانِ(345) ، ومَوْقِفِهِ مِنَ محاربة الجَرِيمَةِ، والهَدِيَّةِ والرِّشْوَةِ، والمَجَاعَةِ... وتَقْدِيمُهَا رَسَائِلَ وأطْرُوحَاتٍ لِنَيْلِ الدَّرَجَاتِ الأكَادِيمِيَّةِ العُلْيَا، أوْ نَشْرُهَا فِي المَجَلاَّتِ المُحَكَّمَة والدَّوْرِيَّاتِ المَرْمُوقَةِ.

مَا يُثْبِتُ بحَقٍّ وجَدَارَةٍ أهَمِّيَّةَ هَذَا الرَّجُلِ عَلَى صَعِيدِ المَعْرِفَةِ الإنْسَانِيَّةِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بكُلِّيَّتِهَا وشُمُولِهَا. يَقُولُ الأدِيبُ عَبَّاس مَحْمُود العَقَّاد (ت1383هـ) رحمه الله(346) «دِرَاسَةُ عُمَرَ غَنِيمَةٌ لكُلِّ عِلْمٍ يَتَّصِلُ بالحَيَاةِ الإنْسَانِيَّةِ»(347)

لَقَدْ عَاشَ عُمَرُ فِي رِيَاضِ الشَّرِيعَةِ قَرِيبًا مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَاكْتَسَبَ مِنْهُ طريقة إدَارَةِ العَقْلِ الاجْتِهَادِيِّ فِي الأمَّةِ، وآلِيَّةَ مُمَارَسَةِ التَّفْكِيرِ المَنْهَجِيِّ، مَا حَضَّ بِهِ أصْحَابَهُ عَلَى التَّجَدُّدِ والتَّجْدِيدِ والتَّقْوِيمِ والمُرَاجَعَةِ والتَّصْوِيبِ. فَأعْمَلَ الرَّأيَ فِي ضَوْءِ هِدَايَاتِ الوَحْيِ، حَتَّى اسْتَطَاعَ أنْ يُثَبِّتَ دَعَائِمَ التَّنْمِيَةِ البَشَرِيَّةِ، وتَعْزِيزَ الاجْتِهَادِ الفِكْرِيِّ إلَى جَانِبِ الاجْتِهَادِ الفِقْهِيِّ، بدَاعِي تَوَافُرِ التَّخَصُّصَاتِ المَعْرِفِيَّةِ المُتَنَوِّعَةِ، فَأطْلَقَ العَقْلَ السَّلِيمَ مِنْ عِقَالِهِ، ليَتَعَامَلَ مَعَ النَّصِّ بطَلاقَةٍ، مُنْضَبِطًا برُوحِ الشَّرِيعَةِ.

فلَمْ يَتَسَرَّبِ الجُمُودُ عَلَى النَّصِّ إلَى حَاضِرَةِ الخِلافَةِ، ولَمْ تَعْرِفِ التَّوَقُّفَ العَقْلِيَّ فِي مِسَاحَاتٍ شَاسِعَةٍ مِنَ النَّوَازِلِ المُسْتَجِدَّةِ والمَسَائِلِ الطَّارِئَةِ، الَّتِي حَاصَرَتْهَا المُطَارَحَاتُ الفِقْهِيَّةُ والنِّقَاشَاتُ العِلْمِيَّةُ.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حَتَّى جَرَّدَ النَّصَّ مِنْ قَيْدِ الزَّمَانِ والمَكَانِ والمُنَاسَبَةِ، وحَلَّقَ بِهِ فِي أجْوَاءٍ مِنَ التَّفْكِيرِ العَمِيقِ ، الَّذِي سَمَحَ بتَوْلِيدِ أحْكَامٍ تَشْرِيعِيَّةٍ لتَقْوِيمِ وَاقِعٍ مُتَجَدِّدٍ، بُغْيَةَ مُعَالَجَةِ مُشْكِلاتِهِ، وحَلِّ قَضَايَاهُ، برُؤْيَةٍ قَافِزَةٍ تَسْتَشْرِفُ المُسْتَقْبَلَ. فِي إشَارَةٍ وَاضِحَةٍ إلَى أنَّ المَعْرِفِيَّ الدِّينِيَّ المَبْنِيَّ عَلَى هَذِهِ المُلاحَظَةِ خَاضِعٌ لمَفْهُومِ التَّطَوُّرِ، لضَبْطِ المَعْرِفِيِّ الإنْسَانِيِّ فِي تَقَدُّمِهِ أبَدًا.

مُجْتَهِدٌ أصُولِيٌّ نَظَّارٌ بِهَذِهِ المَنْزِلَةِ العَالِيَةِ المُتَقَدِّمَةِ، حَرِيٌّ أنْ يَكُونَ لَهُ آثَارٌ خَالِدَةٌ تَحْكِي تَصَوُّرَهُ ومَنْهَجَهُ، وتُبَيِّنُ فِكْرَهُ واجْتِهَادَهُ.

هَذَا مَا سَأبَيِّنُهُ فِي المَبْحَثِ الآتِي.

المَبْحَثُ الرَّابِعُ: عُمَرُ فِي فِكْرِهِ الأصُولِيِّ وآثَارِهِ الثَّقَافِيَّةِ

يُمَثِّلُ عُمَرُ وَاحِدًا مِنَ القِمَمِ الاجْتِهَادِيَّةِ فِي عَصْرِ الخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ، شَهِدَ لَهُ القُرْآنُ الكَرِيمُ بالاجْتِهَادِ المُطْلَقِ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذا جاءَهُم أَمرٌ مِنَ الأَمنِ أَوِ الخَوفِ أَذاعوا بِهِ ۖ وَلَو رَدّوهُ إِلَى الرَّسولِ وَإِلىٰ أُولِي الأَمرِ مِنهُم لَعَلِمَهُ الَّذينَ يَستَنبِطونَهُ مِنهُم ۗ وَلَولا فَضلُ اللَّهِ عَلَيكُم وَرَحمَتُهُ لَاتَّبَعتُمُ الشَّيطانَ إِلّا قَليلًا﴾(348) . قَالَ عُمَرُ: «فَكُنْتُ أنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الأمْرَ»(349) .

قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ (ت538هـ)(350) «الَّذِينَ يَسْتَخْرِجُونَ تَدْبِيرَهُ بفِطْنَتِهِم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وتَجَارِبِهِم ومَعْرِفَتِهِم... والنَّبْطُ: المَاءُ يَخْرُجُ مِنَ البِئْرِ أوَّلَ مَا تُحْفَرُ. وإنْبَاطُهُ واسْتِنْبَاطُهُ: إخْرَاجُهُ واسْتِخْرَاجُهُ. فاسْتُعِيرَ لِمَا يَسْتَخْرِجُهُ الرَّجُلُ بفَضْلِ ذِهْنِهِ مِنَ المَعَانِي والتَّدَابِيرِ فِيمَا يَعْضِلُ ويَهُمُّ»(351)

ذَكَرَهُ الشِّيرَازِيُّ(ت476هـ)(352) فِي مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ، وتَرْجَمَهُ فِي «طَبَقَاتِ الفُقَهَاءِ»، وقَالَ: «مَنْ نَظَرَ فِي فَتَاوِيهِ عَلَى التَّفْصِيلِ، وتَأمَّلَ مَعَانِي قَوْلِهِ عَلَى التَّحْصِيلِ؛ وَجَدَ فِي كَلامِهِ مِنْ دَقِيقِ الفِقْهِ مَا لا يَجِدُ فِي كَلامِ أحَدٍ»(353) .

وقَالَ إيرفينغ 1859م: «وَضَعَ قَوَاعِدَ مَتِينَةً للإدَارَةِ الحَازِمَةِ فِي جَمِيعِ البُلْدَانِ الَّتِي فَتَحَهَا المُسْلِمُونَ»(354) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كَمَا تُمَثِّلُ رَسَائِلُهُ رَوَائِعَ حَضَارِيَّةً اسْتَبَقَتِ العُلُومَ إبَّانَ حَرَكَةِ التَّدْوِينِ، فِي إلْقَائِهَا بظِلالِهَا عَلَى حَاجَاتِ الوَاقِعِ بِأبْعَادِهِ التَّنْظِيرِيَّةِ والإجْرَائِيَّةِ، وتَتَجَلَّى فِيهَا خَصَائِصُ الفِكْرِ الأصُولِيِّ بشَكْلٍ جَيِّدٍ.

كَي يَكُونَ مَا اسْتَعْرَضْتُهُ مُنْسَجِمًا مَعَ المَوْضُوعِيَّةِ العِلْمِيَّةِ، فمِنَ المُنَاسِبِ اسْتِجْلابُ أهَمِّ رَسَائِلِهِ مِن مَظَانِّهَا التَّدْوِينِيَّةِ، والَّتي قَدَّمَتْ لِلفِكْرِ الإنْسَانِيِّ غَنَاءً مَعْرِفِيًّا، أثْرَتْهُ خِبْرَةُ رَجُلٍ طَوِيلَةٌ فِي العَمَلِ السِّيَاسِيِّ والعَسْكَرِيِّ، والعَوْنِ الاجْتِمَاعِيِّ والاقْتِصَادِيِّ، والتَّشْرِيعِ الفِقْهِيِّ والأخْلاقِيِّ... ثُمَّ دِرَاسَتُهَا لاسْتِخْلاصِ أهَمِّ مَا انْطَوَتْ عَلَيْهِ مِنَ الفِكْرِ الأصُولِيِّ إجْمَالاً، لِنَدَعَ البَحْثَ التَّوْسِيعِيَّ فِي مَظَانِّهِ مِنَ الأطْرُوحَةِ.

لِذَلِكَ، جَاءَ هَذَا المَبْحَثُ فِي مَطَالِبَ ثَلاثَةٍ، هِيَ:

المَطْلَبُ الأوَّلُ: رِسَالَةُ القَضَاءِ إلى أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ. المَطْلَبُ الثَّانِي: لُغَةُ الرِّسَالَةِ وعَلاقَتُهَا بمَوْضُوعِهَا. المَطْلَبُ الثَّالِثُ: الفِكْرُ الأصُولِيُّ فِي رِسَالَةِ القَضَاءِ.

المَطْلَبُ الأوَّلُ: رِسَالَةُ القَضَاءِ إلَى أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ

لِعُمَرَ مَنْهَجٌ أصُولِيٌّ سَطَّرَ مَلامِحَهُ فِي العَدِيدِ مِنْ كُتُبِهِ ورَسَائِلِهِ إلَى وُلاتِهِ، أهَمُّهَا: الكِتَابُ المَشْهُورُ بـ «سِيَاسَةِ القَضَاءِ وتَدْبِيرِ الحُكْمِ»(355) ، «الَّذِي تَدُورُ عَلَيْهِ أحْكَامُ القُضَاةِ، وهِيَ مُسْتَوْفَاةٌ فِيهِ»(356) .

يُعْتَبَرُ نِبْرَاسًا يَسْتَضِيءُ بِهِ القُضَاةُ فِي أحْكَامِهِم، ومِنْهَاجًا تَشْرِيعِيًّا يَجْدُرُ بالفُقَهَاءِ إعَارَتَهُ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ الدِّرَاسَةِ والتَّحْلِيلِ، والشَّرْحِ والاعْتِبَارِ. أرْسَلَهُ إلَى وَالِيهِ عَلَى البَصْرَةِ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ (ت44هـ) رضي الله عنه(357)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أجِدُ المُقَامَ يُلِحُّ عَلَيَّ فِي إيرَادِهِ مَعَ اخْتِيَارِ أجْمَعِ ألْفَاظِهِ مِنْ مُخْتَلِفِ رِوَايَاتِهِ.

أوَّلاً: نَصُّ الرِّسَالَةِ:

«بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ عَبْدِ اللهِ عُمَرَ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ، إلى عَبْدِ اللهِ بنِ قَيْسٍ. سَلامٌ عَلَيْكَ. أمَّا بَعْدُ: فَإنَّ القَضَاءَ فَرِيضَةٌ مُحْكَمَةٌ، وسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ. فَافْهَمْ إذَا أُدْلِيَ إلَيْكَ، وأنْفِذْ إذَا تَبَيَّنَ لَكَ، فَإنَّهُ لا يَنْفَعُ تَكَلُّمٌ بِحَقٍّ لا نَفَاذَ لَهُ. آسِ(358) بَيْنَ النَّاسِ فِي وَجْهِكَ وعَدْلِكَ ومَجْلِسِكَ، حتَّى لا يَطْمَعَ شَرِيفٌ فِي حَيْفِكَ(359) ولا يَيْأسَ ضَعِيفٌ مِنْ عَدْلِكَ. البَيِّنَةُ عَلَى مَنِ ادَّعَى، واليَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ. والصُّلْحُ جَائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، إلاَّ صُلْحًا أحَلَّ حَرَامًا أوْ حَرَّمَ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حَلالاً(360) ومَنِ ادَّعَى حَقًّا غَائِبًا، أَوْ بَيِّنَةً، فاضْرِبْ لَهُ أمَدًا يَنْتَهِي إلَيْهِ، فإنْ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ أعْطَيْتَهُ حَقَّهُ، فإنْ أعْجَزَهُ ذَلِكَ اسْتَحْلَلْتَ عَلَيْهِ القَضِيَّةَ؛ فإنَّ ذَلِكَ أبْلَغُ فِي العُذْرِ، وأنْفَى للشَّكِّ، وأجْلَى لِلعَمَى (لِلْغُمَّةِ). لا يَمْنَعنَّكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ بالأمْسِ، فَرَاجَعْتَ اليَوْمَ فِيهِ عَقْلَكَ، وهُدِيتَ فِيهِ لرُشْدِكَ، أنْ تَرْجِعَ إلَى الحَقِّ، فإنَّ الحَقَّ قَدِيمٌ لا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ، ومُرَاجَعَةُ الحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي البَاطِلِ(361) المُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُم عَلَى بَعْضٍ فِي الشَّهَادَةِ، إلاَّ مَجْلُودًا فِي حَدٍّ، أوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهَادَةُ الزُّورِ، أوْ ظَنِينًا فِي وَلاءٍ(362) أوْ قَرَابَةٍ (نَسَبٍ). إنَّ اللهَ تَوَلَّى مِنَ العِبَادِ السَّرَائِرَ، وسَتَرَ عَلَيْهِم الحُدُودَ، إلاَّ بالبَيِّنَاتِ، والأَيْمَانِ، والشُّبُهَاتِ. الفَهْمَ الفَهْمَ فِيمَا أُدْلِيَ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إلَيْكَ (تَلَجْلَجَ(363) فِي صَدْرِكَ) مِمَّا لَيْسَ فِيهِ قُرْآنٌ ولا سُنَّةٌ. ثُمَّ اعْرِفِ الأمْثَالَ والأشْبَاهَ، فَقِسِ الأمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ بنَظَائِرِهَا، واعْمِدْ إلَى أقْرَبِهَا إلَى اللهِ، وأشْبَهِهَا بالحَقَّ، فِيمَا تَرَى. إيَّاكَ والغَضَبَ والغَلَقَ(364) والضَّجَرَ، والتَّأذِّي بالخُصُومِ، والتَّنَكُّرَ عِنْدَ الخُصُومَاتِ. فَإنَّ القَضَاءَ فِي مَوَاطِنِ الحَقِّ يُوجِبُ اللهُ لَهُ الأجْرَ، ويُحْسِنُ بِهِ الذُّخْرَ، فمَنْ خَلُصَتْ نِيَّتُهُ فِي الحَقِّ ولَوْ كَانَ على نَفْسِهِ- وأقْبَلَ على نَفْسِهِ؛ كَفَاهُ اللهُ مَا بَيْنَهُ وبَيْنَ النَّاسِ. ومَنْ تَزَيَّنَ (تَخَلَّقَ) لَهُم بِمَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ شَانَهُ اللهُ؛ فَإنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ مِنَ العِبَادِ إلاَّ مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا. ومَا ظَنُّكَ بثَوَابٍ عِنْدَ اللهِ فِي عَاجِلِ رِزْقِهِ وخَزَائِنِ رَحْمَتِهِ؟ والسَّلامُ عَلَيْكُم ورَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ»(365)

ثَانِيًا: تَوْثِيقُهَا والجُهُودُ المَبْذُولَةُ فِيهَا:

كَثُرَ مُخَرِّجُو رِسَالَةِ القَضَاءِ(366) وتَعَدَّدَتْ رِوَايَاتُهَا مِنْ وُجُوهٍ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وَافِرَةٍ(367) بَيْنَمَا أثَارَ بَعْضُ البَاحِثِينَ شُكُوكًا حَوْلَ نِسْبَةِ هَذَا الكِتَابِ إلَى عُمَرَ، فضَعَّفُوهُ مِنْ نَاحِيَةِ سَنَدِهِ، وطَعَنُوا فِيهِ لِجِهَةِ مَتْنِهِ(368)

بَيْدَ أنَّ المُحَقِّقِينَ مِنْهُم «تَلَقَّوْهُ بالقَبُولِ»(369) و«اتَّفَقَ النَّاسُ عَلَى صِحَّتِهِ»(370) فَوَثَّقُوا أسَانِيدَهُ، وتَوَلَّوا الإجَابَةَ عَنْ تِلْكَ الشُّكُوكِ وبَدَّدُوهَا، ودَفَعُوا الاعْتِرَاضَاتِ ونَاقَشُوهَا(371) وكَتَبُوا فِيهِ المَقَالاتِ(372) والبُحُوثَ العِلْمِيَّةَ(373) وأعَدُّوا

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فِيهِ الرَّسَائِلَ الجَامِعِيَّةَ(374)

تَأيَّدَتْ لَدَيْهِم صِحَّتُهُ باعْتِنَاءِ الفُقَهَاءِ والقُضَاةِ بِهِ؛ شَرْحًا وتَحْلِيلاً واستِنْبَاطًا(375) يَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَةَ (ت728هـ)(376) «رِسَالَةُ عُمَرَ المَشْهُورَةُ فِي القَضَاءِ إلَى أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ تَدَاوَلَهَا الفُقَهَاءُ، وبَنَوا عَلَيْهَا،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

واعْتَمَدُوا عَلَى مَا فِيهَا مِنَ الفِقْهِ وأصُولِ الفِقْهِ»(377)

وقَالَ ابْنُ القَيِّمِ (ت751هـ): «هَذَا كِتَابٌ جَلِيلٌ، تَلَقَّاهُ العُلَمَاءُ بالقَبُولِ، وبَنَوْا عَلَيْهِ أصُولَ الحُكْمِ والشَّهَادَةِ. والحَاكِمُ والمُفْتِي أحْوَجُ شَيْءٍ إلَيْهِ وإلَى تَأمُّلِهِ والتَّفَقُّهِ فِيهِ»(378) .

«ِمَّا يَجْعَلُ التَّشْكِيكَ فِي صِحَّتِهَا عِنْدَ التَّحْقِيقِ مَحَلَّ نَظَرٍ»(379) .

وقَلَّمَا يُوجَدُ كَاتِبٌ – مُتَقَدِّمٌ أوْ مُتَأخِّرٌ- إلاَّ عَرَضَ لهَذِهِ الرِّسَالَةِ أوْ أشَارَ إلَيْهَا. واعْتَبَرَهَا مُؤَرِّخُو الآدَابِ العَرَبِيَّةِ مِنْ جُمْلَةِ النُّصُوصِ الهَامَّةِ، فسَاقُوهَا فِي مُؤَلَّفَاتِهِم كَمِثَالٍ دَالٍّ عَلَى صِفَاتِ أسْلُوبِ صَدْرِ الإسْلامِ فِي البَلاغَةِ وسَلاسَةِ اللَّفْظِ، وتَرَسُّلِ الخُلَفَاءِ، وعَلَى مَا تَحَلَّى بِهِ الفَارُوقُ مِنْ بَلاغَةٍ فِي التَّعبِيرِ مَعَ إحْكَامِ الفِكْرَةِ. بَلِ اعْتَمَدَتْهَا وِزَارَاتُ التَّرْبِيَةِ والتَّعْلِيمِ فِي بَعْضِ البِلادِ العَرَبِيَّةِ(380) . وتُرْجِمَتْ إلَى كَثِيرٍ مِنْ لُغَاتِ العَالَمِ(381) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المَطْلَبُ الثَّانِي: لُغَةُ الرِّسَالَةِ وعَلاقَتُهَا بمَوْضُوعِهَا

رِسَالَةُ القَضَاءِ وَثِيقَةٌ تَوْجِيهِيَّةٌ تَنْظِيمِيَّةٌ، تَشْهَدُ عَلَى مَا بَلَغَهُ عَصْرُ الخِلافَةِ تَفْكِيرًا وتَعْبِيرًا. تُلْحَظُ فِيهَا نَقْلَةٌ نَوْعِيَّةٌ لِجِهَةِ المَضْمُونِ والأسْلُوبِ، احْتَوَت مَفْهُومًا جَدِيدًا لِلقَضَاءِ بَعِيدًا عَنْ مِزَاجِيَّةِ الجَاهِلِيَّةِ واعْتِبَارَاتِهَا القَبَلِيَّةِ.

كَمَا نَهَجَت نَمَطًا جَدِيدًا مِنَ الكِتَابَةِ، حَيْثُ يَكْشِفُ التَّرَسُّلُ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ إلَى كَوْنِهَا قِطْعَةً أدَبِيَّةً تَحْمِلُ –عَلَى إيجَازِهَا ودِقَّةِ ألْفَاظِهَا- عَنَاصِرَ البَلاغَةِ والإيضَاحِ، كَمَا هُوَ مَفَادُ جَوَابِ صُحَارٍ العَبْدِيِّ(382) لمُعَاوِيَةَ رضي الله عنه إذْ سَألَهُ: مَا تَعُدُّونَ البَلاغَةَ فِيكُم؟ قَالَ: «الإيجَازُ». قَالَ: ومَا الإيجَازُ؟ قَالَ: «أنْ تُجِيبَ فَلا تُبْطِئَ، وتَقُولَ فَلا تُخْطِئَ»(383) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: «كَلامُ عُمَرَ مِنْ أجْمَعِ الكَلامِ وأكْمَلِهِ؛ فإنَّهُ مُلْهَمٌ مُحَدَّثٌ، كُلُّ كَلِمَةٍ مِنْ كَلامِهِ تَجْمَعُ عِلْمًا كَثِيرًا»(384) .

فامْتَازَت كُلُّ جُمْلَةٍ فِيهَا بمَدْلُولِهَا الدَّقيِقِ وإيجَازِهَا المُحْكَمِ. وهِيَ كَكُلٍّ أشْبَهُ بمَوَادَّ قَانُونِيَّةٍ مُتَلاحِقَةٍ، يُمْكِنُ تَعْدِيلُ مَوَاقِعِ بَعْضِهَا مِنْ غَيْرِ أنْ تَخْسَرَ شَيِئًا مِنْ مَضْمُونِهَا وفَائِدَتِهَا. إلَى هَذَا يُمْكِنُ أنْ نَعْزُوَ السَّبَبَ فِي تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ فيها تَقْدِيمًا وتَأخِيرًا، ورِوَايَتِهَا بِاللَّفْظِ والمَعْنَى(385) . بَيْدَ أنَّ هَذِهِ الاستِقْلالِيَّةَ فِي الأفْكَارِ الفَرْعِيَّةِ لا تَعْنِي تَفَكُّكًا فِي بُنْيَةِ الرِّسَالَةِ، لأنَّ التَّرَابُطَ قَائِمٌ فِي الجَوِّ العَامِّ، والغَائِيَّةَ الَّتي تتَوَجَّهُ نَحْوَهَا المَفَاهِيمُ الجُزْئِيَّةُ وَاضِحَةٌ صَرِيحَةٌ(386) .

لَقَدْ صِيغَتْ هَذِهِ المُكَاتَبَةُ بلُغَةٍ مُنَاسِبَةٍ للمَوْضُوعِ، فهِيَ حُقُوقِيَّةٌ عِلْمِيَّةٌ، لا أدَبِيَّةٌ مُنَمَّقَةٌ. أمَّا الخِطَابُ الوِجْدَانِيُّ الَّذي يُطَالِعُكَ أحْيَانًا، فهَدَفُهُ تَخْفِيفُ وَطْأَةِ الحَزْمِ والتَّسَلُّطِ المُصَاغَةِ بأسْلُوبِ الأمْرِ والتَّحْذِيرِ، كَوْنُهَا صَادِرَةً مِنَ السُّلْطَةِ العُلْيَا فِي الدَّوْلَةِ، مِمَّا يَجْعَلُ التَّوْجِيهَ يَتَّخِذُ طَابِعَ النُّصْحِ والإرْشَادِ.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: الفِكْرُ الأصُولِيُّ فِي رِسَالَةِ القَضَاءِ

رِسَالَةُ عُمَرَ فِي القَضَاءِ إلَى أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ، قَبْلَ خَمْسَةَ عَشَرَ قَرْنًا مِنَ الزَّمَنِ، دُسْتُورٌ لِلقَضَاءِ والمُتَقَاضِينَ. وهِيَ أكْمَلُ مَا وَصَلَتْ إلَيْهِ قَوَانِينُ المُرَافَعَاتِ الوَضْعِيَّةُ، وقَوَانِينُ استِقْلالِ القُضَاةِ(387) . تَكْشِفُ عَنْ مَنْهَجِيَّةٍ شُمُولِيَّةٍ، وعُمْقٍ وَاضِحٍ فِي التَّقْعِيدِ والتَّأصِيلِ. كَانَ لِهَذِهِ الرُّوحِ الأصُولِيَّةِ دَوْرٌ كَبِيرٌ فِي تَمَكُّنِ عُمَرَ مِن طَبْعِ ثَقَافَةِ عَصْرِهِ بطَابِعٍ أصُولِيٍّ حُقُوقِيٍّ، وتَأثِيرِهِ فِي العُصُورِ اللاَّحِقَةِ.

يَقُولُ القَاضِي مُحَمَّدٌ المُرِيرُ التَّطْوَانِيُّ (ت1398هـ) رحمه الله(388) «مِنَ العَجِيبِ أنَّ هَذِهِ الرِّسَالَةَ يَرْوِيهَا المُحَدِّثُ فِي جَامِعِهِ، ويَعْتَمِدُ عَلَيْهَا الفَقِيهُ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فِي أحْكَامِهِ ومَسَائِلِهِ، ويَسْتَدِلُّ بِهَا الأصُولِيُّ لتَأسِيسِ حُجَجِهِ ودَلائِلِهِ، ويَجْعَلُهَا الأدِيبُ أنْمُوذَجًا لنَسْجِ خُطَبِهِ ورَسَائِلِهِ. فرَحِمَ اللهُ زَعِيمَ الأمَّةِ وفَاتِحَ أقْطَارِهَا، ومُؤَسِّسَ بَرَامِجِ سِيَاسَتِهَا الحَرْبِيَّةِ ونُظُمِ قَضَائِهَا»(389)

سَعَى عُمَرُ نَحْوَ الكُلِّيِّ الضَّابِطِ للجُزْئِيَّاتِ، فضَمَّنَ رِسَالَتَهُ قَوَاعِدَ أصُولِيَّةً ومَنَاهِجَ اجْتِهَادِيَّةً(390) ، بأوْضَحِ إشَارَةٍ وأوْجَزِ عِبَارَةٍ، أُشِيرُ إلَى نَمَاذِجَ مِنْهَا:

فَهْمُ مَدَارِكِ الأحْكَامِ:

يَجِبُ فَهْمُ القَضِيَّةِ المَطْرُوحَةِ، وإمْعَانُ الرَّأيِ فِيهَا، إذَا تَرَدَّدَتْ فِي النَّفْسِ، واشْتَبَهَ الحُكْمُ فِيهَا. ولَزِمَ تَقْلِيبُ النَّظَرِ فِي مَدَارِكِ الأحْكَامِ، والرَّبْطُ بَيْنَهَا وبَيْنَ المَسْألَةِ المَبْحُوثَةِ للخُلُوصِ إلَى تَوْصِيفٍ شَرْعِيٍّ مُنَاسِبٍ، فيَقُولُ: «الفَهْمَ الفَهْمَ فِيمَا أُدْلِيَ إلَيْكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ قُرْآنٌ ولا سُنَّةٌ».

ويُمْكِنُ أنْ يُسْتَفَادَ مِنْهُ الأفْكَارُ الأصُولِيَّةُ الآتِيَةُ:

إعْلانُ الوَحْيِ المَرْجَعِيَّةَ الأولَى للخِلافَةِ الرَّاشِدَةِ.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التَّصْرِيحُ بحُجِّيَّةِ المَصَادِرِ التَّشْرِيعِيَّةِ الأخْرَى. التَّشْجِيعُ عَلَى الاجْتِهَادِ وإعْمَالِ الرَّأيِ. اعْتِمَادُ التَّرَاتُبِيَّةِ فِي العَوْدِ إلَى مَصَادِرِ الاسْتِدْلالِ.

إقْرَارُ الاجْتِهَادِ بالرَّأيِ:

أَذِنَ الشَّارِعُ الحَكِيمُ فِي الوُصُولِ إلَى الحَقِّ بالاجْتِهَادِ(391) ، فِي تَطْبِيقِ النُّصُوصِ عَلَى الحَوَادِثِ المُسْتَجِدَّةِ. ذَلِكَ أنَّ المُجْتَهِدَ مُلْزَمٌ أنْ يَحْكُمَ بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى وسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم. فَإذَا لَمْ يَكُنْ فِي الحَادِثَةِ نَصٌّ صَرِيحٌ يَشْمَلُهَا؛ خَرَّجَ المَسْألَةَ عَلَى نُصُوصِهَا، فِي مُرَاقَبَةِ الأشْبَاهِ والنَّظَائِرِ والحَمْلِ عَلَى بَعْضِهَا.

وهُوَ مَا يُعْرَفُ بالاجْتِهَادِ بالرَّأيِ، فِي مَا عُبِّرَ عَنْهُ بأنَّهُ «بَذْلُ الفَقِيهِ وُسْعَهُ فِي اسْتِنْبَاطِ الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ بتَفْسِيرِ النُّصُوصِ التَّشْرِيعِيَّةِ، واسْتِثْمَارِ دَلالاتِهَا. أوْ بإلْحَاقِهَا قِيَاسًا، أوِ اسْتِصْلاحًا. وتَكْيِيفُ تَطْبِيقِهَا بِمَا يُحَقِّقُ مَقْصُودَ الشَّارِعِ مِنْهَا إجْرَاءً أوِ اسْتِثْنَاءً»(392) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يَقُولُ عُمَرُ: «ثُمَّ اعْرِفِ الأمْثَالَ والأشْبَاهَ، فَقِسِ الأمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ بنَظَائِرِهَا، واعْمِدْ إلَى أقْرَبِهَا إلَى اللهِ، وأشْبَهِهَا بالحَقِّ، فِيمَا تَرَى».

يُسْتَفَادُ مِنْهُ:

الإذْنُ بتَتَبُّعِ النَّظَائِرِ وحِفْظِهَا، لِيُقَاسَ عَلَيْهَا مَا لَيْسَ بمَنْقُولٍ. فمَعْرِفَةُ الأشْبَاهِ والنَّظَائِرِ ضَابِطٌ هَامٌّ فِي الاجْتِهَادِ، لِئَلاَّ يَخْرُجَ مِنْهُ مَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ، ولا يَدْخُلَ فِيهِ مَا هُوَ مِن غَيْرِهِ. وإذْ قَدْ يَشْتَبِهُ الشَّيْءُ بالشَّيْءِ فلا بُدَّ مِنَ التَّأمُّلِ لِيَتَبَيَّنَ أنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ أوْ لا(393) ويُشِيرُ إلَى أنَّ مِنَ النَّظَائِرِ مَا يُخَالِفُ نَظَائِرَهُ فِي الحُكْمِ لِمَدْرَكٍ خَاصٍّ بِهِ، وهُوَ الفَنُّ المُسَمَّى بالفُرُوقِ، الَّذِي يُذْكَرُ فِيهِ الفَرْقُ بَيْنَ النَّظَائِرِ المُتَّحِدَةِ تَصْوِيرًا ومَعْنًى، المُخْتَلِفَةِ حُكْمًا وعِلَّةً(394) والعِلَّةُ فِي الأمْرِ بالاسْتِدْلالِ والنَّظَرِ، لِئَلاَّ يَحْكُمَ بالتَّشَهِّي والتَّمَنِّي. فلَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَا يَخْرُجُ عَنِ التَّعْلِيلِ بحَيْثُ لا يَكُونُ للقِيَاسِ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مَجَالٌ فِي الأخْذِ بِهِ. وقَدْ أطْبَقَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ حَيْثُ لا مُنَازِعَ(395) ووُجُوبُ مُرَاعَاةِ الأصْلَحِ والأعْدَلِ والأرْفَقِ والأوْفَقِ بالأمَّةِ دُونَ تَعَنُّتٍ، مِمَّا يَكُونُ للهِ تَعَالَى فِيهِ رِضًى، مُحَاكَاةً لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ وأهْدَافِهَا العَامَّةِ. وأنَّ المُجْتَهِدَ إنَّمَا يُكَلَّفُ بِمَا يظُنُّهُ صَوَابًا، ولَيْسَ عَلَيْهِ أنْ يُدْرِكَ الحَقَّ فِي نَفْس الأمْرِ، ولا أنْ يَصِلَ إلَى اليَقِينِ(396) والمُجْتَهِدُ مُسْتَقِلٌّ عَنْ غَيْرِهِ فِي اجْتِهَادِهِ، فَلا يُقَلِّدُ مُجْتَهِدًا آخَرَ، بَلْ يَسِيرُ فِي ضَوْءِ مَا تَوَصَّلَ إلَيْهِ رَأيُهُ وبَحْثُهُ. وقَد يَتَمَهَّلُ ويُرَاجِعُ الخَلِيفَةَ فِي كُبْرَى القَضَايَا عَلَى مَا سَيَأتِي بَيَانُهُ.

فِقْهُ الضَّرُورَةِ:

لمُرَاعَاةِ الضَّرُورَةِ دَوْرٌ كَبِيرٌ فِي تَيْسِيرِ عَجَلَةِ الحَيَاةِ، خِلالَ المَرَاحِلِ الصَّعْبَةِ الَّتِي تَجْتَازُهَا الأمَّةُ، لجِهَةِ العُدُولِ إلَى التَّشْرِيعَاتِ الاسْتِثْنَائِيَّةِ الَّتِي يَفْرِضُهَا الوَضْعُ الاجْتِمَاعِيُّ والقَانُونِيُّ للمُجْتَمَعِ والأفْرَادِ(397) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أخَذَ عُمَرُ بتَشْرِيعَاتِ الضَّرُورَةِ، وأجْرَى أحْكَامَهَا فِي مَا يَضْمَنُ العَدْلَ الَّذِي يَنْشُدُهُ فِي الرَّعِيَّة، وعَذَرَ لعَارِضِ الإكْرَاهِ، والجُنُونِ، والجَهْلِ، والخَطَأ، والشُّبْهَةِ، والنَّوْمِ(398) . فَقَالَ: «إنَّ اللهَ تَوَلَّى مِنَ العِبَادِ السَّرَائِرَ، وسَتَرَ عَلَيْهِم الحُدُودَ ، إلاَّ بالبَيِّنَاتِ، والأَيْمَانِ، والشُّبُهَاتِ».

وقَدْ تَبَدَّى ذَلِكَ أكْثَرَ مَا تَبَدَّى عَامَ الرَّمَادَةِ، سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ(399) ، لطُرُوءِ أزْمَةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ عَرَضِيَّةٍ، تَمَثَّلَتْ فِي مَجَاعَةٍ عَامَّةٍ شَدِيدَةٍ، شَهِدَتْهَا بَعْضُ مَنَاطِقِ الخِلافَةِ. فاتَّخَذَ بَعْضَ الإجْرَاءَاتِ الاسْتِثْنَائِيَّةِ والتَّدَابِيرِ اللاَّزِمَةِ، بُغْيَةَ التَّكَيُّفِ مَعَ ظُرُوفِ الأزْمَةِ، كَانَ مِنْ أهَمِّهَا مَا يَلِي:

إيقَافُ حَدِّ السَّرِقَةِ:

أوْقَفَ العَمَلَ بتَنْفِيذِ حَدِّ السَّرِقَةِ، مُكْتَفِيًا بتَعْزِيرِ السَّارِقِ، إذْ رَأى

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أنَّ شَرْطًا رَئِيسًا فِي إقَامَةِ الحَدِّ غَيْرُ مُتَوَفِّرٍ، لجِهَةِ ألاَّ يَكُونَ السَّارِقُ مُضْطَرًّا إلَى السَّرِقَةِ اضْطِرَارًا؛ مُعْتَبِرًا هَذِهِ المَجَاعَةَ ضَرُورَةً يَدْرَأ بِهَا الحَدَّ.

مِمَّا يَعْنِي ضَرُورَةَ إزَالَةِ أسْبَابِ الجَرَائِمِ قَبْلَ إيقَاعِ العُقُوبَةِ عَلَى مُرْتَكِبِيهَا. الأمْرُ الَّذِي يُوحِي بإدْرَاكِ عُمَرَ أثَرَ الأوْضَاعِ الاقْتِصَادِيَّةِ فِي الأخْلاقِ، واطِّلاعِهِ عَلَى ضَغْطِهَا المُبَاشِرِ وغَيْرِ المُبَاشِرِ عَلَى سُلُوكِ الأفْرَادِ والمُجْتَمَعَاتِ(400) ، مَا يُؤَكِّدُ تَحَلِّيَهِ بمَجْمُوعَةِ مَعَارِفَ عِلْمِيَّةٍ أصْقَلَتْ شَخْصِيَّتَهُ، وأهَّلَتْهُ لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ الاجْتِهَادِ.

تَأخِيرُ جِبَايَةِ الزَّكَاةِ:

وأصْدَرَ حِيَالَ ذَلِكَ حُكْمًا ثَانِيًا أخَّرَ بمُوجِبِهِ جِبَايَةَ زَكَاةِ المَاشِيَةِ، حَتَّى تَزُولَ الجَائِفَةُ، رِفْقًا بأصْحَابِ الأنْعَامِ. فلَمَّا زَالَتْ، وهَطَلَ المَطَرُ، وتَوَافَرَ المَرَاعِي؛ أخَذَ منِهْمُ زَكَاتَيْنِ؛ عَنِ العَامِ الفَائِتِ والعَامِ الحَاضِرِ(401) .

المَنْعُ مِنَ الزَّوَاجِ:

ثُمَّ مَنَعَ أهْلَ البَادِيَةِ مِنَ الزَّوَاجِ، فَقَالَ عَلَى المِنْبَرِ: «والَّذِي نَفْسُ عُمَرَ بيَدِهِ، لأمْنَعَنَّ فُرُوجَ ذَوَاتِ الأحْسَابِ إلاَّ مِنَ الأكْفَاءِ. فإنَّ الأعْرَابَ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إذَا كَانَ الجَدْبُ، فَلا نِكَاحَ لَهُم»(402) وقَالَ: «إذَا كَانَتِ السَّنَةُ(403) فَلَيْسَ لأهْلِ البَادِيَةِ نِكَاحٌ»(404) يَقُولُ: «لَعَلَّ الضِّيقَةَ(405) تَحْمِلُهُم عَلَى أنْ يُنْكِحُوا غَيْرَ الأكْفَاءِ»(406)

وإنَّمَا خَصَّ أهْلَ البَادِيَةِ لسَبَبَيْنِ:

الأوَّل: أنَّهُم تَضَرَّرُوا مِنَ الأزْمَةِ الاقْتِصَادِيَّةِ أكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِم.

الثَّانِي: أنَّهُم يتَشَدَّدُونَ أكْثَرَ فِي اشْتِرَاطِ الكَفَاءَةِ. ومَعْلُومٌ أنَّ شَرْطَ الكَفَاءَةِ مِنْ عَوَامِلِ اسْتِقْرَارِ العَلاقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ وضَمَانِ اسْتِمْرَارِهَا.

فَصَدَرَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ تَدْبِيرٌ احْتِرَازِيٌّ يَمْنَعُ مِنْ هَذَا النِّكَاحِ، لتَرَتُّبِ آثَارٍ سَيِّئَةٍ عَلَيْهِ، مِنْهَا:

ظُلْمُ المَرْأةِ بتَزْوِيجِهَا مِمَّنْ لَيْسَ بكُفْءٍ لَهَا. حُدُوثُ النَّدَمِ عَقِبَ ارْتِفَاعِ الجَائِحَةِ، حَيْثُ يُعَيِّرُ النَّاسُ ذَوِيهَا بفَقْدِ الكَفَاءَةِ فِي أصْهَارِهِم! وعُمَرُ يَرْوِي عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَوْلَهُ:

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

«تَخَيَّرُوا لنُطَفِكُمْ، وانْتَخِبُوا المَنَاكِحَ...»(407) تَعَرُّضُ الأطْفَالِ لضُغُوطٍ نَفْسِيَّةٍ، نَاجِمَةٍ عَنِ انْعِدَامِ الانْسِجَامِ بَيْنَ الأبَوَيْنِ.

ومَا خَشِيَهُ عُمَرُ هُوَ بحَدِّ ذَاتِهِ غَيْرُ مُسْتَبْعَدٍ، فَمَا زِلْنَا نَسْمَعُ حَتَّى تَارِيخِهِ، مَا يَحْدُثُ خِلالَ الأزْمَاتِ، مِنْ إقْدَامِ بَعْضِ الأسَرِ عَلَى بَيْعِ أطْفَالِهَا، مُقَابِلَ الحُصُولِ عَلَى مَبَالِغَ زَهِيدَةٍ تَسُدُّ بِهَا حَاجَتَهَا(408) !

ابْتِنَاءُ الأحْكَامِ عَلَى العُرْفِ:

قَالَ عُمَرُ: «المُسْلِمُونَ عُدُولٌ بَعْضُهُم عَلَى بَعْضٍ فِي الشَّهَادَةِ». بَنَى عَلَيْهِ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ تَصْحِيحَ مَرَاسِيلِ التَّابِعِينَ وأتْبَاعِهِم، انْطِلاقًا مِنْ كَوْنِ ظَاهِرِ أحْوَالِ النَّاسِ فِي عَصْرِهِمُ الصَّلاحَ والصِّدْقَ، مَا لَمْ يَكُنِ الرَّاوِي مِمَّنْ يُرْسِلُ عَنْ غَيْرِ الثِّقَاتِ(409) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثُمَّ حَصَلَ التَّوَسُّعُ بقَبُولِ رِوَايَةِ المَسْتُورِ وإنْزَالِهِ مَنْزِلَةَ العَدْلِ، لثُبُوتِ العَدَالَةِ لَهُ ظَاهِرًا(410) !

إنَّ الاحْتِجَاجَ بهَذِهِ الجُمْلَةِ عَلَى تَمْشِيَةِ المَرَاسِيلِ ورِوَايَةِ المَسْتُورِ مَدْفُوعٌ باعْتِبَارِهِ وَصْفَ العَدَالَةِ، إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعْتَبَرًا لَسَكَتَ عَنْهُ. وهِيَ شَرْطٌ فِي الخَبَرِ، «ومَا كَانَ شَرْطًا لا يُكْتَفَى بوُجُودِهِ ظَاهِرًا»(411) .

وهَذا يتَأتَّى بَعْدَ الكَشْفِ، وهُوَ مَا عَنَاهُ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ مِنْ أنَّهُم عُدُولٌ بَعْدَ الفَحْصِ، مَا لَمْ يَظْهَرْ جَرْحٌ(412) . ثُمَّ هُوَ مُعَارَضٌ بقَوْلِهِ أخِيرًا: «واللهِ، لا يُؤْسَرُ(413) رَجُلٌ فِي الإسْلامِ بغَيْرِ العُدُولِ»(414) . مِمَّا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ، والمُتَأخِّرُ نَاسِخٌ للمُتَقَدِّمِ(415) . فَلا بُدَّ مِنْ تَزْكِيَةٍ ومَعْرِفَةٍ بالصَّلاحِ والاسْتِقَامَةِ.

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهَذَا مَا يُؤَسِّسُ إلَى تَغَيُّرِ الاجْتِهَادِ بحَسْبِ الأحوال والأعْرَافِ المُحِيطَةِ بالمَسْألَةِ. وكَانَ ذَلِكَ حِينَ قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ العِرَاقِ، فَقَالَ: لَقَدْ جِئْتُكَ لأمْرٍ مَا لَهُ رَأسٌ ولا ذَنَبٌ(416) ! فَقَالَ عُمَرُ: «مَا هُوَ؟». قَالَ: شَهَادَاتُ الزُّورِ ظَهَرَتْ بأرْضِنَا! فَقَالَ عُمَرُ: «أوَ قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟!». قَالَ: نَعَمْ! فَقَالَ عُمَرُ: الحَدِيثَ.

فقُدُومُ الرَّجُلِ إلَى عُمَرَ يَشْتَكِي اسْتِغْلالَ النَّاسِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أنَّهُ أمَرَ بِهِ أوَّلاً، عَلَى نَحْوِ مَا وَرَدَ فِي الرِّسَالَةِ. ثُمَّ رَجَعَ عَنْ هَذَا الأصْلِ لَمَّا رُفِعَ إلَيْهِ تَفَشِّي ظَاهِرَةِ شَهَادَةِ الزُّورِ. ولَوْ كَانَت بأرْضِهِ قَدِيمًا لَمْ يَصِفْهَا الآنَ بالظُّهُورِ، وإنَّمَا كَانَ يَصِفُهَا بالدَّوَامِ، أوْ بالبَقَاءِ والتَّزَايُدِ.

حَتَّى قَالَ: «إنَّ أنَاسًا كَانُوا يُؤْخَذُونَ بالوَحْيِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم(417) . وإنَّ الوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ، وإنَّمَا نَأخُذُكُمُ الآنَ بمَا ظَهَرَ لَنَا مِنْ أعْمَالِكُم:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَمَنْ أظْهَرَ لَنَا خَيْرًا؛ أَمِنَّاهُ وقَرَّبْنَاهُ. ولَيْسَ إلَيْنَا مِنْ سَرِيرَتِهِ شَيْءٌ. اللهُ يُحَاسِبُهُ فِي سَرِيرَتِهِ. ومَنْ أظْهَرَ لَنَا سوءًا؛ لَمْ نَأمَنْهُ ولَمْ نُصَدِّقْهُ، وإنْ قَالَ: إنَّ سَرِيرَتَهُ حَسَنَةٌ»(418) .

نَقْضُ الاجْتِهَادِ:

القَضَاءُ ضَرْبٌ مِنَ الاجْتِهَادِ، وحَيْثُ إنَّهُ يَقُومُ عَلَى مَا يَتَرَاءَى للمُجْتَهِدِ فِيهِ مِنَ الحَقِّ المَنُوطِ بالوُسْعِ والطَّاقَةِ، فَقَدْ يَحْصُلُ أنْ يُعَاوِدَ المُجْتَهِدُ النَّظَرَ فِي المَسْألَةِ ثَانِيَةً، فيَتَرَجَّحَ لَدَيْهِ رَأيٌ مُغَايِرٌ للأوَّلِ، فهَلْ يَنْقُضُهُ؟!

يَرَى عُمَرُ جَوَازَ أنْ يَتَعَدَّدَ الاجْتِهَادُ لَدَى المُجْتَهِدِ نَفْسِهِ فِي القَضِيَّةِ عَيْنِهَا، بَعْدَ أنْ يَقِفَ عَلَى مَنَاطَاتٍ جَدِيدَةٍ. فإنَّهُ أدْعَى إلَى «مُدَاوَمَةِ الاجْتِهَادِ وإمْعَانِ النَّظَرِ»(419) وبِالتَّالِي، عَلَيْهِ أنْ يَتْبَعَ اجْتِهَادَهُ الجَدِيدَ بِمَا سَنَحَ لَهُ مِنَ الدَّلِيلِ، فَهُوَ الظَّنُّ بالمُؤْمِنِ. ولا يَلْزَمُهُ نَقْضُ السَّابِقِ مِنْهُ اجْتِهَادًا(420) طَالَمَا أنَّهُ أفْرَغَ فِيهِ جَهْدَهُ، ولَمْ يُخَالِفْ نَصًّا أوْ إجْمَاعًا.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومَارَسَهُ بنَفْسِهِ، حِينَ قَضَى فِي المُشَرَّكَةِ(421) بإسْقَاطِ الإخْوَةِ مِنَ الأبَوَيْنِ، ثُمَّ شَرَّكَ بَيْنَهُم بَعْدَ ذَلِكَ. فسُئِلَ فَقَالَ: «تِلْكَ عَلَى مَا قَضَيْنَا يَوْمَئِذٍ، وهَذِهِ عَلَى مَا قَضَيْنَا اليَوْمَ»(422)

وَجْهُ الاسْتِدْلالِ: أنَّ عُمَرَ لَمْ يَنْقُضِ اجْتِهَادَهُ الأوَّلَ بالثَّانِي، بَلْ أمْضَى الأوَّلَ عَلَى مَا حَكَمَ بِهِ سَابِقًا، وقَضَى فِي الثَّانِيَةِ بحُكْمٍ جَدِيدٍ مُخْتَلِفٍ رَغْمَ اتِّفَاقِ النَّازِلَةِ.

ثُمَّ إنَّ عَدَمَ النَّقْضِ مُعَلَّلٌ بأمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: مَا يَلْزَمُ عَنْهُ مِنَ التَّسَلْسُلِ(423) إلَى مَا لا نِهَايَةَ(424) .

الثَّانِي: تَفْوِيتُ مَصْلَحَةِ نَصْبِ الحَاكِمِ، لِمَا سَيُؤَدِّي بنَقْضِ الحُكْمِ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الاجْتِهَادِيِّ إلَى اضْطِرَابِ شُؤُونِ النَّاسِ، وعَدَمِ اسْتِقْرَارِ الأقْضِيَةِ الوَاقِعَةِ والوُثُوقِ بِهَا(425) مَا يتَرَتَّبُ عَلَيْهِ ضَيَاعُ الحُقُوقِ، وتَعْطِيلُ المَصَالِحِ المَرْجُوَّةِ، «وهُوَ خِلافُ المَصْلَحَةِ الَّتِي نُصِبَ الحَاكِمُ لَهَا»(426)

وهَذَا لا يتَعَارَضُ البَتَّةَ مَعَ مَوْقِفِهِ اللاَّحِقِ مِنَ المُفَاضَلَةِ بَيْنَ الأصَابِعِ فِي الدِّيَاتِ، لِتَفَاوُتِ مَنَافِعِهَا(427) ، حَيْثُ عَدَلَ عَنْهُ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهَا فَوْرَ بُلُوغِهِ الخَبَرَ(428) . لأنَّهُمُ اشْتَرَطُوا فِي عَدَمِ النَّقْضِ السَّلامَةَ مِنْ مُخَالَفَةِ مَقْطُوعٍ بِهِ؛ مِنْ نَصٍّ أو إجْمَاعٍ أوْ قِيَاسٍ جَلِيٍّ(429) .

قَالَ الفَخْرُ الرَّازِيُّ (ت606هـ)(430) «قَضَاءُ القَاضِي لا يَنْتَقِضُ

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بشَرْطِ أنْ لا يُخَالِفَ دَلِيلاً قَاطِعًا. فَإنْ خَالَفَهُ نَقَضْنَاهُ»(431) وحَيْثُ إنَّ عُمَرَ أدْرَكَ أنَّهُ مُخَالِفٌ للنَّصِّ؛ نَقَضَ الحُكْمَ ومَشَى مَعَ الحَدِيثِ(432)

هَذَا مَا يَتَوَافَقُ تَمَامَ المُوَافَقَةِ مَعَ وَصِيَّتِهِ لأبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ: «لا يَمْنَعنَّكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ بالأمْسِ، فَرَاجَعْتَ اليَوْمَ فِيهِ عَقْلَكَ، وهُدِيتَ فِيهِ لرُشْدِكَ، أنْ تَرْجِعَ إلى الحَقِّ، فإنَّ الحَقَّ قَدِيمٌ لا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ، ومُرَاجَعَةُ الحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي البَاطِلِ»(433) .

وهُوَ مَبْدَأٌ قَانُونِيٌّ أيْضًا فِي مَحَاكِمِ النَّقْضِ والإبْرَامِ والتَّمْييزِ، إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهَا لا يَسْرِي ذَلِكَ عَلَى الأحْكَامِ السَّابِقَةِ، ويُسَمَّى فِي اصْطِلاحِهِم: «بِعَدَمِ رَجْعِيَّةِ القَوَانِينِ»(434) .

ولا يُحَرِّجُ عَلَى المُجْتَهِدِينِ مُخَالَفَةَ بَعْضِهِم فِي مَا تَوَصَّلُوا إلَيْهِ بصَحِيحِ النَّظَرِ. وبِالتَّالِي فَإنَّهُ لا يَنْقُضُ اجْتِهَادَ مُجْتَهِدٍ بمُجْتَهِدٍ آخَرَ،

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لِعَدَمِ المُرَجِّحِ. فَقَدْ لَقِيَ عُمَرُ رَجُلاً، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: قَضَى عَلِيٌّ وزَيْدٌ بِكَذَا! قَالَ: لَوْ كُنْتُ أنَا لَقَضَيْتُ بِكَذَا. قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكَ والأمْرُ إلَيْكَ؟! قَالَ: لَوْ كُنْتُ أرُدُّكَ إلى كِتَابِ اللهِ أو إلى سُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم لَفَعَلْتُ ولَكِنِّي أرُدُّكَ إلىَ رَأيِي، والرَّأيُ مُشْتَرَكٌ»(435)

فَلَمْ يَنْقُضْ مَا قَالَ عَلِيٌّ وزَيْدٌ وهُوَ يَرَى خِلافَ مَا ذَهَبَا إلَيْهِ، حَيْثُ لا مَزِيَّةَ لأحَدِ الرَّأيَيْنِ عَلَى الآخَرِ، والنَّقْضُ يُؤَدِّي إلَى أنْ لا يَسْتَقِرَّ حُكْمٌ، وفِيهِ مَشَقَّةٌ شَدِيدَةٌ(436) . وكَانَ بِمَرْأًى ومَسْمَعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَلَمْ يُنْكِرُوا عَلَيْهِ. ومِنْ ثَمَّ قِيلَ: الاجْتِهَادُ لا يُنْقَضُ بمِثْلِهِ(437) .

تَمَّ الفَصْلُ الأوَّلُ، ويَلِيهِ الفَصْلُ الثَّانِي فِي مَعَالِمِ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ ومُتَعَلِّقَاتِهِ.

الفَصْلُ الثَّانِي

مَعَالِمُ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ

ويَشْتَمِلُ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عَلَى ثَلاثَةِ مَبَاحِثَ، هِيَ:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: الاجْتِهَادُ الأصُولِيُّ: مَضْمُونُهُ، شُمُولِيَّتُهُ، وتَمَايُزُهُ. المَبْحَثُ الثَّانِي: مَوْقِفُ عُمَرَ مِنَ الاجْتِهَادِ ودَوَافِعُهُ. المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الخَصَائِصُ العَامَّةُ لاجْتِهَادِ عُمَرَ ورَوَافِدُهُ.

الفَصْلُ الثَّانِي: مَعَالِمُ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ

الاجْتِهَادُ فِي الأصُولِ اجْتِهَادٌ فِي المَنْهَجِ، وحَيْثُ كَانَ اجْتِهَادٌ يَكُونُ حَتْمًا مِنْهَاجٌ للاستنباطِ، وحيثُ كَانَ المِنْهَاجُ يَكُونُ لا مَحَالَةَ أصُولُ الفِقْهِ. نَظَرِيَّةٌ تَدْعَمُهَا الوَاقِعِيَّةُ فِي الاجْتِهَادِ العُمَرِيِّ، الَّذِي شَقَّ الطَّرِيقَ لكُلِّ نَظَّارٍ غَوَّاصٍ، ويَبْقَى لَهُ فَضْلُ السَّبْقِ مَعَ مَا تَمَيَّزَ بِهِ اجْتِهَادُهُ مِنْ خَصَائِصَ ومَوَاهِبَ، غَدَا بِهَا الأوَّلَ فِي هَذَا المِضْمَارِ.

الحَاجَةُ دَاعِيَةٌ فِي هَذَا الفَصْلِ للتَّعَرُّفِ إلَى مَفْهُومِ هَذَا اللَّوْنِ مِنَ الاجْتِهَادِ، لجِهَةِ مَضْمُونِهِ، وشُمُولِيَّتِهِ لمَوْضُوعَاتِ التَّشْرِيعِ، وتَمَايُزِهِ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ زَمَنَ الرِّسَالَةِ. ثُمَّ العَمَلُ عَلَى التَّوْفِيقِ بَيْنِ الرِّوَايَاتِ المَنْقُولَةِ عَنْ عُمَرَ المُجْتَهِدِ فِي حُكْمِهِ، للخُلُوصِ إلَى مَوْقِفِهِ المُنْضَبِطِ مِنْهُ، واسْتِعْرَاضِ الدَّوَافِعِ العِلْمِيَّةِ والعَمَلِيَّةِ للتَّمَرُّسِ بِهِ، وتَوَسُّطِهِ سَبِيلَ خُلُودٍ للشَّرِيعَةِ أبَدَ الدَّهْرِ. ثُمَّ تَتَبُّعُ خَصَائِصِهِ العَامَّةِ، واسْتِخْلاصُ الرَّوَافِدِ المُكَوِّنَةِ والمُكَمِّلَةِ لهَذَا الاجْتِهَادِ، وتَحْلِيلُهَا وبَيَانُ أهَمِّيَّتِهَا.

لِذَا، جَاءَ هَذَا الفَصْلُ فِي ثَلاثَةِ مَبَاحِثَ، هِيَ:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: الاجْتِهَادُ الأصُولِيُّ: مَضْمُونُهُ، شُمُولِيَّتُهُ، وتَمَايُزُهُ. المَبْحَثُ الثَّانِي: مَوْقِفُ عُمَرَ مِنَ الاجْتِهَادِ ودَوَافِعُهُ. المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الخَصَائِصُ العَامَّةُ لاجْتِهَادِ عُمَرَ ورَوَافِدُهُ.

المَبْحَثُ الأوَّلُ: الاجْتِهَادُ الأصُولِيُّ: مَضْمُونُهُ، شُمُولِيَّتُهُ، وتَمَايُزُهُ

مُصْطَلَحُ الاجْتِهَادِ أقْدَمُ مِنْ مُصْطَلَحِ الأصُولِ نَفْسِهِ، لأنَّهُ عُرِفَ قَبْلَ أنْ تُعْرَفَ الأصُولُ باعْتِبَارِهَا مُصْطَلَحًا(438) ، وإنْ كَانَتْ هَذِهِ سَابِقَةً عَلَيْهِ. فَالعِلْمُ بالفِقْهِ يَقْتَضِي العِلْمَ بالأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ المُكْتَسَبَ مِنْ أدِلَّتِهَا التَّفْصِيلِيَّةِ. والعِلْمُ بالأصُولِ يَقْتَضِي مَعْرِفَةَ الأدِلَّةِ الإجْمَالِيَّةِ، وكَيْفِيَّةَ الاسْتِفَادَةِ مِنْهَا، وصِفَاتِ المُسْتَفِيدِ(439) .

وإذَا كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ يُمْكِنُ أنْ يُخْتَصَرَ فِي كَلِمَةِ الاجْتِهَادِ، فَالأمْرُ يَسْتَتْبِعُ النَّظَرَ فِي المَوْضُوعَاتِ الَّتِي يَشْمَلُهَا، وتَمَايُزَهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ أوَّلَ العَهْدِ بِهِ.

فَانْتَظَمَتِ الدِّرَاسَةُ فِي هَذَا المَبْحَثِ ضِمْنَ ثَلاثَةِ مَطَالِبَ، هِيَ:

المَطْلَبُ الأوَّلُ: مَضْمُونُ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ. المَطْلَبُ الثَّانِي: شُمُولِيَّةُ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ. المَطْلَبُ الثَّالِثُ: تَمَايُزُ الاجْتِهَادِ بَيْنَ عَصْرِ النُّبُوَّةِ وخِلافَةِ عُمَرَ.

المَطْلَبُ الأوَّلُ: مَضْمُونُ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أوَّلاً: تَعْرِيفُ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ

الاجْتِهَادُ الأصُولِيُّ: هُوَ بَذْلُ الجُهْدِ فِي إيضَاحِ قَوَاعِدِ الأحْكَامِ ومَصَادِرِ الاسْتِدْلالِ، وإثْبَاتُ حُجِّيَّتِهَا، ودَفْعُ التَّعَارُضِ عَنْهَا، تَمْكِينًا لاسْتِثْمَارِهَا. ولَعَلَّ أدَلَّ تَعْرِيفٍ وَقَفْتُ عَلَيْهِ هُوَ: «بَذْلُ الجُهْدِ فِي اسْتِخْرَاجِ الأحْكَامِ مِنْ شَوَاهِدِهَا الدَّالَّةِ عَلَيْهَا بالنَّظَرِ المُؤَدِّي إلَيْهَا»(440) . لأنَّ عَمَلَ الأصُولِيِّ يَنْصَبُّ عَلَى مَسَائِلِ الأصُولِ الَّتِي مِنْهَا النَّظَرُ فِي الأدِلَّةِ، وطُرُقِ الاسْتِنْبَاطِ ودَلالاتِ الألْفَاظِ، وقَدْ لَحَظَهَا التَّعْرِيفُ أعْلاهُ.

وأعْنِي بالاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ عِنْدَ عُمَرَ: اسْتِكْشَافَ المُنْطَلَقَاتِ العِلْمِيَّةِ والمَبَادِئِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي أحْكَمَتْ تَفْكِيرَهُ، وأصْقَلَتْ مَلَكَتَهُ فِي اسْتِشْفَافِ الأحْكَامِ المُودَعَةِ طَيَّاتِ الأدِلَّةِ، وتَصْنِيفَهَا وَفْقَ قَوَالِبَ، ونَظَرِيَّاتٍ مُتَمَاسِكَةٍ، تُعَبِّرُ عَنْ نُضُوجِهِ العَقْلِيِّ، وإبْدَاعِهِ الفِكْرِيِّ فِي مَجَالِ التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ تَنْظِيرًا وتَنْزِيلاً.

ذَلِكَ أنَّ عِلْمَ أصُولِ الفِقْهِ عِلْمٌ اجْتِهَادِيٌّ(441) وَظِيفَتُهُ إكْسَابُ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

دَارِسِهِ صِفَةَ الاجْتِهَادِ تَحْصِيلاً، بَعْدَ تَهَيُّئِهِ لَهُ سَلِيقَةً، كَمَا عَبَّرَ عَنْهُ الذَّهَبِيُّ (ت748هـ) رحمه الله(442) «ولا فَائِدَةَ فِي أصُولِ الفِقْهِ إلاَّ أنْ يَصِيرَ مُحَصِّلُهُ مُجْتَهِدًا بِهِ. فَإذَا عَرَفَهُ ولَمْ يَفُكَّ تَقْلِيدَ إمَامِهِ؛ لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا! بَلْ أتْعَبَ نَفْسَهُ، ورَكَّبَ عَلَى نَفْسِهِ الحُجَّةَ فِي مَسَائِلَ»(443) وهَذَا إِشْعَارٌ بِأنَّ طَرْقَ بَابِ الاجْتِهَادِ مُتَاحٌ لِكُلِّ جَادٍّ، مُتَيَسِّرٌ لمَنْ جَهَدَ فِي سَبِيلِهِ وأخْلَصَ النِّيَّةَ لتَحْقِيقِهِ.

ولا بُدَّ لَهُ مِنَ التَّضَلُّعِ بمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، جُمْلَةً وتَفْصِيلاً(444) وحُسْنِ المُوَازَنَةِ بَيْنَهَا، ليَلْتَزِمَ فِي اجْتِهَادِهِ بالأهْدَافِ العَامَّةِ الَّتِي قَصَدَ الشَّارِعُ إلَيْهَا. ومَعْرِفَةِ مَوَاقِعِ الإجْمَاعِ، لِئَلاَّ يُفْتِيَ بخِلافِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الإجْمَاعُ! كَمَا صَرَّحَ بِهِ عُمَرُ فِي كِتَابِهِ إلَى شُرَيْحٍ(445) «فَاقْضِ بِمَا أجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ(446) (وفِي رِوَايَةٍ: فَاقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ)»(447)

ثَانِيًا: مَصَادِيقُ فِي بَلْوَرَةِ العَقْلِ الاجْتِهَادِيِّ:

حِيَازَةُ المَلَكَةِ النَّفْسِيَّةِ، والتَّخَلُّقُ بالذَّوْقِ السَّلِيمِ واعْتِدَالِ الطَّبْعِ، والتَّضَلُّعُ بمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ... كُلُّهَا عَوَامِلُ مُنْتِجَةٌ، ومُسَاعِدَةٌ فِي بَلْوَرَةِ العَقْلِ الاجْتِهَادِيِّ.

فَفِي ذَاتِ عُمَرَ تَرَى بَيْنَ (الاجْتِهَادِ) و(المَلَكَةِ النَّفْسِيَّةِ) الْتِزَامًا وَثِيقًا. لِذَلِكَ لُوحِظَتْ هَذِهِ القَضِيَّةُ فِي تَعْرِيفِ الاجْتِهَادِ، فَقيِلَ: «الاجْتِهَادُ عِبَارَةٌ عَنِ المَلَكَةِ الَّتِي تَحْصُلُ للإنْسَانِ يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى اسْتِنْبَاطِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأحْكَامِ»(448) وفِي المُقَابِلِ، جَاءَ فِي تَوْصِيفِ المُجْتَهِدِ أنَّهُ «ذُو مَلَكَةٍ يَقْتَدِرُ بِهَا عَلَى اسْتِنْتَاجِ الأحْكَامِ مِنْ مَأخَذِهَا»(449)

فِي السِّيَاقِ نَفْسِهِ، يَلْحَقُ بالمَلَكَةِ (الذَّوْقُ السَّلِيمُ) و(اعْتِدَالُ الطَّبْعِ)(450) . نَبَّهَ إلَيْهِ حُجَّةُ الإسْلامِ الغَزَالِيُّ (ت505هـ) رحمه الله(451) ، ولَفَتَ إلَى العَلاقَةِ الوَطِيدَةِ بَيْنَ الطَّبَائِعِ الذَّاتِيَّةِ، والعَوَامِلِ النَّفْسِيَّةِ، والأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، والمَسَالِكِ التَّعْلِيلِيَّةِ، فقَالَ: «اخْتِلافُ الأخْلاقِ، والأحْوَالِ، والمُمَارَسَاتِ، يُوجِبُ اخْتِلافَ الظُّنُونِ»(452) .

يتَجَلَّى هَذَا المَعْنَى فِي المَوْقِفِ مِنَ التَّسْوِيَةِ فِي العَطَاءِ، الَّتِي ذَهَبَ إلَيْهَا أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رضي الله عنه، والمُفَاضَلَةِ فيِهَا كَمَا رَأى عُمَرُ. فاللَّطِيفُ

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الدَّقِيقُ فِي هَذِه المَسْألَةِ أنَّ الغَزَالِيَّ لَمْ يُرْجِعْ أصْلَ الخِلافِ بَيْنَهُمَا إلَى مُجَرَّدِ تَبَايُنِ نَظَرَيْهِمَا فِي الأدِلَّةِ! إنَّمَا عَادَ بالتَّأمُّلِ إلَى اخْتِلافِ طَبْعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنِ الآخَرِ، فَقَالَ:

«فَمَنْ خُلِقَ خِلْقَةَ أبِي بَكْرٍ فِي غَلَبَةِ التَّألُّهِ، وتَجْرِيدِ النَّظَرِ فِي الآخِرَةِ؛ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ –لا مَحَالَةَ- مَا ظَنَّهُ أبُو بَكْرٍ، ولَمْ يَنْقَدِحْ فِي نَفْسِهِ إلاَّ ذَلِكَ. ومَنْ خَلَقَهُ اللهُ خِلْقَةَ عُمَرَ، وعَلَى حَالَتِهِ وسَجِيَّتِهِ، فِي الالْتِفَاتِ إلَى السِّيَاسَةِ، ورِعَايَةِ مَصَالِحِ الخَلْقِ وضَبْطِهِم، وتَحْرِيكِ دَوَاعِيهِم للخَيْرِ؛ فَلا بُدَّ أنْ تَمِيلَ نَفْسُهُ إلَى مَا مَالَ إلَيْهِ عُمَرُ. مَعَ إحَاطَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَلِيلِ صَاحِبِهِ»(453) .

ثُمَّ الَّذِي أضْفَى عَلَى اجْتِهَادَاتِ عُمَرَ عُنْصُرَ الجِدَّةِ والابْتِكَارِ، هُوَ (تَخَلُّقُهُ بمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ)، وإدْرَاكُهَا فِي البَحْثَيْنِ: النَّظَرِيِّ، والتَّنْزِيلِيِّ. يَقُولُ الشَّاطِبِيُّ: «إنَّمَا تَحْصُلُ دَرَجَةُ الاجْتِهَادِ لِمَنْ اتَّصَفَ بوَصْفَيْنِ:

أحَدُهُمَا: فَهْمُ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ عَلَى كَمَالِهَا.

والثَّانِي: التَّمَكُّنُ مِنَ الاسْتِنْبَاطِ، بِنَاءً عَلَى فَهْمِهِ فِيهَا»(454) .

لَحَظَ هَذِهِ الخَاصِيَّةَ فِي المُجْتَهِدِ الإمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ (ت756هـ) رحمه الله(455) فَقَالَ فِي تَعْرِيفِ المُجْتَهِدِ: «هُوَ مَنْ هَذِهِ العُلُومُ مَلَكَةٌ لَهُ،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وَأحَاطَ بِمُعْظَمِ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ ومَارَسَهَا، بِحَيْثُ اكْتَسَبَ قُوَّةً يَفْهَمُ بِهَا مَقْصُودَ الشَّارِعِ»(456)

اللاَّفِتُ فِي هَذَا الجَانِبِ نُهُوضُ عُمَرَ بتَفْعِيلِ المَقَاصِدِ، والإشَارَةِ إلَيْهَا خِلالَ إبْدَائِهِ للرَّأيِ الفِقْهِيِّ فِي النَّوَازِلِ أوِ المَسَائِلِ، الَّتِي أعَادَ النَّظَرَ فِيهَا، عَلَى أثَرِ المُسْتَجِدَّاتِ والمُلابَسَاتِ الَّتِي طَرَأتْ، فِي ظُرُوفٍ اسْتِثْنَائِيَّةٍ.

ثَالِثًا: أنْوَاعُ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ:

الاجْتِهَادُ الأصُولِيُّ باعْتِبَارِ وَظِيفتِهِ قِسْمَانِ، يَنْدَرِجُ تَحْتَ كُلِّ قِسْمٍ أنْوَاعٌ مِنَ الاسْتِثْمَارِ(457) انْطِلاقًا مِنْ تَصَوُّرِ الفِكْرِ للمَسْألَةِ، ثُمَّ مَدَى

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مُوَاءَمَةِ الوَاقِعِ للحُكْمِ بِهَا.

فتَكَوَّنَ للمُجْتَهِدِ:

الاجْتِهَادُ الاسْتِنْبَاطِيُّ، ويتَضَمَّنُ: الاستِثْمَارَ النَّصِيَّ، بالاجْتِهَادِ البَيَانِيِّ. الاستِثْمَارَ الإلْحَاقِيَّ، بالاجْتِهَادِ القِيَاسِيِّ. الاستِثْمَارَ الاسْتِثْنَائِيَّ، بالاجْتِهَادِ الاسْتِصْلاحِيِّ. الاجْتِهَادُ التَّطْبِيقِيُّ، وهُوَ نَوْعَانِ: الاجْتِهَادُ الإقْرَارِيُّ، وهُوَ: الاستِثْمَارُ الإجْرَائِيُّ. والاجْتِهَادُ التَّغْيِيرِيُّ ، ويتَضَمَّنُ: الاستِثْمَارَ التَّعْدِيلِيَّ. الاستِثْمَارَ التَّأجِيلِيَّ. الاستِثْمَارَ الإيقَافِيَّ.

والنَّاظِرُ فِي فَتَاوَى عُمَرَ وأقْضِيَتِهِ، مَعَ مُلاحَظَةِ مَنْهَجِهِ الأصُولِيِّ فِي الاجْتِهَادِ بالرَّأيِ، تتَبَدَّى لَهُ مَخَايِلُ مَلَكَتِهِ التَّشْرِيعِيَّةِ فِي تَحْصِيلِ الحُجَجِ

عَلَى الأحْكَامِ، يَسْتَتْبِعُهَا فِقْهٌ فِي حُسْنِ تَطْبِيقِهَا ومَا يتَعَلَّقُ بِهِا مِنْ إقْرَارٍ، أوْ تَغْيِيرٍ. فتَرَاهُ قَدْ بَرَعَ بجَدَارَةٍ –هُوَ حَقِيقٌ بِهَا- فِي كِلا القِسْمَيْنِ. فَاجْتَهَدَ فِي النَّصِّ تَفَقُّهًا وتَطْبِيقًا، حَتَّى اسْتَوْطَنَ فِي اجْتِهَادِهِ نَوْعَانِ مِنَ الفِقْهِ، لَمْ يَنْفَكَّ أحَدُهُمَا عَنِ الآخَرِ فِي مُخْتَلِفِ أحْكَامِهِ، هُمَا:

فِقْهٌ فِي أحْكَامِ الحَوَادِثِ الكلِّيَّةِ. وفِقْهٌ فِي نَفْسِ الوَاقِعِ وأحْوَالِ النَّاسِ.

فَاسْتَطَاعَ أنْ يُمَيِّزَ بَيْنَ الصَّادِقِ والكَاذِبِ، والمُحِقِّ والمُبْطِلِ. ثُمَّ يُطَابِقَ بَيْنَ هَذَا وهَذَا، فيُعْطِي الوَاقِعَ حُكْمَهُ مِنَ الوَاجِبِ، ولا يَجْعَلُ الوَاجِبَ مُخَالِفًا للوَاقِعِ(458) .

المَطْلَبُ الثَّانِي: شُمُولِيَّةُ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أوَّلاً: انْعِكَاسُ ثَقَافَةِ الأصُولِيِّ عَلَى الاجْتِهَادِ:

يَتَمَيَّزُ الاجْتِهَادُ الأصُولِيُّ بمَوْسُوعِيَّةِ صَاحِبِهِ، لأنَّهُ بَحْثٌ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةٍ وَاسِعَةٍ فِي مُخْتَلِفِ العُلُومِ. فعَمَلِيَّةُ الاجْتِهَادِ تَتَطَلَّبُ إلْمَامًا بمَصَادِرِ الشَّرِيعَةِ، وتَرْتِيبِهَا بحَسْبِ الحُجِّيَّةِ والقُوَّةِ، ومُسْتَلْزَمَاتِهَا. واطِّلاعًا مُعَمَّقًا عَلَى اللُّغَةِ وعُلُومِهَا، وأسَالِيبِ العَرَبِ البَلاغِيَّةِ. بالإضَافَةِ إلَى خِبْرَةٍ تَارِيخِيَّةٍ جَيِّدَةٍ بالظُّرُوفِ الَّتي وَرَدَت فِيهَا النُّصُوصُ، ومَعْرِفَةٍ بالقَرَائِنِ المُصَاحِبَةِ.

فيَأخُذُ المُفَكِّرُ الأصُولِيُّ مِنْ هَذِهِ الثَّقَافَةِ، المُسْتَمَدَّةِ مِنَ الحَضَارَةِ الإسْلامِيَّةِ ومُلاحَظَةِ البِيئَةِ، مَا يُحَقِّقُ التَّمَدُّنَ الَّذِي يَنشُدُهُ، فِي طَرْحِ قَضَايَا لَمَّا تَتَحَقَّقْ بَعْدُ، لَهَا آثَارٌ استِبَاقِيَّةٌ واستِتبَاعِيَّةٌ فِي الوَقَائِعِ الحَالِيَّةِ، مِنْ شَأنِهَا أنْ تَدْعُوَ المُجْتَهِدَ إلى مُعَاوَدَةِ النَّظَرِ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّصُوصِ، انْطِلاقًا مِنَ الاجْتِهَادِ فِيهَا تَنْزِيلاً عَلَى الوَاقِعِ، لَوْ لَمْ يُرَاعِهَا لَفَوَّتَت مَصَالِحَ مَرْجُوَّةً، نَتِيجَةَ التَّمَسُّكِ بفَهْمٍ لِنَصٍّ، يَغْفُلُ البَعْضُ عَنْ وَجْهٍ آخَرَ لَهُ فِي المَعْنَى.

ثَانِيًا: مَعْقُولِيَّةُ التَّشْرِيعِ وتَأثِيرُهَا فِي تَوْسِيعِ دَائِرَةِ الاجْتِهَادِ:

انْطَلَقَ عُمَرُ فِي تَبَنِّيهِ للاجْتِهَادِ بالرَّأيِ مِنْ أنَّ الشَّرِيعَةَ مُعَلَّلَةٌ، وأنَّ أحْكَامَهَا تَسْتَمِدُّ مَشْرُوعِيَّتَهَا مِنْ وُجُودِ التَّطَابُقِ بَيْنَهَا وبَيْنَ عِلَلِهَا. فاتَّسَمَ اجْتِهَادُهُ بشُمُولِيَّتِهِ سَائِرَ مُتَعَلِّقَاتِهِ فِقْهًا: مِنْ تَأوِيلِ النُّصُوصِ وَفْقَ مَا يُوثِّقُ أحْكَامَهَا، ويَسْتَثْمِرُ دَلالَتَهَا. ومِنْ نَظَرٍ فِي الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ.

فتَعْلِيلُ الأحْكَامِ هُوَ تَوْثِيقٌ لِمَنْهَجِ الاجْتِهَادِ المَقَاصِدِيِّ الَّذِي اشْتَهَرَ بِهِ عُمَرُ، وإذْ قَدِ ارْتَبَطَتْ مَعْقُولِيَّةُ التَّشْرِيعِ بالعِلَلِ ارْتِبَاطًا وَثِيقًا، نَظَرًا لأنَّهَا مَظَانُّ المَصَالِحِ المُعْتَبَرَةِ، فَقَدِ اسْتَمَدَّ عُمَرُ مَدَارِكَ هَذِهِ المَعْقُولِيَّةِ مِنْ تَعْلِيلاتِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، وبَنَى عَلَيْهَا، وفَرَّعَ عَلَى أسَاسِهَا. فَنَتَجَ عَنْ ذَلِكَ العَمَلُ بالقِيَاسِ، ومُرَاعَاةُ الاسْتِصْلاحِ، والأخْذُ بالاسْتِحْسَانِ.

عَلَّلَ عُمَرُ كَثِيرًا مِنَ المَسَائِلِ، وقَضَى فِي أحْكَامٍ مُتَعَدِّدَةٍ، بِمَا يَتَوَافَقُ ومُقْتَضَيَاتِ التَّعْلِيلِ ودَوَاعِيهِ. فمِنْ دَلائِلِ وُجُودِ اسْتِعْمَالاتِ الرَّأيِ عِنْدَهُ بمَنْحَاهُ القِيَاسِيِّ: قَوْلُهُ فِي دِيَةِ الجَنِينِ: «إنْ كِدْنَا أنْ نَقْضِيَ فِي مِثْلِ هَذَا برَأيِنَا»(459) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أمَّا اسْتِعْمَالُهُ الرَّأيَ فِي مَجَالاتِ التَّشْرِيعِ المَصْلَحِيِّ وسِيَاسَةِ التَّشْرِيعِ، فَقَدْ كَانَ لَهُ النَّصِيبُ الأوْفَرُ؛ كَتَعْلِيلِهِ المَنْعَ مِنْ قِسْمَةِ أرْضِ السَّوَادِ(460) بقَوْلِهِ: «هَذَا رَأيٌ»(461) . وهُوَ يُرِيدُ بذَلِكَ المَصْلَحَةَ قَطْعًا. وإيقَافُهُ سَهْمَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم، بِنَاءً على انْتِفَاءِ عِلَّةِ الإعْطَاءِ، بَعْدَ أنْ أعَزَّ اللهُ الإسْلامَ وأهْلَهُ.

فالحَاصِلُ أنَّ الاجْتِهَادَ بالرَّأيِ كَثِيرُ الأنْوَاعِ، تَسْتَنِدُ تَطْبِيقَاتُهُ إلَى تَوْسِيعِ دَلالَةِ النَّصِّ، حَسْبَمَا يَنْقَدِحُ فِي ذِهْنِ المُسْتَثْمِرِ الأصُولِيِّ، بِمَا تَقْتَضِيهِ أصُولُ الشَّرِيعَةِ الغَرَّاءِ، دُونَ أنْ يَصْطَدِمَ بمَقَاصِدِهَا، وبِمَا تتَضَمَّنُهُ وُجُوهُ المَصْلَحَةِ، الَّتِي لا تتَنَاقَضُ مَعَ أحْكَامِ الشَّرِيعَةِ أوْ تُؤَثِّرُ فِيهَا. وهُوَ مَا يُفَسِّرُ اجْتِهَادَهُ فِي عَدَمِ تَطْبِيقِ بَعْضِ النُّصُوصِ لانْعِدَامِ تَوَافُرِ العِلَّةِ فِي ظُرُوفٍ خَاصَّةٍ.

يَقُولُ الغَزَالِيُّ فِي امْتِدَاحِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ المُوَالِفَةِ بَيْنَ النَّهْجَيْنِ النَّقْلِيِّ والعَقْلِيِّ فِي تَكْيِيفِ التَّطْبِيقِ: «وأشْرَفُ العُلُومِ مَا ازْدَوَجَ فِيهِ العَقْلُ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والسَّمْعُ، واصْطَحَبَ فِيهِ الرَّأيُ والشَّرْعُ. وعِلْمُ الفِقْهِ وأصُولِهِ مِنْ هَذَا القَبِيلِ؛ فَإنَّهُ يَأخُذُ مِنْ صَفْوِ الشَّرْعِ والْعَقْلِ سَوَاءَ السَّبِيلِ. فَلا هُوَ تَصَرُّفٌ بمَحْضِ العُقُولِ، بحَيْثُ لا يَتَلَقَّاهُ الشَّرْعُ بالقَبُولِ، ولا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَحْضِ التَّقْلِيدِ، الَّذِي لا يَشْهَدُ لَهُ العَقْلُ بالتَّأيِيدِ والتَّسْدِيدِ»(462)

ثَالِثًا: قَصْرُ الاجْتِهَادِ عَنِ المَجَالِ العَقَدِيِّ:

فِي ضَوْءِ مَا سَبَقَ، نَلْحَظُ أنَّ عُمَرَ لَمْ يَنْطَلِقْ مِنَ المَفْهُومِ العَامِّ للرَّأيِ، المُسْتَوْعِبِ للنَّصِّ الفِقْهِيِّ والعَقَدِيِّ على السَّوَاءِ. فبِالقَدْرِ الَّذِي حَلَّقَ بِهِ فِي الأوَّلِ إلَى أقْصَى حَدٍّ، تَحَفَّظَ فِي الثَّانِي ولَمْ يَقْرَبْهُ، وانْتَهَجَ طَرِيقَةَ الاتِّبَاعِ المُطْلَقِ. بَدَا ذَلِكَ فِي مُنَاجَاتِهِ الحَجَرَ الأسْوَدَ وهُوَ يَسْتَلِمُهُ: «أمَا واللهِ، إنِّي لأعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ؛ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ. ولَوْلا أنِّي رَأيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ»(463) .

بَلْ تَشَدَّدَ فِي الذَّرَائِعِ المُفْضِيَةِ إلَى الشِّرْكِ ومُنَابَذَةِ التَّوْحِيدِ، والمُنَاقِضَةِ للسُّنَّةِ الدَّاعِيَةِ إلَى البِدْعَةِ، فحَارَبَهَا وسَدَّهَا. ولَهُ فِي ذَلِكَ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مَوَاقِفُ كَثِيرَةٌ، كُلُّهَا تُضَارِعُ بَعْضَهَا، وتَنْزِعُ عَنْ مَبْدَأ وَاحِدٍ. لَعَلَّ مِنْ أشْهَرِهَا أمْرَهُ بقَطْعِ شَجَرَةِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ(464) حِينَ بَلَغَهُ أنَّ نَاسًا يَأتُونَهَا يُصَلُّونَ عِنْدَهَا! فأوْعَدَهُم فِيهَا، وأمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ(465)

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «الحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أنْ لا يَحْصُلَ بِهَا افْتِتَانٌ لِمَا وَقَعَ تَحْتَهَا مِنَ الخَيْرِ. فَلَوْ بَقِيَتْ لَمَا أُمِنَ تَعْظِيمُ بَعْضِ الجُهَّالِ لَهَا، حَتَّى رُبَّمَا أفْضَى بِهِم إلَى اعْتِقَادِ أنَّ لَهَا قُوَّةَ نَفْعٍ أوْ ضَرٍّ»(466) .

فسَلِمَ بذَلِكَ مِنْ لَوْثَةِ الابْتِدَاعِ فِي دِينِ اللهِ وشَرْعِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، وحَفِظَ وِحْدَةَ المُجْتَمَعِ مِنَ الانْقِسَامِ فِي مَا لا مَجَالَ للأخْذِ بالرَّأيِ فِيهِ. وأَمِنَ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ مُنَظِّرُو الفِرَقِ لاحِقًا، حِيْثَ اسْتَخْدَمُوا الرَّأيَ المُجَرَّدَ فِي الغَيْبِيَّاتِ الَّتِي لا يَتَعَلَّقُ بِهَا عَمَلٌ!

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لِعُمَرَ –كَمُفَكِّرٍ أصُولِيٍّ- قُدْرَةٌ عَلَى مَعْرِفَةِ تَطْبِيقَاتٍ مُتَفَاوِتَةٍ للقَاعِدَةِ الأصُولِيَّةِ، تُعَبِّرُ عَن مُرُونَةٍ تُسَاعِدُ فِي استِيعَابِ الظُّرُوفِ المُخْتَلِفَةِ فِي صُعُدِ الوُجُودِ الإنْسَانِيِّ. مُوَفِّرًا للفِقْهِ الإسْلامِيِّ مَا يَحْتَاجُهُ مِن عَنَاصِرِ الحَيَوِيَّةِ والإبْدَاعِ، فِي كَوْنِهِ مُجْتَهِدًا حُرًّا يَصْحَبُ الشَّرِيعَةَ مِنْ نَصِّهَا إلَى مَضْمُونِهَا، ويَتَرَقَّى مِنْ حَرْفِيَّتِهَا إلَى رُوحِهَا، فتَتَلاقَى فِي ذَاتِهِ المَلَكَاتُ الاجْتِهَادِيَّةُ بالقُوَى العَقْلِيَّةِ المُنْضَبِطَةِ بجَوْهَرِ الإسْلامِ ومَقَاصِدِهِ. ويَضْمَنُ تَالِيًا خُلُودَ شَرِيعَةِ السَّمَاءِ مُتَجَاوِبَةً مَعَ احْتِيَاجَاتِ المُجْتَمَعَاتِ، فِي مُخْتَلِفِ الأعْصَارِ والأمْصَارِ.

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: تَمَايُزُ الاجْتِهَادِ بَيْنَ عَصْرِ النُّبُوَّةِ وخِلافَةِ عُمَرَ

انْحَصَرَتِ المَصَادِرُ التَّشْرِيعِيَّةُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الوَحْيِ بنَوْعَيْهِ: المَتْلُوِّ والمَرْوِيِّ، ثُمَّ اتَّسَعَتْ فِي عَهْدِ عُمَرَ لِتَشْمَلَ الأدِلَّةَ الثَّانَوِيَّةَ. ولا قِيمَةَ لأيِّ اجْتِهَادٍ حَاصِلٍ إلاَّ فِي ضَوْءِ هَذَيْنِ المَصْدَرَيْنِ تَسْدِيدًا وتَقْوِيمًا، بخِلافِ الحَاصِلِ فِي عَهْدِ عُمَرَ، حَيْثُ أصْبَحَتِ الاجْتِهَادَاتُ رَائِدَةَ العَمَلِيَّةِ التَّشْرِيعِيَّةِ.

بِنَاءً عَلَيْهِ، تَتَّضِحُ لَنَا أهَمُّ الفُرُوقِ الرَّئِيسَةِ، بَيْنَ عَصْرِ النُّبُوَّةِ وعَصْرِ عُمَرَ الرَّشِيدِ لِجِهَةِ الاجْتِهَادِ؛ مَوْضُوعًا، ومَوْرِدًا، فِي النِّقَاطِ الآتِيَةِ:

يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ مِنْ تَبِعَةِ الخَطَأ فِي الاجْتِهَادِ غَدَاةَ النُّبُوَّةِ مِن خِلالِ وُجُودِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم، فتُسَدِّدُهُ العِصْمَةُ، ويُوَجِّهُهُ الوَحْيُ. أمَّا فِي عَصْرِ عُمَرَ فمَنْ يُؤَمِّنُهُم جَانِبَ الخَطَأ؟ لذَلِكَ اشْتَهَرَ بَيْنَهُم التَّشَاوُرُ والتَّنَاصُحُ، فيَكْتُبُ عُمَرُ إلَى قَاضِيهِ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ رضي الله عنه: «لا يَمْنَعنَّكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ بالأمْسِ، فَرَاجَعْتَ اليَوْمَ فِيهِ عَقْلَكَ، وهُدِيتَ فِيهِ لرُشْدِكَ، أنْ تَرْجِعَ إلَى الحَقِّ، فإنَّ الحَقَّ قَدِيمٌ لا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ، ومُرَاجَعَةُ الحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي البَاطِلِ»(467)

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عَدَمُ اسْتِقْلالِ الاجْتِهَادِ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ كَمَصْدَرٍ تَشْرِيعِيٍّ، حَيْثُ كَانَتِ المَصَادِرُ التَّشْرِيعِيَّةُ مُنْحَصِرَةً فِي الوَحْيِ كِتَابًا وسُنَّةً. بخِلافِ مَا بَعْدَ انْقِطَاعِ الوَحْيِ، حَيْثُ تَجَرَّدَ عُمَرُ يُعَاوِنُهُ الفُقَهَاءُ للاجْتِهَادِ، وأصْبَحَ مَصْدَرًا مُسْتَقِلاًّ لِمَعْرِفَةِ الأحْكَامِ، ومَنْهَجًا مُتَّبعًا لِتَكْييفِ التَّشْرِيعَاتِ.

جَاءَ فِي رِسَالَةِ القَضَاءِ: «الفَهْمَ الفَهْمَ فِيمَا أُدْلِيَ إلَيْكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ قُرْآنٌ ولا سُنَّةٌ. ثُمَّ اعْرِفِ الأمْثَالَ والأشْبَاهَ، فَقِسِ الأمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ بنَظَائِرِهَا، واعْمِدْ إلى أقْرَبِهَا إلى اللهِ، وأشْبَهِهَا بالحَقِّ، فِيمَا تَرَى»(468) .

كَانَ الاجْتِهَادُ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ ضَرُورَةً لا أصْلاً، يَلْجَأونَ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ النَّصِّ، أو تَمْرِينًا لأذْهَانِهِم وفَتْقًا لأفْهَامِهِم. بَيْنَمَا أمْسَى لاحِقًا مَصْدَرًا أصِيلاً ومُرْتَكَزًا رَئِيسًا يَلِي المَصَادِرَ الأصْلِيَّةَ فِي الرُّتْبَةِ، لا مَفْزَعَ عَنْهُ. كَتَبَ إلَى قَاضِيهِ شُرَيْحٍ: «... فإنْ لَمْ تَعْلَمْ كُلَّ مَا قَضَت بِهِ أئِمَّةُ المُهْتَدِينَ؛ فاجْتَهِدْ رَأيَكَ، واسْتَشِرْ أهْلَ العِلْمِ والصَّلاحِ»(469) . الاجْتِهَادُ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ عَارِضٌ ومُؤَقَّتٌ، يَسُوغُ العَمَلُ بِهِ اسْتِنَادًا إلَى ظَرْفٍ زَمَنِيٍّ طَارِئٍ فَرَضَ نَفْسَهُ، فإذَا انْقَضَى لَزِمَ المَصِيرُ إلَى المُقْتَضَى الخِطَابِيِّ أوِ البَيَانِيِّ. ثُمَّ صَارَ الاجْتِهَادُ حَلاًّ دَائِمًا ولازِمًا لأهْلِهِ بَعْدَ صُدُورِهِ، لا يُنْقَضُ إلاَّ بشَرْطِهِ.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بِنَاءً عَلَيْهِ، كَيْفَ يُمْكِنُ أنْ يُجَابَ عَنْ وُرُودِ رَأيَيْنِ مُتَنَاقِضَيْنِ لِعُمَرَ فِي مَوْقِفِهِ مِنَ الاجْتِهَادِ؟ ثُمَّ مَا الدَّوَافِعُ الحَامِلَةُ عَلَى تَوْسِيعِ دَائِرَةِ الاجْتِهَادِ، واعْتِمَادِ مَصَادِرَ عَقْلِيَّةٍ واسْتِثْنَائِيَّةٍ؟

هَذَا مَا سَأقِفُ عَلَيْهِ فِي المَبْحَثِ الثَّانِي.

المَبْحَثُ الثَّانِي: مَوْقِفُ عُمَرَ مِنَ الاجْتِهَادِ ودَوَافِعُهُ

حِينَ يُعَالِجُ الأصُولِيُّ النَّظَّارُ المُتَكَلِّمُ قَضَايَا شَتَّى، فَإنَّهُ قَدْ تَصْدُرُ عَنْهُ أحْكَامٌ بحَسْبِ كُلِّ قَضِيَّةٍ، مَتَى نُقِلَتْ دُونَ مُتَعَلِّقَاتِهَا عَلَى الوَجْهِ المُرَادِ؛ ظَنَّ المُبَلَّغُ بِهَا أنَّهَا مُشْكِلَةٌ فِي مَا بَيْنَهَا! ثُمَّ مَعَ قَلِيلٍ مِنَ التَّأمُّلِ والتَّدْقِيقِ، يتَجَلَّى المَوْقِفُ الأوْحَدُ، ويتَلاشَى الاضْطِرَابُ أوِ التَّنَاقُضُ أوِ الاخْتِلافُ.

هَذَا شَأنُ عُمَرَ فِي مَوْقِفِهِ مِنَ الاجْتِهَادِ، إذْ جَادَتْ مَصَادِرُ الحَدِيثِ برَأيَيْنِ لَهُ فِي المَوْضُوعِ! إلاَّ أنَّ الَّذِي يُبَدِّدُ وَجْهَ الاضْطِرَابِ عَنْهَا هُوَ وُلُوجُ عُمَرَ الاجْتِهَادَ مِنْ أوْسَعِ أبْوَابِهِ، وهُوَ الإمَامُ الفَقِيهُ الحَافِظُ. فَهَلْ خَالَفَ عُمَرُ ووَقَعَ فِي مَا مَنَعَ النَّاسَ عَنْهُ؟ وهَلْ لِهَذَا التَّوْسُّعِ فِي الاجْتِهَادِ دَوَافِعُ دَعَتْ إلَيْهِ حَتَّى انْتَشَرَ فِي الخَافِقَيْنِ؟ وهَلْ خَالَفَ عُمَرُ نَصًّا؟

يتَضَمَّنُ هَذَا المَبْحَثُ الإجَابَةَ عَنْ هَذِهِ السُّؤَالاتِ كُلِّهَا، لِذَلِكَ جَاءَ فِي مَطَالِبَ ثَلاثَةٍ، هِيَ:

المَطْلَبُ الأوَّلُ: مَوْقِفُ عُمَرَ مِنَ الاجْتِهَادِ. المَطْلَبُ الثَّانِي: دَوَافِعُ اجْتِهَادِهِ ودَوَاعِي انْتِشَارِهِ. المَطْلَبُ الثَّالِثُ: تَكْيِيفُ اجْتِهَادِ عُمَرَ.

المَطْلَبُ الأوَّلُ: مَوْقِفُ عُمَرَ مِنَ الاجْتِهَادِ

أوَّلاً: الأمْرُ بالاجْتِهَادِ والنَّهْيُ عَنْهُ:

أيْقَنَ عُمَرُ أنَّ كِتَابَ اللهِ تَعَالَى فِيهِ الحُكْمُ –نَصًّا أوْ دَلالَةً، تَصْرِيحًا أو تَلْوِيحًا- فتَمَسَّكَ بِهِ. ثُمَّ انْطَلَقَ مِنْ خِلالِهِ إلَى الاجْتِهَادِ القَائِمِ عَلَى تَقْلِيبِ وُجُوهِ النَّظَرِ فِي الوَاقِعَاتِ، يَنْشُدُ العَدْلَ والصَّوَابَ. فَاجْتَهَدَ وُسْعَهُ فِي إصَابَةِ الحَقِّ ولَمْ يَألُ قَطُّ، فَقَدْ وَرَدَ أنَّهُ قَضَى بقَضَيِّةٍ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أصَبْتَ، أصَابَ اللهُ بِكَ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «مَا أدْرِي أصَبْتُ أمْ أخْطَأتُ؟ ولَكِنِّي لَمْ آلُ عَنِ الحَقِّ»(470) . أيْ: لا أدْرِي، أصَبْتُ الأشْبَهَ الَّذِي هُوَ المَطْلُوبُ، أمْ لا؟

حَرَصَ أشَدَّ الحِرْصِ عَلَى أهْلِ الفِقْهِ أنْ يَجْتَهِدُوا فِي الحَوَادِثِ. وحَمَلَ الوُلاةَ فِي الأقَالِيمِ عَلَى التَّفْكِيرِ فِي المَسَائِلِ العَامَّةِ بالنَّظَرِ إلَى مُسْتَقْبَلِ الأمَّةِ. وأنْ يُرَاسِلُوهُ إنْ عَجِزُوا عَنِ استِخْرَاجِ أحْكَامِهَا.

فنَتَجَتْ عِنْدَنَا رَسَائِلُ خِطَابِيَّةٌ، تَوَاصَلَ بِهَا الخَلِيفَةُ مَعَ أمَرَاءِ البِلادِ، ضَمَّنَهَا قَوَاعِدَ عَامَّةً، وأصُولاً كُلِّيَّةً، شَكَّلَت بَعْضًا مِن جَوَانِبِ مَنْهَجِهِ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الاجْتِهَادِيِّ، المُعْلَنِ عَنْهُ نَصًّا وتَضْمِينًا، كَمَا سَبَقَ أنْ أشَرْتُ إلَى ذَلِكَ(471)

واللاَّفِتُ فِي مَصَادِرِ التُّرَاثِ، عَلَى هَذَا الصَّعِيدِ، أنَّهَا حَفِظَتْ لَنَا رَأيَيْنِ مُتَضَارِبَيْنِ لِعُمَرَ، فِي مَوْقِفِهِ مِنَ الاجْتِهَادِ بالرَّأيِ:

نَزَعَ فِي أحَدِهِمَا إلَى تَشْدِيدِ النَّكِيرِ عَلَيْهِ وعَلَى أهْلِهِ، فِي نَحْوِ قَوْلِهِ: «أصْبَحَ أهْلُ الرَّأيِ أعْدَاءَ السُّنَنِ؛ أعْيَتْهُم أنْ يَعُوهَا، وتَفَلَّتَتْ مِنْهُم أنْ يَرْوُوهَا، فاسْتَبَقُوهَا بالرَّأيِ»(472) . وقَالَ: إيَّاكُمْ وأصْحَابَ الرَّأيِ، فإنَّهُم أعْدَاءُ السُّنَنِ؛ أعْيَتْهُمُ الأحَادِيثُ أنْ يَحْفَظُوهَا، فَقَالُوا بالرَّأيِ، فَضَلُّوا وأضَلُّوا»(473) . ونَزَعَ فِي ثَانِيهِمَا إلَى تَقْرِيرِ العَمَلِ بِهِ، والتَّنْظِيرِ لَهُ، ومَدْحِ سُلُوكِ سَبِيلِهِ. بَلْ يُقَرِّرُ ضَرُورَةَ اسْتِعْمَالِهِ، وكَتَبَ بِهِ إلَى وُلاتِهِ وقُضَاتِهِ، كَمَا فِي خِطَابِهِ إلى شُرَيْحٍ الكِنْدِيِّ، ورِسَالَةِ القَضَاءِ. وحَيْثُ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ عَمَلٌ بمَعْقُولِ النَّصِّ ورُوحِهِ.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بالتَّأمُّلِ فِي هَذِهِ الآثَارِ سُرْعَانَ مَا يتَبَدَّدُ ظَنُّ التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا، لِجِهَةِ مَا أدْلى بِهِ فِي قَوْلِهِ بذَمِّ الرَّأيِ والنَّهْيِ عَنْهُ، ومَا مَارَسَهُ بفِعْلِهِ تَأصِيلاً وتَخْرِيجًا. ويَعْرِفُ المُلاحِظُ أنَّهُ تَعَارُضٌ ظَاهِرِيٌّ، أكَّدَتْهُ فَتَاوَاهُ الكَثِيرَةُ المَبْنِيَّةُ عَلَى الاجْتِهَادِ بالرَّأيِ.

فكَيْفَ يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَ قَوْلِهِ وفِعْلِهِ؛ تَقْعِيدًا وتَطْبِيقًا؟

هُنَا اتِّجَاهَانِ اثْنَانِ، يَنْبَغِي عَدَمُ الحَيْدَةِ عَنْهُمَا أثْنَاءَ البَحْثِ فِي هَذِهِ المَسْألَةِ:

أَوَّلُهُمَا: أنْ نَعِيَ جَيِّدًا أنَّ عُمَرَ نَاهِضٌ بجُمْلَةٍ لا بَأسَ بِهَا مِنَ الآثَارِ الَّتي تُغْنِيهِ –إلى جَانِبِ الكِتَابِ العَزِيزِ وقَضَاءِ أبِي بَكْرٍ- عَنِ اعْتِمَادِ الرَّأيِ كمَوْرِدٍ أصِيلٍ، فيَلْجَأُ إلَيْهِ إذَا لَمْ تُسْعِفْهُ هَذِي المَصَادِرُ بحُكْمِ المَسْألَةِ.

ثَانِيهِمَا: إنَّ الرَّأيَ الَّذِي ذَمَّهُ عُمَرُ لَيْسَ هُوَ ذَاكَ الَّذِي مَارَسَهُ وعَمِلَ بمُقْتَضَاهُ ومُوجِبِهِ. بَلْ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الوُجُوهِ الآتِيَةِ(474) :

الرَّأيُ الفَاسِدُ الَّذِي تَنَكَّبَ أصْحَابُهُ النُّصُوصَ الثَّابِتَةَ الصَّرِيحَةَ بدَلالَتِهَا، دُونَ الْتِفَاتٍ إلَى أسْبَابِ النُّزُولِ! كَمَنِ اسْتَحَلَّ الخَمْرَ بتَأوِيلٍ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بَارِدٍ، وأنْ لا سَبِيلَ لأحَدٍ إلَيْهِ، مُسْتَدِلاًّ بقَوْلِ اللهِ تَعَالِى: ﴿۝٩٢ لَيسَ عَلَى الَّذينَ آمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فيما طَعِموا إِذا مَا اتَّقَوا وَآمَنوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوا وَآمَنوا ثُمَّ اتَّقَوا وَأَحسَنوا وَاللَّهُ يُحِبُّ﴾(475)

فَقَالَ عُمَرُ: «إنَّكَ أخْطَأتَ التَّأوِيلَ! إذَا اتَّقَيْتَ اللهَ؛ اجْتَنَبْتَ مَا حَرَّمَ اللهُ»(476) .

وآخَرُونَ مِنْ أهْلِ الشَّامِ اسْتَحَلُّوهَا، وتَأوَّلُوا الآيَةَ الآنِفَةَ! حَتَّى أشَارَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ رضي الله عنه بقَوْلِه: «أرَى أنْ تَسْتَتِيبَهُم؛ فَإنْ تَابُوا جَلَدْتَهُم ثَمَانِينَ لشُرْبِ الخَمْرِ. وإنْ لَمْ يَتُوبُوا ضَرَبْتَ رِقَابَهُم؛ قَدْ كَذَبُوا عَلَى اللهِ، وشَرَعُوا فِي دِينِهِم مَا لَمْ يَأذَنْ بِهِ اللهُ(477) !». فَاسْتَتَابَهُم، فَتَابُوا، فَضَرَبَهُم ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ(478) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الرَّأيُ المُنَاكِفُ الَّذِي أُحْدِثَتْ بِهِ البِدَعُ الاعْتِقَادِيَّةُ والعَمَلِيَّةُ، مِمَّا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ تَوْثِيقُ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ، وتَحْقِيقُ مُرَادِ الشَّارِعِ مِنْهَا. فكَانَ لمَوْقِفِهِ هَذَا أثَرٌ صَارِمٌ فِي البَحْثِ العَقَدِيِّ وتَتَبُّعِ المُتَشَابِهَاتِ، حَيْثُ ضَمَرَت فِيهِ ظَاهِرَةُ الفُضُولِ فِي السُّؤَالِ عَمَّا لا يَلْزَمُ(479) مَعَ صَبِيغٍ التَّيْمِيِّ(480) ، حِينَ جَابَهَهَا عُمَرُ فِي مَهْدِهَا، حتَّى انْطَفَأَ أُوَارُهَا، وذَهَبَ صَدَاهَا أدْرَاجَ الرِّيَاحِ. منْ لَمْ يتَأهَّلْ لَهُ، ولا عُرِفَ بِهِ، لِئَلاَّ يَجْتَرِئَ النَّاسُ عَلَى القَوْلِ فِي دِينِ اللهِ بِلا عِلْمٍ بدَاعِي الاجْتِهَادِ. لذَلِكَ، فَتَّشَ عَنِ الرِّجَالِ، واشْتَغَلَ بالجَرْحِ والتَّعْدِيلِ. الانْشِغَالُ بمَا لَمْ يَحْدُثْ عَنِ الَّذِي حَدَثَ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: «لا تَسْألُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ؛ فَإنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَلْعَنُ مَنْ سَألَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ»(481) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وتَبْقَى رِوَايَاتُ امْتِدَاحِ الرَّأيِ والعَمَلِ بِهِ تَرْسُمُ المَنْهَجَ العَامَّ، وتُوَضِّحُ مَعَالِمَ التَّفْكِيرِ الأصُولِيِّ عِنْدَهُ، المُسْتَنِدِ إلى المُقَدِّمَاتِ الصَّحِيحَةِ، والمُقَرَّرَاتِ التَّشْرِيعِيَّةِ الثَّابِتَةِ، الجَارِي عَلَى الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ(482) .

وهُوَ مَبْدَأٌ تَوَافَقَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ، ومِنَ الأمُورِ المَقْطُوعَةِ عِنْدَهُم لا المَظْنُونَةِ. نَصَّ عَلَيْهِ الغَزَالِيُّ فِي قَوْلِهِ: «أجْمَعَ الصَّحَابَةُ على الحُكْمِ بالرَّأيِ، والاجْتِهَادِ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ وَقَعَت لَهُم، ولَمْ يَجِدُوا فِيهَا نَصًّا. وهَذَا مِمَّا تَوَاتَرَ إلَيْنَا عَنْهُم تَوَاتُرًا لا شَكَّ فِيهِ»(483) . قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَاركِ (ت181هـ)(484) : «لِيَكُنِ الَّذِي تَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ هَذَا الأثَرَ. وخُذُوا مِنَ الرَّأيِ مَا يُفَسِّرُ لَكُمُ الحَدِيثَ»(485) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثَانِيًا: آدَابُ الاجْتِهَادِ لَدَى عُمَرَ:

عَلَى الرَّغْمِ مِنْ هَذِهِ المِيزَةِ الَّتِي أوْلاهَا عُمَرُ للرَّأيِ، إلاَّ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَهْجُمُ عَلَى أبْوَابِهِ اخْتِيَارًا ، ولا انْسَاقَ إلَيْهِ بدَافِعِ المَيْلِ إلَى تَحْرِيكِ الفِكْرِ... بَلْ كَانَ اجْتِهَادُهُ –فِي الغَالِبِ- مُرْتَبِطًا بفِعْلٍ مُقْتَضٍ، أو مَصْلَحَةٍ دَاعِيَةٍ.

ألْمَحَ إلَيْهِ ابنُ سِيرِينَ فِي قَوْلِهِ: «لَمْ يَكُنْ أحَدٌ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أهْيَبَ لِمَا لا يَعْلَمُ مِنْ أبِي بَكْرٍ. ولَمْ يَكُنْ أحَدٌ بَعْدَ أبِي بَكْرٍ أهْيَبَ لِمَا لا يَعْلَمُ مِن عُمَرَ»(486) .

ولَمْ يَكُنْ يتَسَرَّعُ فِي الفَتْوَى وإبْدَاءِ رَأيِهِ جُزَافًا. مِمَّا وَلَّدَ عِنْدَهُ –وهُوَ أمِيرُ المُؤْمنِينَ- ظَاهِرَةَ الاحْتِرَامِ المُتَبَادَلِ بَيْنَهُ وبَيْنَ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ ومُجْتَهِدِيهِم. فمَا عَزَمَ قَطُّ عَلَى أنْ تَكُونَ آرَاؤُهُ سَنَنًا مُتَّبَعَةً، تُتَّبَعُ لِذَاتِهَا مِنْ غَيْرِ أنْ يَرْجِعَ الجُمْهُورُ إلَى أصْلِهَا. ولَمْ يَشَأ البَتَّةَ أنْ تَكُونَ تِلْكَ الآرَاءُ دِينًا يُعْتَنَقُ، أوْ أنْ تَتَّصِفَ بِمَا للنَّصِّ مِنْ قَدَاسَةٍ(487) !

لِذَلِكَ، لَمْ يَحْمِلْ رَعِيَّتَهُ عَلَى رَأيٍ اجْتِهَادِيٍّ وَاحِدٍ، يتَعَبَّدُونَ اللهَ بِهِ، خَارِجَ مَصَالِحِ النَّاسِ وشُؤُونِ الدَّوْلَةِ، كَمَا لَمْ يُلْزِمْهُم بفَتْوَاهُ تَحْتَ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

دَعْوَى أنَّهُ الأمِيرُ وأنَّ الطَّاعَةَ المُطْلَقَةَ لَهُ! بَلْ حَضَّ عَلَى الاجْتِهَادِ ورَحَّبَ بِهِ، ومَنَحَ المُجْتَهِدِينَ حُرِّيَّةً وَافِيَةً فِي اجْتِهَادِهِم، حَسْبَ فَهْمِهِم لأصُولِ التَّشْرِيعِ، بحَيْثُ لَمْ يَأخُذْ عَلَيْهِم أيَّ قَيْدٍ عَلَى سَبِيلِ الحَتْمِ والإلْزَامِ. ثُمَّ رَبَّى عِنْدَهم البَرَاءَةَ مِنْ دَعْوَى الإصَابَةِ فِي الاجْتِهَادِ، ونَمَّى رُوحَ التَّعَدُّدِ فِي الأحْكَامِ.

أُتِيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وُجِدَ مَعَ امْرَأةٍ فِي لِحَافٍ، ولَمْ تَقُمِ البَيِّنَةُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ! فَضَرَبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أرْبَعِينَ سَوْطًا وأقَامَهُمَا للنَّاسِ. فَذَهَبَ أهْلُ المَرْأةِ وأهْلُ الرَّجُلِ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى عُمَرَ.

فَقَالَ عُمَرُ لابْنِ مَسْعُودٍ: مَا يَقُولُ هَؤُلاءِ؟ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ ذَلِكَ. قَالَ: أوَرَأيْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: نِعْمَ مَا رَأيْتَ.

فَقَالُوا: أتَيْنَاهُ نَسْتَأذِنُهُ، فَإذَا هُوَ يَسْألُهُ (وفِي رِوَايَةٍ: جِئْنَا نَسْتَعْدِيهِ عَلَيْهِ، فَاسْتَفْتَاهُ)»(488) .

ونَفَى عَنْهُم آفَةَ التَّعَصُّبِ والجُمُودِ، عَلَى الرَّأيِ الوَاحِدِ، باعْتِبَارِهِ الحَقَّ مُطْلَقًا. وَرَدَ عَنْهُ أنَّهُ قَالَ يَوْمًا وهُوَ عَلَى المِنْبَرِ: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، إنَّ الرَّأيَ كَانَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مُصِيبًا، لأنَّ اللهَ تَعَالَى كَانَ يُرِيهِ. وإنَّمَا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هُوَ مِنَّا الظَّنُّ والتَّكَلُّفُ»(489) وكَذَا حذَّرَ مِنْ عَاقِبَةِ التَّعَصُّبِ للرَّأيِ، فقَالَ: «السُّنَّةُ مَا سَنَّهُ اللهُ ورَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم. لا تَجْعَلُوا خَطَأَ الرَّأيِ سُنَّةً للأمَّةِ»(490)

وكَثِيرًا مَا كَانَ يَجْتَهِدُ فِي المَسْألَةِ، ويُبْدِي رَأيَهُ فِيهَا، ثُمَّ يُرَاجِعُ مَا تَرَاءَى لَهُ فيَعْدِلُ عَنْهُ. أو يَأتِي أحَدُهُم فيُبَيِّنُ لَهُ وَجْهَ الصَّوَابِ، فيَقْبَلُهُ ويَرْجِعُ عَنْ خَطَأ مَا رَأى إلَى صَوَابِ مَا اسْتَبَانَ لَهُ.

كَانَ يَقُولُ: «الدِّيَةُ للعَاقِلَةِ. ولا تَرِثُ المَرْأةُ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا شَيْئًا». حَتَّى كَتَبَ إلَيْهِ الضَّحَّاكُ بْنُ سُفْيَانَ(491) :

«إنَّ النَّبِيَّ صلى الله

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عليه وسلم وَرَّثَ امْرَأةَ أَشْيَمَ الضِّبَابِيِّ(492) مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا»(493)

وإنَّمَا كَانَ يَذْهَبُ عُمَرُ فِي قَوْلِهِ الأوَّلِ إلَى ظَاهِرِ القِيَاسِ، لأنَّ المَقْتُولَ لا تَجِبُ دِيَتُهُ إلاَّ بَعْدَ مَوْتِهِ، وإذَا مَاتَ فَقَدْ بَطَلَ مِلْكُهُ. فلَمَّا بَلَغَتْهُ السُّنَّةُ تَرَكَ الرَّأيَ وصَارَ إلَى السُّنَّةِ، وكَانَ مَذْهَبُهُ أنَّ الدِّيَةَ للعَاقِلَةِ الَّذِينَ يَعْقِلُونَ عَنْهُ إلَى أنْ بَلَغَهُ الخَبَرُ، فانْتَهَى إلَيْهِ(494) .

فلَمْ تَكُنْ مَهَمَّةُ تَفْسِيرِ النُّصُوصِ واستِنْطَاقِهَا امْتِيَازًا لِجِهَةٍ رَسْمِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، بَلْ شَارَكَ عُمَرَ في مُمَارَسَتِهَا كُلُّ مَن أهَّلَتْهُ مَوَاهِبُهُ للاضْطِلاعِ بِهَا(495) .

وكَانَ إذَا أفْتَى تَبَرَّأ مِن الخَطَأ الَّذي يَحْتَمِلُهُ رَأيُهُ، إفْسَاحًا فِي المَجَالِ أمَامَ غَيْرِهِ أنْ يَتَطَّلَبَ حُكْمَ المَسْألَةِ عَيْنِهَا فِي مَظَانِّهَا كَمَا فَعَلَ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هُوَ، لِيُبْقِيَ بَابَ الاجْتِهَادِ مَفْتُوحًا أبَدًا لِمَنْ هُوَ أهْلُهُ. قَالَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ: «مَا أُحِبُّ أنَّ أصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَخْتَلِفُوا؛ لأنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلاً وَاحِدًا كَانَ النَّاسُ فِي ضِيقٍ وإنَّهُم أئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِم، ولَوْ أخَذَ رَجُلٌ بقَوْلِ أحَدِهِم كَانَ فِي سَعَةٍ»(496)

فَلا يُقَالُ: إنَّ عُمَرَ اتَّهَمَ نَفْسَهُ بالخَطَأ لأنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الاجْتِهَادِ! فإنَّهُ أحَدُ كِبَارِ الصَّحَابَةِ، وإنْ لَمْ يَبْلُغْ هَؤُلاءِ دَرَجَةَ الاجْتِهَادِ، فَمَن إذًا؟!

أوْ أنَّهُ مُقَصِّرٌ فِي الاجْتِهَادِ، ولَمْ يَبْذُلْ قُصَارَى جُهْدِهِ للوُصُولِ إلَى الحَقِّ! فإنَّ فِيهِ سُوءَ ظَنٍّ فِي الصَّحَابَةِ، وأنَّهُم فَرَّطُوا وقَصَّرُوا فِي النَّظَرِ، وأفْتَوا بالخَطَأ مَعَ استِطَاعَتِهِم الوُصُولَ إلى الصَّوَابِ!

أقُولُ هَذَا، لا مِن بَابِ تَحْسِينِ الظَّنِّ والتَّعَاطُفِ مَعَ هَذَا الجِيلِ! وإنْ كَانُوا حَقِيقِينَ بِهِ، بَلْ مِنْ خِلالِ الاستِقْرَاءِ التَّامِّ الَّذي أطْبَقَتْ عَلَيْهِ الأمَّةُ، ودَلَّتْ عَلَيْهِ أحْكَامُهُم.

تُظْهِرُ هَذِهِ النُّقُولُ عَنْ عُمَرَ شِدَّةَ وَرَعِهِ، وكِبَرَ المَسْؤُولِيَّةِ المُلْقَاةِ عَلَى عَاتِقِهِ، وتَكْشِفُ عَنْ أثَرِ التَّرْبِيَةِ النَّبَوِيَّةِ الَّتِي تَدْفَعُهُ إلَى فَتْحِ بَابِ المُرَاجَعَةِ مَا أمْكَنَ، وإتَاحَةِ الفُرْصَةِ لغَيْرِهِ مِنْ مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ فِي تَجْدِيدِ النَّظَرِ دَوْمًا فِي مَا يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ والخَطَأ.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المَطْلَبُ الثَّانِي: دَوَافِعُ اجْتِهَادِهِ ودَوَاعِي انْتِشَارِهِ

نَصَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أهْلِ العِلْمِ؛ كَابْنِ سَعْدٍ (ت230هـ)(497) ، وتَابَعَهُ ابْنُ حَزْمٍ (ت456هـ)(498) ، ووَافَقَهُمَا ابْنُ القَيِّمِ (ت751هـ)، عَلَى أنَّ المُكْثِرِينَ فِي الفُتْيَا مِنَ الصَّحَابَةِ قِلَّةٌ، فِي مُقَدِّمَتِهِم: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ(499) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعُمَرُ أحَدُ سِتَّةٍ يَعُودُ عِلْمُ الصَّحَابَةِ إلَيْهِم، فِي تَوْصِيفِ مَسْرُوقٍ بْنِ الأجْدَعِ (ت63هـ)(500) ، والمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ(501) (ت64هـ) رضي الله عنه(502) ، وعَامِرِ بْنِ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيِّ (ت103هـ)(503) .

ويُمْكِنُ أنْ يُجْمَعَ مِنْ فَتَاوَاهُ سِفْرٌ ضَخْمٌ(504) والحَقِيقَةُ أنَّ عِلْمَ عُمَرَ وفِقْهَهُ لا يُقَاسُ بكَمِّيَّتِهِ وحَصِيلَتِهِ! بَلْ هُوَ فِي نَوْعِيَّتِهِ ومَنْهَجِهِ. لذَلِكَ

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كَانَ وَجْهُ التَّمَيُّزِ فِيهِ يتَدَلَّى مِنِ اتِّصَافِهِ بالعَبْقَرِيَّةِ، لجِهَةِ تَجَلِّيهَا فِي النَّوَازِلِ الطَّارِئَةِ، أوْ تِلْكَ الَّتِي ذَهَلَ عَنْ مَنَاطِهَا كِبَارُ المُجْتَهِدِينَ والمُنَظِّرِينَ فِي زَمَانِهِ.

إنَّ عَقْلَ عُمَرَ وفَهْمَهُ لِمَصَالِحِ الأمَّةِ ومَا تَحْتَاجُهُ، قَادَهُ إلَى الاجْتِهَادِ والابْتِكَارِ. ولَمْ يَرَ ذَلِكَ مُنَافِيًا أوْ مُخَالِفًا لِمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الغَرَّاءِ، بَلْ عَدَّهُ عَمَلاً بالشَّرِيعَةِ نَفْسِهَا وحَمْلاً عَلَيْهَا. فَاجْتَهَدَ تَأسِّيًا برَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، واسْتِصْحَابًا لَهُ بالاجْتِهَادِ فِي عَصْرِهِ، واسْتِنْبَاطًا مِنْ تَعْلِيلِ النُّصُوصِ لبَعْضِ الأحْكَامِ.

ويَعُودُ تَفَاوُتُهُ فِي العَمَلِ بالرَّأيِ بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ مِنَ المُجْتَهِدِينِ، إلَى حَظِّ كُلٍّ مِنْهُم فِي مِقْدَارِ الاسْتِفَادَةِ مِنَ المَلَكَةِ الأصُولِيَّةِ، بحَسْبِ تَفَاوُتِ أذْهَانِهِم، والمَسْلَكِ الَّذِي يَسْلُكُونَهُ.

ولَمْ يَكُنْ تَوَسُّعُهُ فِي الاجْتِهَادِ عَنْ تَشَهٍّ، أو نُزُوعٍ ذَاتِيٍّ، بَلِ انْطَلَقَ فِي اجْتِهَادِهِ مِنْ مُحَفِّزَاتٍ ثَلاثَةٍ رَئِيسَةٍ، حَتَّى انْتَشَرَ اجْتِهَادُهُ، وكَتَبَ اللهُ لَهُ الإصَابَةَ فِي الحَقِّ.

أوَّلاً: دَوَافِعُ الاجْتِهَادِ وتَوْسِيعِ نِطَاقِ الفَتْوَى:

كَوْنُهُ فِي نَفْسِهِ فَرِيضَةً دِينِيَّةً(505) :

يُشَكِّلُ الاجْتِهَادُ فِي أحَدِ وُجُوهِهِ- تَعَبُّدًا للمَوْلَى، بتَنْفِيذِ الأمْرِ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الإلَهِيِّ، الدَّاعِي إلَى التَّفَكُّرِ وإمْعَانِ النَّظَرِ، عَنْ طَرِيقِ إعْمَالِ الرَّأيِ فِي التَّوَصُّلِ إلَى فَهْمِ مَدْلُولِ الخِطَابِ، عَلَى أوْسَعِ نِطَاقٍ وأشْمَلِهِ، غَيْرَ غَافِلٍ ظُرُوفَ التَّنْزِيلِ ومُنَاسَبَاتِ التَّشْرِيعِ. يَقُولُ الغَزَالِيُّ: «لَيْسَ فِي التَّعَبُّدِ بِهِ اسْتِحَالَةٌ فِي ذَاتِهِ، ولا يُفْضِي إلَى مُحَالٍ، ولا إلَى مَفْسَدَةٍ. وإنْ أوْجَبْنَا الصَّلاحَ؛ فيَجُوزُ أنْ يَعْلَمَ اللهُ لُطْفًا يَقْتَضِي ارْتِبَاطَ صَلاحِ العِبَادِ بتَعَبُّدِهِم بالاجْتِهَادِ»(506)

فِي خُطْوَةٍ جَادَّةٍ إلَى اكْتِشَافِ العِلَّةِ البَاعِثَةِ، للنَّظَرِ فِي إمْكَانِيَّةِ حَمْلِ المُسْتَجِدَّاتِ الطَّارِئَةِ عَلَيْهَا، والتَّعَرُّفِ إلَى الحِكْمَةِ الكَاشِفَةِ لاسْتِثْمَارِهَا اسْتِصْلاحًا، أو أنَّهَا تَنْحُو مَنْحَى قَوَاعِدِ الاسْتِثْمَارِ الاسْتِثْنَائِيِّ؛ اسْتِحْسَانًا، أو سَدًّا للذَّرَائِعِ.

هَذَا مَا عَبَّرَ عَنْهُ لاحِقًا الغَزَالِيُّ باصْطِحَابِ الشَّرْعِ والعَقْلِ(507) ، أيْ: تَوَارُدُهُمَا عَلَى بَيَانِ مُرَادِ اللهِ، بِمَا يُحَقِّقُ للمُكَلَّفِينَ مَصَالِحَهُم. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ في خَلقِ السَّماواتِ وَالأَرضِ وَاختِلافِ اللَّيلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الأَلبابِ﴾(508) . وقَالَ تَعَالَى: ﴿عَنِ الخَمرِ وَالمَيسِرِ ۖ قُل فيهِما إِثمٌ كَبيرٌ وَمَنافِعُ لِلنّاسِ وَإِثمُهُما أَكبَرُ مِن نَفعِهِما ۗ وَيَسأَلونَكَ ماذا يُنفِقونَ قُلِ العَفوَ ۗ كَذٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآياتِ لَعَلَّكُم تَتَفَكَّرونَ ۝٢١٩﴾(509) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ذَلِكَ كُلُّهُ فِي إطَارٍ مُنْضَبِطٍ مِنَ المُحَافَظَةِ عَلَى حُرْمَةِ النَّصِّ، انْطِلاقًا مِنْ قُدْسِيَّةِ الأصْلِ، وعَدَمِ الالْتِفَافِ عَلَيْهِ، أوْ تَعْطِيلِهِ، أوِ الابْتِعَادِ عَنْ رُوحِهِ ومَضْمُونِهِ، أوْ بإجْرَاءِ مَا يَعُودُ عَلَيْهِ بالإلْغَاءِ أوِ الإبْطَالِ.

كَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ بمُقْتَضَى تَحْصِيلِهِ لِمَسْؤُولِيَّةِ البَيَانِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ الشَّاطِبِيُّ: «فَإذَا بَلَغَ الإنسَانُ مَبْلَغًا، فَهِمَ عَنِ الشَّارِعِ فيهِ قَصْدَهُ فِي كُلِّ مَسألَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ، وفِي كُلِّ بَابٍ مِنْ أبوَابِهَا؛ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ وَصْفٌ هُوَ السَّبَبُ فِي تَنَزُّلِهِ مَنزِلَةَ الخَلِيفَةِ للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم في التَّعْليمِ، والفُتْيَا، والحُكْمِ بِمَا أرَاهُ اللهُ»(510) .

وقَدْ بَرَزَ ذَلِكَ فِي قُدْرَتِهِ الشَّخْصِيَّةِ واسْتِعْدَادِهِ الفِطْرِيِّ عَلَى البَحْثِ والنِّقَاشِ، واحْتِلابِ الصِّيَغِ والدَّلالاتِ، للتَّوَصُّلِ إلَى حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، يُنْقِذُ بِهِ مَوْقِفًا، أوْ يَحْكُمُ بِهِ فِي قَضِيَّةٍ. فَضْلاً عَمَّا اسْتَفَادَهُ بقُرْبِهِ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ومُلازَمَتِهِ لَهُ مُدَّةً كَانَتْ كَافِيَةً فِي تَحْرِيكِ المَنْطِقِ الاجْتِهَادِيِّ فِي نَفْسِهِ، وتَهْيِئَتِهِ لِمُجَارَاةِ أيِّ طَارِئٍ يَحْتَاجُ إلَى تَوْصِيفٍ شَرْعِيٍّ، الأمْرُ الَّذِي أكْسَبَهُ مَلَكَةً فِقْهِيَّةً فَجَّرَتْ هَذَا الكَمَّ الهَائِلَ مِنَ الأحْكَامِ والمَسَائِلِ النَّوْعِيَّةِ.

كَوْنُهُ ضَرُورَةً حَيَوِيَّةً:

دَعَا إلَيْهِ العُمْرَانُ البَشَرِيُّ، ومُوَاكَبَةُ عَجَلَةِ الحَيَاةِ، الَّتي فَرَضَتْ وَقْعَهَا عَلَى المُجْتَهِدِ، حِينَ بَسَطَتِ الدَّوْلَةُ فِي عَهْدِهِ شَرِيعَتَهَا عَلَى مِسَاحَاتٍ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

جُغْرَافِيَّةٍ، امْتَدَّتْ حتَّى وَسِعَتِ الخَافِقَيْنِ، واشْتَمَلَتْ عَلَى شُعُوبٍ تَوَارَثَتْ عَادَاتٍ وتَقَالِيدَ، انْطَوَتْ عَلَى جَوَانِبَ دِينِيَّةٍ، وأعْرَافٍ لَهَا أبْعَادٌ تَشْرِيعِيَّةٌ. لَمْ يَكُنْ للمُسْلِمِينَ بِهَا عَهْدٌ مِنْ قَبْلُ(511)

فوَجَبَ قِيَاسُ صَلاحِيَّتِهَا، والنَّظَرُ فِي مَدَى مُوَاءَمَتِهَا للشَّرِيعَةِ الإسْلامِيَّةِ. ولا يَتَأتَّى ذَلِكَ إلاَّ فِي اسْتِثْمَارِهَا اسْتِثْمَارًا صَحِيحًا، تَأسِيسًا عَلَى مُنْطَلَقَاتِ الشَّرْعِ الحَكِيمِ فِي التَّطْبِيقِ والمَآلاتِ. كَمَا حَصَلَ فِي الأمْرِ بتَعْمِيَةِ قَبْرِ دَانِيَالَ(512) لمَّا ظَهَرَ بتُسْتَرَ(513) ، حَيْثُ كَتَبَ فِيهِ أبُو مُوسَى الأشْعَرِيُّ رضي الله عنه. فكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: «أنْ يَحْفِرَ بالنَّهَارِ ثَلاثَةَ عَشَرَ قَبْرًا، ويَدْفِنَهُ باللَّيْلِ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا، لِئَلاَّ يُفْتَتَنَ(514) النَّاسُ بِهِ»(515) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فعُمَرُ يَرَى الدَّوْلَةَ تَتَّسِعُ بمَفَازَاتٍ شَاسِعَةٍ، قَدْ تَوَلَّدَتْ عَنْهَا مُشْكِلاتٌ وقَضَايَا لَمْ تُعْهَدْ مِنْ قَبْلُ، وكَثُرَتِ الوَقَائِعُ والمُنَازَعَاتُ بَيْنَ النَّاسِ... فمَا جَازَ لَهُ –وهُوَ العَبْقَرِيُّ المُلْهَمُ- أنْ يَقِفَ مَكْتُوفَ اليَدِ، مُتَحَجِّرَ العَقْلِ، أمَامَ هَذِي التَّطَوُّرَاتِ المَلْحُوظَةِ وهِيَ تَسْبِقُ النَّاسَ! فكَانَ اجْتِهَادُهُ مِنْ أبْرَزِ الجَوَانِبِ الحَيَاتِيَّةِ الخَلاَّقَةِ فِي سِيرَتِهِ، خِلالَ حِقْبَةِ خِلافَتِهِ الحَافِلَةِ بالأحْدَاثِ(516) .

ولا أدَلَّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حُكْمِهِ فِي بَقَاءِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَ مَنْ أسْلَمَتْ دُونَ زَوْجِهَا، وهِيَ لا تُضَارُّ فِي دِينِهَا، وأنَّ لَهَا حَقَّ الخَيَارِ «إنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ، وإنْ شَاءَتْ قَرَّتْ عِنْدَهُ»(517) .

فكَانَ لهَذَا الاجْتِهَادِ صَدًى عَظِيمُ الوَقْعِ عَلَى المُشْتَغِلِينَ بالإفْتَاءِ فِي أورُوبَّا، حَتَّى اعْتَبَرُوهُ فَتْحًا مُبِينًا، لِمَا فِيهِ مِنْ مَصْلَحَةِ انْتِشَارِ الإسْلامِ، ومُنَاقَضَةِ اتِّهَامِهِ بالعُنْصُرِيَّةِ، فِي وَقْتٍ يَمُرُّ فِيهِ مُسْلِمُو الغَرْبِ بفَتْرَةٍ عَصِيبَةٍ، يَحْتَاجُونَ إلَى مَا يُجَمِّلُونَ بِهِ صُورَةَ الإسْلامِ ثَمَّ، ويَجْذِبُونَ بِهِ الآخَرَ إلَى اعْتِنَاقِ هَذَا الدِّينِ العَالَمِيِّ الخَالِدِ، مَعَ المُحَافَظَةِ عَلَى الأسْرَةِ مِنَ التَّشَتُّتِ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والضَّيَاعِ(518) ومُرَاعَاةً للظُّرُوفِ الاجْتِمَاعِيَّةِ والضُّغُوطِ الَّتِي يتَعَرَّضُ لَهَا المُهَاجِرُونَ المُسْلِمُونَ فِي الغَرْبِ، انْسِجَامًا مَعَ فِقْهِ العُمْرَانِ الحَضَارِيِّ.

كَوْنُهُ حَاجَةً سِيَاسِيَّةً مُلِحَّةً:

الاجْتِهَادُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ الحَاكِمُ فِي تَدْبِيرِ شُؤُونِ الرَّعِيَّةِ، وتَنْظِيمِ أمُورِ الدَّوْلَةِ، ورَسْمِ أمُورِهَا العَامَّةِ، عَلَى مَنْهَجٍ يَكْفُلُ لَهَا القُدْرَةَ عَلَى طُولِ البَقَاءِ، آمِنَةً مُعَافَاةً، آخِذَةً بالنُّمُوِّ والازْدِهَارِ، وهِيَ تَحْكُمُ أمَّةً مُتَرَامِيَةَ الأطْرَافِ، وتُرَاسِلُ زُعَمَاءَ ودُوَلَ هُمْ فِي الحَضَارَةِ أعْرَقُ، وفِي سَنِّ الدَّسَاتِيرِ أقْدَمُ!!

فلا يَحْسُنُ بحَالٍ، أنْ تَقْعُدَ شَرِيعَةُ السَّمَاءِ عَنْ هَؤُلاءِ، فِي مَا يَحْتَاجُونَهُ مِنْ أحْكَامٍ، تَمْتَازُ عَنْ غَيْرِهَا بتَلَمُّسِ الوَاقِعِ وحَاجَاتِهِ، ولا تَغِيبُ عَمَّا يَطْرَأُ عَلَيْهِ مِنْ ضَرُورَاتٍ، تَفْرِضُهَا الظُّرُوفُ الآنِيَّةُ، والأجْوَاءُ البِيئِيَّةُ المُحِيطَةُ بحَاضِرَةِ الدَّوْلَةِ الإسْلامِيَّةِ، فِي تَعَامُلِهَا مَعَ شَعْبِهَا، وتَعَاطِيهَا مَعَ غَيْرِهَا.

وحَيْثُ إنَّ عُمَرَ عَلَى سُدَّةِ الحُكْمِ، وفِي عُنُقِهِ مَقَالِيدُ المَسْؤُولِيَّةِ، فهُوَ مَعْنِيٌّ قَبْلَ غَيْرِهِ بالاجْتِهَادِ، ومَسْؤُولٌ بصِفَةٍ مُبَاشِرَةٍ، عَنْ إيجَادِ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حُلُولٍ شَرْعِيَّةٍ مُنَاسِبَةٍ للمُشْكِلاتِ الحَادِثَةِ. أعَانَتْهُ عَلَيْهِ خِبْرَتُهُ القَدِيمَةُ فِي هَذَا المَجَالِ، حَيْثُ تَصَدَّى لِمُسْؤُولِيَّاتٍ اضْطَلَعَ بِهَا تِبَاعًا، مُنْذُ عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرُورًا بخِلافَةِ أبِي بَكْرٍ رضي الله عنه واسْتِقْلالاً فِي عَهْدِهِ الرَّشِيدِ. فتَلاشَى مَعَهَا التَّهَيُّبُ مِنْ خَوْضِ غِمَارِ الرَّأيِ.

ذَلِكَ كُلُّهُ ألْهَمَهُ حِسًّا فِقْهِيًّا مُتَقَدِّمًا، مَيَّزَ فِقْهَهُ وآرَاءَهُ بجُودَةٍ عَالِيَةٍ، ومَنْهَجِيَّةٍ مُنْضَبِطَةٍ، حَتَّى قَالَ فِيهِ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: «لَوْ وُضِعَ عِلْمُ النَّاسِ فِي كِفَّةِ مِيزَانٍ، وعِلْمُ عُمَرَ فِي كِفَّةٍ، لَرَجَحَ عِلْمُ عُمَرَ»(519) .

وقَدْ مَرَّ قَرِيبًا قَوْلُ الغَزَالِيِّ: «مَنْ خَلَقَهُ اللهُ خِلْقَةَ عُمَرَ، وعَلَى حَالَتِهِ وسَجِيَّتِهِ، فِي الالْتِفَاتِ إلَى السِّيَاسَةِ، ورِعَايَةِ مَصَالِحِ الخَلْقِ وضَبْطِهِم، وتَحْرِيكِ دَوَاعِيهِم للخَيْرِ؛ فَلا بُدَّ أنْ تَمِيلَ نَفْسُهُ إلَى مَا مَالَ إلَيْهِ عُمَرُ»(520) .

مِنْ هَذَا القَبِيلِ: إرْسَاؤُهُ دَعَائِمَ النِّظَامِ المَالِيِّ بإنْشَاءِ الدِّيوَانِ، حيثُ سَهَّلَ بِهِ إيصَالَ الرَّوَاتِبِ والمُسْتَحِقَّاتِ إلَى أهْلِهَا. وهُوَ مَا أشَارَ بِهِ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ رضي الله عنه(521) عَلَى غِرَارِ مَا رَأى فِي الشَّامِ. فَأخَذَ عُمَرُ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بِرَأيِهِ، وقَالَ: «اكْتُبُوا النَّاسَ عَلَى مَنَازِلِهِم»(522)

أمَامَ هَذِهِ المُنْطَلَقَاتِ الرَّئِيسَةِ، وشُعُورًا مِنْهُ بعِظَمِ المَسْؤُولِيَّةِ المُلْقَاةِ عَلَى عَاتِقِهِ، ومَعَ كَوْنِ الاجْتِهَادِ لَوْنًا مِنَ التَّعَبُّدِ للهِ تَعَالَى... لَمْ يَجِدْ عُمَرُ نَفْسَهُ إلاَّ بَيْنَ حَرَجَيْنِ:

أوَّلُ الحَرَجَيْنِ: أنْ يُكْثِرَ مِنَ التَّحْدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أمَامَ الأمَمِ حَدِيثَةِ العَهْدِ بالإسْلامِ، وأنْ يُفْسِحَ فِي المَجَالِ لمُحَدِّثِي الصَّحَابَةِ أنْ يَرْوُوا مَا عِنْدَهُمْ، كَيْ تُعْرَفَ أحْكَامُ أكْثَرِ المُسْتَجِدَّاتِ مِنْ سُنَّتِهِ صلى الله عليه وسلم مَا أمْكَنَ.

وهُوَ فِي هَذَا الحَالِ يَخْشَى مِنْ نِسْبَةِ الخَطَأ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

ثَانِي الحَرَجَيْنِ: أنْ يُفْتِيَ برَأيِهِ فِي مَا لَمْ يَعْرِفْ فِيهِ أثَرًا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

وفِيهِ تَهَجُّمٌ عَلَى التَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ بالاجْتِهَادِ، والمَنْعِ والإبَاحَةِ بالرَّأيِ. وهُوَ المَعْرُوفُ عَنْهُ تَهَيُّبُهُ أنْ يَقُولَ فِي دِينِ اللهِ مَا لَمْ يُشَرِّعْهُ اللهُ عز وجل ولا رَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم، كَمَا مَرَّ قَرِيبًا رِوَايَةً عَنِ ابْنِ سِيرِينَ(523) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إزَاءَ هَذَا الوَاقِعِ، اخْتَارَ أنْ يَنْسُبَ القَوْلَ إلَى نَفْسِهِ، وأنْ يتَحَمَّلَ تَبِعَاتِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ (ت728هـ): «كَانَ الصَّحَابَةُ إذَا تَكَلَّمُوا باجْتِهَادِهِم يُنَزِّهُونَ شَرْعَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِن خَطَئِهِم وخَطَأ غَيْرِهِم»(524) . أفْتَى فِي مَسْألَةٍ، فَكَتَبَ كَاتِبُهُ عَقِبَ الفُتْيَا: «هَذَا مَا أرَى اللهُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ». فَانْتَهَرَهُ عُمَرُ، وقَالَ: «لا، امْحُهُ، بَلِ اكْتُبْ: هَذَا مَا رَأى عُمَرُ. فَإنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللهِ، وإنْ كَانَ خَطَأً فَمِنْ عُمَرَ»(525) .

ولَهُ فِي هَذَا الفَهْمِ سَلَفٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حَيْثُ كَانَ إذَا أمَّرَ أمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أوْ سَرِيَّةٍ؛ أوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بتَقْوَى اللهِ، ومَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «وإِذَا حَاصَرْتَ أهْلَ حِصْنٍ فَأرَادُوكَ أنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلا تُنْزِلْهُم عَلَى حُكْمِ اللهِ، ولَكِنْ أنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإنَّكَ لا تَدْرِي أتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِم أمْ لا»(526) .

لِهَذِهِ المُسَوِّغَاتِ، كَانَ الاجْتِهَادُ مَنْهَجًا مُحَتَّمًا، لِضَمَانِ اسْتِمْرَارِ التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ فِي صَلاحِيَّتِهِ ونَفَاذِهِ، ودَيْمُومَةِ آثَارِهِ أبَدًا، رَغْمَ تَنَاهِي النَّصِّ التَّشْرِيعِيِّ مُقَابَلَةً بحُدُوثِ الدَّقَائِقِ، وتَنَامِي الجُزْئِيَّاتِ بتَجَدُّدِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

النَّوَازِلِ، مِمَّا لا يَقْبَلُ الحَصْرَ والعَدَّ(527)

أشَارَ إلَى هَذَا المَعْنَى العَالِمُ الاجْتِمَاعِيُّ ابْنُ خَلْدُونَ (ت808هـ) رحمه الله(528) فِي قَوْلِهِ: «أحْوَالُ العَالَمِ والأمَمِ وعَوَائِدُهُمْ ونِحَلُهُمْ لا تَدُومُ عَلَى وَتِيرَةٍ وَاحِدَةٍ ومِنْهَاجٍ مُسْتَقِرٍّ. إنَّمَا هُوَ اخْتِلافٌ عَلَى الأيَّامِ والأزْمِنَةِ، وانْتِقَالٌ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ. وكَمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الأشْخَاصِ والأوْقَاتِ والأمْصَارِ، فكَذَلِكَ يَقَعُ فِي الآفَاقِ والأقْطَارِ والأزْمِنَةِ والدُّوَلِ، سُنَّةُ اللهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ»(529) .

فَهَذَا التَّجَدُّدُ والتَّبَدُّلُ يُخَلِّفُ أعْظَمَ الأثَرِ فِي العِلَلِ والأوْصَافِ المُكَوِّنَةِ للأحْكَامِ.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثَانِيًا: دَوَاعِي انْتِشَارِ اجْتِهَادِهِ:

انْتَشَرَ اجْتِهَادُ عُمَرَ فِي أصْقَاعِ البِلادِ، وتَنَاقَلَتْهُ الأجْيَالُ، وكَتَبَهُ الرُّوَاةُ، وتَدَارَسَهُ الفُقَهَاءُ، وسَألَ عَنْهُ الخُلَفَاءُ والأمَرَاءُ... يَقُولُ القَاضِي البَاجِيُّ (ت474هـ)(530) : «أفْعَالُهُ كَانَتْ تُنْقَلُ ويُتَحَدَّثُ بِهَا»(531) .

يَعُودُ السَّبَبُ فِي هَذَا الانْتِشَارِ الوَاسِعِ إلَى عِدَّةِ عَوَامِلَ سَاهَمَتْ فِيهِ، مِنْهَا:

الهَدْيُ النَّبَوِيُّ فِي إرْشَادِ الأمَّةِ إلَيْهِ، وزَرْعُ الطُّمَأنِينَةِ فِي

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نُفُوسِهِمْ تُجَاهَهُ. بَقَاؤُهُ مُدَّةً أطْوَلَ مِمَّنْ سِوَاهُ، جَعَلَهُ يَتَصَدَّرُ لِكُلِّ نَازِلَةٍ(532) تَوَلِّيهِ زِمَامَ الأمُورِ، فَسُئِلَ وقَضَى بَيْنَ النَّاسِ. إكْثَارُهُ مِنَ الاجْتِهَادِ مُتَابَعَةً لِنُمُوِّ الدَّوْلَةِ، ووَفَاءً بحَاجَاتِهَا التَّشْرِيعِيَّةِ. اعْتِمَادُهُ الشُّورَى طَرِيقًا فِي الحُكْمِ، ومَا تَفَصَّى عَنْهَا مِنْ نَقْلِ الفُقَهَاءِ لاجْتِهَادَاتِهِ، مِنْ مَجْلِسِهَا وحَاضِرَةِ الخِلافَةِ إلَى حَيْثُ حَلُّوا فِي أرْجَاءِ الدُّنْيَا. فَصَارَ غَالِبُ قَضَايَاهُ وفَتَاوَاهُ مُتَّبَعَةً فِي مَشَارِقِ الأرْضِ ومَغَارِبِهَا(533) كَثْرَةُ الوَاقِعَاتِ فِي عَصْرِهِ، وتَوَفُّرُ الدَّوَاعِي لِحَمْلِ اجْتِهَادِهِ فِيهَا، ونَشْرِهِ بَيْنَ النَّاسِ، فِي سَبِيلِ تَعْلِيمِهِمْ واطِّلاعِهِمْ عَلَى رَأيِ الخَلِيفَةِ. تَمَيُّزُ فِقْهِهِ مِنْ بَيْنِ مُخْتَلِفِ آرَاءِ الفُقَهَاءِ فِي زَمَانِهِ، ونُهُوضُهُ بحُجَّةٍ تَدِقُّ عَنِ النَّظَرِ. الإخْلاصُ لله ِعز وجل، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ۚ إِلَيهِ يَصعَدُ الكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالعَمَلُ الصّالِحُ﴾(534) وقَالَ اللهُ جل جلاله: ﴿انشُزوا فَانشُزوا

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يَرفَعِ اللَّهُ الَّذينَ آمَنوا مِنكُم وَالَّذينَ أوتُوا العِلمَ﴾(535) وقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لا حَسَدَ إلاَّ فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالاً، فَسَلَّطَهُ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الحَقِّ. ورَجُلٌ آتَاهُ اللهُ حِكْمَةً، فَهُوَ يَقْضِي بِهَا ويُعَلِّمُهَا»(536)

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: تَكْييفُ اجْتِهَادِ عُمَرَ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أوَّلاً: هَلِ اجْتِهَادُ عُمَرَ رَأيٌ مَحْضٌ؟

انْطِلاقًا مِنَ العَرْضِ السَّابِقِ، يَسْتَبِينُ لِكُلِّ مُنْصِفٍ أنَّ آرَاءَ عُمَرَ لا يُمْكِنُ توصيفها آرَاءً عَقْلِيَّةً خَالِصَةً، جَاشَتْ بِهَا قَرِيحَتُهُ الفِقْهِيَّةُ البَحْتَةُ! بَلْ إنَّ آرَاءَهُ فِي كَثِيرٍ مِنَ المَسَائِلِ مُقْتَبَسَةٌ مِنْ فِقْهِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وذَلِكَ مَرَدُّهُ إلَى طُولِ الصُّحْبَةِ.

وإنَّمَا لَمْ يَعْزُهَا إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لأسْبَابٍ، مِنْهَا:

خَشْيَةَ أنْ يَتَقَوَّلَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ. أو أنْ يُشْبِهَ عَلَيْهِ فِي نِسْبَةِ القَوْلِ إلَيْهِ. أو يُجَرِّئَ أحَدًا فِي التَّقَوُّلِ عَلَيْهِ... وهُوَ مَنْ عُرِفَ بتَشَدُّدِهِ فِي الرِّوَايَةِ والتَّحْذِيرِ مِنَ الإكْثَارِ مِنْهَا(537) .

هَذَا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الإمَامُ مَالِكٌ (ت179هـ) رحمه الله، حِينَ قَرَّرَ أنَّ فُتْيَا الصَّحَابِيِّ فِي مَا لا مَدْخَلَ للرَّأيِ فِيهِ، هِيَ حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويُرَاجِحُ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَنْسُوبِ إلَيْهِ صلى الله عليه وسلم.

قَالَ مَالِكٌ: «إذَا جَاءَ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وبَلَغَنَا أنَّ أبَا بَكْرٍ وعُمَرَ عَمِلا بأحَدِ الحَدِيثَيْنِ وتَرَكَا الآخَرَ؛ كَانَ فِي ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلَى أنَّ الحَقَّ فِيمَا عَمِلا بِهِ»(538) .

فَرَغِبَ عَنِ الإحْرَامِ بالعُمْرَةِ فِي أشْهُرِ الحَجِّ، اتِّبَاعًا لرَأيِ عُمَرَ(539) . وخَالَفَ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه أنَّهُ قَالَ: «قَدْ صَنَعَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وصَنَعْنَاهَا مَعَهُ»(540) .

فمَالِكٌ رحمه الله فَضَّلَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عُمَرُ(541) ، واعْتَبَرَ قَوْلَهُ سُنَّةً، وقَالَ: «عُمَرُ أعْلَمُ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ سَعْدٍ»(542) . يَكُونُ الإمَامُ مَالِكٌ إذًا قَدِ اعْتَبَرَ قَوْلَ عُمَرَ فِي حُكْمِ المَرْفُوعِ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بالنَّقْلِ، ويُقَابِلُ بِهِ مَا قَالَهُ سَعْدٌ وصَرَّحَ فِيهِ بالنَّقْلِ.

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثَانِيًا: هَلِ اجْتَهَدَ عُمَرُ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ؟

كَمَا يَكُونُ الاجْتِهَادُ فِي استِنْبَاطِ الأحْكَامِ مِنْ مَوَارِدِهَا، كَذَلِكَ يَكُونُ فِي تَطْبِيقِهَا عَلَى الوَاقِعِ. فيَجُوزُ للمُجْتَهِدِ أنْ يَجْتَهِدَ فِي استِخْلاصِ الأحْكَامِ والتَّعَرُّفِ إلَيْهَا، كَمَا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَجْتَهِدَ فِي تَطْبِيقِهَا، بَلْ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الاجْتِهَاِد أدَقُّ مِنْ سِوَاهُ.

لِذَا، فَقَدْ أبْعَدَ النُّجْعَةَ مَنْ أشْكَلَ حِينَ زَعَمَ أنَّ عُمَرَ كَانَ يَتْرُكُ الحَدِيثَ الَّذِي ثَبَتَتْ صِحَّتُهُ، ويُفْتِي فِي المُقَابِلِ برَأيِهِ! وادَّعَى عَلَيْهَ أنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ بَعْضَ نُصُوصِ القُرْآنِ مُعْتَمِدًا فِي ذَلِكَ عَلَى رَأيِهِ، أوْ أخْذًا بالمَصْلَحَةِ(543) !

وهَذَا خَطَأٌ عِلْمِيٌّ، وَقَعَ فِيهِ مَنْ لَمْ يُمَحِّصِ الحَقَائِقَ، ويُلاحِظِ الوَقَائِعَ. وفِيهِ الطَّعْنُ بالصَّحَابَةِ إذْ شَهِدُوا ولَمْ يُنْكِرُوا أوْ يُصَوِّبُوا، حَاشَاهُم!

فمَا تَرَكَ عُمَرُ نَصًّا لرَأيِهِ، أوْ لمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا. فإنَّ المَصَالِحَ الَّتِي كَانَ يُفْتِي بالأخْذِ بِهَا لَمْ يُدَاخِلْهَا قَطُّ مَا يُعَارِضُ نَصًّا. إنَّمَا كَانَتْ تَطِبيقًا حَسَنًا للنُّصُوصِ، وفَهْمًا سَلِيمًا لمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَاءِ، مِنْ غَيْرِ تَنَكُّبٍ أوِ انْحِرَافٍ عَنْ جَادَّتِهَا المُسْتَقِيمَةِ، ولا مُخَالَفَةٍ لأيِّ نَصٍّ مِنْ نُصُوصِهَا.

بَلِ اجْتَهَدَ للمُوَاءَمَةِ بَيْنَ الحُكْمِ وبَيْنَ الوَاقِعَةِ المَعْرُوضَةِ، بتَحْلِيلٍ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

دَقِيقٍ لعَنَاصِرِهَا وظُرُوفِهَا ومُلابَسَاتِهَا، لِمَا لتَفَهُّمِ النَّصِّ ومَرَامِيهِ، ولِمَا للظُّرُوفِ المُحْتَفَّةِ بالوَاقِعَةِ، مِنْ عَمِيقِ الأثَرِ فِي تَكْيِيفِ التَّطْبِيقِ والتَّبَصُّرِ بمَسَالِكِهِ، عَلَى نَحْوٍ لا يُصَادِمُ هَدَفَ النَّصِّ، أو يَتَنَاقَضُ ومُقْتَضَى المَصْلَحَةِ العَامَّةِ الحَقِيقِيَّةِ للأمَّةِ.

فتَشْرِيعُ الحُكْمِ وَسِيلَةٌ لتَطْبِيقِهِ. والتَّطْبِيقُ مُظْهِرٌ للوَجْهِ المُرَادِ مِنَ التَّشْرِيعِ، وهُوَ ذَاكَ المَرْكُوزُ فِي المَقْصَدِ البَاعِثِ إلَيْهِ. ومَتَى عَادَ تَطْبِيقُ الحُكْمِ بنَقِيضِ الغَايَةِ المَرْجُوَّةِ مِنْهُ؛ دَعَا المَنْطِقُ السَّلِيمُ إلَى إيقَافِ العَمَلِ بِهِ، لأنَّ مُنَاقَضَةَ إرَادَةِ المُشَرِّعِ بَاطِلَةٌ(544) ، لتَخَلُّفِ المَقْصَدِ التَّشْرِيعِيِّ.

وبِالمِثَالِ يتَّضِحُ المَقَالُ:

فَرْضُ الخَرَاجِ عَلَى سَوَادِ العِرَاقِ وأرْضِ مِصْرَ:

رَأى عُمَرُ أنْ لا يُقَسِّمَ سَوَادَ العِرَاقِ، وأنْ يُبْقِيَ الأرْضَ – وقَدْ تَمَّ الاسْتِيلاءُ عَلَيْهَا بطَرِيقِ الحَرْبِ- بِيَدِ أهْلِهَا، ويَضَعَ عَلَيْهَا الخَرَاجَ، ليُنْفِقَ مِنْهُ فِي مَصَالِحِ المُسْلِمِينَ عَامَّةً، فِي كُلِّ جِيلٍ وزَمَانٍ.

وهُوَ فَهْمٌ صَائِبٌ للنَّصِّ القُرْآنِيِّ، تَعْضُدُهُ حَيْثِيَّاتٌ وقَرَائِنُ احْتَفَّتْ بالمَوْضُوعِ عَيْنِهِ، دَفَعَتْ بعُمَرَ إلَى اجْتِهَادٍ دَقِيقٍ، حَمِدَتِ الأمَّةُ صَنِيعَهُ حِينَ بَانَتْ لَهَا أرْجَحِيَّةُ مَأخَذِهِ، فِي الوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ عُمَرُ مُسْتَبِقًا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأحْدَاثَ، نَاظِرًا فِيهَا بنُورٍ مِنَ اللهِ، يَقْصِدُ العَدْلَ والأصْلَحَ، ويَقْرَأُ مِنَ النُّصُوصِ مَا يتَخَفَّى عَلَى البَعْضِ.

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَنَّما غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسولِ وَلِذِي القُربىٰ وَاليَتامىٰ وَالمَساكينِ وَابنِ السَّبيلِ إِن﴾(545) .

بِنَاءً عَلَى العُمُومِ المُسْتَفَادِ مِنَ الاسْمِ المَوْصُولِ (مَا) فِي وَضْعِهَا اللُّغَوِيِّ، ذَهَبَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ إلَى تَقْسِيمِ الخُمْسِ عَلَى هَذِهِ الجِهَاتِ الخَمْسِ، ثُمَّ تَوزِيعِ الأرْبَعَةِ الأخْمَاسِ البَاقِيَةِ عَلَى المُقَاتِلِينَ!

فِي المُقَابِلِ، كَانَ لعُمَرَ رَأيٌ آخَرُ، فامْتَنَعَ – وهُوَ رَئِيسُ الدَّوْلَةِ- عَنْ تَقْسِيمِهَا عَلَى الفَاتِحِينَ، لأنَّهُ رَأى أنَّهَا لا تَدْخُلُ فِي عُمُومِ ذَا النَّصِّ، لأسْبَابٍ، مِنْهَا:

الأوَّلُ: أنَّهُ خَشِيَ إذَا قَسَّمَ الأرْضَ أنْ تَجِيءَ ذَرَارِي لا تَمْلِكُ شَيْئًا مِنْهَا، فَقَالَ: «لَوْلا آخِرُ المُسْلِمينَ، مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إلا قَسَّمْتُهَا بَيْنَ أهْلِهَا، كَمَا قسَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَيْبرَ(546)(547) ) ( ».

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فرَاعَى جَانِبَ مَا تَصِيرُ إلَيْهِ الأمُورُ فِي قَادِمَاتِ الأيَّامِ والنَّسْلُ الإنْسَانِيُّ يتَكَاثَرُ، فتَعْظُمُ حَاجَتُهُ لِمَا يَدْفَعُ جَائِحَتَهُ. فَهُوَ تَدْبِيرٌ اجْتِهَادِيٌّ احْتِرَازِيٌّ.

الثَّانِي: أنَّه يَقْصِدُ إلَى تَأمِينِ مَا يَسُدُّ بِهِ الثُّغُورَ ويَفْتَحُ بِهِ البِلادَ. وذَلِكَ يَكُونُ مِنْ خِلالِ الجِزْيَةِ الَّتِي يَفْرِضُهَا عَلَى هَذِهِ الأرْضِ.

الثَّالِثُ: أنَّ تَوْزِيعَهَا عَلَيْهِم، وزِرَاعَتَهُم الأرْضَ، قَدْ يَقْعُدُ بِهِم عَنْ مُوَاصَلَةِ الفَتْحِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى! ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ بالسَّيْفِ حتَّى يُعْبَدَ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي. وجُعِلَ الذُّلُّ والصَّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أمْرِي. ومَنْ تَشَبَّهَ بقَوْمٍ فهُوَ مِنْهُم»(548) .

الرَّابِعُ: أنَّهُ نَهَضَ لَدَيْهِ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي القُرْآنِ يُثْبِتُ رَأيَهُ، خَصَّصَ بِهِ آيَةَ الأنْفَالِ، هُوَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿ما أَفاءَ اللَّهُ عَلىٰ رَسولِهِ مِن أَهلِ القُرىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسولِ وَلِذِي القُربىٰ وَاليَتامىٰ وَالمَساكينِ وَابنِ السَّبيلِ كَي لا يَكونَ دولَةً بَينَ الأَغنِياءِ مِنكُم﴾(549) ، حَيْثُ رَآهُمَا مُتَوَارِدَيْنِ عَلَى مَوْضُوعٍ وَاحِدٍ.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مِنْ أجْلِ هَذَا اجْتَمَعَ رَأيُ عُمَرَ عَلَى تَرْكِ الأرْضِ فِي يَدِ أهْلِهَا بَعْدَ عَقْدِ الذِّمَّةِ، عَلَى أنْ يَفْرِضَ عَلَيْهَا مَا يُعْرَفُ بالخَرَاجِ، يَدْفَعُهُ أهْلُهَا للدَّوْلَةِ كَيْ تُنْفِقَ عَلَى خُطَّةِ الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ.

قَالَ القَاضِي أبُو يُوسُفَ (ت183هـ) رحمه الله: «الَّذِي رَأى عُمَرُ مِنَ الامْتِنَاعِ مِنْ قِسْمَةِ الأرَضِينَ بَيْنَ مَنِ افْتَتَحَهَا، عِنْدَمَا عَرَّفَهُ اللهُ مَا كَانَ فِي كِتَابِهِ مِنْ بَيَانِ ذَلِكَ، تَوْفِيقًا مِنَ اللهِ كَانَ لَهُ فِيمَا صَنَعَ. وفِيهِ كَانَتِ الخِيَرَةُ لِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ. وفِيمَا رَآهُ مِنْ جَمْعِ خَرَاجِ ذَلِكَ وقِسْمَتِهِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ عُمُومُ النَّفْعِ لِجَمَاعَتِهِم؛ لأنَّ هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مَوْقُوفًا عَلَى النَّاسِ فِي الأُعْطِيَاتِ والأرْزَاقِ؛ لَمْ تُشْحَنِ الثُّغُورُ، ولَمْ تَقْوَ الْجُيُوشُ عَلَى السَّيْرِ فِي الجِهَادِ، ولَمَا أَمِنَ رُجُوعَ أهْلِ الكُفْرِ إلَى مُدُنِهِم إذَا خَلَتْ مِنَ المُقَاتِلَةِ والمُرْتَزَقَةِ، واللهُ أعْلَمُ بِالخَيْرِ حَيْثُ كَانَ»(550) .

فَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ عُمَرُ مُسْتَنِدٌ إلَى مَصْلَحَةٍ مُرَادَةٍ للشَّارِعِ، يُؤَيِّدُهَا القُرْآنُ الكَرِيمُ. مَظْهَرُ ذَلِكَ أنَّ مَا أفَاءَ اللهُ بِهِ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُسْلِمُونَ كُلُّهُم شُرَكَاءَ فِيهِ، بدَلالَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذينَ جاءوا مِن بَعدِهِم يَقولونَ رَبَّنَا اغفِر لَنا وَلِإِخوانِنَا الَّذينَ سَبَقونا بِالإيمانِ وَلا تَجعَل في قُلوبِنا غِلًّا لِلَّذينَ آمَنوا رَبَّنا إِنَّكَ رَءوفٌ رَحيمٌ﴾(551) مِنْ دُخُولِ أجْيَالِ المُسْلِمِينَ بَعْدَ عَصْرِ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الصَّحَابَةِ عَنْ طَرِيقِ (وَاوِ العَطْفِ)، فلا يَتِمُّ ذَلِكَ إلاَّ بوقْفِ عَيْنِ الأرْضِ وحَبْسِهَا عَنِ التَّقْسِيمِ والتَّمْلِيكِ، وإبْقَائِهَا مَادَّةً للكَسْبِ والارْتِزَاقِ، وهِيَ الَّتِي لا يُدْرِكُهَا الفَنَاءُ.

فخَصَّصَ عُمُومَ آيَةِ الأنْفَالِ بخُصُوصِ آيَةِ الحَشْرِ، وأصْبَحَ مَعْنَى آيَةِ الغَنَائِمِ فِي «سُورَةِ الأنْفَالِ» عَلَى النَّحْوِ الآتِي: ﴿أَنَّما غَنِمتُم مِن﴾، مِنَ الأمْوَالِ المَنْقُولَةِ ﴿لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسولِ وَلِذِي القُربىٰ وَاليَتامىٰ وَالمَساكينِ وَابنِ السَّبيلِ إِن﴾.

فأنْتَ تَرَى أنَّ فَتْوَاهُ هَذِهِ تَرْجِعُ إلَى أصْلٍ مِنَ الأصُولِ المُقَرَّرَةِ، مِنْ غَيْرِ مُخَالَفَةٍ لأيِّ نَصٍّ جُزْئيٍّ مِنَ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ. يَقُولُ الغَزَالِيُّ: «إنَّ جَلْبَ المَنْفَعَةِ ودَفْعَ المَضَرَّةِ مَقَاصِدُ الخَلْقِ. وصَلاحُ الخَلْقِ في تَحْصِيلِ مَقَاصِدِهِم»(552) .

إيقَافُ العَمَلِ بسَهْمِ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم مِنَ الزَّكَاةِ:

لمَّا كَانَ مِنَ المُسَلَّمِ بِهِ أنَّ دَوَامَ هَيْمَنَةِ التَّشْرِيعِ عَلَى الوَاقِعِ مُرْتَبِطٌ بمَدَى صَلاحِيَّتِهِ لِكُلِّ زَمَانٍ ومَكَانٍ، وقَابِلِيَّتِهِ للتَّطْبِيقِ فِي سَائِرِ الأحوال. وحَيْثُ ارْتَبَطَتِ النُّصُوصُ القَوَاطِعُ فِي هَذَا الصَّدَدِ بالعِلَلِ والمُنَاسَبَاتِ؛ فَقَدْ أتَاحَتْ فُرْصَةَ تَعْيينِ الأحْكَامِ للمُجْتَهِدِينَ.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هَذَا مَا اتَّضَحَ جَلِيًّا فِي إيعَازِ عُمَرَ إلَى أبِي بَكْرٍ أنْ يُوقِفَ سَهْمَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم(553) ، وتَلا قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُم ۖ فَمَن شاءَ فَليُؤمِن وَمَن شاءَ فَليَكفُر﴾(554) ، أيْ: لَيْسَ اليَوْمَ مُؤَلَّفَةٌ(555) .

اسْتَنَدَ فِي اجْتِهَادِهِ إلَى صِيَاغَةِ النَّصِّ القُرْآنِيِّ القَاطِعَةِ، المُشْعِرَةِ بالعِلَّةِ أكْثَرَ مِنْ إشْعَارِهَا بالمَحِلِّ. انْطِلاقًا مِنْ تَعْيِينِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ للمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُم مِنْ جُمْلَةِ مُسْتَحِقِّي الزَّكَاةِ، فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿الصَّدَقاتُ لِلفُقَراءِ وَالمَساكينِ وَالعامِلينَ عَلَيها وَالمُؤَلَّفَةِ قُلوبُهُم وَفِي الرِّقابِ وَالغارِمينَ وَفي سَبيلِ اللَّهِ وَابنِ السَّبيلِ ۖ فَريضَةً مِنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عَليمٌ حَكيمٌ ۝٦٠﴾(556) .

وتَألِيفُ القَلْبِ مَعْنًى قَائِمٌ بحَالَةٍ مُؤَقَّتَةٍ، قَدْ تَطُولُ أوْ تَقْصُرُ، لَكِنَّهَا لَيْسَتْ دَائِمَةً. فَكَانَ حُكْمُ الاسْتِحْقَاقِ مَرْهُونًا بالوَصْفِ الَّذِي هُوَ:

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تَألِيفُ قُلُوبِ أعْدَاءِ المُسْلِمِينَ، واسْتِمَالَةُ قُلُوبِهِم إلَى الإسْلامِ، واتِّقَاءُ شُرُورِهِم حَالَةَ كَوْنِ الدِّينِ ضَعِيفًا، وفِي حَاجَةٍ إلَيْهِم(557)

أمَا وقَدْ قَوِيَتْ شَوْكَةُ المُسْلِمِينَ، وعزَّ الدِّينُ؛ فَإنَّهُم فِي غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى اتِّقَاءِ شَرِّ هَؤُلاءِ. فيَكُونُ الإعْزَازُ بالمَنْعِ بَعْدَ أنْ كَانَ بالدَّفْعِ(558) . قَالَ عُمَرُ: «إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَتَألَّفُكُمَا(559) والإسْلامُ يَوْمَئِذٍ ذَلِيلٌ (وفِي رِوَايَةٍ: قَلِيلٌ)، وإنَّ اللهَ قَدْ أعَزَّ الإسْلامَ. فَاذْهَبَا فَاجْهَدَا جَهْدَكُمَا...»(560) ، وبلَغَ ذَلِكَ الصَّحَابَةَ فَلَمْ يُنْكِرُوا(561) .

فاجْتِهَادُ عُمَرَ هُنَا تَأتَّى مِنْ مُلاحَظَةِ إمْكَانِيَّةِ التَّطْبِيقِ. وهُوَ مِنْ بَابِ

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تَحْقِيقِ المَنَاطِ(562) الَّذِي هُوَ ضَرْبٌ مِنَ التَّنْزِيلِ عَلَى الوَاقِعِ الفِعْلِيِّ، لا صِلَةَ لَهُ بتَعْيِينِ دَلالَةِ النَّصِّ أوْ تَغْيِيرِهَا. بَلْ تَعَلَّقَ نَظَرُهُ فِي العِلَّةِ البَاعِثَةِ عَلَى الحُكْمِ، وهِيَ مَظِنَّةُ المَصْلَحَةِ العَامَّةِ للدَّوْلَةِ مِنْ جَرَّاءِ تَألِيفِ القُلُوبِ.

وحَيْثُ إنَّهَا عِلَّةٌ مُرْتَبِطَةٌ بزَمَنٍ وظَرْفٍ اسْتِثْنَائِيٍّ؛ أدَارَ الحُكْمَ مَعَ عِلَّتِهِ وُجُودًا وعَدَمًا. فَلَمْ يُطَبِّقِ الحُكْمَ آلِيًّا دُونَ نَظَرٍ وإعْمَالٍ للرَّأيِ! بَلْ وَازَنَ بَيْنَ الحُكْمِ المُعَلَّلِ ومَا يَنْطَوِي عَلَيْهِ مِنْ مَصْلَحَةٍ نَظَرِيًّا، فِي الظَّرْفِ المُحِيطِ بالتَّشْرِيعِ آنَذَاكَ، وبَيْنَ مَا يُفْضِي إلَيْهِ التَّطْبِيقُ فِي ظُرُوفٍ مُسْتَجِدَّةٍ عَمَلِيًّا(563) .

فَأدْرَكَ أنَّ الغَايَةَ مِنْهُ غَيْرُ مُحَقَّقَةٍ، نَظَرًا إلَى أنَّ الإسْلامَ بَلَغَ مِنَ القُوَّةِ والمَنَعَةِ، مِنَ النَّاحِيَتَيْنِ: المَعْنَوِيَّةِ، المُتَجَلاَّةِ فِي سُطُوعِ حُجَّتِهِ وبُرْهَانِهِ. ومِنَ النَّاحِيَةِ المَادِّيَّةِ، المُتَعَلِّقَةِ بوَفْرَةِ أبْنَائِهِ وسَعَةِ انْتِشَارِهِ(564) ، مَا يَدْرَأُ عَنْهُ الحَاجَةَ إلَى تَألِيفِ قُلُوبِ أعْدَائِهِ.

لَمْ يَكُنْ هَذَا الإجْرَاءُ نَسْخًا أو تَعْطِيلاً للحُكْمِ(565) إنَّمَا غَايَتُهُ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إيقَافُ تَطْبِيقِ الحُكْمِ لتَخَلُّفِ مَقْصَدِهِ، إذْ لا عِبْرَةَ بالوَسَائِلِ إذَا لَمْ تُحَقِّقِ المَقَاصِدَ(566) «فَهُوَ مِنْ قَبِيلِ انْتِهَاءِ الْحُكْمِ بِانْتِهَاءِ مُوجِبِهِ»(567)

ذَلِكَ أنَّ تَألِيفَ القُلُوبِ لَيْسَ وَضْعًا ثَابِتًا دَائِمًا، ولا كُلُّ مَنْ كَانَ مُؤَلَّفًا فِي عَصْرٍ يَظَلُّ مُؤَلَّفًا فِي غَيْرِهِ مِنَ العُصُورِ، كَمَا هُوَ الشَّأْنُ باعْتِبَارِ الفَقْرِ عِلَّةً فِي إعْطَاءِ الفُقَرَاءِ مِنَ الزَّكَاةِ، فَإذَا زَالَتْ هَذِهِ العِلَّةُ؛ بأنْ صَارُوا أغْنِيَاءَ، فإنَّهُم لا يَسْتَحِقُّونَ سَهْمَ الفُقَرَاءِ لزَوَالِ عِلَّةِ الإعْطَاءِ.

ولَمْ يُبْطِلِ الحُكْمَ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّصُّ، بحَيْثُ إذَا ضَعُفَ المُسْلِمُونَ يَوْمًا واحْتَاجُوا إلَى تَألِيفِ قُلُوبِ أعْدَائِهِم؛ أعْطَوْهُم مِنْ هَذَا السَّهْمِ(568) ، لكَوْنِهِ تَشْرِيعًا بَاقِيًا إلَى يَوْمِ الدِّينِ(569) .

بالمُقَابِلِ، إذَا دَقَّقْنَا فِي اجْتِهَادِ عُمَرَ لجِهَةِ مَنْعِهِ الدَّفْعَ لَهُم، لرَأيْنَاهُ مُوَافِقًا تَمَامًا لنَصِّ الآيَةِ، الَّتِي رَبَطَتْ سَهْمَهُم بتَألُّفِ المُسْلِمِينَ إيَّاهُم.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فلَمَّا تَخَلَّفَتْ عِلَّةُ صَرْفِ الصَّدَقَةِ إلَيْهِم؛ لمْ يُعْطَوا(570) تَمَاشِيًا مَعَ مَا قَرَّرَهُ الأصُولِيُّونَ مِنْ أنَّ «تَعْلِيقَ الحُكْمِ بوَصْفٍ مُشْتَقٍّ، يُؤْذِنُ بعِلِّيَّةِ مَا كَانَ مِنْهُ الاشْتِقَاقُ(571)(572)

أخْلُصُ إلَى القَوْلِ: إنَّ اجْتِهَادَ عُمَرَ بمَسَائِلِهِ كُلِّهَا هُوَ فِي فَهْمِ النُّصُوصِ، وكَيْفِيَّةِ العَمَلِ بِهَا. ولَيْسَ اجْتِهَادًا فِي الخُرُوجِ عَلَيْهَا، والإعْرَاضِ عَنْهَا، مِنْ أجْلِ مُجَرَّدِ مَصْلَحَةٍ. فَعُمَرُ «مِنْ أبْرَعِ الصَّحَابَةِ فِي فِقْهِ النَّصِّ، والدِّقَّةِ فِي فَهْمِهِ. وكَانَ لِهَذَا مِنْ أشَدِّهِم التِزَامًا بِهِ ووُقُوفًا عِنْدَهُ، وأبْعَدِهِم عَنِ الرَّأيِ المُخَالِفِ لَهُ»(573) . ولَدَيْهِ مِنَ «العِلْمِ، والعَقْلِ، والأمَانَةِ، والفَضْلِ»(574) مَا يَحُولُ دُونَ اتِّبَاعِ الهَوَى.

فيُحْمَلُ عَدَمُ تَطْبِيقِهِ للنَّصِّ عَلَى أسْبَابٍ مُوجِبَةٍ، هِيَ:

زَوَالُ العِلَّةِ البَاعِثَةِ عَلَى الحُكْمِ. عَدَمُ تَحَقُّقِ شُرُوطِ تَطْبِيقِ الحُكْمِ.

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

اليَقَظَةُ والحَذَرُ عَنِ الوُقُوعِ فِي المَفْسَدَةِ.

ثَالِثًا: تَصْنِيفُ عُمَرَ بَيْنَ مُجَدِّدِينَ ومُحَافِظِينَ:

هَلْ كَانَ عُمَرُ فِي اجْتِهَادِهِ مِنَ المُجَدِّدِينَ، مُقَابِلَ المُحَافِظِينَ الَّذِينَ أخَذُوا بالأثَرِ ولَمْ يَعْمَلُوا إلاَّ بِهِ؟

إنَّ تَقْسِيمَ الصَّحَابَةِ إلَى فَرِيقَينِ: (مُجَدِّدِينَ) و(مُحَافِظِينَ)، تَقْسِيمٌ بَعِيدٌ عَنِ التَّحْقِيقِ العِلْميِّ، مُنْطَلِقٌ مِنْ تَأثُّرِ المُعَاصِرِينَ بنَزْعَةِ القَانُونِيِّينَ(575) . لأنَّ كِلا الفَرِيقَينِ مُتَمَسِّكٌ بالدِّينِ، عَامِلٌ بالنُّصُوصِ. بَيْدَ أنَّ فَرِيقًا مِنْهُم تَوَقَّفُوا عَنْ أنْ يَجْتَهِدُوا بغَيْرِ مَا وَرَدَ بِهِ نَصٌّ مِنَ الشَّارِعِ، فِي الوَقْتِ الَّذي كَفَاهُم فِيهِ غَيْرُهُم هَذِهِ المَؤُونَةَ، ولَمْ يُخْتَبَرُوا بالحُكْمِ وشُؤُونِ الدَّوْلَةِ، مِمَّا يَضْطَرُّهُم إلَى البَتِّ فِي الأمُورِ.

بخِلافِ مَا كَانَ عَلَيْهِ عُمَرُ، فَقَدِ ابْتُلِيَ بالحُكْمِ، فلا بُدَّ أنْ يَجْتَهِدَ برَأيِهِ ويَبُتَّ فِي الأمُورِ. إذْ لَيْسَ مِنَ المَعْقُولِ أنْ يُهْمِلَ –وهُوَ الخَلِيفَةُ- أمْرًا يتَعَلَّقُ بإصْلاحِ النَّاسِ بِدَاعِي أنَّهُ لَمْ يَجِدْ نَصًّا! فإنَّ سَيْرَ الحَيَاةِ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يَقِفُ، ويُؤَدِّي إلَى فَسَادٍ عَرِيضٍ(576)

والحُكْمُ أسَاسُهُ الإصْلاحُ، وهُوَ فِي النَّصِّ، فإنْ لَمْ يتَوَفَّرْ كَانَ الاتِّجَاهُ إلَى المَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ العَامَّةِ، الَّتي تَضَافَرَتْ عَلَى تَقْرِيرِهَا مَجْمُوعَةُ نُصُوصٍ. فَضْلاً عَنْ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَبُتُّ أمْرًا مِنْ دُونِ أنْ يَرْجِعَ إلَى أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ فِي الأمَّةِ، وهُوَ المُشْتَهِرُ عَنْهُ أنَّ لَدَيْهِ أهْلَ مَشُورَةٍ يَسْتَشِيرُهُم، ولا يَألُونَهُ نُصْحًا.

إذَا كَانَ هَذَا المَنْهَجُ فِي الفَتْوَى هُوَ أخَصَّ مَا تَمَيَّزَ بِهِ عُمَرُ، فسَأُفْرِدُ المَبْحَثَ الثَّالِثَ لدِرَاسَةِ بَقِيَّةِ هَاتِيكَ الخَصَائِصِ، الَّتِي صَاحَبَتِ اجْتِهَادَهُ وعُرِفَ بِهَا. وأكْشِفُ اللِّثَامَ عَنِ الرَّوَافِدِ العِلْمِيَّةِ الَّتِي أصْقَلَتْ مَلَكَتَهُ الأصُولِيَّةَ فِي الاجْتِهَادِ بالرَّأيِ.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الخَصَائِصُ العَامَّةُ لاجْتِهَادِ عُمَرَ ورَوَافِدُهُ

جَدَّ عُمَرُ فِي اسْتِثْمَارِ النُّصُوصِ واسْتِيثَارِ المَلَكَاتِ العَقْلِيَّةِ، بُغْيَةَ الكَشْفِ عَنِ الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، تَنْظِيرًا وتَنْزِيلاً. ومِنْ خِلالِ دِرَاسَةِ مَسَائِلِهِ وتَحْلِيلِهَا، يُمْكِنُ أنْ نَسْتَخْلِصَ الخَصَائِصَ الكُبْرَى الَّتِي لازَمَتِ اجْتِهَادَهُ، حَتَّى دَلَّ عَلَيْهَا؛ إنْ عَنْ طَرِيقِ التَّصْرِيحِ بِهَا، أوِ الإشَارَةِ إلَيْهَا.

وقَدْ تَهَيَّأ لعُمَرَ مِنَ الأسْبَابِ مَا دَفَعَتْ باجْتِهَادِهِ نَحْوَ العَالَمِيَّةِ والقَبُولِ، مِنْهَا عِلْمِيَّةٌ، وأخْرَى اجْتِمَاعِيَّةٌ...

فجَاءَ هَذَا المَبْحَثُ يَسْتَعْرِضُ هَذِهِ الخَصَائِصَ وتِلْكَ الرَّوَافِدَ فِي مَطْلَبَيْنِ اثْنَيْنِ، هُمَا:

المَطْلَبُ الأوَّلُ: الخَصَائِصُ العَامَّةُ لاجْتِهَادِ عُمَرَ. المَطْلَبُ الثَّانِي: رَوَافِدُ الاجْتِهَادِ لَدَى عُمَرَ.

المَطْلَبُ الأوَّلُ: الخَصَائِصُ العَامَّةُ لاجْتِهَادِ عُمَرَ

أوَّلاً: اتِّبَاعُهُ طَرِيقَةَ الشُّورَى فِي تَبَيُّنِ الحُكْمِ:

اخْتَطَّ عُمَرُ طَرِيقَ الشُّورَى مَنْهَجًا فِي اسْتِصْدَارِ الأحْكَامِ(577) ، فكَانَ يُقَلِّبُ وُجُوهَ الرَّأيِ، ويُشَاوِرُ الصَّحَابَةَ فِي المَسْألَةِ المَعْرُوضَةِ، ويُنَاقِشُهُم فِي نَتَائِجِ الحُكْمِ بِهَا عَلَى مُقْتَضَى تَعَدُّدِ الأنْظَارِ، بَلْ يُنَاظِرُهُم أحْيَانًا، حَتَّى تَنْكَشِفَ الغُمَّةُ ويَأتِيَهُ الثَّلَجُ(578) .

يَقُولُ الشَّعْبِيُّ: «كَانَتِ القَضِيَّةُ تُرْفَعُ إلَى عُمَرَ، ورُبَّمَا يَتَأمَّلُ فِي ذَلِكَ شَهْرًا، ويَسْتَشِيرُ أصْحَابَهُ»(579) . كَمَا حَصَلَ فِي مِيرَاثِ الجَدَّةِ، حِينَ جَاءَتْهُ أمُّ الأبِ، فَقَالَ لَهَا: «مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللهِ شَيْءٌ! وسَوْفَ أسْألُ لَكِ النَّاسَ»، الحَدِيثَ(580) .

مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ:

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأتَهُ ثُمَّ يُرَاجِعُهَا:

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، أنَّهُ كَانَ عِنْدَ عُمَرَ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ وامْرَأتُهُ. فَقَالَ: امْرَأتِي طَلَّقْتُهَا، ثُمَّ رَاجَعْتُهَا. فَقَالَتِ المَرْأةُ: أمَّا إنْ لَمْ يَحْمِلْنِي الَّذِي كَانَ مِنْكَ أنْ أُحَدِّثَ الأمْرَ عَلَى وَجْهِهِ.

فَقَالَ عُمَرُ: حَدِّثِي. فَقَالَتْ: طَلَّقَنِي، ثُمَّ تَرَكَنِي حَتَّى إذَا كَانَ فِي آخِرِ ثَلاثِ حِيَضٍ، وانْقَطَعَ عَنِّي الدَّمُ وَضَعْتُ غُسْلِي، ورَدَدْتُ بَابِي، فَنَزَعْتُ ثِيَابِي. فَقَرَعَ الْبَابَ، وَقَالَ: قَدْ رَاجَعْتُكِ، قَدْ رَاجَعْتُكِ. فَتَرَكْتُ غُسْلِي، ولَبِسْتُ ثِيَابِي.

فَقَالَ عُمَرُ: مَا تَقُولُ فِيهَا، يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أُرَاهُ أحَقَّ بِهَا، مَا دُونَ أنْ تَحِلَّ لَهَا الصَّلاةُ. فَقَالَ عُمَرُ: نِعْمَ مَا رَأيْتَ. وأنَا أرَى ذَلِكَ(581) .

ثَانِيًا: اسْتِخَارَةُ الشَّارِعِ فِي الحُكْمِ الأنْسَبِ:

وَرَدَ التَّوْجِيهُ النَّبَوِيُّ بِطَلَبِ الخِيرَةِ مِنَ اللهِ فِي الأمُورِ كُلِّهَا، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الأنْصَارِيِّ رضي الله عنه(582) قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُعَلِّمُنَا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الاسْتِخَارَةَ فِي الأمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ القُرْآنِ»(583)

فِي ضَوْءِ هَذَا الإرْشَادِ سَارَ عُمَرُ يَتَلَمَّسُ الإصَابَةَ فِي اجْتِهَادَاتِهِ.

مِنْ شَوَاهِدِهِ مَا يَأتِي:

اجْتِمَاعُ الجَدِّ مَعَ الإخْوَةِ:

مِيرَاثُ الجَدِّ مَعَ الإخْوَةِ مُعْضِلَةٌ عَانَى مِنْهَا عُمَرُ، ووَدَّ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُقْبَضْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ فِيهِ(584) . وحَيْثُ إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُبَيِّنْ مِيرَاثَ الجَدِّ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلاَّ طَرِيقُ الاجْتِهَادِ. فَاجْتَهَدَ عُمَرُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، يَعْدِلُ عَنِ اجْتِهَادٍ إلَى آخَرَ، حَتَّى صَدَرَتْ عَنْهُ أقْضِيَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ، كَانَ يتَحَرَّى فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا الحَقَّ مَا وَسِعَهُ، يَقُولُ: «إنِّي قَدْ قَضَيْتُ فِي الجَدِّ قَضِيَّاتٍ مُخْتَلِفَةً، لَمْ آلُ فِيهَا عَنِ الحَقِّ...»(585) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقَدْ حَفِظَ عَنْهُ النَّاسُ هَذِهِ القَضَايَا المُخْتَلِفَةَ، يَقُولُ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ(586) وقَدْ سَألَهُ ابْنُ سِيرِينَ عَنْ فَرِيضَةٍ فِيهَا جَدٌّ، فَقَالَ: «لَقَدْ حَفِظْتُ مِنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فِيهَا مِئَةُ قَضِيَّةٍ مُخْتَلِفَةٍ». قَالَ: عَنْ عُمَرَ؟ قُلْتُ: عَنْ عُمَرَ»(587) !

ثُمَّ لاحَظَ فِي نَفْسِهِ هَذَا الاضْطِرَابَ لجِهَةِ تَعَدُّدِ حُكْمِهِ فِيهِ، فَاسْتَشَارَ الأصْحَابَ فِي شَأنِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، فَلَمْ يَتَوَصَّلْ إلَى قَرَارٍ حَاسِمٍ! حَتَّى إذَا كَانَ قُبَيْلَ اسْتِشْهَادِهِ، وأحَبَّ أنْ تَسْتَقِرَّ الأمُورُ فِي الجَدِّ عَلَى حُكْمٍ وَاضِحٍ ومُنْضَبِطٍ، لِئَلاَّ يَتْرُكَ المَوْضُوعَ فَوْضَى مِنْ بَعْدِهِ؛ كَتَبَ فِي الجَدِّ والكَلالَةِ كِتَابًا، ومَكَثَ يَسْتَخِيرُ اللهَ مُدَّةً.

عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ كَتَبَ فِي الجَدِّ والكَلالَةِ كِتَابًا. فَمَكَثَ يَسْتَخِيرُ اللهَ، يَقُولُ: «اللَّهُمَّ، إنْ عَلِمْتَ فِيهِ خَيْرًا فَأمْضِهِ». حَتَّى إذَا طُعِنَ، دَعَا بالكِتَابِ، فَمَحَى، فَلَم يَدْرِ أحَدٌ مَا كَانَ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فِيهِ. فَقَالَ: «إنِّي كَتَبْتُ فِي الجَدِّ والكَلالَةِ كِتَابًا، وكُنْتُ أسْتَخِيرُ اللهَ فِيهِ، فرَأيْتُ أنْ أتْرُكَكُم عَلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ»(588)

ورَغْمَ ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَ أسْعَدَ الصَّحَابَةِ المُخْتَلِفِينَ فِي الجَدِّ بالحَقِّ(589) .

الهَمُّ بكِتَابَةِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ:

قَالَ الزُّهْرِيُّ: أرَادَ عُمَرُ أنْ يَكْتُبَ السُّنَنَ، فَاسْتَشَارَ فِي ذَلِكَ أصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَأشَارُوا عَلَيْهِ أنْ يَكْتُبَهَا. فَطَفِقَ يَسْتَخِيرُ اللهَ فِيهَا شَهْرًا، ثُمَّ أصْبَحَ يَوْمًا وقَدْ عَزَمَ اللهُ لَهُ، فقَالَ: «إنِّي كُنْتُ أرَدْتُ أنْ أكْتُبَ السُّنَنَ، وإنِّي ذَكَرْتُ قَوْمًا كَانُوا قَبْلَكُم، كَتَبُوا كِتَابًا، فأقْبَلُوا عَلَيْهِ، وتَرَكُوا كِتَابَ اللهِ! وإنِّي –واللهِ- لا أَلْبِسُ كِتَابَ اللهِ بِشَيْءٍ أبَدًا»(590) .

إنَّ امْتِنَاعَ عُمَرَ عَنِ المُضِيِّ فِي كِتَابَةِ السُّنَنِ مَعْقُولُ المَعْنَى، لجِهَةِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تَخَوُّفِهِ عَلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى مِنَ الهَجْرِ والضَّيَاعِ، مِنْ خِلالِ مُلاحَظَةِ العَامِلَيْنِ التَّالِيَيْنِ:

خَشِيَ عُمَرُ إنْ أمَرَ بكِتَابَةِ الحَدِيثِ وهَمَّ بِهِ، أنْ يَنْصَرِفَ النَّاسُ عَنْ كِتَابِ اللهِ تَعَالَى الَّذِي هُوَ أسَاسُ الدِّينِ(591) ، وهُوَ يَسْتَحْضِرُ فِي نَفْسِهِ انْصِرَافَ الأمَمِ السَّابِقَةِ عَنْ كُتُبِهِم، فيَحِلَّ بهَذِهِ الأمَّةِ مَا حَلَّ بالأمَمِ قَبْلَهَا، حِينَ عَمَدَ عُلَمَاؤُهُم إلَى التَّألِيفِ، فاسْتَغْنَى أتْبَاعُهُم بكِتَابَاتِهِم عَنْ وَحْيِ السَّمَاءِ، فسُرْعَانَ مَا دَبَّ فِيهِمُ التَّحْرِيفُ. أوْ أنْ يَلْتَبِسَ الحَدِيثُ بِالقُرْآنِ عَلَى مَنْ لَمْ يَشْهَدِ الوَحْيَ، مِنَ الَّذِينَ دَخَلُوا فِي الإسْلامِ حَدِيثًا.

وهَذَا يُلْفِتُ إلَى أمْرَيْنِ، هُمَا:

الاشْتِغَالُ بالقُرْآنِ أفْضَلُ مِنَ الاشْتِغَالِ بِالسُّنَّةِ، فِي مِثْلِ هَذَا الحَالِ الرَّاهِنِ. واجْتِهَادُ عُمَرَ هُوَ مَحْضُ المَصْلَحَةِ.

مِنْ جِهَةٍ أخْرَى، تَعْكِسُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ مَنْهَجِيَّةَ عُمَرَ فِي الاجْتِهَادِ والتَّعَاطِي مَعَ المُسْتَجِدَّاتِ، حَيْثُ إنَّه اتَّبَعَ الآلِيَّةَ الآتِيَةَ بكُلِّ دِقَّةٍ ومَوْضُوعِيَّةٍ:

الاسْتِشَارَةُ.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الاسْتِخَارَةُ. التَّدْقِيقُ وإمْعَانُ النَّظَرِ. المُوَازَنَةُ بَيْنَ المَصَالِحِ والمَفَاسِدِ. تَغْلِيبُ جَانِبِ المَصْلَحَةِ الحَاضِرَةِ، الدَّاعِيَةِ لَهَا ظُرُوفُ البِيئَةِ. الاطِّلاعُ عَلَى أخْبَارِ المَاضِينَ، والإفَادَةُ مِنْ شُؤُونِهِم ومَا آلَتْ إلَيْهِ أمُورُهُم، فِي مُقَارَبَةِ تَشْرِيعٍ أمْثَلَ، يَضْمَنُ الأصْلَحَ والأوْفَقَ للأمَّةِ.

ثَالِثًا: عَدَمُ خُضُوعِ اجْتِهَادِهِ للمُوَاضَعَاتِ الاصْطِلاحِيَّةِ:

وُجِدَ الاجْتِهَادُ العُمَرِيُّ فِي عَصْرِ التَّأسِيسِ وطَوْرِ نُشُوءِ الفِقْهِ الإسْلامِيِّ، فَلَمْ يَكُنِ الالْتِفَاتُ إلَى الاحْتِكَامِ للمُصْطَلَحَاتِ وضَبْطِ الألْفَاظِ الَّتِي اصْطُلِحَ عَلَيْهَا بَعْدَ عَصْرِ التَّدْوِينِ، اعْتِمَادًا مِنْهُ عَلَى مَا وَهَبَهُ اللهُ إيَّاهُ مِنَ السَّلِيقَةِ العَرَبِيَّةِ والمَلَكَةِ الأصُولِيَّةِ(592) . عَلَى نَحْوِ مَا قَرَّرَهُ ابْنُ خَلْدُونَ فِي شَأنِ عِلْمِ الأصُولِ بأنَّهُ: «مِنَ الفُنُونِ المُسْتَحْدَثَةِ فِي المِلَّةِ، وكَانَ السَّلَفُ فِي غُنْيَةٍ عَنْهُ بِمَا أنَّ اسْتِفَادَةَ المَعَانِي مِنَ الألْفَاظِ لا يُحْتَاجُ فِيهَا إلَى أزْيَدَ مِمَّا عِنْدَهُم مِنَ المَلَكَةِ اللِّسَانِيَّةِ. وأمَّا القَوَانِينُ الَّتِي يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي اسْتِفَادَةِ الأحْكَامِ –خُصُوصًا- فمِنْهُم أُخِذَ مُعْظَمُهَا»(593) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبالرَّغْمِ مِنْ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِ بهَذِهِ التَّفْصِيلاتِ، فإنَّ مَعَانِيَهَا مُتَشَبِّعٌ بِهَا عَقْلُهُ، مَغْرُوسَةٌ فِي نَفْسِهِ(594) ، حَتَّى «ارْتَادَ سَمَاوَاتٍ مِنْ صَوَابِ الرَّأيِ ودِقَّتِهِ ومُرُونَتِهِ وحَيَوِيَّتِهِ، لمْ يَسْتَطِعْ أحَدٌ مِنَ الأصُولِيِّينَ العَارِفِينَ بالتَّفْصِيلاتِ والقَوَاعِدِ والاصْطِلاحَاتِ، لِعَشَرَاتٍ مِنَ السِّنِينَ بَعْدَهُ، أنْ يُحَلِّقَ فِيهَا، لأنَّ أحَدًا مِنْهُم لَمْ يَثِقْ قَطُّ فِي أنَّ مَا يَمْلِكُهُ مِنْ قُوَّةِ العَقِيدَةِ وسَعَةِ الأفُقِ، والفَهْمِ لِمَصَالِحِ النَّاسِ، ومَقَاصِدِ التَّشْرِيعِ، والبَرَاءَةِ مِنَ الأنَانِيَّةِ والغَرَضِ، يُمْكِنُ أنْ يُطَاوِلَ، أو يُقَارِبَ مَا كَانَ عُمَرُ يَمْلِكُهُ مِنْهَا جَمِيعًا»(595) . فَأصْدَرَ فَتَاوَاهُ عَنْ مَعْرِفَةِ الوَاقِعِ، ودَرْكِ المَصَالِحِ والمَفَاسِدِ.

عَرَفَ بَعْضَ المُصْطَلَحَاتِ الَّتِي ضَبَطَهَا العُلَمَاءُ بَعْدَ عَصْرِ التَّدْوِينِ، مِثْلَ: الإجْمَاعِ، القِيَاسِ، المَصْلَحَةِ، والاسْتِحْسَانِ الَّذِي وُجِدَتْ مَظَاهِرُهُ مُبَكِّرًا، وأكْثَرَ عُمَرُ مِنَ المَصِيرِ إلَيْهِ. لَكِنَّهُ لَمْ يَكْتَرِثْ لِتَسْمِيَتِهَا، كَمَا وَرَدَ عَنْهُ فِي قَوْلِهِ حِينَ امْتَنَعَ عَنْ قِسْمَةِ أرْضِ السَّوَادِ: «هَذَا رَأيٌ»(596) ؛ فَلَمْ يَعَيِّنْ كَوْنَهُ اسْتِحْسَانًا، أو سَدَّ ذَرِيعَةٍ، أوِ اسْتِصْلاحًا، وغَيْرَ ذَلِكَ، مُكْتَفِيًا بِمَا تَضَمَّنَهُ هَذَا اللَّقَبُ مِنْ دَلالاتٍ، فِيهَا الإشَارَةُ إلى اللُّجُوءِ إلَيْهِ عَنْ طَرِيقِ الاسْتِثْنَاءِ(597) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مَا يُلْفِتُ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ إلَى وَاقِعِيَّةِ الفِقْهِ فِي عَصْرِهِ، واتِّجَاهِهِ إلَى النَّوَاحِي العَمَلِيِّةِ أكْثَرَ مِنَ النَّظَرِيَّةِ.

رَابِعًا: اقْتِصَارُ نِطَاقِ اجْتِهَادِهِ عَلَى النَّوَازِلِ الفِعْلِيَّةِ:

سَلَكَ عُمَرُ فِي اجْتِهَادِهِ مَسْلَكَ الشُّورَى إذَا خَفِيَ عَلَيْهِ الدَلِيلُ عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ. واشْتَغَلَ بمَسَائِلِ النَّاسِ واسْتِفْتَاءَاتِهِم، فلَمْ يَبْحَثْ مَسَائِلَ فَرَضِيَّةً مَظْنُونَةَ الوُقُوعِ(598) ، مَا يتَّفِقُ ونَمَطَ سُلُوكِهِ ووَاقِعِيَّةَ تَفْكِيرِهِ. وآثَارُهُ فِي هَذَا المَوْرِدِ وإنْ جَاءَتْ مُنْقَطِعَةً، فَإنَّهَا بمَجْمُوعِ طُرُقِهَا تَدُلُّ عَلَى أنَّ لَهَا أصْلاً.

يَقُولُ: «إيَّاكُمْ وهَذِهِ الفُضْلَ(599) (وفِي رِوَايَةٍ: العُضْلَ(600) )؛ فَإنَّهَا إذَا نَزَلَتْ بَعَثَ اللهُ إلَيْهَا مَنْ يُقِيمُهَا ويُفَسِّرُهَا»(601) . فَكَرِهَ الانْغِمَاسَ فِي المَسَائِلِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ، وأوْمَأ إلَى الانْشِغَالِ عَنْهَا بِمَا هُوَ كَائِنٌ، ذَلِكَ أنَّهَا إذَا مَا وَقَعَتْ يَوْمًا قَيَّدَ اللهُ لَهَا مَنْ يَنْظُرُ فِيهَا.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وخَطَبَ عَلَى المِنْبَرِ، فَقَالَ: «أُحَرِّجُ باللهِ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ سَألَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يَكُنْ، فَإنَّهُ قَدْ قَضَى (وفِي رِوَايَةٍ: فَإنَّ اللهَ قَدْ بَيَّنَ) فِيمَا هُوَ كَائِنٌ»(602) .

مِنْ ذَلِكَ: أنَّهُ كَرِهَ الكَلامَ فِي مِيرَاثِ الجَدِّ، فَلَمَّا صَارَ جَدًّا قَالَ: «هَذَا أمْرٌ قَدْ وَقَعَ، لا بُدَّ للنَّاسِ مِنْ مَعْرِفَتِهِ»، فَأخَذَ يَسْتَشِيرُ فُقَهَاءَ الصَّحَابَةِ(603) .

ويَعُودُ قَصْرُهُ نِطَاقَ الرَّأيِ عَلَى النَّوَازِلِ الفِعْلِيَّةِ، إلَى جُمْلَةِ أسْبَابٍ مُوجِبَةٍ، أجْمِلُهَا فِي مَا يَلِي:

تَخَوُّفُهُ مِنَ الخَطَأ فِي الاجْتِهَادِ، ومَا يَنْتُجُ عَنْهُ، فَآثَرَ الالتِزَامَ بفِقْهِ المَسَائِلِ الوَاقِعِيَّةِ والحَوَادِثِ الفِعْلِيَّةِ، بَعِيدًا عَنِ الفِقْهِ الفَرَضِيِّ والتَّقْدِيرِيِّ، تَمَاشِيًا مَعَ مَا تَرَبَّى عَلَيْهِ فِي حِضْنِ الرِّسَالَةِ صلى الله عليه وسلم، فَلا زَالَ تَأثُّرُهُ بِعَصْرِ التَّنْزِيلِ وَاضِحًا جَلِيًّا، وكَأنِّي بِهِ قَدْ جَعَلَ نُصْبَ عَيْنَيْهِ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا لا تَسأَلوا عَن أَشياءَ إِن تُبدَ لَكُم تَسُؤكُم وَإِن تَسأَلوا عَنها حينَ يُنَزَّلُ القُرآنُ تُبدَ لَكُم عَفَا اللَّهُ﴾(604) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فكَرِهَ البَحْثَ فِي المَسَائِلِ الَّتِي لَمْ تَقَعْ، ولَعَنَ مَنْ يَسْألُ فِيهَا، عَنْ عَبْدِ اللهِ بنْ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «لا تَسْألُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ؛ فَإنِّي سَمِعْتُ عُمَرَ يَلْعَنُ مَنْ سَألَ عَمَّا لَمْ يَكُنْ»(605) . يَقُولُ: «لا يَحِلُّ لَكُمْ أنْ تَسْألُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ، فَإنَّهُ قَدْ قَضَى فِيمَا هُوَ كَائِنٌ»(606) .

غِنَى فَتْرَةِ خِلافَتِهِ الطَّوِيلَةِ بالحَوَادِثِ المُسْتَأنَفَةِ، والمَسَائِلِ الَّتِي لَمْ يَسْبِقْ لَهَا نَظِيرٌ فِي عَهْدِ الرِّسَالَةِ وخِلافَةِ أبِي بَكْرٍ. فَفِي اشْتِغَالِهِ باسْتِنْبَاطِ أحْكَامٍ لَهَا، ومَا يُنَاسِبُهَا مِنَ المَخَارِجِ الشَّرْعِيَّةِ؛ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الافْتِرَاضِ والتَّخَيُّلِ. انْشِغَالُهُ فِي الخِلافَةِ بِمَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ عَمَّا لَمْ يَقَعْ. ومَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ يَشْمَلُ جَمِيعَ الوِلايَاتِ الَّتِي بَسَطَ يَدَ الإمَارَةِ عَلَيْهَا. خَرَجَ عَلَى النَّاسِ يَوْمًا، فَقَالَ: «أُحَرِّجُ عَلَيْكُم أنْ تَسْألُونَا عَمَّا لَمْ يَكُنْ؛ فَإنَّ لَنَا فِيمَا كَانَ شُغْلاً»(607) . كَمَا أنَّ فِي مُزَاوَلَتِهِ مَنْصِبَ القَضَاءِ صَرْفًا لَهُ عَنِ الفَرَضِيَّاتِ، لِكَوْنِ القَضَاءِ يَخْتَصُّ بعِلاجِ المُشْكِلاتِ الوَاقِعَةِ لا المُفْتَرَضَةِ.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
خَامِسًا: الحِرْصُ عَلَى تَوْظِيفِ المَصَادِرِ الأصْلِيَّةِ:

أجَلَّ عُمَرُ كَلامَ اللهِ تَعَالَى، واتَّخَذَهُ المَرْجَعِيَّةَ العُلْيَا لاجْتِهَادِهِ. ومَا بَرِحَ يُجِلُّ أهْلَ القُرْآنِ وخَاصَّتَهُ، ويُدْنِيهِم ويُكْرِمُهُم، ويَعْتَرِفُ بفَضْلِهِم عَلَى غَيْرِهِم، ويُعْجِبُهُ مِنْهُم جَرَيَانُ القُرْآنِ عَلَى ألْسِنَتِهِم.

لَقِيَ رَكْبًا يُرِيدُونَ البَيْتَ. فَقَالَ: «مَنْ أنْتُم؟». فَأجَابَهُ أحْدَثُهُم سِنًّا، فَقَالَ: عِبَادُ اللهِ المُسْلِمُونَ(608) . قَالَ: «مِنْ أيْنَ جِئْتُم؟». قَالَ: مِنَ الفَجِّ العَمِيقِ(609) . قَالَ: «أيْنَ تُرِيدُونَ؟». قَالَ: البَيْتَ العَتِيقَ(610) .

قَالَ عُمَرُ: «تَأوَّلَهَا لَعَمْرُ اللهِ». ثُمَّ قَالَ: «مَنْ أمِيرُكُم؟». فَأشَارَ إلَى شَيْخٍ مِنْهُم. فَقَالَ عُمَرُ: «بَلْ أنْتَ أمِيرُهُم»، لأحْدَثِهِم سِنًّا الَّذِي أجَابَهُ بِجَيِّدٍ(611) .

الوَجْهُ مِنْهُ: أنَّ عُمَرَ مَا زَالَ يَسْألُ الشَّابَّ اليَافِعَ، وهَذَا يُجِيبُهُ عَنْ سُؤَالاتِهِ بالقُرْآنِ اقْتِبَاسًا، حَتَّى أدْهَشَهُ، فرَفَعَهُ بالقُرْآنِ عَمَّنْ سِوَاهُ عَلَى صِغَرِ سِنِّهِ! وهو الذي ما فتئ يُحدَّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً، ويضع به آخرين»(612) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَلا عَجَبَ أنْ يَسْتَشْهِدَ عُمَرُ بالقُرْآنِ والسُّنَّةِ آيَاتٍ وأحَادِيثَ فِي اجْتِهَادَاتِهِ ومُنَاظَرَاتِهِ، وهُوَ الَّذِي أحَبَّ كَلامَ اللهِ تَعَالَى، وكَانَ سَبَبَ هِدَايَتِهِ.

ولَهُ فِي ذَلِكَ مَسْلَكَانِ:

الاسْتِشْهَادُ بِالنَّصِّ عِنْدَ الاجْتِهَادِ:

غَالِبًا مَا يَكُونُ هَذَا الاسْتِشْهَادُ عَنْدَ تَيَسُّرِهِ، وتَنَشُّطِ عُمَرَ لَهُ؛ كَاحْتِجَاجِهِ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه، في بَحْثٍ أصُولِيٍّ، مُلَخَّصُهُ أنَّ الأخِيرَ رُبَّمَا قَرَأ مَا نُسِخَتْ تِلاوَتُهُ، لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ! مُسْتَنَدُ عُمَرَ فِي جَوَازِ وُقُوعِهِ هُوَ النَّصُّ(613) ، فَقَالَ:

«أقْرَؤُنَا أُبَيٌّ، وأقْضَانَا عَلِيٌّ. وإنَّا لَنَدَعُ مِنْ قَوْلِ أُبَيٍّ؛ وذَاكَ أنَّ أُبَيًّا يَقُولُ:

«لاَ أدَعُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم».

وقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿نَنسَخ مِن آيَةٍ أَو نُنسِها نَأتِ﴾(614)(615) )( ».

ولَهُ صُوَرٌ عَدِيدَةٌ، مِنْهَا:

الصُّورَةُ الأُولَى: إذَا كَانَ للمَسْألَةِ أخَوَاتٌ سَلَفَتْ فِي عَهْدِ النُّبُوَّةِ،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ووَجَدَ فِيهَا نَصًّا خَاصًّا يَتَنَاوَلُهَا.

أضْرِبُ لِذَلِكَ مِثَالَيْنِ اثْنَيْنِ:

المِثَالُ الأوَّلُ: جَاءَتْ جَارِيَةٌ إلَى عُمَرَ، فَقَالَتْ: إنَّ سَيِّدِي اتَّهَمَنِي، وأقْعَدَنِي عَلَى نَارٍ حَتَّى احْتَرَقَ فَرْجِي! فَقَالَ لَهَا: «هَلْ رَأى ذَلِكَ عَلَيْكِ؟». قَالَتْ: لا. قَالَ: «فَاعْتَرَفْتِ لَهُ؟». قَالَتْ: لا. قَالَ: «عَلَيَّ بِهِ».

فَلَمَّا رَأى عُمَرُ الرَّجُلَ قَالَ: «أتُعَذِّبُ بِعَذَابِ اللهِ؟!». قَالَ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ اتَّهَمْتُهَا فِي نَفْسِهَا! قَالَ: «هَلْ رَأيْتَ ذَلِكَ عَلَيْهَا؟». فَقَالَ الرَّجُلُ: لا. قَالَ: «فَاعْتَرَفَتْ لَكَ؟». قَالَ: لا. قَالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ لَمْ أسْمَعْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لا يُقَادُ مَمْلُوكٌ مِنْ مَالِكِهِ، ولا وَلَدٌ مِنْ وَالِدِهِ»، لأقَدْتُكَ بِهَا».

فَبَدَرَهُ، فَضَرَبَهُ مِئَةَ سَوْطٍ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبِي، فَأنْتِ حُرَّةٌ لِوَجْهِ اللهِ، وأنْتِ مَوْلاةُ اللهِ ورَسُولِهِ، أشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «مَنْ حُرِّقَ بِالنَّارِ، ومُثِّلَ بِهِ فَهُوَ حُرٌّ، وهُوَ مَوْلَى اللهِ ورَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم»(616) .

المِثَالُ الثَّانِي: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنه(617) قَالَ:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نَحَلْتُ لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ(618) أمَةً، فَأصَابَ مِنْهَا ابْنًا، فَكَانَ يَسْتَخْدِمُهَا. فَلَمَّا شَبَّ الغُلامُ دَعَاهَا يَوْمًا، فَقَالَ: اصْنَعِي كَذَا وكَذَا. فَقَالَ: لا تَأتِيكَ، حَتَّى مَتَى تَسْتَأمِي أُمِّي(619)

قَالَ: فَغَضِبَ، فَحَذَفَهُ بِسَيْفِهِ، فَأصَابَ رِجْلَهُ! فَنَزَفَ الغُلامُ فَمَاتَ. فَانْطَلَقَ فِي رَهْطٍ مِنْ قَوْمِهِ إلَى عُمَرَ. فَقَالَ عُمَرُ: «يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ، أنْتَ الَّذِي قَتَلْتَ ابْنَكَ! لَوْلا أنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لا يُقَادُ الأبُ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مِنِ ابْنِهِ»؛ لَقَتَلْتُكَ. هَلُمَّ دِيَتَهُ». فَأتَاهُ بِعِشْرِينَ، أوْ ثَلاثِينَ ومِئَةِ بَعِيرٍ، فَخَيَّرَ مِنْهَا مِئَةً، فَدَفَعَهَا إلَى وَرَثَتِهِ، وتَرَكَ أبَاهُ(620)

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا كَانَتْ تَنْدَرِجُ تَحْتَ مَعْقُولِ نَصٍّ ثَابِتٍ عَلَى وَجْهِ القِيَاسِ، فيَعْمَدُ إلَى الاسْتِشْهَادِ بالنَّصِّ الَّذِي تَضَمَّنَ الأصْلَ المَقِيسَ عَلَيْهِ، كَمَا فِي قَوْلِهِ حِينَ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بَلَغَهُ أنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدَبٍ رضي الله عنه(621) أخَذَ الخَمْرَ مِنْ تُجَّارِ اليَهُودِ، فبَاعَهَا وأخَذَ ثَمَنَهَا(622)

قَالَ: قَاتَلَ اللهُ سَمُرَةَ(623) ! ألَمْ يَعْلَمْ أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: « قَاتَلَ (وفِي رِوَايَةٍ: لَعَنَ) اللهُ اليَهُودَ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ(624) ، فَجَمَلُوهَا(625) ، فَبَاعُوهَا»(626) ؟!

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أنْ يَلْجَأ – أحْيَانًا- إلَى عَرْضِ النَّصِّ، لا عَلَى سَبِيلِ الاسْتِدْلالِ بِهِ، بَلْ لِتَقْوِيَةِ اجْتِهَادٍ رَآهُ، أسَّسَهُ عَلَى مُلاحَظَةِ غَايَةِ التَّشْرِيعِ. كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ صَنِيعُهُ فِي مَسْألَةِ قِسْمَةِ أرْضِ سَوَادِ العِرَاقِ، وهِيَ مِنَ الغَنَائِمِ، حِينَ اسْتَحْضَرَ آيَةَ الحَشْرِ وهِيَ تَتَعَلَّقُ بقِسْمَةِ الفَيْءِ، والغَنِيمَةُ غَيْرُ الفَيْءِ.

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وإنَّمَا كَانَ مَبْعَثَ اسْتِشْهَادِهِ بِالآيَةِ، الحِرْصُ عَلَى رَبْطِ الاجْتِهَادِ بالنَّصِّ، حَتَّى لا يَفْتَحَ بَابًا للتَّجَاوُزِ عَلَى سُلْطَانِهِ، وتَأيِيدِ رَأيِهِ بالتَّعْلِيلِ المَذْكُورِ فِيهَا. ومَقْصُودُهُ فِي ذَلِكَ: حِفْظُ مَالِ الأمَّةِ بِمَا يَقْتَضِيهِ العَدْلُ والمَصْلَحَةُ. فحَرَصَ عَلَى تَوْظِيفِ الَّذِي يَشْهَدُ لاجْتِهَادِهِ. وحِينَهَا انْتَهَى الخِلافُ فِي المَسْألَةِ، ومَضَى العَمَلُ عَلَى رَأيِهِ.

قَالَ: «إنِّي قَدْ وَجَدْتُ حُجَّةً فِي كِتَابِ اللهِ». فَتَلا آيَاتِ الفَيْءِ فِي «سُورَةِ الحَشْرِ»(627) ، ثُمَّ قَالَ: «فَكَيْفَ أُقْسِمُهُ لَكُمْ وأدَعُ مَنْ يَأتِي بِغَيْرِ قَسْمٍ؟». فَأجْمَعَ عَلَى تَرْكِهِ، وجَمْعِ خَرَاجِهِ، وإقْرَارِهِ فِي أيْدِي أهْلِيهِ، ووَضْعِ الخَرَاجِ عَلَى أرْضِيهِم، والجِزْيَةِ عَلَى رُؤُوسِهِم(628) .

تَوْظِيفُ النَّصِّ دُونَ التَّصْرِيحِ بِهِ:

يَكْثُرُ فِي اجْتِهَادِ عُمَرَ تَوْظِيفُ النَّصِّ دُونَ التَّصْرِيحِ بِهِ(629) ، وهَذَا يَعُودُ لِتَبَحُّرِهِ فِي فِقْهِ النُّصُوصِ، وإحَاطَتِهِ بطُرُقِ دَلالَتِهَا عَلَى الأحْكَامِ والمَعَانِي(630) .

مِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ مَا يَأتِي:

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هَلْ يُقْطَعُ المُخْتَلِسُ؟

عَنِ الشَّعْبِيِّ، أنَّ رَجُلاً اخْتَلَسَ طَوْقًا مِنْ إنْسَانٍ نَهَارًا، فَأُدْرِكَ الطَّوْقُ مَعَهُ! فَرُفِعَ إلَى عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وهُوَ عَلَى الكُوفَةِ، فكَتَبَ فِيهِ عَمَّارٌ إلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: «إنَّ ذَاكَ عَادِي الظَّهِيرَةِ(631) . فأنْهِكْهُ عُقُوبَةً، ثُمَّ خَلِّ عَنْهُ، ولا تَقْطَعْهُ»(632) .

وإنَّمَا لَمْ يَرَ فِي الطَّوْقِ قَطْعًا لأنَّهُ ظَاهِرٌ عَلَى صَاحِبِهِ. وهُوَ مُسْتَنِدٌ إلَى رِوَايَةِ جَابِرٍ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المُخْتَلِسِ، ولا عَلَى المُنْتَهِبِ، ولا عَلَى الخَائِنِ قَطْعٌ»(633) .

مَوَانِعُ الإرْثِ:

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قَالَ عُمَرُ فِي المَنْعِ مِنَ التَّوَارُثِ بَيْنَ مُخْتَلِفِي الدِّينِ: «أهْلُ الشِّرْكِ لا نَرِثُهُم، ولا يَرِثُونَا»(634) . وقَالَ: «لا يَتَوَارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ»(635) . يُضَمِّنُ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لا يَتَوَارَثُ أهْلُ مِلَّتَيْنِ شَتَّى»(636) .

وقَالَ فِي القَاتِلِ يَمْنَعُهُ الإرْثَ: «لا يَرِثُ القَاتِلُ مِنَ المَقْتُولِ شَيْئًا، وإنْ قَتَلَهُ عَمْدًا أوْ قَتَلَهُ خَطَأً»(637) . وحَصَلَ أنَّ رَجُلاً قَتَلَ أَخَاهُ فِي زَمَنِهِ، فَلَمْ يُوَرِّثْهُ! فَقَالَ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّمَا قَتَلْتُهُ خَطَأً! قَالَ: «لَوْ قَتَلْتَهُ عَمْدًا أقَدْنَاكَ بِهِ»(638) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثُمَّ وَجَدْتُهُ يَرْوِيهِ مَرْفُوعًا، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَيْسَ لِقَاتِلٍ مِيرَاثٌ»(639) .

سَادِسًا: اعْتِمَادُ آلِيَّةِ الجَدَلِ والمُنَاظَرَةِ:

الجَدَلُ: «تَرَدُّدُ الكَلامِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، قَصَدَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَصْحِيحَ قَوْلِهِ وإبْطَالَ قَوْلِ صَاحِبِهِ»(640) . ويتَمَثَّلُ فِي تَبَادُلِ الخَصْمَيْنِ أوِ المُتَنَاظِرَيْنِ السُّؤَالَ والجَوَابَ والرَّأيَ المُضَادَّ، حَتَّى يَسْتَبِينَ أيُّهُمَا أصَحُّ رَأيًا وأسَدُّ حُجَّةً. ويَأتِي بمَعْنَى: المُنَاظَرَةِ، الَّتِي هِيَ مُفَاعَلَةٌ، مِنَ النَّظَرِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، لانْعِدَامِ الفَارِقِ بَيْنَهُمَا فِي عُرْفِ الأصُولِيِّينَ(641) .

اعْتَمَدَ عُمَرُ طَرِيقَةَ الجَدَلِ فِي تَرْجِيحِ اجْتِهَادٍ عَلَى آخَرَ، لا مِنْ بَابِ التَّرَفِ الفِكْرِيِّ، أوْ قَصْدِ الإفْحَامِ والانْتِصَارِ المُجَرَّدِ، بَعِيدًا عَنْ قَضِيَّةِ الحَقِّ والعَدْلِ والصَّوَابِ والنُّصْحِ للأمَّةِ! بَلْ لأنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ مَنَاهِجِ المَعْرِفَةِ، وأسْلُوبٌ مِنْ أسَالِيبِ الكَشْفِ عَنِ الحَقِيقَةِ وإلْزَامِ الخَصْمِ بِهَا.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فتَرَاهُ يُنَاقِشُ ويُنَاظِرُ، ويَعْرِضُ رَأيَهُ بقُوَّةِ العَالِمِ، ويَسْتَدِلُّ لَهُ بالحُجَجِ والبَيِّنَاتِ، ويَكْشِفُ عَنْ وَجْهِ الحُكْمِ باسْتِحْضَارِ عِلَّتِهِ، ويَعْتَرِضُ عَلَى دَلِيلِ الخَصْمِ ويَنْقُضُهُ، حَتَّى تَتَرَاءَى وِجْهَةُ نَظَرِهِ كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ، فلا يَسَعُ الخَصْمَ إلاَّ التَّسْلِيمُ لَهُ واتِّبَاعُ رَأيِهِ. قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: « نَاظَرَنِي عُمَرُ فِي بَيْعِ أمَّهَاتِ الأوْلادِ. فَقُلْتُ: يُبَعْنَ. وقَالَ: لا يُبَعْنَ. فَلَمْ يَزَلْ يُرَاجِعُنِي حَتَّى قُلْتُ بقَوْلِهِ، فَقَضَى بِهِ حَيَاتَهُ...»(642) .

وسَلَكَ مَسَالِكَ عِدَّةً، مِنْهَا:

التَّثَبُّتُ مِنَ الدَّلِيلِ كحُجَّةٍ مُلْزِمَةٍ:

تَغَلْغَلَتْ فَضِيلَةُ الصِّدْقِ فِي ذَاتِ عُمَرَ، ونَفَرَ طَبْعُهُ الشَّفَّافُ مِنَ الكَذِبِ ومَا يُشْبِهُ الكَذِبَ. فَلَمْ يَسَعْهُ إلاَّ التَّيَقُّظُ فِي الرِّوَايَةِ والتَّشَدُّدُ فِي التَّحْدِيثِ، خَشْيَةَ الوُقُوعِ فِي مَغَبَّةِ الكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وجَاءَتْ أخْبَارٌ تُظْهِرُ مَدَى اسْتِيثَاقِهِ فِي نَقْلِ السُّنَّةِ، إنْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أوْ بَعْدَ وَفَاتِهِ.

فَمِنْ أمْثِلَةِ تَوَثُّقِهِ للسُّنَّةِ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مَا وَرَدَ مِنْ حَدِيثِهِ فِي اعْتِزَالِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ، ومَا شَاعَ حِينَهَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ أنَّهُ طَلَّقَهُنَّ! فَجَاءَ عُمَرُ يَسْتَأذِنُ عَلَيْهِ، ليَسْتَثْبِتَهُ عَنِ الخَبَرِ.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قَالَ: أطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ صلى الله عليه وسلم: «لا». فكَبَّرَ عُمَرُ، وقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي دَخَلْتُ المَسْجِدَ والمُسْلِمُونَ يَنْكِتُونَ بالحَصَى، يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نِسَاءَهُ! أفَأنْزِلُ فَأخْبِرُهُم أنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَالَ: «نَعَمْ، إنْ شِئْتَ»(643) .

أمَّا بَعْدَ وَفَاتِهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَدِ ازْدَادَ شُعُورُ عُمَرَ بضَرُورَةِ التَّوَثُّقِ للسُّنَّةِ، إذْ لا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ إلَى أصْلِهَا ومَعْدَنِهَا، بَعْدَ أنْ فُقِدَ شَخْصُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم! فَسَنَّ للمُحَدِّثِينَ التَّثَبُّتَ فِي النَّقْلِ(644) ، ونَقَدَ الحَدِيثَ سَنَدًا ومَتْنًا. ففَتَّشَ عَنِ الرِّجَالِ، واشْتَغَلَ بالجَرْحِ والتَّعْدِيلِ، وعَنِيَ بالبَحْثِ عَنْ حَالِ الرَّاوِي وصِفَاتِهِ، واشْتَرَطَ العَدَالَةَ فِي قَبُولِ الرِّوَايَةِ.

فَعَدَّلَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رضي الله عنه حِينَ قَالَ لَهُ: «أنْتَ عِنْدَنَا العَدْلُ الرِّضَا، فَمَاذَا سَمِعْتَ؟»(645) ووَثَّقَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، إذَ قَالَ فِيهِ: «أنْتَ رَجُلٌ عِنْدَكَ عِلْمٌ وقُرْآنٌ، فاقْرَأ وعَلِّمْ مِمَّا عَلَّمَكَ اللهُ ورَسُولُهُ صلى الله عليه وسلم.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

(وفِي رِوَايَةٍ: قَدْ جَعَلَ اللهُ عِنْدَكَ عِلْمًا، فَأقْرِئِ النَّاسَ وحَدِّثْهُم)»(646)

ثُمَّ تَجِدُهُ يُقَوِّمُ الحَدِيثَ فَوْرَ سَمَاعِهِ، ويُصَوِّبُ رَاوِيَهُ، ويُصَحِّحُ لَهُ، فَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ رضي الله عنه(647) قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «اثْنَا عَشَرَ قَيِّمًا مِنْ قُرَيْشٍ، لا تَضُرُّهُم عَدَاوَةُ مَنْ عَادَاهُم». فَالتَفَتُّ خَلْفِي، فَإذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وأبِي(648) فِي أُنَاسٍ، فَأثْبَتُوا لِيَ الحَدِيثَ كَمَا سَمِعْتُ»(649) .

ولَمَّا سَمِعَ مَنْ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: «تَظْهَرُ الفِتَنُ...

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويُرْفَعُ العِلْمُ»، قَالَ عُمَرُ: «أمَا إنَّهُ لَيْسَ يُنْزَعُ مِنْ صُدُورِ العُلَمَاءِ، ولَكِنْ يَذْهَبُ العُلَمَاءُ»(650)

مَنْعُ اعْتِبَارِ الدَّلِيلِ دَلِيلاً:

كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ رضي الله عنها(651) تَجْزِمُ بِإسْقَاطِ سُكْنَى البَائِنِ ونَفَقَتِهَا، وتَسْتَدِلُّ لِذَلِكَ برِوَايَتِهَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي المُطَلَّقَةِ ثَلاثًا: «لَيْسَ لَهَا سُكْنَى، ولا نَفَقَةٌ»(652) .

فَرَفَضَ عُمَرُ قَوْلَهَا، ومَنَعَ مِنِ اعْتِبَارِ رِوَايَتِهَا دَلِيلاً، وقَالَ: «لا نَتْرُكُ كِتَابَ اللهِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وسُنَّةَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم لقَوْلِ امْرَأةٍ؛ لا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أوْ نَسِيَتْ. لَهَا السُّكْنَى والنَّفَقَةُ، قَالَ اللهُ عز وجل: ﴿ۖ لا تُخرِجوهُنَّ مِن بُيوتِهِنَّ وَلا يَخرُجنَ إِلّا أَن يَأتينَ بِفاحِشَةٍ﴾(653)(654)

أرَادَ عُمَرُ بِسُنَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أحْكَامُهُ مِنِ اتِّبَاعِ كِتَابِ اللهِ. لا أنَّهُ أرَادَ سُنَّةً مَخْصُوصَةً فِي هَذَا الباب. ولَقَدْ كَانَ الحَقُّ يَنْطِقُ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ؛ فَإنَّ تَخَوُّفَهُ صَادَفَ مَحِلَّهُ، وهُوَ قَوْلَهُ: «لا نَدْرِي حَفِظَتْ أوْ نَسِيَتْ»، حَيْثُ ظَهَرَ مِصْدَاقُهُ فِي أنَّ فَاطِمَةَ أطْلَقَتْ فِي مَوْضِعِ التَّقْيِيدِ، أوْ أنَّهَا عَمَّمَتْ فِي مَوْضِعِ التَّخْصِيصِ(655) .

دلَّ عَلَيْهِ قَوْلُ عَائِشَةَ: «إنَّ فَاطِمَةَ كَانَتْ فِي مَكَانٍ وَحْشٍ(656) فَخِيفَ عَلَى نَاحِيَتِهَا، فَلِذَلِكَ أرْخَصَ لَهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم»(657) بَلْ صَرَّحَتْ بهِ فَاطِمَةُ نَفْسُهَا حِينَ قَالَتْ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ زَوْجِي طَلَّقَنِي

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثَلاثًا؛ فَأخَافُ أنْ يُقْتَحَمَ عَلَيَّ! فَأمَرَهَا فَتَحَوَّلَتْ»(658)

وأمِيرُ المُؤْمِنِينَ إذْ أعْرَبَ عَمَّا يَخْتَلِجُ فِي فِكْرِهِ، فَإنَّهُ عَمِلَ بمُوجِبِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ۚ وَاستَشهِدوا شَهيدَينِ مِن رِجالِكُم ۖ فَإِن لَم يَكونا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامرَأَتانِ مِمَّن تَرضَونَ مِنَ الشُّهَداءِ أَن تَضِلَّ إِحداهُما فَتُذَكِّرَ إِحداهُمَا﴾(659) . إذْ رَآهَا قَدِ انْفَرَدَتْ فِي مَسْألَةٍ احْتَاجَتْ فِيهَا إلَى مَنْ يَدْعَمُهَا!

قَلْبُ الدَّلِيلِ عَلَى صَاحِبِهِ:

نَاظَرَ أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ (ت18هـ) رضي الله عنه عُمَرَ فِي أمْرِهِ بالرُّجُوعِ مِنْ بِلادِ الشَّامِ، حِينَ نُمِيَ إلَيْهِ وُجُودُ الطَّاعُونِ فِيهَا! فقَالَ: أفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللهِ؟ قَالَ عُمَرُ –وكَانَ يَكْرَهُ خِلافَهُ–: «لَوْ(660) غَيْرُكَ قَالَهَا، يَا أبَا

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عُبَيْدَةَ. نَعَمْ، نَفِرُّ(661) مِنْ قَدَرِ اللهِ إلَى قَدَرِ اللهِ(662)

أرَأيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ(663) ، إحْدَاهُمَا خَصْبَةٌ، والأُخْرَى جَدْبَةٌ(664) ، ألَيْسَ إنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ، وإنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ»(665) ؟

فَلَمَّا اسْتَظْهَرَ عَلَيْهِ عُمَرُ بِالْحُجَّةِ تَبِعَهُ.

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ذَكَرَ لَهُ عُمَرُ دَلِيلاً وَاضِحًا مِنَ القِيَاسِ الجَلِيِّ الَّذِى لا شَكَّ فِى صِحَّتِهِ. ولَيْسَ ذَلِكَ اعْتِقَادًا مِنْهُ أنَّ الرُّجُوعَ يَرُدُّ المَقْدُورَ! وإنَّمَا مَعْنَاهُ: أنَّ اللهَ تَعَالَى أمَرَ بالاحْتِيَاطِ والْحَزْمِ ومُجَانَبَةِ أسْبَابِ الهَلاكِ، كَمَا أمَرَ بالتَّحَصُّنِ مِنْ سِلاحِ العَدُوِّ وتَجَنُّبِ المَهَالِكِ. وإنْ كَانَ كُلٌّ وَاقِعًا؛ فبِقَضَاءِ اللهِ وقَدَرِهُ السَّابِقِ فِي عِلْمِهِ.

وقَاسَ عُمَرُ عَلَى رَعْيِ الْعُدْوَتَيْنِ، لكَوْنِهِ وَاضِحًا لا يُنَازِعُ فِيهِ أحَدٌ، مَعَ مُسَاوَاتِهِ لِمَسْألَةِ النِّزَاعِ(666) .

ورُبَّ سَائِلٍ يُشْكِلُ، فيَقُولُ: إذَا كَانَ أحَدٌ لا يَمُوتُ إلاَّ بحُضُورِ أجَلِهِ، لا يَتَقَدَّمُ ولا يَتَأخَّرُ، فَمَا وَجْهُ النَّهْيِ عَنِ الدُّخُولِ والخُرُوجِ؟

والجَوَابُ: أنَّهُ لَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ إلاَّ حَذَرًا مِنْ أنْ يَظُنَّ: أنَّ هَلاكَهُ كَانَ مِنْ أجْلِ قُدُومِهِ عَلَيْهِ، وأنَّ سَلامَتَهُ كَانَتْ مِنْ أجْلِ خُرُوجِهِ! فَنَهَى عَنِ الدُّنُوِّ، كَمَا نَهَى عَنِ الدُّنُوِّ مِنَ المَجْذُومِ مَعَ عِلْمِهِ بأنَّهُ لا عَدْوَى(667) .

تَبْدِيدُ شُبْهَةِ الخَصْمِ بإلْزَامِهِ الدَّلِيلَ:

نَاظَرَ عُمَرُ عَامِلَهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ السَّعْدِيِّ(668) فِي رَفْضِهِ أخْذَ الأجْرَةِ،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عَلَى مَا يُؤَدِّيهِ للدَّوْلَةِ مِنْ خِدْمَةٍ، بِدَاعِي أنَّهُ مُسْتَغْنٍ! فَقَالَ عُمَرُ:

«أَلَمْ أُحَدَّثْ أنَّكَ تَلِي مِنْ أعْمَالِ النَّاسِ أعْمَالاً، فَإذَا أُعْطِيتَ العُمَالَةَ(669) كَرِهْتَهَا؟! فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ عُمَرُ: فَمَا تُرِيدُ إلَى ذَلِكَ؟! قُلْتُ: إنَّ لِي أفْرَاسًا وأعْبُدًا، وأنَا بخَيْرٍ. وأُرِيدُ أنْ تَكُونَ عُمَالَتِي صَدَقَةً عَلَى المُسْلِمِينَ.

قَالَ عُمَرُ: لا تَفْعَلْ؛ فَإنِّي كُنْتُ أرَدْتُ الَّذِي أرَدْتَ، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُعْطِينِي العَطَاءَ، فَأقُولُ: أَعْطِهِ أفْقَرَ إلَيْهِ مِنِّي. حَتَّى أعْطَانِي مَرَّةً مَالاً، فَقُلْتُ: أَعْطِهِ أفْقَرَ إلَيْهِ مِنِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «خُذْهُ، فَتَمَوَّلْهُ، وتَصَدَّقْ بِهِ، فَمَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ وأنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ ولاَ سَائِلٍ فَخُذْهُ، وإلاَّ فَلاَ تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ»(670) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
سَابِعًا: الاسْتِنَادُ إلَى المَعَانِي العَامَّةِ ومُطْلَقِ المُنَاسَبَاتِ:

نَهَجَ عُمَرُ فِي اجْتِهَادَاتِهِ طَرِيقًا، قِوَامُهَا: المَزْجُ بَيْنَ الحُكْمِ وحِكْمَتِهِ، مُرَاعِيًا نَظَرِيَّةَ العَدْلِ والمَصْلَحَةِ. فتَوَسَّطَ مَعَانِيَ الشَّرِيعَةِ واعْتِبَارَاتِهَا، القَائِمَةَ عَلَى جَلْبِ المَصْلَحَةِ ودَفْعِ المَفْسَدَةِ، بِغَضِّ النَّظَرِ إنْ كَانَ مَرَدُّ اجْتِهَادِهِ إلَى الاسْتِحْسَانِ، أوِ الاسْتِصْلاحِ، أو سَدِّ الذَّرِيعَةِ، وغَيْرِ ذَلِكَ.

مِنْ خِلالِ التَّأمُّلِ فِي ضُرُوبِ المَعَانِي الَّتِي اسْتَنَدَ إلَيْهَا الفَارُوقُ فِي اجْتِهَادِهِ، نَرَاهَا تَرْجِعُ إلَى نَوْعَيْنِ اثْنَيْنِ، هُمَا:

النَّوْعُ الأوَّلُ: المَعَانِي المَنْصُوصَةُ:

يُقْصَدُ بِهَا: المُنَاسَبَاتُ المَعْقُولَةُ، الَّتِي رَتَّبَ الشَّارِعُ الأحْكَامَ عَلَى وَفْقِهَا. فَإذَا اسْتَجَدَّتْ لَهُ مَسْألَةٌ لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ، ولا يَشْمَلُهَا أصْلٌ مُتَقَرَّرٌ، عَادَ إلَيْهَا بالاعْتِبَارِ.

مِنْ شَوَاهِدِ هَذَا النَّوْعِ:

مَنْعُ القِصَاصِ إذَا اخْتَلَفَ الأوْلِيَاءُ:

ذَهَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ إلَى مَنْعِ إجْرَاءِ الحُكْمِ بالقِصَاصِ مِنَ القَاتِلِ، إذَا عَفَا أوْلِيَاءُ الدَّمِ، وتَمَسَّكَ بَعْضُهُم بالحَدِّ. وقَالَ مُعْتَرِضًا بَيْنَ يَدَيْ عُمَرَ عَلَى مَنْ أفْتَى بالحُكْمِ سَلْبًا، مُحْتَجًّا بأنْ لَيْسَ للبَاقِينَ حَقٌّ فِي القِصَاصِ: «كَانَتِ النَّفْسُ لَهُم جَمِيعًا. فَلَمَّا عَفَا هَذَا؛ أحْيَا النَّفْسَ. فَلا يَسْتَطِيعُ أنْ

يَأخُذَ حَقَّهُ –يَعْنِي: الَّذِي لَمْ يَعْفُ- حَتَّى يَأخُذَ غَيْرُهُ».

قَالَ عُمَرُ: «فَمَا تَرَى؟». قَالَ: «أرَى أنْ تَجْعَلَ الدِّيَةَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ، وتَرْفَعَ حِصَّةَ الَّذِي عَفَا». فَأمْضَاهُ عُمَرُ، وقال: «وأنَا أرَى ذَلِكَ»(671) .

فَأنْتَ تَرَى أنَّ عُمَرَ عَمَدَ فِي مَا أشَارَ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ إلَى مَعْنًى عَامٍّ، قَرَّرَتْهُ تَشْرِيعَاتُ العُقُوبَاتِ، وهُوَ: اسْتِشْرَافُ الشَّارِعِ إحْيَاءَ النَّفْسِ والحِفَاظَ عَلَيْهَا.

النَّوْعُ الثَّانِي: المَعَانِي غَيْرُ المَنْصُوصَةِ:

يُرَادُ بِهَا: مَا اسْتَقَرَّ فِي الجِبِلاَّتِ والفِطَرِ مِنَ المُنَاسَبَاتِ المُطْلَقَةِ، الَّتِي تَشْهَدُ لَهَا العُقُولُ السَّلِيمَةُ بالوَجَاهَةِ والقَبُولِ، مَعَ مُوَافَقَتِهَا المَعَانِيَ المَنْصُوصَةَ فِي رُوحِهَا وغَايَتِهَا. وتَرْجِعُ فِي الغَالِبِ إلَى مَصْلَحَةٍ مُرْسَلَةٍ، أوْ مُقْتَضَيَاتِ الفِطَرِ السَّوِيَّةِ، حَيْثُ لا نَصٌّ مُعَيَّنٌ لَهَا يَشْهَدُ عَلَى اعْتِبَارِهَا، ولَيْسَ لَهَا أشْبَاهٌ فِي بَابِهَا يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَيْهَا(672) .

مِنْ شَوَاهِدِ هَذَا النَّوْعِ:

التَّصَرُّفُ بمَنْفَعَةٍ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فِي أرْضٍ مَمْلُوكَةٍ:

مِنْ مَبَادِئِ الشَّرِيعَةِ الغَرَّاءِ أنَّهَا لا تَغْفُلُ جَانِبَ الأخْلاقِ فِي التَّشْرِيعِ العَامِّ. تَأسِيسًا عَلَيْهِ، فَقَدْ طَلَبَتْ إلَى الجَارِ إسْدَاءَ الخَيْرِ والمَعُونَةِ لجَارِهِ، بِمَا يَسْتَحِقُّهُ الوَاحِدُ مِنَ الآخَرِ طَرْدًا وعَكْسًا.

هَذَا مَا يَرْسُمُهُ الإمَامُ الغَزَالِيُّ أدَبًا عَامًّا، فيَقُولُ: «الجِوَارُ يَقْضِي حَقًّا وَرَاءَ مَا تَقْتَضِيهِ أُخُوَّةُ الإسْلامِ، فيَسْتَحِقُّ الجَارُ المُسْلِمُ مَا يَسْتَحِقُّهُ كُلُّ مُسْلِمٍ وزِيَادَةٌ»(673) .

ويَقُولُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: «لَيْسَ حَقُّ الجِوَارِ كَفَّ الأذَى فَقَطْ، بَلِ احْتِمَالُ الأذَى... ولا يَكْفِي احْتِمَالُ الأذَى، بَلْ لا بُدَّ مِنَ الرِّفْقِ وإسْدَاءِ الخَيْرِ والمَعْرُوفِ»(674) .

فِي ضَوْئِهِ، يُمْكِنُ أنْ نَفْهَمَ تَصَرُّفَ الخَلِيفَةِ مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ رضي الله عنه(675) وقَدْ سَاقَ الضَّحَّاكُ بْنُ خَلِيفَةَ رضي الله عنه(676) خَلِيجًا لَهُ فِي أرْضِهِ،

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَأبَى مُحَمَّدٌ!

فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاكُ: لِمَ تَمْنَعُنِي، وهُوَ لَكَ مَنْفَعَةٌ تَشْرَبُ بِهِ أوَّلاً وآخِرًا، ولا يَضُرُّكَ؟ فَأبَى مُحَمَّدٌ! فَكَلَّمَ فِيهِ عُمَرَ. فَدَعَاهُ، فَأمَرَهُ أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَهُ. فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لا!

فَقَالَ عُمَرُ: «لِمَ تَمْنَعُ أخَاكَ مَا يَنْفَعُهُ، وهُوَ لَكَ نَافِعٌ، تَسْقِي بِهِ أوَّلاً وآخِرًا، وهُوَ لا يَضُرُّكَ؟!». فَقَالَ مُحَمَّدٌ: لا، واللهِ. فَقَالَ عُمَرُ: «واللهِ لَيَمُرَّنَّ بِهِ، ولَوْ عَلَى بَطْنِكَ». فَأمَرَهُ عُمَرُ أنْ يَمُرَّ بِهِ، فَفَعَلَ الضَّحَّاكُ(677) .

اسْتَنَدَ عُمَرُ هُنَا إلَى مَعْنًى عَامٍّ، وهُوَ: أنَّ إمْرَارَ خَلِيجٍ صَغِيرٍ فِي أرْضٍ مَمْلُوكَةٍ، لا يُشَكِّلُ ضَرَرًا مُعْتَبَرًا عَلَى صَاحِبِهَا، ولا هُوَ إنْقَاصٌ مِنْ مِلْكِيَّتِهِ، طَالَمَا أنَّهُ يَنْفَعُ غَيْرَهُ دُونَ أنْ يَتَسَبَّبَ بِأيِّ عُدْوَانٍ عَلَيْهِ.

ولَيْسَ فِي هَذَا خَرْقٌ لِقَاعِدَةِ: «حُرِّيَّةِ التَّصَرُّفِ فِي المِلْكِيَّةِ الخَاصَّةِ»(678) الَّتِي قَرَّرَهَا حَدِيثُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «لا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ إلاَّ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ»(679)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بَلْ هُوَ تَحْوِيلٌ للإحْسَانِ والفَضْلِ إلَى تَشْرِيعٍ مُلْزِمٍ حَيْثُ وُجِدَ المُقْتَضِي(680) بِدَلالَةِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ«(681)

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «فَحَمَلَ عُمَرُ الأمْرَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وعَدَّاهُ إلَى كُلِّ مَا يَحْتَاجُ الجَارُ إلَى الانْتِفَاعِ بِهِ مِنْ دَارِ جَارِهِ وأرْضِهِ»(682) .

وفِي هَذَا التَّصَرُّفِ اجْتِهَادٌ تَطْبِيقِيٌّ، لجِهَةِ التَّنْسِيقِ بَيْنَ مُقْتَضَيَاتِ الأحْكَامِ الأصْلِيَّةِ والاقْتِضَاءَاتِ التَّبَعِيَّةِ، عَنْ طَرِيقِ اسْتِحْدَاثِ قُيُودٍ تُضْبَطُ بِهَا الحُقُوقُ والإبَاحَاتُ، عَلَى نَحْوٍ يَحُدُّ مِنْ إطْلاقِهَا، مُحَافَظَةً عَلَى المَقْصَدِ التَّشْرِيعِيِّ، ألاَّ يُفَوِّتَهُ تَعَنُّتُ مُتَسَتِّرٍ بالإجْرَاءِ العَامِّ، دُونَ الْتِفَاتٍ إلَى انْتِظَامِ المَصَالِحِ العَامَّةِ فِي المُجْتَمَعِ!

حُكْمُهُ فِي مُمْتَدَّةِ الطُّهْرِ:

ذَهَبَ عُمَرُ إلَى أنَّ المَرْأةَ إنْ طُلِّقَتْ فحَاضَتْ، ثُمَّ انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ ولَمْ تَسْتَوْفِ عِدَّتَهَا: أنْ تَنْتَظِرَ تِسْعَةَ أشْهُرٍ. فَإذَا لَمْ يَظْهَرْ حَمْلٌ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

اعْتَدَّتْ بثَلاثَةِ أشْهُرٍ. قَالَ: «أيُّمَا امْرَأةٍ طُلِّقَتْ فَحَاضَتْ حَيْضَةً أوْ حَيْضَتَيْنِ، ثُمَّ رَفَعَتْهَا حَيْضَتُهَا، فإنَّهَا تَنْتَظِرُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ، فإنْ بَانَ حَمْلٌ فَذَلِكَ، وإلاَّ اعْتَدَّتْ بَعْدَ التِّسْعَةِ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ، ثُمَّ حَلَّتْ»(683)

فهَذِهِ الشَّوَاهِدُ – كَمَا تَرَى- اسْتَنَدَ فِيهَا اجْتِهَادُ عُمَرَ لِتَقْوِيَةِ رِأيِهِ، إلَى المَعَانِي الَّتِي شَهِدَتْ لَهَا عُمُومَاتٌ فِي التَّشْرِيعِ.

كَانَ هَذَا الأمْرُ مُنْضَبِطًا فِي مَلَكَتِهِ الاجْتِهَادِيَّةِ، حَتَّى إذَا ذَهَلَ عَنْهُ عَادَ إلَيْهِ مَعَ أقْرَبِ مُنَاسَبَةٍ أوْ تَذْكِيرٍ. كَمَا هُوَ الحَاصِلُ فِي قَضِيَّةِ قَتْلِ الجَمَاعَةِ بالوَاحِدِ، حِينَ قَالَ لَهُ عَلِيٌّ رضي الله عنه:

«أرَأيْتَ لَوْ أنَّ نَفَرًا اشْتَرَكُوا فِي سَرِقَةِ جَزُورٍ؛ فَأخَذَ هَذَا عُضْوًا، وهَذَا عُضْوًا، أكُنْتَ قَاطِعَهُم؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فذَلِكَ». حِينَ اسْتَمْدَحَ لَهُ الرَّأيُ (وفِي رِوَايَةٍ: حِينَ اسْتَهْرَجَ(684) لَهُ الرَّأيُ)(685) فقَوِيَ عَزْمُ عُمَرَ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأمْضَاهُ، وكَتَبَ: «لَوِ اشْتَرَكَ فِيهَا(686) أهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُم»(687)

المَطْلَبُ الثَّانِي: رَوَافِدُ الاجْتِهَادِ لَدَى عُمَرَ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أوَّلاً: مُعَاصَرَةُ الوَحْيِ تَنَزُّلاً وتَطْبِيقًا:

أهَمِّيَّةُ مُعَاصَرَةِ الوَحْيِ:

لِمُعَاصَرَةِ الوَحْيِ يَتَنَزَّلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ تَطْبِيقِهِ مِنْ قِبَلِهِ، أوْ مَنْ يَأذَنُ لَهُ، أهَمِّيَّةٌ بَالِغَةٌ فِي تَكْوِينِ مَلَكَةٍ اجْتِهَادِيَّةٍ عَظِيمَةِ المَنَالِ، مِنْ شَأنِهَا أنْ تَمْلأَ النَّفْسَ مَعْرِفَةً وإحَاطَةً بأسَالِيبِ الاجْتِهَادِ الصَّحِيحِ، لأنَّ مُعَايَشَةَ البِيئَةِ والنَّاسِ لَهَا دَوْرٌ فِي الإلْمَامِ بخَصَائِصِهَا ومُقْتَضَيَاتِهَا ودَخَائِلِ شُؤُونِهَا.

أعْرَبَ عَنْ هَذِهِ الحَقِيقَةِ العِزُّ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ (ت660هـ) رحمه الله(688)

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فِي قَوْلِهِ: «مَنْ تَتَبَّعَ مَقَاصِدَ الشَّرْعِ فِي جَلْبِ المَصَالِحِ ودَرْءِ المَفاسدِ، حَصَلَ لَهُ مِنْ مَجمُوعِ ذَلِكَ اعْتِقَادٌ أوْ عِرفَانٌ بأنَّ هَذِهِ المَصْلَحةَ لا يَجُوزُ إهْمَالُهَا، وأنَّ هَذِهِ المَفْسَدَةَ لا يَجُوزُ قُرْبَانُهَا، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إجْمَاعٌ ولا نَصٌّ ولا قِيَاسٌ خَاصٌّ؛ فإنَّ فَهْمَ نَفْسِ الشَّرْعِ يُوجِبُ ذَلِكَ.

ومِثْلُ ذَلِكَ أنَّ مَنْ عَاشَرَ إنسَانًا مِنَ الفُضَلاءِ الحُكَماءِ العُقلاءِ، وفَهِمَ مَا يُؤْثِرُهُ ويَكْرَهُهُ فِي كُلِّ وِرْدٍ وصَدْرٍ، ثُمَّ سَنَحَتْ لَهُ مَصْلَحَةٌ أو مَفْسَدَةٌ، لَمْ يَعْرِفْ قَوْلَهُ؛ فإنَّهُ يَعْرِفُ بمَجمُوعِ مَا عَهِدَهُ مِنْ طَرِيقَتِهِ، وألِفَه مِنْ عَادَتِهِ، أنَّهُ يُؤْثِرُ تِلْكَ المَصْلَحَةَ، ويَكْرَهُ تِلْكَ المَفْسَدَةَ»(689) .

إفَادَتُهُ مِنْ مُعَاصَرَةِ الوَحْيِ:

عَايَشَ عُمَرُ التَّنْزِيلَ، فِي فَتْرَتَيْهِ المَكِّيَّةِ والمَدَنِيَّةِ، وأحَاطَ بأسْبَابِ النُّزُولِ، ومَعْرِفَةِ الوُرُودِ، وصَحِبَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي حِلِّهِ وتَرْحَالِهِ، وتَقلَّبَ مَعَهُ فِي أحْوَالِ يُسْرِهِ وعُسْرِهِ، وشَهِدَ مَعَهُ الحُرُوبَ والمَعَارِكَ... فتَأهَّلَ بذَلِكَ للاجْتِهَادِ، وفَهْمِ مَنَاهِجِهِ وطَرَائِقِهِ، فوَرِثَ ذَوْقًا فقْهيًّا، وغَوْصًا عَلَى مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وأهْدَافِهَا الكُلِّيَّةِ والجُزْئِيَّةِ، وبَصِيرَةً نَافِذَةً بعِلَلِ الأحْكَامِ وشَرَائِعِهَا.

قَالَ أبُو بَكْرٍ الجَصَّاصُ (ت370هـ) رحمه الله(690) «مَنْ شَاهَدَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كَانَ يَعْلَمُ مُرَادَهُ ضَرُورَةً لخِطَابِهِ، لمُقَارَنَةِ الأحْوَالِ المُوجِبَةِ لذَلِكَ»(691)

مِنْ شَوَاهِدِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ:

قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا إِذا قُمتُم إِلَى الصَّلاةِ فَاغسِلوا﴾ الآيةَ(692) . فالمُتَبَادَرُ مِنْ ظَاهِرِ النَّصِّ إيجَابُ الطَّهَارَةِ لِكُلِّ صَلاةٍ، لإفَادَتِهِ عُمُومَ القِيَامِ إلَيْهَا فِي جَمِيعِ الأحْوَالِ!

لَكِنَّ المُعَاصَرَةَ الحَيَّةَ للرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم، والمُرَاقَبَةَ المُبَاشِرَةَ لأفْعَالِهِ، دَلَّتْ عَلَى تَقْيِيدِ هَذَا القِيَامِ – الَّذِي خُوطِبَ أهْلُهُ بالطَّهَارَةِ- بالتَّلَبُّسِ بالحَدَثِ. فَقَدْ وَرَدَ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم «صَلَّى الصَّلَوَاتِ يَوْمَ الفَتْحِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ، ومَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ». فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ صَنَعْتَ اليَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ! قَالَ: «عَمْدًا صَنَعْتُهُ، يَا عُمَرُ»(693) .

وذِكْرُ التَّارِيخِ مُفْصِحٌ عَنْ كَوْنِهِ جَاءَ مُتَأخِّرًا، لَمْ يَنْسَخْهُ شَيْءٌ.

وهَذَا مَا يُسَمِّيهِ الشَّاهُ الدِّهْلَوِيُّ (ت1176هـ) رحمه الله(694) «التَّلَقِّي دَلالَةً»، فِي حَدِيثِهِ عَنْ كَيْفِيَّةِ تَلَقِّي الأمَّةِ الشَّرْعَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. يَقُولُ: «كَانَ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يتَوَضَّأُ، فَيَرَى الصَّحَابَةُ وُضُوءَهُ، فيَأخُذُونَ بِهِ، مِنْ غَيْرِ أنْ يُبَيِّنَ أنَّ هَذَا رُكْنٌ وذَلِكَ أدَبٌ. وكَانَ يُصَلِّي، فيَرَوْنَ صَلاتَهُ، فيُصَلُّونَ كَمَا رَأوْهُ يُصَلِّي. وحَجَّ، فرَمَقَ النَّاسُ حَجَّهُ، ففَعَلُوا كَمَا فَعَلَ. فهَذَا كَانَ غَالِبَ حَالِهِ صلى الله عليه وسلم. ولَمْ يُبَيِّنْ أنَّ فُرُوضَ الوُضُوءِ سِتَّةٌ أوْ أرْبَعَةٌ. ولَمْ يَفْرِضْ أنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يتَوَضَّأَ إنْسَانٌ بغَيْرِ مُوَالاةٍ حَتَّى يَحْكُمَ عَلَيْهِ بالصِّحَّةِ أوِ الفَسَادِ، إلاَّ مَا شَاءَ اللهُ، وقَلَّمَا كَانُوا يَسْألُونَهُ عَنْ هَذِهِ الأشْيَاءِ»(695)

شَهَادَةُ الوَحْيِ عَلَى هَذِهِ الإفَادَةِ:

بَلَغَتْ كَفَاءَةُ المَلَكَةِ الاجْتِهَادِيَّةِ لَدَى عُمَرَ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ مُوَافِقًا لاجْتِهَادَاتِهِ(696) بَعْدَ أنْ صَدَرَتْ مِنْهُ فِي مَوَاقِعَ عَدِيدَةٍ، كَمَا فِي قِصَّةِ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أسْرَى بَدْرٍ، واتِّخَاذِ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، والحِجَابِ، وتَرْكِ الصَّلاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ... مَا يُعَدُّ بمَثَابَةِ شَهَادَةٍ عَظِيمَةٍ لَهُ ببُلُوغِهِ ذُرْوَةَ الاجْتِهَادِ التَّشْرِيعِيِّ وامْتِلاكِهِ الفِكْرَ الأصُولِيَّ، واجْتِيَازِ حَدِّ النُّضْجِ بمَرَاحِلَ، جَعَلَتْ مِنْ نَقَاءِ بَصِيرَتِهِ فَصْلاً للتَّفْرِقَةِ بَيْنَ صَحِيحِ الاجْتِهَادِ وخَطَئِهِ(697)

النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُومِضُ لِعُمَرَ:

اعْتَمَدَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أسْلُوبَ التَّرَقِّي بصَحَابَتِهِ، فدَرَّبَهُم عَلَى الاجْتِهَادِ، وبَيَّنَ لَهُم طُرُقَ الاسْتِدْلالِ. ثُمَّ لَمْ يَكْتَفِ بذَلِكَ، بَلْ جَاوَزَ إلَى سَنِّ الأحْكَامِ لَهُم مَقْرُونَةً بعِلَلِهَا، مُتَّصِلَةً بإظْهَارِ السِّرِّ فِيهَا، حَتَّى تَعَلَّمَ عُمَرُ فُنُونَ القِيَاسِ الصَّحِيحِ، واسْتِنْطَاقِ العِلَلِ واسْتِخْرَاجِهَا.

قَالَ عُمَرُ: هَشِشْتُ(698) يَوْمًا، فَقَبَّلْتُ وأنَا صَائِمٌ... فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أرَأيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ وأنْتَ صَائِمٌ؟ «قُلْتُ: لا بَأْسَ بِذَلِكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «فَفِيمَ؟»(699) .

وَجْهُ الدَّلالَةِ أنَّ فِي المَضْمَضَةِ بالمَاءِ ذَرِيعَةً لِنُزُولِهِ إلى الحَلْقِ ووُصُولِهِ إلَى الجَوْفِ، فيَكُونُ بِهِ فَسَادُ الصَّوْمِ، كَمَا أنَّ القُبْلَةَ ذَرِيعَةٌ إلَى الجِمَاعِ المُفْسِدِ للصَّوْمِ. فَإذَا كَانَ أحَدُ الأمْرَينِ مَنْهُمَا غَيْرَ مُفْطِرٍ للصَّائِمِ فَالآخَرُ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بمَثَابَتِهِ(700)

ويُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ:

إثْبَاتُ القِيَاسِ، والجَمْعُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ فِي الحُكْمِ الوَاحِدِ، لاجْتِمَاعِهِمَا فِي الشَّبَهِ.

ثَانِيًا: مُشَارَكَتُهُ التَّطْبِيقَ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ:

أحْكَمَتْ مُشَارَكَةُ عُمَرَ للنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي تَنْفِيذِ الأحْكَامِ مَلَكَتَهُ، وأغْنَتْ مَوَاهِبَهُ. واتَّخَذَتْ صُوَرًا شَتَّى، كَانَ لَهَا أثَرٌ بَالِغٌ فِي مَا انْتَهَى إلَيْهِ مِنْ نُضْجٍ فِقْهِيٍّ، وجَوْدَةِ رَأيٍ. بَلْ كَشَفَ الوَحْيُ عَنْ إصَابَةِ عُمَرَ فِي غَيْرِ مَا مُنَاسَبَةٍ اجْتَهَدَ فِيهَا بمَحْضَرٍ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فيَنْزِلُ القُرْآنُ مُوَافِقًا لرَأيِهِ.

مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ:

مَوْقِفُهُ مِنَ الصَّلاةِ عَلَى المُنَافِقِينَ:

عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ(701) جَاءَ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ(702) إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَسَألَهُ أنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ لِيُكَفِّنَ بِهِ أبَاهُ، فَأعْطَاهُ! ثُمَّ سَألَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ!

فَقَامَ عُمَرُ، فَأخَذَ بثَوْبِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهَاكَ اللهُ أنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟!

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّمَا خَيَّرَنِي اللهُ، فَقَالَ: ﴿استَغفِر لَهُم أَو لا تَستَغفِر لَهُم إِن تَستَغفِر لَهُم سَبعينَ مَرَّةً﴾(703) . وسَأزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ».

قَالَ: إنَّهُ مُنَافِقٌ! فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وأنْزَلَ اللهُ عز وجل: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنهُم ماتَ أَبَدًا وَلا تَقُم عَلىٰ قَبرِهِ﴾(704)(705) )( ».

حُكْمُهُ فِي أسْرَى بَدْرٍ:

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

شَاوَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الصَّحَابَةَ فِي أسْرَى بَدْرٍ؛ فِي قَتْلِهِم أوْ فِدَائِهِم. فَأشَارَ عَلَيْهِ عُمَرُ ألاَّ يَأخُذَ الفِدْيَةَ مِنْهُم، ولا يُطْلِقَ سَرَاحَهُم، بَلْ يُعْمِلَ فِيهِمُ السَّيْفَ. بَيْنَمَا ذَهَبَ أبُو بَكْرٍ إلَى قَبُولِ الفِدَاءِ مِنْهُم، ومَالَ إلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

فنَزَلَ القُرْآنُ الكَرِيمُ مُؤَيِّدًا رَأيَ عُمَرَ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الصّابِرينَ ۝٦٦ ما كانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكونَ لَهُ أَسرىٰ حَتّىٰ يُثخِنَ فِي الأَرضِ ۚ تُريدونَ عَرَضَ الدُّنيا وَاللَّهُ يُريدُ الآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزيزٌ حَكيمٌ ۝٦٧ لَولا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُم فيما أَخَذتُم﴾(706) .

رَأيُهُ فِيمَنْ رَدَّ قَضَاءَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم:

اخْتَصَمَ رَجُلانِ إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَضَى بَيْنَهُمَا. فَقَالَ الَّذِي قَضَى عَلَيْهِ: رُدَّنَا إلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ! فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «نَعَمْ، انْطَلِقَا إلَى عُمَرَ». فَلَمَّا أتَيَا عُمَرَ، قَالَ الرَّجُلُ: يَا ابْنَ الخَطَّابِ، قَضَى لِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى هَذَا، فَقَالَ: رُدَّنَا إلَى عُمَرَ. فَرَدَّنَا إلَيْكَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

فَقَالَ عُمَرُ للَّذِي قَضَى عَلَيْهِ: «كَذَاكَ؟». قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَاجْلِسَا مَكَانَكُمَا، حَتَّى أخْرُجَ إلَيْكُمَا فَأقْضِيَ بَيْنَكُمَا». قَالَ: فَدَخَلَ وخَرَجَ إلَيْهِمَا

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مُشْتَمِلاً عَلَى سَيْفِهِ، فَضَرَبَ الَّذِي قَالَ: رُدَّنَا إلَى عُمَرَ، فَقَتَلَهُ. وأدْبَرَ الآخَرُ فَارًّا إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، قَتَلَ عُمَرُ واللهِ- صَاحِبِي، ولَوْ مَا أنِّي أعْجَزْتُهُ؛ لَقَتَلَنِي!

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا كُنْتُ أظُنُّ أنْ يَجْتَرِئَ عُمَرُ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنَيْنِ».

فَأنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤمِنونَ حَتّىٰ يُحَكِّموكَ فيما شَجَرَ بَينَهُم ثُمَّ لا يَجِدوا في أَنفُسِهِم حَرَجًا مِمّا قَضَيتَ وَيُسَلِّموا تَسليمًا﴾(707) . فَهَدَرَ دَمَ ذَلِكَ الرَّجُلِ وبَرِئَ عُمَرُ مِنْ قَتْلِهِ، فلَمْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا فِي الإسْلامِ»(708) .

إنَّ مُبَادَرَةَ عُمَرَ إلى الاجْتِهَادِ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم حَيْثُ لا يَكُونُ وَحْيٌ(709) والمَسْألَةُ مُحْتَمِلَةٌ لِتَقْلِيبِ وُجْهَاتِ النَّظَرِ، وعُمَرُ يَسْتَشْعِرُ عَظَمَةَ المَسْؤُولِيَّةِ، لِجِهَةِ تَبْلِيغِ الأمَانَةِ، انْطِلاقًا مِنْ كَوْنِهَا مَسْؤُولِيَّةً مُشْتَرَكَةً، فَضْلاً

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عَنِ انْدِفَاعِهِ الذَّاتِيِّ، والرَّغْبَةِ الشَّدِيدَةِ فِي إحْقَاقِ الحَقِّ... تَكْشِفُ عَنْ قُدُرَاتٍ إبْدَاعِيَّةٍ، اسْتَطَاعَ عُمَرُ أنْ يُطَوِّعَهَا فِي سَبِيلِ الإسْلامِ وصَالِحِ الإنْسَانِ.

مِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ، شَكَّلَ امْتِثَالُهُ المُبَاشِرُ لِسِلْسِلَةِ التَّكَالِيفِ الجَدِيدَةِ، أظْهَرَ صُوَرِ هَذَا التَّطْبِيقِ، كَمَا يتَّضِحُ لَنَا فِي الوَاقِعَةِ الآتِيَةِ:

تَقْبِيلُ الحَجَرِ الأسْوَدِ:

رُبَّ بَاحِثٍ يَتَسَاءَلُ: ألا يَتَعَارَضُ تَقْبِيلُ عُمَرَ للحَجَرِ الأسْوَدِ مَعَ مَبْدَأ سَدِّ الذَّرَائِعِ، الَّذِي رَسَّخَ العَمَلَ بِهِ، لِجِهَةِ التَّخَوُّفِ مِنِ اتِّخَاذِهِ صَنَمًا يُعْبَدُ؟! ولِمَاذَا لَمْ يَقْتَلِعْهُ مِنْ مَكَانِهِ، كَمَا اقْتَلَعَ شَجَرَةَ الرِّضْوَانِ مِنْ جُذُورِهَا؟

إذَا بَلَغَ الجَهْلُ بالنَّاسِ مَبْلَغًا، يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ إسَاءَتُهُم فَهْمَ النُّصُوصِ، والخَلْطُ بَيْنَ المَشْرُوعِ والمَمْنُوعِ... فإنَّ النَّصِيحَةَ تَقْتَضِي حِينَئِذٍ أنْ يَهُبَّ المُجْتَهِدُ لِبَيَانِ حُكْمِ اللهِ، وإيْضَاحِ شَرِيعَتِهِ، وكَشْفِ مَا قَدْ يُسَبِّبُ اللَّبْسَ والاشْتِبَاهَ عَلَى النَّاسِ. أمَّا أنْ يَسْتَسْلِمَ العَالِمُ لأفْهَامِ السُّذَّجِ مِنَ النَّاسِ، فيُغَيِّرَ فِي الشَّرِيعَةِ، ويُخْضِعَ بَعْضَ أحْكَامِهَا تَبَعًا لِهَذِهِ الأفْهَامِ الخَاطِئَةِ؛ فهَذَا مَا لا يَجُوزُ الالْتِفَاتُ إلَيْهِ إلاَّ بطَرِيقَةِ البَيَانِ والتَّوْجِيهِ والتَّصْحِيحِ.

مِنْ ذَلِكَ: قَوْلُ عُمَرَ حِينَ قَبَّلَ الحَجَرَ الأسْوَدَ: «أمَا واللهِ، إنِّي لأعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ؛ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ. ولَوْلا أنِّي رَأيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ»(710) حَيْثُ جَمَعَ بَيْنَ الأخْذِ بالسُّنَّةِ، ودَفْعِ مَا عَسَاهُ يَخْطُرُ فِي أذْهَانِ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

العَامَّةِ مِنْ ظَنٍّ فَاسِدٍ.

فَالامْتِنَاعُ مِنْ بَعْضِ السُّنَنِ سَدًّا لتَخَرُّصَاتِ العَامَّةِ وتَوَهُّمَاتِهِم، هُوَ امْتِنَاعٌ عَنْ سُنَّةٍ وَرَدَ النَّصُّ بِهَا، فيَكُونُ بَاطِلاً، لأنَّهُ اجْتِهَادٌ حَيْثُ لا يَنْبَغِي، فَلا اعْتِبَارَ لَهُ ولا التِفَاتَ إلَيْهِ.

ثَالِثًا: امْتِلاكُ لُغَةِ التَّشْرِيعِ سَلِيقَةً:

تُسْهِمُ قَوَاعِدُ اللُّغَةِ وقَوَانِينُهَا وأسَالِيبُهَا البَلاغِيَّةُ، إلَى جَانِبِ اللَّوَازِمِ العَقْلِيَّةِ المُبَاشِرَةِ للنَّصِّ والعِلَلِ والأسْبَابِ المُصَاحِبَةِ والمُسْتَنْبَطَةِ، مَعْطُوفًا عَلَيْهَا دَرْكُ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، والتَّكَيُّفُ برُوحِهَا ومَضْمُونِهَا... فِي عَمَلِيَّةِ الاجْتِهَادِ. فَلا يَقِفُ الأصُولِيُّ عَلَى أرْضِيَّةِ اللُّغَةِ وَحْدَهَا! بَلْ يَرْقَى إلَى أُفُقِ المَنْطِقِ التَّشْرِيعِيِّ الرَّحْبِ، الَّذِي يُتِيحُ للمُجْتَهِدِ تَحْقِيقَ إرَادَةِ المُشَرِّعِ ومَقْصَدِهِ فِي أوْسَعِ مَدًى(711) .

ولا يَخْفَى أنَّ لفَهْمِ القُرْآنِ وتَذَوُّقِ إعْجَازِهِ البَيَانِيِّ سَبَبًا مُبَاشِرًا فِي دَفْعِ عُمَرَ إلَى اعْتِنَاقِ الإسْلامِ، حَيْثُ نَفَذَ –بطَرِيقَةِ عَرْضِهِ، وحُسْنِ كَلِمَاتِهِ- إلى شِغَافِ قَلْبِهِ ومَسَارِبِ عَقْلِهِ، فَلَمْ يَجِدْ بُدًّا –وهُوَ العَرَبِيُّ الأصِيلُ- مِنِ اعْتِنَاقِ الإسْلامِ، والرُّضُوخِ لِبَلاغَةِ القُرْآنِ وجَزَالَةِ أسْلُوبِهِ. فكَانَ تَذَوُّقُ البَيَانِ القُرْآنِيِّ، والإحْسَاسُ بمُبَايَنَتِهِ لكَلامِ المَخْلُوقِينَ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سَبِيلاً إلَى هِدَايَةِ عُمَرَ، الَّذِي مَا فَتِئَ يَتَزَوَّدُ مِنْ مَعِينِهِ طِيلَةَ حَيَاتِهِ. مَا حَدَاهُ أنْ يَبْرُزَ مِنْ بَيْنِ المُجْتَهِدِينَ.

فمَعْرِفَتُهُ بِلُغَةِ التَّشْرِيعِ رَافِدٌ فَيَّاضٌ مِنْ رَوَافِدِ اجْتِهَادِهِ، يَمُدُّهُ بأسْبَابِ القُوَّةِ فِي الرَّأيِ، «ولا تَزَالُ مَعْرِفَةُ الشَّيْءِ سَلِيقَةً تَمُدُّ صَاحِبَهَا بِمَا لا تَمُدُّهُ بِهِ المَعْرِفَةُ المُكْتَسَبَةُ، مَهْمَا تَنَاهَتْ فِي الإتْقَانِ والمِرَاسِ»(712) .

عَرَفَ عُمَرُ هَذِهِ المَكَانَةَ للسَّلِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ، وأدْرَكَ مَبْلَغَ أثَرِهَا عَلَى الاجْتِهَادِ ومَا يتَعَلَّقُ مِنْهُ باسْتِثْمَارِ النُّصُوصِ، فحَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى التَّوَاصِي برِعَايَتِهَا وتَنْمِيَتِهَا.

قَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: «بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ عَلَى المِنْبَرِ، قَالَ: يَا أيُّهَا النَّاسُ، مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللهِ عز وجل: ﴿أَو يَأخُذَهُم عَلىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُم لَرَءوفٌ رَحيمٌ﴾(713) ؟

فَقَالُوا: مَا نَرَى إلاَّ أنَّهُ عِنْدَ تَنَقُّصِ مَا يُرَدِّدُهُ مِنَ الآيَاتِ. فَقَالَ عُمَرُ: «مَا أرَى إلاَّ أنَّهُ على مَا تَنْتَقِصُونَ مِنْ مَعَاصِي اللهِ».

فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ عِنْدَ عُمَرَ، فَلَقِيَ أعْرَابِيًّا، فَقَالَ: يَا فُلانُ، مَا فَعَلَ رَبُّكَ؟ قَالَ: قَدْ تَخَيَّفْتُهُ. يَعْنِي: تَنَقَّصْتُهُ. فَرَجَعَ إلى عُمَرَ فَأخْبَرَهُ. فَقَالَ: «قَدَّرَ اللهُ ذَلِكَ(714) . هَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ فِي أشْعَارِهَا؟».

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قَالَ: نَعَمْ، قَالَ شَاعِرُنَا(715) أبُو كَبِيرٍ الهُذَلِيُّ(716) ، وأنْشَدَ في وَصِفِ نَاقَةٍ أَنضَاهَا السيرُ، فهو يَتَنَقَّصُ سَنَامَهَا بَعْدَ تَمَكُّنِهِ واكْتِنَازِهِ، قَلِيلاً قَلِيلاً عَلَى مَهْلٍ كَأنَّهُ يَخَافُهُ-:

تَخَوَّفَ الرَّحْلُ(717) ( 717 ) مِنْهَا(718) تَامِكًا(719) ( 718 ) قَرِدًا ( 719 )كَمَا تَخَوَّفَ عُودَ النَّبْعَةِ السَّفَنُ(720) ( 720 )
حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَقَالَ عُمَرُ: «أيُّهَا النَّاسُ، عَلَيْكُم بِدِيوَانِكُم لا تَضِلُّوا». قَالُوا: ومَا دِيوَانُنَا؟ قَالَ: «شِعْرُ الجَاهِلِيَّةِ، فِيهِ تَفْسِيرُ كِتَابِكُم»(721) .

لَقَدْ سَدَّدَ عُمَرُ بمَعْرِفَةِ لُغَةِ العَرَبِ تَأوِيلَ الآيَةِ، لِذَلِكَ حَثَّ عَلَى تَعَلُّمِ العَرَبِيَّةِ وأصُولِهَا، لِيُفْهَمَ عَنِ اللهِ مُرَادُهُ وتُعْرَفَ أحْكَامُهُ(722) . ومَرَّ أنَّه حَرَصَ عَلَى رِوَايَةِ الشِّعْرِ والاسْتِشْهَادِ بِهِ، لِمَا أنِسَ فِيهِ مِنْ تَقْوِيَةٍ للاجْتِهَادِ، وشَهَادَةٍ لِلْفَهْمِ بالصِّحَّةِ أوْ مُجَانَبَةِ الصَّوَابِ.

دَلَّ عَلَيْهِ مَوْقِفُهُ مِنْ هِجَاءِ الحُطَيْئَةِ (ت45هـ)(723) للزِّبْرِقَانِ بْنِ بَدْرٍ التَّمِيمِيِّ(724) حِينَ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

شَكَاهُ الأخِيرُ إلَى عُمَرَ! فَقَالَ رضي الله عنه: ومَا قَالَ لَكَ؟ فَقَالَ: قَالَ:

دَعِ المَكَارِمَ لا تَرْحَلْ لبُغْيَتِهَاواقْعُدْ فَإنَّكَ أنْتَ الطَّاعِمُ الكَاسِي(725) ( 725 )

فقَالَ عُمَرُ: «مَا أسْمَعُ هِجَاءً، ولَكِنَّهَا مُعَاتَبَةٌ جَمِيلَةٌ».

فقَالَ الزِّبْرِقَانُ: ومَا تَبْلُغُ مُرُوءَتِي إلاَّ أنْ آكُلَ وألْبَسَ(726) ! واللهِ، يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَا هُجِيتُ ببَيْتٍ قَطُّ أشَدَّ عَلَيَّ مِنْهُ. سَلِ ابْنَ الفُرَيْعَةِ(727) .

فقَالَ عُمَرُ: «عَلَيَّ بحَسَّانٍ».

فجِيءَ بِهِ، فسَألَهُ عُمَرُ. فقَالَ: لَمْ يَهْجُهُ ولَكِنْ سَلَحَ(728) عَلَيْهِ.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَأمَرَ بِهِ عُمَرُ، فَجُعِلَ فِي نَقِيرٍ فِي بِئْرٍ، ثُمَّ ألْقَى عَلَيْهِ حَفْصَةً(729) . ثُمَّ أخْرَجَهُ، فَقَالَ: «وَاللهِ، لَوْلا أنْ تَكُونَ سُنَّةً لَقَطَعْتُ لِسَانَكَ(730) » .

وفِيهِ: النَّظَرُ إلَى مَآلِ الأفْعَالِ ونَتَائِجِ التَّصَرُّفَاتِ بعَيْنٍ كَاشِفَةٍ فَاحِصَةٍ.

مِنَ المَبَاحِثِ الأصُولِيَّةِ المَبْنِيَّةِ عَلَى القَوَاعِدِ اللُّغَوِيَّةِ:

التَّقْيِيدُ بالشَّرْطِ وتَأثِيرُهُ فِي الحُكْمِ:

مِمَّا لا شَكَّ فِيهِ أنَّ «فُصَحَاءَ أهْلِ اللُّغَةِ يَفْهَمُونَ مِنْ تَعْلِيقِ الحُكْمِ عَلَى شَرْطٍ، أوْ وَصْفٍ: انْتِفَاءُ الحُكْمِ بدُونِهِ»(731) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مِثَالُهُ: قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿ضَرَبتُم فِي الأَرضِ فَلَيسَ عَلَيكُم جُناحٌ أَن تَقصُروا مِنَ الصَّلاةِ إِن خِفتُم أَن يَفتِنَكُمُ الَّذينَ كَفَروا ۚ إِنَّ الكافِرينَ كانوا لَكُم عَدُوًّا مُبينًا ۝١٠١﴾(732) .

عَنْ يَعْلَى بْنِ أمَيَّةَ(733) قَالَ: قُلْتُ لعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه: ﴿عَلَيكُم جُناحٌ أَن تَقصُروا مِنَ الصَّلاةِ إِن خِفتُم أَن يَفتِنَكُمُ الَّذينَ كَفَروا ۚ إِنَّ﴾(734) . فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ! فَقَالَ: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَألْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُم، فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»(735) .

وَجْهُ الدَّلالَةِ: فَهْمُ عُمَرَ أنَّ التَّقْيِيدَ بالشَّرْطِ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الحُكْمِ عِنْدَ تَخَلُّفِهِ، مِنْ خِلالِ تَعْلِيقِ إبَاحَةِ القَصْرِ (وهُوَ مَنْطُوقُ الآيَةِ)، عَلَى حَالَةِ الخَوْفِ. فَأشْكَلَ عَلَيْهِ الحُكْمُ بالقَصْرِ حَالَ الأمْنِ لانْتِفَاءِ المُوجِبِ! حَيْثُ يَقْتَضِي المَفْهُومُ المُخَالِفُ نَفْيَ القَصْرِ وسُقُوطَهُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ(736) .

فَوَافَقَهُ رَسُولُ اللهِ صلى

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الله عليه وسلم عَلَى المَلْمَحِ العَامِّ، لأنَّهُ مُقْتَضَى قَوَاعِدِ اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا القُرْآنُ. ثُمَّ رَفَعَ الإشْكَالَ بأنَّهَا رُخْصَةٌ مِنَ الشَّارِعِ الحَكِيمِ؛ تَخْفِيفًا عَلَى الأمَّةِ. «فَثَبَتَ القَصْرُ فِي الأمْنِ بِبَيَانِ السُّنَّةِ»(737)

النَّهْيُ يَقْتَضِي المَنْعَ تَحْرِيمًا أوْ كَرَاهَةً: هَلْ تُقَامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ؟

قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لا تُقَامُ الحُدُودُ فِي المَسَاجِدِ»(738) .

فَهِمَ عُمَرُ مِنْ هَذَا النَّهْيِ أنَّهُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، فأجْرَى عَلَيْهِ العَمَلَ، وقَالَ حِينَ أُتِيَ برَجُلٍ فِي حَدٍّ: «أخْرِجَاهُ مِنَ المَسْجِدِ، ثُمَّ اضْرِبَاهُ»(739) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعِلَّةُ النَّهْيِ وَاضِحَةٌ؛ فَإنَّ كُلاًّ مِنَ الحَدِّ والقِصَاصِ – وإنْ كَانَ إجْرَاءً لحُكْمِهِ تَعَالَى- لَكِنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَلْوِيثِ المَسْجِدِ، ورَفْعِ الأصْوَاتِ فِيهِ! وهُوَ غَيْرُ لائِقٍ ببَيْتِ اللهِ.

حُكْمُ الحَلِفِ بغَيْرِ اللهِ:

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، وهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ؛ يَحْلِفُ بأبِيهِ! فَقَالَ: «ألاَ إنَّ اللهَ يَنْهَاكُم أنْ تَحْلِفُوا بآبَائِكُم. مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ باللهِ، أوْ لِيَصْمُتْ». قَالَ عُمَرُ: فَوَاللهِ، مَا حَلَفْتُ بِهَا مُنْذُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، ذَاكِرًا ولاَ آثِرًا(740)(741) ) ( ».

ويَدُلُّ هَذَا عَلَى حِرْصِ عُمَرَ عَلَى السُّنَّةِ، وخُلُوصِهِ مِنْ لَوْثَةِ الجَاهِلِيَّةِ، واتِّبَاعِهِ للحَقِّ باسْتِجَابَةٍ سَرِيعَةٍ، لجِهَةِ إقْلاعِهِ بالكُلِّيَّةِ عَنْ هَذِهِ العَادَةِ، فَوْرَ سَمَاعِهِ الخِطَابَ النَّبَوِيَّ مُبَاشَرَةً.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
رَابِعًا: الخِبْرَةُ بشُؤُونِ الوَاقِعِ والمَعْرِفَةُ بطَبَائِعِ النَّاسِ:

فَهْمُ الوَاقِعِ ومَعْرِفَةُ أحواله، لا يَنْفَكُّ عَنْ فَهْمِ النَّصِّ وإدْرَاكِ مَقَاصِدِهِ فِي الاجْتِهَادِ التَّطْبِيقِيِّ، الَّذِي هُوَ أخَصُّ مَيَادِينِ عُمَرَ، لأنَّ الإحَاطَةَ بطَبَائِعِ النَّاسِ مُتَعَلَّقُ الحُكْمِ. فلا بُدَّ فِي خَوْضِ غِمَارِهِ مِنَ الوُقُوفِ عَلَى شُؤُونِهِ، ومَا يتَعَلَّقُ بمُكَوِّنَاتِهِ، ومُشَارَكَةِ أهْلِهِ، وفَهْمِ طَبَائِعِهِم، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الإمَامُ أحْمَدُ (ت241هـ)(742) ... حَيْثُ تَظْهَرُ قِيمَةُ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ (التَّشْرِيعِيِّ) فِي مَدَى تَطْبِيقِهِ، والثَّمَرَاتِ النَّاتِجَةِ عَنْهُ، وقُدْرَتِهِ عَلَى تَوْفِيرِ الصَّالِحِ للنَّاسِ، وانْسِجَامِهِم مَعَهُ، ليَصِحَّ الاجْتِهَادُ ويَكُونَ وَاقِعًا فِي مَحِلِّهِ.

فكَانَ عُمَرُ مَثَلاً عَالِيًا للإحَاطَةِ بشُؤُونِ عَصْرِهِ، بَلِ المُشَارَكَةِ فِي صِنَاعَةِ أحْدَاثِهِ. ولَمْ يَكُنِ البَتَّةَ طَارِئًا عَلَى السِّيَاسَةِ والحُكْمِ يَوْمَ أنْ وَلِيَ الخِلافَةَ، بَلْ هُوَ سَلِيلُ بَيْتٍ مِنْ أنْبَهِ بُيُوتِ بَنِي عَدِيٍّ؛ فَجَدُّهُ نُفَيْلُ بْنُ عَبْدِ العُزَّى هُوَ الَّذِي قَضَى لعَبْدِ المُطَّلِبِ عَلَى حَرْبِ بْنِ أمَيَّةَ(743) حينما تَنَافَرَا إلَيْهِ(744) كَمَا تَوَلَّى ذَوُوهُ فِي الجَاهِلِيَّةِ السِّفَارَةَ والتَّحْكِيمَ، وتَوَلاَّهَا

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هُوَ أيْضًا فِي جُمْلَةِ مَنْ تَوَلاَّهَا مِنْ أهْلِ بَيْتِهِ، كَمَا مَرَّ مَعَنَا(745)

ثُمَّ لازَمَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فاكْتَسَبَ مِنْ صُحْبَتِهِ تَجَارِبَ هَائِلَةً، وكَانَ لَهُ ولخَلِيفَتِهِ أبِي بَكْرٍ رضي الله عنه مُسْتَشَارًا، فَضَمَّ إلى ذَلِكَ خِبْرَاتٍ مُتَرَاكِمَةً، شَكَّلَتْ رَصِيدًا ضَخْمًا فِي سِجِلِّ كَفَاءَتِهِ. ثُمَّ تَعَامُلُهُ مَعَ شُعُوبٍ وأعْرَافٍ تَخْتَلِفُ عَنِ العَرَبِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الخَصَائِصِ، ومُشَاهَدَتُهُ لشُؤُونِ هَذِهِ الأمَمِ كَانَ مَصْدَرًا كَبِيرًا لغَنَاءِ دِرَايَتِهِ وجُودَةِ فِقْهِهِ.

عَبَّرَ عَنْ هَذِهِ الخِبْرَاتِ الطَّوِيلَةِ بقَوْلِهِ: «قَدْ أُلْنَا، وإيْلَ عَلَيْنَا»(746) أيْ: سُسْنَا، وسَاسَنَا غَيْرُنَا(747) فَكأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ وَلِينَا فعَلِمْنَا مَا يُصْلِحُ الوَالِيَ، ووُلِيَ عَلَيْنَا فعَلِمْنَا مَا يُصْلِحُ الرَّعِيَّةَ(748) وقَالَ يَوْمًا –وهُوَ يُصَوِّرُ شِدَّةَ اهْتِمَامِهِ بمَصَالِحِ الأمَّةِ-: «كَيْفَ يَعْنِينِي شَأْنُ الرَّعِيَّةِ إذَا لَمْ يَمْسَسْنِي

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مَا مَسَّهُم»(749)

ولَئِنْ كَانَتْ أخْطَرَ اجْتِهَادَاتِهِ شَأْنًا، هِيَ تِلْكَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بشُؤُونِ المَالِ والإدَارَةِ وقَضَايَا الحَرْبِ؛ فإنَّ هَذِهِ الخُطُورَةَ قَابَلَهَا مِنْ مِيزَانِ السِّيَاسَةِ، وحُسْنِ التَّدْبِيرِ، وصَوَابِيَّةِ الاجْتِهَادِ كَفَاءَةٌ عَالِيَةٌ.

مِنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ:

أثَرُ الإكْرَاهِ فِي إسْقَاطِ المَسْؤُولِيَّةِ عَنِ التَّصَرُّفَاتِ الفِعْلِيَّةِ والقَوْلِيَّةِ:

الإكْرَاهُ: حَمْلُ الغَيْرِ عَلَى مَا يَكْرَهُهُ طَبْعًا أوْ شَرْعًا، فيُقْدِمُ عَلَى عَدَمِ الرِّضَا، ليَرْفَعَ مَا هُوَ أضَرُّ(750) . ويتَحَقَّقُ الإكْرَاهُ بالضَّرْبِ، أوِ الإجَاعَةِ، أوِ الحَبْسِ، أوِ التَّهْدِيدِ، ونَحْوِ ذَلِكَ، إذَا وَصَلَ المُكْرَهُ إلَى دَرَجَةٍ يَشُقُّ عَلَيْهِ الاحْتِمَالُ. قَالَ عُمَرُ: «لَيْسَ الرَّجُلُ بمَأمُونٍ عَلَى نَفْسِهِ إنْ أجَعْتَهُ، أوْ أخَفْتَهُ، أوْ أوْثَقْتَهُ، أوْ ضَرَبْتَهُ، أن يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ»(751) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولَمَّا كَانَ الإكْرَاهُ مُسْقِطًا لاخْتِيَارِ الإنْسَانِ؛ رُفِعَ عَنْهُ الإثْمُ، ودُفِعَتْ عَنْهُ العُقُوبَةُ(752) . ولَعَلَّ إسْقَاطَ الحَدِّ عَمَّنْ أوْجَبَهُ بدَافِعٍ مِنَ الشُّعُورِ بالمَسْؤُولِيَّةِ، هِيَ سِمَةٌ ظَاهِرَةٌ فِي التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ، انْتَهَجَهَا عُمَرُ فِي سِيَاسَتِهِ مَعَ رَعِيَّتِهِ.

مِنْ صُوَرِ الإكْرَاهِ عِنْدَ عُمَرَ، وهِيَ وإنْ لَمْ تَخْلُ مِنْ ضَعْفٍ يَسِيرٍ فَإنَّ مَجِيئَهَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، فِي غَيْرِ مَا مَوْرِدٍ ومُنَاسَبَةٍ، يَدُلُّ عَلَى أنَّ لَهَا أصْلاً كَمَا لا يَخْفَى:

التَّهْدِيدُ بِمَا لا يُسْتَطَاعُ احْتِمَالُهُ إلاَّ بمَشَقَّةٍ كَبِيرَةٍ:

تَدَلَّى رَجُلٌ يَشْتَارُ عَسَلاً(753) ، فَجَاءَتْهُ امْرَأتُهُ، فَوَقَفَتْ عَلَى الحَبْلِ، فَحَلَفَتْ لَتَقْطَعَنَّهُ أوْ لَيُطَلِّقُهَا ثَلاثًا! فَذَكَّرَهَا اللهَ والإسْلامَ. فَأبَتْ إلاَّ ذَلِكَ! فطَلَّقَهَا ثَلاثًا. فلَمَّا ظَهَرَ أتَى عُمَرَ، فذَكَرَ لَهُ مَا كَانَ مِنْهَا إلَيْهِ ومِنْهُ إلَيْهَا. فَقَالَ: «ارْجِعْ إلَى أهْلِكَ، فلَيْسَ هَذَا بِطَلاقٍ»(754) . وكَانَ لا يَرَى طَلاقَ المُكْرَهِ شَيِئًا(755) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأُتِيَ بسَارِقٍ، فَاعْتَرَفَ! فَقَالَ عُمَرُ: «أرَى يَدَ رَجُلٍ مَا هِيَ بيَدِ سَارِقٍ». فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللهِ، مَا أنَا بسَارِقٍ، ولَكِنَّهُم تَهَدَّدُونِي. فَخَلَّى سَبِيلَهُ ولَمْ يَقْطَعْهُ(756) .

وُقُوعُ أمْرٍ يُشَقُّ احْتِمَالُهُ:

إنَّ رُفْقَةً مِنْ أهْلِ اليَمَنِ نَزَلُوا الحَرَّةَ(757) ، ومَعَهُمُ امْرَأةٌ قَدْ أصَابَتْ فَاحِشَةً! فَارْتَحَلُوا وتَرَكُوهَا. فَأُخْبِرَ عُمَرُ خَبَرَهَا، فَسَألَهَا. فَقَالَتْ: كُنْتُ امْرَأةً مِسْكِينَةً لا يَعْطِفُ عَلَيَّ أحَدٌ بشَيْءٍ، فَمَا وَجَدْتُ إلاَّ نَفْسِي. فَأرْسَلَ إلَى رُفْقَتِهَا، فَرَدُّوهُم، وسَألَهُم عَنْ حَاجَتِهَا، فَصَدَّقُوهَا. فَجَلَدَهَا مِئَةً، وأعْطَاهَا، وكَسَاهَا، وأمَرَهُم أنْ يَحْمِلُوهَا مَعَهُم(758) .

الجُوعُ والعَطَشُ الشَّدِيدَانِ:

أُتِيَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ بامْرَأةٍ لَقِيهَا رَاعٍ بفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ وهِيَ عَطْشَى. فَاسْتَسْقَتْهُ، فَأبَى أنْ يَسْقِيَهَا إلاَّ أنْ تَتْرُكَهُ فَيَقَعَ بِهَا! فنَاشَدَتْهُ باللهِ، فَأبَى! فلَمَّا بَلَغَتْ جَهْدَهَا أمْكَنَتْهُ. فدَرَأ عَنْهَا عُمَرُ الحَدَّ بالضَّرُورَةِ(759) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مَا يُفْعَلُ بالمَرْءِ دُونَ اخْتِيَارِهِ، ولا حِيلَةَ لَهُ فِي دَفْعِهِ:

بَلَغَ عُمَرَ أنَّ امْرَأةً مُتَعَبِّدَةً حَمَلَتْ! فَقَالَ: «أُرَاهَا قَامَتْ مِنَ اللَّيْلِ تُصَلِّي، فخَشَعَتْ، فَسَجَدَتْ، فَأتَاهَا غَاوٍ مِنَ الغُوَاةِ فتَجَشَّمَهَا(760) . فأتَتْهُ، فَحَدَّثَتْهُ بذَلِكَ سَوَاءً. فَخَلَّى سَبِيلَهَا(761) .

إذًا، إنَّ فِي قِيَامِ عُمَرَ عَلَى شُؤُونِ النَّاسِ، وتَأمِيِن احْتِيَاجَاتِهِم، ورِعَايَةِ مَصَالِحِهِم، ومَعْرِفَةِ أحْوَالِهِم... سَبَبًا مُبَاشِرًا فِي بُلُوغِ الغَايَةِ مِنَ الدِّرَايَةِ، والدِّقَّةِ فِي الاجْتِهَادِ، والقُرْبِ مِنَ العَدْلِ أكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ.

هَذَا الاجْتِهَادُ الَّذِي اتَّخَذَ طَابِعَ الفَرْدِيَّةِ حِينًا، وطَابِعَ الشُّورَى أحْيَانًا أخْرَى، وانْتَهَضَتْ بِهِ أسُسٌ أصْقَلَتْ مِنْ إحْكَامِهِ، ودَلَّتْ عَلَى مُرُونَتِهِ، ونَعْشِهِ للعَدْلِ والمَصْلَحَةِ، سَتَتِمُّ دِرَاسَتُهُ بإسْهَابٍ فِي البَابِ التَّالِي.

البَابُ الثَّاني

المَنْهَجُ الأصُولِيُّ للاجْتِهَادِ بالرَّأيِ

لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ

ويَشْتَمِلُ عَلَى فَصْلَيْنِ اثْنَيْنِ، هُمَا:

الفَصْلُ الأوَّلُ: مَظَاهِرُ الاجْتِهَادِ وأُسُسُهُ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ.

الفَصْلُ الثَّانِي: مَجَالاتُ الاجْتِهَادِ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 306 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

البَابُ الثَّاني: المَنْهَجُ الأصُولِيُّ للاجْتِهَادِ بالرَّأيِ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ

لَمَّا كَانَ الاجْتِهَادُ يَنْتَهِضُ بِهِ مُجْتَهِدٌ أوْ أكْثَرُ، ولَهُ قَوَالِبُ يتَغَلَّفُ بِهَا ومَظَاهِرُ يتَجَلَّى فِيهَا، وكَمَا يَكُونُ باسْتِخْرَاجِ الدَّلِيلِ مِنَ الكِتَابِ والسُّنَّةِ، يَكُونُ كَذَلِكَ بالتَّمَسُّكِ بالمَصَالِحِ، والاحْتِيَاطِ... اسْتِفَادَةً مِنْ كَوْنِهِ بَذْلاً عَقْلِيًّا فِي طَلَبِ الحَقِّ مِنَ الشَّرِيعَةِ نَصًّا ورُوحًا، والتَّبَصُّرِ بِمَا عَسَاهُ يُسْفِرُ مِنْ نَتَائِجَ عَلَى ضَوْءِ الخَصَائِصِ اللُّغَوِيَّةِ والقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ(762) .

لِذَا، جَاءَ هَذَا البَابُ مُتَضَمِّنًا فَصْلَيْنِ اثْنَيْنِ، هُمَا:

الفَصْلُ الأوَّلُ: مَظَاهِرُ الاجْتِهَادِ وأُسُسُهُ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ.

الفَصْلُ الثَّانِي: مَجَالاتُ الاجْتِهَادِ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ.

الفَصْلُ الأوَّلُ

مَظَاهِرُ الاجْتِهَادِ وأُسُسُهُ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ

ويَشْتَمِلُ عَلَى ثَلاثَةِ مَبَاحِثَ، هِيَ:

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المَبْحَثُ الأوَّلُ: الاجْتِهَادُ الفَرْدِيُّ ومَظَاهِرُ تَطْبِيقَاتِهِ. المَبْحَثُ الثَّانِي: الاجْتِهَادُ الجَمَاعِيُّ ودَوْرُ الخِلافَةِ فِي تَنْظِيمِهِ. المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الأسُسُ المَرْجِعِيَّةُ لاجْتِهَادِ عُمَرَ.

الفَصْلُ الأوَّلُ: مَظَاهِرُ الاجْتِهَادِ وأُسُسُهُ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ

الاجْتِهَادُ مَجْمُوعَةُ عَمَلِيَّاتٍ عَقْلِيَّةٍ وذِهْنِيَّةٍ، تَتَوَافَرُ عَلَيْهَا عَنَاصِرُ مُكَوِّنَةٌ وأخْرَى مُكَمِّلَةٌ، يَقُومُ بِهَا مُجْتَهِدٌ فَرْدٌ أوْ نَفَرٌ مِنَ المُجْتَهِدِينَ، تَسْتَنِدُ إلَى أُسُسٍ تَضْبِطُهَا وتُصَحِّحُ مَسَارَهَا.

بالعَوْدَةِ إلَى الحَيَاةِ الاجْتِهَادِيَّةِ الَّتِي عَمَرَهَا عُمَرُ، مُنْذُ أنْ أسْلَمَ حَتَّى لَحِقَ بالرَّفِيقِ الأعْلَى، نَجِدُهَا قَائِمَةً عَلَى البَحْثِ الجَادِّ، وإعْمَالِ النَّظَرِ، مِنْهُ هُوَ شَخْصِيًّا، يُعَاوِنُهُ ثُلَّةٌ مِنْ أفَاضِلِ المُجْتَهِدِينَ فِي زَمَانِهِ، مِنْ مُخْتَلِفِ الاخْتِصَاصَاتِ.

ثُمَّ تَرَاهُ يَطْرُقُ أبْوَابَ السَّمَاءِ، يَسْتَخِيرُ اللهَ فِي أحْكَامٍ مَصِيرِيَّةٍ، لَهَا أبْعَادٌ تَشْرِيعِيَّةٌ عِدَّةٌ عَلَى وَاقِعِ الأمَّةِ حيِنَهَا. دَلَّتْ عَلَى رُؤْيَتِهِ المُتَكَشِّفَةِ، لِمَا هُوَ أبْعَدُ مِنْ حُدُودِ اسْتِفْتَاءٍ مَبْتُورٍ عَنْ ظُرُوفِهِ ومُلابَسَاتِهِ. سَائِرًا فِي ضَوْءِ منَهْجِيَّةٍ فِكْرِيَّةٍ مُتَكَامِلَةٍ، تَتَشَوَّفُ إلَى إقَامَةِ عَدَالَةِ الوَحْيِ وَاقِعًا مُعَاشًا.

لِذَا، انْتَظَمَتْ مَبَاحِثُ هَذَا الفَصْلِ فِي ثَلاثَةٍ، هِيَ:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: الاجْتِهَادُ الفَرْدِيُّ ومَظَاهِرُ تَطْبِيقَاتِهِ. المَبْحَثُ الثَّانِي: الاجْتِهَادُ الجَمَاعِيُّ ودَوْرُ الخِلافَةِ فِي تَنْظِيمِهِ. المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الأسُسُ المَرْجِعِيَّةُ لاجْتِهَادِ عُمَرَ.

المَبْحَثُ الأوَّلُ: الاجْتِهَادُ الفَرْدِيُّ ومَظَاهِرُ تَطْبِيقَاتِهِ

اجْتَهَدَ عُمَرُ وبَلَغَ شَأْوًا عَظِيمًا، تَوَافَقَتِ اخْتِيَارَاتُهُ مَعَ غَيْرِهِ طَوْرًا، واخْتَلَفَتْ غَيْرَ مَرَّةٍ، لأسْبَابٍ عِلْمِيَّةٍ مَنْهَجِيَّةٍ، أوْ سِيَاسِيَّةٍ تَشْرِيعِيَّةٍ، وأخْرَى لَهَا مَسَاسٌ فِي تَكْوِينِهِ الشَّخْصِيِّ.

هَذَا مَبْحَثٌ سَلَّطْتُ فِيهِ الضَّوْءَ عَلَى هَذِهِ القَضَايَا المَنْهَجِيَّةِ الحَسَّاسَةِ، مِنْ خِلالِ تَحْلِيلِهَا تَحْلِيلاً مَوْضُوعِيًّا دَقِيقًا، ثُمَّ بَحْثِ الأسْبَابِ المُوجِبَةِ لاخْتِلافِ الاتِّجَاهَاتِ التَّشْرِيعِيَّةِ.

فَجَاءَتِ المَطَالِبُ ثَلاثَةً، هِيَ:

المَطْلَبُ الأوَّلُ: مَفْهُومُ الاجْتِهَادِ الفَرْدِيِّ ومَوْقِفُ عُمَرَ مِنْهُ. المَطْلَبُ الثَّانِي: دِرَاسَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ للقَضَايَا المَنْهَجِيَّةِ بَيْنَ عُمَرَ ومُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ. المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أسْبَابُ اخْتِلافِ الاتِّجَاهَاتِ التَّشْرِيعِيَّةِ بَيْنَ عُمَرَ ومُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ.

المَطْلَبُ الأوَّلُ: مَفْهُومُ الاجْتِهَادِ الفَرْدِيِّ ومَوْقِفُ عُمَرَ مِنْهُ

أوَّلاً: مَفْهُومُ الاجْتِهَادِ الفَرْدِيِّ:

الاجْتِهَادُ الفَرْدِيُّ: هُوَ الصَّادِرُ عَنْ آحَادِ المُجْتَهِدِينَ فِي قَضِيَّةٍ أوْ أكْثَرَ، ولَمْ يَكُنْ فِي مَجْلِسِ الشُّورَى. وهُوَ النَّوْعُ الَّذِي يَنْصَرِفُ إلَيْهِ المَقْصَدُ فِي أغْلَبِ الدِّرَاسَاتِ الأصُولِيَّةِ، ويُعَبَّرُ عَنْهُ بأنَّهُ «بَذْلُ الفَقِيهِ الوُسْعَ فِي اسْتِنْبَاطِ حُكْمٍ مِمَّا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ دَلِيلاً»(763) .

يتَبيَّنُ مِنَ التَّعْرِيفِ أنَّ مَقْصُودَ الاجْتِهَادِ هُوَ التَّوَصُّلُ إلَى الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ العَمَلِيَّةِ، عَنْ طَرِيقِ النَّظَرِ في أدِلَّةِ الشَّرْعِ، سَواءٌ نَتَجَ عَنْهُ قَطْعٌ بالحُكْمِ أو ظَنٌّ بِهِ.

ثَانِيًا: مَوْقِفُ عُمَرَ مِنَ الاجْتِهَادِ الفَرْدِيِّ:

تَأهَّلَ عُمَرُ للاجْتِهَادِ وَفْقَ المَعَاييرِ المَشْرُوعَةِ، ومَارَسَهُ عَمَلِيًّا مُنْذُ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عَهْدِ النُّبُوَّةِ، فخِلافَةِ أبِي بَكْرٍ، حَتَّى عَصْرِهِ الرَّشِيدِ، حَيْثُ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ولا مَنَاصَ مِنْهُ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخَذَ اللَّهُ ميثاقَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ وَلا تَكتُمونَهُ﴾(764)

بَيْدَ أنَّ الاجْتِهَادَ فِي نَظَرِهِ ظَنٌّ رَاجِحٌ، وهُوَ شَأْنٌ يَحْتَمِلُ الخَطَأ كَمَا يَحْتَمِلُ الصَّوَابَ، فَلا مُبَرِّرَ أنْ تُلْزَمَ بِهِ الأمَّةُ لِذَاتِهِ. وهُوَ حَقٌّ لِكُلِّ مَنِ اكْتَمَلَتْ فِيهِ مُقَوِّمَاتُ الاجْتِهَادِ ومَلَكَ أدَوَاتِهِ. وهَذَا مَا يُشِيرُ إلى فَضْلِ عُمَرَ وإنْصَافِهِ.

وإنْ كُنْتُ ألْمَحُ -مِنْ جَوَامِعِ كَلِمِهِ ومَنْثُورِ قَوَاعِدِهِ- القَوْلَ بتَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ، مِمَّا كَانَ حَافِزًا قَوِيًّا فِي مَآلِهِ العَمَلِيِّ عَلَى الاجْتِهَادِ، وحَثِّ المُجْتَهِدِينَ عَلَى خَوْضِ غِمَارِهِ. لذَلِكَ، لَمْ يَرَ حَتْمًا عَلَى غَيْرِهِ أنْ يَأخْذُوا بِرَأيِهِ، فِي القَضَايَا الخَاصَّةِ والفَتَاوَى الشَّخْصِيَّةِ، الَّتِي تُعْرَضُ بِشَكْلٍ يَوْمِيٍّ لآحَادِ النَّاسِ، وتَكُونُ عَلَى المُسْتَوَى الشَّخْصِيِّ، ورُبَّمَا كَانَتْ مِنْ قَبِيلِ النَّوَازِلِ الفَرْدِيَّةِ، الَّتِي تَقْتَضِي جَوَابًا فَوْرِيًّا.

ولَمْ يُسَوِّغْ لأحَدٍ أنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى اجْتِهَادِهِ، أوْ أنْ يَجْعَلَ فَتْوَاهُ مَذْهَبًا لازِمًا، عَلَى النَّاسِ أنْ يَتَقَيَّدُوا بِهِ ولا يَحِيدُوا عَنْهُ. فَقَدْ وَرَدَ أنَّهُ لَقِيَ رَجُلاً، فَقَالَ: «مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: قَضَى عَلِيٌّ وزَيْدٌ بِكَذَا! قَالَ: لَوْ كُنْتُ أنَا لَقَضَيْتُ بِكَذَا. قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكَ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والأمْرُ إلَيْكَ؟! قَالَ: لَوْ كُنْتُ أرُدُّكَ إلى كِتَابِ اللهِ أو إلَى سُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم لَفَعَلْتُ، ولَكِنِّي أرُدُّكَ إلَى رَأيِي، والرَّأيُ مُشْتَرَكٌ»(765) والرَّأيُ هُنَا: الفَتْوَى فِي النَّازِلَةِ، وهِيَ مُتَاحَةٌ لمَنْ تَأهَّلَ لَهَا.

إنَّهُ البَحْثُ الحُرُّ والاسْتِنْبَاطُ الفَرْدِيُّ، الَّذِي عَمِلَ عُمَرُ عَلَى تَنْمِيَتِهِ، بخِلافِ تِلْكَ الَّتِي تتَّسِمُ بالعُمُومِ، وتَتَعلَّقُ بمَجْمُوعِ الأمَّةِ، فلَمْ تُفْلِتْ مِنْ زِمَامِ الشُّورَى الفِقْهِيَّةِ، وكَانَ مَرَدُّ البَتِّ فِيهَا إلَى اجْتِهَادِ الخَلِيفَةِ. «فعُمَرُ وهُوَ يُدِيرُ شُؤُونَ الدَّوْلَةِ، ويُعَالِجُ الأمُورَ فِي إبَّانِهَا لا يُمْكِنُهُ أنْ يتَوَقَّفَ ويَمْتَنِعَ عَنِ الرَّأيِ، حَتَّى لا يَقِفَ دُولابُ العَمَلِ فِي الدَّوْلَةِ، وعِلاجِ مَا يَجِدُّ مِنْ أحْدَاثٍ، وهُوَ مُطَالَبٌ بعِلاجِهَا مِنْ غَيْرِ تَأجِيلٍ»(766) .

ثَالِثًا: أمْثِلَةٌ عَمَلِيَّةٌ علَىَ الاجْتِهَادِ الفَرْدِيِّ:

بَيْعُ أمَّهَاتِ الأوْلادِ:

اجْتَهَدَ عَلِيٌّ فِي بَيْعِ أمَّهَاتِ الأوْلادِ، فَوَافَقَ رَأيَ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ فِي خِلافَتِهِ، ثُمَّ مَا لَبِثَ أنْ خَالَفَهُ حِينَ صَارَ الحُكْمُ إلَيْهِ، قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: «اجْتَمَعَ رَأيِي ورَأيُ عُمَرَ فِي بَيْعِ أمَّهَاتِ الأوْلادِ أنْ لا يُبَعْنَ. ثُمَّ رَأيْتُ بَيْعَهُنَّ».

فَقاَلَ قَاضِيهِ عَبِيدَةُ السَّلْمَانِيُّ: «يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، رَأيُكَ مَعَ رَأيِ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عُمَرَ فِي الجَمَاعَةِ(767) أحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأيِكَ وَحْدَكَ فِي الفُرْقَةِ»(768)

مِيرَاثُ الجَدِّ مَعَ الإخْوَةِ والأخَوَاتِ الأشِقَّاءِ أوْ لأبٍ:

رَأى أبُو بَكْرٍ أنَّ الجَدَّ –أبَا الأبِ- يَحْجِبُ الإخْوَةَ والأخَوَاتِ الأشِقَّاءَ أوْ لأبٍ مِنَ المِيرَاثِ، فَلا يَرِثُونَ مَعَ وُجُودِهِ شَيْئًا، كَمَا لا يَرِثُونَ مَعَ الأبِ شَيْئًا(769) .

أمَّا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَأفْتَى أنَّ الجَدَّ يُقَاسِمُ الإخْوَةَ والأخَوَاتِ كَأخٍ ذَكَرٍ مُطْلَقًا، مَا لَمْ تُنْقِصْهُ المُقَاسَمَةُ عَنِ الثُّلُثِ عِنْدَ عَدَمِ وُجُودِ صَاحِبِ فَرْضٍ، أوْ عَنِ الثُّلُثِ البَاقِي، أوْ عَنْ سُدُسِ الكُلِّ عِنْدَ وُجُودِ صَاحِبِ فَرْضٍ(770) .

وبِهِ أخَذَ جُمْهُورُ الفُقَهَاءِ(771) ، وهُوَ اخْتِيَارُ عُمَرَ.

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وذَهَبَ عَلِيٌّ إَلى أنَّهُ يَأخُذُ كَأخٍ، ويَرِثُ مَعَهُم بالتَّعْصِيبِ مَا دَامَتِ المُقَاسَمَةُ خَيْرًا لَهُ مِنَ السُّدُسِ، وإلاَّ أُعْطِيَ السُّدُسَ، عَلَى تَفْصِيلٍ(772) .

تَكْيِيفُ حَالِ المُكَاتَبِ(773) :

اخْتَلَفَ الفُقَهَاءُ(774) فِي عَهْدِ عُمَرَ فِيمَنْ أدَّى بَعْضَ نُجُومِهِ، ثُمَّ قَعَدَ عَنِ البَاقِي: هَلْ يُعْتَقُ مِنْهُ بقَدْرِ مَا أدَّى؟ أوْ يَسْتَمِرُّ عَلَى الرِّقِّ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ؟ مَا حَمَلَ الخَلِيفَةَ عَلَى جَمْعِهِم، لتَقْلِيبِ وُجْهَاتِ النَّظَرِ.

فقَالَ عَلِيٌّ: «يُعْتَقُ مِنْهُ بقَدْرِ مَا أدَّى. ويُرَقُّ مِنْهُ بقَدْرِ مَا لَمْ يُؤَدِّ. ويَرِثُهُ وَلَدُهُ بحِسَابِ ذَلِكَ»(775) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «إذَا أدَّى المُكَاتَبُ ثُلُثَ مُكَاتَبَتِهِ، فَهُوَ غَرِيمٌ»(776) .

أمَّا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، فَقَالَ: «هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ»(777) . وشَرَعَ يَقِيسُ لَهُم: «أرَأيْتُم إنْ أصَابَ حَدًّا، كَيْفَ يَكُونُ حُكْمُهُ؟ وكَيْفَ يَدْخُلُ عَلَى أمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ؟». وأخَذَ يَقِيسُ بنَحْوِ ذَلِكَ، ففَضَّلَهُ عُمَرُ عَلَيْهِمَا فِي المَسْألَةِ(778) . وقَالَ بمَقُولَةِ زَيْدٍ: «المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ»(779) .

ومَعْلُومٌ أنَّ عُمَرَ لَمْ يُرَجِّحْ قَوْلَ زَيْدٍ فِي نَفْسِهِ، ولَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ، إلاَّ باجْتِهَادٍ ورَأيٍ أوْجَبَا ذَلِكَ عِنْدَهُ. ولَعَلَّ عَامِلَ التَّخَصُّصِ فِي الفَنِّ، وَاحِدٌ مِنَ تِيكَ الأسْبَابِ الدَّاعِيَةِ إلَى تَرْجِيحِ مَذْهَبِهِ(780) ، وأمِيرُ المُؤْمِنِينَ هُوَ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ فِي هَذَا البَابِ(781) ، اسْتِنَادًا إلَى مُقْتَضَى قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «أفْرَضُ أمَّتِي: زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ»(782) .

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهُوَ مَا تَعَلَّلَ بِهِ مَسْرُوقٌ، فِي سَبَبِ عُدُولِهِ عَنِ الأخْذِ برَأيِ شَيْخِهِ ابْنِ مَسْعُودٍ –وهُوَ أثْبَتُ النَّاسِ عِنْدَهُ- حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ، إذْ سَمِعَ قَوْلَ زَيْدٍ فِيهَا فأعْجَبَهُ. فقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ الفَقِيهُ (ت62هـ)(783) : مَا رَدَّكَ عَنْ قَوْلِ عَبْدِ اللهِ؟! فقَالَ: «إنِّي قَدِمْتُ المَدِينَةَ، فوَجَدْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي العِلْمِ»(784) .

وهُوَ مَذْهَبُ الإمَامِ الشَّافِعِيِّ بعُمُومِ الأخْذِ برَأيِ زَيْدٍ فِي الفَرَائِضِ(785) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المَطْلَبُ الثَّانِي: دِرَاسَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ للقَضَايَا المَنْهَجِيَّةِ بَيْنَ عُمَرَ ومُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ

أوَّلاً: ظَاهِرَةُ التَّوَافُقِ فِي الاجْتِهَادِ:

يَقُولُ عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الشَّعْبِيُّ: «كَانَ عُلَمَاءُ هَذِهِ الأمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا صلى الله عليه وسلم سِتَّةً: عُمَرُ، وعَبْدُ اللهِ، وزَيْدُ بنُ ثَابِتٍ. فَإذَا قَالَ عُمَرُ قَوْلاً، وقَالَ هَذَانِ قَوْلاً، كَانَ قَوْلُهُمَا لِقَوْلِهِ تَبَعًا...»(786) . وقَالَ: «كَانَ عَبْدُ اللهِ لا يَقْنُتُ، ولَوْ قَنَتَ عُمَرُ لَقَنَتَ عَبْدُ اللهِ»(787) . وكَانَا يُشَارِكَانِهِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أقْضِيَتِهِ وآرَائِهِ.

فَهَلْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ وزَيْدٌ مُقَلِّدَيْنِ لِعُمَرَ؟

يُلاحِظُ البَاحِثُ فِي مَسَائِلِ الاجْتِهَادِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ، أنَّ الحَامِلَ لَهُمْ على تَسْجِيلِ إعْجَابِهِم بمَنْهَجِيَّةِ عُمَرَ الاجْتِهَادِيَّةِ، ومَنْحَاهُ الأصُولِيِّ فِي التَّفْكِيرِ، ومُتَابَعَتِهِم إيَّاهُ، يَعُودُ إلَى جُمْلَةِ أسْبَابٍ، مِنْهَا:

تَوَقُّفُهُم فِي بَعْضِ المَسَائِلِ، وعَدَمُ تَرَجُّحِ رَأيٍ لَدَيْهِم:

فيَرَى الفَقِيهُ مُتَابَعَةَ عُمَرَ دُونَ غَيْرِهِ، لِمَا ثَبَتَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ عُمَرَ، وسَدَادِ فِكْرِهِ.

وفِي هَذَا النَّوْعِ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مِنَ المَسَائِلِ يَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ: «لَوْ أنَّ النَّاسَ سَلَكُوا وَادِيًا وشِعْبًا، وسَلَكَ عُمَرُ وَادِيًا وشِعْبًا؛ لَسَلَكْتُ وَادِيَ عُمَرَ وشِعْبَهُ»(788)

الْتِقَاؤُهُم مَعَهُ عَلَى مَنْهَجٍ أصُولِيٍّ وَاحِدٍ فِي الاجْتِهَادِ:

فيُطَبِّقُونَ الأنْظِمَةَ والأحْكَامَ الَّتِي يَرْسُمُهَا عُمَرُ، وإنْ خَالَفَتْ رَأيَهُم، طَالَمَا أنَّهَا نَابِعَةٌ مِنْ وِحْدَةِ المَصْدَرِ. فِي هَذِهِ المَسَائِلِ يَقُولُ الطَّبَرِيُّ (ت310هـ) رحمه الله(789) : «كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَتْرُكُ مَذْهَبَهُ وقَوْلَهُ لقَوْلِ عُمَرَ، وكَانَ لا يَكَادُ يُخَالِفُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ مَذْهَبِهِ، ويَرْجِعُ مِنْ قَوْلِهِ إلى قَوْلِهِ»(790) .

مُتَابَعَتُهُم إيَّاهُ فِي مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ باعْتِبَارِهِ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ:

أفْصَحَ عَنْ هَذَا الوَجْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ بقَوْلِهِ: «إنَّمَا نَقْضِي بقَضَاءِ أئِمَّتِنَا»(791) .

دَلَّ عَلَيْهِ قَضَاؤُهُ فِي مُقَاسَمَةِ الجَدِّ مَعَ الإخْوَةِ فِي المِيرَاثِ، حَيْثُ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كَانَ يُشْرِكُ الجَدَّ مَعَ الإخْوَةِ، ثُمَّ قَضَى بمُقَاسَمَتِهِ إيَّاهُم إلَى الثُّلُثِ؛ اتِّبَاعًا لِمَا رَسَمَهُ عُمَرُ فِي كِتَابٍ أرْسَلَهُ إلَيْهِ، ضَمَّنَهُ قَوْلَهُ: «إنِّي لا أُرَانَا إلاَّ قَدْ أجْحَفْنَا بالجَدِّ! فَإذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا، فَقَاسِمْ بِهِ مَعَ الإخْوَةِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أنْ يَكُونَ الثُّلُثُ خَيْرًا لَهُ مِنْ مُقَاسَمَتِهِمْ»، فَتَرَكَ رَأيَهُ وتَابَعَ عُمَرَ(792)

بَيْدَ أنَّ هَذَا لا يَعْنِي بحَالٍ أنْ يَكُونَ عَبْدُ اللهِ وزَيْدٌ مُقَلِّدَيْنِ لعُمَرَ فِي مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ مِنِ اجْتِهَادٍ بإطْلاقٍ(793) ! فإنَّ فِي هَذَا غَبْنًا لَهُمَا، ومُجَانَفَةً للحَقِيقَةِ. فإنَّ مِنَ المَسَائِلِ مَا خَالَفَا فِيهَا عُمَرَ، لأنَّهُمَا اعْتَقَدَا أنَّ مَا أدَّاهُمَا إلَيْهِ اجْتِهَادُهُمَا هُوَ الحَقُّ، فَلا تَحِلُّ لَهُمَا مُتَابَعَةُ عُمَرَ فِي مَا يَقُولُ(794) . فالأوْفَقُ أنْ يُقَالَ: «ثَلاثَةٌ يَسْتَفْتِي بَعْضُهُم مِنْ بَعْضٍ: عُمَرُ، وعَبْدُ اللهِ، وزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ»(795) .

فما الوَجْهُ الأصُولِيُّ فِي هَذَا الاخْتِلافِ إذاً؟

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثَانِيًا: ظَاهِرَةُ الاخْتِلافِ فِي الاجْتِهَادِ:

يَرْجِعُ الاخْتِلافُ فِي اجْتِهَادَاتِ عُمَرَ –ومَعَهُ مُجْتَهِدُو الصَّحَابَةِ- إلَى أسْبَابٍ ذَاتِيَّةٍ فِي شَخْصِيَّةِ المُجْتَهِدِ، ونَوْعِ المَسْؤُولِيَّاتِ الَّتِي تَوَلاَّهَا كُلٌّ مِنْهُم، وأخْرَى تَعُودُ إلَى تَفْصِيلاتٍ دَقِيقَةٍ، كَانُوا يَنْزِعُونَ إلَيْهَا فِي طَرَائِقِ الاسْتِدْلالِ بالنُّصُوصِ نَفْسِهَا، فَضْلاً عَنْ أنَّهُم لَمْ يَكُونُوا عَلَىَ دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الرُّجُوعِ إلَى المَصَادِرِ التَّشْرِيعِيَّةِ الاسْتِثْنَائِيَّةِ، وفِي مَدَى التَّوْسِيعِ والتَّضْيِيقِ فِي مَجَالِ عَمَلِهَا.

اشْتَهَرَ عُمَرُ بكَثْرَةِ ارْتِيَادِهِ مَجَالاتِ الاجْتِهَادِ الاسْتِثْنَائِيِّ، حِينَ يَسْتَدْعِي المَوْقِفُ إعَادَةَ النَّظَرِ فِي إجْرَاءِ العُمُومَاتِ(796) ، وسَدِّ ذَرَائِعِ الفَسَادِ، وحَسْمِ أسْبَابِ الفِتَنِ؛ اعْتِبَارًا لمَآلاتِ التَّطْبِيقِ. وهُوَ نَظَرٌ يَنْطَلِقُ مِنْ مُلاحَظَةِ سِيَاسَةِ التَّشْرِيعِ، ورِعَايَةِ المَصَالِحِ(797) .

أمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ، فنَزْعَتُهُ إلَى القِيَاسِ غَلَبَتْ عَلَى نَزْعَتِهِ إلَى رِعَايَةِ المَصَالِحِ وسِيَاسَةِ التَّشْرِيعِ. فكَانَ إبْرَاهِيمُ النَّخْعِيُّ (ت96هـ) رحمه الله(798)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يُفَضِّلُ قَوْلَهُ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ إذَا اخْتَلَفَا فِي الاجْتِهَادِ فِي مَسْألَةٍ مُعَيَّنَةٍ، لِمَا بَيْنَ مَدْرَسَتَيْهِمَا مِنْ تَبَايُنٍ فِي الاعْتِمَادِ عَلَى المَصَادِرِ.

فَفِي الوَقْتِ الَّذِي يَمِيلُ فِيهِ عُمَرُ إلَى الاجْتِهَادِ المَصْلَحِيِّ بأنْوَاعِهِ، نَرَى ابْنَ مَسْعُودٍ يَجْنَحُ إلَى القِيَاسِ(799) ، وهُوَ عَيْنُ مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ النَّخْعِيُّ، الَّذِي «كَانَ لا يَعْدِلُ بقَوْلِ عُمَرَ وعَبْدِ اللهِ إذَا اجْتَمَعَا. فَإذَا اخْتَلَفَا، كَانَ قَوْلُ عَبْدِ اللهِ أعْجَبَ إلَيْهِ، لأنَّهُ كَانَ ألْطَفَ»(800) .

يتَّضِحُ ذَلِكَ فِي مَسْألَةِ المُتَزَوِّجَةِ فِي عِدَّتِهَا :

نَكَحَتْ طُلَيْحَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ اللهِ(801) رُشَيْدًا الثَّقَفِيَّ(802) فِي عِدَّتِهَا، فَجَلَدَهَا

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عُمَرُ بِالدِّرَّةِ، وقَضَى: «أيُّمَا رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأةً فِي عِدَّتِهَا فَأصَابَهَا، فَإنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ لا يَجْتَمِعَانِ أبَدًا، وتَسْتَكْمِلُ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنَ الأوَّلِ، ثُمَّ تَسْتَقْبِلُ عِدَّتَهَا مِنَ الآخَرِ، وإنْ كَانَ لَمْ يُصِبْهَا، فَإنَّهُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَسْتَكْمِلَ بَقِيَّةَ عِدَّتِهَا مِنَ الأوَّلِ، ثُمَّ يَخْطِبُهَا مَعَ الخُطَّابِ»(803)

وأُتِيَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَالِبٍ بِامْرَأةٍ نُكِحَتْ فِي عِدَّتِهَا وَبُنِيَ بِهَا! «فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا، وأمَرَهَا أنْ تَعْتَدَّ بِمَا بَقِيَ مِنْ عِدَّتِهَا الأولَى، ثُمَّ تَعْتَدَّ مِنْ هَذَا عِدَّةً مُسْتَقْبَلَةً، فَإذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَهِيَ بالْخَيَارِ، إنْ شَاءَتْ نَكَحَتْ، وإنْ شَاءَتْ فَلا»(804) .

نَلْحَظُ أنَّ عُمَرَ قَضَى بتَأبِيدِ حُرْمَتِهَا عَلَى مَنْ تَزَوَّجَهَا فِي عِدَّتِهَا، مُعَامَلَةً لَهَا بنَقِيضِ قَصْدِهَا، وزَجْرًا عَنْ مُخَالَفَةِ شَرْعِ اللهِ. وانْتَزَعَ الحُكْمَ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ، بِنَاءً عَلَى أنَّ مَنِ اسْتَعْجَلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أوَانِهِ عُوقِبَ بحِرْمَانِهِ(805) ، مِنْ قَبِيلِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ. بَيْنَمَا حَكَمَ عَلِيٌّ بالخَيَارِ تَمَسُّكًا بالبَرَاءَةِ الأصْلِيَّةِ، وهُوَ اسْتِصْحَابُ أمْرٍ عَدَمِيٍّ.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثَالِثًا: الفَرْقُ بَيْنَ الابْتِنَاءِ عَلَى القِيَاسِ والمَصْلَحَةِ:

لَجَأ عُمَرُ إلَى الأخْذِ بالرَّأيِ مِنْ أوْسَعِ أبْوَابِهِ، إذْ لا يَسَعُهُ أنْ يتَوَقَّفَ عَنْ إصْدَارِ الفَتْوَى وهُوَ يُدِيرُ شُؤُونَ الدَّوْلَةِ، ويُعَالِجُ الأمُورَ إبَّانَ حُصُولِهَا أوَّلاً بأوَّلٍ إذَا لَمْ يَجِدْ نَصًّا مِنَ القُرْآنِ أوِ السُّنَّةِ. فلا يُمْكِنُهُ أنْ يَزْهَدَ فِي الاجْتِهَادِ ويَعْزُفَ عَنْهُ، لِئَلاَّ تَقِفَ عَجَلَةُ العَمَلِ فِي الدَّوْلَةِ، وعِلاجُ مَا يَجِدُّ مِنْ أحْدَاثٍ، وهُوَ المُطَالَبُ بعِلاجِهَا مِنْ غَيْرِ تَأجِيلٍ، وهُوَ العَبْقَرِيُّ المُلْهَمُ، الَّذِي كَانَتْ تَفِيضُ الحِكْمَةُ مِنْ بَيْنِ أنَامِلِهِ.

عَمِلَ باجْتِهَادِ الرَّأيِ فِي الوَاقِعَاتِ، عَلَى مِنْهَاجِ القِيَاسِ والمَصْلَحَةِ، بحَسْبِ مَصَادِيقِ كِلَيْهِمَا:

فمَا كَانَ مِنْهَا أقْرَبُ إلَى نَصٍّ مُعَيَّنٍ؛ أخَذَ فِيهَا بالقِيَاسِ. وأمَرَ المُجْتَهِدِينَ مِنْ وُلاتِهِ وقُضَاتِهِ أنْ يتَّجِهُوا إلَى المُقَايَسَةِ وإلْحَاقِ الشَّبِيهِ بشَبِيهِهِ، فِي مَا لا نَصَّ فِيهِ مِنْ كِتَابٍ أو سُنَّةٍ، كَمَا وَرَدَ فِي كِتَابِهِ إلَى أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ رضي الله عنه.

ومَا قَرُبَ مِنَ المَقَاصِدِ العَامَّةِ للشَّرِيعَةِ عَمِلَ فِيهِ بالمَصْلَحَةِ وأفْتَى بِهَا فِي ذَاتِهَا، كَمَا فِي فَتْوَاهُ بقَتْلِ الجَمَاعَةِ بالوَاحِدِ، وتَضْمِينِ الصُّنَّاعِ. وكَذَا عِنْدَ إدَارَةِ شُؤُونِ الدَّوْلَةِ فِي مَا لا نَصَّ فِيهِ.

فَلِمَاذَا يَأخُذُ عُمَرُ بالمَصْلَحَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ النَّصِّ إذَا كَانَ مَوْضُوعُ الاجْتِهَادِ يتَعَلَّقُ بإدَارَةِ الدَّوْلَةِ وتَسْييرِ أمُورِهَا... ويَأمُرُ القُضَاةَ أنْ يَأخُذُوا بالقِيَاسِ ولا يتَجَاوَزُوهُ، كَمَا هُوَ صَرِيحُ كِتَابِ القَضَاءِ؟

الجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ يتَضَمَّنُ التَّفْرِيقَ مَا بَيْنَ إدَارَةِ شُؤُونِ الدَّوْلَةِ مِنْ جِهَةٍ، وبَيْنَ الفَصْلِ فِي المُنَازَعَاتِ أمَامَ القَاضِي مِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ، لِجِهَةِ المُسْتَنَدِ الشَّرْعِيِّ الَّذي يَنْطَلِقَانِ مِنْهُ، مِنْ خِلالِ مُلاحَظَةِ مَا يَلِي:

إنَّ إدَارَةَ شُؤُونِ الدَّوْلَةِ تَقُومُ عَلَى جَلْبِ المَصْلَحَةِ ودَفْعِ المَفْسَدَةِ، والتِزَامِ خِطَابِ الشَّرْعِ بِالأمْرِ أوِ النَّهْيِ. وفَرْقٌ مَا بَيْنَ الوَالِي الصَّالِحِ وغَيْرِ الصَّالِحِ هُوَ دَفْعُ الفَسَادِ وإقَامَةُ المَصْلَحَةِ فِي الأوَّلِ، ومُخَالَفَةُ ذَلِكَ فِي الثَّانِي، لِذَا قَالَ اللهُ تعالى: ﴿النّاسِ مَن يُعجِبُكَ قَولُهُ فِي الحَياةِ الدُّنيا وَيُشهِدُ اللَّهَ عَلىٰ ما في قَلبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصامِ ۝٢٠٤ وَإِذا تَوَلّىٰ سَعىٰ فِي الأَرضِ لِيُفسِدَ فيها وَيُهلِكَ الحَرثَ وَالنَّسلَ ۗ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ ۝٢٠٥ وَإِذا قيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتهُ العِزَّةُ بِالإِثمِ ۚ فَحَسبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئسَ المِهادُ ۝٢٠٦ وَمِنَ النّاسِ مَن يَشري نَفسَهُ ابتِغاءَ مَرضاتِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ رَءوفٌ بِالعِبادِ ۝٢٠٧﴾(806) .

أمَّا القَضَاءُ، فإنَّهُ تَحْقِيقٌ للعَدَالَةِ بَيْنَ الخُصُومِ، والانْتِصَافُ مِنَ الظَّالِمِ للمَظْلُومِ، ورَدُّ الحُقُوقِ مِنَ الغَاصِبِ للمَغْصُوبِ مِنْهُ... إذًا فَلا بُدَّ أنْ يتَحَقَّقَ بنِظَامٍ ثَابِتٍ. ولَمَّا كَانَ القَضَاءُ تُسَنُّ لَهُ القَوَانِينُ وتُرْسَمُ لَهُ الحُدُودُ؛

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كَانَ لا بُدَّ مِنْ أنْ يَكُونَ مُقيَّدًا بالكِتَابِ والسُّنَّةِ، غَيْرَ مُنْطَلِقٍ عَنْهُمَا قَطُّ. فإنْ لَمْ يَجِدِ الحُكْمَ صَرِيحًا فِيهِمَا، ويُسْعِفُهُ تَعَرُّفُهُ مِنْ شَبِيهَاتِه فِي مَا يُشَارِكُ المَنْصُوصَ عَلَيْهِ فِي بَعْضِ الأوْصَافِ حتَّى يَحْكُمَ بأنَّهُ مِثْلُهُ، ويَكُونَ قَضَاؤُهُ بنَصٍّ قَائِمٍ، أوْ بِالحَمْلِ عَلَيْهِ، لَزِمَهُ المَصِيرُ إلَيْهِ، حتَّى لا يَكُونَ أمْرُ القَضَاءِ فَرْطًا لا ضَابِطَ لَهُ.

وقَدْ تَنَبَّهَ الفَارُوقُ لِهَذِهِ النُّكْتَةِ، فصَدَّرَ كِتَابَهُ إلَى أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ بقَوْلِهِ: «القَضَاءُ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ»(807) .

بِنَاءً عَلَيْهِ، كَانَ لا بُدَّ مِن تَقْيِيدِ القَضَاءِ بالنُّصُوصِ، والقِيَاسُ طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ فَهْمِ النُّصُوصِ، وبَابُ الاجْتِهَادِ مِنَ القَاضِي مَقْصُورٌ عَلَيْهِ(808) . قَالَ البَغَوِيُّ (ت516هـ) رحمه الله(809) : «الاجْتِهَادُ هُوَ: رَدُّ القَضِيَّةِ إلَى مَعْنَى الكِتَابِ والسُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ القِيَاسِ»(810) .

المَطْلَبُ الثَّالِثُ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أسْبَابُ اخْتِلافِ الاتِّجَاهَاتِ التَّشْرِيعِيَّةِ بَيْنَ عُمَرَ ومُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ

يَقُولُ الشَّاطِبِيُّ: «إنَّ اللهَ تَعَالَى حَكَمَ بحِكْمَتِهِ أنْ تَكُونَ فُرُوعُ هَذِهِ المِلَّةِ قَابِلَةً للأنْظَارِ ومَجَالاً للظُّنُونِ... وأنَّ الخِلافَ فِي مَسَائِلِ الاجْتِهَادِ وَاقِعٌ مِمَّنْ حَصَلَ لَهُ مَحْضُ الرَّحْمَةِ، وهُمُ الصَّحَابَةُ ومَنِ اتَّبَعَهُمْ بإحْسَانٍ... وأنَّهُم فَتَحُوا للنَّاسِ بَابَ الاجْتِهَادِ وجَوَازَ الاخْتِلافِ فِيهِ، لأنَّ مَجَالَ الاجْتِهَادِ ومَجَالاتِ الظُّنُونِ لا تَتَّفِقُ عَادَةً»(811) .

وبالنَّظَرِ إلَى الجُزْئِيَّاتِ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا نَظَرُ عُمَرَ مُقَارَنَةً بمُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ، فَإنَّهُ يُمْكِنُ إرْجَاعُهَا إلَى نَوْعَيْنِ رَئِيسَيْنِ، هُمَا:

النَّوْعُ الأوَّلُ: مَا يَرْجِعُ إلَى الكَفَاءَة العِلْمية:

العَالِمُ قَدْ يَكُونُ عِنْدَهُ مَا لا يَكُونُ عِنْدَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ أعْلَمُ مِنْهُ، ولا يَضِيرُ الأخِيرَ شَيْءٌ، وذَلِكَ لأسْبَابٍ مِنْهَا:

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحِفْظُ ومَا يُنَافِيهِ: التَّيَمُّمُ مِنَ الجَنَابَةِ:

عَلِمَ عَمَّارٌ حُكْمَ التَّيَمُّمِ مِنَ الجَنَابَةِ، وجَهِلَهُ عُمَرُ(812) .

حُكْمُ الاسْتِئْذَانِ:

عَلِمَهُ أبُو مُوسَى، وجَهِلَهُ عُمَرُ(813) .

الضَّبْطُ ومَا يُنَافِيهِ:

مِمَّا يَرْجِعُ إلَى الحِفْظِ والضَّبْطِ: الشَّكُّ فِي ضَبْطِ الرَّاوِي، ودِقَّةِ تَحَمُّلِهِ وأدَائِهِ، عَلَى نَحْوِ مَا وَقَعَ فِي خَبَرِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: «أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، لَمْ يَجْعَلْ لَهَا سُكْنَى ولا نَفَقَةً»(814) .

فالضَّبْطُ فِي الحَدِيثِ يَحْفَظُ صَاحِبَهُ مِنَ النَّقْدِ، وهُوَ شَرْطُ صِحَّةٍ. فلَمَّا تَطَرَّقَ احْتِمَالُ الغَلَطِ إلَى الرَّاوِي، أوِ الإجْمَالُ فِي الإفْصَاحِ عَنِ المُرَادِ فِي دَلِيلٍ خَاصٍّ؛ قَدَّمَ العَمَلَ بِنَصٍّ آخَرَ، ولا يَضِيرُهُ أنْ جَاءَ عَامًّا لِشَهَادَةِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

القِيَاسِ عَلَيْهِ.

هَذَا مَا وَرَدَتِ الإشَارَةُ إلَيْهِ فِي قَوْلِ عُمَرَ: «لا نَتْرُكُ كِتَابَ اللهِ وسُنَّةَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم لقَوْلِ امْرَأةٍ؛ لا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أوْ نَسِيَتْ. لَهَا السُّكْنَى والنَّفَقَةُ، قَالَ اللهُ عز وجل: ﴿ۖ لا تُخرِجوهُنَّ مِن بُيوتِهِنَّ وَلا يَخرُجنَ إِلّا أَن يَأتينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾(815)(816) )( ».

وَجْهُ الدَّلالَةِ: أنَّ رَاوِيَ الحَدِيثِ –وهُوَ: فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ- لَمَّا تَطَرَّقَ إلَيْهِ احْتِمَالُ السَّهْوِ أوِ الخَطَأ أوِ النِّسْيَانِ، ضَعُفَ بالنَّظَرِ إلَى قُوَّةِ الآيَةِ لِجِهَةِ قَطْعِيَّةِ ثُبُوتِهَا.

النَّوْعُ الثَّانِي: مَا يَرْجِعُ إلَى التَّفَاوُتِ فِي مَدَارِكِ النَّظَرِ:

يُمْكِنُ تَصْنِيفُ هَذَا النَّوْعِ إلَى عَامِلَيْنِ اثْنَيْنِ، هُمَا:

العَامِلُ الأوَّلُ: مَا يَرْجِعُ إلَى تَفْسِيرِ النَّصِّ:

لَهُ أسْبَابٌ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا:

السَّبَبُ الأوَّلُ: اخْتِلافُهُم فِي فَهْمِ الخِطَابِ:

كَأنْ يَكُونَ نَاتِجًا عَنْ تَفَاوُتِهِم فِي فَهْمِ الخِطَابِ، وحَمْلِ دَلالَتِهِ عَلَى

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بَعْضِ المَعَانِي، بمِقْدَارِ مَا يُحِيطُ بِهِ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مِنْ أسْرَارِ العَرَبِيَّةِ وتَذَوُّقِ أسَالِيبِهَا.

مِنْ شَوَاهِدِهِ:

تَحْدِيدُ المُرَادِ مِنْ لَفْظِ القَرْءِ:

مِنْ هَذَا النَّمَطِ اخْتِلافُهُم فِي حَمْلِ لَفْظِ القَرْءِ – وهُوَ مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ- عَلَى أحَدِ مَعْنَيَيْهِ(817) ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُروءٍ(818) ۚ﴾ :

فحَمَلَهُ عُمَرُ عَلَى الحَيْضِ(819) ، والبَعْضُ عَلَى الطُّهْرِ. فنَتَجَ عَنْ ذَلِكَ اخْتِلافُهُم فِي مَا تَعْتَدُّ بِهِ المُطَلَّقَةُ؛ بَيْنَ قَائِلٍ بالحَيْضِ، وقَائِلٍ بالأطْهَارِ.

تَحْدِيدُ المُرَادِ مِنْ لَفْظِ اللَّمْسِ:

وكَذا اخْتَلَفُوا فِي تَحْدِيدِ المُرَادِ مِنَ اللَّمْسِ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿الغائِطِ أَو لامَستُمُ النِّساءَ فَلَم تَجِدوا ماءً﴾(820) هَلْ هُوَ المَسُّ باليَدِ مُجَرَّدًا عَنِ الشَّهْوَةِ، أوْ مَعَهَا، أوْ مَعَ انْتِشَارِ الآلَةِ؟ أوْ هُوَ بمَعْنَى المُلامَسَةِ الَّتِي

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هِيَ كِنَايَةٌ عَنِ الجِمَاعِ(821)

ثُمَّ تَعَدَّدَ النَّقْلُ عَنْ عُمَرَ فِي نَقْضِ الوُضُوءِ بمَسِّ المَرْأةِ، عَلَى قَوْلَيْنِ:

الأوَّلُ: أنَّهُ كَانَ يَأمُرُ بالوُضُوءِ مِنْ مَسِّ المَرْأةِ وتَقْبِيلِهَا، ويَقُولُ: «إنَّ القُبْلَةَ مِنَ اللَّمْسِ، فتَوَضَّؤُوا مِنْهَا»(822) .

الثَّانِي: أنَّهُ كَانَ يُقَبِّلُ امْرَأتَهُ ثُمَّ يُصَلِّي ولا يَتَوَضَّأُ، فَقَدَ «خَرَجَ إلَى الصَّلاةِ، فقَبَّلَتْهُ امْرَأتُهُ، فَصَلَّى ولَمْ يَتَوَضَّأ»(823) .

وطَرِيقُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أنْ يُحْمَلَ الأمْرُ بالوُضُوءِ عَلَى الاسْتِحْبَابِ(824) للاحْتِيَاطِ(825) . أوْ أنْ يُقَيَّدَ بالمَسِّ بشَهْوَةٍ(826) . هَذَا إنْ ثَبَتَ قَوْلُهُ بالنَّقْضِ، فالمُحَدِّثُونَ عَلَى أنَّهُ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ولا يَصِحُّ عَنْ عُمَرَ(827) .

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

السَّبَبُ الثَّانِي: اخْتِلافُهُم فِي تَوْصِيفِ فِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:

أنْ يَتَمَخَّضَ عَنِ التَّوْصِيفِ العِلْمِيِّ لِفِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، أهُوَ عَلَى سَبِيلِ القُرْبَةِ، أوِ الاتِّفَاقِ(828) ؟

مِثَالُهُ:

حُكْمُ الرَّمَلِ فِي الطَّوَافِ:

اخْتَلفُوا فِي حَمْلِ الرَّمَلِ(829) فِي الطَّوَافِ(830) : هَلْ هُوَ عَلَى القُرْبَةِ، أوْ مُطْلَقِ الإبَاحَةِ؟ عَلَى رَأيَيْنِ:

فذَهَبَ الجُمْهُورُ إلَى أنَّهُ سُنَّةٌ، لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أمَرَ بِهِ، وفَعَلَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ(831) وقَدْ يَفْعَلُ الشَّيْءَ لِمَعْنًى ثُمَّ يَزُولُ، ويَبْقَى فِي حَقِّ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

غَيْرِهِ سُنَّةً مَعَ زَوَالِ العِلَّةِ. كَالرَّمَلِ والاضْطِبَاعِ(832) فِي طَوَافِ القُدُومِ، فَعَلَهُ هُوَ وأصْحَابُهُ لإظْهَارِ الجَلَدِ للكُفَّارِ، وبَقِيَ سُنَّةً بَعْدَ زَوَالِهِمْ(833)

وذَهَبَ عُمَرُ وابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ(834) ، لأنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَعَلَهُ لمُوجِبٍ عَرَضَ لَهُ، ثُمَّ زَالَ وانْقَضَى. قَالَ عُمَرُ: «فَمَا لَنَا وللرَّمَلِ؟! إنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ المُشْرِكِينَ. وقَدْ أهْلَكَهُمُ اللهُ». ثُمَّ قَالَ: «شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَلاَ نُحِبُّ أنْ نَتْرُكَهُ»(835) .

وبِلَفْظٍ نَحْوُهُ، قَالَ: «فِيمَ الرَّمَلانُ(836) الآنَ؟ وقَدْ أَطَّأَ اللهُ(837) الإسْلامَ،

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ونَفَى الكُفْرَ وأهْلَهُ! وَايْمُ اللهِ، مَا نَدَعُ شَيْئًا، كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم»(838)

يُوَضِّحُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأصْحَابُهُ. فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إنَّهُ يَقْدَمُ عَلَيْكُم وَفْدٌ وَهَنَتْهُم(839) حُمَّى يَثْرِبَ، «وأمَرَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ الثَّلاَثَةَ، وأنْ يَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ. ولَمْ يَمْنَعْهُ أنْ يَأمُرَهُم، أنْ يَرْمُلُوا الأشْوَاطَ كُلَّهَا إلاَّ الإبْقَاءُ عَلَيْهِم(840)(841) ) ( ». و«إنَّمَا سَعَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَرَمَلَ بالبَيْتِ، لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ»(842) .

لا شَكَّ أنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ مِنْهُمَا اجْتِهَادٌ مَحْضٌ، اسْتِنَادًا إلَى القَرَائِنِ الحَالِيَّةِ والظُّرُوفِ الَّتِي كَانَتْ وَرَاءَ القِيَامِ بِهِ. «وهُوَ تَفْسِيرٌ يَقُومُ عَلَى

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المُشَاهَدَةِ الحَيَّةِ، لا عَلَى الدَّلالَةِ الوَضْعِيَّةِ لخِطَابِ الشَّارِعِ»(843) ويُلْفِتُ إلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ عُمَرُ مِنَ الاجْتِهَادِ فِي الطَّاعَةِ، واتِّبَاعِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم.

السَّبَبُ الثَّالِثُ: اخْتِلافُهُم فِي آلِيَّةِ دَفْعِ التَّعَارُضِ:

أنْ يَكُونَ نَاشِئًا عَنْ تَبَايُنِ طَرَائِقِهِم فِي التَّوْفِيقِ بَيْنَ النُّصُوصِ المُتَعَارِضَةِ فِي ظَاهِرِهَا، بَيْنَ لاجِئٍ إلَى الجَمْعِ بَيْنَ الأدِلَّةِ ثُمَّ التَّرْجِيحِ بَيْنَهَا. وبَيْنَ ذَاهِبٍ إلَى الحَمْلِ عَلَى النَّسْخِ، أوِ التَّخْصِيصِ.

كَالشَّأنِ فِي المَسْألَةِ الآتِيَةِ:

عِدَّةُ الحَامِلِ المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا:

وَرَدَ فِي هَذِهِ المَسْألَةِ آيَتَانِ مُنْفَصِلَتَانِ، تَتَنَاوَلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا – بالعُمُومِ والشُّمُولِ- بَيَانَ عِدَّةِ المَرْأةِ، عَلَى النَّحْوِ الآتِي:

فعِدَّةُ المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا: أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وعَشَرَةُ أيَّامٍ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، قَالَ اللهُ عز وجل: ﴿وَالَّذينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم وَيَذَرونَ أَزواجًا يَتَرَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا﴾(844) . فهَذِهِ الآيَةُ تُوجِبُ الاعْتِدَادَ بالشُّهُورِ.

وعِدَّةُ المُطَلَّقَةِ الحَامِلِ: وَضْعُ الحَمْلِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ۚ وَأُولاتُ الأَحمالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعنَ﴾(845) . وهَذِهِ الآيَةُ تُوجِبُ انْقِضَاءَ العِدَّةِ بوَضْعِ الحَمْلِ.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومِنْ المُشْتَرَكِ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ نَتَجَتْ صُورَةٌ ثَالِثَةٌ، وهِيَ: الحَامِلُ المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، فَبِمَ تَعْتَدُّ؟!

ذَهَبَ عَلِيٌّ رضي الله عنه إلَى إعْمَالِ حُكْمِ الآيَتَيْنِ مَعًا(846) ، وجَعَلَ انْقِضَاءَ أبْعَدِ الأجَلَيْنِ مِنْ وَضْعِ الحَمْلِ، أوْ مُضِيِّ الشُّهُورِ عَلامَةً عَلَى انْتِهَاءِ عِدَّتِهَا(847) . ذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يتَرَجَّحِ العَمَلُ بإحْدَاهُمَا دُونَ الأخْرَى، فعَمِلَ بالآيَتَيْنِ جَمِيعًا للخُرُوجِ مِنَ الظَّنِّ إلَى اليَقِينِ، إبْرَاءً للذِّمَّةِ، وللتَّخَلُّصِ مِنْ ظَاهِرَةِ التَّعَارُضِ، «وهَذَا مَأخَذٌ جَيِّدٌ، ومَسْلَكٌ قَوِيٌّ»(848) .

بَيْنَمَا ذَهَبَ عُمَرُ إلَى أنَّهَا تَعْتَدُّ بوَضْعِ الحَمْلِ، عَمَلاً بالآيَةِ الأخِيرَةِ مِنْهُمَا، لتَأخُّرِهَا فِي النُّزُولِ(849) ، قَالَ: «آخِرُ الآيَتَيْنِ نُزُولاً الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ القُصْرَى»(850) . وحِينَئِذٍ تَكُونُ قَدِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا إذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا. وقَالَ عُمَرُ: «إذَا وَضَعَتْ ذَا بَطْنِهَا؛ فَقَدْ حَلَّتْ لِلرِّجَالِ»(851) . وقَالَ: «لَوْ وَضَعَتْ وزَوْجُهَا عَلَى سَرِيرِهِ لَمْ يُدْفَنْ بَعْدُ، لَحَلَّتْ»(852) .

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فهَذَا الَّذِي صَارَ إلَيْهِ عُمَرُ هُوَ مِنْ قَبِيلِ التَّخْصِيصِ أوِ النَّسْخِ الجُزْئِيِّ، وهَذَا مَا يَنْسَجِمُ مَعَ مَبْدَأ أصُولِ الجَمْعِ والتَّرْجِيحِ، لكَوْنِ المُتَأخِّرِ مُقَدَّمًا عَلَى الخِطَابِ المُتَقَدِّمِ(853) . ووَافَقَهُ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، وقَالَ فِي الدِّفَاعِ عَنْ رَأيِهِ: «مَنْ شَاءَ بَاهَلْتُهُ، أنَّ سُورَةَ النِّسَاءِ القُصْرَى(854) نَزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النِّسَاءِ الطُّولَى(855)(856) ) ( »، «أتَجْعَلُونَ عَلَيْهَا التَّغْلِيظَ(857) ، ولا تَجْعَلُونَ عَلَيْهَا(858) الرُّخْصَةَ(859)(860) ) ( ».

حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثُمَّ تَأيَّدَ قَوْلُهُمَا بحَدِيثِ سُبَيْعَةَ الأسْلَمِيَّةِ رضي الله عنها(861) ، وفِيهِ إخْبَارُهَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «فَأفْتَانِي بأنِّي قَدْ حَلَلْتُ حِينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وأمَرَنِي بالتَّزَوُّجِ إنْ بَدَا لِي»(862) .

العَامِلُ الثَّانِي: مَا يَرْجِعُ إلَى تَطْبِيقِ النَّصِّ:

مَرَدُّهُ إلَى تَخَلُّفِ العِلَلِ الحِكْمِيَّةِ، وتَغَيُّرِ مُوجِبَاتِ الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. ويَعُودُ إلَى اخْتِلافِ العَصْرِ والزَّمَانِ، والأحْوَالِ والظُّرُوفِ، أكْثَرَ مِنْهُ إلَى اخْتِلافِ الاسْتِدْلالِ ووُجْهَاتِ التَّفْكِيرِ.

فهَذَانِ فَرْعَانِ:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الفَرْعُ الأوَّلُ: حُصُولُ الاخْتِلافِ بِسَبَبِ تَبَايُنِ المُجْتَهِدِينَ فِي تَحْقِيقِ المَنَاطِ بمَعْنَاهُ العَامِّ:

يَقُومُ تَحْقِيقُ المَنَاطِ عَلَى إجْرَاءِ الأصُولِ اللَّفْظِيَّةِ أوِ المَعْنَوِيَّةِ (القَوَاعِدِ العَامَّةِ) فِي الوَاقِعِ الفِعْلِيِّ، بالكَشْفِ عَنْ مَدَى وُجُودِ التَّطَابُقِ بَيْنَ مَضَامِينِ العُمُومَاتِ والقَوَاعِدِ مِنْ جِهَةٍ، وبَيْنَ الحَادِثَةِ مَحِلِّ البَحْثِ مِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ.

مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ:

المَنْعُ مِنَ الإرْخَاصِ عَنْ سِعْرِ السُّوقِ:

كَانَ حَاطِبُ بْنُ أبِي بَلْتَعَةَ رضي الله عنه(863) يَعْرِضُ سِلَعَهُ بأقَلَّ مِنْ ثَمَنِ المِثْلِ! فمَنَعَ عُمَرُ مِنْ إرْخَاصِ سِعْرِ الزَّبِيبِ فِي سُوقِ المُصَلَّى بالمَدِينَةِ(864)

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

خَشْيَةَ اسْتِغْلالِهِ فِي مُنَافَسَةٍ غَيْرِ شَرِيفَةٍ، يُرَادُ مِنْهَا صَرْفُ العِيرِ القَادِمَةِ بالبَضَائِعِ عَنِ السُّوقِ، حِينَ تَرَى أنَّهَا لَنْ تُحَقِّقَ أرْبَاحًا كَافِيَةً تُوَازِنُ جُهْدَهُم وارْتِحَالَهُم(865) فمَنَعَهُ مِنَ المُكُوثِ فِي السُّوقِ إلاَّ إذَا رَفَعَ السِّعْرَ.

وفِي ظَنِّ عُمَرَ أنَّ هَذَا الإرْخَاصَ قَرِينَةٌ عَلَى التَّذَرُّعِ إلَى المَفْسَدَةِ(866) ! والأصْلُ الرِّفْقُ بالنَّاسِ، وهُوَ مَا يُسَمِّيهِ الشَّاطِبِيُّ «جِهَةَ التَّعَاوُنِ»(867) . وفِيهِ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ مَبْدَأ حُرِّيَّةِ التِّجَارَةِ، ومُسْتَنَدُهُ اخْتِيَارُ أهْوَنِ الشَّرَّيْنِ(868) .

ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدَ حِينٍ أنَّهُ جَانَبَ فِي تَحْقِيقِ المَنَاطِ، فلَمَّا رَجَعَ حَاسَبَ نَفْسَهُ، ثُمَّ أتَى حَاطِبًا فِي دَارِهِ، فَقَالَ: «إنَّ الَّذِي قُلْتُ لَكَ لَيْسَ بعَزْمَةٍ مِنِّي ولا قَضَاءٍ. إنَّمَا هُوَ الشَّيْءُ أرَدْتُ بِهِ الخَيْرَ لأهْلِ البَلَدِ، فحَيْثُ شِئْتَ فَبِعْ، وكَيْفَ شِئْتَ فَبِعْ»(869) .

الفَرْعُ الثَّانِي: حُصُولُ الاخْتِلافِ بِسَبَبِ تَفَاوُتِ المُجْتَهِدِينَ فِي إدْرَاكِ مَآلِ التَّطْبِيقِ:

نَحْوَ تَقْيِيدِ المُبَاحِ، فِي مَا قَرَّرَهُ القَرَافِيُّ (ت684هـ) رحمه الله(870)

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كَسُلْطَةٍ مُسْنَدَةٍ إلَى الحَاكِمِ، مِنْ بَابِ السِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ. يَقُولُ: «وإذَا تَقَرَّرَ أنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ لكُلِّ مُكَلَّفٍ وإنْ كَانَ عَامِّيًّا جَاهِلاً- الإنْشَاءَ فِي الشَّرِيعَةِ لغَيْرِ ضَرُورَةٍ، فَأوْلَى أنْ يَجْعَلَ الإنْشَاءَ للحُكَّامِ مَعَ عِلْمِهِم وجَلالَتِهِم، لضَرُورَةِ دَرْءِ العِنَادِ، ودَفْعِ الفَسَادِ، وإخْمَادِ النَّائِرَةِ(871) وإبْطَالِ الخُصُومَةِ»(872)

مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ:

المَنْعُ مِنَ التَّزَوُّجِ بالكِتَابِيَّاتِ الأجْنَبِيَّاتِ إبَّانَ فَتْحِ فَارِسَ:

التَّزَوُّجُ بالمُحْصَنَاتِ مِنْ أهْلِ الكِتَابِ مَشْرُوعٌ بنَصِّ القُرْآنِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالمُحصَناتُ مِنَ الَّذينَ أوتُوا الكِتابَ مِن قَبلِكُم إِذا آتَيتُموهُنَّ أُجورَهُنَّ مُحصِنينَ غَيرَ مُسافِحينَ وَلا مُتَّخِذي أَخدانٍ﴾(873) والحِكْمَةُ مِنْهُ ظَاهِرَةٌ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فِي إزَالَةِ مَا يَعْمُرُ قُلُوبَهُنَّ مِنْ كَرَاهِيَةٍ للإسْلامِ ووَحْشَةٍ مِنْهُ، عَنْ طَرِيقِ التَّزَوُّجِ بالمُؤْمِنِينَ؛ ليَكُونُوا القُدْوَةَ العَمَلِيَّةَ لَهُنَّ فِي سُمُوِّ الخُلُقِ، وعِزَّةِ الإيمَانِ، واسْتِقَامَةِ النَّفْسِ(874)

لَكِنَّ عُمَرَ نَهَى عَنْهُ فِي بَعْضِ الأحوال وعَزَمَ عَلَيْهِ(875) ، حِمَايَةً للصَّالِحِ العَامِّ، بدَفْعِ مَفْسَدَةٍ مُتَرَتِّبَةٍ عَلَى هَذَا المُبَاحِ(876) . ووَلِيُّ الأمْرِ مُلْزَمٌ بحَمْلِ النَّاسِ عَلَى الصَّلاحِ؛ باتِّخَاذِ كُلِّ وَسِيلَةٍ لا تُصَادِمُ رُوحَ الشَّرِيعَةِ، أوْ تُنَاقِضُ مَقْصِدَهَا، ولَوْ بمَنْعِ المُبَاحِ أوِ التَّقْلِيلِ مِنْهُ(877) .

وذَلِكَ وَاضِحٌ مِنْ عَرْضِ تَعْلِيلاتِهِ الآتِيَةِ:

أبْعَدَ نُوَّابَهُ عَنْ خِدَاعِ الأجْنَبِيَّاتِ لَهُم، خَشْيَةَ التَّأثِيرِ فِيهِمْ باتِّخَاذِ سِيَاسَةٍ مُعَيَّنَةٍ لا تَتَّفِقُ ومَصْلَحَةَ الدَّوْلَةِ(878) .

بَعَثَ عُمَرُ إلَى حُذَيْفَةَ بَعْدَمَا وَلاَّهُ المَدَائِنَ(879) وكَثُرَتِ المُسْلِمَاتُ:

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

«إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّكَ تَزَوَّجْتَ امْرَأةً مِنْ أهْلِ المَدَائِنِ، فَطَلِّقْهَا [فَإنَّهَا جَمْرَةٌ](880) فَكَتَبَ إلَيْهِ: لا أفْعَلُ حَتَّى تُخْبِرَنِي: أحَلالٌ أمْ حَرَامٌ؟ ومَا أرَدْتَ بذَلِكَ؟

فَكَتَبَ إلَيْهِ: «لا، بَلْ حَلالٌ، ولَكِنَّ فِي نِسَاءِ الأعَاجِمِ خِلابَةً(881) ، فَإذَا أقْبَلْتُمْ عَلَيْهِنَّ غَلَبْنَكُمْ عَلَى نِسَائِكُم». فَقَالَ: الآنَ. فَطَلَّقَهَا(882) .

يَقْرُبُ مِنْ هَذَا المَعْنَى أنَّ عُمَرَ كَانَ يَرَى فِي اللَّبَنِ تَأثِيرًا فِي صِفَاتِ الإنْسَانِ. فَكَانَ يَنْصَحُ الوَلِيَّ أنْ يَخْتَارَ للرَّضِيعِ مُرْضِعًا جَمَعَتِ الخُلُقَ والدِّينَ، فيَقُولُ: «إنَّ اللَّبَنَ يُشْبِهُ عَلَيْهِ(883) ؛ فَلا تَسْتَقِ مِنْ يَهُودِيَّةٍ، ولا نَصْرَانِيَّةٍ، ولا زَانِيَةٍ»(884) .

أبْعَدَ

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المُسْلِمِينَ عُمُومًا- خَشْيَةَ مُوَاقَعَةِ العَوَاهِرِ مِنْهُنَّ، لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ مَفَاسِدَ؛ كَاخْتِلاطِ الأنْسَابِ؛ لِعَدَمِ تَوَرُّعِهِنَّ بالإجْمَالِ، وضَيَاعٍ للأوْلادِ بإفْسَادِ أخْلاقِهِمْ(885)

قَالَ عُمَرُ: «إنِّي أخْشَى أنْ تَدَعُوا المُسْلِمَاتِ، وتَنْكِحُوا المُومِسَاتِ»(886) .

وقَالَ: «لَكِنِّي أخَافُ أنْ تَعَاطُوا المُومِسَاتِ مِنْهُنَّ»(887) .

أبْعَدَ وُقُوعَ الفِتْنَةِ بَيْنَ المُسْلِمَاتِ، فَلا يَقَعْنَ ضَحِيَّةَ العُنُوسَةِ، لانْصِرَافِ الرِّجَالِ إلَى الكِتَابِيَّاتِ رَغْبَةً بجَمَالِهِنَّ!

قَالَ عُمَرُ لحُذَيْفَةَ: «أعْزِمُ عَلَيْكَ أنْ لا تَضَعَ كِتَابِيَ هَذَا حَتَّى تُخْلِيَ سَبِيلَهَا؛ فَإنِّي أخَافُ أنْ يَقْتَدِيَ بِكَ المُسْلِمُونَ، فيَخْتَارُوا نِسَاءَ أهْلِ الذِّمَّةِ لجَمَالِهِنَّ، وكَفَى بذَلِكَ فِتْنَةً»(888) .

أبْعَدَ اللَّبْسَ أنْ يتَسَرَّبَ إلَى أذْهَانِ المُسْلِمِينَ –خَاصَّةً الجُدُدَ مِنْهُم- فيَظُنُّوا جَوَازَ نِكَاحِ المَجُوسِيَّاتِ، لتَوَافُرِهِنَّ فِي أرْضِ العِرَاقِ آنَذَاكَ.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قَالَ: «إنِّي أخْشَى أنْ يَقُولَ الجَاهِلُ: كَافِرَةً قَدْ تَزَوَّجَ صَاحِبُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم! ويَجْهَلُ الرُّخْصَةَ الَّتِي كَانَتْ مِنَ اللهِ، فيَتَزَوَّجُوا نِسَاءَ المَجُوسِ. فَفَارِقْهَا»(889) .

فعُمَرُ لَمْ يَكُنْ يَرَى حُرْمَةَ الزَّوَاجِ مِنَ الكِتَابِيَّاتِ الأجْنَبِيَّاتِ، وإنَّمَا الَّذِي دَفَعَهُ إلَى مَنْعِهِ: تَوَقُّعُ المَفَاسِدِ الَّتِي تتَمَخَّضُ عَنْ عُنُوسَةِ النِّسَاءِ فِي جَزِيرَةِ العَرَبِ، بسَبَبِ إقْبَالِ رِجَالِهَا عَلَى نِكَاحِ الأجْنَبِيَّاتِ مِنْ خَارِجِهِا، اسْتِنَادًا إلَى دَلِيلِ المَشْرُوعِيَّةِ العَامِّ. بالإضَافَةِ إلَى المَخَاوِفِ السِّيَاسِيَّةِ، والاجْتِمَاعِيَّةِ، والأخْلاقِيَّةِ الأخْرَى. ومَا شُرِعَ الزَّوَاجُ مِنَ الكِتَابِيَّاتِ الأجْنَبِيَّاتِ ليُفْضِيَ إلَى هَذَا المَآلِ المُحَرَّمِ قَطْعًا(890) .

قَالَ الشَّاطِبِيُّ: «كُلُّ مَنِ ابْتَغَى فِي تَكَالِيفِ الشَّرِيعَةِ غَيْرَ مَا شُرِعَتْ لَهُ؛ فَقَدْ نَاقَضَ الشَّرِيعَةَ. وكُلُّ مَا نَاقَضَهَا؛ فَعَمَلُهُ فِي المُنَاقَضَةِ بَاطِلٌ. فَمَنِ ابْتَغَى فِي التَّكَالِيفِ مَا لَمْ تُشْرَعْ لَهُ؛ فَعَمَلُهُ بَاطِلٌ»(891) .

وهَذَا الَّذِي أقْدَمَ عَلَيْهِ عُمَرُ يُعْتَبَرُ تَخْصِيصًا للعُمُومَاتِ المُقَرَّرَةِ للإبَاحَةِ، بدَرْءِ المَفْسَدَةِ المُتَوَقَّعَةِ، مِنْ خِلالِ مُلاحَظَةِ مَآلِ التَّطْبِيقِ. ولَيْسَ فِي مَا فَعَلَ تَحْرِيمٌ لِمَا أحَلَّ اللهُ، لَكِنَّهُ الاقْتِضَاءُ التَّبَعِيُّ الَّذِي

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أثْقَلَتْ عَوَارِضُهُ وإفْرَازَاتُهُ عُمَرَ حَتَّى قَرَّرَ مَا قَرَّرَ، ورَأى أنَّ المَصْلَحَةَ العَامَّةَ تَقْتَضِي تَقْيِيدَ المُبَاحِ بسَدِّ الذَّرِيعَةِ. وتَقْيِيدُ المُبَاحِ غَيْرُ تَحْرِيمِ الحَلالِ كَمَا لا يَخْفَى.

فالنَّهْيُ هُنَا لا لِذَاتِ الفِعْلِ، بَلْ لعَارِضٍ مُجَاوِرٍ مُنْفَكٍّ، وهُوَ المَفْسَدَةُ المُتَرَتِّبَةُ عَنْ هَذَا الزَّوَاجِ، والمُتَصَوَّرُ أنْ تَنْفَكَّ عَنْهُ إذَا كَانَ فِي أَحوال مُنَاسِبَةٍ غَيْرِ تِلْكَ، فَأشْبَهَ المُحَرَّمَ لغَيْرِهِ(892) .

الفَائِدَةُ المَسْلَكِيَّةُ مِنْ هَذَا الاخْتِلافِ:

إذَا كَانَ اتِّفَاقُ مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ حُجَّةً قَاطِعَةً، فَإنَّ اخْتِلافَهُم رَحْمَةٌ وَاسِعَةٌ(893) مِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ الحَيَوِيِّ، تَتَجَلَّى الآثَارُ الإيجَابِيَّةُ لهَذَا التَّنَوُّعِ الفُرُوعِيِّ فِي إغْنَاءِ الاجْتِهَادِ الفِقْهِيِّ، وتَوْسِيعِ مَجَالاتِ الحَرَكَةِ الاجْتِهَادِيَّةِ، وتَنْشِيطِ البِيئَةِ العِلْمِيَّةِ لحَاضِرَةِ الدَّوْلَةِ عَبْرَ العُصُورِ. حَتَّى غَدَتْ مَنَاهِجُهُمُ الاجْتِهَادِيَّةُ أدِلَّةً مَرْجِعِيَّةً، يَسْتَنِدُ إلَيْهَا المُتَأخِّرُونَ فِي مَا يَذْهَبُونَ إلَيْهِ عِنْدَمَا تُعْوِزُهُمُ الخُصُوصِيَّاتُ الحَالَّةُ إلَى اطِّرَاحِ آرَاءٍ فِقْهِيَّةٍ سَائِدَةٍ، والعُدُولِ عَنْهَا ليَجِدُوا حُلُولَ مُشْكِلاتِهِم فِي تُرَاثِ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ(894)

يَقُولُ القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ (ت107هـ) رحمه الله(895) : «لَقَدْ نَفَعَ اللهُ النَّاسَ باخْتِلافِ أصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي أعْمَالِهِم، لا يَعْمَلُ العَالِمُ بِعَمَلِ رَجُلٍ مِنْهُم إلاَّ رَأى أنَّهُ فِي سَعَةٍ، وَرَأى أنَّهُ خَيْرٌ مِنْهُ قَدْ عَمِلَهُ»(896) .

يُعَلِّقُ الشَّاطِبِيُّ قَائِلاً: «ومَعْنَى هَذَا أنَّهُم فَتَحُوا لِلنَّاسِ بَابَ الاجْتِهَادِ وجَوَازَ الاخْتِلافِ فِيهِ، لأنَّهُم لَوْ لَمْ يَفْتَحُوهُ لَكَانَ المُجْتَهِدُونَ فِي ضِيقٍ، لأنَّ مَجَالَ الاجْتِهَادِ ومَجَالاتِ الظُّنُونِ لا تَتَّفِقُ عَادَةً... فَيَصِيرُ أهْلُ الاجْتِهَادِ مَعَ تَكْلِيفِهِم بِاتِّبَاعِ مَا غَلَبَ عَلَى ظُنُونِهِم مُكَلَّفِينَ بِاتِّبَاعِ خِلافِهِ! وهُوَ نَوْعٌ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لا يُطَاقُ، وذَلِكَ مِنْ أعْظَمِ الضِّيقِ. فَوَسَّعَ اللهُ عَلَى الأُمَّةِ بِوُجُودِ الخِلافِ الفُرُوعِيِّ فِيهِم، فَكَانَ فَتْحَ بَابٍ للأُمَّةِ للدُّخُولِ فِي هَذِهِ الرَّحْمَةِ»(897) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هَذَا فِي شَأنِ الاجْتِهَادِ الفُرُوعِيِّ، الَّذِي لَمْ يَكُنِ المَظْهَرَ الوَحِيدَ فِي سِيَاسَةِ عُمَرَ التَّشْرِيعِيَّةِ، بَلِ انْتَهَجَ مَعَهُ مَسَالِكَ الاجْتِهَادِ الجَمَاعِيِّ، الَّذِي لَطَالَمَا كَانَ عَامِلاً رَئِيسًا فِي إيجَادِ الحُلُولِ المُؤَاتِيَةِ للوَاقِعَاتِ المُسْتَجِدَّةِ والظُّرُوفِ الطَّارِئَةِ.

فِي المَبْحَثِ الثَّانِي تَفْصِيلٌ لِهَذَا المَوْضُوعِ بمَحَاوِرَ شَتَّى.

صفحة 350 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

المَبْحَثُ الثَّانِي: الاجْتِهَادُ الجَمَاعِيُّ ودَوْرُ الخِلافَةِ فِي تَنْظِيمِهِ

مَا فَتِئَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَنْشُدُ الحَقَّ والعَدْلَ فِي اجْتِهَادَاتِهِ التَّنْظِيرِيَّةِ والتَّطْبِيقِيَّةِ وسِيَاسَاتِهِ التَّشْرِيعِيَّةِ، يَطْرُقُ وَسَائِلَ مُتَنَوِّعَةً تَتَعَانَقُ مَعَ بَعْضِهَا لمُوَاكَبَةِ عَجَلَةِ المَدَنِيَّةِ، الَّتِي تَتَسَارَعُ بشَكْلٍ لافِتٍ ومُتَزَايِدٍ.

وحَيْثُ إنَّ الإنْسَانَ مَدَنِيٌّ بطَبْعِهِ، فَسُرْعَانَ مَا يَلْمَحُ البَاحِثُ تَمَيُّزَ اجْتِهَادِ عُمَرَ باعْتِمَادِهِ النَّمَطَ الاجْتِمَاعِيَّ (الشُّورَى) فِي الاسْتِنْبَاطِ، فَلا تَرَاه يَخْلُو مُنْعَزِلاً لِيَجتَهِدَ مُنْفَرِدًا، وإنَّمَا تَجِدُهُ انْتَخَبَ مِنْ بَيْنِ نُجَبَاءِ الصَّحَابَةِ وكِبَارِ التَّابِعِينَ أصْحَابًا لَهُ، يَجْتَمِعُونَ إلَيْهِ ويَلْتَقِي بِهِمْ. ولَدَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ التَّخَصُّصِ بصَنْعَةٍ مَا لَيْسَ عِنْدَ الآخَرِ. فيَطرَحُونَ المَسْألةَ، ويَتَنَاظَرُونَ فِيهَا.

وقَدْ ألْقَتِ الخِلافَةُ بظِلالِهَا عَلَى مَجْلِسِ الشُّورَى، فنَظَّمَهَا، وأبَانَ عَنْ أهَمِّيَّتِهَا وأرْشَدَ إلَيْهَا. حَتَّى إذَا كَثُرَتِ النَّوَازِلُ واسْتَجَدَّتِ الوَقَائِعُ، كَانَتِ الشُّورَى مَرْجِعًا تَشْرِيعِيًّا، تتَصَدَّرُ للنَّظَرِ فِي المَسَائِلِ، وتُقَوِّمُ الآرَاءَ، وتُصَوِّبُ الأفْكَارَ...

وقَدْ جَاءَ هَذَا المَبْحَثُ فِي ثَلاثَةِ مَطَالِبَ نَظَمَتْ مَسَائِلَهُ، هِيَ:

المَطْلَبُ الأوَّلُ: مُتَعَلِّقَاتُ الاجْتِهَادِ الجَمَاعِيِّ وبَوَاعِثُهُ. المَطْلَبُ الثَّانِي: عِنَايَةُ الخَلِيفَةِ بتَنْظِيمِ الشُّورَى. المَطْلَبُ الثَّالِثُ: نَمَاذِجُ مِنَ الاجْتِهَادِ الجَمَاعِيِّ.

المَطْلَبُ الأوَّلُ: الاجْتِهَادُ الجَمَاعِيُّ وبَوَاعِثُهُ

أوَّلاً: مُتَعَلِّقَاتُ الاجْتِهَادِ الجَمَاعِيِّ:

تَعْرِيفُ الاجْتِهَادِ الجَمَاعِيِّ:

هُوَ: «اسْتِفْرَاغُ أغْلَبِ الفُقَهَاءِ الجُهْدَ، لتَحْصِيلِ ظَنٍّ بحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، بطَرِيقِ الاسْتِنْبَاطِ، واتِّفَاقُهُم جَمِيعًا أو أغْلَبِهِم عَلَى الحُكْمِ بَعْدَ التَّشَاوُرِ»(898) . فوُجُودُهُ مُتَأتٍّ عَنْ تَشَاوُرِ أغْلَبِ أهْلِ العِلْمِ حَوْلَ حُكْمِ مَسْألَةٍ مَا. وتَجَلَّى مُؤَخَّرًا فِي إطَارِ المُؤَسَّسَاتِ أوِ الهَيْئَاتِ الفِقْهِيَّةِ؛ كالمَجَامِعِ فِي مَكَّةَ ومِصْرَ وغَيْرِهِمَا.

مُنْطَلَقَاتُ الاجْتِهَادِ الجَمَاعِيِّ:

تَأسَّسَ الاجْتِهَادُ الجَمَاعِيُّ بِنَاءً عَلَى نُصُوصٍ شَرْعِيَّةٍ أشَارَتْ إلَيْهِ،

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وضَمِنَتْ صَوَابِيَّةَ النَّتَائِجِ الصَّادِرَةِ عَنْهُ، وهِيَ مُلاحَظَةٌ فِي مَوَارِدَ مِنَ الذِّكْرِ الحَكِيمِ، مِنْهَا:

الأوَّلُ: في أمْرِهِ بالتَّشَاوُرِ طَرِيقًا إلَى إيجَادِ الحُلُولِ والبَدَائِلِ وتَكَشُّفِ الأحْكَامِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: ﴿وَشاوِرهُم فِي الأَمرِ﴾(899) .

الثَّانِي: فِي وَصْفِ اللهِ تَعَالَى مَنْهَجَ المُؤْمِنِينَ فِي مَا بَيْنَهُم بأنَّهُ يَقُومُ عَلَى الشُّورَى، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَمرُهُم شورىٰ﴾(900) .

الثَّالِثُ: فِي الدَّلالَةِ عَلَى اتِّبَاعِ أُولِي الأمْر، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا أَطيعُوا اللَّهَ وَأَطيعُوا الرَّسولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم ۖ فَإِن تَنازَعتُم في شَيءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسولِ إِن كُنتُم تُؤمِنونَ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ ۚ ذٰلِكَ خَيرٌ وَأَحسَنُ تَأويلًا﴾(901) .

وَجْهُ الدَّلالَةِ مِنَ الآيَةِ: أنَّ الأمْرَ باتِّبَاعِ أُولِي أمْرِ المُسْلِمِينَ –فِي مَجَالِ العِلْمِ والشَّرْعِ- أمْرٌ باتِّبَاعِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ المُجْتَهِدُونَ مِنَ الأحْكَامِ(902) .

يُؤَكِّدُهُ مَجِيءُ الإشَارَةِ إلَيْهِ فِي إرْشَادِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلِيًّا إذْ سَألَهُ الأخِيرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الأمْرُ يَنزِلُ بِنَا بعدَك لَمْ يَنزِلْ فِيهِ القُرْآنُ، ولَمْ تَمْضِ فِيهِ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مِنْكَ سُنَّةٌ (وفِي رِوَايَةٍ: ولَمْ يُسْمَعْ مِنْكَ فِيهِ شَيْءٌ)! قَالَ: «اِجْمَعُوا لَهُ العَالِمِينَ مِنْ أمَّتِي، فَاجْعَلُوهُ شُورَى بَيْنَكُم، ولا تَقْضُوا فِيهِ برَأيِ وَاحِدٍ»(903) فَالحَدِيثُ وَاضِحُ الدَّلالَةِ بلُزُومِ الجَمَاعَةِ، وعَدَمِ الانْفِرَادِ بالرَّأيِ، خَاصَّةً في أمْرِ الدِّيَانَةِ.

ثُمَّ اكْتَسَبَ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الاجْتِهَادِ قُوَّتَهُ، وحُرْمَةَ الخُرُوجِ عَلَيْهِ، مِنْ مِثْلِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يُشاقِقِ الرَّسولَ مِن بَعدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدىٰ وَيَتَّبِع غَيرَ سَبيلِ المُؤمِنينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّىٰ وَنُصلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَساءَت مَصيرًا ۝١١٥﴾(904) . فَأصُولُ الحَقِّ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الوَحْيُ تَنْحَصِرُ فِي أمْرَيْنِ، هُمَا:

الأوَّلَ: النَّصُّ التَّشْرِيعِيُّ ، وهُوَ: القُرْآنُ الكَرِيمُ، والسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ المُطَهَّرَةُ، ومَا دَلاَّ عَلَيْهِ.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الثَّانِي: (سَبِيلُ المُؤْمِنِينَ) الَّذِي يَشْمَلُ إجْمَاعَ الفُقَهَاءِ وأهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ، المُتَكَيِّفِينِ بمَنْهَجِ الوَحْيِ. وقَرَّرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَانَتَهُ فِي عِصْمَةِ آثَارِهِ بقَوْلِهِ: «لا تَجْتَمِعُ أمَّتِي على ضَلالَةٍ»(905) .

فَدَلَّ ذَلِكَ، عَلَى أنَّ لقَاعِدَةِ الشُّورَى فِي الإسْلامِ أثَرًا عَظِيمًا، فِي تَمَاسُكِ الأمَّةِ وتَطَوُّرِهَا نَحْوَ الأفْضَلِ. وفِي الأخْذِ بهَا اسْتِجْلاءُ الحَقِيقَةِ، ومَعْرِفَةُ الصَّوَابِ(906) ، والبُعْدُ عَنِ التَّهَوُّرِ، وبالأخَصِّ فِي المُعْتَرَكَاتِ الكُبْرَى.

ومِنْ ثَمَّ اشتَهَرَ العَمَلُ بالشُّورَى فِي عَهْدِ أبِي بَكْرٍ، حَيْثُ كَانَ يَجْمَعُ الصَّحَابَةَ للبَحْثِ فِي تَكْيِيفِ المُسْتَجِدَّاتِ وتَوْصِيفِ أحْكَامِهَا، فإذَا اجْتَمَعَ رَأيُهُم عَلَى شَيْءٍ كَانَ القَضَاءُ بِهِ. وأشَارَ عُمَرُ عَلَى أبِي بَكْرٍ فِي جَمْعِ القُرْآنِ، وحَصَلَ عَلَيْهِ الإجْمَاعُ بَعْدَ إدْلاءِ كُلِّ ذِي رَأيٍ برَأيِهِ.

لَحَظَ عُمَرُ خِطَابَ التَّكْلِيفِ بالشُّورَى، وأهَمِّيَّةَ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الاجْتِهَادِ، خَاصَّةً أنَّهُ تَرَبَّى عَلَيْهِ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فاعْتَمَدَ هَذَا المَبْدَأ وأخَذَ بِهِ فِي تَنْظِيمِ شُؤُونِ دَوْلَتِهِ. لِمَا فِي الشُّورَى مِنْ تَدْرِيبٍ عَلَى تَحَمُّلِ المَسْؤُولِيَّةِ مِنَ الجَمِيعِ، وتُعِينُ عَلَى إبْدَاءِ الرَّأيِ بكُلِّ جُهْدٍ وإخْلاصٍ،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وتُسْهِمُ فِي تَلْقِيحِ العُقُولِ(907) وتُفْسِحُ فِي تَلاقِي الأفْكَارِ، حَتَّى يَطَّلِعَ عَلَى حَاجَاتِ رَعِيَّتِهِ، فتَقْوَى حِبَالُ المَوَدَّةِ وتَشْتَدُّ بَيْنَهُم.

فَكَانَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ فِي مُشَاوَرَتِهِ لأهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ مِنْ رَعِيَّتِهِ، يُحَرِّكُ الهِمَمَ الفَاتِرَةَ، ويُنَشِّطُ الشَّرِيحَةَ القَادِرَةَ، ويَسْتَثِيرُ الكَوَامِنَ عِنْدَ الفِئَةِ الجَدِيدَةِ، لِتَرْقَى رُقِيَّ مَنْ سَبَقَهَا.

يَقُولُ ابْنُ القَيِّمِ: «كَانَتِ النَّازِلَةُ إذَا نَزَلَتْ بِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه لَيْسَ عِنْدَهُ فِيهَا نَصٌّ عَنِ اللهِ، ولا عَنْ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم؛ جَمَعَ لَهَا أصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ جَعَلَهَا شُورَى بَيْنَهُم»(908) .

مِنْ هُنَا، يُمْكِنُنَا أنْ نَفْهَمَ سِيَاسَةَ عُمَرَ الانْفِتَاحِيَّةَ، الَّتِي تَتَنَافَى والاسْتِبْدَادَ الفَرْدِيَّ، وتَدْعُو إلَى مُبَاشَرَةِ مَبْدَأ الشُّورَى، كَشَكْلٍ مِنْ أشْكَالِ تَنْظِيمِ الدَّوْلَةِ والنُّهُوضِ بِهَا. فلَمْ يَسْتَأثِرْ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ بالأمْرِ دُونَ المُسْلِمِينَ، ولا اسْتَبَدَّ عَلَيْهِم فِي شَأنٍ مِنَ الشُّؤُونِ العَامَّةِ. ذَلِكَ أنَّهُ إذَا نَزَلَتْ بِهِمُ الحُكُومَةُ، فلا يُبْرِمُ حُكْمًا حتَّى يَجْمَعَ المُسْلِمِينَ مُمَثَّلِينَ بأهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ ويَسْتَشِيرَهُم، مَعَ فِقْهِهِ وجَلالَةِ قَدْرِهِ(909) .

فِي اعْتِمَادِهِ للشُّورَى إذًا، يَكُونُ عُمَرُ قَدْ خَطَّ لنَفْسِهِ مَنْهَجًا فِي

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التَّعَرُّفِ إلَى الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، نَتَجَ عَنْهُ أمْرَانِ هَامَّانِ:

الأمْرُ الأوَّلُ: حَضُّ ذَوِي الفِكْرِ والاجْتِهَادِ أنْ يُبْدُوا آرَاءَهُم.

الأمْرُ الثَّانِي: تَشْجِيعُ القَوْلِ المُخَالِفِ مَتَى لاحَ لَهُ صِدْقُ قَائِلِهِ، لِمَا فِي رَأيِهِ مِنْ جَدِيدٍ، قَدْ يَسْتَفِيدُ مِنْهُ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ. فكَثِيرًا مَا اسْتَدْرَكَتْ أمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ عَلَى كِبَارِ الصَّحَابَةِ، ومِنْ بَيْنِهِم عُمَرُ، مِثْلُ قَوْلِهَا: «وَهِمَ عُمَرُ، إنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يُتَحَرَّى طُلُوعُ الشَّمْسِ وغُرُوبُهَا»(910) .

وفِي سَبِيلِ ألاَّ يَنِدَّ عَنْهُ رَأيُ فَقِيهٍ يَكُونُ اجْتِهَادُهُ الأمْثَلَ، ولأسْبَابٍ تَتَعَلَّقُ بحُسْنِ السِّيَاسَةِ وتَدْبِيرِ أمُورِ الدَّوْلَةِ؛ تحَفَّظَ عَلَى كِبَارِ الصَّحَابَةِ فِي المَدِينَةِ دَارِ الخِلافَةِ، ومَنَعَ خُرُوجَهُم إلاَّ بإذْنٍ مُبَاشِرٍ مِنْهُ. مَا كَانَ سَبَبًا إلَى نُشُوءِ فِكْرَةِ الإجْمَاعِ وتَطَوُّرِهَا لاحِقًا.

أرَادَ أنْ يتَكَلَّمَ بمَوْضُوعٍ ذِي بَالٍ فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه: «يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لا تَفْعَلْ؛ فإنَّ المَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ(911) النَّاسِ وغَوْغَاءَهُم(912) وإنِّي أرَى أنْ تُمْهِلَ حتَّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَإنَّهَا دَارُ الهِجْرَةِ والسُّنَّةِ والسَّلاَمَةِ، وتَخْلُصَ لأهْلِ الفِقْهِ وأشْرَافِ النَّاسِ وذَوِي رَأيِهِم(913)

حَفِظَتْ لَنَا دَوَاوِينُ الحَدِيثِ مِنْ مَأثُورِ قَوْلِهِ فِي هَذَا المَوْرِدِ جُمْلَةً مِنَ الآثَارِ الهَامَّةِ الَّتي تُلْفِتُ إلَى أهَمِّيَّةِ الشُّورَى فِي تَفْكِيرِ عُمَرَ الأصُولِيِّ، مِنْهَا:

قَوْلُهُ: «إنَّهُ لا خَيْرَ فِي أمْرٍ أُبْرِمَ عَنْ غَيْرِ شُورَى»(914) . ويَقُولُ: «الرَّأيُ المُفْرَدُ كالخَيْطِ السَّحِيلِ(915) . والرَّأيَانِ كالخَيْطَيْنِ المُبْرَمَيْنِ. والثَّلاثَةُ الآرَاءُ لا تَكَادُ تَنْقَطِعُ»(916) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبعَمَلِيَّةٍ استِقْرَائِيَّةٍ لأنْوَاعِ الرِّجَالِ فِي نِطَاقِ البَحْثِ الاجْتِمَاعِيِّ، يقول عُمَرُ:

«الرِّجَالُ ثَلاثَةٌ:

فَرَجُلٌ عَاقِلٌ، إذَا أقْبَلَتِ الأمُورُ واشْتَبَهَتْ؛ يَأمُرُ فِيهَا أمْرَهُ، ويَنْزِلُ عِنْدَ رَأيِهِ.

وآخَرُ، يَنْزِلُ بِهِ الأمْرُ فلا يَعْرِفُهُ؛ فيَأتِي ذَوِي الرَّأيِ، فيَنْزِلُ عِنْدَ رَأيِهِم.

وآخَرُ، حَائِرٌ بَائِرٌ(917) ، لا يَأتَمِرُ رُشْدًا، ولا يُطِيعُ مُرْشِدًا»(918) .

وحَيْثُ إنَّهُ كَانَ يَعْتَمِدُ الاسْتِشَارَةَ فِي الأمُورِ، فَقَدْ وَقَعَتْ أحْكَامُهُ مَوْقِعَ القَبُولِ لَدَى العُلَمَاءِ، قَالَ الشَّعْبِيُّ: «مَنْ أرَادَ أنْ يَأخُذَ بالوَثِيقَةِ مِنَ القَضَاءِ، فَلْيَأخُذْ بقَضَاءِ عُمَرَ؛ فإنَّهُ كَانَ يَسْتَشِيرُ»(919) . وأوْمَأتْ إلَى الثَّقَافَةِ الحَضَارِيَّةِ المُتَمَدِّنَةِ الَّتِي كَانَتْ سَائِدَةً فِي ذَلِكَ الحِينِ، بفَضْلِ تَعَالِيمِ الإسْلامِ، ولَفَتَتْ إلَى حَجْمِ المَسْؤُولِيَّةِ الكَبِيرَةِ الَّتِي نَهَضَ بِهَا فِي إصْلاحِ الأمَّةِ.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثَانِيًا: مَنْهَجُ عُمَرَ مَعَ عُمَّالِهِ ودَلالَتُهُ الأصُولِيَّةُ فِي سِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ:

اتَّسَمَتْ سِيَاسَةُ أبِي بَكْرٍ رضي الله عنه المُتَّبَعَةُ مَعَ عُمَّالِهِ بالاسْتِقْلالِ بالرَّأيِ، وتَرْكِ حُرِّيَّةِ التَّصَرُّفِ لَهُم، فِي مَا تَحْتَ أيْدِيهِم مِنَ الأعْمَالِ. بَيْنَمَا انْتَهَجَ عُمَرُ سِيَاسَةً أكْثَرَ حَزْمًا وتَدَخُّلاً.

كَانَ يَرْسِمُ لأمَرَائِهِ ووُلاتِهِ طَرِيقَةَ سَيْرِهِم فِي الحُكْمِ، وعَمَلِهِم فِي الوِلايَةِ. وأرْشَدَهُم أنْ يَرْجِعُوا إلَيْهِ فِي أيِّ شَيْءٍ يَطْرَأ عَلَيْهِم، مِمَّا لَهُ مَسِيسٌ بالشَّأنِ العَامِّ، أوْ يَدِقُّ النَّظَرُ فِيهِ؛ بُغْيَةَ أنْ يُنَاقِشَهُ مَعَ رِجَالِ دَوْلَتِهِ. فإذَا تَعَدَّدَتِ الآرَاءُ، أمَرَ بِمَا يَرَاهُ مُنَاسِبًا. وأمَرَهُم بِمَبْدَأ الشُّورَى، ونَصَّ عَلَيْهِ فِي رَسَائِلِهِ الدُّسْتُورِيَّةِ الَّتي نَظَّمَ فِيهَا آلِيَّةَ الحُكْمِ، كَمَا هُوَ الحَالُ فِي كِتَابِهِ إلَى قَاضِيهِ شُرَيْحٍ، وهَاكَ نَصَّهُ:

نَصُّ كِتَابِ شُرَيْحٍ:

[1] إنْ جَاءَكَ شَيْءٌ فِي كِتَابِ اللهِ، فَاقْضِ بِهِ ولا تَلفِتْكَ عَنْهُ الرِّجَالُ.

2 فَإنْ جَاءَكَ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ،

فَانْظُرْ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَاقْضِ بِهَا.

[ 3 ] فَإنْ جَاءَكَ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِ سُنَّةٌ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَانْظُرْ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ فَخُذْ بِهِ (وفِي رِوَايَةٍ: فَاقْضِ بِمَا قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ).

[ 4 ] فَإنْ جَاءَكَ مَا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ، ولَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ولَمْ يَتَكَلَّمْ فِيهِ أحَدٌ قَبْلَكَ، فَاخْتَرْ أيَّ الأمْرَيْنِ شِئْتَ:

إنْ شِئْتَ أنْ تَجْتَهِدَ برَأيِكَ ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَتَقَدَّمْ. وإنْ شِئْتَ أنْ تتَأخَّرَ، فَتَأخَّرْ. ولا أرَى التَّأخُّرَ إلاَّ خَيْرًا لَكَ.

[ 5 ] والسَّلامُ عَلَيْكُم»(920) .

نَلْمَحُ مِنْ هَذَا المَنْهَجِ تَطَوُّرَ مَفْهُومِ الاجْتِهَادِ لَدَى عُمَرَ، مِنَ الاجْتِهَادِ الفَرْدِيِّ القَائِمِ عَلَى اعْتِمَادِ المُجْتَهِدِ الفَرْدِ مِحْوَرًا رَئِيسًا فِي العَمَلِيَّةِ الاجْتِهَادِيَّةِ، وبَحْثِ القَضَايَا والمَسَائِلِ، إلَى الاجْتِهَادِ الجَمَاعِيِّ الَّذِي أسَّسَ فِيمَا بَعْدُ لاجْتِهَادِ المَجَامِعِ الفِقْهِيَّةِ(921) .

وقَدْ وَظَّفَ هَذَا المَنْهَجَ فِي مَا أفْتَى فِيهِ وقَضَى بِهِ جَمِيعًا. فمَا تَغَيَّرَتْ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

طَرِيقَتُهُ، ولا تَنَاقَضَتْ أحْكَامُهُ.

تَرْتِيبُ مَصَادِرِ الاحْتِجَاجِ:

تُعْتَبُر هَذِهِ الخُطُوَاتُ بمَثَابَةِ الأصُولِ المَنْهَجِيَّةِ، الَّتِي تَضْبِطُ الاسْتِنْبَاطَ واسْتِخْرَاجَ الأحْكَامِ. فحَرَصَ عُمَرُ عَلَى تَأكِيدِ هَذَا المَنْهَجِ بنَفْسِهِ، لِيُصْبِحَ لاحِقًا أصْلاً مُسْتَقِرًّا فِي البَحْثِ عَنِ الأحْكَامِ. فبَنَى مَنْهَجَهُ الاجْتِهَادِيَّ –فِي مَجَالِ الاسْتِثْمَارِ- عَلَى أسَاسِ أنَّ المَرْجَعِيَّةَ المُطْلَقَةَ إنَّمَا هِيَ لكِتَابِ اللهِ تَعَالَى وسُنَّةِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ مَا دَلاَّ عَلَيْهِ وأشَارَا إلَيْهِ.

وعَلَى هَذَا يَكُونُ تَرْتِيبُ مَصَادِرِ الاحْتِجَاجِ وأصُولِ الاسْتِدْلالِ، مُتَدَرِّجًا عَلَى النَّحْوِ الآتِي:

كِتَابُ اللهِ تَعَالَى. السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ المُطَهَّرَةُ. السَّوَابِقُ القَضَائِيَّةُ. الاجْتِهَادُ. مُؤَامَرَةُ الخَلِيفَةِ، أيْ: مُرَاجَعَتُهُ والْتِمَاسُ مَوْقِفِهِ.

ثَالِثًا: مَوْضُوعُ الاجْتِهَادِ الجَمَاعِيِّ، ودَوَافِعُهُ، والتَّمْهِيدُ للإجْمَاعِ:

يُلاحَظُ أنَّ مَجَالاتِ الاجْتِهَادِ الجَمَاعِيِّ تَنْطَلِقُ مِنَ القَضَايَا المُسْتَجِدَّةِ، إلَى تِلْكَ الَّتِي قَامَتْ أحْكَامُهَا عَلَى أصْلٍ مُتَغَيِّرٍ كالاسْتِصْلاحِ. أوِ القَضَايَا الَّتِي سَبَقَ الاجْتِهَادُ فِيهَا فتَعَدَّدَتِ الآرَاءُ حَوْلَهَا، ثُمَّ قَامَ الدَّاعِي مِنْ جَدِيدٍ لبَحْثِهَا فِي ضَوْءِ مُتَغَيِّرَاتِ الزَّمَانِ والمَكَانِ. أوِ الاجْتِهَادِ فِي تَطْبِيقِ الأحْكَامِ نَفْسِهَا وإجْرَائِهَا. إذًا، تَتَنَاوَلُ مَوْضُوعَاتُ الاجْتِهَادِ الجَمَاعِيِّ –بعُمُومِ مُتَعَلِّقَاتِهِ- مَا يَمَسُّ شَأنَ الجَمَاعَةِ المُسْلِمَةِ، ويَكُونُ فِي اجْتِمَاعٍ عَامٍّ أو خَاصٍّ بعُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ(922) .

انْدَفَعَ عُمَرُ إلَى تَحْكِيمِ الاجْتِهَادِ الجَمَاعِيِّ اسْتِجَابَةً لِوَاقِعِ التَّفَاوُتِ فِي الفُهُومِ ومَدَارِكِ العُقُولِ، حَيْثُ لا يُمْكِنُ دَفْعُهُ إلاَّ بجَمْعِ ذَوِي الرَّأيِ والفِقْهِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، يتَدَاوَلُونَ فِيهِ وُجُوهَ الرَّأيِ والنَّظَرِ، قَالَ المُسَيِّبُ بْنُ رَافِعٍ (ت105هـ)(923) «كَانَ إذَا جَاءَ الشَّيْءُ مِنَ القَضَاءِ، لَيْسَ فِي الكِتَابِ ولا فِي السُّنَّةِ؛ سُمِّيَ صَوَافِي الأمَرَاءِ، فيُرْفَعُ إلَيْهِم، فجُمِعَ لَهُ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أهْلُ العِلْمِ، فَمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ رَأيُهُم فَهُوَ الحَقُّ»(924)

ومِنْ أدَقِّ مَا يَتَّصِلُ بنِظَامِ الشُّورَى الفِقْهِيَّةِ: سَعْيُ عُمَرَ إلَى تَنْظِيمِ مَجْلِسٍ للشُّورَى، فِي شَأنِ الخِلافَةِ وهُوَ فِي النَّزْعِ، إذْ عَيَّنَ أعْضَاءَهُ العَامِلِينَ، والشَّرَفِيِّينَ، والرَّئِيسَ. ثُمَّ بَيَّنَ لَهُم كَيْفِيَّةَ التَّصْوِيتِ، وطُرُقَ اسْتِخْلاصِ القَرَارِ النِّهَائِيِّ، حَيْثُ جَعَلَ مِعْيَارَ التَّرْجِيحِ عِنْدَ التَّسَاوِي: تَأيِيدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ(925) . مَا يَدُلُّ عَلَى فِقْهٍ عَمِيقٍ، وتَدْبِيرٍ مَصْلَحِيٍّ عَرِيقٍ.

هَذَا النَّوْعُ مِنَ (اجْتِهَادِ الجَمَاعَةِ) هُوَ الَّذِي مَهَّدَ لِظُهُورِ مَصْدَرٍ ثَالِثٍ مِنْ مَصَادِرِ التَّشْرِيعِ، عَنَيْتُ بِهِ: (الإجْمَاعَ)(926) .

انْتَظَمَتِ العَوَامِلُ الَّتِي سَاعَدَتْ عَلَى تَيَسُّرِ الإجْمَاعِ فِي أمْرَيْنِ رَئِيسَيْنِ، هُمَا:

العَامِلُ الأوَّلُ: تَوَافُرُ كِبَارِ الصَّحَابَةِ فِي حَاضِرَةِ الخِلافَةِ، مِمَّا جَعَل وَاقِعَ اجْتِمَاعِهِم مَيْسُورًا، خَاصَّةً فِي ظِلِّ إصْدَارِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ حُكْمًا يَقْضِي بمَنْعِهِم مِنْ مُغَادَرَةِ المَدِينَةِ إلَى الأقْطَارِ المَفْتُوحَةِ إلاَّ بإذْنٍ رَسْمِيٍّ مِنْهُ شَخْصِيًّا. وبدَوْرِهِ لَمْ يَكُنْ يَأذَنُ لأحَدٍ مِنْهُم بالمُغَادَرَةِ إلاَّ بمِقْدَارِ مَا تَقْتَضِيهِ حَاجَاتُ الفَتْحِ الإسْلامِيِّ.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

العَامِلُ الثَّانِي: قِلَّةُ الرِّوَايَةِ، عَلَى أثَرِ تَوَعُّدِ الخَلِيفَةِ مَنْ يُكْثِرُ فِي التَّحْدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وتَخْوِيفِهِمْ مِنْ مَغَبَّةِ الإقْدَامِ عَلَيْهِ، حَتَّى لا يتَجَرَّأَ النَّاسُ، فيَقَعُوا فِي الكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم.

المَطْلَبُ الثَّانِي: عِنَايَةُ الخَلِيفَةِ بتَنْظِيمِ الشُّورَى

أوَّلاً: تَسْمِيَةُ أعْضَاءِ المَجْلِسِ الاسْتِشَارِيِّ:

أحَاطَ عُمَرُ نَفْسَهُ بأصْحَابٍ لازَمُوهُ فِي أبْحَاثِهِ الاجْتِهَادِيَّةِ. فلَمْ يَكُنْ يتَّخِذُ قَرَارَاتِهِ، ويَمْضِي فِي تَدْبِيرِ شُؤُونِ رَعِيَّتِهِ بمُفْرَدِهِ، بَلْ كَانَ يُشْرِكُهُم فِي ذَلِكَ، خَاصَّةً أهْلَ العِلْمِ، والرَّأيِ، والمَعْرِفَةِ، والإدْرَاكِ، والخِبْرَةِ، والتَّقْوَى، والصَّلاحِ.

ورُبَّمَا ذَهَبَ يَسْتَشِيرُهُم فِي مَنَازِلِهِم، إجْلالاً لَهُم وتَوْقِيرًا لعِلْمِهِم وتَقْدِيرًا لمَنْزِلَتِهِم. عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أنَّ عُمَرَ جَاءَهُ يَسْتَأذِنُ عَلَيْهِ يَوْمًا، فَأذِنَ لَهُ ورَأسُهُ فِي يَدِ جَارِيَةٍ لَهُ تُرَجِّلُهُ، فنَزَعَ رَأسَهُ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: دَعْهَا تُرَجِّلُكَ. فَقَالَ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَوْ أرْسَلْتَ إلَيَّ جِئْتُكَ. فَقَالَ عُمَرُ: إنَّمَا الحَاجَةُ لِي(927) .

كَانَ مِنْهُم أهْلُ مَشُورَتِهِ، ومَنِ اسْتَعَانَ بِهِم فِي خِلافَتِهِ عَلَى الإفْتَاءِ والقَضَاءِ وتَعْلِيمِ النَّاسِ، إلَى جَانِبِ تَلامِيذِهِ الَّذِينَ تَخَرَّجُوا بِهِ، وصَارَ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لَهُم آرَاءٌ عِلْمِيَّةٌ، واخْتِيَارَاتٌ فِقْهِيَّةٌ، شَكَّلَتْ لَهُم مَذَاهِبَ اجْتِهَادِيَّةً. وهُمْ عَلَى ثَلاثِ طَبَقَاتٍ حَسْبَ المَرْحَلَةِ الزَّمَنِيَّةِ:

الطَّبَقَةُ الأولَى: طَبَقَةُ كِبَارِ الصَّحَابَةِ:

حَفَلَ مَجْلِسُ الشُّورَى بأشْيَاخِ بَدْرٍ، وكِبَارِ الصَّحَابَةِ، لفَضْلِهِم وعِلْمِهِم وسَابِقَتِهِم، أذْكُرُ مِنْهُم خمسة عشر صحابياً مُرَتَّبِينَ عِلَى سِنِي وَفَاتِهِم:

أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ (ت18هـ). مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ (ت18هـ)، الَّذِي قَالَ فِيهِ عُمَرُ: «عَجَزَتِ النِّسَاءُ أنْ تَلِدَ مِثْلَ مُعَاذٍ، لَوْلا مُعَاذٌ هَلَكَ عُمَرُ»(928) أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ (ت21هـ). العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ (ت32هـ). عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ (ت32هـ). عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ (ت32هـ). عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ (ت35هـ). الزُّبَيْرُ بْنُ العَوَّامِ (ت36هـ).

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ (ت36هـ). عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ (ت37هـ). عَلِيُّ بْنُ أبِي طَالِبٍ (ت40هـ)، كَانَ وَزِيرَ صِدْقٍ للخُلَفَاءِ مِنْ قَبْلِهِ. ودَلَّ عَلَيْهِ مُعَاوِيَةُ يَرْتَضِي اجْتِهَادَهُ، حِينَ جَاءَهُ رَجُلٌ يسْألُهُ عَنْ مَسْألَةٍ. فَقَالَ: «سَلْ عَنْهَا عَلِيَّ بْنَ أبِي طَالِبٍ؛ فَهُوَ أعْلَمُ... كَانَ عُمَرُ إذَا أشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يَأخُذُ مِنْهُ ولَقَدْ شَهِدْتُ عُمَرَ وقَدْ أشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَقَالَ: هَا هُنَا عَلِيٌّ»(929) عَبْدُ اللهِ بْنُ الأرْقَمِ (ت44هـ)(930) اسْتَكْتَبَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي جَوَابِ رَجُلٍ، فاسْتَصْوَبَهُ واسْتَحْسَنَهُ، ثُمَّ دَعَا لَهُ. فَوَقَعَ فِي نَفْسِ عُمَرَ، فَلَمَّا وَلِيَ كَانَ يُشَاوِرُهُ(931)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أبُو مُوسَى الأشْعَرِيُّ (ت44هـ)، بَلَغَ بِهِ اجْتِهَادُهُ أنْ عَيَّنَهُ عُمَرُ قَاضِيًا. وكَانَتْ لَهُ آرَاءٌ كَثِيرَةٌ تَدُلُّ عَلَى نَزْعَتِهِ إلَى الرَّأيِ القِيَاسِيِّ غَالِبًا. زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ (ت45هـ). الحُرُّ بْنُ قَيْسٍ الفَزَارِيُّ(932)

الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ: طَبَقَةُ صِغَارِ الصَّحَابَةِ:

بفِطْنَةٍ عُمَرِيَّةٍ أخَذَ عُمَرُ يَشُوبُ مَشْيَخَةَ الرَّأيِ بشَبَابٍ مِنَ الجِيلِ الجَدِيدِ، مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ المُبَرَّزِينَ، لأسْبَابٍ كَثِيرَةٍ بَاعِثَةٍ، مِنْهَا:

كِبَرُ سِنِّ شُيوخِ بَدْرٍ، وهُم مَاضُونَ إلى آجَالِهِم، والدَّوْلَةُ لا بُدَّ لَهَا مِنْ تَجْدِيدِ رِجَالاتِهَا، وتَعْزِيزِ الوَفْرَةِ بَيْنَ كَوَادِرِهَا. تَمْرِيسُهُم وتَدْرِيبُهُم عَلَى العَمَلِ الصَّعْبِ مُنْذُ حَدَاثَةِ أسْنَانِهِم. وَرَدَ فِي وَصِيَّةِ ابنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ (ت124هـ) رحمه الله لطُلاَّبِهِ: «لا تَحْقِرُوا أنْفُسَكُم لحَدَاثَةِ أسْنَانِكُم؛ فإنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ كَانَ إذَا نَزَلَ بِهِ الأمْرُ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المُعْضَلُ دَعَا الفِتْيَانَ فَاسْتَشَارَهُم، يَبْتَغِي حِدَّةَ عُقُولِهِم(933) حَذَاقَةُ أذْهَانِهِم، وجُودَةُ أفْهَامِهِم، وجِدُّهُم فِي تَحْصِيلِ العِلْمِ.

وحَيْثُ لا بُدَّ مِنْ ضَابِطٍ عِلْمِيٍّ لاخْتِيَارِ الشَّبَابِ؛ كَانَتِ الانْطِلاقَةُ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ، فَمَنِ اجْتَمَعَ لَهُ العِلْمُ مَعَ التَّقْوَى والوَرَعِ، والفَهْمُ بمَدْلُولاتِ الألْفَاظِ... قَرَّبَهُ وأدْنَاهُ واستَشَارَهُ فِي المَسَائِلِ الكِبَارِ. يَقُولُ ابنُ عَبَّاسٍ: «كَانَ القُرَّاءُ(934) أصْحَابَ مَجْلِسِ عُمَرَ ومُشَاوَرَتِهِ؛ كُهُولاً كَانُوا أوْ شُبَّانًا»(935) .

بَرَزَ مِنْ بَيْنِ هَؤُلاءِ:

عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ (ت73هـ). عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ (ت68هـ)، الَّذِي عُرِفَ بتَمَيُّزِهِ فِي تَفْسِيرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، بِبَرَكَةِ دُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَهُ. يَكَادُ لا يُفَارِقُ عُمَرَ فِي سَفَرٍ ولا حَضَرٍ، يَسْتَشِيرُهُ فِي الأمْرِ إذَا أهَمَّهُ، ويَأخُذُ بِقَوْلِهِ، ويُقَدِّمُهُ عَلَى

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

غَيْرِهِ مِنْ أتْرَابِهِ فِي القَضَايَا والمُعْضِلاتِ، «لِمَا عُرِفَ مِنْ فَضْلِ فِطْنَتِهِ، ونَفَاذِ بَصِيرَتِهِ»(936) ويَقُولُ: «غُصْ، غَوَّاصُ»(937)

وحَيْثُ كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُهُ مَعَ أشْيَاخِ بَدْرٍ، فَكَأنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رضي الله عنه(938) وَجَدَ فِي نَفْسِهِ(939) ! فَقَالَ: لِمَ تُدْخِلُ هَذَا الفَتَى مَعَنَا، ولَنَا أبْنَاءٌ مِثْلُهُ(940) ؟ فَقَالَ عُمَرُ: «إنَّهُ مِمَّنْ قَدْ عَلِمْتُم»(941) . وقَالَ مَرَّةً: «ذَاكُمْ فَتَى الكُهُولِ؛ إنَّ لَهُ لِسَانًا سَؤُولاً، وقَلْبًا عَقُولاً»(942) .

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَدَعَاهُم ذَاتَ يَوْمٍ، ودَعَانِي مَعَهُمْ. ومَا رُئِيتُهُ(943)

حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

دَعَانِي يَوْمَئِذٍ إلاَّ لِيُرِيَهُم مِنِّي(944) (وفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ: أمَا إنِّي سَأُرِيكُمُ اليَوْمَ مِنْهُ مَا تَعْرِفُونَ بِهِ فَضْلَهُ)(945) فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي ﴿۝٦ إِذا جاءَ نَصرُ اللَّهِ وَالفَتحُ ۝١ وَرَأَيتَ النّاسَ يَدخُلونَ في دينِ اللَّهِ﴾(946) حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ.

فَقَالَ بَعْضُهُم: أُمِرْنَا أنْ نَحْمَدَ اللهَ ونَسْتَغْفِرَهُ إذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا (وفي رواية: فَتْحُ المَدَائِنِ وَالقُصُورِ)(947) . وقَالَ بَعْضُهُم: لا نَدْرِي. أوْ: لَمْ يَقُلْ بَعْضُهُم شَيْئًا. فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، أكَذَاكَ تَقُولُ؟ قُلْتُ: لاَ، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟ قُلْتُ: هُوَ أجَلُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أعْلَمَهُ اللهُ لَهُ: ﴿۝٦ إِذا جاءَ نَصرُ اللَّهِ﴾(948) : فَتْحُ مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلاَمَةُ أجَلِكَ، ﴿۝٢ فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ وَاستَغفِرهُ ۚ إِنَّهُ كانَ﴾(949) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قَالَ عُمَرُ: «مَا أعْلَمُ مِنْهَا إلاَّ مَا تَعْلَمُ. كَيْفَ تَلُومُونِي عَلَى مَا تَرَوْنَ(950)(951) ) ( ».

الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ: طَبَقَةُ كِبَارِ التَّابِعِينَ:

الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ (ت72هـ)(952) ، قَرَّبَهُ وكَتَبَ إلَى أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ: «أمَّا بَعْدُ، فَأدْنِ الأحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ وشَاوِرْهُ واسْمَعْ مِنْهُ»(953) .

ثَانِيًا: دَوْرُ المَرْأةِ فِي الشُّورَى:

كَانَ للمَرْأةِ دَوْرٌ فَاصِلٌ فِي الشُّورَى، يَقُولُ ابْنُ سِيرِينَ: «إنْ كَانَ عُمَرُ لَيَسْتَشِيرُ فِي الأمْرِ، حتَّى إنْ كَانَ لَيَسْتَشِيرُ المَرْأةَ، فرُبَّمَا أبْصَرَ فِي قَوْلِهَا، أوِ الشَّيْءَ يَسْتَحْسِنُهُ فيَأخُذُهُ»(954) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقَدْ ثَبَتَ أنَّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ اسْتَشَارَ أمَّ المُؤْمِنِينَ حَفْصَةَ (ت45هـ) رضي الله عنها فِي كَمْ تَصْبِرُ المَرْأةُ عَلَى فِرَاقِ زَوْجِهَا؟ وبِنَاءً عَلَيْهِ ضَرَبَ مُنْتَهَى مُدَّةِ غِيَابِ العَسْكَرِ عَنْ أزْوَاجِهِم(955) .

ومِنَ المَسَائِلِ الَّتِي أفْتَى فِيهَا النِّسَاءُ:

الغُسْلُ مِنَ الإكْسَالِ:

دَخَلَ عَلَى عُمَرَ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا أمِيرَ المُؤمِنِينَ، هَذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ يُفْتِي النَّاسَ فِي المَسْجِدِ بِرَأيِهِ فِي الغُسْلِ مِنَ الجَنَابَةِ!

فَقَالَ عُمَرُ: عَلَيَّ بِهِ. فَجَاءَ زَيْدٌ. فَلَمَّا رَآهُ عُمَرُ قَالَ: أيْ عَدُوَّ نَفْسِهِ، قَدْ بَلَغْتَ أنْ تُفْتِيَ النَّاسَ بِرَأيِكَ! فَقَالَ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، بِاللهِ مَا فَعَلْتُ، لَكِنِّي سَمِعْتُ مِنْ أعْمَامِي حَدِيثًا فحَدَّثْتُ بِهِ(956) : مِنْ أبِي أيُّوبَ(957) ، ومِنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ومِنْ رِفَاعَةَ(958) .

فَأقْبَلَ عُمَرُ عَلَى رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ،

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَقَالَ: وقَدْ كُنْتُم تَفْعَلُونَ ذَلِكَ إذَا أصَابَ أحَدُكُم مِنَ المَرْأةِ، فَأكْسَلَ لَمْ يَغْتَسِلْ؟ فَقَالَ: قَدْ كُنَّا نَفْعَلُ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمْ يَأتِنَا مِنَ اللهِ تَحْرِيمٌ، ولَمْ يَكُنْ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيهِ نَهْيٌ.

قَالَ: رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَعْلَمُ ذَاكَ؟ قَالَ: لا أدْرِي.

فَأمَرَ عُمَرُ بِجَمْعِ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ، فَجُمِعُوا لَهُ فَشَاوَرَهُم، فَأشَارَ النَّاسُ أنْ لا غُسْلَ فِي ذَلِكَ، إلاَّ مَا كَانَ مِنْ مُعَاذٍ وعَلِيٍّ، فَإنَّهُمَا قَالا: «إذَا جَاوَزَ الخِتَانُ الخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ».

فَقَالَ عُمَرُ: هَذَا وأنْتُم أصْحَابُ بَدْرٍ وقَدِ اخْتَلَفْتُم، فَمَنْ بَعْدَكُم أشَدُّ اخْتِلافًا!

فَقَالَ عَلِيٌّ: يَا أمِيرَ المُؤمِنِينَ، إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أعْلَمَ بِهَذَا مِنْ شَأنِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

مِنْ أزْوَاجِهِ، فَأرْسَلَ إلَى حَفْصَةَ، فَقَالَتْ: لا عِلْمَ لِي بِهَذَا، فَأرْسَلَ إلَى عَائِشَةَ. فَقَالَتْ: «إذَا جَاوَزَ الخِتَانُ الخِتَانَ فَقَدْ وَجَبَ الغُسْلُ».

فَقَالَ عُمَرُ: لا أسْمَعُ برَجُلٍ فَعَلَ ذَلِكَ إلاَّ أوْجَعْتُهُ ضَرْبًا(959) .

ثَالِثًا: مَأْخَذُ عُمَرَ فِي الشُّورَى:

إنَّ كَثْرَةَ المُسْتَجِدَّاتِ والأحْدَاثِ النَّاتِجَةِ عَنِ امْتِدَادِ رُقْعَةِ الإسْلامِ إلَى بِلادٍ ذَاتِ حَضَارَاتٍ وتَقَالِيدَ ونُظُمٍ مُتَبَايِنَةٍ، وَلَّدَتْ – بدَوْرِهَا- مُشْكِلاتٍ جَدِيدَةً احْتَاجَتْ إلَى اجْتِهَادٍ مُتَوَاصِلٍ، مَا كَانَ سَبَبًا مُبَاشِرًا فِي تَوْسِيعِ نِطَاقِ الشُّورَى.

وكَيْ تَنْضَبِطَ مَعَهُ الأمُورُ، جَعَلَ الشُّورَى عَلَى نَوْعَيْنِ(960) :

الشُّورَى الخَاصَّةُ، يَخْتَصُّ بِهَا عُمَرُ الصَّفْوَةَ الَّتِي مَاتَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلموهُوَ عَنْهُم رَاضٍ؛ كَعُثْمَانَ، وطَلْحَةَ، ومُعَاذٍ، وزَيْدٍ. يَنْظُرُونَ فِي أدَقِّ الأمُورِ وأعْمَقِهَا، ويَسْتَشِيرُهُم فِي مَا يتَّصِلُ بسِيَاسَةِ الدَّوْلَةِ، أوْ عُوَيْصَاتِ المَسَائِلِ كَالأحْكَامِ الفِقْهِيَّةِ الغَامِضَةِ. لِمَا فِيهِم مِنْ فِقْهٍ فِي الدِّينِ، وإدْرَاكٍ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سَلِيمٍ لِمَصَالِحِ النَّاسِ، وتَدْبِيرٍ حَسَنٍ فِي مُسَايَسَةِ الأمُورِ.

ومِمَّا يَحْسُنُ تَسْجِيلُهُ هُنَا، ذَلِكَ الانْسِجَامُ والتَّضَامُنُ المُثْمِرُ بَيْنَ عُمَرَ وعَلِيٍّ. فَلَمْ يَكُنِ الأوَّلُ يَبُتُّ برَأيٍ فِي مُهِمَّاتِ الأمُورِ قَبْلَ أنْ يَسْتَشِيرَ الثَّانِيَ، الَّذِي كَانَ – بدَوْرِهِ- يُمَحِّضُهُ النُّصْحَ فِي شُؤُونِهِ وأحْوَالِهِ، فيُشِيرُ عَلَيْهِ بغَايَةٍ مِنَ التَّعَاوُنِ، ودَافِعٍ مِنَ الإخْلاصِ. فيَتَّجِهُ عُمَرُ إلَى تَنْفِيذِهِ عَنْ قَنَاعَةٍ(961) بكُلِّ ثِقَةٍ مُتَبَادَلَةٍ وتَقْدِيرٍ مُشْتَرَكٍ.

فعِندَمَا استَشَارَ عُمَرُ عَلِيًّا فِي قِتَالِ الفُرْسِ والرُّومِ، كَانَ لعَلِيٍّ مِن ذَلِكَ مَوقِفٌ ضَنَّ فِيهِ بعُمَرَ أنْ يَذْهَبَ بنَفْسِهِ لقِتَالِهِم؛ خَشْيَةً عَلَيْهِ مِنَ الغِيلَةِ، وحِرْصًا عَلَى بَقَائِهِ مُدَّةً أطْوَلَ لتَسْتَفِيدَ مِنْهُ الأمَّةُ. فقَالَ: «إنَّ الأعَاجِمَ إنْ يَنْظُرُوا إلَيْكَ غَدًا يقُولُوا: هَذَا أمِيرُ العَرَبِ، وأصْلُ العَرَبِ، فإذَا قَطَعْتُمُوهُ استَرَحْتُم. فيَكُونُ ذَلِكَ أشَدَّ لِكَلَبِهِم عَلَيْكَ، وطَمَعِهِم فِيكَ»(962) .

وقَالَ عليٌّ: «إنَّكَ مَتَى تَسِرْ إلَى هَذَا العَدُوِّ بنَفْسِكَ فتَلْقَهُم بشَخْصِكَ فتُنْكَبَ؛ لا تَكُنْ للمُسْلِمينَ كَانِفَةٌ(963) دُونَ أقْصَى بِلادِهِم، لَيْسَ بَعْدَكَ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مَرْجِعٌ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ»(964)

ولَطَالَمَا أعْرَبَ عُمَرُ عَنْ فَضْلِ عَلِيٍّ فِي هَذَا الخُصُوصِ، فَيَقُولُ: «أعُوذُ باللهِ مِنْ كُلِّ مُعْضِلَةٍ (وفِي رِوَايَةٍ: مُعَضِّلَةٍ)(965) لَيْسَ لَهَا أبُو حَسَنٍ(966)(967) )( ».

ورُبَّمَا اسْتَشَارَ مَنْ يَأنَسُ بِهِ العِلْمَ والخِبْرَةَ، كَالهُرْمُزَانِ(968) الَّذِي

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كَانَ قَائِدًا عَسْكَرِيًّا ذَا خِبْرَةٍ فِي مَيَادِينِ القِتَالِ، يَعْرِفُ بِلادَ فَارِسَ ومُدُنَهَا وطَبِيعَتَهَا الجُغْرَافِيَّةَ. فاسْتَشَارَهُ عُمَرُ: أيَبْدَأ بقِتَالِ فَارِسَ، أمْ أصْبَهَانَ(969) أمْ أَذْرَبِيجَانَ(970)

فَقَالَ الهُرْمُزَانُ: «أصَبْهَانُ الرَّأسُ، وفَارِسُ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأذْرَبِيجَانُ الجَنَاحَانِ، فإنْ قَطَعْتَ أحَدَ الجَنَاحَيْنِ، مَالَ الرَّأسُ بالجَنَاحِ الآخَرِ. وإنْ قَطَعْتَ الرَّأسَ وَقَعَ الجَنَاحَانِ. فَابْدَأ بالرَّأسِ».

فأخَذَ عُمَرُ بقَوْلِهِ(971) .

ولَهُ مَعَ هَذِهِ الشُّورَى الخَاصَّةِ: الشُّورَى العَامَّةُ فِي الأمُورِ الخَطِيرَةِ، الَّتِي تَمَسُّ شُؤُونَ الدَّوْلَةِ، أو يَمْتَدُّ أثَرُهَا إلَى سَائِرِ الرَّعِيَّةِ. فيَجْمَعُ أهْلَ المَدِينَةِ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ فِي المَسْجِدِ الجَامِعِ، فَإنْ ضَاقَ بِهِم خَرَجُوا إلَى ظَاهِرِ المَدِينَةِ. فيَعْرِضُ عَلَيْهِمُ المَوْضُوعَ، ويُدِيرُونَ بَيْنَهُم وُجُوهَ الرَّأيِ والنَّظَرِ(972) .

وقَدْ جَمَعَهُم مَرَّةً، فَقَالَ: «إنِّي لَمْ أُزْعِجْكُم(973) إلاَّ لأنْ تَشْتَرِكُوا فِي أمَانَتِي فِيمَا حُمِّلْتُ مِنْ أمُورِكُم؛ فَإنِّي وَاحِدٌ كَأحَدِكُم، وأنْتُمُ اليَوْمَ تُقِرُّونَ بِالحَقِّ، خَالَفَنِي مَنْ خَالَفَنِي ووَافَقَنِي مَنْ وَافقنِي. ولَيْسَ أُرِيدُ أنْ تَتَّبِعُوا هَذَا الَّذِي هَوَايَ. مَعَكُم مِنَ اللهِ كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالحَقِّ؛ فوَاللهِ لَئِنْ كُنْتُ نَطَقْتُ بِأمْرٍ أُرِيدُهُ مَا أُرِيدُ بِهِ إلاَّ الحَقَّ»(974) .

وحَيْثُ إنَّ مَبْدَأ الشُّورَى مُلْزِمٌ فِي عَرْضِهَا غَيْرُ مُلْزِمٍ فِي نَتِيجَتِهَا، وحَيْثُ إنَّ الاسْتِشَارَةَ للاسْتِنَارَةِ، ولا حَقَّ للأمِيرِ فِي الاسْتِبْدَادِ بالرَّأيِ أوْ عَدَمِ الالْتِفَاتِ إلَى النَّصِيحَةِ، إنَّمَا لَهُ الحَقُّ فِي الأخْذِ أوِ الرَّفْضِ بَعْدَ المُنَاقَشَةِ بالحُسْنَى... لذَلِكَ لَمْ يَظْلِمْ ولَمْ يَسْتَبِدَّ برَأيِهِ.

نَعَمْ، كَانَ يَفْصِلُ فِي الأمْرِ إذَا تَضَارَبَتْ فِيهِ الآرَاءُ، أوْ كَانَ لَهُ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رَأيٌ يَدِقُّ فِيهِ النَّظَرُ قَدْ يَخْفَى وَجْهُهُ –بَادِيَ الأمْرِ- عَلَى المُسْتَشَارِينَ، ثُمَّ مَا يَلْبَثُونَ إلاَّ أنْ يُوَافِقُوهُ؛ لأنَّ حُجَّتَهُ أقْوَى، أوْ لأنَّهُ الأمِيرُ ولا تَسَعُهُم مُخَالَفَتُهُ وبَيْعَتُهُ فِي رَقَبَتِهِم وقَدْ سَلَّمُوا لَهُ بالعِلْمِ والفَضْلِ والإنْصَافِ والنُّصْحِ لِدِينِ اللهِ وخَلْقِهِ.

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: نَمَاذِجُ مِنَ الاجْتِهَادِ الجَمَاعِيِّ

فَتَحَ عُمَرُ بَابَ الاجْتِهَادِ، ودَعَا المُتَأهِّلِينَ إلَيْهِ. فَاجْتَهَدَ الصَّحَابَةُ، وتَنَوَّعَتْ مَسَالِكُهُمُ الاجْتِهَادِيَّةُ، وتَعَدَّدَتْ آرَاؤُهُم فِي المَسْألَةِ الوَاحِدَةِ:

فرُبَّمَا اتَّفَقُوا جَمِيعًا فِي الحُكْمِ ولَوْ بَعْدَ اخْتِلافٍ فِي النَّظَرِ؛ فَإمَّا أنْ يُصَادِقَ عَلَيْهِ الخَلِيفَةُ، فيُعَدُّ إجْمَاعًا. وإمَّا أنْ يَأخُذَ بالأحْوَطِ.

ورُبَّمَا اخْتَلَفُوا، فيَرْجِعُونَ إلَى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ، فيَرْفَعُ الخِلافَ.

ورُبَّمَا اخْتَلَفُوا، فعَمِلَ كُلٌّ مِنْهُم بِمَا أدَّاهُ إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ.

ورُبَّمَا اجْتَهَدَ بَعْضُهُم حَيْثُ لَمْ يَبْلُغْهُ فِي المَسْألَةِ نَصٌّ، فيَقْضِي فِيهَا أوْ يُفْتِي برَأيِهِ، ثُمَّ يتَرَاجَعُ فيَأخُذُ بالنَّصِّ حِينَ يَبْلُغُهُ.

فهَذِهِ صُوَرٌ سِتَّةٌ، بالنَّظَرِ إلَى فُرُوعِهَا، نَلْحَظُ أنَّ مَرَدَّهَا إلَى نَوْعَيْنِ اثْنَيْنِ:

النَّوْعُ الأوَّلُ: اجْتِهَادَاتٌ تَتَّفِقُ عَلَيْهَا الآرَاءُ:

وهِيَ عَلَى ضَرْبَيْنِ اثْنَيْنِ:

الضَّرْبُ الأوَّلُ: اجْتِهَادَاتٌ تَتَّفِقُ عَلَيْهَا الآرَاءُ، فيُصَادِقُ عَلَيْهَا الخَلِيفَةُ:

مِنَ النَّمَاذِجِ العَمَلِيَّةِ عَلَى ذَلِكَ:

الزِّيَادَةُ فِي العُقُوبَةِ تَعْزِيرًا:

تَهَاوَنَ النَّاسُ زَمَنَ عُمَرَ فِي شُرْبِ الخُمورِ، وتَحَاقَرُوا العُقُوبَةَ! بَعْدَ أنْ فَاضَتْ بأيْدِيهِمُ الأمْوَالُ، خَاصَّةً في بِلادِ الشَّامِ حَيْثُ يَكْثُرُ العِنَبُ. فأبْرَقَ خَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ رضي الله عنه إلَى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ يَسْتَشِيرُهُ: مَاذَا يَصْنَعُ؟ فجَمَعَ عُمَرُ الصَّحَابَةَ رضي الله عنهم، واسْتَشَارَهُم فِي زِيَادَةِ عُقُوبَةِ شَارِبِ الخَمْرِ، حِينَ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي شُرْبِهَا.

فاتَّفَقَ أهْلُ الحَلِّ والعَقْدِ أنْ «يُجْلَدَ فِي قَلِيلِ الخَمْرِ وكَثِيرِهِ ثَمَانُونَ»(975) . قَالَ ابْنُ عَبدِ البَرِّ (ت463هـ) رحمه الله(976) : «انْعَقدَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ عَلَى الثَّمَانِينَ فِي حَدِّ الخَمْرِ، ولا مُخَالِفَ لَهُم مِنْهُم»(977) . وإجْمَاعُهُم مَبنِيٌّ –كَمَا هُوَ وَاضِحٌ- لا عَلَى نَصٍّ فِي المَسْألَةِ، بَلْ عَلَى الاجْتِهَادِ(978) ، بالاسْتِدْلالِ المُرْسَلِ(979) ، مِنْ أجْلِ حِفْظِ العَقْلِ مِنْ جَانِبِ العَدَمِ.

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الضَّرْبُ الثَّانِي: اجْتِهَادَاتٌ تَتَّفِقُ عَلَيْهَا الآرَاءُ، فيَأخُذُ الخَلِيفَةُ بالأحْوَطِ:

أحْيَانًا، يَكَادُ يَسْتَقِرُّ رَأيُهُم عَلَىَ حُكْمٍ، فيَأخُذُ الخَلِيفَةُ بالأحْوَطِ، حِرْصًا عَلَى تَوْثِيقِ المَصْلَحَةِ العَامَّةِ، كَمَا وَقَعَ فِي المِثَالِ الآتِي:

هَدِيَّةُ أمِّ كُلْثُومٍ إلَى مَلِكَةِ الرُّومِ:

بَعَثَتْ أمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عَلِيٍّ(980) زَوْجُ عُمَرَ بهَدِيَّةٍ إلى مَلِكَةِ الرُّومِ. فبَعَثَتْ إلَيْهَا هَذِهِ الأخِيرَةُ هَدِيَّةً، مِنْهَا: عِقْدٌ فَاخِرٌ. فَلَمَّا انْتَهَى البَرِيدُ إلَى عُمَرَ؛ أمَرَ بإمْسَاكِهِ، ودَعَا: الصَّلاةُ جَامِعَةٌ. فاجْتَمَعُوا، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، وقَالَ:

«إنَّهُ لا خَيْرَ فِي أمْرٍ أُبْرِمَ عَنْ غَيْرِ شُورَى مِنْ أمُورِي، قُولُوا فِي هَدِيَّةٍ أهْدَتْهَا أمُّ كُلْثُومٍ لامْرَأةِ مَلِكِ الرُّومِ، فَأهْدَتْ لَهَا امْرَأةُ مَلِكِ الرُّومِ.

فَقَالَ قَائِلُونَ: هُوَ لَهَا بالَّذِي لَهَا، ولَيْسَتِ امْرَأةُ المَلِكِ بِذِمَّةٍ فَتُصَانِعُ بِهِ، ولا تَحْتَ يَدِكَ فَتَتَّقِيكَ. وقَالَ آخَرُونَ: قَدْ كُنَّا نُهْدِي الثِّيَابَ لِنَسْتَثِيبَ، ونَبْعَثُ بِهَا لِتُبَاعَ، ولِنُصِيبَ ثَمَنًا. فَقَالَ: ولَكِنَّ الرَّسُولَ رَسُولُ المُسْلِمِينَ،

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والبَرِيدَ بَرِيدُهُم، والمُسْلِمُونَ عَظَّمُوهَا فِي صَدْرِهَا. فَأمَرَ بِرَدِّهَا إلَى بَيْتِ المَالِ، ورُدَّ عَلَيْهَا بِقَدْرِ نَفَقَتِهَا(981)

النَّوْعُ الثَّانِي: اجْتِهَادَاتٌ تَخْتَلِفُ فِيهَا الآرَاءُ:

وهِيَ عَلَى ثَلاثَةِ ضُرُوبٍ:

الضَّرْبُ الأوَّلُ: اجْتِهَادَاتٌ تَخْتَلِفُ فِيهَا الآرَاءُ، ثُمَّ تَجْتَمِعُ عَلَى أحَدِهَا:

مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ:

جَمْعُ القُرْآنِ فِي المَصَاحِفِ:

لَعَلَّ مِنْ أظْهَرِ شَوَاهِدِ هَذَا النَّوْعِ: إجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى جَمْعِ المُصْحَفِ فِي عَهْدِ أبِي بَكْرٍ، بإشَارَةٍ مِنْ عُمَرَ، بَعْدَ أنْ تَدَاوَلُوا الرَّأيَ، وقَلَّبُوا فِيهِ وُجْهَاتِ النَّظَرِ، حتَّى انْتَهَى بِهِمُ النِّقَاشُ إلَى الإقْدَامِ عَلَيْهِ، بَعْدَ أنْ أحْجَمَ أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ زَيْدٌ(982) !

الضَّرْبُ الثَّانِي: اجْتِهَادَاتٌ تَخْتَلِفُ فِيهَا الآرَاءُ فيَفْصِلُ فِيهَا أمِيرُ المُؤْمِنِينَ:

المَسَائِلُ الَّتِي يَتَّفِقُ عَلَيْهَا أهْلُ الشُّورَى مُلْزِمَةٌ للخَلِيفَةِ والأمَّةِ مَعًا.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أمَّا إذَا اخْتَلَفَتْ أنْظَارُهُم، ولَمْ يتَحَصَّلْ فِيهَا الإجْمَاعُ، كَانَ عُمَرُ يَأخُذُ بِمَا يَرَاهُ أوْفَقَ للأمَّةِ، مِمَّا يُحَقِّقُ العَدْلَ والمَصْلَحَةَ، ومِنْ ثَمَّ قِيلَ: «حُكْمُ الحَاكِمِ يَرْفَعُ الخِلافَ»(983)

حَصَلَ أنْ تَبَايَنَتِ اجْتِهَادَاتُ الصَّحَابَةِ حَوْلَ بَعْضِ الحَوَادِثِ، ففَصَلَ فِيهَا عُمَرُ أخِيرًا، مِنْ أمْثِلَةِ ذَلِكَ:

حُكْمُ الدُّخُولِ على الطَّاعُونِ:

خَرَجَ عُمَرُ سَنَةَ 18هـ إلَى الشَّامِ، حتَّى إذَا كَانَ بِسَرْغَ(984) لَقِيَهُ أمَرَاءُ الأجْنَادِ: أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ وأصْحَابُهُ(985) فَأخْبَرُوهُ أنَّ الوَبَاءَ(986) قَدْ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وَقَعَ بأرْضِ الشَّامِ.

فَقَالَ عُمَرُ: ادْعُ لِي المُهَاجِرِينَ الأوَّلِينَ(987) ، فَدَعَاهُم فَاسْتَشَارَهُم، وأخْبَرَهُمْ أنَّ الوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشَّامِ. فَاخْتَلَفُوا، فَقَالَ بَعْضُهُم: قَدْ خَرَجْتَ لأمْرٍ، ولا نَرَى أنْ تَرْجِعَ عَنْهُ. وقَالَ بَعْضُهُم: مَعَكَ بَقِيَّةُ النَّاسِ وأصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم(988) ، ولا نَرَى أنْ تُقْدِمَهُم عَلَى هَذَا الوَبَاءِ.

قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَقَالَ: «ارْتَفِعُوا عَنِّي». ثُمَّ قَالَ: «ادْعُوا لِي الأنْصَارَ». فَدَعَوْتُهُم فَاسْتَشَارَهُم. فَسَلَكُوا سَبِيلَ المُهَاجِرِينَ، وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلاَفِهِم! فَقَالَ: «ارْتَفِعُوا عَنِّي». ثُمَّ قَالَ: «ادْعُ لِي مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ(989)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مِنْ مُهَاجِرَةِ الفَتْحِ(990) فَدَعَوْتُهُم، فَلَمْ يَخْتَلِفْ مِنْهُم عَلَيْهِ رَجُلاَنِ. فَقَالُوا: نَرَى أنْ تَرْجِعَ بالنَّاسِ وَلاَ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الوَبَاءِ.

فَنَادَى عُمَرُ فِي النَّاسِ: إنِّي مُصْبِحٌ على ظَهْرٍ، فَأصْبِحُوا(991) عَلَيْهِ (وفِي رِوَايَةٍ: فَإنِّي مَاضٍ لِمَا أرَى فَانْظُرُوا مَا آمُرُكُم بِهِ فَامْضُوا لَهُ)(992) .

قَالَ أبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرَّاحِ: أفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللهِ؟!

فَقَالَ عُمَرُ: لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا، يَا أبَا عُبَيْدَةَ! نَعَمْ، نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللهِ إلَى قَدَرِ اللهِ. أرَأيْتَ لَوْ كَانَ لَكَ إبِلٌ هَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ(993) إحْدَاهُمَا: خَصْبَةٌ، والأخْرَى: جَدْبَةٌ، ألَيْسَ إنْ رَعَيْتَ الخَصْبَةَ رَعَيْتَهَا

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بِقَدَرِ اللهِ، وإنْ رَعَيْتَ الجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللهِ؟

فَجَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ – وكَانَ مُتَغَيِّبًا فِي بَعْضِ حَاجَتِهِ- فَقَالَ: إنَّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إذَا سَمِعْتُم بِهِ بأرْضٍ فلا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وإذَا وَقَعَ بأرْضٍ وأنْتُم بِهَا فلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْه».

فَحَمِدَ اللهَ عُمَرُ(994) ، ثُمَّ انْصَرَفَ(995) .

حُجَّةُ الطَّائِفَتَيْنِ وَاضِحَةٌ مُبَيَّنَةٌ فِي الحَدِيثِ، وهُمَا مُسْتَمَدَّانِ مِنْ أصْلَيْنِ فِي الشَّرْعِ:

أحَدُهُمَا: التَّوَكُّلُ والتَّسْلِيمُ للقَضَاءِ.

والثَّانِي: الاحْتِيَاطُ الحَذِرُ، ومُجَانَبَةُ أسْبَابِ الإلْقَاءِ باليَدِ إلَى التَّهْلُكَةِ(996) .

تَضَمَّنَتْ هَذِهِ القِصَّةُ عُيُونًا مِنَ الفَوَائِدِ المَنْهَجِيَّةِ والأصُولِيَّةِ، مِنْهَا(997) :

مَشْرُوعِيَّةُ الْمُنَاظَرَةِ واسْتِحْبَابُ مُشَاوَرَةِ أهْلِ العِلْمِ والرَّأيِ فِي

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

النَّوَازِلِ والأمُورِ الحَادِثَةِ، وتَقْدِيمُ أهْلِ السَّابِقَةِ فِي ذَلِكَ. صِحَّةُ القِيَاسِ وجَوَازُ العَمَلِ بِهِ. مُرَاعَاةُ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ فِي المُحَافَظَةِ عَلَى النَّفْسِ مِنَ المَرَضِ أوِ المَوْتِ. الاخْتِلافُ لا يُوجِبُ حُكْمًا بِخِلافِ الاتفاقِ. وُجُوبُ العَمَلِ بِخَبَرِ الوَاحِدِ. والقِصَّةُ هَذِه مِنْ أقْوَى الأدِلَّةِ عَلَيْهِ، لأنَّ ذَلِكَ كَانَ باتِّفَاقِ أهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَقَبِلُوهُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، ولَمْ يَطْلُبُوا مَعَهُ مُقَوِّيًا. التَّرْجِيحُ بالأكْثَرِ عَدَدًا والأكْثَرِ تَجْرِبَةً، وهُوَ أمْرٌ يَظْهَرُ مِنْ رُجُوعِ عُمَرَ لِقَوْلِ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ، مَعَ مَا انْضَمَّ إلَيْهِم مِمَّنْ وَافَقَ رَأيَهُم مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ. فَإنَّ مَجْمُوعَ ذَلِكَ أكْثَرُ مِنْ عَدَدِ مَنْ خَالَفَهُ مِنْ كُلٍّ مِنَ المُهَاجِرِينَ والأنْصَارِ. ووَازَنَ مَا عِنْدَ الَّذِينَ خَالَفُوا مِنْ مَزِيدِ الفَضْلِ فِي العِلْمِ والدِّينِ مَا عِنْدَ المَشْيَخَةِ مِنَ السِّنِّ والتَّجَارِبِ، فلَمَّا تَعَادَلُوا مِنْ هَذِهِ الحَيْثِيَّةِ؛ رَجَّحَ بالكَثْرَةِ. ثُمَّ لَمَّا وَافَقَ اجْتِهَادُهُ النَّصَّ حَمِدَ اللهَ عَلَى تَوْفِيقِهِ لذَلِكَ.

كَمْ يُكَبَّرُ عَلَى الجَنَازَةِ؟

قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم والنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فِي التَّكْبِيرِ عَلَى الجَنَازَةِ؛

مِنْ قَائِلٍ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُكَبِّرُ سَبْعًا. وآخَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُكَبِّرُ خَمْسًا. وآخَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُكَبِّرُ أرْبَعًا. فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى مَاتَ أبُو بَكْرٍ. فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ فَرَأى اخْتِلافَهُم شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَأرْسَلَ إلَى رِجَالٍ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فقَالَ:

«إنَّكُم، يَا أصْحَابَ مُحَمَّدٍ، إنِ اخْتَلَفْتُمُ اخْتَلَفَ النَّاسُ بَعْدَكُم. وإنَّكُمْ قَدِ اخْتَلَفْتُم فِي التَّكْبِيرِ عَلَى الجَنَائِزِ! فَأجْمِعُوا عَلَى رَأيٍ يَأخُذْ بِهِ مَنْ بَعْدَكُم.

فَكَأنَّمَا أيْقَظَهُم. فَقَالُوا: نِعْمَ مَا رَأيْتَ يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَأشِرْ عَلَيْنَا. قَالَ: بَلْ أشِيرُوا عَلَيَّ، فَإنَّمَا أنَا بَشَرٌ . فتَرَاجَعُوا بَيْنَهُم، فَاجْتَمَعُوا عَلَى أنْ يَنْظُرُوا آخِرَ جَنَازَةٍ كَبَّرَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى قُبِضَ، فيَأخُذُوا بِهِ ويَرْفُضُوا مَا سِوَى ذَلِكَ. فَكَانَتْ آخِرُ جَنَازَةٍ كَبَّرَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، فَأخَذُوا بذَلِكَ»(998) .

الضَّرْبُ الثَّالِثُ: اجْتِهَادَاتٌ تَخْتَلِفُ فِيهَا الآرَاءُ، فيَعْمَلُ كُلٌّ بمُؤَدَّى اجْتِهَادِهِ:

لَقِيَ عُمَرُ رَجُلاً مُسْتَفْتِيًا، فَقَالَ: مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ: قَضَى عَلِيٌّ وزَيْدٌ بِكَذَا! قَالَ: لَوْ كُنْتُ أنَا لَقَضَيْتُ بِكَذَا. قَالَ: فَمَا يَمْنَعُكَ والأمْرُ إلَيْكَ؟! قَالَ: لَوْ كُنْتُ أرُدُّكَ إلَى كِتَابِ اللهِ أوْ إلَى سُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم لَفَعَلْتُ، ولَكِنِّي

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أرُدُّكَ إلَى رَأيِي، والرَّأيُ مُشْتَرَكٌ»(999)

فتَنَوَّعَتِ الآرَاءُ، وعَمِلَ كُلُّ فَقِيهٍ بمَا رَآهُ، ولَمْ يُحَرِّجْ عَلَى أحَدٍ، وأمْضَاهُ.

هَذِهِ الاجْتِهَادَاتُ – حَتْمًا- مَبْنِيَّةٌ عَلَى قَوَاعِدَ أصُولِيَّةٍ وأسُسٍ عِلْمِيَّةٍ، تَلْحَظُ النَّصَّ، وتَجُوبُ فِي آفَاقِ الشَّرِيعَةِ ومَقَاصِدِهَا العَامَّةِ.

هَذَا مَا سَأعْمَلُ عَلَى إيضَاحِهِ والكَشْفِ عَنْهُ فِي المَبْحَثِ الثَّالِثِ.

المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الأسُسُ المَرْجِعِيَّةُ لاجْتِهَادِ عُمَرَ

انْتَهَضَ اجْتِهَادُ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عُمَرَ عَلَى أسَاسِ النَّظَرِ إلَى عِلَلِ الأحْكَامِ، ومُرَاعَاةِ المَصْلَحَةِ. ويَعُودُ تَفَاوُتُهُ فِي العَمَلِ بالرَّأيِ، بالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ مِنَ المُجْتَهِدِينَ، إلَى حَظِّ كُلٍّ مِنْهُم فِي مِقْدَارِ الإفَادَةِ مِنَ المَلَكَةِ الأصُولِيَّةِ، بحَسَبِ تَفَاوُتِ أذْهَانِهِم، والمَسَالِكِ الَّتِي يَسْلُكُونَهَا. ومَرَدُّهُ بِدَايَةً إلَى طَبِيعَتِهِ، ومَا جُبِلَ عَلَيْهِ، ونَمَطِ تَفْكِيرِهِ.

لِذَا، لَمْ يَكْتَفِ بظَاهِرِ النُّصُوصِ، بَلْ نَزَعَ بفِطْرَتِهِ إلَى التَّغَلْغُلِ فِي مَعَانِيهَا، والوُقُوفِ عَلَى مَرَامِيهَا البَعِيدَةِ، وإدْرَاكِ أسْرَارِ التَّشْرِيعِ وحِكَمِهِ، حَتَّى قِيلَ: «كَانَ أمْهَرَ الصَّحَابَةِ فِي اسْتِعْمَالِ الرَّأيِ، وأكْثَرَهُمْ تَوَسُّعًا فِيهِ، بفَضْلِ مَا أُوتِيَ مِنْ نَفَاذِ البَصِيرَةِ، ورَجَاحَةِ العَقْلِ، وجُودَةِ الرَّأيِ»(1000) .

فجَاءَ هَذَا المَبْحَثُ فِي المَطَالِبِ الثَّلاثَةِ الآتِيَةِ:

المَطْلَبُ الأوَّلُ: النُّصُوصُ المُفَسَّرَةُ.

المَطْلَبُ الثَّانِي: السَّوَابِقُ القَضَائِيَّةُ.

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: مَقَاصِدُ التَّشْرِيعِ.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المَطْلَبُ الأوَّلُ: النُّصُوصُ المُفَسَّرَةُ

احْتَرَمَ عُمَرُ النَّصَّ التَّشْرِيعِيَّ، ووَقَفَ عِنْدَهُ، وعَاقَبَ مَنْ يتَجَاوَزُهُ. عَنْ سِيرِينَ(1001) أنَّهُ سَألَ أنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه(1002) الكِتَابَ(1003) -وكَانَ كَثِيرَ المَالِ- فَأبَى! فَانْطَلَقَ إلَى عُمَرَ، فاسْتَعْدَاهُ عَلَيْهِ. فقَالَ عُمَرُ لأنَسٍ: «كَاتِبْهُ». فَأبَى! فضَرَبَهُ بالدِّرَّةِ، وقَالَ: «كَاتِبْهُ». فقَالَ أنَسٌ: لا أُكَاتِبُهُ! فَضَرَبَهُ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بالدِّرَّةِ، وتَلا: ﴿فَكاتِبوهُم إِن عَلِمتُم فيهِم خَيرًا﴾(1004) فكَاتَبَهُ أنَسٌ(1005)

قَالَ الشَّافِعِيُّ: «وأظْهَرُ مَعَانِي الخَيْرِ فِي العَبْدِ بدَلالَةِ الكِتَابِ: الاكْتِسَابُ مَعَ الأمَانَةِ. فأُحِبُّ أنْ لا يَمْتَنِعَ مِنْ كِتَابَتِهِ إذَا كَانَ هَكَذَا»(1006) .

وقَامَ إلَى رَجُلٍ سَألَهُ عَنْ مَسْألَةٍ، سَبَقَ لَهُ أنْ سَألَ عَنْهَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم! فضَرَبَهُ بالدِّرَّةِ، وقَالَ: «لِمَ تَسْتَفْتُونِي فِي شَيْءٍ قَدْ أفْتَى فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم»(1007) . والمَقْصُودُ مِنْهُ: إشَارَةُ عُمَرَ إلَى الاسْتِغْنَاءِ بالسُّنَّةِ عَنْ غَيْرِهَا.

الْتَزَمَ عُمَرُ النَّصَّ التَّشْرِيعِيَّ ولَمْ يَعْدُهُ إلَى أنْوَاعِ الاجْتِهَادَاتِ، طَالَمَا أنَّهُ لا يَقْبَلُ تَأوِيلاً، ولا يَحْتَمِلُ تَخْصِيصًا أوْ تَقْيِيدًا، وإلاَّ عَادَ الرَّأيُ عَلَى أصْلِ التَّشْرِيعِ بالنَّقْضِ والهَدْمِ! كَمَا فِي كِتَابِهِ إلَى شُرَيْحِ بْنِ الحَارِثِ الكِنْدِيِّ حِينَ وَلاَّهُ قَضَاءَ الكُوفَةِ.

وهَذَا مَا يُسْتَفَادُ مِنْ تَبْرِيرِهِ الاجْتِهَادَ المُتَعَلِّقَ بالجَدِّ: «لَيْسَ هُوَ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بِوَحْيٍ حَتَّى نَزِيدَ فِيهِ ونَنْقُصَ مِنْهُ، إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ نَرَاهُ، فَإنْ رَأيْتَهُ وَافَقَنِي تَبِعْتَهُ، وإلاَّ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ فِيهِ شَيْءٌ»(1008)

دَلَّ عَلَى تَمَسُّكِهِ بالأصْلِ، وعَدَمِ الحِيَادِ عَنْهُ، مَوْقِفُهُ مِنْ نِكَاحِ المُتْعَةِ، ونَفَقَةِ المَبْتُوتَةِ، الَّذِي يُعَدُّ مِنْ أصْدَقِ الشَّوَاهِدِ عَلَى هَذِهِ النَّزْعَةِ:

نِكَاحُ المُتْعَةِ:

نِكَاحُ المُتْعَةِ: عَقْدٌ عَلَى الاسْتِمْتَاعِ بامْرَأةٍ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، مُقَابِلَ أجْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ، بلَفْظِ المُتْعَةِ(1009) . وسُمِّيَ مُتْعَةً لانْتِفَاعِ المَرْأةِ بِمَا يُعْطِيهَا الرَّجُلُ، وانْتِفَاعِ الرَّجُلِ بالمَرْأةِ بقَضَاءِ شَهْوَتِهِ.

يَظُنُّ البَعْضُ أنَّ عُمَرَ تَجَاسَرَ عَلَى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ، وهُوَ يَعْلَمُ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يُحَرِّمْهَا! مُتَذَرِّعِينَ بمَفْهُومِ قَوْلِهِ رضي الله عنه: «مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأنَا أنْهَى عَنْهُمَا، وأعَاقِبُ عَلَيْهِمَا: مُتْعَةُ النِّسَاءِ، ومُتْعَةُ الحَجِّ(1010)(1011) )( ».

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وَجْهُ الدَّلالَةِ: إخْبَارُ عُمَرَ أنَّ نِكَاحَ المُتْعَةِ كَانَ مُبَاحًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. وإنَّمَا نَهَى عَنْهُ هُوَ! ومَا ثَبَتَ بقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، لَمْ يُنْسَخْ بقَوْلِ الصَّحَابِيِّ، ولا يَجُوزُ أنْ يُقْبَلَ مِنْهُ تَحْرِيمُ مَا كَانَ حَلالاً عَلَى عَهْدِه صلى الله عليه وسلم.

وهَذَا إنَّمَا اعْتَلُّوا بِهِ لعَدَمِ النَّظَرِ فِي نُصُوصِ البَابِ الوَارِدَةِ عَنْ عُمَرَ جَمِيعًا، والاكْتِفَاءِ بهَذِهِ الرِّوَايَةِ المُجْمَلَةِ!

فعُمَرُ قَدْ ثَبَتَ عَنْهُ فِي أخْبَارٍ كَثِيرَةٍ، أنَّهُ يَقْفُو فِيهَا أثَرَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ويَطْلُبُ البَيِّنَةَ عَلَى مَا يُدَّعَى عَلَيْهِ، ويُعَاقِبُ مَنْ خَالَفَ شَيْئًا مِنْ سُنَّتِهِ، ويَأمُرُ بالمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا، والأخْذِ بِهَا، والمَنْعِ مِنْ تَعَدِّيهَا، ومُجَاوَزَتِهَا. فأنَّى يُظَنُّ بِهِ ذَلِكَ؟!

مِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ، لَوْ أنَّ عُمَرَ رَامَ مُنَاكَفَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم! لَمْ يُقِرَّهُ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ، ولَمْ يَقْبَلُوهُ مِنْهُ، ولاعْتَرَضُوا عَلَيْهِ فِيهِ، كَمَا اعْتَرَضُوا فِيمَا هُوَ أيْسَرُ مِنْ ذَلِكَ وأخَفُّ(1012) قَالَ الطَّحَاوِيُّ (ت312هـ) رحمه الله(1013)

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

»فهَذَا عُمَرُ قَدْ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ، بحَضْرَةِ أصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنْهُم مُنْكِرٌ. وفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى مُتَابَعَتِهِمْ لَهُ عَلَى مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ. وفِي إجْمَاعِهِم عَلَى النَّهْيِ فِي ذَلِكَ عَنْهَا دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِهَا وحُجَّةٌ(1014)

حَيْثُ ثَبَتَ تَحْرِيمُ نِكَاحِ المُتْعَةِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثُبُوتًا قَاطِعًا بأسَانِيدَ مُسْلَسَلَةٍ بأئِمَّةِ أهْلِ البَيْتِ الطَّاهِرِينَ، عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيِّ بْنِ أبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: «نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ المُتْعَةِ عَامَ خَيْبَرَ»(1015) .

وكَذَا جَاءَ مَا يُفِيدُ أنَّهُ صلى الله عليه وسلم نَهَى عَنْهَا نَهْيًا بَاتًّا إلَى يَومِ القِيامَةِ(1016) ، فَقَالَصلى الله عليه وسلم: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، إنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُم فِي الاسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ، وإنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. فمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ، فليُخَلِّ سَبِيلَهُ، ولا تَأخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا»(1017) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فبَلَغَ نَاسًا هَذَا التَّحْرِيمُ الأخِيرُ، وفَهِمُوهُ عَلَى التَّأبِيدِ. وبَلَغَ أنَاسًا آخَرِينَ، فظَنُّوهُ التَّحْرِيمَ الأوَّلَ الَّذِي تَبِعَتْهُ رُخْصَةُ التَّحْلِيلِ، فاسْتَمَرُّوا عَلَى الأخْذِ بِهِ(1018) !

وإنَّمَا أرَادَ عُمَرُ بذَلِكَ، أنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً فِي أوَّلِ الإسْلامِ، فَنُسِخَتِ الإبَاحَةُ(1019) ، وحُرِّمَتْ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وهَذَا مَضْمُونُ قَوْلِهِ: «كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم»، يَعْنِي: ثُمَّ نَهَى عَنْهُمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم(1020) . وبالتَّالِي، فمَنِ اسْتَحَلَّهَا وفَعَلَهَا بَعْدَمَا حَرَّمَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ونَسَخَهَا؛ عَاقَبْتُهُ عَلَى ذَلِكَ.

وهَذَا وَاضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: «ومَعْلُومٌ أنَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ لِيَنْهَى عَنْ شَيْءٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أوْ أبَاحَهُ، أوْ أمَرَ بِهِ، ولا لِيُعَاقِبَ عَلَيْهِ، إلاَّ وقَدْ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ إمَّا خُصُوصٌ، وإمَّا مَنْسُوخٌ»(1021) . هَذا مَا لا شَكَّ فِيهِ لذِي لُبٍّ.

والمُسْتَنَدُ فِي ذَلِكَ الرِّوَايَةُ المُفَسَّرَةُ المُفَصَّلَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ عَلَيْهَا تِيكَ المُجْمَلَةُ، والَّتِي وَرَدَتْ عَنْ عُمَرَ نَفْسِهِ، أنَّهُ لَمَّا وَلِيَ، حَمِدَ اللهَ وأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:

«يَا أيُّهَا النَّاسُ، إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أحَلَّ لَنَا المُتْعَةَ ثَلاثًا، ثُمَّ حَرَّمَهَا عَلَيْنَا.

وأنَا أُقْسِمُ باللهِ قَسَمًا بَرًّا: لا أجِدُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ – أُحْصِنَ- مُتَمَتِّعًا إلاَّ رَجَمْتُهُ، إلاَّ أنْ يَأتِيَنِي بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أحَلَّهَا بَعْدَ أنْ حَرَّمَهَا.

ولا أجِدُ رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ مُتَمَتِّعًا، إلاَّ جَلَدْتُهُ، إلاَّ أنْ يَأتِيَنِي بأرْبَعَةِ شُهَدَاءَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أحَلَّهَا بَعْدَمَا حَرَّمَهَا»(1022) .

نَفَقَةُ المَبْتُوتَةِ:

أرَادَ عُمَرُ إجْرَاءَ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحصُوا العِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُم لا تُخرِجوهُنَّ مِن بُيوتِهِنَّ وَلا يَخرُجنَ إِلّا أَن يَأتينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلكَ حُدودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدودَ اللَّهِ فَقَد ظَلَمَ نَفسَهُ لا تَدري لَعَلَّ اللَّهَ يُحدِثُ بَعدَ ذٰلِكَ﴾(1023) وقَوْلِهِ تَعَالَى:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

﴿أَسكِنوهُنَّ مِن حَيثُ سَكَنتُم مِن وُجدِكُم وَلا تُضارّوهُنَّ لِتُضَيِّقوا عَلَيهِنَّ وَإِن كُنَّ أُولاتِ حَملٍ فَأَنفِقوا عَلَيهِنَّ حَتّىٰ يَضَعنَ حَملَهُنَّ فَإِن أَرضَعنَ لَكُم فَآتوهُنَّ أُجورَهُنَّ وَأتَمِروا بَينَكُم بِمَعروفٍ وَإِن تَعاسَرتُم فَسَتُرضِعُ لَهُ أُخرىٰ﴾(1024) عَلَى حَالَةٍ وَقَعَتْ فِي عَهْدِهِ، حِينَ جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ تُخْبِرُهُ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَجْعَلْ لَهَا نَفَقَةً ولا سُكْنَى!

فَأنْكَرَ عُمَرُ قَوْلَهَا، إذِ اعْتَبَرَ النُّصُوصَ الوَارِدَةَ فِي المَسْألَةِ مُفَسَّرَةً، وقَدْ جَاءَتْهُ فَاطِمَةُ بِمَا يَقْتَضِي نَقْضَهَا! فَلَمْ يَعْبَأ برِوَايَتِهَا، وقَالَ قَوْلَتَهُ الشَّهِيرَةَ: «لا نَتْرُكُ كِتَابَ اللهِ وسُنَّةَ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم لقَوْلِ امْرَأةٍ؛ لا نَدْرِي لَعَلَّهَا حَفِظَتْ أوْ نَسِيَتْ»(1025) .

فَأنْتَ تَرَى أنَّ عُمَرَ تَمَسَّكَ بِمَا ثَبَتَ لَدَيْهِ مِنْ نُصُوصٍ، هِيَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ قَطْعِيَّةٌ. ولا يَضِيرُهُ مَجِيءُ النَّصِّ الأوَّلِ عَامًّا يشْمُلُ الحَامِلَ والحَائِلَ، فِي مُقَابَلَةِ الآخَرِ الخَاصِّ بالحَامِلِ، لأمْرَيْنِ:

الأوَّلُ: كَوْنُ الشَّرْطِ فِيهِ لَمْ يتَمَحَّضْ للتَّقْيِيدِ، بَلْ جَاءَ لدَفْعِ تَوَهُّمِ عَدَمِ وُجُوبِ الإنْفَاقِ عَلَى الحَامِلِ، بدَاعِي طُولِ أمَدِ المُدَّةِ، فَكَانَ تَنْبِيهًا عَلَى اسْتِحْقَاقِهَا النَّفَقَةَ ولَوْ طَالَتْ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا.

الثَّانِي: لكَوْنِ احْتِبَاسِ الحَائِلِ جَاءَ لحَقِّ الزَّوْجِ لمَعْرِفَةِ بَرَاءَةِ الرَّحِمِ، فَاسْتَحَقَّتِ النَّفَقَةَ(1026) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولَمْ يَكْتَرِثْ لِقَوْلِهَا، حَيْثُ اسْتَبْعَدَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ رِوَايَةً مُنْضَبِطَةً عَنِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم. فَجَعَلَ النُّصُوصَ القَطْعِيَّةَ مِعْيَارًا لِلحُكْمِ عَلَى ضَعْفِ رِوَايَتِهَا، لِوُرُودِهَا مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مَأمُونَةِ الغَلَطِ، أوْ لاكْتِنَافِهَا بَعْضَ الغُمُوضِ وخَطَأ التَّقْدِيرِ.

فِي المُقَابِلِ، حِينَ لا يَكُونُ ثَمَّةَ نَصٌّ قَاطِعٌ، نَرَاهُ يَبْحَثُ عَنِ الرِّوَايَةِ، لِئَلاَّ يتَشَعَّبَ بِهِمُ اخْتِلافُ الرَّأيِ، ومَتَى حَظِيَ بِهَا احْتَفَى احْتِفَاءً بَالِغًا، وتَرَكَ اجْتِهَادَهُ لِلنَّصِّ.

مِثَالُهُ:

دِيَةُ الجَنِينِ:

خَفِيَتْ عَلَيْهِ دِيَةُ الجَنِينِ، فَرَاحَ يَسْألُ النَّاسَ: «أُذَكِّرُ اللهَ امْرأً سَمِعَ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الجَنِينِ شَيْئًا؟». فَقَامَ حَمَلُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّابِغَةِ الهُذَلِيُّ(1027) فَقَالَ: كُنْتُ بَيْنَ جَارِيَتَيْنِ لِي يَعْنِي: ضَرَّتَيْنِ- فَضَرَبَتْ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إحْدَاهُمَا الأخْرَى بمِسْطَحٍ(1028) فَألْقَتْ جَنِينًا مَيْتًا. فقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بغُرَّةٍ(1029)

فَقَالَ عُمَرُ: «اللهُ أكْبَرُ! لَوْ لَمْ أسْمَعْ فِيهِ لَقَضَيْنَا فِيهِ بغَيْرِ هَذا»، أوْ قَالَ: «إنْ كِدْنَا أنْ نَقْضِيَ فِي مِثْلِ هَذَا برَأيِنَا»(1030) .

والقِيَاسُ أنْ لا يَجِبَ شَيْءٌ فِي الجَنِينِ، لأنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ بحَيَاتِهِ، وإنَّمَا وَجَبَ اسْتِحْسَانًا للحَدِيثِ، فتَرَكَ القِيَاسَ بالأثَرِ(1031) .

قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي وَصْفِهِ حَالَ عُمَرَ فَوْرَ سَمَاعِهِ قَوْلَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «يُخْبِرُ –واللهُ أعْلَمُ- أنَّ السُّنَّةَ إذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً بأنَّ فِي النَّفْسِ مِئَةً مِنَ الإبِلِ، فَلا يَعْدُو الجَنِينُ أنْ يَكُونَ حَيًّا؛ فيَكُونَ فِيهِ مِئَةٌ مِنَ الإبِلِ، أوْ مَيْتًا؛ فَلا شَيْءَ فِيهِ.

فلَمَّا أُخْبِرَ بقَضَاءِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيهِ؛ سَلَّمَ لَهُ، ولَمْ يَجْعَلْ لنَفْسِهِ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إلاَّ اتِّبَاعَهُ، فِيمَا مَضَى بخِلافِهِ، وفِيمَا كَانَ رَأيًا مِنْهُ لَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِيهِ شَيْءٌ. فلَمَّا بَلَغَهُ خِلافُ فِعْلِهِ؛ صَارَ إلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وتَرَكَ حُكْمَ نَفْسِهِ. وكَذَلِكَ كَانَ فِي كُلِّ أمْرِهِ»(1032)

هَذِهِ كَانَتْ حَالُ عُمَرَ رضي الله عنه إذَا وَصَلَهُ الخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ طَرِيقٍ رَجِيحَةٍ(1033) . بخِلافِ ذَلِكَ الَّذِي قَضَى عَلَيْهِ، حَيْثُ نَزَعَ إلَى عَقْلِهِ وهَوَاهُ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، فَقَالَ مُنْكِرًا: كَيْفَ أُغْرَمُ مَا لا شَرِبَ ولا أكَلَ، ولا شَهِقَ ولا اسْتَهَلَّ، ومِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ(1034) ؟!

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إنَّمَا هَذَا مِنْ إخْوَانِ الكُهَّانِ (وفِي رِوَايَةٍ: أَسَجْعٌ كَسَجْعِ(1035) الأعْرَابِ؟)(1036)(1037) )( ».

المَطْلَبُ الثَّانِي: السَّوَابِقُ القَضَائِيَّةُ

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
أوَّلاً: مَفْهُومُ السَّوَابِقِ القَضَائِيَّةِ:

السَّوَابِقُ القَضائيَّةُ: مُصْطَلَحٌ شَرْعِيٌّ وقَانُونِيٌّ لَمْ يَرِدْ فِي مُوَاضَعَاتِ السَّابِقِينَ، وإنَّمَا كَانَ مَفْهُومًا لَدَيْهِمْ بِالمَلَكَةِ الاجْتِهَادِيَّةِ والفِكْرِ الأصُولِيِّ، فِي ضَوْءِ كَوْنِهَا: أحْكَامًا شَرْعِيَّةً قَضَى بِهَا خُلَفَاءُ مُتَقَدِّمُونَ شَكَّلَتْ دُسْتُورًا لِمَنْ لَحِقَهُم.

ثُمَّ تَطَوَّرَ هَذَا المَفْهُومُ، حَتَّى بَاتَ يُعْرَفُ بِأنَّهُ: «مَا صَدَرَ مِنَ الأحْكَامِ القَضَائِيَّةِ عَلَى وَقَائِعَ مُعَيَّنَةٍ، لَمْ يَسْبِقْ تَقْرِيرُ حُكْمٍ كُلِّيٍّ لَهَا»(1038) .

وإنَّمَا اعْتَمَدَ عُمَرُ عَلَى السَّوَابِقِ القَضَائِيَّةِ كَأصْلٍ فِي تَعَرُّفِ الأحْكَامِ، حِينَ لا يَجِدُ نَصًّا فِي الكِتَابِ أوِ السُّنَّةِ.

فرَجَعَ إلَى أقْضِيَةِ أبِي بَكْرٍ، وقَالَ:

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

«إنِّي لأسْتَحْيِي أنْ أرُدَّ شَيْئًا قَالَهُ أبُو بَكْرٍ»(1039)

وإنَّمَا كَانَ عُمَرُ يَرْجِعُ إلَى أقْضِيَةِ أبِي بَكْرٍ رضي الله عنه لعِلَّتَيْنِ:

العِلَّةُ الأُولَى: أنَّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى مَا ذُكِرَ، فرُبَّمَا ذَكَّرَتْهُ بدَلِيلٍ كَانَ عَنْهُ ذَاهِلاً.

العِلَّةُ الثَّانِيَةُ: ألاَّ يُلْغِيَ قَضَاءً قَضَى بِهِ أبُو بَكْرٍ، عَلَى مَا عُرِفَ مِنْ أنَّ الاجْتِهَادَ لا يُنقَضُ بمِثْلِهِ.

والوَجْهُ فِي ذَلِكَ: أنَّ الصَّحَابِيَّ إذَا قَالَ قَوْلاً، أوْ حَكَمَ بحُكْمٍ، أوْ أفْتَى بفُتْيَا، فإنَّ لَهُ مَدَارِكَ تَعُودُ لعَامِلِ المُعَاصَرَةِ لرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وقَرَائِنَ حَالِيَّةً اقْتَرَنَتْ بالخِطَابِ، لجِهَةِ أنْ قَدْ يَكُونَ سَمِعَهُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم شِفَاهًا، أوْ مِنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أوْ فَهِمَهُ مِنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ فَهْمًا خَفِيَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ، أوْ يَكُونَ قَدِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ مَلَؤُهُم، ولَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا إلاَّ قَوْلُ المُفْتِي بِهِ وَحْدَهُ... فيَنْتَهِضَ حُجَّةً ويَرْجَحَ عَلَى غَيْرِهِ(1040) .

ثَانِيًا: حُجِّيَّةُ السَّوَابِقِ القَضَائِيَّةِ:

يَكْشِفُ عَنْ هَذَا المَعْنَى، ويُلْفِتُ إلَى حُجِّيَّتِهَا قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «عَلَيْكُم بسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ المَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّوَاجِذِ»(1041) يُلْزِمُ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأمَّةَ باتِّبَاعِ سُنَّتِهِ، ويَعْطِفُ عَلَى الأمْرِ بِهَا الأمْرَ باتِّبَاعِ سُنَّةِ خُلَفَائِهِ، لأنَّهُم لَمْ يَعْمَلُوا إلاَّ بسُنَّتِهِ، فَقَدْ كَانُوا يَتَوَقَّوْنَ مُخَالَفَتَهُ فِي أصْغَرِ الأمُورِ فَضْلاً عَنْ أكْبَرِهَا. ثُمَّ يَضْمَنُ لِمَنْ أخَذَ بِهَا الرُّشْدَ والاهْتِدَاءَ.

والعِلَّةُ فِي إضَافَةِ السُّنَّةِ إلَيْهِم تَعُودُ لسَبَبَيْنِ:

الأوَّلُ: لعَمَلِهِم بِهَا.

الثَّانِي: لاستِنْبَاطِهِم واخْتِيَارِهِم إيَّاهَا.

فَإنْ قِيلَ: إذَا كَانَ مَا عَمِلُوا فِيهِ بالرَّأيِ هُوَ مِنْ سُنَّتِهِ؛ لَمْ يَبْقَ لقَوْلِهِ: «وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» ثَمَرَةٌ!

فَالجَوَابُ: ثَمَرَتُهُ أنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وأدْرَكَ زَمَنَ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، أوْ أدْرَكَ زَمَنَهُ وزَمَنَ الخُلَفَاءِ، لَكِنَّهُ حَدَثَ أمْرٌ لَمْ يَحْدُثْ فِي زَمَنِهِ فَفَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ. فَأشَارَ بِهَذَا الإرْشَادِ إلَى سُنَّةِ الخُلَفَاءِ إلَى دَفْعِ مَا عَسَاهُ يتَرَدَّدُ فِي بَعْضِ النُّفُوسِ مِنَ الشَّكِّ، ويَخْتَلِجُ فِيهَا مِنَ الظُّنُونِ(1042) .

مِنْ شَوَاهِدِهِ:

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إجْرَاءُ الحُكْمِ فِي الكَلالَةِ(1043) عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ أبِي بَكْرٍ:

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَستَفتونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفتيكُم فِي الكَلالَةِ﴾(1044) . وقَالَ تَعَالَى: ﴿كانَ رَجُلٌ يورَثُ كَلالَةً أَوِ﴾(1045) .

سُئِلَ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه عَنِ المُرَادِ بالكَلالَةِ فِي القُرْآنِ؟ فَقَالَ: «إنِّي قَدْ رَأيْتُ فِي الكَلالَةِ رَأيًا؛ فَإنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللهِ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ. وإنْ يَكُ خَطَأً فَمِنِّي ومِنَ الشَّيْطَانِ، واللهُ مِنْهُ بَرِيءٌ. الكَلالَةُ: مَا خَلا الوَلَدَ والوَالِدَ».

فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ قَالَ: «إنِّي لأسْتَحْيِي مِنَ اللهِ أنْ أخَالِفَ أبَا بَكْرٍ رضي الله عنه فِي رَأيٍ رَآهُ»(1046) . ووَافَقَهُ عَلَيْهِ عُمُومُ الصَّحَابَةِ، وحَكَى الإجْمَاعَ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ(1047) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: مَقَاصِدُ التَّشْرِيعِ

كَوَّنَتِ المَقَاصِدُ التَّشْرِيعِيَّةُ فِي مَلَكَةِ عُمَرَ الاجْتِهَادِيَّةِ رَكَائِزَ مَرْجِعِيَّةً هَامَّةً، اسْتَنَدَ إلَيْهَا فِي تَسْوِيغِ الإقْدَامِ عَلَى الفِعْلِ أوِ التَّرْكِ، وفِي طَرَائِقِ التَّكْيِيفِ والتَّنْفِيذِ لِمُقْتَضَيَاتِ النُّصُوصِ، نَظَرًا لِكَوْنِ الشَّرِيعَةِ قَرَّرَتْهَا، وأكَّدَتْ حَاكِمِيَّتَهَا فِي غَيْرِ مَا مَوْرِدٍ.

تتَمَثَّلُ هَذِهِ المَقَاصِدُ التَّشْرِيعِيَّةُ فِي أصْلَيْنِ اثْنَيْنِ، تَعُودُ سَائِرُ المَقَاصِدِ إلَيْهِمَا بالأصْلِ أوِ التَّبَعِ، هُمَا: العَدْلُ، والمَصْلَحَةُ، اللَّذَانِ يُنَوِّهُ بِهِمَا ابْنُ القَيِّمِ، فيَقُولُ: «ولا يُقَالُ: إنَّ السِّيَاسَةَ العَادِلَةَ مُخَالِفَةٌ لِمَا نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ! بَلْ هِيَ مُوَافِقَةٌ لِمَا جَاءَ بِهِ، بَلْ هِيَ جُزْءٌ مِنْ أجْزَائِهِ. ونَحْنُ نُسَمِّيهَا: سِيَاسَةً، تَبَعًا لمُصْطَلَحِهِم. وإنَّمَا هِيَ عَدْلُ اللهِ ورَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، ظَهَرَ بهَذِهِ الأمَارَاتِ والعَلامَاتِ»(1048) .

أوَّلاً: أصْلُ العَدْلِ:

مَبْدَأُ العَدْلِ عُنْصُرٌ تَكْوِينِيٌّ فِي بُنْيَةِ المُقرَّرَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، لتَأسُّسِهِ عَلَى الشُّمُولِيَّةِ، وقِيَامِهِ عَلَى النَّظْرَةِ الكُلِّيَّةِ والمَوْضُوعِيَّةِ للحُقُوقِ العَامَّةِ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والخَاصَّةِ. يَلْحَظُ فِي مَفْهُومِهِ الذَّاتِيِّ بُعْدًا اجْتِمَاعِيًّا لمُرَاعَاتِهِ حَقَّ الغَيْرِ؛ فَرْدًا كَانَ أوْ مُجْتَمَعًا، بَلْ جَعَلَهُ الشَّاطِبِيُّ مِنْ حَقِّ اللهِ عز وجل، فَقَالَ: «إنَّ حَقَّ الغَيْرِ مُحَافَظٌ عَلَيْهِ شَرْعًا، ولا خِيَرَةَ فِيهِ للعَبْدِ، فَهُوَ حَقٌّ للهِ تَعَالَى صَرْفًا فِي حَقِّ الغَيْرِ»(1049)

وقَدْ توَافَرَتْ تَأكِيدَاتُ القُرْآنِ تُقَرِّرُ هَذَا الأصْلَ، فَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَقَد أَرسَلنا رُسُلَنا بِالبَيِّناتِ وَأَنزَلنا مَعَهُمُ الكِتابَ وَالميزانَ لِيَقومَ النّاسُ بِالقِسطِ﴾(1050) . وقَالَ تَعَالَى: ﴿أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا كونوا قَوّامينَ بِالقِسطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَو عَلىٰ أَنفُسِكُم أَوِ الوالِدَينِ وَالأَقرَبينَ﴾(1051) .

اتَّخذَ عُمَرُ العَدْلَ وَسِيلَةً لِضَمَانِ الاتِّسَاقِ بَيْنَ أشْكَالِ الأحْكَامِ وعِلَلِهَا، فلا يَقَعُ فِي مُنَاقَضَةِ قَصْدِ الشَّارِعِ الحَكِيمِ بسَبَبِ طَرْدِهِ إجْرَاءَ الأحْكَامِ عَلَى صُورَةٍ وَاحِدَةٍ، دُونَ مُلاحَظَةِ التَّغيُّرِ الطَّارِئِ عَلَى بُنْيَةِ عِلَلِهَا التَّكْوِينِيَّةِ، وغَايَاتِهَا البَاعِثَةِ عَلَى وَضْعِهَا ابْتِدَاءً(1052) . فعُرِفَ عُمَرُ بالعَدْلِ وتَبَنَّاهُ بكُلِّيَّتِهِ، حتَّى عُدَّ مِعْيَارًا مَرْجِعِيًّا لَهُ، يَكْشِفُ عَنْ وَجَاهَةِ اجْتِهَادَاتِهِ، ومِنْ ثَمَّ ضُرِبَ المَثَلُ بعَدْلِهِ(1053) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تَنْظِيمُ العَطَاءِ وَفْقَ قَوَاعِدَ جَدِيدَةٍ لتَدَفُّقِ أمْوَالِ الفَتْحِ عَلَى الدَّوْلَةِ:

العَطَاءُ: مَا يُعْطِيهِ الأمَرَاءُ للنَّاسِ عَلَى وَجْهِ الاسْتِحْقَاقِ، مِمَّا هُوَ مُقَرَّرٌ لَهُم فِي الدِّيوَانِ، ويُؤَدَّى إلَيْهِم فِي أوْقَاتٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ السَّنَةِ(1054) .

لَمْ يَرِدْ نَصٌّ يُبَيِّنُ كَيْفِيَّةَ تَوْزِيعِ العَطَايَا بَيْنَ الرَّعَايَا. فَذَهَبَ أبُو بَكْرٍ إلَى التَّسْوِيَةِ المُطْلَقَةِ مِنْ كُلِّ الوُجُوهِ، مُتَعَلِّلاً أنَّ المُسْلِمِينَ كَإخْوَةٍ وَرِثُوا أبَاهُم، فَهُم شُرَكَاءُ فِي المِيرَاثِ، تتَسَاوَى فِيهِ سِهَامُهُم، ولا عِبْرَةَ باخْتِلافِ دَرَجَاتِ الفَضْلِ والخَيْرِ والسَّابِقَةِ إلَى الدِّينِ.

قَالَ أبُو بَكْرٍ: «فَضَائِلُهُم عِنْدَ اللهِ. أمَّا هَذَا المَعَاشُ فالتَّسْوِيَةُ فِيهِ خَيْرٌ»(1055) . فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللهِ، تُسَوِّي بَيْنَ أصْحَابٍ(1056) وسِوَاهُم مِنَ النَّاسِ؟! فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّمَا الدُّنْيَا بَلاغٌ، وخَيْرُ البَلاغِ أوْسَعُهُ، وإنَّمَا فَضْلُهُم فِي أجُورِهِم(1057) . وفِي رِوَايَةٍ أنَّ عُمَرَ قَالَ لَهُ: فَضِّلِ المُهَاجِرِينَ الأوَّلِينَ وأهْلَ السَّابِقَةِ! فَقَالَ: أشْتَرِي مِنْهُم سَابِقَتَهُم؟! فَقَسَمَ، فَسَوَّى(1058) .

فَلَمَّا وَلِيَ

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عُمَرُ ذَهَبَ أنْ لا يُسَوِّيَ بَيْنَ مَنْ قَاتَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وبَيْنَ مَنْ قَاتَلَ مَعَهُ فِي العَطَاءِ. ورَأى أنْ يَجْعَلَ النَّاسَ مَرَاتِبَ وطَبَقَاتٍ، حَسْبَ دَرَجَةِ كُلٍّ مِنْهُم مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وتَقْدِيرًا للكَفَاءَاتِ، ونُهُوضًا بأصْحَابِ المَوَاهِبِ، مُسْتَنِدًا إلَى النَّصِّ، والنَّظَرِ الصَّحِيحِ:

يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿لا يَستَوي مِنكُم مَن أَنفَقَ مِن قَبلِ الفَتحِ وَقاتَلَ ۚ أُولـٰئِكَ أَعظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذينَ أَنفَقوا مِن بَعدُ وَقاتَلوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الحُسنىٰ﴾(1059) . فلَيْسَ مِنَ العَدْلِ ولا مِنَ التَّسْوِيَةِ أنْ يَكُونَ الجَمِيعُ سَوَاءً، فِيمَا أفَاءَ اللهُ عَلَيْهِم بفَضْلِ المُجَاهِدِينَ السَّابِقِينَ! فقَالَ: «لا أجْعَلُ مَنْ قَاتَلَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَمَنْ قَاتَلَ مَعَهُ»(1060) .

والمُسْلِمُونَ بالنِّسْبَةِ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَإخْوَةٍ لأبٍ غَيْرِ مُتَسَاوِينَ فِي النَّسَبِ؛ وَرِثُوا أخَاهُم، أوْ رَجُلاً مِنْ عَصَبَتِهِم. فَأوْلاهُم بمِيرَاثِهِ أمَسُّهُم بِهِ رَحِمًا، أيْ: أوْلَى المُسْلِمِينَ بالتَّفْضِيلِ فِي العَطَاءِ أنْصَرُهُم للإسْلامِ(1061) . وعَلَى هَذَا فبِقَدْرِ سُرْعَةِ اسْتِجَابَتِهِم لدَاعِي الجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ تَكُونُ الأوْلَوِيَّةُ فِي العَطَاءِ.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

اسْتَنَدَ فِي بَلْوَرَةِ هَذَا المَفْهُومِ إلَى المُتَبَادَرِ مِنْ مَعْنَى (العَدْلِ)؛ لأنَّ مَفْهُومَ التَّسْوِيَةِ أنْ يَأخُذَ كُلٌّ مِنْهُم بقَدْرِ مَا قَدَّمَ إلَى الإسْلامِ، ثُمَّ بقَدْرِ مَا هُوَ فِي حَاجَةٍ إلَيْهِ، ولِهَذَا قَالَ: «إنَّمَا يُرِيدُ ابْنُ الخَطَّابِ بِذَلِكَ العَدْلَ والسَّوِيَّةَ»(1062) .

فَأعْطَى البَدْرِيِّينِ خَمْسَةَ آلافٍ، خَمْسَةَ آلافٍ، وقَالَ: «لأُفَضِّلَنَّهُم عَلَى مَنْ بَعْدَهُم»(1063) .

وفِي غَزْوَةٍ قَسَّمَ مُرُوطًا بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ المَدِينَةِ، فبَقِيَ مِرْطٌ جَيِّدٌ! فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أعْطِ هَذَا ابْنَةَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم الَّتِي عِنْدَكَ(1064) !

فَقَالَ عُمَرُ: «أمُّ سُلَيْطٍ(1065) أحَقُّ؛ فَإنَّهَا كَانَتْ تَزْفِرُ(1066) لَنَا القِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ»(1067) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لَقَدِ امْتَازَتْ سِيَاسَةُ عُمَرَ فِي تَوْزِيعِ الأعْطِيَاتِ بالمُرُونَةِ، مِمَّا جَعَلَهَا تُسَايِرُ الأحْوَالَ والظُّرُوفَ جَمِيعَهَا وتَتَأثَّرُ بِهَا، نَظَرًا لمَصْلَحَةِ النَّاسِ المُتَفَاوِتَةِ فِي زَمَنِ الرَّخَاءِ والشِّدَّةِ، ومَدَى حَاجَتِهِم للشَّيْءِ، اسْتِنَادًا إلَى مَعَايِيرَ مُنْضَبِطَةٍ، هِيَ: النَّفْعُ العَامُّ، والحَاجَةُ، والكِفَايَةُ(1068) .

تَنْفِيذُ الحَدِّ عَلَى أقَارِبِهِ:

مِنْ أظْهَرِ الصُّوَرِ الرَّائِعَةِ الدَّالَّةِ عَلَى احْتِكَامِ عُمَرَ إلَى العَدْلِ حَتَّى مَعَ نَفْسِهِ وذَوِيهِ، حِينَ يتَعَلَّقُ الأمْرُ بتَطْبِيقِ الأحْكَامِ وتَنْفِيذِهَا، مَا حَصَلَ فِي مَسْألَةِ إقَامَةِ حَدِّ الشُّرْبِ عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأوْسَطِ(1069) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ذَلِكَ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُمَرَ شَرِبَ الخَمْرَ فِي مِصْرَ، فحَدَّهُ وَالِيهَا، لَكِنَّهُ حَلَقَ رَأسَهُ لا عَلَى مَرْأًى مِنَ النَّاسِ، وكَانُوا إذْ ذَاكَ يَحلِقُونَ مَعَ الحَدِّ. فعَدَّ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ هَذَا تَهَاوُنًا! فبَعَثَ إلَى عَمْرِو بْنِ العَاصِ يُؤَنِّبُهُ عَلَى فِعْلَتِهَ، قَالَ: «ولَكِنْ قُلْتَ: هُوَ وَلَدُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ! وقَدْ عَرَفْتَ أنْ لا هَوَادَةَ لأحَدٍ مِنَ النَّاسِ عِنْدِي فِي حَقٍّ يَجِبُ للهِ عَلَيْهِ. فَإذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا، فَابْعَثْ بِهِ». أرَادَ أنْ يُعَاقِبَهُ لِمَكَانِهِ مِنْهُ.

فَلَمَّا وَصَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إلَى المَدِينَةِ – وكَانَ مَرِيضًا- تَعلَّلَ لأبِيهِ بأنَّهُ سَيَمُوتُ إذَا أعَادَ ضَرْبَهُ! فَقَالَ لَهُ عُمَرُ –دُونَ أنْ تَغْلِبَهُ الهَوَادَةُ فِي مُدَارَاةِ شُعُورِ الأبُوَّةِ-: «إذَا لَقِيتَ رَبَّكَ فَأَعْلِمْهُ أنَّ أبَاكَ يُقِيمُ الحُدُودَ». ثُمَّ أرْسَلَهُ شَهْرًا، فَأصَابَهُ بَعْدُ قَدَرُهُ فمَاتَ(1070) .

لَقَدْ كَانَ بوِسْعِ عُمَرَ أنْ يَكْتَفِيَ بضَرْبِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ابْنَهُ فِي الشُّرْبِ، ثُمَّ يُحَمِّلَ مَسْؤُولِيَّةَ عَدَمِ الإعْلانِ عَلَيْهِ، لأنَّ الخَطَأَ خَطَؤُهُ. غَيْرَ أنَّ الرَّغْبَةَ فِي طَرْدِ مُقْتَضَيَاتِ العَدْلِ، دَفَعَتْهُ إلَى مُعَاوَدَةِ ضَرْبِهِ، وهِيَ مُعَاوَدَةٌ لا تَسْتَنِدُ إلاَّ إلَى الاجْتِهَادِ، فِي ضَوْءِ أصُولِ العَدْلِ المُطْلَقِ والشَّامِلِ(1071) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هَذَا، ولا يَنْبَغِي أنْ يُظَنَّ بعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ أنَّهُ شَرِبَ الخَمْرَ، حَسْبَ مَا نَبَّهَ إلَيْهِ ابْنُ الجَوْزِيِّ (ت597هـ) رحمه الله(1072) ! بَلْ شَرِبَ النَّبِيذَ مُتَأوِّلاً، يَظُنُّ أنَّ الشُّرْبَ مِنْهُ لا يُسْكِرُ. فلَمَّا خَرَجَ بِهِ الأمْرُ إلَى السُّكْرِ؛ طَلَبَ التَّطْهِيرَ. وقَدْ كَانَ يَكْفِيهِ مُجَرَّدُ النَّدَمِ عَلَى التَّفْرِيطِ، غَيْرَ أنَّهُ غَضِبَ للهِ عَلَى نَفْسِهِ المُفَرِّطَةِ، فأسْلَمَهَا إلَى إقَامَةِ الحَدِّ(1073) .

ثَانِيًا: أصْلُ المَصْلَحَةِ:

جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بتَحْقِيقِ مَصَالِحِ العِبَادِ فِي المَعَاشِ والمَعَادِ، وقَرَّرَ العُلَمَاءُ أنَّ مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ رَاجِعَةٌ إلَى رِعَايَةِ المَصَالِحِ ودَرْءِ المَفَاسِدِ(1074) ، ولا يَجُوزُ مُنَاقَضَتُهَا والافْتِئَاتُ عَلَيْهَا، بَلِ الوَاجِبُ النُّهُوضُ بِهَا والعَمَلُ عَلَى مُقْتَضَاهَا.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولَمَّا كَانَ عُمَرُ مِنْ جِهَةٍ مُجْتَهِدًا وفَقِيهًا، ومِنْ جِهَةٍ أخْرَى هُوَ وَلِيُّ أمْرِ المُسْلِمِينَ، يَسُوسُهُم بِمَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُم، ويَسْعَى نَحْوَ التَّوْسِعَةِ عَلَيْهِم؛ كَانَ يتَخَيَّرُ مِنَ الأحْكَامِ مَا يتَنَاسَبُ والمَصْلَحَةَ العُلْيَا للأمَّةِ، بَعْدَ أنْ يتَعَرَّفَ الغَايَاتِ والثَّمَرَاتِ، انْطِلاقًا مِنَ القَاعِدَةِ الفِقْهِيَّةِ «تَصَرُّفُ الإمَامِ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بالمَصْلَحَةِ»(1075) .

وقَدْ ضَرَبَ عُمَرُ أرْوَعَ الأمْثِلَةِ عَلَى رِعَايَةِ المَصْلَحَةِ، وابْتِنَاءِ الأحْكَامِ عَلَيْهَا، ووَازَنَ بَيْنَهَا، وسَارَ فِي ضَوْئِهَا. يَقُولُ أحْمَدُ أمِين (ت1373هـ) فِي تَوْصِيفِ هَذِهِ المَنْهَجِيَّةِ العِلْمِيَّةِ لَدَى عُمَرَ: «كَانَ يَجْتَهِدُ فِي تَعَرُّفِ المَصْلَحَةِ الَّتِي لأجْلِهَا كَانَتِ الآيَةُ أوِ الحَدِيثُ، ثُمَّ يَسْتَرْشِدُ بتِلْكَ المَصْلَحَةِ فِي أحْكَامِهِ. وهُوَ أقْرَبُ شَيْءٍ إلَى مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ الآنَ بالاسْتِرْشَادِ برُوحِ القَانُونِ لا بحَرْفِيَّتِهِ»(1076) .

والنَّاظِرُ فِي مَنْهَجِيَّةِ عُمَرَ بالاعْتِمَادِ عَلَى المَصْلَحَةِ، يَلْحَظُ أنَّه يُوَسِّعُ فِيهَا لجِهَةِ الإشْفَاقِ عَلَى النَّاسِ، ورَفْعِ الحَرَجِ عَنْهُم والتَّيْسِيرِ لَهُم، ودَفْعِ المَشَقَّةِ المُتَوَقَّعَةِ، مَا لَمْ تَضِقْ بِهِم إنْ زَاحَمَتْهَا مَصْلَحَةٌ كَانَ لَهَا ارْتِبَاطٌ وَثِيقٌ بالمُجْتَمَعِ كَكُلٍّ، أوْ بحَقٍّ لمُسْلِمٍ رَاجِحٍ. بمُوجِبِ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

القَاعِدَةِ الفِقْهِيَّةِ: «المَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ. وأنَّ الصُّعُوبَةَ تَصِيرُ سَبَبًا للتَّسْهِيلِ، ويَلْزَمُ التَّوْسِيعُ فِي وَقْتِ المُضَايَقَةِ»(1077)

وحَيْثُ «رَأى أنَّ أعْمَالَهُ وأقْوَالَهُ نَهْجٌ للسُّنَّةِ، وأنَّهُ مَوْضِعٌ للقُدْوَةِ»(1078) ، فكَانَ يَتْرُكُ بَعْضَ الوَظَائِفِ الفَاضِلَةِ – ونَفْسُهُ مُتَشَوِّفَةٌ إلَيْهَا- خَشْيَةَ أنْ يَتَّبِعَهُ فِيهَا النَّاسُ، فَيَشُقَّ عَلَيْهِم. قَالَ الشَّاطِبِيُّ: «إنَّ الصَّحَابَةَ عَمِلُوا عَلَى هَذَا الاحْتِيَاطِ فِي الدِّينِ لَمَّا فَهِمُوا هَذَا الأصْلَ مِنَ الشَّرِيعَةِ. وكَانُوا أئِمَّةً يُقْتَدَى بِهِمْ؛ فَتَرَكُوا أشْيَاءَ، وأظْهَرُوا ذَلِكَ، ليُبَيِّنُوا أنَّ تَرْكَهَا غَيْرُ قَادِحٍ، وإِنْ كَانَتْ مَطْلُوبَةً»(1079) .

قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ رضي الله عنه(1080) : «شَهِدْتُ أبَا بَكْرٍ وعُمَرَ وكَانَا لا يُضَحِّيَانِ؛ كَرَاهِيَةَ أنْ يُقْتَدَى بِهِمَا(1081) » .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الوَجْهُ مِنْ ذَلِكَ: أنَّ عُمَرَ مِنَ الأئِمَّةِ المُقْتَدَى بِهِمْ، وكَانَ أمْرُهُ يَجْرِي مَجْرًى يَقْتَدِي بِهِ الفَقِيرُ والضَّعِيفُ، ولرُبَّمَا رَآهُ مَنْ لا يَفْقَهُ يَلْتَزِمُ الأضْحِيَةَ، فيَحْمِلُهَا عَنْهَ عَلَى أنَّهَا وَاجِبَةٌ(1082) ، فيَقَعُ فِي حَرَجٍ شَدِيدٍ.

وكَانَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ يَتَمَنَّى أنْ يَكُونَ مُؤَذِّنًا، لِمَا للأذَانِ مِنْ فَضْلٍ وشَرَفٍ. لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ هَذِهِ المَهَمَّةُ لا تَسْتَقِيمُ مَعَ شُؤُونِ الخِلافَةِ؛ قَالَ: «لَوْ أطَقْتُ الأذَانَ مَعَ الخِلِّيفَى(1083) (وفِي رِوَايَةٍ: الخِلافَةِ) لأذَّنْتُ»(1084) . ذَلِكَ أنَّهُ إذَا حَمَّلَ نَفْسَهُ أكْثَرَ مِمَّا تَحْتَمِلُ فِي أمْرٍ لَنْ يُعْدَمَ مُعِينًا عَلَيْهِ، فلَرُبَّمَا اقْتَدَى بِهِ الخُلَفَاءُ مِنْ بَعْدِهِ، ورُبَّمَا كَانَ هَذَا عَلَى حِسَابِ مَصَالِحِ الأمَّةِ! فَآثَرَ تَرْكَهُ، يَقُولُ عُمَرُ: «لَوْلا أنِّي أخَافُ أنْ يَكُونَ سُنَّةً مَا تَرَكْتُ الأذَانَ»(1085) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وجَاءَ أنَّهُ اعْتَمَرَ فِي رَكْبٍ، فِيهِم: عَمْرُو بْنُ العَاصِ، فعَرَّسَ(1086) ببَعْضِ الطَّرِيقِ، قَرِيبًا مِنْ بَعْضِ المِيَاهِ. فَاحْتَلَمَ وقَدْ كَادَ أنْ يُصْبِحَ. فلَمْ يَجِدْ مَعَ الرَّكْبِ مَاءً! فرَكِبَ، حَتَّى جَاءَ المَاءَ، فجَعَلَ يَغْسِلُ مَا رَأى مِنْ ذَلِكَ الاحْتِلامِ، حَتَّى أسْفَرَ(1087) !

فقَالَ لَهُ عَمْرٌو: أصْبَحْتَ ومَعَنَا ثِيَابٌ! فَدَعْ ثَوْبَكَ يُغْسَلُ. فَقَالَ عُمَرُ: «وَا عَجَبًا لَكَ يَا عَمْرَو بْنَ العَاصِ، لَئِنْ كُنْتَ تَجِدُ ثِيَابًا، أفَكُلُّ النَّاسِ يَجِدُ ثِيَابًا؟ وَاللهِ، لَوْ فَعَلْتُهَا لَكَانَتْ سُنَّةً! بَلْ أغْسِلُ مَا رَأيْتُ، وأنْضِحُ مَا لَمْ أرَ»(1088) .

وَجْهُ الدَّلالَةِ: أنَّهُ لَوْ تَرَكَ الاشْتِغَالَ بغَسْلِ ثَوْبِه؛ لَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً يَقْتَدِي بِهَا مَنْ بَعْدَه، فَيُؤَدِّيهِم ذَلِكَ إلَى أحَدِ أمْرَيْنِ:

إمَّا تَرْكُ غَسْلِ الثِّيَابِ والصَّلاةُ بِهَا عَلَى حَالِهَا! وإمَّا اتِّخَاذُ ثِيَابٍ مُعَدَّةٍ لذَلِكَ، وفِيهِ تَكْلِيفُ مَا لا يَلْزَمُ مِنَ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الاسْتِكْثَارِ، وهُوَ الَّذِي كَانَ يُؤْثِرُ التَّقَلُّلَ. عَلَى مَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيقٍ عَلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ إلاَّ ثَوْبٌ، فَيَشُقُّ عَلَيْهِ فِي العِبَادَةِ، وهُوَ أمْرٌ تَعُمُّ بِهِ البَلْوَى(1089)

وفِيهِ مَنْعُ مَا يَجُوزُ، وهُوَ: اسْتِبْدَالُ الثَّوْبِ الَّذِي أصَابَهُ المَنِيُّ بآخَرَ، لئَلاَّ يُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى مَا لا يَجُوزُ، وهُوَ: اعْتِقَادُ النَّاسِ سُنِّيَّةَ تَبْدِيلِ الثِّيَابِ.

فصَارَ ذَلِكَ أصْلاً فِي التَّوْسِعَةِ عَلَى النَّاسِ، حَتَّى وَرَدَ أنَّ حَفِيدَهُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أبْطَأ يَوْمًا عَنِ الجُمُعَةِ قَلِيلاً، فعُوتِبَ فِي ذَلِكَ! فَقَالَ: «إنَّمَا ذَاكَ ثِيَابِي غُسِلَتْ، فَانْتَظَرْتُ جُفُوفَهَا»(1090) .

قَالَ ابْنُ رُشْدٍ (ت520هـ) رحمه الله(1091) «يُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ تِلْكَ الثِّيَابِ؛ لِزُهْدِهِ فِي الدُّنْيَا... أوْ لَعَلَّهُ تَرَكَ أخْذَ سِوَاهَا –مَعَ سَعَةِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الوَقْتِ- تَوَاضُعًا للهِ، لِيُقْتَدَى بِهِ فِي ذَلِكَ ائْتِسَاءً بعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فَقَدْ كَانَ أتْبَعَ النَّاسِ لسِيرَتِهِ، وهَدْيِهِ، فِي جَمِيعِ الأحْوَالِ»(1092)

وبالجُمْلَةِ، هَذَا بَابٌ عَظِيمُ النَّوَالِ، أسْهَبَ فِي تَقْرِيرِهِ الشَّاطِبِيُّ، تَخْرِيجًا عَلَى كَوْنِ المَنْدُوبِ «لا يُسَوَّى بَيْنَهُ وبَيْنَ الوَاجِبِ، لا فِي القَوْلِ ولا فِي الفِعْلِ، كَمَا لا يُسَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الاعْتِقَادِ(1093)(1094) ) ( ». اسْتِنَادًا إلَى نَحْوِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «خُذُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ»(1095) ، مَعَ كَوْنِ الاسْتِكْثَارِ مِنَ الحَسَنَاتِ خَيْرًا.

ومِنْ شَوَاهِدِ ابْتِنَاءِ الأحْكَامِ عَلَى المَصْلَحَةِ:

التَّشْرِيعُ الجَمَاعِيُّ والحَدُّ مِنْ سُلْطَانِ الفَرْدِ:

سَارَ عُمَرُ فِي ضَوْءِ الفِقْهِ الإسْلامِيِّ الَّذِي يَهْدِفُ إلَى إصْلاحِ الفَرْدِ والمُجْتَمَعِ، مُحَاوِلاً مِنْ خِلالِ مَوْقِعِهِ ومَا يُمَثِّلُ، وبحَسَبِ الحَقِّ المَمْنُوحِ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إيَّاهُ، تَقْيِيدَ حَقِّ الأفْرَادِ مُرَاعَاةً للمَصْلَحَةِ العَامَّةِ، والحَدَّ مِنْ سُلْطَانِ الفَرْدِ إذَا تَعَارَضَ مَعَ الصَّالِحِ العَامِّ.

فِي بِيئَةٍ يَشِيعُ فِيهَا جَوٌّ مِنَ التَّفَاهُمِ والتَّآخِي والتَّنَاصُحِ(1096) . اسْتِنَادًا إلَى كَوْنِ المِلْكِيَّةِ الفَرْدِيَّةِ هِيَ مِلْكِيَّةَ اسْتِخْلافٍ وإنَابَةٍ، لا مِلْكِيَّةً أصِيلَةً مُطْلَقَةً مِنَ الوُجُوهِ كُلِّهَا.

فهَذَانِ نَوْعَانِ:

النَّوْعُ الأوَّلُ: مُرَاعَاةُ حُقُوقِ الأفْرَادِ عَلَى بَعْضٍ:

أتَى رَجُلٌ أهْلَ مَاءٍ فَاسْتَسْقَاهُم، فَلَمْ يَسْقُوهُ حَتَّى مَاتَ عَطَشًا! فَأغْرَمَهُم عُمَرُ الدِّيَةَ(1097) .

فعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أنَّ المَاءَ مِلْكٌ خَاصٌّ لَهُم، ومِنْ حَقِّهِم –ظَاهِرًا- الاحْتِفَاظُ بِمَا لَهُم ومَنْعُهُ عَنِ الغَيْرِ... لَكِنْ لَمَّا كَانَ فِعْلُهُم هَذَا يُرَتِّبُ ضَرَرًا أكْبَرَ؛ وَجَبَ دَفْعُهُ بارْتِكَابِ الضَّرَرِ الأدْنَى. فكَانَ لأيِّ فَرْدٍ مِنْ أفْرَادِ المُجْتَمَعِ –عِنْدَ الضَّرُورَةِ- حَقٌّ فِي مَالِ الغَيْرِ(1098) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قَالَ القَاضِي الشَّوْكَانِيُّ (ت1250هـ) رحمه الله(1099) : «فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أنَّ مَنْ مَنَعَ مِنْ غَيْرِهِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ طَعَامٍ أوْ شَرَابٍ، مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ، فَمَاتَ؛ ضَمِنَهُ لأنَّهُ مُتَسَبِّبٌ بذَلِكَ لِمَوْتِهِ، وسَدُّ الرَّمَقِ وَاجِبٌ»(1100) .

ولَوْلا أنَّهُ رَأى أنَّهُم لَمْ يتَعَمَّدُوا قَتْلَهُ، لَمَا اكْتَفَى مِنْهُم بالدِّيَةِ يَقِينًا، وهُوَ رَافِعُ لِوَاءِ العَدْلِ.

النَّوْعُ الثَّانِي: تَقْيِيدُ حَقِّ الأفْرادِ مُرَاعَاةً للمَصْلَحَةِ العَامَّةِ:

إلْحَاقُ بَعْضِ الأرَاضِي بالحَرَمِ:

أمَرَ أنْ تُنْزَعَ مِلْكِيَّةُ بَعْضِ دُورِ الصَّحَابَةِ جَبْرًا عَنْ أصْحَابِهَا. فاشْتَرَاهَا، ثُمَّ هُدِّمَتْ وأُلْحِقَتْ بالحَرَمِ لتَوْسِعَتِهِ، لِمَا فِيهِ مِنَ المَنَافِعِ العَامَّةِ عَلَى المُسْلِمِينَ. وأبَى بَعْضُهُم أنْ يَأخُذَ الثَّمَنَ وتَمَنَّعَ مِنَ البَيْعِ!

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فأُودِعَتْ أثْمَانُهَا للمُتَعَنِّتِينَ بخِزَانَةِ الكَعْبَةِ وأحَاطَ عَلَيْهِ جِدَارًا قَصِيرًا، كَانَ ذَلِكَ نَظِيرَ عِوَضٍ هُوَ قِيمَةُ العَقَارِ، حَتَّى أخَذُوهَا بَعْدُ. وقَالَ لَهُم عُمَرُ: «إنَّمَا نَزَلْتُم عَلَى الكَعْبَةِ وهَذَا فِنَاؤُهَا، ولَمْ تَنْزِلِ الكَعْبَةُ عَلَيْكُم»(1101)

جَعْلُ بَعْضِ الأرَاضِي مَحْمِيَّةً:

أصْلُ الحِمَى عِنْدَ العَرَبِ أنَّ الرَّئِيسَ مِنْهُم كَانَ إذَا نَزَلَ مَنْزِلاً مُخْصِبًا، اسْتَعْوَى كَلْبًا عَلَى مَكَانٍ عَالٍ، فإلَى حَيْثُ انْتَهَى صَوْتُهُ حَمَاهُ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، فلا يَرْعَى فِيهِ غَيْرُهُ، ويَرْعَى هُوَ مَعَ غَيْرِهِ فِيمَا سِوَاهُ.

والحِمَى: هُوَ المَكَانُ المَحْمِيُّ، وهُوَ خِلافُ المُبَاحِ، ومَعْنَاهُ: أنْ يُمْنَعَ مِنَ الإحْيَاءِ مِنْ ذَلِكَ المَوَاتِ ليَتَوَفَّرَ فِيهِ الكَلأُ، فَتَرْعَاهُ مَوَاشٍ مَخْصُوصَةٌ، ويُمْنَعُ غَيْرُهَا(1102) .

فلَمَّا بَسَطَتِ الشَّرِيعَةُ يَدَهَا، أنَاطَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم هَذَا التَّصَرُّفَ بشَخْصِهِ الكَرِيمِ، وبِمَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ، وهُوَ: الخَلِيفَةُ خَاصَّةً. فيَمْنَعُ الرَّعْيَ فِي أرْضٍ مَخْصُوصَةٍ مِنَ الْمُبَاحَاتِ، ويَجْعَلُهَا مَخْصُوصَةً برَعْيِ بَهَائِمِ الصَّدَقَةِ مَثَلاً، مِمَّا يَعُودُ رَيْعُهُ عَلَى الأمَّةِ. قَالَ صلى الله عليه وسلم: «لا حِمَى إلاَّ للهِ ولرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم»(1103) . وجَرَى عَلَيْهِ العَمَلُ مِنْ قِبَلِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولَمَّا كَانَ عُمَرُ وكَثُرَ النَّاسُ، وبَعَثَ البُعُوثَ إلَى الشَّامِ، ومِصْرَ، والعِرَاقِ؛ حَمَى أرْضًا لأنْعَامِ بَيْتِ المَالِ(1104) ؛ ذَاتَ كَلأٍ ومَاءٍ، هِيَ: الشَّرَفُ(1105) ، والرَّبَذَةُ(1106) ، يَرْعَى فِيهَا الخَيْلُ المُعَدَّةُ للجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ، ولإبِلِ السَّبِيلِ جَمِيعًا(1107) .

فَجَاءَهُ أعْرَابِيٌّ، فَقَالَ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، بِلادُنَا قَاتَلْنَا عَلَيْهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وأسْلَمْنَا عَلَيْهَا فِي الإسْلامِ، عَلامَ تَحْمِيهَا؟ فَأطْرَقَ عُمَرُ، وجَعَلَ يَنْفُخُ ويَفْتِلُ شَارِبَهُ، وكَانَ إذَا كَرَبَهُ أمْرٌ فَتَلَ شَارِبَهُ ونَفَخَ. فَلَمَّا

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رَأى الأعْرَابِيُّ مَا بِهِ، جَعَلَ يُرَدِّدُ ذَلِكَ عَلَيْهِ! فَقَالَ عُمَرُ: «المَالُ مَالُ اللهِ، والعِبَادُ عِبَادُ اللهِ. واللهِ، لَوْلا مَا أحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللهِ مَا حَمَيْتُ مِنَ الأرْضِ شِبْرًا فِي شِبْرٍ»(1108)

ثُمَّ اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا مَوْلًى لَهُ يُدْعَى: هُنَيًّا(1109) . فَقَالَ: «يَا هُنَيُّ، اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ المُسْلِمِينَ، واتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ؛ فَإنَّ دَعْوَةَ المَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ. وأدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ، ورَبَّ الغُنَيْمَةِ(1110) .

وإِيَّايَ ونَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ، ونَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ؛ فَإنَّهُمَا إنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا إلَى نَخْلٍ وزَرْعٍ. وإنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ، ورَبَّ الغُنَيْمَةِ إنْ تَهْلِكْ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مَاشِيَتُهُمَا؛ يَأْتِنِي ببَنِيهِ، فيَقُولُ: «يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ(1111) أفَتَارِكُهُم أنَا؟! لا أبَا لَكَ، فالمَاءُ والكَلأُ أيْسَرُ عَلَيَّ مِنَ الذَّهَبِ والوَرِقِ.

وايْمُ اللهِ، إنَّهُم لَيَرَوْنَ أنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُم! إنَّهَا لَبِلاَدُهُم، فَقَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وأسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الإسْلاَمِ. والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلاَ المَالُ الَّذِي أحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللهِ، مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِم مِنْ بِلاَدِهِم شِبْرًا(1112) » .

يتَّضِحُ مِنَ التَّعْلِيلِ آخِرَ الحَدِيثِ، أنَّ عُمَرَ لَمْ يَجِدْ أسَاسًا يَرْجِعُ إلَيْهِ فِي تَسْوِيغِ اجْتِهَادِهِ، إلاَّ الاسْتِنَادَ إلَى المَصْلَحَةِ العَامَّةِ(1113) . ولَوْلا أنَّهَا فِي اعْتِبَارِهِ قَطْعِيَّةُ الحُجِّيَّةِ؛ لَمَا اسْتَنَدَ إلَيْهَا فِي تَبْرِيرِ رَأيِهِ. لذَلِكَ، كَانَ يُعَلِّلُ بِهَا، ويُخَصِّصُ العُمُومَاتِ، ويُقَيِّدُ الحُقُوقَ والإبَاحَاتِ(1114) .

هَذِهِ التَّصَرُّفَاتُ مُنْطَلِقَةٌ مِنْ كَوْنِ الاجْتِهَادِ الإسْلامِيِّ أقَرَّ لوَلِيِّ الأمْرِ بَعْضَ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى الرَّعِيَّةِ(1115) كَأنْ يَحُدَّ مِنْ شُمُولِ بَعْضِ الأحْكَامِ

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وتَطْبِيقِهَا، أو يَمْنَعَ بَعْضَ المُبَاحَاتِ إذَا اقْتَضَتِ المَصْلَحَةُ، بمَعَاييرِهَا الشَّرْعِيَّةِ وَفْقَ القَاعِدَةِ السِّيَاسِيَّةِ «التَّصَرُّفُ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بالمَصْلَحَةِ»(1116)

ودَلَّ الحَدِيثُ عَلَى مَا كَانَ فِيهِ عُمَرُ مِنَ القُوَّةِ، وجَوْدَةِ النَّظَرِ، والشَّفَقَةِ عَلَى المُسْلِمِينَ(1117) .

التَّمَسُّكُ بالأصْلِ والعُدُولُ عَنِ المَصْلَحَةِ:

إذَا وَرَدَ النَّصُّ بخِلافِ المَصْلَحَةِ؛ عَدَلَ عَنْهَا إلَى الأصْلِ، كَمَا فِي المِثَالِ الآتِي:

النَّهْيُ عَنِ التَّسَمِّي بأسْمَاءِ الأنْبِيَاءِ عليهم السلام(1118) :

كَتَبَ عُمَرُ إلَى أهْلِ الكُوفَةِ: «ألا يُسَمُّوا أحَدًا باسْمِ نَبِيٍّ»(1119) .

وأمَرَ جَمَاعَةً بالمَدِينَةِ بتَغْيِيرِ أسْمَاءِ أبْنَائِهِمُ المُسَمَّيْنَ بمُحَمَّدٍ؛ إعظاماً لاسم النبي لئَلاَّ يُبْتَذَلَ الاسْمُ ويُنتَهَكَ(1120) وَرَدَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي قَوْلِهِ، وقَدْ سَمِعَ رَجُلاً يَقُولُ لأبِي عَبْدِ الحَمِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الخَطَّابِ(1121) يَا مُحَمَّدُ، فَعَلَ اللهُ بِكَ، وفَعَلَ، وفَعَلَ! وجَعَلَ يَسُبُّهُ!

فَقَالَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عِنْدَ ذَلِكَ: «يَا ابْنَ زَيْدٍ، ادْنُ مِنِّي. ألا أرَى مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم يُسَبُّ بِكَ! لا واللهِ، لا تُدْعَى مُحَمَّدًا مَا دُمْتُ حَيًّا». فَسَمَّاهُ: عَبْدَ الرَّحْمَنِ.

ثُمَّ مَا لَبِثَ أنْ عَدَلَ عَنْ مَوْقِفِهِ هَذَا، لَمَّا ذَكَرَ لَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أذِنَ لَهُم فِي التَّسَمِّي بأسْمَاءِ الأنْبِيَاءِ، بَلْ سَمَّاهُم بنَفْسِهِ، فتَرَكَهُمْ. وهُمْ: بَنُو طَلْحَةَ(1122) ، وهُمْ يَوْمَئِذٍ سَبْعَةٌ، أرْسَلَ إلَيْهِم لِيُغَيِّرَ أهْلُهُم أسْمَاءَهُمْ!

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ(1123) – وهَو سَيِّدُهُمْ وأكْبَرُهُمْ-: أَنْشُدُكَ اللهَ، يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فوَاللهِ إنْ سَمَّانِي مُحَمَّدًا. يَعْنِي: إلاَّ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم.

فَقَالَ عُمَرُ: «قُومُوا، لا سَبِيلَ لِي إلَى شَيْءٍ سَمَّاهُ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم»(1124) .

فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ ذَلِكَ.

هَذَا الاجْتِهَادُ الَّذِي يَجُوبُ آفَاقَ العَقْلِ والعَدْلِ والمَصْلَحَةِ، ثُمَّ لا يَحِيفُ عَلَى النَّصِّ، كَانَ لعُمَرَ فِيهِ قَفَزَاتٌ سَبَّاقَةٌ فِي سَمَاوَاتٍ مِنَ البَحْثِ الجَادِّ، والتَّنْظِيرِ العِلْمِيِّ الرَّصِينِ، والدِّرَاسَةِ المَوْضَوعِيَّةِ لِكُلِّ قَضِيَّةٍ ومَا يُحِيطُ بِهَا عَلَى حِدَةٍ، مَا سَأكْشِفُ عَنْهُ اللِّثَامَ فِي الفَصْلِ الآتِي.

الفَصْلُ الثَّانِي

مَجَالاتُ الاجْتِهَادِ لَدَى عُمَرَ بْنِ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الخَطَّابِ

ويَشْتَمِلُ عَلَى مَبْحَثَيْنِ، هُمَا:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: مَجَالُ الاجْتِهَادِ فِي مَا فِيهِ نَصٌّ. المَبْحَثُ الثَّانِي: مَجَالُ الاجْتِهَادِ فِي مَا لا نَصَّ فِيهِ.

الفَصْلُ الثَّانِي: مَجَالاتُ الاجْتِهَادِ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ

مُخْطِئٌ ذَاكَ المُغَالِي الَّذِي يَلْوِي أعْنَاقَ النُّصُوصِ، لتَتَوَافَقَ ومَا يَذْهَبُ إلَيْهِ مِنِ اجْتِهَادٍ رَجِيحٍ، بقَدْرِ مَا هُوَ مُخْطِئٌ ذَلِكَ الَّذِي يَظُنُّ أنَّ الاجْتِهَادَ قَاصِرٌ عَلَى المَسَائِلِ الَّتِي لَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصٌّ، كَذَا بإطْلاقٍ! فَالاجْتِهَادُ تَفَاعُلٌ ذِهْنِيٌّ وعَمَلٌ بَحْثِيٌّ يَقُومُ عَلَى تَصَوُّرِ المَسَائِلِ ومَا تَؤُولُ إلَيْهِ، فِي مُلاحَظَةٍ دَقِيقَةٍ للظَّرْفِ والبِيئَةِ، فِي سَبِيلِ المُطَابَقَةِ بَيْنَ الحُكْمِ الشَّرْعِيِّ والوَاقِعِ الفِعْلِيِّ.

وبِمَا أنَّ الاجْتِهَادَ مُتَفَرِّعٌ عَنْ بَوَاعِثَ لازِمَةٍ مِنْ دَاخِلِ النَّصِّ وخَارِجِهِ، ومُتَأتٍّ كَذَلِكَ مِنِ انْعِدَامِ النَّصِّ والافْتِقَارِ إلَيْهِ. فَقَدْ حَلَّقَ عُمَرُ فِي بَحْثِهِ التَّنْظِيرِيِّ والتَّنْزِيلِيِّ فِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ المَجَالَيْنِ تَفَهُّمًا وتَطْبِيقًا.

لذَلِكَ، يَأتِي هَذَا الفَصْلُ فِي مَبْحَثَيْنِ اثْنَيْنِ، هُمَا:

المَبْحَثُ الأوَّلُ: مَجَالُ الاجْتِهَادِ فِي مَا فِيهِ نَصٌّ. المَبْحَثُ الثَّانِي: مَجَالُ الاجْتِهَادِ فِي مَا لا نَصَّ فِيهِ.

المَبْحَثُ الأوَّلُ: مَجَالُ الاجْتِهَادِ فِي مَا فِيهِ نَصٌّ

يَتَعَدَّدُ نَظَرُ عُمَرَ فِي المَسَائِلِ المَطْرُوحَةِ أمَامَهُ، بَيْنَ الاسْتِفَادَةِ مِنْ آفَاقِ النَّصِّ التَّشْرِيعِيِّ، أوِ الغَوْصِ فِي دَلالَتِهِ، ليَتَبَيَّنَ مُرَادَ الشَّارِعِ مِنَ العُمُومَاتِ، أوْ أنْ يَسْتَخْلِصَ نَوْعِيَّةَ التَّكْلِيفِ مِنْ خِلالِ دَرَجَةِ الاقْتِضَاءِ، والتَّرْجِيحِ بَيْنَ النُّصُوصِ المُتَعَارِضَةِ.

لذَلِكَ، جَاءَ هَذَا المَبْحَثُ فِي جُمْلَةِ مَطَالِبَ، تَكْشِفُ عَنْ مَجَالِ اجْتِهَادِهِ فِيمَا فِيهِ نَصٌّ، حَسْبَ التَّوْزِيعِ الآتِي:

المَطْلَبُ الأوَّلُ: الإفَادَةُ مِنْ آفَاقِ النَّصِّ التَّشْرِيعِيِّ. المَطْلَبُ الثَّانِي: تَحْدِيدُ نِطَاقِ التَّأوِيلِ باعْتِبَارِ دَلالَةِ النَّصِّ. المَطْلَبُ الثَّالِثُ: تَبْيينُ مُرَادِ الشَّارِعِ مِنَ الصِّيَغِ الشَّامِلَةِ. المَطْلَبُ الرَّابِعُ: تَحْدِيدُ نَوْعِيَّةِ التَّكْلِيفِ مِنْ خِلالِ دَرَجَةِ الاقْتِضَاءِ. المَطْلَبُ الخَامِسُ: التَّرْجِيحُ بَيْنَ النُّصُوصِ المُتَعَارِضَةِ.

المَطْلَبُ الأوَّلُ: الإفَادَةُ مِنْ آفَاقِ النَّصِّ التَّشْرِيعِيِّ

للُّغَةِ العَرَبِيَّةِ أسَالِيبُ مُتَفَاوِتَةٌ فِي الإبَانَةِ عَنْ مَقْصُودِ الشَّارِعِ، ويتَعَذَّرُ فَهْمُ نَصٍّ تَشْرِيعِيٍّ بمَعْزِلٍ عَنْ وَاقِعِ التَّنْزِيلِ، ومُلابَسَاتِ وُرُودِهِ، إضَافَةً إلى مُلاحَظَةِ مَعَانِيهِ المُتَضَمَّنَةِ واللاَّزِمَةِ عَنْ مَعْقُولِهِ، والتَّعَرُّفِ إلَى البَاعِثِ عَلَى التَّشْرِيعِ، اعْتِمَادًا عَلَى الشُّمُولِ اللُّغَوِيِّ الَّذِي تُتِيحُهُ دَلالَةُ النَّصِّ.

قَدَّمَ عُمَرُ نَمَاذِجَ عَالِيَةً مِنَ الاجْتِهَادِ المُوَفَّقِ، الَّذِي يَسْتَثْمِرُ خُصُوبَةَ البَيَانِ اللُّغَوِيِّ فِي تَفْسِيرِ النَّصِّ، بِمَا يُحَقِّقُهُ وَاقِعًا فِي شَتَّى النَّوَازِلِ.

مِنْ شَوَاهِدِهِ:

قَتْلُ الجَمَاعَةِ بالوَاحِدِ:

ثَبَتَ عَنْ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ أنَّهُ قَتَلَ جَمَاعَةً برَجُلٍ وَاحِدٍ، حَيْثُ قَتَلُوهُ غِيلَةً، ولَوْ لَمْ يُبَاشِرْهُ كُلُّ وَاحِدٍ؛ بِنَاءً عَلَى أنَّ بَعْضَهُم قَتَلَ بالمُبَاشَرَةِ، وبَعْضَهُم قَتَلَ بالمُشَارَكَةِ والمُعَاوَنَةِ، وفِي الجَمِيعِ اعْتِدَاءٌ عَلَى حَقِّ السُّلْطَانِ فِي الحِمَايَةِ العَامَّةِ.

وأصْلُ القِصَّةِ أنَّ امْرَأةً بصَنْعَاءَ غَابَ عَنْهَا زَوْجُهَا، وتَرَكَ فِي حِجْرِهَا

ابْنًا لَهُ مِنْ غَيْرِهَا –غُلامٌ يُقَالُ لَهُ: أَصِيلٌ- فاتَّخَذَتِ المَرأةُ بَعْدَ زَوْجِهَا خَلِيلاً! فقَالَتْ لِخَلِيلِهَا: إنَّ هَذَا الغُلامَ يَفْضَحُنَا! فَاقتُلْهُ. فَأبَى، فَامْتَنَعَتْ مِنْهُ، فَطَاوَعَهَا! واجْتَمَعَ عَلَى قَتْلِهِ الرَّجُلُ، ورَجُلٌ آخَرُ، والمَرأةُ، وخَادِمُهَا، فقَتَلُوهُ، ثُمَّ قَطَّعُوهُ أعْضَاءً... القِصَّةَ. فكَتَبَ عُمَرُ بقَتْلِهِمْ جَمِيعًا.

تَكَرَّرَتِ القِصَّةُ غَيْرَ مَرَّةٍ(1125) ، فَقَالَ عُمَرُ مَرَّةً: «لَوْ تَمَالأَ عَلَيْهِ أهْلُ صَنْعَاءَ؛ لَقَتَلْتُهُم جَمِيعًا». وقَالَ أخْرَى: «واللهِ، لَوْ أنَّ أهْلَ صَنْعَاءَ شَرِكُوا فِي قَتْلِهِ لَقَتلْتُهُمْ أجْمَعِينَ»(1126) .

تَقَرَّرَ فِي حِفْظِ الحَيَاةِ، أنَّ النَّفْسَ الَّتِي أزْهَقَتْ نَفْسًا أخْرَى مَعْصُومَةً، جَزَاؤُهَا أنْ يَلْحَقَهَا عُقُوبَةٌ مِنْ جِنْسِ جِنَايَتِهَا. هَذَا المَعْنَى يُقَرِّرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَيُّهَا الَّذينَ آمَنوا كُتِبَ عَلَيكُمُ القِصاصُ فِي القَتلَى ۖ الحُرُّ بِالحُرِّ﴾(1127) . فَهَلْ فِي هَذَا النَّصِّ –تَحْدِيدًا- مَا يُعَارِضُ فَهْمَ عُمَرَ؟

عِنْدَ التَّأمُّلِ، لا نَجِدُ فِي النَّصِّ مَا يتَعَارَضُ مَعَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عُمَرُ، بَلْ غَايَتُهُ أنَّهُ سَكَتَ عَنْ بَيَانِ حُكْمِ الجَمَاعَةِ بالوَاحِدِ! وحِينَئِذٍ سَنَدُهُ الاجْتِهَادُ؛ إمَّا عَنْ طَرِيقِ الاسْتِحْسَانِ في نَظَرِ السَّرَخْسِيِّ (ت483هـ)(1128) أوِ القِيَاسِ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كَمَا عَلَّلَ بِهِ البَاجِيُّ (ت474هـ)(1129) وابْنُ قُدَامَةَ (ت620هـ)(1130) أوْ مِنْ بَابِ سَدِّ ذَرِيعَةِ التَّعَاوُنِ عَلَى سَفْكِ الدِّمَاءِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ القَيِّمِ (ت751هـ)(1131) أوْ هُوَ مِنْ جِهَةِ المَصْلَحَةِ المُرْسَلَةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّاطِبِيُّ (ت790هـ)(1132)

بَيْنَمَا وَجَدَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَكَتَبنا عَلَيهِم فيها أَنَّ النَّفسَ بِالنَّفسِ﴾(1133) مَا يَدْعَمُ مَوْقِفَهُ. حَيْثُ رَأى أنَّ (ال) فِي كَلِمَةِ ﴿النَّفسَ بِالنَّفسِ﴾ مَوْضُوعَةٌ لِبَيَانِ الجِنْسِ، فَكَمَا أنَّ الشَّخْصَ إذَا قَتَلَ عِدَّةَ

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أشْخَاصٍ يُقْتَلُ هُوَ فَقَطْ لِكَوْنِهِ الجَانِي، كَذَلِكَ فِي النَّفْسِ الوَاحِدَةِ، يُقْتَصُّ مِنْ كُلِّ المُشْتَرِكِينَ فِي قَتْلِهَا بجَامِعِ المَعْنَى المُتَبَادَرِ مِنَ السِّيَاقِ، وهُوَ: الجِنَايَةُ والعُدْوَانُ عَلَى نَفْسٍ بَرِيئَةٍ، وتَنْزِيلاً للأشْخَاصِ مَنْزِلَةَ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ، فِي إضَافَةِ العَمَلِ المُشْتَرَكِ إلَيْهِم جَمِيعًا(1134)

فَكَانَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكُم فِي القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الأَلبابِ لَعَلَّكُم﴾(1135) ، أنَّ مَنْ أزْهَقَ رُوحًا؛ فَرْدًا كَانَ أوْ مَجْمُوعَةً، يُقْتَصُّ مِنْهُ، إذْ لا اعْتِبَارَ بالعَدَدِ مَا دَامَتْ حَقِيقَةُ الزُّهُوقِ قَدْ قَامَتْ بالنَّفْسِ المَجْنِيِّ عَلَيْهَا. «لِئَلاَّ يُتَّخَذَ ذَرِيعَةً إلَى إهْدَارِ الدِّمَاءِ، وتَعَاوُنِ الجَمَاعَةِ عَلَى قَتْلِ المَعْصُومِ»(1136) . وتَهَرُّبِ الجُنَاةِ مِنَ القِصَاصِ بعُقُوبَةِ المَالِ (الدِّيَةِ) مَهْمَا كَانَ قَدْرُهَا، فَهِيَ دُونَ القَوَدِ وأقَلُّ رَدْعًا! وهَذَا مَا يُفَوِّتُ عَلَى التَّشْرِيعِ حِكْمَتَهَ البَاعِثَةَ، ومُنَاقَضَةُ إرَادَةِ الشَّارِعِ بَاطِلَةٌ.

تَوْسِيعُ مَفْهُومِ العَاقِلَةِ:

قَضَى عُمَرُ أنَّهُ مَا أصَابَ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مِنْ عَقْلٍ، كَانَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ إنْ أصَابَهُ، فَهُوَ عَقْلٌ عَلَى عَاقِلَتِهِ؛ إنْ شَاءُوا، وإنْ أبَوْا. فَلَيْسَ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لَهُم أنْ يَخْذِلُوهُ عِنْدَ شَيْءٍ أصَابَهُ(1137)

كَانَ مَفْهُومُ العَاقِلَةِ قَاصِرًا عَلَى قَبِيلَةِ الجَانِي وعَصَبَتِهِ، فَرَأى عُمَرُ –بنَافِذِ بَصِيرَتِهِ- أنْ يُوَسِّعَ هَذَا المَفْهُومَ، ويُخْرِجَهُ إلَى أفُقٍ أرْحَبَ، ليَشْمَلَ أهْلَ الدِّيوَانِ، والحِرْفَةِ الوَاحِدَةِ، وكُلَّ مَنْ تَنْشَأُ بَيْنَهُم رَابِطَةٌ يَتَحَقَّقُ بِهَا مَعْنَى النُّصْرَةِ، فَضْلاً عَنِ القَرَابَةِ؛ رِعَايَةً للأصْلَحِ للمُسْلِمِينَ، وتَوْسِيعًا للأفُقِ البَيَانِيِّ للنَّصِّ.

ذَلِكَ أنَّهُ لَمَّا دَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، جَعَلَ العَقْلَ عَلَى أهْلِ الدِّيوَانِ، وكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ مِنْهُم. وهُوَ «أوَّلُ مَنْ جَعَلَ العُشُورَ فِي الإسْلامِ»(1138) ، «جَعَلَ الدِّيَةَ عَشْرَةً عَشْرَةً فِي أُعْطِيَاتِ المُقَاتِلَةِ دُونَ النَّاسِ»(1139) . قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأنْصَارِيُّ رضي الله عنهما: «لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ الخِلافَةَ، فَرَضَ الفَرَائِضَ، ودَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وعَرَّفَ العُرَفَاءَ(1140)(1141) ) ( ».

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الخَمْرُ مَا خَامَرَ العَقْلَ:

عَرَّفَ عُمَرُ الخَمْرَ بأنَّهَا: كُلُّ مَا خَامَرَ العَقْلَ وغَطَّاهُ(1142) . ولَمْ يَقْصُرْهُ عَلَى الإطْلاقِ الشَّائِعِ الَّذِي كَانَ يَتَنَاوَلُ بِضْعَةَ أنْوَاعٍ! وَقَفَ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وخَطَبَ وقَالَ: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، ألا إنَّهُ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ يَوْمَ نَزَلَ وهِيَ خَمْسَةٌ: مِنَ العِنَبِ، والتَّمْرِ، والعَسَلِ، والحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ. والخَمْرُ: مَا خَامَرَ العَقْلَ»(1143) .

أوْرَدَ أصْحَابُ المَسَانِيدِ والأبْوَابِ هَذَا الأثَرَ فِي الأحَادِيثِ المَرْفُوعَةِ، لأنَّ لَهُ عِنْدَهُم حُكْمَ الرَّفْعِ، لأنَّهُ خَبَرُ صَحَابِيٍّ شَهِدَ التَّنْزِيلَ، يُخْبِرُ عَنْ سَبَبِ النُّزُولِ. وقَدْ خَطَبَ بِهِ عُمَرُ عَلَى المِنْبَرِ بِحَضْرَةِ كِبَارِ الصَّحَابَةِ وغَيْرِهِم، فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أحَدٍ مِنْهُم إنْكَارُهُ(1144) .

وأرَادَ عُمَرُ بِنُزُولِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ- قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذينَ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

آمَنوا إِنَّمَا الخَمرُ وَالمَيسِرُ وَالأَنصابُ وَالأَزلامُ رِجسٌ مِن عَمَلِ الشَّيطانِ فَاجتَنِبوهُ لَعَلَّكُم﴾(1145) ومَقْصُودُهُ: التَّنْبِيهُ عَلَى أنَّ المُرَادَ بِالخَمْرِ فِي هَذِهِ الآيَةِ لَيْسَ خَاصًّا بِالمُتَّخَذِ مِنَ العِنَبِ! بَلْ يَتَنَاوَلُ المُتَّخَذَ مِنْ غَيْرِهَا(1146)

يُوَافِقُهُ حَدِيثُ أنَسٍ، قَالَ: «حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الخَمْرُ حِينَ حُرِّمَتْ، ومَا نَجِدُ –يَعْنِي: بالمَدِينَةِ- خَمْرَ الأعْنَابِ إلاَّ قَلِيلاً، وعَامَّةُ خَمْرِنَا البُسْرُ والتَّمْرُ»(1147) . فإنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أنَّ الصَّحَابَةَ فَهِمُوا مِنْ تَحْرِيمِ الخَمْرِ تَحْرِيمَ كُلِّ مُسْكِرٍ، سَوَاءٌ أكَانَ مِنَ العِنَبِ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ.

وقَدْ جَاءَ هَذَا الَّذِي قَالَهُ عُمَرُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ: «إنَّ الخَمْرَ مِنَ العَصِيرِ، والزَّبِيبِ، والتَّمْرِ، والحِنْطَةِ، والشَّعِيرِ، والذُّرَةِ. وإِنِّي أنْهَاكُم عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ»(1148) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المَطْلَبُ الثَّانِي: تَحْدِيدُ نِطَاقِ التَّأوِيلِ باعْتِبَارِ دَلالَةِ النَّصِّ

التَّأوِيلُ: عُدُولٌ عَنِ المَعْنَى الرَّاجِحِ لُغَةً إلَى المَعْنَى المَرْجُوحِ، بوُجُودِ عَاضُدٍ مِنَ الخَارِجِ(1149) . إمَّا مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ، أوْ إجْمَاعٍ، أوْ قَاعِدَةٍ تَشْرِيعِيَّةٍ عَامَّةٍ. «فيَصِيرُ بِهِ أغْلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنَ المَعْنَى الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الظَّاهِرُ»(1150) .

وهُوَ ضَرْبٌ مِنَ الاجْتِهَادِ فِي نِطَاقِ النَّصِّ لا مَحَالَةَ، غَيْرَ مُقَيَّدٍ بمَنْطِقِ الجُمُودِ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ وحَرْفِيَّةِ النَّصِّ. بَلْ يتَعَدَّاهُ إلَى دَلالاتٍ لُغَوِيَّةٍ، تَسْتَهْدِفُ أغْرَاضًا حَيَوِيَّةً، ذَاتَ أبْعَادٍ مَقَاصِدِيَّةٍ مُرْتَبِطَةٍ بإرَادَةِ الشَّارِعِ. يَقُولُ الشَّاطِبِيُّ: «قَصْدُ الشَّارِعِ مِنَ المُكَلَّفِ أنْ يَكُونَ قَصْدُهُ فِي العَمَلِ مُوَافِقًا لقَصْدِهِ فِي التَّشْرِيعِ»(1151) .

مِنَ الشَّوَاهِدِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ:

تَحْدِيدُ مَعْنَى التَّهْلُكَةِ:

فَسَّرَ عُمَرُ المُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنفِقوا في سَبيلِ اللَّهِ وَلا تُلقوا بِأَيديكُم إِلَى التَّهلُكَةِ وَأَحسِنوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحسِنينَ﴾(1152) بغَيْرِ مَا يَتَبَادَرُ إلَى الذِّهْنِ مِنْ لُغَوِيَّةِ النَّصِّ. فَالآيَةُ الكَرِيمَةُ تَحْمِلُ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ بَذْلِ النَّفْسِ ودَفْعِهَا

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إلَى المَوْتِ، ولَوْ كَانَ ذَلِكَ جِهَادًا فِي سَبِيلِ اللهِ!

بَيْدَ أنَّ عُمَرَ فَسَّرَ المُرَادَ مِنْهَا بِمَا سِوَى الجِهَادِ. رَوَى مُدْرِكُ بْنُ عَوْفٍ الأَحْمَسِيُّ(1153) قَالَ: بَيْنَا أنَا عِنْدَ عُمَرَ، إذْ أتَاهُ رَسُولُ النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ(1154) فجَعَلَ عُمَرُ يَسْألُهُ عَنِ النَّاسِ. فجَعَلَ الرَّجُلُ يَذْكُرُ مَنْ أُصِيبَ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مِنَ النَّاسِ بنَهَاوَنْدَ(1155) فَيَقُولُ: فُلانُ ابْنُ فُلانٍ، وفُلانُ ابْنُ فُلانٍ. ثُمَّ قَالَ الرَّسُولُ: وآخَرُونَ لا نَعْرِفُهُم! فَقَالَ عُمَرُ: «لَكِنِ اللهُ يَعْرِفُهُم».

قَالَ: ورَجُلٌ شَرَى نَفْسَهُ. يَعْنِي: عَوْفَ بْنَ أبِي حَيَّةَ أبَا شُبَيْلٍ الأحْمَسِيَّ(1156) . فقَالَ مُدْرِكُ بْنُ عَوْفٍ: ذَاكَ – واللهِ- خَالِي يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، يَزْعُمُ النَّاسُ أنَّهُ ألْقَى بيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ(1157) ! فَقَالَ عُمَرُ: «كَذَبَ أُولَئِكَ، ولَكِنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الآخِرَةَ بالدُّنْيَا»(1158) .

فَكَأنَّهُ فَهِمَ مِنَ التَّهْلُكَةِ: الإقَامَةَ عَلَى الأمْوَالِ وإصْلاحِهَا، وتَرْكَ الغَزْوِ(1159) يتَأوَّلُ قَوْلَ اللهِ تَعَالَى: ﴿النّاسِ مَن يَشري نَفسَهُ ابتِغاءَ مَرضاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءوفٌ بِالعِبادِ ۝٢٠٧﴾(1160) بَلْ جَاءَتْ صَرِيحَةً فِي حَادِثَةٍ

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مُشَابِهَةٍ، إذْ بَعَثَ جَيْشًا فحَاصَرُوا أهْلَ حِصْنٍ، وتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنْ بَجِيلَةَ، فَقَاتَلَ، فقُتِلَ. فأكْثَرَ النَّاسُ فِيهِ، يَقُولُونَ: ألْقَى هَذَا بيَدِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ!

فَكُتِبَ فِيهِ إِلَى عُمَرَ، فَكَتَبَ عُمَرُ: «لَيْسَ كَمَا قَالُوا، ألَيْسَ اللهُ يَقُولُ: الآيَةَ»(1161) .

تَأوِيلُ نُصُوصِ القَطْعِ:

السَّرِقَةُ جَرِيمَةٌ شَنِيعَةٌ لأنَّهَا اعْتِدَاءٌ عَلَى مَالِ الغَيْرِ، فنَاسَبَهَا عُقُوبَةُ قَطْعِ اليَدِ؛ رَدْعًا وزَجْرًا عَنْهَا، حِفَاظًا عَلَى أمْوَالِ النَّاسِ ومُمْتَلَكَاتِهِم، وتَرْوِيضًا لهَذِهِ النُّفُوسِ المُتَطَلِّعَةِ إلَى مَا لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ لَهَا أنْ تَرْضَى بِمَا قَسَمَهُ اللهُ لَهَا، فَلَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وأجَلَهَا.

تَتَّصِفُ نُصُوصُ القَطْعِ فِي السَّرِقَةِ بوُضُوحِ دَلالَتِهَا، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالسّارِقُ وَالسّارِقَةُ فَاقطَعوا أَيدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

اللَّهِ وَاللَّهُ عَزيزٌ حَكيمٌ﴾(1162) إلاَّ أنَّ للاحْتِمَالِ التَّفْصِيلِيِّ فِيهَا مَجَالاً، لذَلِكَ وَرَدَ عَلَيْهَا الاجْتِهَادُ الاسْتِثْنَائِيُّ فِي مَنْظُومَةِ عُمَرَ الاجْتِهَادِيَّةِ.

وحَيْثُ إنَّ الآيَةَ مِنْ قَبِيلِ العَامِّ القَابِلِ للتَّخْصِيصِ، نَجِدُ فِي السُّنَّةِ مُبَيِّنَاتٍ كَثِيرَةً لَهَا، مِمَّا يَمْنَعُ مِنَ التَّمَسُّكِ بظَاهِرِ الآيَةِ وَحْدَهَا دُونَ النَّظَرِ فِي مُتَعَلِّقَاتِهَا البَيَانِيَّةِ (المُخَصِّصَاتِ). لذَلِكَ اجْتَهَدَ عُمَرُ فَاسْتَثْنَى بَعْضَ الأحْوَالِ مِنْ دَلالَةِ العُمُومِ، فِي مَوَارِدَ مَعْدُودَةٍ(1163) ، تَعَلَّقَتْ فِي كُلٍّ مِنْهَا شُبْهَةُ حَقٍّ للمُتَّهَمِ فِي مَا سَرَقَ، عَلَى التَّفْصِيلِ الآتِي:

المَوْرِدُ الأوَّلُ: فِي عَامِ الرَّمَادَةِ حِينَمَا عَمَّتِ المَجَاعَةُ، فلَمْ يَقْطَعْ يَدَ السُّرَّاقِ.

مَأخَذُ عُمَرَ فِي مَا ذَهَبَ إلَيْهِ هُوَ إدْرَاكُهُ عِلَّةَ الحُكْمِ، وفَهْمُ حِكْمَتِهِ وشُرُوطِ تَطْبِيقِهِ، ومُلابَسَاتِ ظُرُوفِ الوَاقِعَةِ. ذَلِكَ أنَّ إيقَاعَ الحَدِّ عَلَى هَذِهِ الجَرِيمَةِ، يَسْتَلْزِمُ تَحَقُّقَ شُرُوطِهَا، وانْتِفَاءَ مَوَانِعِهَا، الَّتي مِنْهَا: انْتِفَاءُ الضَّرُورَةِ.

وحَيْثُ إنَّ النَّاسَ فِي مَخْمَصَةٍ، وقَدْ وَقَعُوا فِي ضِيقٍ شَدِيدٍ وحَرَجٍ كَادَ أنْ يُجْهِزَ عَلَى أرْوَاحِهِم، مِمَّا يَجْعَلُ تِلْكَ الظُّرُوفَ مِنْ قَبِيلِ الضَّرُورَاتِ الَّتِي تُوجِبُ التَّكَافُلَ بَيْنَ النَّاسِ، وتُلْزِمُ صَاحِبَ المَالِ بَذْلَهُ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

للمُحْتَاجِ؛ إمَّا بثَمَنِ المِثْلِ، أوْ بالمَجَّانِ(1164) فَإذَا لَمْ يَدْفَعْهُ للمُحْتَاجِ وسَرَقَ هَذَا، ليَدْفَعَ عَنْهُ غَائِلَةَ الجُوعِ، ففِعْلُهُ يُعْتَبَرُ مِنْ قَبِيلِ مَا يَجْرِي عِنْدَ الضَّرُورَةِ مِنْ فِعْلِ المَنْهِيَّاتِ، ولا يُعْتَبَرُ سَرِقَةً بالمَعْنَى المُسْتَوْجِبِ عُقُوبَةَ القَطْعِ، لكَوْنِهِ يَرَى لنَفْسِهِ حَقًّا فِيمَا أخَذَ، والسَّرِقَةُ بالمَفْهُومِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ لُغَةً واصْطِلاحًا: أخْذُ امْرِئٍ مَا لا حَقَّ لَهُ فِيهِ خُفْيَةً(1165) أي: بِلا شُبْهَةٍ أوْ وَجْهِ حَقٍّ.

يَقُولُ هِشَامُ بْنُ خَالِدٍ الكَعْبِيُّ(1166) يُصَوِّرُ لَنَا هَذَا الوَاقِعَ بدِقَّةِ المُلاحَظَةِ: «لَمَّا صَدَرَ النَّاسُ عَنِ الحَجِّ، سَنَةَ ثَمَانِي عَشْرَةَ، أصَابَ النَّاسَ جَهْدٌ شَدِيدٌ، وأجْدَبَتِ البِلادُ، وهَلَكَتِ المَاشِيَةُ، وجَاعَ النَّاسُ، وهَلَكُوا حَتَّى كَانَ النَّاسُ يُرَوْنَ يَسْتَفُّونَ الرِّمَةَ(1167) ويَحْفِرُونَ نُفَقَ اليَرَابِيعِ(1168)

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والجِرْذَانِ يُخْرِجُونَ مَا فِيهَا»(1169)

وحَيْثُ إنَّ مَعْنَى السَّرِقَةِ لَمْ يتَحَقَّقْ؛ فَقَدِ ارْتَفَعَ المُوجِبُ، مِمَّا يَلْزَمُ مِنْهُ ارْتِفَاعُ الحُكْمِ بَدَاهَةً. هَذَا مَا صَرَّحَ بِهِ عُمَرُ، فِي قَوْلِهِ: «لا يُقْطَعُ فِي عَامِ السَّنَةِ»(1170) ، وقَالَ: «إنَّا لا نَقْطَعُ فِي عَامِ السَّنَةِ»(1171) .

فلَيْسَ فِي هَذَا الاجْتِهَادِ تَعْطِيلٌ لحَدِّ السَّرِقَةِ، أوْ نَسْخٌ للحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، إنَّمَا هُوَ اجْتِهَادٌ حَكِيمٌ فِي التَّطْبِيقِ(1172) . قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: «وهَذَا مَحْضُ القِيَاسِ، ومُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشَّرْعِ»(1173) .

الوَجْهُ الأصُولِيُّ: أنَّ عُمَرَ قَاسَ السَّارِقَ فِي المَجَاعَةِ عَلَى آكِلِ المَيْتَةِ بجَامِعِ الاضْطِرَارِ فِي كُلٍّ. ورَاعَى مَقَاصِدَ الشَّرِيعَةِ فِي حِفْظِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ، الدَّاعِيَةِ بدَوْرِهَا إلَى المُحَافَظَةِ عَلَى دِينِ الإنْسَانِ خَشْيَةَ أنْ يَرْتَدَّ إذَا مَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الحَدُّ فِي مِثْلِ هَذِهِ المُنَاسَبَةِ الحَرِجَةِ!

المَوْرِدُ الثَّانِي: فِي غِلْمَةٍ لحَاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ رضي الله عنه، سَرَقُوا

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نَاقَةً لرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ(1174) فَلَمْ يَقْطَعْهُم.

وأوْضَحَ المَانِعَ مِنْ قَطْعِهِم فِي قَوْلِهِ: «أمَا وَاللهِ، لَوْلا أنِّي أعْلَمُ أنَّكُم تَسْتَعْمِلُونَهُم وتُجِيعُونَهُم، حَتَّى لو أنَّ أحَدَهُم أكَلَ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ لَحَلَّ لَهُ، لَقَطَعْتُ أيْدِيَهُم.

ولَكِنْ، وَاللهِ، إذْ تَرَكْتُهُم لأغَرِّمَنَّكَ غَرَامَةً تُوجِعُكَ».

ثُمَّ قَالَ للمُزَنِيِّ: «كَمْ ثَمَنُهَا؟». قَالَ: «كُنْتُ أمْنَعُهَا مِنْ أرْبَعِ مِئَةِ دِرْهَمٍ. قَالَ: أعْطِهِ ثَمَانِيَ مِئَةِ دِرْهَمٍ»(1175) .

فَاعْتَبَرَ فِي ذَلِكَ شُبْهَةً عَامَّةً، فِي أنَّهُم كَانُوا يَسْرِقُونَ عَنْ ضَرُورَةٍ مُلْجِئَةٍ. والأئِمَّةُ مَأمُورُونَ بِدَفْعِ الحُدُودِ للشُّبْهَةِ، قَالَ عُمَرُ: «ادْرَؤُوا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحُدُودَ بالشُّبُهَاتِ». وقَالَ: «لأنْ أعَطِّلَ الحُدُودَ بالشُّبُهَاتِ؛ أحَبُّ إليَّ مِنْ أنْ أقِيمَهَا بالشُّبُهَاتِ»(1176) وقَالَ: «إذَا حَضَرْتُمُونَا فَاسْألُوا فِي العَهْدِ جَهْدَكُم، فإنِّي إنْ أُخْطِئْ فِي العَفْوِ، أحَبُّ إلَيَّ مِنْ أنْ أُخْطِئَ فِي العُقُوبَةِ»(1177)

المَوْرِدُ الثَّالِثُ: فِي غُلامٍ سَرَقَ مِنْ مَتَاعِ سَيِّدِهِ.

مُسْتَنِدًا إلَى شُبْهَةِ المِلْكِ، وهِيَ شُبْهَةٌ قَوِيَّةٌ، لجِهَةِ أنَّ للخَادِمِ شُبْهَةً فِي مَالِ مَخْدُومِهِ بدَاعِي وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ، كَمَا فِي حَادِثَةٍ مَفَادُهَا أنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الحَضْرَمِيِّ(1178) جَاءَ بغُلامٍ لَهُ. فقَالَ لَهُ: اقْطَعْ يَدَ غُلامِي هَذَا، فإنَّهُ سَرَقَ! فقَالَ لَهُ عُمَرُ: «مَاذَا سَرَقَ؟». فقَالَ: سَرَقَ مِرْآةً لامْرَأتِي، ثَمَنُهَا سِتُّونَ دِرْهَمًا!

فقَالَ عُمَرُ: «أرْسِلْهُ، فلَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ؛ خَادِمُكُم سَرَقَ مَتَاعَكُم»(1179) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قَالَ الكَاسَانِيُّ (ت587هـ)(1180) : «ولَمْ يُنْقَلْ أنَّهُ أنْكَرَ عَلَيْهِ مُنْكِرٌ؛ فَيَكُونُ إجْمَاعًا»(1181) .

حَمْلُ آيَاتِ الفَيْءِ عَلَى المَنْقُولِ:

حَمَلَ عُمَرُ آيَاتِ الفَيْءِ عَلَى المَنْقُولِ دُونَ العَقَارِ، رَغْمَ أنَّهَا تتَنَاوَلُ الجَمِيعَ باللَّفْظِ الشُّمُولِيِّ لكَلَيْهِمَا، والنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَسَّمَ خَيْبَرَ دُونَ تَفْرِيقٍ بَيْنَ مَنْقُولِهَا وعَقَارِهَا.

رَغْمَ هَذَا العُمُومِ الصَّرِيحِ المُؤَيَّدِ بفِعْلِ المَعْصُومِ، نَجِدُهُ يَمْتَنِعُ عَنْ قِسْمَةِ أرْضِ السَّوَادِ، مُعَلِّلاً امْتِنَاعَهُ بخَوْفِهِ عَلَى مَصْلَحَةِ المُسْلِمِينَ العَامَّةِ، حِينَ يُعْدَمُ بَيْتُ المَالِ المَوَارِدَ المَالِيَّةَ الَّتِي تَصُبُّ فِيهِ، وتَكُونُ مَصْدَرًا للنَّفَقَةِ عَلَى حَاجَاتِ الأمَّةِ؛ مِنْ سَدِّ الثُّغُورِ، ورَوَاتِبِ العُمَّالِ والجُنُودِ، وجِرَايَاتِ الفُقَرَاءِ والمَسَاكِينِ الَّذِينَ لا يَقْدِرُونَ عَلَى الكَسْبِ...إلخ.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فإنْ هُوَ تَغَاضَى عَنْ هَذَا كُلِّهِ وقَسَّمَ؛ تَرَتَّبَ عَلَى هَذَا التَّقْسِيمِ ضَرَرٌ عَامٌّ يَلْحَقُ المُسْلِمِينَ فِي حَاضِرِهِم ومُسْتَقْبَلِهِم(1182)

فَقَالَ مُعْتَذِرًا: «أمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلا أنْ أتْرُكَ آخِرَ النَّاسِ بَبَّانًا(1183) ؛ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ شَيْءٍ، مَا فُتِحَتْ عَلَيَّ قَرْيَةٌ إلاَّ قَسَمْتُهَا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم خَيْبَرَ. ولَكِنْ أتْرُكُهَا خِزَانَةً لَهُم يَقْتَسِمُونَهَا»(1184) .

وقَالَ قَبْلَ أنْ يُطْعَنَ بثَلاثَةِ أيَّامٍ: «أمَا وَاللهِ، لَئِنْ بَقِيَتُ لأرَامِلِ أهْلِ العِرَاقِ لأدَعَنَّهُم لا يَفْتَقِرُونَ (وفِي رِوَايَةٍ: لأدَعُهُنَّ لا يَحْتَجْنَ) إلَى أمِيرٍ بَعْدِي»(1185) .

وكَانَ تَخْصِيصُهُ بمِقْدَارِ الحَاجَةِ.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: تَبْيينُ مُرَادِ الشَّارِعِ مِنَ الصِّيَغِ الشَّامِلَةِ

مِنْ لُبِّ عَمَلِ المُجْتَهِدِ اسْتِثْمَارُ صِيَغِ العُمُومِ، وَفْقَ مَا يُحَقِّقُ المَصَالِحَ المُعْتَبَرَةَ، آجِلاً وعَاجِلاً. وإذْ سَارَ القُرْآنُ فِي بَيَانِ الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى نَحْوٍ كُلِّيٍّ وعَامٍّ فِي أغْلَبِ التَّشْرِيعَاتِ، فتَوَلَّتِ السُّنَّةُ مَسْؤُولِيَّةَ البَيَانِ والتَّفْسِيرِ والتَّفْصِيلِ، كَمَا تَرَكَتْ تَخْصِيصَ بَعْضِ النُّصُوصِ وتَقْلِيلَ شُيُوعِهَا إلَى الرَّأيِ والاجْتِهَادِ.

أوَّلاً: التَّخْصِيصُ بالمَصْلَحَةِ:

تَضْمِينُ الأجِيرِ المُشْتَرَكِ:

الأجِيرُ المُشْتَرَكُ: هُوَ الَّذِي لا يَخُصُّ أحَدًا بعَمَلِهِ، بَلْ يَعْمَلُ لكُلِّ مَنْ يَقْصِدُهُ فِي مَقَاعِدِ الأسْوَاقِ، ويَلْتَزِمُ العَمَلَ فِي ذِمَّتِهِ، ويُؤْتَمَنُ عَلَى مَوَادَّ لصِيَاغَتِهَا عَلَى نَحْوٍ مُعَيَّنٍ؛ كَعَادَةِ الخَيَّاطِينَ والصَّوَّاغِينَ والنَّجَّارِينَ، وغَيْرِهِم. فَإذَا الْتَزَمَ لَهُ أمْكَنَهُ أنْ يَلْتَزِمَ لآخَرَ مِثْلَ ذَلِكَ، فكَأنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ النَّاسِ، ولا يَسْتَحِقُّ الأجْرَةَ حَتَّى يَعْمَلَ(1186) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأصْلُ المُقَرَّرُ عَدَمُ ضَمَانِ الأجِيرِ مَا هَلَكَ بيَدِهِ، لأنَّ يَدَهُ يَدُ أمَانَةٍ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لا ضَمَانَ عَلَى مُؤْتَمَنٍ»(1187) . وقَالَ صلى الله عليه وسلم: «مَنِ اسْتُودِعَ وَدِيعَةً، فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ»(1188) . حَيْثُ إنَّهُ مُحْسِنٌ ولَمْ يُفَرِّطْ، واللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿ما عَلَى المُحسِنينَ مِن سَبيلٍ ۚ وَاللَّهُ غَفورٌ رَحيمٌ﴾(1189) .

فَلَمَّا تَغَيَّرَ الزَّمَانُ ، وضَعُفَ الوَازِعُ الدِّينِيُّ لَدَى النَّاسِ، وكَانَ مِنْهُم مَنِ اعْتَنَقَ الإسْلامَ ولَمَّا يَحْسُنْ إسْلامُهُ، وكَثِيرٌ مِنْ هَؤُلاءِ أرْبَابُ صَنَائِعَ وحِرَفٍ يَحْتَاجُ النَّاسُ إلَيْهَا؛ ارْتَأى عُمَرُ تَضْمِينَهُم، اسْتِثْناءً مِنْ عُمُومِ النَّصِّ القَاضِي بكَوْنِهِم مُؤْتَمَنِينَ عَلَى مَا بأيْدِيهِم(1190) .

فضَمَّنَ الصَّبَّاغَ الَّذِي يَعْمَلُ بيَدِهِ(1191) وهُوَ أجِيرٌ عَامٌّ. وبِهِ قَضَى عَلِيٌّ رضي الله عنه، وقَالَ: «لا يُصْلِحُ النَّاسَ إلاَّ ذَلِكَ»(1192) وشَاعَ اجْتِهَادُهُمَا بَيْنَ

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الصَّحَابَةِ، ولَمْ يُعْلَمْ لَهُ مُخَالِفٌ، فَصَارَ فِي حُكْمِ الإجْمَاعِ السُّكُوتي.

إنَّ في تَرْكِ عُمَرَ للنَّصِّ، والعُدُولِ عَنْهُ إلَى دَلِيلٍ آخَرَ يَتَمَاشَى مَعَ الوَاقِعِ الَّذِي تَعِيشُهُ رَعِيَّتُهُ، ويَضْبِطُ لَهُم حُسْنَ مُعَامَلاتِهِم، وَجْهًا مِنْ وُجُوهِ الاسْتِحْسَانِ بالاسْتِثْنَاءِ، الَّذِي هُوَ إيثَارُ تَرْكِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَلَى طَرِيقِ الاسْتِثْنَاءِ والتَّرَخُّصِ لمُعَارَضَةِ مَا يُعَارَضُ بِهِ فِي بَعْضِ مُقْتَضَيَاتِهِ(1193) ، عَمَلاً بأقْوَى الدَّلِيلَينِ، لا الإعْرَاضَ عَنِ الشَّرْعِ لهَوًى أوْ مُجَرَّدِ رَأيٍ! فاسْتَثْنَى عُمَرُ حُكْمًا جُزْئِيًّا مِنْ قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ.

وهُوَ يُرَاعِي جَانِبَ تَغَيُّرِ الأعْرَافِ، عَلَى مُقْتَضَى القَاعِدَةِ الفِقْهِيَّةِ: «لا يُنْكَرُ تَغَيُّرُ الأحْكَامِ بتَغَيُّرِ الأزْمَانِ»(1194) . فَإذَا اخْتَلَفَتِ العَوَائِدُ رَجَعَتْ كُلُّ عَادَةٍ إلَى أصْلٍ شَرْعِيٍّ يَحْكُمُهَا.

فالأجَرَاءُ «مُؤْتَمَنُونَ بالدَّلِيلِ لا بالبَرَاءَةِ الأصْلِيَّةِ، فصَارَ تَضْمِينُهُم فِي حَيِّزِ المُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، فدَخَلَتْ تَحْتَ مَعْنَى الاسْتِحْسَانِ بذَلِكَ النَّظَرِ»(1195) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رَأى عُمَرُ أنَّ نَصَّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ، بَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ بعَدَمِ التَّفْرِيطِ فِي الحِفْظِ أوِ التَّعَدِّي عَلَى مَا فِي يَدِ الصَّانِعِ مِنَ الأمَانَةِ. فَلَوْ لَمْ يُضَمِّنْهُ لتَهَاوَنَ فِي عَمَلِهِ، وضَيَّعَ أمْوَالَ النَّاسِ الَّتِي جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بحِفْظِهَا. «وهُوَ عِلاجٌ يَجْعَلُ الأمِينَ حَرِيصًا عَلَى حِفْظِ مَا تَحْتَ يَدِهِ كَمَا يَجِبُ»(1196) . قَالَ عُمَرُ: «العَارِيَّةُ كَالوَدِيعَةِ؛ لا يَضْمَنُهَا صَاحِبُهَا إلاَّ بالتَّعَدِّي»(1197) .

قَالَ أنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه: «اسْتُودِعْتُ سِتَّةَ آلافٍ فذَهَبَتْ! فَقَالَ لِي عُمَرُ: «ذَهَبَ لَكَ مَعَهَا شَيْءٌ؟». قُلْتُ: لا. قَالَ: فَضَمَّنَنِي»(1198) . حَيْثُ لاحَظَ عُمَرُ أنَّ أنَسًا لَمْ يَحْفَظِ الوَدِيعَةَ عَلَى الوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي(1199) ، فَلَمْ يُبَالِغْ فِي الحِرْصِ عَلَيْهَا وإحْرَازِهَا، كَمَا يَفْعَلُ بمَالِهِ! فَلَمَّا ضَاعَتْ دُونَ مَالِهِ؛ عَدَّهُ مُقَصِّرًا فِي رِعَايَتِهَا، فَضَمَّنَهُ.

ولَهُ فِي هَذَا الفَهْمِ سَلَفٌ مِنْ عَمَلِ أبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، فعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه: «أنَّ رَجُلاً اُسْتُوْدِعَ مَتَاعًا، فَذَهَبَ مِنْ بَيْنِ مَتَاعِهِ، فَلَمْ يُضَمِّنْهُ أبُو بَكْرٍ رضي الله عنه، وقَالَ: هِيَ أمَانَةٌ»(1200) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الوَجْهُ مِنْ ذَلِكَ: أنَّ المُؤْتَمَنَ لَمْ يُقَصِّرْ فِي حِفْظِ الوَدِيعَةِ، بدَلالَةِ ضَيَاعِ مَتَاعِهِ مَعَهَا، والمَرْءُ لا يُتَّهَمُ – عَادَةً- فِي أنَّهُ يُقَصِّرُ فِي حِفْظِ مَالِهِ.

فاجْتَهَدَ واسْتَحْسَنَ بالمَصْلَحَةِ. والمَقْصُودُ مِنْ جَرَّاءِ ذَلِكَ: أنْ تُحْفَظَ حُقُوقُ النَّاسِ، وتُؤَمَّنَ حَاجَاتُهُم مِنَ الصِّنَاعَةِ(1201) . لذَا كَانَتِ المَصْلَحةُ في التَّضْمِينِ رَاجِحَةً(1202) ، وهِيَ مَصْلَحَةٌ عَامَّةٌ، وفِي العَمَلِ بهَا سَدٌّ لذَرِيعَةِ التَّحَايُلِ. وهُوَ مِنْ بَابِ تَرْجِيحِ المَصْلَحَةِ العَامَّةِ عَلَى المَصْلَحَةِ الخَاصَّةِ.

تَضْمِينُ أصْحَابِ الدَّوَابِّ مَا تُتْلِفُهُ:

المُقَرَّرُ اسْتِنَادًا إلَى السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ أنَّ مَا تُتْلِفُهُ الدَّابَّةُ أثْنَاءَ سَيْرِهَا هَدَرٌ، لقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «العَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ(1203)(1204) ) ( »، والحَدِيثُ هُوَ نَصُّ القَاعِدَةِ الفِقْهِيَّةِ: «جِنَايَةُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ»(1205) .

بَيْدَ أنَّ هَذَا الحُكْمَ لَوْ بَقِيَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، لاتَّخَذَهُ مَطِيَّةً كُلُّ مَنْ أرَادَ الإضْرَارَ أوْ قَصَدَ الانْتِقَامَ مِنْ أحَدٍ! فيُصْبِحُ انْتِفَاءُ الضَّمَانِ عَمَّا تُفْسِدُهُ البَهِيمَةُ بَابَ شَرٍّ يَلِجُهُ مَنْ لا ذِمَّةَ لَدَيْهِم.

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فعَمَدَ عُمَرُ إلَى تَقْيِيدِ الحُكْمِ الأصْلِيِّ، بإبْقَاءِ العُمُومِ مِنْهُ عَلَى مَا تُفْسِدُهُ البَهَائِمُ الَّتِي لَيْسَ مَعَهَا رَاكِبٌ، أوْ سَائِقٌ، أوْ قَائِدٌ(1206) . وقَيَّدَ ارْتِفَاعَ المَسْؤُولِيَّةِ عَمَّا تُحْدِثُهُ إذَا كَانَ جَرْيُهَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا. فقَضَى بالدِّيَةِ عَلَى مَنْ أجْرَى فَرَسَهُ، فَوَطِئَ فِي طَرِيقِهِ إنْسَانًا فَقَتَلَهُ، كَمَا وَرَدَ أنَّهُ: «قَضَى فِي الَّذِي أجْرَى فَرَسَهُ بالعَقْلِ»(1207) ، دَفْعًا للمَآلِ المَحْذُورِ، خَاصَّةً عِنْدَ فَسَادِ الزَّمَانِ.

إيقَافُ العَمَلِ بتَغْرِيبِ الزَّانِي:

أوْقَفَ العَمَلَ بتَغْرِيبِ الزَّانِي الوَارِدِ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِئَةٍ، وتَغْرِيبُ عَامٍ»(1208) . ذَلِكَ لِمَا وَرَدَ عَنْهُ أنَّهُ غَرَّبَ رَبِيعَةَ بْنَ أمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ(1209) إلَى خَيْبَرَ، فلَحِقَ بأرْضِ الرُّومِ فتَنَصَّرَ(1210) ! فقَالَ عِنْدَئِذٍ: «لا أغَرِّبُ بَعْدَهُ مُسْلِمًا»(1211) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يَتَّضِحُ أنَّ الدَّافِعَ إلَى إيقَافِ التَّغْرِيبِ هُوَ رَفْعُ الضَّرَرِ عَنِ المُسْلِمِينَ، مِمَّا هُوَ مُتَوَقَّعٌ مِنَ الفِرَارِ إلَى بِلادِ الكُفْرِ، ورُبَّمَا شَجَّعَهُ ذَلِكَ عَلَى الرِّدَّةِ. ولا يَخْفَى أنَّ رَفْعَ الضَّرَرِ مَصْلَحَةٌ مُحَقَّقَةٌ، سَوَاءٌ أكَانَ الضَّرَرُ وَاقِعًا أمْ مُتَوَقَّعًا. قَالَ الغَزَالِيُّ: «ونَحْنُ نَعْلَمُ أنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ مَقْصُودٌ شَرْعًا»(1212) .

يُسْتَفَادُ مِمَّا تَقَدَّمَ:

مَشْرُوعِيَّةُ ابْتِنَاءِ الاجْتِهَادِ عَلَى المَصْلَحَةِ. ظُهُورُ المَصْلَحَةِ لعُمَرَ بعَدَمِ النَّفيِ مُحَافَظَةً عَلَى دِينِ المَحْدُودِ. أهَمِّيَّةُ أنْ يُرَاجِعَ الفَقِيهُ اجْتِهَادَاتِهِ دَوْمًا، وأنَّ هَذَا لا يُعَدُّ مَعَرَّةً فِيهِ. الاجْتِهَادُ المَبْنِيُّ عَلَى المَصْلَحَةِ تَبَعٌ لَهَا، يتَبَدَّلُ بتَبَدُّلِهَا، كَالحُكْمِ يَدُورُ مَعَ عِلَّتِهِ وُجُودًا وعَدَمًا.

ويُلاحَظُ فِي هَذِهِ الاجْتِهَادَاتِ، لجِهَةِ تَخْصِيصِ النُّصُوصِ بالمَصْلَحَةِ، أمْرَانِ اثْنَانِ، هُمَا:

أنَّ عُمَرَ لا يَلْجَأُ إلَى التَّخْصِيصِ ابْتِدَاءً، بَلْ لا يَعْمَدُ إلَيْهِ إلاَّ بَعْدَ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الوُقُوعِ الفِعْلِيِّ. وهَذَا نَاشِئٌ عَنْ وَاقِعِيَّةِ التَّشْرِيعِ الَّتِي سَبَقَ أنْ حُرِّرَ الكَلامُ فِيهَا، مِمَّا يُبَيِّنُ جَلِيًّا تَوَافُرَ عُنْصُرِ المَسْؤُولِيَّةِ فِي ضَمِيرِهِ الاجْتِهَادِيِّ، وأنَّهُ قَائِمٌ فِي تَصَرُّفَاتِهِ كَإمَامٍ للمُسْلِمِينَ. أنَّهُ كَانَ يُخَصِّصُ العُمُومَ بالمَصَالِحِ الضَّرُورِيَّةِ أوِ الحَاجِيَّةِ(1213) الَّتِي يتَرَتَّبُ عَلَى فَوَاتِهَا ضَرَرٌ بالمُسْلِمِينَ، لا بتِلْكَ التَّكْمِيلِيَّةِ أوِ التَّحْسِينِيَّةِ(1214)

ثَانِيًا: التَّخْصِيصُ بالقِيَاسِ:

تَنْصِيفُ أحْكَامِ الرِّقِّ:

جعَلَ العَبْدَ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الحُرِّ(1215) لجِهَةِ الأحْوَالِ الشَّخْصِيَّةِ؛ فِي النِّكَاحِ، والطَّلاقِ، والعِدَّةِ، وغَيْرِهَا. وهَذَا مَحْضُ اجْتِهَادٍ قَدْ يَكُونُ لَهُ فِيهِ أجْرٌ وَاحِدٌ.

مِنْ شَوَاهِدِهِ:

تَنْصِيفُ حَدِّ القَذْفِ:

حَكَمَ عُمَرُ بتَنْصِيفِ حَدِّ القَذْفِ عَلَى العَبْدِ، قِيَاسًا عَلَى تَنْصِيفِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حَدِّ الزِّنَا عَلَى الإمَاءِ، بجَامِعِ الجِنَايَةِ والرِّقِّ فِي كُلٍّ(1216) بحَسْبِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أُحصِنَّ فَإِن أَتَينَ بِفاحِشَةٍ فَعَلَيهِنَّ نِصفُ ما عَلَى المُحصَناتِ مِنَ العَذابِ(1217) ۚ﴾

أمَّا النَّصُّ العَامُّ الوَارِدُ فِي حَدِّ القَذْفِ، فقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذينَ يَرمونَ المُحصَناتِ ثُمَّ لَم يَأتوا بِأَربَعَةِ شُهَداءَ فَاجلِدوهُم ثَمانينَ جَلدَةً﴾(1218) . وهُوَ يُفِيدُ بعُمُومِهِ أنَّ حَدَّ القَذْفِ ثَمَانُونَ جَلْدَةً، لا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ حُرٍّ وعَبْدٍ، ولا بَيْنَ ذَكَرٍ وأنْثَى.

غَيْرَ أنَّ عَمَلَ عُمَرَ قَامَ عَلَى تَخْصِيصِ عُمُومِ الآيَةِ، وجَعَلَ الحَدَّ أرْبَعِينَ جَلْدَةً فِي حَقِّ العَبْدِ القَاذِفِ. عَنِ ابْنِ عَامِرٍ(1219) قَالَ: «أدْرَكْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، وعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، والخُلَفَاءَ، هَلُمَّ جَرًّا، فَمَا رَأيْتُ أحَدًا جَلَدَ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ أكْثَرَ مِنْ أرْبَعِينَ»(1220) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

زَوَاجُ العَبْدِ وطَلاقُهُ:

حَكَمَ عُمَرُ بأنَّ العَبْدَ لا يَتَزَوَّجُ أكْثَرَ مِنِ اثْنَتَيْنِ، ولا يُطَلِّقُ أكْثَرَ مِنْ مَرَّتَيْنِ. فَقَدْ سَألَ النَّاسَ: «كَمْ يتَزَوَّجُ العَبْدُ؟». فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: «ثِنْتَيْنِ، وطَلاقُهُ ثِنْتَانِ»(1221) . وهَذَا كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أحَدٌ(1222) . وقَالَ عُمَرُ: «يَنْكِحُ العَبْدُ امْرَأتَيْنِ، ويُطَلِّقُ طَلْقَتَيْنِ، وتَعْتَدُّ الأمَةُ حَيْضَتَيْنِ، وإنْ لَمْ تَكُنْ تَحِيضُ فشَهْرَيْنِ أوْ شَهْرًا ونِصْفًا»(1223) .

وذَلِكَ تَخْصِيصٌ لعُمُومِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿۝٢ وَإِن خِفتُم أَلّا تُقسِطوا فِي اليَتامىٰ فَانكِحوا ما طابَ لَكُم مِنَ النِّساءِ مَثنىٰ وَثُلاثَ﴾(1224) ، وقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُروءٍ﴾(1225) .

قَالَ عُمَرُ: «لَوْ أسْتَطِيعُ أنْ أجْعَلَ عِدَّةَ الأمَةِ حَيْضَةً ونِصْفًا لَفَعَلْتُ». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، فَاجْعَلْهَا شَهْرًا ونِصْفًا. فَسَكَتَ(1226) وجَاءَ

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عَنْهُ قَوْلُهُ: «طَلاقُ الأمَةِ تَطْلِيقَتَانِ، وعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ(1227) وقَالَ: «عِدَّةُ الأمَةِ إذَا لَمْ تَحِضْ شَهْرَانِ، كَعِدَّتِهَا إذَا حَاضَتْ حَيْضَتَيْنِ»(1228)

فالمَقْصُودُ أنَّ عُمَرَ نَصَّفَ ذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى تَنْصِيفِ اللهِ الحَدَّ عَلَى الأمَةِ.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المَطْلَبُ الرَّابِعُ: تَحْدِيدُ نَوْعِيَّةِ التَّكْلِيفِ مِنْ خِلالِ دَرَجَةِ الاقْتِضَاءِ

لمَّا كَانَ «النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هُوَ الإمَامَ الأعْظَمَ، والقَاضِي الأحْكَمَ، والمُفْتِي الأعْلَمَ»(1229) ، اخْتَلَفَ الأصْحَابُ رضي الله عنهم فِي تَأوِيلِ أفْعَالِهِ الَّتِي لَمْ تتَمَحَّضْ صَرَاحَةً فِي التَّبْلِيغِ، فتَتَفَاوَتُ الأنْظَارُ فِي تَصَوُّرِهَا: أهِيَ مِنْ مُنْطَلَقِ الإمَامَةِ، فلا بُدَّ فِيهِ مِنْ إذْنِ الإمَامِ؟ أوِ القَضَاءِ، فلا بُدَّ فِيهِ مِنْ قَضَاءِ القَاضِي؟ أوِ الفَتْوَى والتَّبْلِيغِ، فيُسْتَحَقُّ بِدُونِ قَضَاءِ قَاضٍ وإذْنِ إمَامٍ(1230) ؟

فِي المِثَالِ الآتِي بَيَانٌ لهَذَا التَّأصِيلِ:

سُبُلُ إحْيَاءِ الأرْضِ المَوَاتِ:

الأرْضُ المَوَاتُ: هِيَ الغُفْلُ المُعَطَّلَةُ الَّتِي لَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا مِلْكُ أحَدٍ، ولا يُنْتَفَعُ بِهَا بغَرْسٍ أوْ زَرْعٍ أوْ بِنَاءٍ. وتُشْرِفُ الدَّوْلَةُ عَلَى هَذِهِ الأرَاضِي بحُكْمِ الوِلايَةِ العَامَّةِ الَّتِي تُمَارِسُهَا عَلَى المُسْلِمِينَ جَمِيعًا. وإحْيَاؤُهَا: مُبَاشَرَتُهَا بتَأثِيرِ شَيْءٍ فِيهَا، مِنْ إحَاطَةٍ، أوْ زَرْعٍ، أوْ عِمَارَةٍ، ونَحْوِ ذَلِكَ، تَشْبِيهًا بإحْيَاء

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المَيِّتِ(1231)

الأصْلُ فِيهَا قَوْلُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ»(1232) .

اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي تَكْيِيفِ هَذَا القَوْلِ:

أهُوَ عَلَى سَبِيلِ الفَتْوَى، فَيَجُوزَ لِكُلِّ أحَدٍ أنْ يُحْيِيَ، سَوَاءٌ أذِنَ الإمَامُ فِي ذَلِكَ الإحْيَاءِ أوْ لا؟

أمْ هُوَ تَصَرُّفٌ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم بالإمَامَةِ، فَلا يَجُوزُ لأحَدٍ أنْ يُحْيِيَ إلاَّ بإذْنِ الإمَامِ(1233) ؟

لَحَظَ عُمَرُ المَعْنَى الثَّانِيَ، فَذَهَبَ إلَى أنَّ إجَازَةَ الأمِيرِ المُوَاطِنَ لا بُدَّ مِنْهَا لإحْيَاءِ المَوَاتِ. فخَطَبَ عَلَى المِنْبَرِ، ومِمَّا قَالَ: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيِّتَةً، فَهِيَ لَهُ»(1234) ولَمَّا خَرَجَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أهْلِ البَصْرَةِ يُقَالُ لَهُ: نَافِعٌ أبُو عَبْدِ اللهِ مِنْ ثَقِيفٍ(1235) يَقُولُ: إنَّ بأرْضِ البَصْرَةِ أرْضًا لا تَضُرُّ

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بِأحَدِ المُسْلِمِينَ، ولَيْسَتْ مِنْ أرْضِ الخَرَاجِ؛ فَإنْ شِئْتَ أنْ تُقْطِعَنِيهَا، أتَّخِذُهَا قَضْبًا وزَيْتُونًا، ونَخْلاً فِي نَخِيلِي، فَافْعَلْ.

فكَتَبَ عُمَرُ إلَى أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ: «إنْ كَانَتْ حِمًى، فَأقْطِعْهَا إيَّاهُ».

فَكَانَ نَافِعٌ هَذَا أوَّلَ مَنْ أخَذَ الفَلايَا بِأرْضِ البَصْرَةِ(1236) .

وَجْهُ الدَّلالَةِ: يَظْهَرُ فِي أنَّ عُمَرَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ أخْذَهَا، ولا جَعَلَ لَهُ مِلْكَهَا إلاَّ بِإقْطَاعِ خَلِيفَتِهِ ذَلِكَ الرَّجُلَ إيَّاهَا. ولَوْلا ذَلِكَ، لَكَانَ يَقُولُ لَهُ: ومَا حَاجَتُكَ إلَى إقْطَاعِي إيَّاكَ، لأنَّ لَكَ أنْ تُحْيِيَهَا دُونِي، وتَعْمُرَهَا فَتَمْلِكَهَا؟!

فَدَلَّ ذَلِكَ أنَّ الإحْيَاءَ عِنْدَ عُمَرَ، هُوَ مَا أذِنَ الإمَامُ فِيهِ لِلَّذِي يَتَوَلاَّهُ ومَلَّكَهُ إيَّاهُ. يُؤَكِّدُهُ قَوْلُهُ: «لَنَا رِقَابُ الأرْضِ»(1237) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قَالَ الطَّحَاوِيُّ: «فَدَلَّ ذَلِكَ أنَّ رِقَابَ الأرْضِينَ كُلَّهَا إلَى أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، وأنَّهَا لا تَخْرُجُ مِنْ أيْدِيهِم إلاَّ بإخْرَاجِهِم إيَّاهَا إلَى مَا رَأَوْا، عَلَى حُسْنِ النَّظَرِ مِنْهُم للمُسْلِمِينَ، فِي عِمَارَةِ بِلادِهِم وصَلاحِهَا»(1238) .

وعَلَيْهِ، فمَنْ يُرِيدُ إحْيَاءَ أرْضٍ، فأمَامَهُ سَبِيلانِ(1239) :

الأوَّلُ: إقْطَاعُ الإمَامِ:

وهُوَ نَوْعَانِ:

النَّوْعُ الأوَّلُ: مَنْحُ الإمَامِ مُوَاطِنًا قِطْعَةَ أرْضٍ مَوَاتٍ، بِنَاءً عَلَى طَلَبِهِ:

مِثَالُهُ(1240) : أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طَالِبٍ سَألَ عُمَرَ، فَأقْطَعَهُ يَنْبُعَ(1241) .

النَّوْعُ الثَّانِي: مُبَادَرَةٌ مِنَ الإمَامِ نَفْسِهِ دُونَ سَبْقِ طَلَبٍ:

كَانَ عُمَرُ كَثِيرًا مَا يَسْتَخْلِفُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ إذَا خَرَجَ إلَى شَيْءٍ مِنَ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأسْفَارِ، وقَلَّمَا رَجَعَ مِنْ سَفَرٍ إلاَّ أقْطَعَهُ حَدِيقَةً مِنْ نَخْلٍ(1242)

الثَّانِي: إحْيَاءُ المَوَاتِ:

بأنْ يَقْتَطِعَ أرْضًا ليُحْيِيَهَا، ثُمَّ يُجِيزَهُ الإمَامُ:

كَمَا فَعَلَ المُسْلِمُونَ الَّذِينَ فَتَحُوا حِمْصَ، حِينَ عَسْكَرُوا عَلَى نَهْرِ الأرْبَدِ(1243) وأحْيَوْهُ، فأمْضَاهُ لَهُم عُمَرُ(1244) .

هَذَا، وحَيْثُ إنَّ الإقْطَاعَ إعَانَةٌ عَلَى أحْوَالٍ تَقَعُ فِي مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ، ولَيْسَ تَمْلِيكًا حَقِيقِيًّا؛ كَانَ للإمَامِ نَزْعُهُ فِي أيِّ وَقْتٍ شَاءَ، وتَبْدِيلُهُ بغَيْرِهِ(1245) . لذَلِكَ كَانَ عُمَرُ يَشْتَرِطُ العَمَارَةَ ثَلاثَ سِنِينَ(1246) ، ويَقُولُ: «ولَيْسَ لِمُحْتَجِرٍ حَقٌّ بَعْدَ ثَلاثِ سِنِينَ»(1247) .

فَإذَا مَضَى عَلَى الأرْضِ المُحْيَاةِ أوِ المُقْطَعَةِ المُدَّةُ المَضْرُوبَةُ، دُونَ

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أنْ يُحْيِيَهَا مَنْ هَيِ بأيْدِيهِم؛ عَادَتْ مَوَاتًا، وللإمَامِ أنْ يَسْتَرِدَّهَا(1248) فَإنْ أحْيَاهَا آخَرُ، فَهُوَ أحَقُّ بِهَا. لأنَّ القَصْدَ مِنَ الإقْطَاعِ لا أنْ تَتَحَوَّلَ هَذِهِ الأرْضُ إلَى ضَيْعَاتٍ، بَلْ أنْ يَسْتَكِفَّ بِهَا المُعْدَمُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، انْطِلاقًا مِنْ مَنْعِ اكْتِنَازِ الثَّرْوَةِ عَنْ طَرِيقِ اسْتِغْلالِ المَجْهُودَاتِ البَشَرِيَّةِ. قَالَ عُمَرُ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أرْضٌ، فعَطَّلَهَا ثَلاثَ سِنِينَ، فَجَاءَ قَوْمٌ فعَمَرُوهَا، فَهُمْ أحَقُّ بِهَا»(1249)

اسْتِحْقَاقُ القَاتِلِ السَّلَبَ:

السَّلَبُ: مَا يُسْلَبُ مِنَ المُحَارِبِ بإظْهَارِ الجَزَاءِ والعَنَاءِ، مِمَّا يَحْمِلُهُ مَعَهُ أثْنَاءَ القِتَالِ مِنْ أشْيَاءَ تَخُصُّهُ، كَالفَرَسِ، والسِّلاحِ، واللِّبَاسِ، والحُلِيِّ، ونَحْوِ ذَلِكَ(1250) .

ذَهَبَ عُمَرُ إلَى أنَّ القَاتِلَ يَسْتَحِقُّ سَلَبَ قَتِيلِهِ فِي سَاحَةِ الجِهَادِ بإذْنٍ مِنَ الإمَامِ، لا بمُجَرَّدِ القَتْلِ. فَقَدْ عَانَقَ رَجُلٌ رَجُلاً وجَاءَ آخَرُ فَقَتَلَهُ. فَأعْطَى عُمَرُ سَلَبَهُ للَّذِي قَتَلَهُ(1251) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الوَجْهُ مِنْهُ: أنَّ الأوَّلَ بإمْسَاكِهِ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ أنْ يَكُونَ مُقَاتِلاً، وإنَّمَا القَاتِلُ فِي الحَقِيقَةِ هُوَ الثَّانِي. فيَكُونُ السَّلَبُ لَهُ بالتَّنْفِيلِ. وكَانَ التَّنْفِيلُ مِنَ الإمَامِ للقَاتِلِ لا للمُمْسِكِ، حَيْثُ تَظَاهَرَ لَدَيْهِ النَّصُّ، والنَّظَرُ الصَّحِيحُ، اسْتِنَادًا إلَى عُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنَّما غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسولِ﴾(1252) ، فَإخْرَاجُ السَّلَبِ مِنْ ذَلِكَ خِلافُ هَذَا الظَّاهِرِ.

وإذَا أُنِيطَ الاسْتِحْقَاقُ بالقَتْلِ المُجَرَّدِ عَنْ تَصْرِيحِ الإمَامِ، فلَرُبَّمَا تَفَصَّى عَنْهُ مَفَاسِدُ، مِنْهَا:

إفْسَادُ الإخْلاصِ عِنْدَ الْمُجَاهِدِينَ، فَيُقَاتِلُونَ لِهَذَا السَّلَبِ دُونَ نَصْرِ كَلِمَةِ الإسْلامِ. وقَدْ يُؤَدِّي إلَى أنْ يُقْبِلَ عَلَى قَتْلِ مَنْ لَهُ سَلَبٌ دُونَ غَيْرِهِ، فَيَقَعَ التَّخَاذُلُ فِي الجَيْشِ، ورُبَّمَا كَانَ قَلِيلُ السَّلَبِ أشَدَّ نِكَايَةً عَلَى المُسْلِمِينَ(1253) .

فإِذَا جُعِلَ ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلَى قَوْلِ الإمَامِ؛ انْدَفَعَتْ هَذِهِ المَفَاسِدُ، لأنَّهُ يَتَصَرَّفُ بِحَسْبِ المَصْلَحَةِ(1254) . وعَلَيْهِ، فللإمَامِ نَزْعُهُ مِمَّنْ وُجِدَ مَعَهُ، بدَاعِي أنَّ سَبَبَ اسْتِحْقَاقِهِ هُوَ تَصَرُّفُ الإمَامِ، وإلاَّ عُدَّ مِنَ الغَنِيمَةِ(1255) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تَحْصِيلُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ:

عَلَى الزَّوْجِ أنْ يُنْفِقَ عَلَى زَوْجَتِهِ، سَوَاءٌ عَاشَ مَعَهَا أوْ سَافَرَ عَنْهَا.

شَكَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ امْرَأةُ أبِي سُفْيَانَ(1256) زَوْجَهَا إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنَّ أبَا سُفْيَانَ(1257) رَجُلٌ شَحِيحٌ؛ لا يُعْطِينِي مِنَ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي ويَكْفِي بَنِيَّ، إلاَّ مَا أخَذْتُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ! فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ؟

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «خُذِي مِنْ مَالِهِ بالمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيكِ ويَكْفِي بَنِيكِ»(1258) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَهَلْ هَذَا التَّصَرُّفُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هُوَ بِطَرِيقِ الفَتْوَى، فَيَجُوزَ لِكُلِّ مَنْ ظَفِرَ بِحَقِّهِ أوْ بجِنْسِهِ أنْ يَأخُذَهُ بِغَيْرِ عِلْمِ خَصْمِهِ بِهِ، بحُجَّةِ أَنَّ أبَا سُفْيَانَ كَانَ بالمَدِينَةِ، والقَضَاءُ عَلَى الحَاضِرِينَ مِنْ غَيْرِ إعْلامٍ ولا سَمَاعِ حُجَّةٍ لا يَجُوزُ، فيَتَعَيَّنُ أنَّهُ فَتْوَى؟

أوْ هُوَ تَصَرُّفٌ بالقَضَاءِ، فَلا يَجُوزُ لأحَدٍ أنْ يَأخُذَ حَقَّهُ، إذَا تَعَذَّرَ أخْذُهُ مِنَ الغَرِيمِ إلاَّ بِقَضَاءِ قَاضٍ، بدَاعِي أنَّهَا دَعْوَى فِي مَالٍ عَلَى مُعَيَّنٍ، فَلا يَدْخُلُهُ إلاَّ القَضَاءُ، لأنَّ الفَتَاوَى شَأْنُهَا العُمُومُ(1259) ؟

يَتَبَيَّنُ مِنْ خِلالِ الوَارِدِ عَنْ عُمَرَ فِي مِثْلِ هَذِهِ القَضِيَّةِ أنَّهُ يَرَى تَصَرُّفَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم هُنَا عَلَى سَبِيلِ القَضَاءِ لا الإفْتَاءِ، فَقَدْ كَتَبَ إلَى أمَرَاءِ الأجْنَادِ: «ادْعُوا فُلانًا وفُلانًا. نَاسًا قَدِ انْقَطَعُوا عَنِ المَدِينَةِ وخَلَوْا مِنْهَا، وغَابُوا عَنْ نِسَائِهِم: فَأمَرَهُم إمَّا أنْ يَرْجِعُوا إلَى نِسَائِهِم، وإمَّا أنْ يَبْعَثُوا بنَفَقَتِهِنَّ إلَيْهِنَّ، وإمَّا أنْ يُطَلِّقُوا ويَبْعَثُوا بنَفَقَةِ مَا مَضَى ومَا اسْتُقْبِلَ»(1260) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبِذَلِكَ يَكُونُ للمَرْأةِ الحَقُّ فِي مُحَاسَبَةِ الزَّوْجِ بالنَّفَقَةِ المَاضِيَةِ، وهُوَ مَا يُعْرَفُ بالأثَرِ الرَّجْعِيِّ. فَإنِ امْتَنَعَ الزَّوْجُ عَنِ الإنْفَاقِ، فَالزَّوْجَةُ بالخِيَارِ؛ إنْ شَاءَتْ بَقِيَتْ عَلَى نِكَاحِهَا، وإنْ شَاءَتْ طَلَبَتِ التَّفْرِيقَ، فِي سَبِيلِ المُحَافَظَةِ عَلَى النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ. ولا يَحُقُّ لَهَا أنْ تَأخُذَ شَيْئًا دُونَ إذْنِ القَاضِي. ثُمَّ أسْقَطَ الطَّلَبَ بِهَا إنْ أعْسَرَ الزَّوْجُ(1261) .

الرَّضَاعُ المُحَرِّمُ ورَضَاعُ الكَبِيرِ:

تَبَنَّى أبُو حُذَيْفَةَ(1262) سَالِمًا(1263) فَلَمَّا نَزَلَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿۝٤ ادعوهُم لِآبائِهِم هُوَ أَقسَطُ عِندَ اللَّهِ فَإِن لَم تَعلَموا آباءَهُم فَإِخوانُكُم فِي الدّينِ﴾(1264)

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

جَاءَتْ زَوْجُهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ(1265) إلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا، وكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ وأنَا فُضُلٌ(1266) ولَيْسَ لَنَا إلاَّ بَيْتٌ وَاحِدٌ! فَمَاذَا تَرَى فِي شَأنِهِ؟

فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أرْضِعِيهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ. فَيَحْرُمُ بلَبَنِهَا»(1267) . فكَانَتْ تَرَاهُ ابْنًا مِنَ الرَّضَاعَةِ.

أخَذَتْ بذَلِكَ عَائِشَةُ أمُّ المُؤْمِنِينَ فِيمَنْ كَانَتْ تُحِبُّ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ؛ فتَأمُرُ أخْتَهَا أمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ(1268) وبَنَاتِ أخِيهَا أنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أحَبَّتْ أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهَا مِنَ الرِّجَالِ. وأبَى سَائِرُ(1269)

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ بتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أحَدٌ مِنَ النَّاسِ، وقُلْنَ: «لا، وَاللهِ، مَا نَرَى الَّذِي أمَرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ إلاَّ رُخْصَةً مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي رَضَاعَةِ سَالِمٍ وَحْدَهُ. واللهِ لا يَدْخُلُ عَلَيْنَا بهَذِهِ الرَّضَاعَةِ أحَدٌ»(1270)

فَحَمَلَ عُمَرُ هَذَا التَّصَرُّفَ النَّبَوِيَّ عَلَى أنَّهُ تَرْخِيصٌ خَصَّ بِهِ سَهْلَةَ، بمُقْتَضَى الفَتْوَى الَّتِي تَخُصُّ أصْحَابَهَا ولا تَعُمُّ سَائِرَ النَّاسِ؛ فيَبْقَى قَاصِرًا عَلَى مَحِلِّهِ لا يتَعَدَّاهُ، فِي كَوْنِ الرَّضَاعَةِ المُحَرِّمَةِ مَا كَانَ فِي الصِّغَرِ خِلالَ الحَوْلَيْنِ حَصْرًا. بخِلافِ مَذْهَبِ أمِّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، الَّتِي رَأتْ فِي القِصَّةِ تَشْرِيعًا عَامًّا يَطَّرِدُ فِي الأزْمَانِ والأشْخَاصِ.

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «الأصْلُ أنَّ الرَّضَاعَ لا يُحَرِّمُ. فَلَمَّا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الصِّغَرِ؛ خُولِفَ الأصْلُ لَهُ، وبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الأصْلِ. وقِصَّةُ سَالِمٍ وَاقِعَةُ عَيْنٍ يَطْرُقُهَا احْتِمَالُ الخُصُوصِيَّةِ»(1271) .

وعَلَيْهِ يتَخَرَّجُ قَوْلُهُ: «لا رَضَاعَ إلاَّ مَا كَانَ فِي الحَوْلَيْنِ فِي الصِّغَرِ»(1272)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهُوَ اقْتِبَاسٌ مِنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يُرضِعنَ أَولادَهُنَّ حَولَينِ كامِلَينِ لِمَن أَرادَ أَن يُتِمَّ الرَّضاعَةَ(1273) ۚ﴾ وهِيَ المُدَّةُ الَّتِي يَتِمُّ عِنْدَهَا الفِطَامُ غَالِبًا، وبِهَا تتَعَلَّقُ أحْكَامُ الرَّضَاعِ(1274) لذَلِكَ قَالَ عُمَرُ: «لا رَضَاعَ بَعْدَ الفِصَالِ»(1275) وعَلَى هَذَا فَلَوْ تَمَّ الرَّضَاعُ بَعْدَ الحَوْلَيْنِ، فَلا يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمٌ(1276) فعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ رَجُلاً سَألَهُ عَنْ رَضَاعِ الكَبِيرِ، فَقَالَ لَهُ: قَالَ عُمَرُ: «إنَّمَا الرَّضَاعَةُ رَضَاعَةُ الصَّغِيرِ»(1277)

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المَطْلَبُ الخَامِسُ: التَّرْجِيحُ بَيْنَ النُّصُوصِ المُتَعَارِضَةِ

عَرَضَ لعُمَرَ تَعَارُضٌ بَيْنَ نُصُوصِ القُرْآنِ نَفْسِهَا، وبَيْنَهَا وبَيْنَ نُصُوصِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، مَا دَعَاهُ إلَى الحَسْمِ فِيهَا بطَرِيقَةٍ مَنْهَجِيَّةٍ مُنْضَبِطَةٍ، تَحْفَظُ للنَّصِّ قُدْسِيَّتَهُ. فَخَاضَ مَيَادِينَ الجَمْعِ والتَّرْجِيحِ بَيْنَ مُقْتَضَيَاتِ النُّصُوصِ، وسَنَّ لمَنْ بَعْدَهُ أوْلَوِيَّةَ الجَمْعِ بَيْنَهَا مَا أمْكَنَ، عَمَلاً بالدَّلِيلَيْنِ مَعًا، وتَوَرُّعًا عَنْ إهْمَالِ أحَدِهِمَا.

أوَّلاً: تَخْصِيصُ الكِتَابِ بالكِتَابِ:

مِنَ الأمْثِلَةِ عَلَى ذَلِكَ:

تَشْرِيكُ الجَدَّتَيْنِ فِي السُّدُسِ:

حَكَمَ بتَشْرِيكِ الجَدَّتَيْنِ فِي السُّدُسِ، بَعْدَ أنْ قَضَى بِهِ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم للجَدَّةِ مِنْ قِبَلِ الأمِّ. وقَالَ: «إنِ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ، فَهُوَ بَيْنَكُمَا». فِي حَادِثَةٍ حَصَلَتْ غَدَاةَ خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ رضي الله عنه حِينَ جَاءَتْهُ جَدَّةٌ تَسْألُهُ مِيرَاثَهَا. فَقَالَ لَهَا أبُو بَكْرٍ: «مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللهِ شَيْءٌ، ومَا عَلِمْتُ لَكِ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَارْجِعِي حَتَّى أسْألَ النَّاسَ».

فَسَألَ النَّاسَ، فَقَالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ: «حَضَرْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أعْطَاهَا السُّدُسَ». فَقَالَ أبُو بَكْرٍ: هَلْ مَعَكَ غَيْرُكَ؟ فَقَامَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ الأنْصَارِيُّ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، فَأنْفَذَهُ لَهَا أبُو بَكْرٍ.

ثُمَّ جَاءَتِ الجَدَّةُ الأخْرَى مِنْ قِبَلِ الأبِ إلَى عُمَرَ تَسْألُهُ مِيرَاثَهَا. فَقَالَ: «مَا لَكِ فِي كِتَابِ اللهِ شَيْءٌ، وَمَا كَانَ القَضَاءُ الَّذِي قُضِيَ بِهِ(1278) إلاَّ لِغَيْرِكِ. ومَا أنَا بِزَائِدٍ فِي الفَرَائِضِ شَيْئًا. ولَكِنْ هُوَ ذَاكَ السُّدُسُ؛ فَإنِ اجْتَمَعْتُمَا فِيهِ، فَهُوَ بَيْنَكُمَا، وأيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا»(1279) .

قَالَ الزُّهْرِيُّ: «وأوَّلُ مَنْ وَرَّثَ الجَدَّتَيْنِ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ، فجَمَعَ بَيْنَهُمَا»(1280) .

ثَانِيًا: تَخْصِيصُ الكِتَابِ بالسُّنَّةِ:

كَذَلِكَ انْتَهَجَ سَبِيلَ تَخْصِيصِ الكِتَابِ بالسُّنَّةِ، وهُوَ وَجْهٌ مِنَ الاجْتِهَادِ يَمْتَزِجُ فِيهِ الجَمْعُ بالتَّرْجِيحِ؛ فَهُوَ مِنْ جِهَةٍ عَمِلَ بمُقْتَضَى

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نَصَّيْنِ مَعًا فِي القَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا، وهَذَا نَوْعٌ مِنَ الجَمْعِ. ومِنْ جِهَةٍ أخْرَى هُوَ اسْتِبْعَادٌ للعُمُومِ، ومَصِيرٌ إلَى مُقْتَضَى النَّصِّ المُخَصِّصِ لَهُ، وهَذَا نَوْعٌ مِنَ التَّرْجِيحِ.

مِنْ شَوَاهِدِهِ:

تَخْصِيصُ آيَاتِ المَوَارِيثِ:

قَضَى أبُو بَكْرٍ بعَدَمِ تَوْرِيثِ السَّيِّدَةِ فَاطِمَةَ مِنْ أبِيهَا رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حَيْثُ رَأى تَخْصِيصَ آيَاتِ المَوَارِيثِ(1281) بِمَا رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قَالَ: «لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ»(1282) ، واعْتَذَرَ لَهَا فِي ذَلِكَ.

فلَمَّا جَاءَ العَبَّاسُ وعَلِيٌّ إلَى عُمَرَ فِي خِلافَتِهِ يتَحَاكَمَانِ إلَيْهِ فِي إدَارَةِ الأمْوَالِ الَّتِي أفَاءَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ بَنِي النَّضِيرِ، وكَانَ عُمَرُ وَلاَّهُمَا أمْرَ صَرْفِهَا وتَوْزِيعِهَا، قَالَ عُمَرُ لَهُمَا وللحَاضِرِينَ جَمِيعًا: «اتَّئِدَا، أنْشُدُكُم بِاللهِ الَّذِي بإذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ والأرْضُ، أتَعْلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ، قَالُوا: نَعَمْ»(1283) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأمَّا خَيْبَرُ وفَدَكُ(1284) فأمْسَكَهُمَا عُمَرُ، وقَالَ: «هُمَا صَدَقَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، كَانَتَا لحُقُوقِهِ الَّتِي تَعْرُوهُ(1285) ونَوَائِبِهِ(1286) ، وأمْرُهُمَا إلَى مَنْ وَلِيَ الأمْرَ»(1287) .

فَفَهِمَ عُمَرُ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ مُخَصِّصٌ لعُمُومِ قَوْلِهِ تَعَالَى(1288) : ﴿يوصيكُمُ اللَّهُ في أَولادِكُم ۖ لِلذَّكَرِ مِثلُ حَظِّ الأُنثَيَينِ﴾(1289) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ثَالِثًا: تَرْجِيحُ العَامِّ على الخَاصِّ:

قَدْ يَتَمَسَّكُ –أحْيَانًا- بدَلالَةِ العُمُومِ مَعَ وُجُودِ المُخَصِّصِ، لمَعْنًى قَامَ بالعُمُومِ أكْسَبَهُ القَطَعَ، فتَقَاعَدَ المُخَصِّصُ عَنْ مُسَاوَاتِهِ فِي القُوَّةِ والمَعْنَى.

مِنْ شَوَاهِدِ ذَلِكَ:

نَهْيُ المُحْرِمِ عَنِ الطِّيبِ:

وَرَدَ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنَّهُ نَهَى المُحْرِمَ عَنِ الطِّيبِ(1290) فحَمَلَهُ عُمَرُ عَلَى العُمُومِ المُسْتَفَادِ مِنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ، فَلَمْ يُجِزْ لِمَنْ أرَادَ الإحْرَامَ أنْ يَتَطَيَّبَ قَبْلَ عَقْدِ الإحْرَامِ، فيَسْتَدِيمَ عَلَيْهِ الطِّيبُ بَعْدَ إحْرَامِهِ(1291) وهَذَا ثَابِتٌ عَنْهُ بمُوجِبِ نَهْيِهِ عَنِ الطِّيبِ قَبْلَ زِيَارَةِ البَيْتِ، وبَعْدَ الجَمْرَةِ(1292)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقَالَ: «مَنْ رَمَى الجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ مَا حُرِّمَ عَلَيْهِ، إلاَّ النِّسَاءَ والطِّيبَ»(1293) و«دَعَا بِثَوْبٍ، فَأُتِيَ فِيهِ رِيحٌ طَيِّبٌ فَرَدَّهُ»(1294)

ثُمَّ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ، وأنْكَرَهُ شَدِيدًا، وتَوَعَّدَ عَلَيْهِ، فعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ عُمَرَ وَجَدَ رِيحًا عِنْدَ الإحْرَامِ، فَتَوَعَّدَ صَاحِبَهَا. فَرَجَعَ فَألْقَى مِلْحَفَةً كَانَتْ عَلَيْهِ مُطَيَّبَةً(1295) .

ووَجَدَ رِيحَ طِيبٍ وهُوَ بالشَّجَرَةِ(1296) بِذِي الحُلَيْفَةِ وهُمْ حُجَّاجٌ! فَقَالَ: «مِمَّنْ هَذَا الطِّيبُ؟». قَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ أبِي سُفْيَانَ: مِنِّي، يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ!

فَقَالَ: «مِنْكَ لَعَمْرُ اللهِ!». فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إنَّ أمَّ حَبِيبَةَ طَيَّبَتْنِي، وزَعَمَتْ أنَّهَا طَيَّبَتْ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ إحْرَامِهِ، يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ!

قَالَ عُمَرُ: «عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتَرْجِعَنَّ فَلَتَغْسِلَنَّهُ (وفِي رِوَايَةٍ: اذْهَبْ فَأقْسِمْ عَلَيْهَا لَمَا غَسَلَتْهُ). فَوَاللهِ، لأنْ أجِدَ مِنَ المُحْرِمِ رِيحَ القَطِرَانِ؛

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أحَبُّ إلَيَّ مِنْ أنْ أجِدَ مِنْهُ رِيحَ الطِّيبِ. إنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «إنَّ الحَاجَّ الشَّعِثُ(1297) التَّفِلُ(1298)

فَرَجَعَ مُعَاوِيَةُ إلَيْهَا، حَتَّى لَحِقَهُمْ ببَعْضِ الطَّرِيقِ، فَغَسَلَتْهُ»(1299) .

وتَكَرَّرَتْ مِثْلُ هَذِهِ الحَادِثَةِ مَعَ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه(1300) ، وكَثِيرِ(1301) بْنِ الصَّلْتِ رضي الله عنه(1302) ! فَأنْكَرَ عَلَيْهِمَا بمَحْضَرِ الجَمْعِ الكَثِيرِ مِنَ النَّاسِ؛ صَحَابَةً وتَابِعِينَ.

ذَلِكَ أنَّ الشَّجَرَةَ مَوْضِعٌ يَقْرُبُ مِنَ المِيقَاتِ، فَمَنْ جَوَّزَ التَّطَيُّبَ

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لِمَنْ يُرِيدُ الإحْرَامَ؛ صَحِبَهُ رِيحُ الطِّيبِ إلَى ذَلِكَ المَكَانِ! فَكَانَ عُمَرُ لفَرْطِ تَفَقُّدِهِ لأمُورِ المُسْلِمِينَ وعَقَائِدِهِمْ، ومُرَاعَاتِهِ لَهَا، يَتَفَقَّدُ هَذَا المَعْنَى مِنْهُم فِي جَمِيعِ أسْفَارِهِ، لِعِلْمِهِ بمُخَالَفَةِ مَنْ يُخَالِفُهُ فِي ذَلِكَ، ويُوَاظِبُ عَلَى حَمْلِهِم عَلَى مَا هُوَ الأفْضَلُ عِنْدَهُ والأصْوَبُ لَهُ(1303)

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ جَازَ لِعُمَرَ أنْ يَمنَعَ مُعَاوِيَةَ مِنَ التَّعَلُّقِ بفِعْلِ أمِّ حَبِيبَةَ، والأخْذِ فِي ذَلِكَ برَأيِهَا، وهُمَا مِنْ أهْلِ العِلْمِ والاجْتِهَادِ، والمَسْألَةُ خِلافِيَّةٌ؟ ألا يُنَاقِضُ هَذَا مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُحَرِّجْ عَلَى أحَدٍ اخْتِيَارَهِ، ولا ألْزَمَهُ اتِّبَاعَهُ؟!

فَيُقَالُ: للمَسْألَةِ تَصَوُّرَانِ: سِيَاسِيٌّ تَشْرِيعِيٌّ ، وآخَرُ مَنْهَجِيٌّ احْتِيَاطِيٌّ .

أمَّا السِّيَاسِيُّ التَّشْرِيعِيُّ ، فَإنَّمَا جَازَ المَنْعُ لِعُمَرَ، انْطِلاقًا مِنْ كَوْنِهِ الإمَامَ الَّذِي يَخْتَارُ لِلنَّاسِ، فيَأخُذُهُم بِمَا يَرَاهُ صَوَابًا، فِي مَا يَظْهَرُ لَهُ مِنْ أقْوَالِهِم وأفْعَالِهِم. ويُلْزِمُهُمُ الرُّجُوعَ إلَى اجْتِهَادِهِ فِي القَضَايَا الَّتِي لَهَا تَدَاعِيَاتٌ خَطِيرَةٌ، إنْ لِجِهَةِ تَصْحِيحِ عِبَادَاتِهِم، أوْ تَنْجِيزِ مُعَامَلاتِهِم عَلَى السَّوَاءِ.

وأمَّا المَنْهَجِيُّ الاحْتِيَاطِيُّ فَكَيْلا يَغْتَرَّ بِهِ الجَاهِلُ، فَيَتَوَهَّمَ أنَّ ابْتِدَاءَ الطِّيبِ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ(1304) وهُوَ أصْلٌ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ، نَوَّهَ إلَيْهِ فِي

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قَوْلِهِ لطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ رضي الله عنه، عِنْدَمَا رَأى عَلَيْهِ ثَوْبًا مَصْبُوغًا وهُوَ مُحْرِمٌ: «مَا هَذَا الثَّوْبُ المَصْبُوغُ؟ يَا طَلْحَةُ! فَقَالَ طَلْحَةُ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّمَا هُوَ مَدَرٌ(1305)

قَالَ عُمَرُ: « إنَّكُم - أيُّهَا الرَّهْطُ- أئِمَّةٌ يَقْتَدِي بِكُمُ النَّاسُ. فَلَوْ أنَّ رَجُلاً جَاهِلاً رَأى هَذَا الثَّوْبَ، لَقَالَ: إنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ كَانَ يَلْبَسُ الثِّيَابَ المُصَبَّغَة فِي الإحْرَامِ! فَلا تَلْبَسُوا –أيُّهَا الرَّهْطُ- شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الثِّيَابِ المُصَبَّغَةِ»(1306) .

قَالَ الكَاسَانِيُّ: «فَدَلَّ إنْكَارُ عُمَرَ واعْتِذَارُ طَلْحَةَ عَلَى أنَّ المُحْرِمَ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ»(1307) .

فَالتَّمَسُّكُ بالعُمُومِ وَاضِحٌ هُنَا مِنْ مَوْقِفِ عُمَرَ، ولَعَلَّهُ لاحَظَ أنَّ مِنْ مَعَانِي الإحْرَامِ: التَّجَرُّدَ عَنْ كُلِّ زِينَةٍ ومَا يَتَّصِلُ بِهَا مِنَ التَّرَفُّهِ والخُيَلاءِ، وكَذَا الانْقِطَاعَ عَمَّا يَرْبِطُ المُحْرِمَ بدُنْيَاهُ.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَأخَذَ بالاسْتِصْحَابِ المَقْلُوبِ(1308) ، وذَلِكَ حِينَ اسْتَصْحَبَ تَحْرِيمَ الطِّيبِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِي الإحْرَامِ إلَى مَا قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهِ؛ بجَامِعِ وَحْدَةِ الأثَرِ، وهِيَ: بَقَاءُ رِيحِ الطِّيبِ فِي ثَوْبِ المُحْرِمِ أوْ بَدَنِهِ، فِي كِلْتَا الحَالَتَيْنِ(1309) .

فَإذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، والاجْتِهَادُ مُنْتَهِضٌ فِي آفَاقِ النَّصِّ، فَمَا الشَّأنُ فِي الاجْتِهَادِ ومَجَالُهُ حَيْثُ لا نَصَّ؟!

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 490 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

المَبْحَثُ الثَّانِي: مَجَالُ الاجْتِهَادِ فِي مَا لا نَصَّ فِيهِ

هَذَا المَنْزِعُ فِي الاجْتِهَادِ فَرْعٌ عَنِ الاجْتِهَادِ فِي إطَارِ النُّصُوصِ واسْتِثْمَارِهَا، آخِذٌ فِي ضُرُوبِ الكَشْفِ عَنِ الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، حِينَ لا يَنْتَهِضُ للفَارُوقِ نَصٌّ فِي المَسْألَةِ، فيَلْجَأُ حِيَالَ ذَلِكَ إلَى الاجْتِهَادِ بالرَّأيِ، مُتَّبِعًا مَنْهَجًا أصُولِيًّا، يَطْرُقُ خِلالَهُ بَابَ القِيَاسِ فِي مَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَى حُكْمِهِ، بُغْيَةَ تَعْدِيَتِهِ إلَى فَرْعٍ مُسَاوٍ.

وإنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لاذَ بجُمْلَةٍ مُتَضَافِرَةٍ مِنَ البَدَائِلِ البَيَانِيَّةِ، عَنْ طَرِيقِ تَتَبُّعِ وُجُوهِ المَصَالِحِ، أوْ بِمَا تَعَارَفَهُ النَّاسُ فِي مَعَاشِهِم. ورُبَّمَا عَدَلَ إلَى تَحْكِيمِ قَوَاعِدِ الاسْتِثْنَاءِ اسْتِحْسَانًا، أوْ سَدًّا للذَّرَائِعِ.

لذَلِكَ، جَاءَ هَذَا المَبْحَثُ مُتَضَمِّنًا هَذِهِ الآلِيَّةَ فِي ثَلاثَةِ مَطَالِبَ، هِيَ:

المَطْلَبُ الأوَّلُ: الإلْحَاقُ عَنْ طَرِيقِ المَعَانِي القِيَاسِيَّةِ.

المَطْلَبُ الثَّانِي: الإلْحَاقُ عَنْ طَرِيقِ البَدَائِلِ البَيَانِيَّةِ.

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: الإلْحَاقُ عَنْ طَرِيقِ قَوَاعِدِ الاجْتِهَادِ الاسْتِثْنَائِيِّ.

المَطْلَبُ الأوَّلُ: الإلْحَاقُ عَنْ طَرِيقِ المَعَانِي القِيَاسِيَّةِ

أدْرَكَ عُمَرُ بفِطْرَتِهِ، ثُمَّ بمُدَارَسَتِهِ للنَّصِّ القُرْآنِيِّ، ومُعَايَشَتِهِ للهَدْيِ النَّبَوِيِّ، أنَّ الأشْبَاهَ تُحْمَلُ عَلَى بَعْضٍ، وأنَّ الأحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ مُعَلَّلَةٌ. فَلَمَّا ثَبَتَ لَدَيْهِ ذَلِكَ حَلَّقَ فِي أجْوَاءِ القِيَاسِ، وسَارَ فِي ضَوْئِهِ، وعَمِلَ بمُقْتَضَاهُ.

وبالاسْتِقْرَاءِ يَتَبَيَّنُ أنَّ اجْتِهَادَهُ لا يَخْرُجُ عَنْ ثَلاثَةِ أنْوَاعِ(1310) :

النَّوْعُ الأوَّلُ: إثْبَاتُ الاشْتِرَاكِ فِي المَعْنَى بنَفْيِ الفَارِقِ المُؤَثِّرِ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ:

يَرْجِعُ هَذَا النَّوْعُ إلَى تَحَقُّقِ الوَصْفِ فِي الفَرْعِ تَحَقُّقَهُ فِي الأصْلِ. فَوُجُودُ العِلَّةِ بَيْنَهُمَا كَفِيلٌ فِي تَنْبِيهِ المُتَلَقِّي إلَى المُسَاوَاةِ فِي الحُكْمِ، دُونَ الحَاجَةِ إلَى التَّصْرِيحِ بِهَا نَافِلَةً(1311) .

مِنْ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

شَوَاهِدِهِ:

تَقْدِيمُ أبِي بَكْرٍ فِي الخِلافَةِ:

«أمْرُ الخِلافَةِ مِنْ أهَمِّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أحْكَامُ الشَّرْعِ»(1312) .

كَانَ لِعُمَرَ الفَضْلُ الأكْبَرُ فِي إخْمَادِ نَارِ الفِتْنَةِ، وإزَالَةِ أسْبَابِ النِّزَاعِ والشِّقَاقِ، الَّتِي كَادَتْ تَعْصِفُ بالمُجْتَمَعِ المَدَنِيِّ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم. ذَلِكَ أنَّ الصَّحَابَةَ انْقَسَمُوا عَلَى أنْفُسِهِم فِيمَنْ لَهُ الحَقُّ أنْ يَخْلُفَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ويَلِيَ أمْرَهُم! فقَالَتِ الأنْصَارُ للمُهَاجِرِينَ: مِنَّا أمِيرٌ ومِنْكُمْ أمِيرٌ!

فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ، فَأتَاهُم، وبيَّنَ لَهُم أنَّهُ لا يُمكِنُ أنْ يَكُونَ للمُسلِمينَ خَلِيفَتَانِ، لأنَّهُ سَبِيلٌ إلَى الفُرْقَةِ والخِلافِ، وقَالَ: «سَيْفَانِ فِي غِمْدٍ وَاحِدٍ لا يَصْطَلِحَانِ»(1313) .

ثُمَّ ذَكَّرَهُم بفَضْلِ أبِي بَكْرٍ، واسْتَدَلَّ بإمَامَتِهِ فِي الصَّلاةِ – أثْنَاءَ مَرَضِهِ صلى الله عليه وسلم- عَلَى أحَقِّيَّتِهِ فِي الخِلافَةِ وأوْلَوِيَّتِهِ بِهَا، عَن طَرِيقِ القِيَاسِ، فقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، ألَسْتُم تَعلَمُونَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أمَرَ أبَا بَكْرٍ أنْ يُصَلِّيَ بالنَّاسِ؟ قَالَ: «مُرُوا أبَا بَكْرٍ أنْ يُصَلِّيَ بالنَّاسِ»؟ قَالُوا: نَعَمْ.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قَالَ: «فأيُّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أنْ يتَقدَّمَ أبَا بَكْرٍ؟! فقَالُوا: نَعُوذُ باللهِ أنْ نَتقَدَّمَ أبَا بَكْرٍ»(1314) .

ثُمَّ قَالَ: «وإنَّ أبَا بَكْرٍ رحمه الله صَاحِبَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ثَانِي اثْنَينِ، فإنَّهُ أوْلَى المُسْلِمينَ بأمُورِكُم، فقُومُوا فبَايِعُوهُ»(1315) .

وَجْهُ الدَّلالَةِ: أنَّ فِي استِخْلافِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أبَا بَكْرٍ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ عَلَى الصَّلاةِ، إشَارَةً ظَاهِرَةً عَلَى تَوَلِّيهِ مَنْصِبَ الإمَامَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، بتَوجِيهٍ مِنْهُ صلى الله عليه وسلم. ذَلِكَ أنَّ الصَّلاةَ عِمَادُ الدِّينِ، وكَانَتْ إلَى النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم فِي حَيَاتِهِ، ولا يَجُوزُ أنْ يتَقَدَّمَ إلَيْهَا أحَدٌ بحَضْرَتِهِ صلى الله عليه وسلم. فلَمَّا مَرِضَ اسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا أبَا بَكْرٍ والصَّحَابَةُ مُتَوَافِرُونَ؛ فدَلَّ عَلَى فَضْلِ أبِي بَكْرٍ، وأنَّهُ أحَقُّ بالخِلافَةِ بَعْدُ.

فقَاسَ لَهُمْ عُمَرُ الإمَامَةَ العُظْمَى، وهِيَ: الخِلافَةُ، عَلَى الإمَامَةِ الصُّغْرَى، وهِيَ: الصَّلاةُ؛ بجَامِعِ الصَلاحِيَّةِ فِي كُلٍّ(1316) فَاتَّفَقُوا عَلَى

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رَأيِهِ، لعِلْمِهِم بانْتِفَاءِ الفَارِقِ المُؤَثِّرِ بَيْنَ الأصْلِ الَّذِي هُوَ هُنَا: (إمَامَةُ الصَّلاةِ)، وبَيْنَ الفَرْعِ الَّذِي هُوَ: (الخِلافَةُ).

يُؤَكِّدُهُ قَوْلُ عَلِيٍّ رضي الله عنه: «إنَّ نَبيَّكُم صلى الله عليه وسلم نَبِيُّ الرَّحْمَةِ لَمْ يُقْتَلْ قَتْلاً، ولَمْ يَمُتْ فَجْأةً. مَرِضَ لَيَالِيَ وأيَّامًا، يَأتِيهِ بِلالٌ فيُؤَذِّنُهُ بالصَّلاةِ، وهُوَ يَرَى مَكَانِيَ، فيَقُولُ: ائْتِ أبَا بَكْرٍ فليُصَلِّ بالنَّاسِ. فلمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَظَرْتُ فِي أمْرِي، فإذَا الصَّلاةُ عَلَمُ الإسْلامِ وقِوَامُ الدِّينِ، فَرَضِينَا لدُنْيَانَا مَنْ رَضِيَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لدِينِنَا ، فبَايَعْنَا أبَا بَكْرٍ»(1317) .

تَخْلِيلُ الخَمْرِ وبَيْعُهَا:

قِيلَ لعُمَرَ: إنَّ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدَبٍ قَدْ أخَذَ الخَمْرَ مِنْ تُجَّارِ اليَهُودِ فِي العُشُورِ، وخَلَّلَهَا وبَاعَهَا! قَالَ: «قَاتَلَ اللهُ سَمُرَةَ! أمَا عَلِمَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ؛ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فجَمَلُوهَا، وبَاعُوهَا، وأكَلُوا أثْمَانَهَا؟!(1318) ».

وَجْهُ الدَّلالَةِ: أنَّ عُمَرَ لَمْ يَذْكُرْ – فِي هَذِهِ الحَادِثَةِ- مَا يُفِيدُ الاشْتِرَاكَ الحُكْمِيَّ بَيْنَ بَيْعِ الخَمْرِ وأخْذِ ثَمَنِهَا، وبَيْنَ بَيْعِ الشُّحُومِ وأكْلِ ثَمَنِهَا. مَعَ جَرَيَانِ العَادَةِ لَدَى النَّاسِ أنْ يَذْكُرُوا الرَّابِطَ بَيْنَ أمْرَيْنِ، يُرَادُ إثْبَاتُ العَلاقَةِ بَيْنَهُمَا.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَتَرَاهُ قَدِ احْتَجَّ عَلَى حُرْمَةِ مَا صَنَعَ سَمُرَةُ بنَصٍّ وَرَدَ فِي مَسْألَةٍ أخْرَى، دُونَ أنْ يَنْظِمَ حُكْمَهُ فِي مُقَدِّمَاتٍ، ليُرَتِّبَ عَلَيْهَا النَّتِيجَةَ اللاَّزِمَةَ.

وأنْتَ خَبِيرٌ، أنَّهُ لَمْ يَعْمَدْ ذَلِكَ، إلاَّ لإدْرَاكِهِ أنَّ قِرَانَ الفَرْعِ بِالأصْلِ كَافٍ فِي إلْغَاءِ الفَارِقِ بَيْنَهُمَا(1319) ، وبَاعِثٌ عَلَى التَّسْلِيمِ بوِحْدَةِ المَعْنَى بَيْنَ أثَرَيْهِمَا(1320) .

وحَيْثُ إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَكَمَ بتَحْرِيمِ ثَمَنِ الشُّحُومِ باعْتِبَارِ تَحْرِيمِ أكْلِهَا(1321) ، فحَكَمَ عُمَرُ بتَحْرِيمِ بَيْعِ الخَمْرِ باعْتِبَارِ تَحْرِيمِ شُرْبِهَا(1322) .

قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: «وهَذَا مَحْضُ قِيَاسٍ مِنْ عُمَرَ؛ فَإنَّ تَحْرِيمَ الشُّحُومِ عَلَى اليَهُودِ كَتَحْرِيمِ الخَمْرِ عَلَى المُسْلِمِينَ. وكَمَا يَحْرُمُ ثَمَنُ الشُّحُومِ المُحَرَّمَةِ، فَكَذَلِكَ يَحْرُمُ ثَمَنُ الخَمْرِ الحَرَامِ»(1323) .

هَذَا، ومِنْ كَمَالِ البَحْثِ الإشَارَةُ إلَى أنَّ مِمَّا يُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ – فَضْلاً عَنْ دَلالَتِهِ عَلَى القِيَاسِ-: إبْطَالُ الحِيَلِ والوَسَائِلِ المُفْضِيَةِ إلَى المُحَرَّمِ.

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
النَّوعُ الثَّانِي: إثْبَاتُ المُسَاوَاةِ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ:

يَتَأتَّى هَذَا النَّوْعُ مِنْ جَرَّاءِ إثْبَاتِ المُسَاوَاةِ بَيْنَ الأصْلِ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ والفَرْعِ الحَادِثِ، لِمَعْنًى جَامِعٍ، يَلْحَظُ عُمَرُ مِنْ خِلالِهِ تَحْقِيقَ العَدْلِ، وتَقْدِيمَهُ عَلَى جَانِبِ النُّصُوصِ العَامَّةِ، لِوَجَاهَةِ القِيَاسِ كَوْنِهِ أجْرَى عَلَى َسَنَنَ التَّشْرِيعِ.

مِنْ شَوَاهِدِهِ:

اسْتِحْدَاثُ العَوْلِ فِي الفَرَائِضِ:

العَوْلُ يتَضَمَّنُ مَعْنَى الارْتِفَاعِ والنَّقْصِ، فهُوَ: الزِّيَادَةُ فِي سِهَامِ ذَوِي الفُرُوضِ، والنَّقْصُ فِي أنْصِبَتِهِم مِنَ الإرْثِ، حِينَ تَزِيدُ سِهَامُ المَسْألَةِ عَنْ أصْلِهَا زِيَادَةً، يتَرَتَّبُ عَلَيْهَا نَقْصُ أنْصِبَاءِ الوَرَثَةِ(1324) .

عُرِضَتْ عَلَى عُمَرَ مَسْألَةٌ: زَوْجٌ، وأخَوَاتٌ شَقِيقَاتٌ، وأمٌّ.

فَتَرَدَّدَ فِيمَا يَفْعَلُ، والْتَوَى عَلَيْهِ المَخْرَجُ! فَقَالَ: «وَاللهِ، مَا أدْرِي كَيْفَ أصْنَعُ بِكُم، واللهِ، مَا أدْرِي أيُّكُم قَدَّمَ اللهُ ولا أيُّكُم أخَّرَ».

ولَمْ يَشَأْ أنْ يَقْطَعَ بِرَأيٍ، فَدَعَا الصَّحَابَةَ يَسْتَشِيرُهُم، بدَاعِي أنَّهُ إنْ بَدَأَ بالزَّوْجِ فَأعْطَاهُ حَقَّهُ كَامِلاً؛ لَمْ يَبْقَ للأخْتَيْنِ حَقَّهُمَا! وإنْ بَدَأَ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بالأخْتَيْنِ فَأعْطَاهُمَا حَقَّهُمَا كَامِلاً؛ لَمْ يَبْقَ للزَّوْجِ حَقَّهُ!

ثُمَّ انْحَسَمَ الخِلافُ حِينَ أشَارَ عَلَيْهِ بَعْضُهُم(1325) بالعَوْلِ، قِيَاسًا عَلَى مُحَاصَّةِ الدَّائِنِينَ فِي مَالِ المَدِينِ، إذَا تَقَاعَدَ مَا عِنْدَهُ مِنَ المَالِ عَنْ بَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ. كَمَا لَوْ مَاتَ رَجُلٌ وتَرَكَ سِتَّةَ دَرَاهِمَ، ولرَجُلٍ عَلَيْهِ ثَلاثَةٌ وللآخَرِ أرْبَعَةٌ، ألَيْسَ يَجْعَلُ المَالَ سَبْعَةَ أجْزَاءٍ؟

عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ(1326) قَالَ: دَخَلْتُ أنَا وزُفَرُ بْنُ أوْسِ بْنِ الحَدَثَانِ(1327) عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَمَا ذَهَبَ بَصَرُهُ-

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَتَذَاكَرْنَا فَرَائِضَ المِيرَاثِ. فَقَالَ: «تَرَوْنَ الَّذِي أحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ(1328) عَدَدًا، لَمْ يُحْصِ فِي مَالٍ نِصْفًا وَنِصْفًا وثُلُثًا! إذَا ذَهَبَ نِصْفٌ وَنِصْفٌ، فَأيْنَ مَوْضِعُ الثُّلُثِ؟».

فَقَالَ لَهُ زُفَرُ: يَا أبَا عَبَّاسٍ، مَنْ أوَّلُ مَنْ أعَالَ الفَرَائِضَ؟ قَالَ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ. قَالَ: ولِمَ؟ قَالَ: لَمَّا تَدَافَعَتْ عَلَيْهِ، ورَكِبَ بَعْضُهَا بَعْضًا! وكَانَ امْرَأً وَرِعًا. فَقَالَ: «واللهِ، مَا أدْرِي أيُّكُمْ قَدَّمَ اللهُ ولا أيُّكُمْ أخَّرَ! فَمَا أجِدُ شَيْئًا هُوَ أوْسَعُ مِنْ أنْ أقْسِمَ بَيْنَكُم هَذَا المَالَ بالحِصَصِ».

فَأدْخَلَ عَلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ العَوْلِ»(1329) .

هَذَا مَا يَتَمَاشَى مَعَ مَا كَانَ عَلَيْهِ عُمَرُ، مِنِ اقْتِفَاءِ أثَرِ العَدْلِ لا يَحِيدُ عَنْهُ البتَّةَ. قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: «وهَذَا مَحْضُ العَدْلِ. عَلَى أنَّ تَخْصِيصَ بَعْضِ المُسْتَحِقِّينَ بالحِرْمَانِ، وتَوْفِيَةَ بَعْضِهِم بأخْذِ نَصِيبِهِ،

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لَيْسَ مِنَ العَدْلِ»(1330)

فَصَارَتِ المَسْألَةُ عَلَى الشَّكْلِ الآتِي:

8 6

2/1 زوج 3

6/1 أم 1

3/2 شقيقة ع3 4

8

تَكُونُ المَسْألَةُ مِنْ (6)، وهُوَ المَخْرَجُ المُشْتَرَكُ ل 2/1 و6/1 و3/1. للزَّوْجِ مِنْهَا: النِّصْفُ (3). وللأمِّ: السُّدُسُ (1). وتَشْتَرِكُ الأخَوَاتُ الشَّقِيقَاتُ فِي الثُّلُثَيْنِ (4). فنَجْعَلُ حَاصِلَ مَجْمُوعِ السِّهَامِ: 3 + 1 + 4 = (8) الأصْلَ الجَدِيدَ للمَسْألَةِ بَعْدَ (العَوْلِ). أيْ: إنَّ أصْلَ المَسْألَةِ يَتَغَيَّرُ مِنْ (6) إلَى (8).

مِمَّا يَعْنِي: أنَّ نَصِيبَ الزَّوْجِ بَعْدَ أنْ كَانَ 6/3 أصْبَحَ 8/3. ونَصِيبَ الأمِّ بَعْدَ أنْ كَانَ 6/1 أصْبَحَ 8/1. ونَصِيبَ الشَّقِيقَاتِ بَعْدَ أنْ كَانَ 6/4 أصْبَحَ 8/4. ومَعْلُومٌ أنَّ 8/3 أقَلُّ مِنْ 6/3، و8/1 أقَلُّ مِنْ 6/1، و8/4 أقَلُّ مِنْ 6/4، انْطِلاقًا مِنْ كَوْنِ المَخْرَجِ إذَا كَبُرَ يُنْقِصُ القِيمَةَ.

وعَلَى هَذَا فَإنَّ زِيَادَةَ السِّهَامِ فِي العَوْلِ تُؤَدِّي إلَى نَقْصٍ فِي نَصِيبِ الوَرَثَةِ. ويَكُونُ هَذَا النَّقْصُ مُتَنَاسِبًا مَعَ قِيمَةِ الفُرُوضِ، بمَعْنَى أنَّ النَّقْصَ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَى النِّصْفِ –مَثَلاً- يَكُونُ ضِعْفَ النَّقْصِ الَّذِي يَطْرَأُ عَلَى الرُّبْعِ، وهَكَذَا.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَالَّذِي حَصَلَ أنَّ عُمَرَ أدْخَلَ النَّقْصَ عَلَى ذَوِي الفُرُوضِ جَمِيعِهِم، قِيَاسًا عَلَى إدْخَالِ النَّقْصِ عَلَى الغُرَمَاءِ إذَا قَصُرَ مَالُ المُفْلِسِ عَنِ الوَفَاءِ، اسْتِنَادًا إلَى قَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «خُذُوا مَا وَجَدْتُم، ولَيْسَ لَكُم إلاَّ ذَلِكَ»(1331) . واللهُ تَعَالَى حِينَ سَمَّى فَرَائِضَ مُحَدَّدَةً لأصْحَابِهَا لَمْ يُفَضِّلْ صَاحِبَ فَرْضٍ عَلَى آخَرَ؛ فوَجَبَ مُعَامَلَتُهُم سَوَاءً. وهَذَا لا يَسْتَقِيمُ إلاَّ إذَا أنْقَصَ حُصَصَ الجَمِيعِ بنِسْبَةِ فُرُوضِهِم(1332) .

المَنْعُ مِنْ إقَامَةِ الحُدُودِ فِي الغَزْوِ:

ألْحَقَ عُمَرُ عَدَمَ إقَامَةِ الحُدُودِ فِي الغَزْوِ بالمَنْعِ مِنْ حَدِّ السَّرِقَةِ، الوَارِدِ فِي قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «لا تُقْطَعُ الأيْدِي فِي السَّفَرِ، أوْ فِي الغَزْوِ»(1333)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأخَّرَ إقَامَتَهَا حَتَّى يَزُولَ المَانِعُ، وكَتَبَ إلَى وُلاتِهِ: «أنْ لا يَجْلِدَنَّ أمِيرُ جَيْشٍ ولا سَرِيَّةٍ رَجُلاً مِنَ المُسْلِمِينَ حَدًّا وهُوَ غَازٍ، حَتَّى يَقْطَعَ الدَّرْبَ قَافِلاً، لِئَلاَّ تَحْمِلَهُ حَمِيَّةُ الشَّيْطَانِ، فَيَلْحَقَ بالكُفَّارِ»(1334)

وعَلَيْهِ انْعَقَدَ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ(1335) ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ (ت279هـ) عَقِبَ إخْرَاجِ الحَدِيثِ: «والعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أهْلِ العِلْمِ... لا يَرَوْنَ أنْ يُقَامَ الحَدُّ فِي الغَزْوِ بِحَضْرَةِ العَدُوِّ، مَخَافَةَ أنْ يَلْحَقَ مَنْ يُقَامُ عَلَيْهِ الحَدُّ بِالعَدُوِّ. فَإذَا خَرَجَ الإمَامُ مِنْ أرْضِ الحَرْبِ ورَجَعَ إلَى دَارِ الإسْلامِ أقَامَ الحَدَّ عَلَى مَنْ أصَابَهُ»(1336) .

فَالأصْلُ يَقْتَضِي إجْرَاءَ العُمُومِ الوَارِدِ فِي المَسْألَةِ، وهُوَ إقَامَةُ الحَدِّ عَلَى الجَانِي مَتَى ثَبَتَتِ البَيِّنَةُ عَلَيْهِ. وإنَّمَا عَدَلَ عُمَرُ عَنْ هَذَا الأصْلِ لِمَا رَأى أنَّ فِي التَّمسُّكِ بالعُمُومِ ذَرِيعَةً إلَى فَسَادٍ خَطِيرٍ، جَاءَ التَّشْرِيعُ الجِنَائِيُّ لدَرْئِهِ. واسْتَرْوَحَ لذَلِكَ لتَيَقُّنِهِ أنَّ اللُّجُوءَ إلَى القِيَاسِ أسَدُّ وأدْفَعُ للمَفْسَدَةِ المُحَقَّقَةِ مِنْ تَحْكِيمِ العُمُومِ، فِي هَذَا الظَّرْفِ الطَّارِئِ.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مِنْ جِهَةٍ أخْرَى، نَتَلَمَّسُ فِي هَذَا اللَّوْنِ مِنَ الاجْتِهَادِ التَّطْبِيقِيِّ، وَجْهًا اسْتِثْنَائِيًّا، لجِهَةِ تَأجِيلِ تَنْفِيذِ الحُكْمِ عَنْ وَقْتِهِ الأصْلِيِّ، لوُجُودِ عَارِضٍ مُعْتَبَرٍ(1337) . قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: «أكْثَرُ مَا فِيهِ تَأخِيرُ الحَدِّ لمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ؛ إمَّا مِنْ حَاجَةِ المُسْلِمِينَ إلَيْهِ، أوْ مِنْ خَوْفِ ارْتِدَادِهِ ولُحُوقِهِ بالكُفَّارِ. وتَأخِيرُ الحَدِّ لِعَارِضٍ أمْرٌ وَرَدَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ...»(1338) .

النَّوْعُ الثَّالِثُ: إلْحَاقُ فَرْعٍ لَهُ أصُولٌ مُخْتَلِفَةٌ بأقْرَبِهَا شَبَهًا بِهِ(1339) :

تَجَلَّتْ فِي هَذِهِ المَنْظُومَةِ عَبْقَرِيَّةُ عُمَرَ أكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا، وبَرَزَ تَقَدُّمُهُ فِي فَهْمِ رُوحِ الشَّرِيعَةِ وأبْعَادِهَا المَقَاصِدِيَّةِ، لتَوَقُّفِ تَقْدِيرِ قُوَّةِ قُرْبِ الشَّبَهِ وبُعْدِهِ عَلَى الإحَاطَةِ بمَقَاصِدِ التَّشْرِيعِ، وإدْرَاكِ المَعَانِي الَّتِي تَقُومُ عَلَيْهَا مَبَانِي العَدْلِ ومَنَاشِئُ المَصَالِحِ.

فَاتَّجَهَ نَظَرُهُ إلَى أكْثَرِ الأوْصَافِ صَلاحًا، وأوْعَاهَا لمَعَانِي النَّفْعِ الآكِدِ، وأقْوَاهَا فِي حَسْمِ المَفَاسِدِ ودَرْئِهَا عِنْدَ إجْرَاءِ الأحْكَامِ، فألْحَقَ الفَرْعَ بِهَا.

مِنْ شَوِاهِدِ هَذَا

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

النَّوْعِ:

طَرْحُ الحَامِلِ جَنِينَهَا فَزَعًا مِنَ السُّلْطَانِ:

بَلَغَ عُمَرَ أنَّ امْرَأةً مُغِيبَةً(1340) يَدْخُلُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ. فَبَعَثَ إلَيْهَا رَسُولاً، فَأتَاهَا الرَّسُولُ، فَقَالَ: أجِيبِي أمِيرَ المُؤْمِنِينَ.

فقالت: يَا وَيْلَها! مَا لها ولعمرَ؟ ففَزِعَتْ فَزْعةً، وَقعَتِ الفَزعةُ في رَحِمِها، فتَحرَّك وَلدُها. فخَرَجَتْ، فأخَذَها المَخاضُ، فدَخلَت دَارًا، فألقَت غُلامًا جَنِينًا، فصَاحَ الصَّبيُّ صَيحتَينِ ثمَّ مَاتَ.

فَأتَى عُمَرَ بذَلِكَ(1341) ، فَأرْسَلَ إلَى المُهَاجِرِينَ، فَقَصَّ عَلَيْهِم أمْرَهَا. فَقَالَ: «مَا تَرَوْنَ؟». فَقَالُوا: مَا نَرَى عَلَيْكَ شَيْئًا، يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّمَا أنْتَ مُعَلِّمٌ ومُؤَدِّبٌ، وفِي القَوْمِ عَلِيٌّ، وعَلِيٌّ سَاكِتٌ(1342) .

قَالَ: «فَمَا تَقُولُ أنْتَ؟ يَا أبَا الْحَسَنِ». قَالَ: أقُولُ: إنْ كَانُوا قَارَبُوكَ فِي الهَوَى؛ فَقَدْ أثِمُوا. وإنْ كَانَ هَذَا جَهْدَ رَأيِهِم، فَقَدْ أخْطَأُوا.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأرَى عَلَيْكَ الدِّيَةَ، يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ. فَإنَّكَ أنْتَ أفْزَعْتَهَا، وألْقَتْ وَلَدَهَا فِي سَبَبِكَ.

قَالَ: «صَدَقْتَ. اذْهَبْ فَاقْسِمْهَا عَلَى قَوْمِكَ(1343) (وفِي رِوَايَةٍ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ أنْ لا تَبْرَحَ حَتَّى تَضْرِبَهَا عَلَى بَنِي عَدِيٍّ)»(1344) .

المُلاحَظُ أنَّ المَسْألَةَ تَنَازَعَهَا أصْلانِ اثْنَانِ(1345) ؛ فتَرَدَّدَ عُمَرُ: أيُلْحِقُهَا بأصْلِ التَّأدِيبِ؟ وهُوَ قِيَاسٌ جَلِيٌّ. أوْ بقَتْلِ الخَطَأ؟ وهُوَ قِيَاسٌ خَفِيٌّ. فَلَمَّا اسْتَشَارَ الصَّحَابَةَ؛ تَعَدَّدَتْ أنْظَارُهُم:

أمَّا عُثْمَانُ وعَبْدُ الرَّحْمَنِ رضي الله عنهما، فَقَاسَاهَا عَلَى مُؤَدِّبِ امْرَأتِهِ، وغُلامِهِ، ووَلَدِهِ. وبالتَّالِي فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وقَاسَهَا عَلِيٌّ رضي الله عنه عَلَى قَاتِلِ الخَطَأ، وبالتَّالِي يَتَحَمَّلُ الدِّيَةَ.

فَغلَّبَ عُمَرُ شَبَهَ وَاقِعَتِهِ بقَتْلِ الخَطَأ الَّذِي أشَارَ بِهِ عَلِيٌّ. مُرَجِّحًا القِيَاسَ الخَفِيَّ عَلَى الجَلِيِّ مِنْهُ بِمَا انْقَدَحَ فِي ذِهْنِهِ مِنْ كَوْنِهِ الأَوْلَى(1346) . ونَزَلَ عَلَى رَأيِ عَلِيٍّ، ولَمْ يَجِدْ غَضَاضَةً فِي العَمَلِ باجْتِهَادِهِ وهُوَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ، عِلْمًا أنَّهُ كَانَ فِي رَأيِ غَيْرِهِ لَهُ مَنْجَاةٌ(1347) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يُلْحَظُ فِي هَذِهِ الوَاقِعَةِ الفَزَعُ إلَى الاجْتِهَادِ الجَمَاعِيِّ، وحِرْصُ عُمَرَ عَلَى صِيَانَةِ النَّفْسِ أنْ تُزْهَقَ والدِّمَاءِ أنْ تُهْدَرَ، والأدَبُ الجَمُّ بَيْنَ الخَلِيفَةِ وعَلِيٍّ.

تَحْدِيدُ دِيَةِ العَبْدِ:

فِيِ دِيَةِ قَتْلِ العَبْدِ وَجْهَانِ اثْنَانِ. ولكُلِّ وَجْهٍ نَصِيبٌ مِنَ النَّظَرِ الاجْتِهَادِيِّ: أهِيَ القِيمَةُ؟ أوِ الدِّيَةُ(1348) ؟

فَالَّذِينَ غَلَّبُوا عَلَى العَبْدِ جَانِبَ الآدَمِيَّةِ، جَعَلُوا العُدْوَانَ عَلَيْهِ «جِنَايَةً عَلَى نَفْسٍ آدَمِيَّةٍ مُحْتَرَمَةٍ»، فرَتَّبُوا عَلَيْهِ الدِّيَةَ، وهِيَ أصْلٌ ثَابِتٌ بالنَّصِّ.

والَّذِينَ رَأَوْا أنَّ مَعْنَى المَالِيَّةِ فِيهِ أقْوَى؛ صَارُوا إلَى إلْحَاقِهِ بالأمْوَالِ والمَتَاعِ. ورَتَّبُوا عَلَى الجِنَايَةِ عَلَيْهِ دَفْعَ القِيمَةِ لا الدِّيَةِ؛ كَمَا هِيَ القَاعِدَةُ فِي ضَمَانِ المُتْلَفَاتِ إذَا تَعَذَّرَتِ المِثْلِيَّةُ.

قَالَ عُمَرُ: «وعَقْلُ العَبْدِ فِي ثَمَنِهِ، كَعَقْلِ (وفِي رِوَايَةٍ: كجِرَاحِ) الحُرِّ فِي دِيَتِهِ»(1349) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المَطْلَبُ الثَّانِي: الإلْحَاقُ عَنْ طَرِيقِ البَدَائِلِ البَيَانِيَّةِ

إذَا طَلَبَ عُمَرُ الحُكْمَ مِنَ النَّصِّ فتَعَذَّرَ، وقَعَدَ القِيَاسُ عَنْ مُوَافَاةِ الوَاقِعَةِ، لَجَأ إلَى تَحْكِيمِ مُقَرَّرَاتِ العُقُولِ الَّتِي شَهِدَ لَهَا القُرْآنُ والسُّنَّةُ بالقَبُولِ. فَأجْرَى تَقْرِيرَ كَثِيرٍ مِنَ الأحْكَامِ وَفْقَ مُقْتَضَيَاتِهَا؛ كَالاسْتِصْلاحِ، والعُرْفِ، والاحْتِيَاطِ.

فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أنْوَاعٍ، وهَاكَ التَّفْصِيلَ:

النَّوْعُ الأوَّلُ: الاسْتِصْلاحُ:

الاسْتِصْلاحُ: اسْتِنْبَاطُ الحُكْمِ فِي وَاقِعَةٍ لا نَصَّ فِيهَا ولا إجْمَاعَ، بِنَاءً عَلَى مَصْلَحَةٍ لا دَلِيلَ مِنَ الشَّارِعِ عَلَى اعْتِبَارِهَا ولا عَلَى إلْغَائِهَا(1350) . وهُوَ مَبْدَأٌ عَظِيمٌ فِي الشَّرِيعَةِ لا يُنْكِرُهُ مُنْكِرٌ. وعَلَيْهِ عَوَّلَ الصَّحَابَةُ بَعْدَ أنِ اسْتَأثَرَ اللهُ برَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم، وتَابَعَهُم عَلَيْهِ التَّابِعُونَ. ولا يَزَالُ العُلَمَاءُ والمُجْتَهِدُونَ يَقْتَفُونَ أثَرَ المَصْلَحَةِ فِي اسْتِصْدَارِ الأحْكَامِ إلَى زَمَانِنَا هَذَا.

مِنْ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

شَوَاهِدِهِ:

الإشَارَةُ بجَمْعِ المَصَاحِفِ:

حَصَلَتْ فِي خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ مَوقِعَةُ اليَمَامَةِ أوَاخِرَ السَّنَةِ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ وأوَّلَ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ للهِجْرَةِ، قَاتَلَ فِيهَا المُسْلِمُونَ المُرْتَدِّينَ بقِيَادَةِ خَالدِ بْنِ الوَلِيدِ رضي الله عنه. قُتِلَ فِيهَا مِنَ المُسْلِمينَ سِتُّ مِئَةٍ، وقِيلَ: سَبْعُ مِئَةٍ، بَينَهُم عَدَدٌ كَبِيرٌ مِنْ قُرَّاءِ القُرْآنِ رضي الله عنهم(1351) !

وحيثُ إنَّ القُرْآنَ الَّذي كُتِبَ لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعًا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، بَلْ كَانَ مُتَفَرِّقًا، ولَمْ يَعْهَدِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم إلَى أصْحَابِهِ بجَمْعِهِ، خَشِيَ عُمَرُ مِنِ اسْتِمرَارِ مَقْتَلِ القُرَّاءِ واستِشْهَادِهِمْ فِي حُرُوبِ الرِّدَّةِ، فيُفْضِي ذَلِكَ إلَى ضَيَاعِ القُرْآنِ! فأشَارَ عُمَرُ عَلَى الخَلِيفَةِ أبِي بَكْرٍ بجَمْعِ القُرْآنِ. ومَا بَرِحَ يُجَادِلُهُ حتَّى شَرَحَ اللهُ صَدْرَ الصِّدِّيقِ لِذَلِكَ، فأمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ بجَمْعِهِ(1352) .

إذًا، لَمَّا طَرَأ خَوْفُ الضَّيَاعِ عَلَى القُرْآنِ؛ بتَوَقُّعِ مَوْتِ حُفَّاظِهِ، وتَوَجُّسِ الأصْحَابِ مِنْ تَسَرُّبِ غَيْرِ القُرْآنِ إلَيْهِ... انْدَفَعُوا إلَى مُبَادَرَةِ الامْتِثَالِ لرَأيِ عُمَرَ فِي مَا أشَارَ عَلَى أبِي بَكْرٍ.

والقَصْدُ مِنْهُ: الحِفَاظُ عَلَى كِتَابِ اللهِ تَعَالَى، وتَالِيًا المُحَافَظَةُ عَلَى

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وَحْدَةِ كَلِمَةِ الأمَّةِ، مِنَ التَّفَرُّقِ والتَّشرذُمِ، والإبْقَاءُ عَلَى اسْتِمْرَارِيَّةِ اللِّسَانِ العَرَبِيِّ أبَدًا.

قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: «أعْظَمُ النَّاسِ فِي المُصْحَفِ أجْرًا: أبُو بَكْرٍ، رَحْمَةُ اللهِ عَلَى أبِي بَكْرٍ، وهُوَ أوَّلُ مَن جَمَعَ كِتَابَ اللهِ بَيْنَ اللَّوحَينِ»(1353) .

جَمْعُ النَّاسِ عَلَى التَّرَاوِيحِ:

خَرَجَ عُمَرُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إلَى بَيْتِ اللهِ، فَإذَا النَّاسُ أوْزَاعٌ وفُرَادَى؛ يُصَلِّي الرَّجُلُ لنَفْسِهِ، ويُصَلِّي الرَّجُلُ فيُصَلِّي بصَلاتِهِ الرَّهْطُ! فَقَالَ: «واللهِ، إنِّي لأرَانِي لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أمْثَلَ ». فجَمَعَهُم عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وجَعَلَ للنَّاسِ بالمَدِينَةِ قَارِئَينِ: قَارِئًا يُصَلِّي بالرِّجَالِ، وآخَرَ يُصَلِّي بالنِّسَاءِ(1354) .

ثُمَّ خَرَجَ لَيْلَةً أخْرَى والنَّاسُ يُصَلُّونَ بصَلاةِ قَارِئِهِم، فَقَالَ: «نِعْمَتِ البِدْعَةُ هَذِهِ...»(1355) .

وإنَّمَا سَمَّاهَا «بِدْعَةً» باعْتِبَارِ ظَاهِرِ الحَالِ، مُلاحِظًا الانْقِطَاعَ الَّذِي لَحِقَهَا زَمَنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، واتَّفَقَ أنْ لَمْ تَقَعْ فِي زَمَانِ أبِي بَكْرٍ رضي الله عنه، لا

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أنَّهَا بِدْعَةٌ فِي المَعْنَى(1356)

لَمْ يَكُنْ مُسْتَنَدُ عُمَرَ فِي مَا ذَهَبَ إلَيْهِ، إلاَّ أنَّ جَمْعَهُم عَلَى الصَّلاةِ «أمْثَلُ»، أيْ: خَيْرٌ وأصْلَحُ. ومَكْمَنُ الخَيْرِيَّةِ هُنَا أنَّ فِي الجَمْعِ دَفْعًا لغَائِلَةِ التَّفَرُّقِ، ومَنْعًا مِنْ تَشْوِيشِ الجَمَاعَاتِ المُتَكَاثِرَةِ عَلَى مَرِّ الأيَّامِ. وهَذَا غَيْرُ مُلائِمٍ بمَرَّةٍ للمَعْهُودِ مِنَ التَّشْرِيعِ، حَيْثُ الأدِلَّةُ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى حُسْنِ الاجْتِمَاعِ والاتِّحَادِ، والنَّهْيِ عَنِ التَّفَرُّقِ المُفْضِي إلَى الاخْتِلافِ. وأنَّهُم لَوْ ظَلُّوا عَلَى تِلْكَ الحَالَةِ لرُبَّمَا جَاءَ وَقْتٌ تَهَاوَنُوا فِيهِ عَلَى قِيَامِ رَمَضَانَ.

هَذِهِ المَعَانِي كُلُّهَا تَعَاضَدَتْ لتُنْشِئَ فِي نَفْسِ عُمَرَ البَاعِثَ عَلَى جَمْعِ النَّاسِ فِي صَلاةِ التَّرَاوِيحِ، لِمَا فِي اجْتِمَاعِهِم عَلَى الصَّلاةِ مِنْ جَمْعِ الكَلِمَةِ، وتَوْحِيدِ القُلُوبِ(1357) . بَعْدَ أنْ رَكَنَ إلَى زَوَالِ العِلَّةِ، وهِيَ: التَّخَوُّفُ مِنْ أنْ تُفْرَضَ عَلَى المُسْلِمينَ، فيَعْجَزُوا عَنْ أدَائِهَا. وإنَّمَا أمِنَ ذَلِكَ بانْقِضَاءِ زَمَنِ الوَحْيِ.

تَفَطَّنَ لهَذَا الوَجْهِ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَالِبٍ رضي الله عنه فَصَلاَّهَا. ولَمَّا أفْضَتِ الخِلافَةُ إلَيْهِ أمَرَ بِهَا، وتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ صِهْرِهِ، وامْتَدَحَ صَنِيعَهُ، وقَالَ فِي تَفَقُّدِهِ مَسَاجِدَ أهْلِ الكُوفَةِ وهُمْ يُصَلُّونَ القِيَامِ، والقَنَادِيلُ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تُزْهِرُ، وكِتَابُ اللهِ يُتْلَى: «نَوَّرَ اللهُ قَبْرَكَ، يَا ابْنَ الخَطَّابِ، كَمَا نَوَّرْتَ مَسَاجِدَنَا»(1358) وجُعِلَ أدَاؤُهَا بالجَمَاعَةِ شِعَارًا للسُّنَّةِ، كَأدَاءِ الفَرَائِضِ بالجَمَاعَةِ شُرِعَ شِعَارَ الإسْلامِ(1359)

يَقُولُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: «ولَمْ يَسُنَّ مِنْهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ –إذْ أحْيَاهَا- إلاَّ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّهُ ويَرْضَاهُ. ولَمْ يَمْنَعْ مِنَ المُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ إلاَّ خَشْيَةَ أنْ يُفْرَضَ عَلَى أمَّتِهِ، وكَانَ بالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفًا رَحِيمًا(1360) .

فَلَمَّا عَلِمَ ذَلِكَ عُمَرُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وعَلِمَ أنَّ الفَرَائِضَ لا يُزَادُ فِيهَا ولا يُنْقَصُ مِنْهَا بَعْدَ مَوْتِهِ صلى الله عليه وسلم، أقَامَهَا للنَّاسِ، وأحْيَاهَا، وأمَرَ بِهَا. وذَلِكَ سَنَةَ أرْبَعَ عَشْرَةَ مِنَ الهِجْرَةِ.

وذَلِكَ شَيْءٌ ادَّخَرَهُ اللهُ لَهُ، وفَضَّلَهُ بِهِ. ولَمْ يُلْهِم إلَيْهِ أبَا بَكْرٍ، وإنْ كَانَ أفْضَلَ مِنْ عُمَرَ، وأشَدَّ سَبْقًا إلَى كُلِّ خَيْرٍ بالجُمْلَةِ، ولكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم فَضَائِلُ خُصَّ بِهَا لَيْسَتْ لصَاحِبِهِ.

وكَانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَالِبٍ يَسْتَحْسِنُ مَا فَعَلَ عُمَرُ مِنْ ذَلِكَ ويُفَضِّلُهُ»(1361) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أخْلُصُ إلَى أنَّ عُمَرَ لَجَأ إلَى الاسْتِصْلاحِ باعْتِبَارِهِ وَسِيلَةَ إلْحَاقٍ. فمَتَى تَحَقَّقَ مِنْ وُجُودِ المَصْلَحَةِ؛ سَلَّمَ لَهَا بالمَشْرُوعِيَّةِ تِلْقَائِيًّا دُونَ اسْتِدْلالٍ. وفِي هَذَا المَعْنَى يَقُولُ العِزُّ ابْنُ عَبْدِ السَّلامِ رحمه الله: «مُعْظَمُ مَصَالِحِ الدُّنْيَا ومَفَاسِدُهَا مَعْرُوفٌ بالعَقْلِ، وذَلِكَ مُعْظَمُ الشَّرَائِعِ؛ إذْ لا يَخْفَى عَلَى عَاقِلٍ – قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ- أنَّ تَحْصِيلَ المَصَالِحِ المَحْضَةِ، ودَرْءَ المَفَاسِدِ المَحْضَةِ، عَنْ نَفْسِ الإنْسَانِ وعَنْ غَيْرِهِ، مَحْمُودٌ حَسَنٌ»(1362) .

النَّوْعُ الثَّانِي: العُرْفُ:

العُرْفُ: مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ وسَارُوا عَلَيْهِ، مِنْ كُلِّ فِعْلٍ شَاعَ بَيْنَهُم، أوْ قَوْلٍ تَعَارَفُوا إطْلاقَهُ عَلَى مَعْنًى خَاصٍّ لا تَألَفُهُ اللُّغَةُ، ولا يتَبَادَرُ غَيْرُهُ عِنْدَ سَمَاعِهِ(1363) . والأخْذُ بِهِ عَمَلٌ بالمَصْلَحَةِ فِي بَعْضِ وُجُوهِهَا، ورُبَّمَا خُصِّصَ بِهِ العَامُّ، أوْ قُيِّدَ بِهِ المُطْلَقُ، كَمَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ فِي تَفْسِيرِ النُّصُوصِ، لذَلِكَ قِيلَ:

والعُرْفُ فِي الشَّرْعِ لَهُ اعْتِبَارُلِذَا عَلَيْهِ الحُكْمُ قَدْ يُدَارُ(1364) ( 1364 )

فَمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مُطْلَقًا ولا ضَابِطَ لَهُ فِيهِ ولا فِي اللُّغَةِ، رُجِعَ فِيهِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إلَى العُرْفِ؛ كَالحِرْزِ في السَّرِقَةِ(1365) فحِرْزُ التَّمْرِ مَثَلاً: وَضْعُهُ فِي الجَرِينِ، قَالَ عُمَرُ: «مَنْ أخَذَ مِنَ الثَّمَرِ شَيْئًا، فلَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ، حَتَّى يُؤْوِيَهُ إلَى المَرَابِدِ والجَرَائِنِ(1366) فإنْ أخَذَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُسَاوِي رُبْعَ دِينَارٍ قُطِعَ»(1367) وقَالَ: «لا يُقْطَعُ فِي عِذْقٍ(1368)(1369) أيْ: لأنَّهُ لَيْسَ مُحْرَزًا.

أخَذَ عُمَرُ بالعُرْفِ فِي أحْكَامٍ كَثِيرَةٍ، وكَانَ يَسْتَرْوِحُ إلَى اعْتِبَارِ الأعْرَافِ الَّتِي تَظْهَرُ فِيهَا مُوَاءَمَةُ رُوحِ الشَّرِيعَةِ، وتَجْرِي وَفْقَ السَّنَنِ المَرْضِيَّةِ، مِنْ تَضَمُّنِهَا لمَصْلَحَةٍ مُعْتَبَرَةٍ، أوْ رَفْعِ ضِيقٍ عَامٍّ.

مَا نَمَّ عَنْ خِبْرَةٍ عَمِيقَةٍ بشُؤُونِ الوَاقِعِ، وفِقْهٍ وَاسِعٍ لمَقَاصِدِ التَّشْرِيعِ،

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ونَظَرٍ سَدِيدٍ، وتَبَحُّرٍ مَدِيدٍ فِي الأحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ أصُولاً وفُرُوعًا. حَتَّى صَدَقَتْ فِيهِ صِفَاتُ الحَاكِمِ المُجْتَهِدِ، قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ رحمه الله: «المُفْتِي الَّذِي يُفْتِي بالعُرْفِ، لا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ الزَّمَانِ وأحْوَالِ أهْلِهِ، ومَعْرِفَةِ أنَّ هَذَا العُرْفَ خَاصٌّ أوْ عَامٌّ، وأنَّهُ مُخَالِفٌ للنَّصِّ أوْ لا»(1370)

مِنْ شَوَاهِدِهِ التَّطْبِيقِيَّةِ:

إقَامَةُ حَدِّ القَذْفِ عَلَى المُعَرِّضِ:

اسْتَشَارَ عُمَرُ كِبَارَ الصَّحَابَةِ فِي الأخْذِ بالعُرْفِ القَوْلِيِّ، والعُدُولِ عَنْ سُؤَالِ القَائِلِ عَنْ قَصْدِهِ خَوْفَ الإنْكَارِ. فَاسْتَقَرَّ الرَّأيُ عَلَى إقَامَةِ الحَدِّ عَلَى القَائِلِ، حَيْثُ رَأوْا أنَّ التَّعْرِيضَ فِي هَذَا المَوْطِنِ قَائِمٌ مَقَامَ التَّصْرِيحِ، بمُقْتَضَى عُرْفِ الاسْتِعْمَالِ الجَارِي فِي مُخَاطَبَاتِ العَرَبِ وَقْتَئِذٍ.

ذَلِكَ أنَّ رَجُلَيْنِ اسْتَبَّا فِي زَمَانِهِ! فَقَالَ أحَدُهُمَا للآخَرِ: واللهِ، مَا أبِي بزَانٍ ولا أمِّي بزَانِيَةٍ!

فَتَعَلَّقَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وقَالَ: «مَدَحَ أبَاهُ وأمَّهُ». وتَعَلَّقَ آخَرُونَ بالمَفْهُومِ مِنْهُ مَعَ شَاهِدِ الحَالِ، فَقَالُوا: «قَدْ كَانَ لأبِيهِ وأمِّهِ مَدْحٌ غَيْرُ هَذَا! نَرَى أنْ تَجْلِدَهُ الحَدَّ». فَجَلَدَهُ عُمَرُ الحَدَّ ثَمَانِينَ(1371) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّ عُمَرَ «كَانَ يَضْرِبُ فِي التَّعْرِيضِ بالفَاحِشَةِ: الحَدَّ»(1372) . و«كَانَ يَجْلِدُ مَنْ يَفْتَرِي عَلَى نِسَاءِ أهْلِ المِلَّةِ»(1373) .

هَذَا مَحْضُ احْتِجَاجٍ بالعُرْفِ(1374) ، إذْ إنَّ تَحْدِيدَ دَلالَةِ لَفْظِ ذَلِكَ القَائِلِ مَرْجِعُهُ إلَى عَادَةِ النَّاسِ فِي كَلامِهِم واسْتِعْمَالِهِم. وقَدْ وَجَدُوا أنَّ المُخَاطَبَاتِ الجَارِيَةَ تَقْتَضِي بكَوْنِهِ كِنَايَةً مَفْهُومَةً عَنْ رَمْيِ المُخَاطَبِ بكَوْنِهِ ابْنَ زَانٍ أوْ زَانِيَةٍ(1375) ، وإلاَّ لَمَدَحَهُ بالصِّفَاتِ المَحْمُودَةِ فِي الغَالِبِ. وحَيْثُ إنَّهُ تَخَيَّرَ هَذِهِ القَالَةَ بهَذَا النَّحْوِ، فَإنَّهُ رَمَى إلَى الغَمْزِ بِهِ مِنْ خِلالِ تَنْقِيصِ وَالِدَيْهِ، عَنْ طَرِيقِ الإلْمَاحِ الَّذِي دَرَجَ عَلَيْهِ أهْلُ ذَلِكَ اللِّسَانِ.

لذَلِكَ فَلا يُقَالُ: خَالَفَ القَائِلُ الأوَّلُ عُمَرَ! فَإنَّهُ لَمَّا نُبِّهَ إلى أنَّهُ قَدْ كَانَ لأبِيهِ وأمِّهِ مَدْحٌ غَيْرُ هَذَا، مِمَّا يَلْزَمُ مِنْهُ في عُرْفِ التَّخَاطُبِ إرَادَةُ القَذْفِ لا مَحَالَةَ؛ سَكَتَ، لأنَّ أهْلَ اللُّغَةِ يُسَمُّونَ التَّعْرِيضَ بِمَا فُهِمَ مِنْهُ مَعْنَى التَّصْرِيحِ. قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: «وهَذَا إلَى المُوَافَقَةِ أقْرَبُ مِنْهُ إلَى المُخَالَفَةِ»(1376) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ، يُلاحَظُ اسْتِنَادًا إلَى سِيَاسَةِ عُمَرَ فِي الحُكْمِ، أنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى اعْتِبَارِ أعْرَافِ العَرَبِ وَحْدَهُم، بَلْ أخَذَ بمُطْلَقِ العُرْفِ السَّلِيمِ، دُونَ الالْتِفَاتِ إلَى مَصْدَرِ نُشُوئِهِ، طَالَمَا أنَّهُ يَكْفُلُ مَصْلَحَةً عَامَّةً ويَفِي بحَاجَاتِ الأمَّةِ المُسْتَجِدَّةِ ومُسْتَلْزَمَاتِهَا.

مِصْدَاقُهُ المِثَالُ الآتِي:

وَضْعُ الدِّيوَانِ فِي الدَّوْلَةِ:

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «وقَدْ ثَبَتَ أنَّ أوَّلَ مَنْ دَوَّنَ الدِّيوَانَ عُمَرُ»(1377) .

لَقَدْ كَانَ لهَذِهِ الأوَّلِيَّةِ فِي اعْتِمَادِ الدِيوَانِ سَبَبٌ فَرَضَتْهُ التَّنْمِيَةُ المُتَزَايِدَةُ لحَرَكَةِ الاقْتِصَادِ الإسْلامِيِّ فِي خِلافَةِ عُمَرَ، حِينَ كَثُرَ النَّاسُ واحْتَاجَ إلَى ضَبْطِ الأسْمَاءِ والأرْزَاقِ(1378) . يَقُولُ ابْنُ خَلْدُونَ: «هَذِهِ الوَظِيفَةُ إنَّمَا تَحْدُثُ فِي الدُّوَلِ، عِنْدَ تَمَكُّنِ الغَلَبِ والاسْتِيلاءِ، والنَّظَرِ فِي أعْطَافِ المُلْكِ، وفُنُونِ التَّمْهِيدِ»(1379) .

يُحَدِّثُ عَنْ ذَلِكَ، فِي وَاقِعٍ يَنْقُلُهُ، عَامِلُهُ عَلَى البَحْرَيْنِ أبُو هُرَيْرَةَ (ت59هـ) رضي الله عنه، يَقُولُ:

«قَدِمْتُ مِنَ البَحْرَيْنِ بخَمسِ مِئَةِ ألْفِ دِرْهَمٍ، فَأتَيْتُ عُمَرَ مُمْسِيًا،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَسَألَنِي عَنِ النَّاسِ فَأخْبَرْتُهُ. فَقَالَ: «مَاذَا جِئْتَ بِهِ؟». قُلْتُ: جِئْتُ بِخَمْسِ مِئَةِ ألْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ: «وهَلْ تَدْرِي مَا تَقُولُ؟». قُلْتُ: نَعَمْ، فَجَعَلْتُ أعُدُّهَا بِيَدِي مِئَةَ ألْفٍ مِئَةَ ألْفٍ.

فَقَالَ: «إنَّكَ نَاعِسٌ، ارْجِعْ إلَى أهْلِكَ، فَنَمِ اللَّيْلَةَ حَتَّى تُصْبِحَ، فَإذَا أصْبَحْتَ فَأتِنِي». فَلَمَّا أصْبَحْتُ أتَيْتُهُ. فَقَالَ: «مَاذَا جِئْتَ بِهِ؟». قُلْتُ: جِئْتُ بِخَمْسِ مِئَةِ ألْفِ دِرْهَمٍ. قَالَ: «تَدْرِي مَا تَقُولُ؟». قُلْتُ: نَعَمْ، مِئَةُ ألْفٍ، مِئَةُ ألْفٍ، حَتَّى عَدَّهَا بِأصَابِعِهِ.

قَالَ: «أطَيِّبٌ هُوَ؟». قُلْتُ: لا أعْلَمُ إلاَّ ذَاكَ. فَصَعِدَ المِنْبَرَ، فَحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «يَا أيُّهَا النَّاسُ، إنَّهُ قَدْ جَاءَنَا مَالٌ كَثِيرٌ. فَإنْ شِئْتُم أنْ نَكِيلَ لَكُم كَيْلاً كِلْنَا، وإنْ شِئْتُم أنْ نَعُدَّ لَكُم عَدَدًا عَدَدْنَا.

فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقَالَ: يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، دَوِّنْ للنَّاسِ دَوَاوِينَ يُعْطَوْنَ عَلَيْهَا، فَإنِّي قَدْ رَأيْتُ هَؤُلاءِ الأعَاجِمَ يُدَوِّنُونَ دِيوَانًا لَهُم. فَاشْتَهَى عُمَرُ ذَلِكَ، ودَوَّنَ الدِّيوَانَ...»(1380) .

وَجْهُ الدَّلالَةِ: أنَّ تَدْوِينَ الدَّوَاوِينِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ لَمْ يَكُنْ مِمَّا تَعَارَفَهُ العَرَبُ، ولا جَرَى عَلَيْهِ تَعَامُلُهُم، بَلْ كَانَ مِنْ عَادَاتِ الأمَمِ الَّتِي فَتَحَهَا المُسْلِمُونَ، حَتَّى قِيلَ: إنَّ الَّذِي أشَارَ عَلَيْهِ بذَلِكَ هُوَ: الهُرْمُزَانُ(1381) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يَقُولُ الجُوَيْنِيُّ (ت478هـ) رحمه الله(1382) : «وكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فِي زَمَنِهِ لا يُدَوِّنُ دِيوَانًا، ولا يُجَرِّدُ للجِهَادِ أعْوَانًا، إذْ كَانَ المُهَاجِرُونَ والأنْصَارُ يَخِفُّونَ إلَى ارْتِسَامِ أوَامِرِهِ مِنْ غَيْرِ أنَاةٍ واسْتِئْخَارٍ. وانْقَرَضَ عَلَى ذَلِكَ زَمَنُ خِلافَةِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه. ثُمَّ لَمَّا انْتَهَتِ النَّوْبَةُ إلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، جَنَّدَ الجُنُودَ، وعَسْكَرَ العَسَاكِرَ، ودَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وصَارَتْ سِيرَتُهُ وإيَالَتُهُ أُسْوَةً للعَالَمِينَ إلَى يَوْمِ الدِّينِ»(1383) .

النَّوْعُ الثَّالِثُ: الاحْتِيَاطُ:

اسْتِنَادًا إلَى كَوْنِ «الاحْتِيَاطِ للدِّينِ ثَابِتًا مِنَ الشَّرِيعَةِ(1384) وهُوَ: «الاحْتِرَازُ مِنَ الوُقُوعِ فِي مَنْهِيٍّ، أوْ تَرْكِ مَأمُورٍ، عِنْدَ الاشْتِبَاهِ»(1385) فَقَدْ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لَجَأَ عُمَرُ إلَيْهِ مِنْ بَابِ الحَذَرِ فِي شَأنِ الحِلِّ والحُرْمَةِ، فَتَرَاهُ يُغَلِّبُ جَانِبَ الحُرْمَةِ أوِ التَّرْكِ، ومَا فِي مَعْنَاهُمَا، أخْذًا بالجَزْمِ وإبْرَاءً للذِّمَّةِ.

وتَرَاهُ يُشَدِّدُ عَلَى أهْلِ العِلْمِ والفَضْلِ، لأنَّهُم فِي مَحِلِّ القُدْوَةِ للنَّاسِ، لِئَلاَّ يُتَابِعُوهُم عَلَى الشَّيْءِ يَجِدُونَهُ مِنْهُم ولا يَقِفُونَ عَلَى عِلَّتِهِ. كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَسْألَةِ نَهْيِ المُحْرِمِ عَنِ الطِّيبِ ، حَيْثُ أنْكَرَ عُمَرُ عَلَى مَنْ تَطَيَّبَ قَبْلَ ابْتِدَاءِ الإحْرَامِ واسْتَدَامَهُ بَعْدَهُ، رَغْمَ مَا ذُكِرَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَا يُفِيدُ مَشْرُوعِيَّتَهُ! بَيْدَ أنَّهُ بَقِيَ عَلَى مَوْقِفِهِ أخْذًا بالأحْوَطِ.

ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ رَدًّا للحَدِيثِ بالاجْتِهَادِ، إنَّمَا تَعَارَضَتْ لَدَيْهِ النُّصُوصُ فِي المَسْألَةِ، فَكَانَ اخْتِيَارُهُ أحْوَطَ الحُكْمَيْنِ سَبِيلاً إلَى إبْرَاءِ الذِّمَّةِ، وتَحْصِيلِ اليَقِينِ.

مِثَالُهُ:

إيجَابُ المَهْرِ بالخَلْوَةِ:

ذَهَبَ عُمَرُ إلَى إيجَابِ المَهْرِ كَامِلاً بالخَلْوَةِ وإرْخَاءِ السُّتُورِ، وإنْ لَمْ يَحْصُلْ مَسٌّ ووَطْءٌ، وقَالَ: «إذَا أُغْلِقَ البَابُ، وأُرْخِيَ السِّتْرُ، ووُضِعَ الخِمَارُ؛ وَجَبَ الصَّدَاقُ، والعِدَّةُ»(1386) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والمَسْألَةُ يَتجَاذَبُهَا دَلِيلانِ اثْنَانِ:

أحَدُهُمَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِن طَلَّقتُموهُنَّ مِن قَبلِ أَن تَمَسّوهُنَّ وَقَد فَرَضتُم لَهُنَّ فَريضَةً فَنِصفُ ما فَرَضتُم إِلّا أَن يَعفونَ أَو يَعفُوَ الَّذي بِيَدِهِ عُقدَةُ النِّكاحِ ۚ وَأَن تَعفوا أَقرَبُ لِلتَّقوىٰ ۚ وَلا تَنسَوُا الفَضلَ بَينَكُم ۚ إِنَّ اللَّهَ بِما تَعمَلونَ بَصيرٌ﴾(1387) .

ثَانِيهِمَا: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِن أَرَدتُمُ استِبدالَ زَوجٍ مَكانَ زَوجٍ وَآتَيتُم إِحداهُنَّ قِنطارًا فَلا تَأخُذوا مِنهُ شَيئًا ۚ أَتَأخُذونَهُ بُهتانًا وَإِثمًا مُبينًا ۝٢٠ وَكَيفَ تَأخُذونَهُ وَقَد أَفضىٰ بَعضُكُم إِلىٰ بَعضٍ وَأَخَذنَ مِنكُم ميثاقًا غَليظًا﴾(1388) .

فَالآيَةُ الأُولَى تُفِيدُ اسْتِحْقَاقَ المَرْأةِ نِصْفَ المَهْرِ عِنْدَ انْتِفَاءِ المَسِيسِ. أمَّا الآيَةُ الأخْرَى فتُفِيدُ أنَّ الإفْضَاءَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِ المَرْأةِ المَهْرَ، وعَلَيْهِ فَإذَا لَمْ يَحْصُلْ إفْضَاءٌ؛ لَمْ يَجِبْ لَهَا المَهْرُ.

وبمُقْتَضَى النَّظَرِ فِي كُلٍّ مِنْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ يَتَّضِحُ أنَّ عَدَمَ إيجَابِ المَهْرِ مَعَ تَوَافُرِ الخَلْوَةِ فِيهِ تَرَدُّدٌ واحْتِمَالٌ، لِجِهَةِ أنَّ المَسِيسَ قَدْ يَكُونُ المَقْصُودُ بِهِ مُطْلَقَ الخَلْوَةِ، مِنْ قَبِيلِ إطْلاقِ المُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ(1389)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبالتَّالِي فِيهِ مَظِنَّةٌ لضَيَاعِ حَقِّ المَرْأةِ إذَا اسْتَفَاضَ بَيْنَ النَّاسِ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِهَا المَهْرَ كَامِلاً إلاَّ بالدُّخُولِ.

وحَيْثُ إنَّ فِي ذَلِكَ شَكًّا واحْتِمَالاً، فَقَدِ اخْتَارَ عُمَرُ أنَّ مُجَرَّدَ الخَلْوَةِ وإرْخَاءِ السُّتُورِ يُوجِبُ المَهْرَ كَامِلاً للمَرْأةِ والعِدَّةَ، مِنْ بَابِ الاحْتِيَاطِ والأخْذِ بالحَزْمِ(1390) . ولأنَّهُ عَقْدٌ عَلَى المَنَافِعِ فَالتَّمْكِينُ فِيهِ يَجْرِي مَجْرَى الاسْتِيفَاءِ فِي الأحْكَامِ المُتَعَلِّقَةِ كَعَقْدِ الإجَارَةِ(1391) . فِي قَضَايَا اشْتَهَرَتْ عَنْهُ، ولَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ فِيهَا أحَدٌ مِنَ الأصْحَابِ، فَكَانَ إجْمَاعًا(1392) .

مِنْ خِلالِ هَذَيْنِ الشَّاهِدَيْنِ، عَنَيْتُ: إيْجَابَ المَهْرِ بالخَلْوَةِ، ونَهْيَ المُحْرِمِ عَنِ الطِّيبِ، يُمْكِنُ اسْتِخْلاصُ أمْرَيْنِ(1393) :

الأمْرُ الأوَّلُ: مَنْشَأُ الاحْتِيَاطِ هُوَ التَّرَدُّدُ فِي حَمْلِ المَسْألَةِ عَلَى أحَدِ مَا تَكْتَنِفُهُ مِنِ احْتِمَالاتٍ، مِمَّا يَجْعَلُ الشَّكَّ مُلازِمًا لتَصَرُّفِ المُجْتَهِدِ، فَلا يُرْفَعُ أثَرُ الشَّكِّ إلاَّ بالعَمَلِ بمُقْتَضَى الاحْتِيَاطِ، لِمَا يُورِثُهُ مِنَ اليَقِينِ.

الأمْرُ الثَّانِي: مَجَالُ العَمَلِ بالاحْتِيَاطِ غَالِبًا هُوَ (العِبَادَاتُ)، و(الحُقُوقُ):

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أمَّا العِبَادَاتُ؛ فَخَوْفًا مِنْ بَقَاءِ عُهْدَتِهَا فِي ذِمَّةِ المُكَلَّفِ، وقِيَامِ مُطَالَبَتِهِ بإعَادَتِهَا أوْ قَضَائِهَا.

وأمَّا الحُقُوقُ؛ فَتَحَرُّزًا مِنْ إضَاعَتِهَا والتَّلاعُبِ بِهَا لمُجَرَّدِ شُبْهَةٍ قَدْ لا تَنْهَضُ مُتَمَسَّكًا لتَجَاوُزِهَا وإهْدَارِهَا.

قَالَ الشَّاطِبِيُّ: «وهَذَا البَابُ يَتَّسِعُ... وقَدْ عَوَّلَ العُلَمَاءُ عَلَى هَذَا المَعْنَى، وجَعَلُوهُ أصْلاً يَطَّرِدُ، وهُوَ رَاجِعٌ إلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ»(1394) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المَطْلَبُ الثَّالِثُ: الإلْحَاقُ عَنْ طَرِيقِ قَوَاعِدِ الاجْتِهَادِ الاسْتِثْنَائِيِّ

الاجْتِهَادُ الاسْتِثْنَائِيُّ مِنْ أدَقِّ وُجُوهِ الاجْتِهَادِ بالرَّأيِ، ومَجَالُ عَمَلِهِ هُوَ الأحْكَامُ الَّتِي تَقَرَّرَتْ عَلَى خَلْفِيَّةِ النُّصُوصِ.

المُسَوِّغُ لهَذَا الضَّرْبِ مِنَ الاجْتِهَادِ، أنَّ الاسْتِثْنَاءَ فِيهِ مُنْحَصِرٌ فِي الأدِلَّةِ العَامَّةِ والظَّنِّيَّةِ، فَلا يَتَنَاوَلُ النُّصُوصَ المُفَسَّرَةَ الخَاصَّةَ، وطَالَمَا أنَّ الاسْتِثْنَاءَ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ البَيَانِ والتَّخْصِيصِ؛ فالقَطْعِيُّ المُفَسَّرُ لا يَحْتَاجُ إلَى بَيَانٍ، ولا يَفْتَقِرُ إلَى تَخْصِيصٍ. والضَّابِطُ فِي ذَلِكَ الاحْتِكَامُ إلَى مَآلاتِ الأفْعَالِ، حَيْثُ «النَّظَرُ فِي مَآلاتِ الأفْعَالِ مُعْتَبَرٌ مَقْصُودٌ شَرْعًا»(1395) .

تَرْجِعُ اجْتِهَادَاتُ الفَارُوقِ فِي هَذَا البَابِ إلَى نَوْعَيْنِ اثْنَيْنِ:

النَّوْعُ الأوَّلُ: الاسْتِحْسَانُ:

مَبْدَأُ الاسْتِحْسَانِ مُتَفَرِّعٌ مِنْ أصْلِ النَّظَرِ فِي المَآلاتِ، وهَذَا مَلْحُوظٌ مِنْ خِلالِ مَفْهُومِهِ الأصُولِيِّ، الَّذِي هُوَ: اسْتِثْنَاءٌ للمَسْألَةِ مِنَ القَاعِدَةِ العَامَّةِ، الْتِفَاتًا إلَى المَصْلَحَةِ فِي تَحْقِيقِ العَدْلِ(1396) حَتَّى قِيلَ:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هُوَ الأخْذُ بمَصْلَحَةٍ جُزْئِيَّةٍ فِي مُقَابَلَةِ دَلِيلٍ كُلِّيٍّ(1397)

ومُقْتَضَاهُ الرُّجُوعُ إلَى تَقْدِيمِ الاسْتِدْلالِ المُرْسَلِ عَلَى القِيَاسِ(1398) ، إذَا كَانَ إجْرَاءُ الأخِيرِ مُطْلَقًا يُؤَدِّي إلَى حَرَجٍ ومَشَقَّةٍ فِي بَعْضِ مَوَارِدِهِ. فيُسْتَثْنَى مَوْضِعُ الحَرَجِ(1399) ، الَّذِي يتَسَبَّبُ عَنِ الغُلُوِّ فِي التَّمَسُّكِ بالعُمُومَاتِ القِيَاسِيَّةِ، ويَنْشَأُ عَنْ إهْمَالِ العَوَارِضِ المُحْتَفَّةِ بالوَقَائِعِ، وعَدَمِ مُلاحَظَتِهَا، وأخْذِهَا عُنْصُرًا مِنَ العَنَاصِرِ المُكَوِّنَةِ لعِلَّةِ الحُكْمِ(1400) . عَمَلاً برُوحِ الشَّرِيعَةِ ومَقَاصِدِهَا، وحَذَرًا مِنْ تَفْوِيتِ مَصْلَحَةٍ أوْ جَلْبِ مَفْسَدَةٍ. فَشَابَهَ مِنْ هَذَا الوَجْهِ مَفْهُومَ الرُّخْصَةِ(1401) .

وقَدْ شَاعَ العَمَلُ بمُقْتَضَى الاسْتِحْسَانِ فِي

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

اجْتِهَادِ عُمَرَ، وإنْ لَمْ يَظْهَرِ اصْطِلاحُهُ الوَضْعِيُّ إلاَّ فِي عَصْرِ التَّدْوِينِ شَأْنَ غَيْرِهِ كَثِيرٍ.

مِنْ شَوَاهِدِهِ:

وَضْعُ الدَّوْلَةِ يَدَهَا عَلَى بَعْضِ الأرَاضِي:

ضَبَطَ عُمَرُ بَعْضَ الأرَاضِي مِنْ أيَدِي أصْحَابِهَا، وجَعَلَهَا حِمًى تَرْعَى فِيهِ خُيُولُ جَيْشِ المُسْلِمِينَ، وكَذَلِكَ أنْعَامُ صِغَارِ المُلاَّكِ، الَّذِينَ كَانَ عُمَرُ يَرَى أنَّهُ مَسْؤُولٌ عَنْ تَدْبِيرِ كَلأٍ تَرْعَى فِيهِ قِطْعَانُهُمُ الصَّغِيرَةُ(1402) ؛ نَظَرًا لكَوْنِهِم لا يَمْلِكُونَ الأرْضَ الَّتِي تَسُدُّ حَاجَةَ أنْعَامِهِم إلَى الكَلأِ!

وهَذَا اسْتِثْنَاءٌ وَاضِحٌ مِنَ العُمُومَاتِ الَّتِي تُقَرِّرُ ثُبُوتَ المِلْكِيَّةِ لأصْحَابِهَا، فَلا يَجُوزُ انْتِزَاعُهَا مِنْهُم إلاَّ بوَجْهِ حقٍّ، قِوَامُهُ المُعَاوَضَةُ العَادِلَةُ، والتَّرَاضِي الاخْتِيَارِيُّ.

ومَا أقْدَمَ عُمَرُ عَلَى هَذَا الاسْتِثْنَاءِ إلاَّ تَحْتَ ضَغْطِ الحَاجَةِ العَامَّةِ، الَّتِي لَمْ يَكُنْ فِي سَعَةٍ مِنْ تَجَاوُزِهَا، ولا كَانَ قَادِرًا عَلَى إيجَادِ البَدِيلِ المَشْرُوعِ الَّذِي يَسُدُّ حَاجَةَ الدَّوْلَةِ والمُجْتَمَعِ فِي هَذَا البَابِ.

فَلَجَأ إلَى تَخْصِيصِ نُصُوصِ المِلْكِيَّةِ بالمَصْلَحَةِ العَامَّةِ. وتَخْصِيصُ النَّصِّ العَامِّ بالمَصْلَحَةِ لَوْنٌ مِنْ ألْوَانِ الاسْتِحْسَانِ، شَبِيهٌ بِهِ تَضْمِينُ الأجِيرِ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المُشْتَرَكِ رَغْمَ أنَّ يَدَهُ يَدُ أمَانَةٍ(1403)

المَسْألَةُ الحِمَّارِيَّةُ أوِ المُشَرَّكَةُ:

اشْتَهَرَتْ فِي أحْكَامِ المَوَارِيثِ المَسْألَةُ الحِمَّارِيَّةُ أوِ المُشَرَّكَةُ. وأصْلُهَا مِنْ زَوْجٍ، وأمٍّ، وإخْوَةٍ لأمٍّ، وإخْوَةٍ أشِقَّاءَ، وقَدْ وَقَعَتْ هَذِهِ الحَادِثَةُ زَمَنَ عُمَرَ. وحِينَ رُفِعَتْ إلَيْهِ قَضَى فِيهَا بسُقُوطِ العَاصِبِ، وهُوَ هُنَا: الإخْوَةُ الأشِقَّاءُ، لأنَّ الفُرُوضَ قَدِ اسْتَغْرَقَتِ التَّرِكَةَ كُلَّهَا!

وتَكُونُ المَسْألَةُ – بحَسْبِ مَا حَكَمَ بِهِ عُمَرُ أوَّلاً- عَلَى الوَجْهِ الآتِي:

6

2/1 زوج 3

6/1 أم 1

2/1 أخت لأم ع2 4

شقيقة

ع

شقيق

ع

0

تَصِحُّ المَسْألَةُ مِنْ (6) المَخْرَجُ المُشْتَرَكُ ل 2/1 و6/1 و3/1؛ للزَّوْجِ مِنْهَا: النِّصْفُ (3). وللأمِّ: السُّدُسُ (1)، ويَشْتَرِكُ الإخْوَةُ لأمٍّ فِي الثُّلُثِ (2).

وحِينَئِذٍ لا يَبْقَى للإخْوَةِ الأشِقَّاءِ شَيْءٌ، رَغْمَ أنَّهُم أقْرَبُ إلَى المُوَرِّثِ مِنَ الإخْوَةِ لأمٍّ!!

ثُمَّ رُفِعَتْ إلَيْهِ قَضِيَّةٌ أخْرَى مُشَابِهَةٌ. فَقَامَ إلَيْهِ الأشِقَّاءُ وقَالُوا لَهُ إذْ أرَادَ إسْقَاطَهُم: «يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَنَا أبٌ ولَيْسَ لَهُم أبٌ، ولَنَا أمٌّ كَمَا لَهُم. فَإنْ كُنْتُم حَرَمْتُمُونَا بأبِينَا، فَوَرِّثُونَا بأمِّنَا كَمَا وَرَّثْتُم هَؤُلاءِ بأمِّهِم. واحْسَبُوا أنَّ أبَانَا كَانَ حِمَارًا ، أوَلَيْسَ قَدْ تَرَاكَضْنَا(1404) فِي رَحِمٍ وَاحِدَةٍ؟!

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قَالَ عُمَرُ: «صَدَقْتُم». فَأشْرَكَ بَيْنَهُم وبَيْنَ الإخْوَةِ لأمٍّ فِي الثُّلُثِ البَاقِي(1405) . فوَرَّثَ الزَّوْجَ والأمَّ والإخْوَةَ لأمٍّ بالفَرْضِ. ووَرَّثَ الإخْوَةَ الأشِقَّاءَ تَعْصِيبًا.

وتَكُونُ حِينَئِذٍ عَلَى الشَّكْلِ الآتِي:

6/2 12

2/1 زوج 3 6

6/1 أم 1 2

أخ لأم 1

ع أخ لأم 1

شقيق 1

شقيقة 1

تَكُونُ المَسْألَةُ مِنْ (6)؛ للزَّوْجِ: النِّصْفُ (3). وللأمِّ: السُّدُسُ (1). وللأخَوَيْنِ لأمٍّ والشَّقِيقِ والشَّقِيقَةِ: الثُّلُثُ (2). وحَيْثُ لا تُقْسَمُ عَلَى أرْبَعَةِ رُؤُوسٍ وبَيْنَهُمَا تَوَافُقٌ بالنِّصْفِ؛ فنَأخُذُ نِصْفَ عَدَدِ الرُّؤُوسِ (2)، ونَضْرِبُهُ بأصْلِ المَسْألَةِ (6)، فتُصْبِحُ مِنْ (12). وبِهَذَا يُصْبِحُ للزَّوْجِ (6)، وللأمِّ (2)، وللإخْوَةِ أشِقَّاءَ ولأمٍّ (4) لكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُم: سَهْمٌ.

ع

إنَّنِي أعْتَقِدُ أنَّ الَّذِي دَفَعَ عُمَرَ إلَى التَّشْرِيكِ بَيْنَ الإخْوَةِ لأمٍّ والإخْوَةِ الأشِقَّاءِ، أنَّ حِرْمَانَ الأشِقَّاءِ –وهُمْ أَوْلَى بالمُوَرِّثِ مِنَ الإخْوَةِ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لأمٍّ- مُخَالِفٌ لسَنَنِ العَدْلِ! فَضْلاً عَنْ مُصَادَمَتِهِ للمَعْقُولِ مِنْ عُمُومَاتِ النَّصِّ، الَّتِي بَيَّنَتْ أحْكَامَ القَرَابَةِ وفَصَّلَتْ مَرَاتِبَهَا! وإنْ كَانَ ذَلِكَ سَائِغًا فِي ضَوْءِ تَفْصِيلِ الآيَاتِ الَّتِي بَيَّنَتْ أصْحَابَ الفُرُوضِ(1406)

وبِمَا أنَّ الالْتِزَامَ بِمَا أوْضَحَتْهُ آيَاتُ المَوَارِيثِ يُعْتَبَرُ إجْرَاءً للعُمُومِ عَلَى مُقْتَضَاهُ(1407) ، إلاَّ أنَّ عُمَرَ خَصَّهُ باسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الحَالَةِ اسْتِحْسَانًا(1408) ، وتَوْفِيقًا بَيْنَ مُقْتَضَيَاتِ الأهْدَافِ العَامَّةِ الَّتِي تُهَيْمِنُ عَلَى أحْكَامِ المَوَارِيثِ، وتَحْقِيقًا للعَدْلِ الَّذِي تَعَرَّضَ للنَّسْفِ حِينَ أوْشَكَ الإخْوَةُ الأشِقَّاءُ أنْ يُحْرَمُوا مِنَ الإرْثِ!

ونُكْتَةُ المَسْألَةِ فِي مَا ذَهَبَ إلَيْهِ السُّهَيْلِيُّ (ت581هـ)(1409) أنَّ هَذِهِ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الفَرِيضَةَ مِنْ بَابِ الصِّلَةِ، والبِرِّ، والصَّدَقَةِ، لجِهَةِ أنَّ الإخْوَةَ لأمٍّ إنَّمَا وَرِثُوا المَيِّتَ بالرَّحِمِ وحُرْمَةِ الأمِّ. والأمُّ تُحِبُّ لأوْلادِهَا مَا تُحِبُّ لنَفْسِهَا، فيَشُقُّ عَلَيْهَا أنْ يُحْرَمُوا مِنْ أخِيهِم وقَدِ ارْتَكَضُوا مَعَهُ فِي رَحِمٍ وَاحِدَةٍ. فَأُعْطُوا الثُّلُثَ، ولَمْ يُزَادُوا عَلَيْهِ لأنَّ الأمَّ الَّتِي بِهَا وَرِثُوا لا تُزَادُ عَنِ الثُّلُثِ. فَمِنْ ثَمَّ سَوَّى الذَّكَرَ مَعَ الأُنْثَى. كَمَا لَوْ وَصَّى بِصَدقَةٍ أوْ صِلَةٍ لأهْلِ بَيْتٍ، لشَرَكُوا فِيهَا عَلَى السَّوَاءِ؛ ذُكُورُهُم وإنَاثُهُم(1410)

وقَدْ وَافَقَ عُمَرَ عَلَى قَوْلِهِ: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ، وزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وغَيْرُهُم. وخَالَفَهُ: عَلِيُّ بْنُ أبِي طَالِبٍ، وأبُو مُوسَى الأشْعَرِيُّ، وأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، ورِوَايَةٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ(1411) .

فَعَلَّقَ القَاضِي عَبْدُ اللهِ بْنُ سَوَّارٍ العَنْبَرِيُّ (ت228هـ) رحمه الله(1412) قَائِلاً:

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

«القِيَاسُ مَا قَالَ عَلِيٌّ. والاسْتِحْسَانُ مَا قَالَ عُمَرُ». فَقَالَ أبُو حَكِيمٍ الخَبْرِيُّ (ت476هـ) رحمه الله(1413) «وهَذِهِ وَسَاطَةٌ مَلِيحَةٌ، وعِبَارَةٌ صَحِيحَةٌ»(1414)

تَعْدِيلُ الدِّيَةِ:

قَدَّرَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم الدِّيَةَ مِنَ الإبِلِ، وجَعَلَهَا عَلَى عَاقِلَةِ الجَانِي. فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ نَظَرَ إلَى مَا شَرَعَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَرَأى أنْ لَيْسَ كُلُّ النَّاسِ أمْوَالُهُ إبِلٌ، ثُمَّ هِيَ قَدْ غَلَتْ ! فَإلْزَامُهُم بدَفْعِ الدِّيَةِ إبِلاً يُلْحِقُ بِهِمُ العَنَتَ والضِّيقَ. وهَذا مَا يَتَنَافَى والعَدْلَ والمَصْلَحَةَ.

فَقَالَ عُمَرُ مُعَلِّلاً: « إنِّي أرَى الزَّمَانَ تَخْتَلِفُ فِيهِ الدِّيَةُ ؛ تَنْخَفِضُ فِيهِ مِنْ قِيمَةِ الإبِلِ، وتَرْتَفِعُ فِيهِ. وأرَى المَالَ قَدْ كَثُرَ. وأنَا أخْشَى عَلَيْكُمُ الحُكَّامَ بَعْدِي، وأنْ يُصَابَ الرَّجُلُ المُسْلِمُ فَتَهْلَكَ دِيَتُهُ بالبَاطِلِ، وأنْ تَرْتَفِعَ دِيَتُهُ بِغَيْرِ حَقٍّ، فتُحْمَلَ عَلَى قَوْمٍ مُسْلِمِينَ، فتَجْتَاحُهُم».

فَقَوَّمَ الدِّيَةَ عَلَى أهْلِ القُرَى، فَجَعَلَهَا عَلَى أهْلِ الذَّهَبِ(1415) ألْفَ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

دِينَارٍ. وعَلَى أهْلِ الوَرِقِ(1416) اثْنَيْ عَشَرَ ألْفَ دِرْهَمٍ. وعَلَى أهْلِ البَقَرِ: مِئَتَيْ بَقَرَةٍ. وعَلَى أهْلِ الشَّاءِ: ألْفَيْ شَاةٍ. وعَلَى أهْلِ الحُلَلِ: مِئَتَيْ حُلَّةٍ. وتَرَكَ دِيَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَرْفَعْهَا فِيمَا رَفَعَ مِنَ الدِّيَةِ(1417)

يَتَّخِذُ هَذَا الاجْتِهَادُ التَّطْبِيقِيُّ طَابِعَ التَّعْدِيلِ فِي نَوْعِيَّةِ المَدْفُوعِ، لجِهَةِ التَّوْسِيعِ فِي مَضْمُونِ الدِّيَةِ. فَإبْقَاءُ عُمَرَ عَلَى الأصْلِ مَا أمْكَنَ، ثُمَّ تَخْفِيفُهُ عَمَّنْ لا يَمْلِكُونَ الإبِلَ بقَبُولِ القِيمَةِ. والزِّيَادَةُ فِيهَا تَبَعًا لتَغَيُّرِ قِيمَتِهَا، والتَّنْوِيعُ تَبَعًا للمَصْلَحَةِ، ورَفْعًا لحَرَجٍ قَدْ يَلْحَقُ بالنَّاسِ لَوْ كُلِّفُوا دَفْعَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُم(1418) ... كُلُّ ذَلِكَ اسْتِثْنَاءٌ سَلَكَهُ للجَمْعِ بَيْنَ نُصُوصِ الشَّرِيعَةِ ومَصْلَحَةِ النَّاسِ.

وإنَّمَا لَمْ يَرْفَعْ قِيمَةَ أهْلِ الذِّمَّةِ، فلَكَأنَّهُ عَلِمَ أنَّهَا فِي أهْلِ الكِتَابِ تَوْقِيفٌ، وفِي أهْلِ الإسْلامِ تَقْوِيمٌ(1419) .

يُسْتَفَادُ مِنِ اجْتِهَادِ عُمَرَ أنَّ تَقْوِيمَ الدِّيَةِ بالنَّقْدِ مَسْألَةٌ تَقْدِيرِيَّةٌ، تَخْضَعُ للأوْضَاعِ الاقْتِصَادِيَّةِ.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
النَّوْعُ الثَّانِي: سَدُّ الذَّرَائِعِ:

سَدُّ الذَّرَائِعِ: «مَنْعُ الجَائِزِ لِئَلاَّ يُتَوَسَّلَ بِهِ إلَى المَمْنُوعِ»(1420) . وهُوَ مَبْدَأٌ مُنْتَزَعٌ مِنْ أصْلِ النَّظَرِ فِي مَآلاتِ التَّطْبِيقِ، لجِهَةِ كَوْنِهِ تَوْثِيقًا لأصْلِ المَصْلَحَةِ فِي التَّشْرِيعِ(1421) . ووَجْهًا مِنْ وُجُوهِ الاسْتِثْنَاءِ بالرَّأيِ. ونَوْعًا مِنْ تَقْيِيدِ الحَقِّ، وتَوْجِيهِ اسْتِعْمَالِهِ، لِئَلاَّ يُفْضِيَ إلَى مَفْسَدَةٍ.

مُسَلَّطٌ عَلَى الحُقُولِ النَّصِّيَّةِ، فِي أحْوَالٍ غَيْرِ عَادِيَّةٍ، يَرْجِعُ أغْلَبُهَا إلَى الخَوْفِ مِنْ أنْ يُؤَدِّيَ تَطْبِيقُ الحُكْمِ الأصْلِيِّ الوَارِدِ فِي النَّصِّ، إلَى مَآلٍ مَمْنُوعٍ فِي بَعْضِ الأحْوَالِ(1422) ؛ كَأنْ يُفْضِيَ إلَى مَفْسَدَةٍ أوْ ضَرَرٍ لازِمٍ، مُسَاوٍ لتِلْكَ المَصْلَحَةِ أوْ زَائِدٍ عَلَيْهَا، فيَنْقَلِبَ النَّصُّ عَلَى رُوحِهِ، ويَحْصُلَ نَقِيضُ قَصْدِهِ. فيُمْنَعَ دَفْعًا للمَفْسَدَةِ، وحِمَايَةً لمَقْصُودِ المُشْتَرِعِ(1423) ، تَحْقِيقًا لسَلامَةِ العَاقِبَةِ، كَمَا يُعَبِّرُ عَنْهُ السَّادَةُ الشَّافِعِيَّةُ(1424) .

عَمِلَ عُمَرُ بهَذَا الأصْلِ وأخَذَ بِهِ، ومِمَّا قَالَ فِي التَّأصِيلِ لَهُ: «أيُّهَا النَّاسُ، إنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قُبِضَ ولَمْ يُفَسِّرْ

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لَنَا الرِّبَا(1425) فَاتْرُكُوا الرِّبَا، والرِّيبَةَ(1426) وقَالَ: فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ أنْ يُبَيِّنَهُ لَنَا! فَدَعُوا مَا يُرِيبُكُم إلَى مَا لا يُرِيبُكُم»(1427)

مِنْ شَوَاهِدِهِ:

إمْضَاءُ الطَّلاقِ الثَّلاثِ:

كَانَ الطَّلاقُ المُعْتَادُ فِي الزَّمَنِ الأوَّلِ يُوقَعُ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ، وهَذَا طَلاقُ السُّنَّةِ؛ أنْ يُوقِعَ الرَّجُلُ فِي كُلِّ طُهْرٍ طَلْقَةً. أمَّا إذَا تَكَرَّرَ مِنْهُمُ الطَّلاقُ، فتُعْتَبَرُ فِيهِ النِّيَّةُ؛ فَإنْ قَصَدَ الإيقَاعَ بِكُلِّ لَفْظَةٍ؛ تَقَعُ الثَّلاثُ. وإنْ كَانَ قَصْدُهُ التَّأكِيدَ؛ فَلا يَقَعُ إلاَّ وَاحِدَةً، «لقِلَّةِ إرَادَتِهِمُ الاسْتِئْنَافَ بذَلِكَ. فَيُحْمَلُ عَلَى الغَالِبِ الَّذِي هُوَ إرَادَةُ التَّأكِيدِ»(1428) .

كَذَا كَانَ الأمْرُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وعَهْدِ أبِي بَكْرٍ، والنَّاسُ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عَلَى صِدْقِهِم، وأمَانَتِهِم. فلَمَّا صَارَ عَهْدُ عُمَرَ وأسْرَعَ النَّاسُ فِيهِ، فمِنْهُم مَنْ لَمْ يَنْتَظِرِ الطُّهْرَ لإيقَاعِهِ. ومِنْهُم مَنْ جَمَعَ الثَّلاثَ بكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى أكْثَرُوا مِنْهَا. ورَأى عُمَرُ أمُورًا ظَهَرَتْ، وأحْوَالاً تَغَيَّرَتْ؛ ألْزَمَ النَّاسَ بالطَّلاقِ الثَّلاثَةِ المَجْمُوعَةِ، وحَكَمَ بوُقُوعِهِ(1429) ولَمْ يُعَوِّلْ عَلَى القَصْدِ.

قَالَ النَّوَوِيُّ: «فلَمَّا كَثُرَ اسْتِعْمَالُ النَّاسِ بهَذِهِ الصِّيغَةِ، وغَلَبَ مِنْهُم إرَادَةُ الاسْتِئْنَافِ بِهَا؛ حُمِلَتْ عِنْدَ الإطْلاقِ عَلَى الثَّلاثِ، عَمَلاً بالغَالِبِ السَّابِقِ إلَى الفَهْمِ مِنْهَا فِي ذَلِكَ العَصْرِ(1430) » .

يَعْرِضُ هَذَا الوَاقِعَ ابْنُ عَبَّاسٍ، فيَقُولُ: «كَانَ الطَّلاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وأبِي بَكْرٍ، وسَنَتَيْنِ مِنْ خِلافَةِ عُمَرَ، طَلاقُ الثَّلاثِ وَاحِدَةً. فَقَالَ عُمَرُ: «إنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أمْرٍ كَانَ لَهُم فِيهِ أنَاةٌ، فَلَوْ أمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِم». فأمْضَاهُ عَلَيْهِم»(1431) .

فَأوْقَفَ تَطْبِيقَ مَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وهُوَ جَعْلُ الطَّلاقِ الثَّلاثِ بلَفْظٍ وَاحِدٍ طَلْقَةً وَاحِدَةً، حِينَ رَأى تَتَابُعَ النَّاسِ فِي إيقَاعِهِ عَلَى خِلافِ المَشْرُوعِ، وأفْتَى بلُزُومِ الطَّلاقِ الثَّلاثِ لمَنْ أوْقَعَهَا مُجْتَمِعَةً. يَلْتَمِسُ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

زَجْرَهُم عَنْ هَذِهِ المُخَالَفَةِ، سَدًّا لذَرِيعَةِ الفَسَادِ المُتَجَلِّيَةِ فِي مُنَاكَفَةِ الطَّلاقِ المَسْنُونِ، مِمَّا يَنْسَجِمُ تَمَامًا مَعَ تَعْرِيفِ الشَّاطِبِيِّ للذَّرَائِعِ، فِي قَوْلِهِ: «مَنْعُ الجَائِزِ لِئَلاَّ يُتَوَسَّلَ بِهِ إلَى المَمْنُوعِ»(1432)

ويدُلُّ لَهُ مِنْ جِهَةِ القِيَاسِ أنَّ هَذَا طَلاقٌ أوْقَعَهُ مَنْ يَمْلِكُهُ، فَوَجَبَ أنْ يَلْزَمَهُ، كَمَا لَوْ أوْقَعَهُ مُفَرَّقًا(1433) .

وفِي الحُكْمِ هَذَا مُرَاعَاةٌ لجَانِبِ تَبَدُّلِ العُرْفِ، وبِنَاءِ الحُكْمِ عَلَيْهِ، لجِهَةِ أنَّ عُمَرَ أمْسَكَ عَنِ اعْتِبَارِ القَصْدِ والنِّيَّةِ، وأمْضَى الثَّلاثَ عَلَى مَنْ نَطَقَ بِهَا، مِنْ غَيْرِ تَنْوِيهٍ وسُؤَالٍ عَمَّا يُرِيدُ بذَلِكَ(1434) .

قَالَ ابْنُ القَيِّمِ: «مِنْ كَمَالِ عِلْمِهِ رضي الله عنه أنَّهُ عَلِمَ أنَّ اللهَ لَمْ يَجْعَلِ المَخْرَجَ إلاَّ لمَنِ اتَّقَاهُ، ورَاعَى حُدُودَهُ. وهَؤُلاءِ لَمْ يتَّقُوهُ فِي الطَّلاقِ، ولَمْ يُرَاعُوا حُدُودَهُ، فَلا يَسْتَحِقُّونَ المَخْرَجَ الَّذِى ضَمِنَهُ لمَنِ اتَّقَاهُ(1435) ». قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحصُوا العِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُم ۖ لا تُخرِجوهُنَّ مِن بُيوتِهِنَّ وَلا يَخرُجنَ إِلّا أَن يَأتينَ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ۚ وَتِلكَ حُدودُ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدودَ اللَّهِ فَقَد ظَلَمَ نَفسَهُ ۚ لا تَدري لَعَلَّ اللَّهَ يُحدِثُ بَعدَ ذٰلِكَ﴾(1436) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فمَشَى عُمَرُ عَلَى هَذَا الحُكْمِ، إلاَّ فِي مَسْألَةٍ افْتَأتَتْ فِيهَا امْرَأةٌ عَلَى حَقِّ زَوْجِهَا إذْ طَلَّقَتْهُ ثَلاثًا، فَمَنَعَهُ. جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: إنَّهُ كَانَ بَيْنِي وبَيْنَ امْرَأتِي بَعْضُ الكَلامِ. فَقَالَتْ: لَوْ أنَّ الَّذِي مِنْ أمْرِي بيَدِي؛ لَعَلِمْتَ كَيْفَ أصْنَعُ. فَقُلْتُ: فَإنِّي أُشْهِدُكِ أنَّ الَّذِي مِنْ أمْرِكِ بيَدِي بِيَدِكِ. قَالَتْ: فَأنْتَ طَالِقٌ ثَلاثًا!

قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَهِيَ وَاحِدَةٌ، وأنْتَ أحَقُّ بِهَا. وسَأسْألُ عَنْ ذَلِكَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ .

فَرَكِبَ، فَلَقِيَ عُمَرَ، فَقَصَّ عَلَيْهِ القِصَّةَ. فَقَالَ: «بفِيهَا الحَجَرُ. فَعَلَ اللهُ بالرِّجَالِ وفَعَلَ، يَعْمِدُونَ إلَى مَا جَعَلَ اللهُ فِي أيْدِيهِم مِنْ أمْرِ النِّسَاءِ، فيَجْعَلُونَهُ فِي أيْدِيهِنَّ! مَا تَرَى؟».

قُلْتُ: أُرَاهَا وَاحِدَةً، وهُوَ أحَقُّ بِهَا. قَالَ: «نِعْمَ مَا رَأيْتَ. ولَوْ رَأيْتَ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ تُصِبْ»(1437) .

المَنْعُ مِنَ الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ:

صَلَّى عُمَرُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ، وضَرَبَ عَلَيْهِمَا! فَكَيْفَ يُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنِ قَوْلِهِ وفِعْلِهِ؟

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الَّذِي يَتَرَاءَى لَنَا مِنْ مَجْمُوعِ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا المَوْضُوعِ، أنَّ نَهْيَ عُمَرَ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ لَيْسَ لذَاتِهِمَا، وإنَّمَا هُوَ لأحَدِ ثَلاثَةِ أسْبَابٍ(1438) :

الأوَّلُ: خَشْيَةَ أنْ تُوصَلَ صَلاةٌ بصَلاةٍ:

يَشْهَدُ لَهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم صَلَّى العَصْرَ، فَقَامَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فَرَآهُ عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ؛ فَإنَّمَا هَلَكَ أهْلُ الكِتَابِ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لصَلاتِهِمْ فَصْلٌ(1439) . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أحْسَنَ ابْنُ الخَطَّابِ»(1440) .

الثَّانِي: خَشْيَةَ الاسْتِمْرَارِ فِي الصَّلاةِ بَعْدَهُمَا:

عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ(1441) أنَّ عُمَرَ رَآهُ –وهُوَ خَلِيفَةٌ- رَكَعَ بَعْدَ العَصْرِ فضَرَبَهُ، ثُمَّ قَالَ: «يَا زَيْدُ، لَوْلا أنِّي أخْشَى أنْ يتَّخِذَهُمَا النَّاسُ سُلَّمًا إلَى الصَّلاةِ حَتَّى اللَّيْلِ؛ لَمْ أضْرِبْ فِيهِمَا»(1442) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الثَّالِثُ: خَشْيَةَ أنْ يتَوَسَّعَ النَّاسُ مَعَ الزَّمَنِ، فيُصَلُّوهُمَا وَقْتَ الاصْفِرَارِ:

وهُوَ المُرَادُ بالأحَادِيثِ النَّاهِيَةِ عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ نَهْيًا مُطْلَقًا، وهُوَ وَقْتُ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ؛ لكَوْنِ الشَّمْسِ تَطْلُعُ وتَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، فحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الكُفَّارُ! قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لا تُصَلُّوا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ولا عِنْدَ غُرُوبِهَا؛ فإنَّهَا تَطْلُعُ وتَغْرُبُ عَلَى قَرْنِ شَيْطَانٍ. وصَلُّوا بَيْنَ ذَلِكَ مَا شِئْتُمْ»(1443) .

وقَدْ جَاءَ عَنْ عُمَرَ نَفْسِهِ مَا يُؤَكِّدُ هَذَا الفَهْمَ، حِينَ قَالَ لمَنْ صَلاَّهَا –وقَدْ نَهَاهُ مُتَأوِّلاً-: «إنِّي لَيْسَ بِي إيَّاكُم، أيُّهَا الرَّهْطُ. ولَكِنِّي أخَافُ أنْ يَأتِيَ بَعْدَكُم قَوْمٌ ، يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ العَصْرِ إلَى المَغْرِبِ، حَتَّى يَمُرُّوا بالسَّاعةِ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أنْ يُصَلَّى فِيهَا، كَمَا وَصَلُوا بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: قَدْ رَأيْنَا فُلانَ وفُلانَ يُصَلُّونَ بَعْدَ العَصْرِ!»(1444) .

وقَالَ: «لا تُصَلُّوا بَعْدَ العَصْرِ؛ فإنِّي أخَافُ عَلَيْكُم أنْ تَتْرُكُوهَا إلَى غَيْرِهَا»(1445) . يَعْنِي: إلَى وَقْتِ الاصْفِرَارِ المُحَرَّمِ.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ(1446) ، قَالَ: سَألْتُ عَائِشَةَ عَنْ صَلاةِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَيْفَ كَانَ يُصَلِّي؟ فَقَالَتْ: «... ثُمَّ يُصَلِّي العَصْرَ، ثُمَّ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ». قُلْتُ: فَقَدْ كَانَ عُمَرُ يَضْرِبُ عَلَيْهِمَا ويَنْهَى عَنْهُمَا! فَقَالَتْ: «كَانَ عُمَرُ يُصَلِّيهِمَا، وقَدْ عَلِمَ أنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُصَلِّيهِمَا، ولَكِنَّ قَوْمَكَ أهْلَ اليَمَنِ قَوْمٌ طَغَامٌ(1447) ؛ يُصَلُّونَ الظُّهْرَ ثُمَّ يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، ويُصَلُّونَ العَصْرَ ثُمَّ يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ العَصْرِ والمَغْرِبِ! فَضَرَبَهُم عُمَرُ، وقَدْ أحْسَنَ(1448) » .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَهَذَا صَرِيحٌ أنَّ عُمَرَ كَانَ يَرَى النَّهْيَ عَنِ الصَّلاةِ بَعْدَ العَصْرِ، خَشْيَةَ إيقَاعِهَا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ. فيَتَلَخَّصُ مِمَّا سَبَقَ أنَّ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ سُنَّةٌ إذَا صُلِّيَتِ العَصْرُ مَعَهُمَا قَبْلَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ، وأنَّ ضَرْبَ عُمَرَ عَلَيْهِمَا جَرَى عَلَى سَنَنِ الاجْتِهَادِ الاسْتِثْنَائِيِّ.

تَوْرِيثُ المَبْتُوتَةِ فِي مَرَضِ الوَفَاةِ:

أمْرُ الجَزَاءِ عَلَى المُنَاسَبَةِ. فمَنْ عَصَى بالإقْدَامِ عَلَى شَيْءٍ، فجَزَاؤُهُ أنْ يُؤْلَمَ بفَقْدِ مِثْلِ تِلْكَ اللَّذَّةِ عِنْدَ طَلَبِهِ لَهَا، واسْتِشْرَافِهِ عَلَيْهَا(1449) ، مِنْ بَابِ مُعَامَلَةِ المَرْءِ بنَقِيضِ قَصْدِهِ، اسْتِنَادًا إلَى القَاعِدَة الفِقْهِيَّةِ: «مَنِ اسْتَعْجَلَ الشَّيْءَ قَبْلَ أوَانِهِ عُوقِبَ بحِرْمَانِهِ. مِنْ ذَلِكَ: الطَّلاقُ التَّعَسُّفِيُّ الَّذِي يُقْصَدُ مِنْهُ مَنْعُ المُطَلَّقَةِ مِنَ المِيرَاثِ!

كَتَبَ شُرَيْحٌ القَاضِي إلَى عُمَرَ فِي رَجُلٍ طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا وهُوَ مَرِيضٌ!

فَأجَابَهُ: «أنْ وَرِّثْهَا مَا دَامَتْ فِي عِدَّتِهَا، فَإذَا انْقَضَتِ العِدَّةُ فَلا مِيرَاثَ لَهَا»(1450) .

إنَّ الَّذِي دَفَع عُمَرَ إلَى تَوْرِيثِهَا مِنْهُ رَغْمَ أنَّ الحُكْمَ الأصْلِيَّ هُوَ أنْ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لا حَقَّ لَهَا فِي المِيرَاثِ، خَشْيَتُهُ أنْ يُصْبِحَ ذَلِكَ عَادَةً فِي النَّاسِ بحَيْثُ يَسْتَنِدُ كُلُّ فَارٍّ مِنْ تَوْرِيثِ زَوْجَتِهِ بتَطْلِيقِهَا فِي مَرَضِهِ، إلَى فِعْلِ هَذَا فِي خِلافَةِ عُمَرَ وسُكُوتِهِ عَنْهُ!

ومَا كَانَ ليَكُونَ طَالَمَا أنَّ القَصْدَ مِنْ طَلاقِهَا أنْ يَمْنَعَهَا مِنْ حَقٍّ مِنْ حُقُوقِهَا بمُوجِبِ عَقْدِ الزَّوْجِيَّةِ بَيْنَهُمَا، وإذْ قَدْ تَعَسَّفَ فِي اسْتِخْدَامِ هَذِهِ السُّلْطَةِ المَمْنُوحَةِ إلَيْهِ بإنْزَالِ الطَّلاقِ عَلَيْهَا، بغَيْرِ وَجْهِ حَقٍّ، بل لمُضَارَّاتِهَا، فإنَّهُ يُمْنَعُ مِنَ الحُصُولِ عَلَى مُرَادِهِ، بإعْطَائِهَا نَصِيبَهَا مِنَ المِيرَاثِ.

فَلَيْسَ عَمَلُ الزَّوْجِ إلاَّ ضَرْبًا مِنَ الحِيلَةِ المُحَرَّمَةِ المُقَنَّعَةِ، الَّتي تَبْدُو جَائِزَةً فِي ظَاهِرِهَا، ليَتَخَلَّصَ مِنَ الزَّوْجَةِ فِي السَّبَبِ غَيْرِ المُبَاشِرِ مِنْ تَطْلِيقِهَا، وهُوَ يَنْظُرُ إلَى حِرْمَانِهَا مِنْ حَقِّهَا فِي الإرْثِ!

النَّهْيُ عَنْ مُتْعَةِ الحَجِّ:

نَهَى عُمَرُ عَنِ المُتْعَةِ فِي الحَجِّ، وهِيَ: الإهْلالُ بعُمْرَةٍ فِي أشْهُرِ الحَجِّ، ثُمَّ يُحْرِمُ بالحَجِّ مِنْ مَكَّةَ(1451) وقَالَ: «افْصِلُوا بَيْنَ حَجِّكُم وعُمْرَتِكُم؛ فَإنَّ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ذَلِكَ أتَمُّ لحَجِّ أحَدِكُم، وأتَمُّ لعُمْرَتِهِ أنْ يَعْتَمِرَ فِي غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ»(1452)

ثُمَّ يُبَيِّنُ مُسْتَنَدَهُ فِي هَذَا المَنْزِعِ، فيَقُولُ: «إنَّ اللهَ كَانَ يُحِلُّ لرَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم مَا شَاءَ بِمَا شَاءَ، وإنَّ القُرْآنَ قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ، فَ ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمرَةَ لِلَّهِ﴾(1453) ، كَمَا أمَرَكُمُ اللهُ»(1454) .

ووَرَدَ نَهْيُهُ عَنِ التَّمَتُّعَ بصِيغَةٍ أشَدَّ، ذَلِكُم قَوْلُهُ: «مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وأنَا أنْهَى عَنْهُمَا، وأعَاقِبُ عَلَيْهِمَا: مُتْعَةُ النِّسَاءِ، ومُتْعَةُ الحَجِّ»(1455) .

ولَمْ تَخْلُ بَيَانَاتُ عُمَرَ فِي هَذَا المَوْرِدِ، مِنَ الإسْفَارِ عَنِ العِلَّةِ البَاعِثَةِ عَلَى اجْتِهَادِهِ، فَقَالَ مُتَأوِّلاً: «عَلِمْتُ أنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ فَعَلَهُ وأصْحَابُهُ، ولَكِنْ كَرِهْتُ أنْ يَظَلُّوا مُعْرِسِينَ بِهِنَّ(1456) فِي

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأرَاكَ(1457) ثُمَّ يَرُوحُونَ فِي الحَجِّ تَقْطُرُ رُؤُوسُهُم(1458)(1459)

لقد كَانَ مِنْ رَأيِ عُمَرَ عَدَمُ التَّرَفُّهِ للحَجِّ بكُلِّ طَرِيقٍ، قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: «فَكَرِهَ لَهُم قُرْبَ عَهْدِهِم بالنِّسَاءِ، لئَلاَّ يَسْتَمِرَّ المَيْلُ إلَى ذَلِكَ، بخِلافِ مَنْ بَعُدَ عَهْدُهُ بِهِ»(1460) .

وبَيْنَا هُوَ وَاقِفٌ بعَرَفَاتٍ، إذْ أبْصَرَ رَجُلاً يَقْطُرُ رَأسُهُ طِيبًا! فَقَالَ لَهُ: «ألَسْتَ مُحْرِمًا؟ وَيْحَكَ!». فَقَالَ: بَلَى، يَا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ. قَالَ: «مَا لِي أرَاكَ يَقْطُرُ رَأْسُكَ طِيبًا، والمُحْرِمُ أشْعَثُ أغْبَرُ؟!».

قَالَ: أهْلَلْتُ بالعُمْرَةِ مُفْرَدَةً، وقَدِمْتُ مَكَّةَ ومَعِي أهْلِي، فَفَرَغْتُ مِنْ عُمْرَتِي، حَتَّى إذَا كَانَ عَشِيَّةُ التَّرْوِيَةِ أهْلَلْتُ بالحَجِّ.

فَرَأى عُمَرُ أنَّ الرَّجُلَ قَدْ صَدَقَهُ، إنَّمَا عَهْدُهُ بالنِّسَاءِ والطِّيبِ بالأمْسِ.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَنَهَى عُمَرُ عِنْدَ ذَلِكَ عَنِ المُتْعَةِ، وقَالَ: «إذًا، وَاللهِ، لأوْشَكْتُم لَوْ خَلَّيْتُ بَيْنَكُم وبَيْنَ المُتْعَةِ أنْ تُضَاجِعُوهُنَّ تَحْتَ أرَاكِ عُرَنَةَ(1461) ثُمَّ تَرُوحُونَ حُجَّاجًا!»(1462)

وبَعْدُ، فَهَلْ يَصِحُّ أنْ يُقَالَ: إنَّ عُمَرَ قَصَدَ تَحْرِيمَ الحَلالِ، والمَنْعَ مِنْ رُخْصَةٍ ثَابِتَةٍ شَرْعًا؟

فِي الحَقِيقَةِ، عُمَرُ لَمْ يَرْمِ إلَى شَيْءٍ مِنْ هَذَا القَبِيلِ البَتَّةَ(1463) . بَلِ الَّذِي قَامَ بِهِ أنَّهُ نَظَرَ إلَى المَصْلَحَةِ المُحَقَّقَةِ الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا تَشْرِيعُ الرُّخْصَةِ، فَلَمَّا لاحَ لَهُ أنَّ المُقْتَضِيَ لذَلِكَ قَدْ تَغَيَّرَ تَغَيُّرًا يُوجِبُ إعَادَةَ النَّظَرِ والتَّكْيِيفِ؛ اسْتَجَابَ لَهُ وعَمِلَ بِهِ.

بدَلِيلِ مَا وَرَدَ عَنِ الصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ التَّغْلِبِيِّ(1464) قَالَ: كُنْتُ امْرَأً نَصْرَانِيًّا

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَأسْلَمْتُ، فَوَجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ وَاجِبَتَيْنِ عَلَيَّ(1465) فَقَرَنْتُ بَيْنَهُمَا. فَلَقِيتُ نَفَرًا مِنَ الصَّحَابَةِ فِيهِم: زَيْدُ بْنُ صُوحَانَ(1466) وسَلْمَانُ بْنُ

رَبِيعَةَ(1467) . فَقَالَ أحَدُهُمَا لصَاحِبِهِ: هُوَ أضَلُّ مِنْ بَعِيرِهِ! فَلَقِيتُ عُمَرَ فَأخْبَرْتُهُ بذَلِكَ. فَقَالَ: «مَا قَالا لَيْسَ بشَيْءٍ، هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم». مَرَّتَيْنِ(1468) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قَالَهَا عَلَى التَّصْوِيبِ، لا عَلَى الدُّعَاءِ(1469) .

وفِي إضَافَةِ السُّنَّةِ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إشْعَارٌ بحُكْمِ الرَّفْعِ، ولَمْ يَحْتَجْ مَعَ الإضَافَةِ إلَى حِكَايَةِ لَفْظِهِ أوْ فِعْلِهِ. مَا يُلْفِتُ إلَى إلْمَامِ عُمَرَ بالمَسْألَةِ، وحِرْصِهِ عَلَى قَفْوِ أثَرِهِ صلى الله عليه وسلم(1470) .

أخْلُصُ إلَى القَوْلِ:

لَقَدْ وَرَدَ المَنْعُ مِنَ العُمْرَةِ فِي أشْهُرِ الحَجِّ مَقْرُونًا ببَيَانِ عِلَّتِهِ، وهُوَ النَّظَرُ إلَى مَآلاتِ الأفْعَالِ ونَتَائِجِ التَّصَرُّفَاتِ، عَلَى النَّحْوِ الآتِي(1471) :

أوَّلاً: تَخَوَّفَ عُمَرُ مِنِ اتِّخَاذِ هَذِهِ العُمْرَةِ ذَرِيعَةً إلَى الاكْتِفَاءِ بِهَا عَنِ الحَجِّ، وهُوَ تَعْطِيلٌ لشَرعِ اللهِ! كَمَا أنَّ فِي تَرْكِ الإفْرَادِ والقِرَانِ نِسْيَانًا لَهُمَا مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ، ولَرُبَّمَا ادَّعَى البَعْضُ نَسْخَهُمَا!

ثَانِيًا: كَمَا تَخَوَّفَ مِنَ الاكْتِفَاءِ بِهَا فِي أشْهُرِ الحَجِّ دُونَ أشْهُرِ العَامِ، فيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ خُلُوُّ الحَرَمِ مِنَ الطَائِفِينَ، أوْ نَقِيضُهُ وهُوَ ازْدِحَامُ البَيْتِ فِي المَوْسِمِ وإرْهَاقُ أهْلِهِ، وهُوَ عَكْسُ مَا أرَادَ اللهُ مِنْ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إعْمَارِ البَيْتِ الحَرَامِ(1472)

ثَالِثًا: تَرْتِيبُ النَّهْيِ عَلَى مَا يَلْحَقُ العُمْرَةَ مِنَ التَّحَلُّلِ وانْتِظَارِ وَقْتِ الحَجِّ، لِمَا فِيهِ مِنْ إيثَارٍ لشَهَوَاتِ النِّسَاءِ عَلَى التَّفَرُّغِ للطَّاعَةِ بالبَقَاءِ فِي الإحْرَامِ، وهُوَ خُرُوجٌ عَمَّا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الحَاجُّ مِنْ تَجَرُّدٍ وخُضُوعٍ وذِكْرٍ للهِ تَعَالَى(1473) .

رَابِعًا: خَشْيَةَ أنْ يُصَاحِبَ الإحْرَامَ بالحَجِّ عَقِبَ التَّحَلُّلِ مِنَ المُتْعَةِ أثَرُ طِيبٍ، عَلَى نَحْوِ مَا وَرَدَ المَنْعُ مِنْهُ فِي احْتِيَاطِ عُمَرَ.

لهَذِهِ المُوجِبَاتِ يَقُولُ ابْنُ سِيرِينَ: «هُم شَهِدُوا، وهُم نَهَوا عَنْهَا، فَمَا فِي رَأيِهِم مَا يُرْغَبُ عَنْهُ، ولا فِي نَصِيحَتِهِم مَا يُتَّهَمُ»(1474) .

وهِيَ – بحَسْبِ مَا يَذْهَبُ إلَيْهِ ابْنُ القَيِّمِ- سِيَاسَةٌ جُزْئِيَّةٌ اقْتَضَتْهَا المَصْلَحَةُ المُطَّلِعَةُ عَلَى ظُرُوفِ المُجْتَمَعِ ومَا يُقَوِّمُهُ، ولَيْسَتْ شَرِيعَةً عَامَّةً لازِمَةً للأمَّةِ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ(1475) .

مِنْ خِلالِ هَذِهِ النَّمَاذِجِ، يتَجَلَّى بوُضُوحٍ، أنَّ مَفْهُومَ سَدِّ الذَّرَائِعِ مُتَأسِّسٌ عَلَى حَسْمِ أسْبَابِ الفَسَادِ قَبْلَ حُصُولِهِ، لكَوْنِهِ تَدَخُّلاً وِقَائِيًّا مِنَ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المُجْتَهِد، يَبْعَثُهُ عَلَى سُلُوكِهِ مَا يَجِدُ مِنِ اخْتِلالٍ فِي مَوَازِينِ الحَقِّ؛ بانْحِسَارِ المَعْنَى الاجْتِمَاعِيِّ مِنْ مَفْهُومِ الحَقِّ الفَرْدِيِّ غَالِبًا(1476) أوْ تَوَقُّعِ مَفْسَدَةٍ مُحَقَّقَةٍ قَدْ لا تُفَرِّقُ فِي لُحُوقِهَا بَيْنَ الفَرْدِ والمُجْتَمَعِ(1477)

مَعَ نِهَايَةِ هَذَا المَبْحَثِ، أخْتَتِمُ البَابَ الثَّانِيَ والأخِيرَ، وبِالتَّالِي أكُونُ قَدْ أنْجَزْتُ مَا عَزَمْتُ عَلَيْهِ مِنْ دِرَاسَةِ المَنْهَجِ الأصُولِيِّ للاجْتِهَادِ بالرَّأيِ، لَدَى أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه، لأسْتَخْلِصَ تَالِيًا أهَمَّ النَّتَائِجِ والتَّوْصِيَاتِ.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الخَاتِمَةُ

أهَمُّ النَّتَائِجِ والتَّوْصِيَاتِ

ربِّ لَكَ الحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ ومِلْءَ الأرْضِ، ومِلْءَ مَا بَيْنَهُمَا ومِلْءَ مَا شِئْتَ مِن شَيْءٍ بَعْدُ، أهْلَ الثَّنَاِء والحَمْدِ، وأهْلَ الكِبْرِيَاءِ والمَجْدِ. لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أنْتَ كَمَا أثْنَيْتَ على نَفْسِكَ. عَزَّ جَاهُكَ، وجَلَّ جَلالُكَ، وتَقَدَّسَتْ أسْمَاؤُكَ، لاَ إلَهَ إلاَّ أنْتَ. أكْرَمْتَنِي ووَفَّقْتَنِيَ عَلَى تَقْدِيمِ شَخْصِيَّةِ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه كَإمَامٍ مُجْتَهِدٍ، فِي المَجَالَيْنِ التَّأصِيلِيِّ والتَّنْزِيلِيِّ، والتَّنْظِيرِيِّ والتَّطْبِيقِيِّ، فأسْألُكَ المَزِيدَ مِنْ فَضْلِكَ ونَوَالِكَ، ولَكَ الحَمْدُ أوَّلاً ولَكَ الحَمْدُ آخِرًا.

وحَيْثُ لا بُدَّ فِي الخِتَامِ، مِنِ اسْتِعْرَاضِ أهَمِّ مَا خَلَصَتْ إلَيْهِ الدِّرَاسَةُ مِنَ النَّتَائِجِ العِلْمِيَّةِ، إنْ عَلَى صَعِيدِ البَحْثِ التَّأرِيخِيِّ، أوِ الأصُولِيِّ، مَعَ التَّنْوِيهِ بتَوْصِيَاتٍ رَشَحَتْ فِي الخَاطِرِ؛ أجِدُ مِنْ تَمَامِ النُّصْحِ الإفْصَاحَ عَنْهَا.

لذَلِكَ، جَاءَتِ الخَاتِمَةُ مُتَضَمِّنَةً الآتِي:

أوَّلاً:

النَّتَائِجُ. ثَانِيًا: التَّوْصِيَاتُ.

أوَّلاً: النَّتَائِجُ:

خَلَصْتُ مِنْ هَذِهِ الدِّرَاسَةِ بتِسْعِ نَتَائِجَ هَامَّةٍ، بَيَانُهَا عَلَى الوَجْهِ الآتِي:

لأُسْرَةِ عُمَرَ وسُلالَتِهِ ونَسَبِهِ تَأثِيرٌ فِي صَقْلِ شَخْصِيَّتِهِ الفِكْرِيَّةِ، فأثَارَ انْتِبَاهَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وكَانَ مَحَطَّ نَظَرِهِ ومَوْضِعَ رَجَائِهِ، حَتَّى أطْلَقَ عَلَيْهِ صِفَةَ العَبْقَرِيَّةِ. حَمَلَ عُمَرُ مِنْ ظُرُوفِ نَشْأتِهِ وبِيئَتِهِ إلَى إسْلامِهِ، القُوَّةَ فِي المَوْقِفِ والصَّدْعَ بالحَقِّ. وعَادَتْ عَلَيْهِ أعْمَالُهُ فِي الجَاهِلِيَّةِ ومُكْتَسَبَاتُهُ فِيهَا بالخَيْرِ، الَّذِي أسْهَمَ مِنْ خِلالِهِ فِي تَوْفِيرِ مُخْتَلِفِ احْتِيَاجَاتِ النُّظُمِ المَدَنِيَّةِ، عَلَى الصَّعِيدِ السِّيَاسِيِّ، والاقْتِصَادِيِّ، والثَّقَافِيِّ، وغَيْرِهَا. تتَجَلَّى القِيمَةُ التَّشْرِيعِيَّةُ لخِلافَةِ عُمَرَ، فِي كَوْنِهَا تُمَثِّلُ البَيَانَ الفِعْلِيَّ والتَّطْبِيقَ الوَاقِعِيَّ الأمْثَلَ، لِمَا جَادَتْ بِهِ المَصَادِرُ التَّشْرِيعِيَّةُ. سَارَ عُمَرُ فِي ضَوْءِ مَنْهَجٍ أصُولِيٍّ، سَطَّرَ مَلامِحَهُ فِي العَدِيدِ مِنْ كُتُبِهِ ورَسَائِلِهِ إلَى وُلاتِهِ. واجْتَهَدَ فِي النَّصِّ تَقْرِيرًا وتَغْيِيرًا، فلَمْ يُطَبِّقِ الأحْكَامَ آلِيًّا، بَلْ لَحَظَ اخْتِلافَ الأسْبَابِ والظُّرُوفِ والمُنَاسَبَاتِ، ووَازَنَ بَيْنَ الحُكْمِ ومَآلِهِ، فأجْرَاهُ حِينًا واسْتَثْنَاهُ حِينًا آخَرَ، عَمَلاً بمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، ودَوَرَانًا مَعَ العِلَّةِ. تَمَيَّزَ اجْتِهَادُ عُمَرَ باتِّبَاعِهِ طَرِيقَةَ الشُّورَى فِي تَبَيُّنِ الحُكْمِ، وعَدَمِ الخُضُوعِ للمُوَاضَعَاتِ

الاصْطِلاحِيَّةِ، إلَى جَانِبِ اقْتِصَارِهِ عَلَى النَّوَازِلِ الفِعْلِيَّةِ، والحِرْصِ عَلَى تَوْظِيفِ المَصَادِرِ الأصْلِيَّةِ، فَضْلاً عَنِ اعْتِمَادِ آلِيَّةِ الجَدَلِ والمُنَاظَرَةِ، والاسْتِنَادِ إلَى المَعَانِي العَامَّةِ ومُطْلَقِ المُنَاسَبَاتِ. رَفَدَ هَذَا الاجْتِهَادَ عَوَامِلُ زَادَتْ مِنْ أهَمِّيَّتِهِ؛ فمُعَاصَرَةُ الوَحْيِ تَنَزُّلاً وتَطْبِيقًا عَامِلٌ نَشِطٌ، فِي إدْرَاكِ مَا يَغِيبُ عَمَّنْ نَأتْ بِهِمُ الدَّارُ والمَنْزِلَةُ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الحَقَائِقِ، إضَافَةً إلَى المُشَارَكَةِ العَمَلِيَّةِ فِي التَّطْبِيقِ زَمَنَ الرِّسَالَةِ، مَعَ امْتِلاكِهِ لُغَةَ التَّشْرِيعِ بالسَّلِيقَةِ، والاطِّلاعِ عَلَى شُؤُونِ الوَاقِعِ والمَعْرِفَةِ بطَبَائِعِ النَّاسِ، ذَلِكَ كُلُّهُ أكْسَبَهُ ثِقَةَ كِبَارِ المُجْتَهِدِينَ. شَجَّعَ عُمَرُ عَلَى الاجْتِهَادِ، فنَشِطَتِ الحَرَكَةُ العِلْمِيَّةُ فِي عَهْدِهِ. فَاتَّفَقَتِ الآرَاءُ حِينًا، واخْتَلَفَتْ أحْيَانًا أخْرَى. كَانَ مَرَدُّ اخْتِلافِهَا إلَى الحِفْظِ والضَّبْطِ ومُتَعَلِّقَاتِهِمَا، أوْ إلَى التَّفَاوُتِ فِي مَدَارِكِ النَّظَرِ، لجِهَةِ تَفْسِيرِ النَّصِّ، وفَهْمِ الخِطَابِ، وتَوْصِيفِ فِعْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، والمَنْهَجِيَّةِ المُعْتَمَدَةِ فِي دَفْعِ التَّعَارُضِ عَنْ ظَوَاهِرِ النُّصُوصِ. بالإضَافَةِ إلَى تَبَايُنِ المُجْتَهِدِينَ فِي تَحْقِيقِ المَنَاطِ بمَعْنَاهُ العَامِّ، وتَفَاوُتِهِم فِي إدْرَاكِ مَآلِ التَّطْبِيقِ. اتَّخَذَ عُمَرُ مِنَ النُّصُوصِ المُفَسَّرَةِ، والسَّوَابِقِ القَضَائِيَّةِ، ومَقَاصِدِ التَّشْرِيعِ، الأسُسَ المَرْجِعِيَّةَ لضَبْطِ عَمَلِيَّةِ الاجْتِهَادِ، مُرَاعِيًا العَدْلَ

والمَصْلَحَةَ فِي تَصَرُّفَاتِهِ كَإمَامٍ حَاكِمٍ. اجْتَهَدَ عُمَرُ فِي مَا فِيهِ نَصٌّ، مِنْ خِلالِ الإفَادَةِ مِنْ آفَاقِهِ، وتَحْدِيدِ نِطَاقِ التَّأوِيلِ باعْتِبَارِ دَلالَتِهِ، وتَبْيِينِ المُرَادِ مِنَ الصِّيَغِ الشَّامِلَةِ، وتَحْدِيدِ نَوْعِيَّةِ التَّكْلِيفِ مِنْ خِلالِ دَرَجَةِ الاقْتِضَاءِ، والتَّرْجِيحِ بَيْنَ النُّصُوصِ المُتَعَارِضَةِ. كمَا اجْتَهَدَ فِي مَا لا نَصَّ فِيهِ، إنْ مِنْ خِلالِ الإلْحَاقِ عَنْ طَرِيقِ المَعَانِي القِيَاسِيَّةِ. أوْ عَنْ طَرِيقِ البَدَائِلِ البَيَانِيَّةِ؛ كَالاسْتِصْلاحِ، والعُرْفِ، والاحْتِيَاطِ. أوْ عَنْ طَرِيقِ قَوَاعِدِ الاجْتِهَادِ الاسْتِثْنَائِيِّ؛ فَاسْتَحْسَنَ وسَدَّ الذَّرِيعَةَ.

ثَانِيًا: التَّوْصِيَاتُ:

هَذِهِ بَعْضُ التَّوْصِيَاتِ الَّتِي رَأيْتُ مِنَ المُفِيدِ التَّنْبِيهَ عَلَيْهَا، ولَفْتَ النَّظَرِ إلَيْهَا، ودَعْوَةَ طَلَبَةِ العِلْمِ إلَى بَحْثِهَا:

التَّبَحُّرُ فِي دِرَاسَةِ حَيَاةِ مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ أصُولِيًّا، سِيَّمَا مَنِ اشْتَهَرَ عَنْهُ النُّبُوغُ الفِكْرِيُّ، والبُعْدُ التَّنْظِيرِيُّ، والبَحْثُ التَّطْبِيقِيُّ، مِنْ خِلالِ دِراسَةِ مَنَاهِجِهِمُ الاسْتِنْبَاطِيَّةِ، ومَسَالَكِهِمُ التَّعْلِيلِيَّةُ. والتَّفْصِيلُ فِي أثَرِ السَّوَابِقِ القَضَائِيَّةِ، والاخْتِيَارَاتِ الفِقْهِيَّةِ عَلَى المَدَارِسِ الأصُولِيَّةِ والمَذَاهِبِ الاجْتِهَادِيَّةِ. وتَأصِيلُ المَنْهَجِ الَّذِي أسْهَمَ فِي تَكْوِينِ الصِّيَاغَةِ

العِلْمِيَّةِ للقَضَايَا الشَّرْعِيَّةِ. الاعْتِنَاءُ بالاجْتِهَادِ المَقَاصِدِيِّ لَدَى الصَّحَابَةِ، وكَيْفَ أنَّهُم أنْزَلُوا الأحْكَامَ عَلَى الوَقَائِعِ، اعْتِمَادًا عَلَى رُوحِ الشَّرِيعَةِ وتَطَلُّعَاتِهَا العَظِيمَةِ، فِي تَكْوِينِ الفَرْدِ السَّوِيِّ، وبِنَاءِ المُجْتَمَعِ المَدَنِيِّ المُتَحَضِّرِ. بَحْثُ الاجْتِهَادَاتِ الفُرُوعِيَّةِ مَقْرُونَةً بأبْعَادِهَا الأصُولِيَّةِ، ومَشْفُوعَةً بالدِّرَاسَةِ التَّحْلِيلِيَّةِ للبَوَاعِثِ التَّشْرِيعِيَّةِ، النَّاهِضَةِ بالتَّوْصِيفَاتِ المُلائِمَةِ للمُسْتَجِدَّاتِ الطَّارِئَةِ عَلَى المُجْتَمَعِ أوِ الفَرْدِ، فِي سَبِيلِ تَجْلِيَةِ وَجْهٍ مِنْ أوْجُهِ خُلُودِ الشَّرِيعَةِ وصَلاحِيَّتِهَا، وإجَابَتِهَا عَنْ سُؤَالاتِ الأمَمِ المُتَعَاقِبَةِ، مَعَ تَطَوُّرِ عَجَلَةِ الحَيَاةِ ومَدَنِيَّةِ الإنْسَانِ.

تِلْكَ هِيَ أهَمُّ النَّتَائِجِ الَّتِي تَوَصَّلْتُ إلَيْهَا، أثْنَاءَ العَمَلِ فِي هَذِهِ الأطْرُوحَةِ. وهَذِهِ بَعْضُ التَّوْصِيَاتِ الَّتِي رَشَحَتْ بِهَا يَرَاعِي. فَإنْ كُنْتُ قَدْ وُفِّقْتُ فَهَذَا رَجَائِي، وللهِ الفَضْلُ والمِنَّةُ. وإنْ أخْفَقْتُ، فحَسْبِي أنَّنِي بَذَلْتُ طَاقتِي ووُسْعِي، وأسْتَغْفِرُ اللهَ.

صفحة 554 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

مُلْحَقٌ

بِبَعْضِ عَنَاوِينِ الدِّرَاسَاتِ الأكَادِيمِيَّةِ

حَوْلَ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه

هَذَا مُلْحَقٌ مُتَّصِلٌ بما أشَرْتُ إلَيْهِ سَابِقًا(1478) مِنْ تَوَافُرِ الدِّرَاسَاتِ الأكَادِيمِيَّةِ وتَضَافُرِ المَقَالاتِ العِلْمِيَّةِ حَوْلَ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وتَخَصُّصِ بَعْضِ البُحُوثِ فِي دِرَاسَةِ فِكْرِهِ فِي عَدَدٍ مِنَ المَجَالاتِ الإنْسَانِيَّةِ، رَأيْتُ مِنْ تَمَامِ الفَائِدَةِ التَّنْوِيهَ بِبَعْضِهَا.

د. الأغبش، محمد رضا عبد الرحمن (معاصر)، السياسة القضائية في عهد عمر بن الخطاب وصلتها بواقعنا المعاصر الرياض، جامعة الإمام محمد بن سعود، 1417هـ=1996م. حمودي، صلاح التيجاني (معاصر)، معالجة الخليفة عمر بن الخطاب لمشكلة المجاعة في عام الرمادة بحث منشور في مجلة الملك عبد العزيز «الاقتصاد الإسلامي»، م1، 1409هـ =1989م. خطَّاب، اللواء الركن محمود شيت (ت1419هـ)، الفاروق القائد بغداد، مطبعة العاني، ط1، 1384هـ=1965م.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

1384هـ=1965م. د. الرحيلي، رويعي بن راجح (معاصر):

فقه عمر بن الخطاب في الحدود وملابساتها موازنًا بفقه أشهر المجتهدين ، رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير، كلية الشريعة بجامعة الملك عبد العزيز في مكة المكرمة، سنة 1394هـ=1974م. فقه عمر بن الخطاب في الجنايات وأحكامها موازنًا بفقه أشهر المجتهدين ، رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه، من كلية الشريعة بجامعة الملك عبد العزيز في مكة المكرمة، سنة 1399هـ=1979م.

د. السُّبيعي، طارق بن حسين (معاصر)، فقه عمر بن الخطاب موازنًا بفقه أشهر المجتهدين في أبواب الطهارة رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير، من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، بجامعة أم القرى، في مكة المكرمة، سنة 1411هـ. د. الشامي، حميد علي (معاصر)، فقه عمر بن الخطاب في الأحكام والصيام دراسة وتوثيقًا رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، بجامعة أم القرى، في مكة المكرمة، سنة 1419-1420هـ. د. الطريفي، ناصر بن عقيل (معاصر)، القضاء في عهد عمر بن الخطاب رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في الفقه الإسلامي، من كلية الشريعة بجامعة الإمام ابن سعود بالرياض، سنة 1404هـ=1984م. ثم طبعت في الرياض، بمكتبة التوبة، ط1، 1406هـ=1986م. د. الطماوي، سليمان محمد (معاصر)، عمر بن الخطاب

وأصول السياسة والإدارة الحديثة: دراسة مقارنة القاهرة، دار الفكر العربي، ط2، 1976م. ابن عمار، إبراهيم عبد الله (معاصر)، سياسة الوقاية والمنع من الجريمة في عهد عمر بن الخطاب بحث مقدَّم استكمالاً لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير من الجامعة نفسها، سنة 1426هـ=2005م. عمارة، محمود محمد (معاصر)، من فقه عمر في التعيين والمساءلة والعزل وبين الهدية والرشوة والأمانة صدر بالقاهرة، عن دار المنارة، ط1، 1413هـ=1992م. د. الغامدي، جمعان بن علي (معاصر)، فقه عمر بن الخطاب في النكاح مقارنًا بآراء أشهر المجتهدين من كلية الشريعة والدراسات الإسلامية، بجامعة أم القرى، في مكة المكرمة، سنة 1414هـ. غيطاس، حسني محمد (معاصر)، الدعوة الإسلامية في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بيروت، المكتب الإسلامي، 1985م. فايدة، مصطفى (معاصر)، تأسيس عمر بن الخطاب للديوان ترجمة: مسعد سويلم الشامان، الرياض، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ط1، 1418هـ=1997م. الفخري، عادل بن عبد الله (معاصر)، فقه عمر بن الخطاب في المعاملات المالية مقارنًا بفقه أشهر المجتهدين رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه في الفقه والأصول، من كلية الشريعة والدراسات

الإسلامية بجامعة أم القرى، بمكة المكرمة، سنة 1420هـ. فلفلي، محمد بشير (معاصر)، فقه التعزيرات عند عمر بن الخطاب وأثره في تحقيق الأمن بحث مقدَّم استكمالاً لمتطلبات الحصول على درجة الماجستير في العدالة الجنائية، تخصص السياسة الجنائية، بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، بالرياض، سنة 1425هـ=2004م. القرني، عبد الله سليمان (معاصر)، بعض التوجيهات التربوية المستنبطة من خطب عمر بن الخطاب رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير من جامعة أم القرى، سنة 1409هـ. د. مجدلاوي، فاروق (معاصر)، الإدارة الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراه من كلية التنظيم وإدارة الأعمال بجامعة كوست كاليفورنيا الأمريكية، صدرت طبعتها الثالثة في الأردن، عن دار روائع مجدلاوي، سنة 1424هـ=2003م. المطور، عبد العزيز بن فائد (معاصر)، عمر وسياسته القضائية رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير من قسم السياسة الشرعية في المعهد العالي للقضاء بالرياض، سنة 1402هـ. د. النوافلة، محمد توفيق المحمود (معاصر)، الصفات الشخصية وسمات السلوك القيادي عند الخليفة عمر بن الخطاب الأردن، دار مجدلاوي، ط1، 2001م. الهلاوي، محمد عبد العزيز (معاصر)، فتاوى وأقضية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب القاهرة، مكتبة القرآن، 1405هـ.

فِهْرِسُ المَصَادِرِ والمَرَاجِعِ

الآبي، أبو سعد: منصور بن الحسين الرازي (ت421هـ)، نثر الدر في المحاضرات ، تحقيق: خالد عبد الغني محفوظ، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1424هـ=2004م، 4ج. الآجرِّي، أبو بكر: محمد بن الحسين (ت360هـ):

أخبار أبي حفص عمر بن عبد العزيز وسيرته ، تحقيق: د. عبد الله عبد الرحيم عيلان، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط2، 1400هـ=1980م. الشريعة ، تحقيق: د. عبد الله بن عمر بن سليمان الدميجي، الرياض، دار الوطن، ط2، 1420هـ=1999م، 5ج.

آرْنُولْد، سير توماس وُوكَرْ (ت1349هـ=1930م)، دعوة الإسلام، بحث في تاريخ نشر العقيدة الإسلامية عرَّبه: د. حسن إبراهيم حسن ورفيقاه، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، 1971م. الآمدي، سيف الدين، أبو الحسن: علي بن محمد الثعلبي (ت631هـ)، الإحكام في أصول الأحكام تحقيق: عبد الرزاق عفيفي، بيروت، المكتب الإسلامي، ط2، 1402هـ، 4ج. د. أباظة، نزار- المالح، محمد رياض (معاصران)، إتمام الأعلام بيروت، دار صادر، ط1،

1999م. ابن إبراهيم، أبو معاذ: السيد بن أحمد (معاصر)، الدرة اللطيفة في الأنساب الشريفة الكويت، مبرة الآل والأصحاب، ط1، 1431هـ=2010م. ابن الأثير، عز الدين، أبو الحسن: علي بن محمد الجزري (ت630هـ):

أسد الغابة في معرفة الصحابة ، تحقيق: علي محمد معوض- عادل أحمد عبد الموجود، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1415هـ=1994م، 8ج. الكامل في التاريخ ، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، بيروت، دار الكتاب العربي، ط1، 1417هـ=1997م، 10ج.

ابن الأثير، مجد الدين، أبو السعادات: المبارك بن محمد الجزري (ت606هـ)، النهاية في غريب الحديث والأثر ، تحقيق: طاهر أحمد الزاوي- محمود محمد الطناحي، بيروت، المكتبة العلمية، 1399هـ=1979م، 4ج. أحمد بن حنبل، أبو عبد الله، الشيباني (ت241هـ):

الزهد ، وضع حواشيه: محمد عبد السلام شاهين، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1420هـ=1999م. العلل ومعرفة الرجال ، تحقيق: وصي الله بن محمد عباس، الرياض، دار الخاني، ط2، 1422هـ=2001م، 3ج. فضائل الصحابة ، تحقيق: د. وصي الله محمد عباس، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1403هـ=1983م، 2ج. المسند ، تحقيق: شعيب الأرنؤوط ورفاقه، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ=2001م، 45ج.

الأزرقي، أبو الوليد: محمد بن عبد الله الغساني المكي (ت250هـ)، أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار ، تحقيق: رشدي الصالح ملحس، بيروت، دار الأندلس للنشر، 1389هـ، 2ج. الأزهري، أبو منصور: محمد بن أحمد (ت370هـ)، تهذيب اللغة ، تحقيق: محمد عوض مرعب، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، 2001م، 8ج. ابن إسحاق، محمد بن إسحاق المدني (ت151هـ)، السير والمغازي ، تحقيق: سهيل زكار، بيروت، دار الفكر، ط1، 1398هـ=1978م. د. إسماعيل، شعبان محمد (معاصر)، الاجتهاد الجماعي ودور المجامع الفقهية في تطبيقه ، بيروت، دار البشائر- حلب، دار الصابوني، ط1، 1418هـ=1998م. الإسنوي، جمال الدين، أبو محمد: عبد الرحيم بن الحسن (ت772هـ)، نهاية السول شرح منهاج الوصول ، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1420هـ=1999م. الألباني، محمد ناصر الدين (ت1420هـ):

إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل بيروت، المكتب الإسلامي، ط2، 1405هـ=1985م، 9ج. تخريج أحاديث فضائل الشام ودمشق الرياض، مكتبة المعارف، ط1، 1420هـ= 2000م. سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها الرياض، مكتبة المعارف، ج5: ط1، 1415هـ=1995م، 7ج.

السلسلة الصحيحة الرياض، مكتبة المعارف، ج7: ط1، 1422هـ=2002م، 7ج.

أمير بادشاه، محمد أمين بن محمود البخاري الحنفي (ت972هـ)، تيسير التحرير ، بيروت، دار الفكر، 4ج. ابن أمير الحاج، شمس الدين، أبو عبد الله: محمد بن محمد الحنفي (ت879هـ)، التقرير والتحبير في شرح التحرير ، بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، 1403هـ=1983م، 3ج. الأمير الصنعاني، محمد بن إسماعيل اليمني (ت1182هـ)، سبل السلام شرح بلوغ المرام ، قدم له وخرَّج أحاديثه: محمد عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1419هـ=1998م، 4ج. أمين، أحمد (ت1373هـ)، فجر الإسلام ، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ط9، 1964م. د. الأنصاري، فريد (معاصر)، المصطلح الأصولي عند الإمام الشاطبي ، الولايات المتحدة الأمريكية، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، ط1، 2004م. إيرفينغ، واشنطن (ت1859م)، خلفاء الرسول . نقلاً عن محمد رضا، الفاروق عمر . الباجي، أبو الوليد: سليمان بن خلف القرطبي (ت474هـ):

المنتقى شرح المُوَطَّا ، مصر، مطبعة السعادة، ط1، 1332هـ، 7ج. المنهاج في ترتيب الحجاج ، تحقيق: عبد المجيد تركي، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط3، 2001م.

البخاري، أبو عبد الله: محمد بن إسماعيل الجعفي (ت256هـ):

الأدب المفرد ، تحقيق: سمير بن أمين الزهيري، الرياض، مكتبة المعارف، ط1، 1419هـ=1998م. التاريخ الأوسط ، تحقيق: محمود إبراهيم زايد، حلب، دار الوعي- القاهرة، مكتبة دار الحديث، ط1، 1397هـ=1977م، 2ج. التاريخ الكبير ، مراقبة: محمد عبد المعيد خان، حيدر آباد- الدكن، دائرة المعارف العثمانية، 8ج. الصحيح ، بيروت، دار ابن حزم، ط1، 1424هـ=2003م.

بدران، عبد القادر بن أحمد الحنبلي (ت1346هـ)، تهذيب تاريخ دمشق بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط3، 1407هـ=1987م، 13ج. د. البدوي، عبد الرحمن (ت1423هـ)، موسوعة المستشرقين بيروت، دار العلم للملايين، ط3، 1993م. البزار، أبو بكر: أحمد بن عمرو العتكي (ت292هـ)، المسند تحقيق: محفوظ الرحمن زين الله ورفاقه، المدينة المنورة، مكتبة العلوم والحكم، ط1، 1988-2009م، 18ج. ابن بشران، أبو القاسم: عبد الملك بن محمد البغدادي (ت430هـ)، الأمالي ضبط نصه: عادل بن يوسف العزازي، الرياض، دار الوطن، ط1، 1418هـ=1997م. ابن بشكوال، أبو القاسم: خلف بن عبد الملك (ت578)، الصلة في تاريخ أئمة الأندلس اعتناء: السيد عزت العطار الحسيني، القاهرة، مكتبة الخانجي، ط2، 1414هـ= 1994م، 2ج.

ابن بطال، أبو الحسن: علي بن خلف (ت449هـ)، شرح صحيح البخاري تحقيق: ياسر بن إبراهيم، الرياض، مكتبة الرشد، ط2، 1423هـ=2003م، 10ج. ابن بطة، أبو عبد الله: عبيد الله بن محمد العُكْبَري (ت387هـ)، الإبانة الكبرى تحقيق: رضا معطي ورفاقه، الرياض، دار الراية، ط2، 1415هـ=1994م، 9ج. البطليوسي، أبو محمد: عبد الله بن محمد (ت521هـ)، الإنصاف في التنبيه على المعاني والأسباب التي أوجبت الاختلاف، تحقيق: د. محمد رضوان الداية، بيروت، دار الفكر، ط2، 1403هـ. البغوي، محيي السنة، أبو محمد: الحسين بن مسعود الفراء الشافعي (ت516هـ)، شرح السنة تحقيق: شعيب الأرنؤوط- محمد زهير الشاويش، بيروت، المكتب الإسلامي، ط2، 1403هـ=1983م، 15ج. أبو البقاء: كمال الدين، محمد بن موسى الشافعي (ت808هـ)، حياة الحيوان الكبرى بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، 1424هـ، 2ج. البكري، أبو عبيد: عبد الله بن عبد العزيز الأندلسي (ت487هـ)، معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع بيروت، عالم الكتب، ط3، 1403هـ، 4ج. البلادي، عاتق بن غيث الحربي (ت1431هـ):

معالم مكة التاريخية والأثرية مكة، دار مكة للنشر والتوزيع، ط1، 1400هـ= 1980م.

معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية مكة المكرمة، دار مكة، ط1، 1402هـ= 1982م.

البلاذُري، أبو بكر: أحمد بن يحيى (ت279هـ)، أنساب الأشراف ، تحقيق: سهيل زكار- رياض الزركلي، بيروت، دار الفكر، ط1، 1417هـ=1996م. د. بلتاجي، محمد بلتاجي حسن (ت2004م)، منهج عمر بن الخطاب في التشريع ، القاهرة، دار الفكر العربي، 1969م. البوصيري، شهاب الدين، أبو العباس: أحمد بن أبي بكر الشافعي (ت840هـ):

إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة ، تحقيق: دار المشكاة، بإشراف: ياسر بن إبراهيم، الرياض، دار الوطن، ط1، 1420هـ=1999م، 9ج. مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه ، تحقيق: محمد المنتقي الكشناوي، بيروت، دار العربية، ط2، 1403هـ، 4ج.

د. البوطي، محمد سعيد رمضان (ت1435هـ):

ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية ، دمشق، دار الفكر، ط4، 1426هـ= 2005م. فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة ، دمشق، دار الفكر، ط10، 1411هـ=1991م.

البيطار، عبد الرزاق بن حسن الميداني الدمشقي (ت1335هـ)، حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر ، تحقيق: محمد بهجة البيطار، بيروت، دار صادر، ط2، 1413هـ= 1993م، 3ج. البيهقي، أبو بكر: أحمد بن الحسين (ت458هـ):

الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد ، تحقيق: أحمد عصام الكاتب، بيروت، دار الآفاق الجديدة، ط1، 1401هـ. السنن الكبرى ، تحقيق: محمد عبد القادر عطار، بيروت، دار الكتب العلمية، ط3، 1424هـ=2003م، 10ج. المدخل إلى السنن الكبرى ، تحقيق: د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي، الكويت، دار الخلفاء، 1404هـ. معرفة السنن والآثار ، تحقيق: عبد المعطي أمين قلعجي، كراتش، جامعة الدراسات الإسلامية، ط1، 1412هـ=1991م، 15ج.

التفتازاني، سعد الدين مسعود بن عمر (ت793هـ)، شرح التلويح على التوضيح مصر، مكتبة صبيح، 2ج. التُّنْبُكْتي، أبو العباس: أحمد بابا بن أحمد التكروري المالكي (ت1036هـ)، نيل الابتهاج بتطريز الديباج عناية: طلاب من كلية الدعوة الإسلامية، طرابلس الغرب، كلية الدعوة الإسلامية، ط1، 1989م، 2ج. التتوي، نور الدين، أبو الحسن: محمد بن عبد الهادي السندي الحنفي (ت1138هـ)، كفاية الحاجة في شرح سنن ابن ماجه بيروت، دار الفكر، ط2، 2ج.

الترمذي، أبو عيسى: محمد بن عيسى (ت279هـ)، السنن الرياض، بيت الأفكار الدولية. التطواني، محمد بن محمد المُرير (ت1398هـ)، الأبحاث السامية في المحاكم الإسلامية تطوان، 1951م، 2ج. ابن تغري بردي، جمال الدين، أبو المحاسن: يوسف بن تغري بردي الحنفي (ت874هـ)، المنهل الصافي والمستوفى بعد الوافي تحقيق: د. محمد محمد أمين، مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 7ج. التلمساني، شهاب الدين، أحمد بن محمد المقري (ت1041هـ)، نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب تحقيق: إحسان عباس، بيروت، دار صادر، ط1، 1997م، 8ج. تمام، أبو القاسم: تمام بن محمد الرازي (ت414هـ)، الفوائد تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، الرياض، مكتبة الرشد، ط1، 1412هـ، 2ج. ابن تيمية، تقي الدين، أبو العباس: أحمد بن عبد الحليم الحرَّاني (ت728هـ):

الفتاوى الكبرى ، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1408هـ=1987م، 6ج. مجموع الفتاوى ، جمع: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، المدينة النبوية، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، 1416هـ=1995م، 35ج. منهاج السنة النبوية ، تحقيق: محمد رشاد سالم، المغرب، مكتبة المعارف، ط2، 1419هـ=1998م، 9ج.

الثعالبي، أبو منصور: عبد الملك بن محمد (ت429هـ)، التمثيل والمحاضرة ، تحقيق: عبد الفتاح محمد الحلو، الدار العربية للكتاب، 1401هـ=1981م. الثعلبي، أبو إسحاق: أحمد بن محمد (ت427هـ)، الكشف والبيان عن تفسير القرآن ، تحقيق: أبي محمد ابن عاشور، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط1، 1422هـ= 2002م، 10ج. الجاحظ، أبو عثمان: عمرو بن بحر (ت255هـ)، البيان والتبيين ، بيروت، دار ومكتبة الهلال، 1423هـ، 3ج. ابن الجارود، أبو محمد: عبد الله بن علي النيسابوري (ت307هـ)، المنتقى من السنن المسندة ، تحقيق: عبد الله عمر البارودي، بيروت، مؤسسة الكتاب الثقافية، ط1، 1408هـ=1988م. الجِرَاري، عبد الله بن العباس (ت1402هـ)، التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين ، الرباط، مكتبة المعارف، ط1، 1406هـ=1985م. الجصاص، أبو بكر: أحمد بن علي الرازي الحنفي (ت370هـ):

أحكام القرآن ، تحقيق: محمد الصادق قمحاوي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1405هـ، 5ج. الفصول في الأصول ، الكويت، وزارة الأوقاف، ط2، 1414هـ=1994م، 4ج.

ابن الجعد، علي بن الجعد الجوهري البغدادي (ت230هـ)، المسند تحقيق: عامر أحمد حيدر، بيروت، مؤسسة نادر، ط1، 1410هـ=1990م. د. الجوارنة، إبراهيم بن محمد (معاصر)، أثر السياسة الشرعية في

زواج المسلم من الكتابية المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، ص: 175-203، م: 5، ع: 3، 1430هـ=2009م. جودت باشا، أحمد (ت1312هـ) ورفاقه، مجلة الأحكام العدلية تعريب: شاكر بن راغب الحنبلي (ت1378هـ)، عناية: بسام عبد الوهاب الجابي، بيروت، دار ابن حزم، ط1، 1424هـ=2004م. ابن الجوزي، جمال الدين، أبو الفرج: عبد الرحمن بن علي البكري (ت597هـ):

كشف المشكل من حديث الصحيحين ، تحقيق: علي حسين البواب، الرياض، دار الوطن، 4ج. مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، تحقيق: حلمي بن محمد، الإسكندرية، دار ابن خلدون، 1416هـ=1996م.

الجوهري، أبو نصر: إسماعيل بن حماد الفارابي (ت393هـ)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية ، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، بيروت، دار العلم للملايين، ط4، 1407هـ=1987م، 6ج. الجويني، ركن الدين، أبو المعالي: عبد الملك بن عبد الله إمام الحرمين (ت478هـ):

البرهان في أصول الفقه تحقيق: صلاح بن محمد بن عويضة، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ=1997م، 2ج. غياث الأمم في التياث الظلم تحقيق: عبد العظيم الديب، مكتبة إمام الحرمين، ط2، 1401هـ. الكافية في الجدل تحقيق: د. فوقية حسين محمود، القاهرة، مطبعة عيسى البابي الحلبي، 1399هـ=1979م.

نهاية المطلب في دراية المذهب تحقيق: أ. د. عبد العظيم محمود الديب، جدة، دار المنهاج، ط1، 1428هـ=2007م، 20ج.

د. أبو جيب، سعدي (معاصر)، القاموس الفقهي لغةً واصطلاحًا ، دمشق، دار الفكر، ط2، 1408هـ=1988م. ابن أبي حاتم، أبو محمد: عبد الرحمن بن محمد الرازي (ت327هـ):

تفسير القرآن العظيم ، تحقيق: أسعد محمد الطيب، مكة، مكتبة مزار مصطفى الباز، ط3، 1419هـ، 13ج. العلل ، تحقيق: فريق من الباحثين، مطابع الحميضي، ط1، 1427هـ=2006م، 7ج.

ابن الحاجب، جمال الدين، أبو عمرو: عثمان بن عمر المالكي (ت646هـ)، مختصر منتهى السؤل والأمل في علمي الأصول والجدل دراسة وتحقيق: د. نذير حمادو، بيروت، دار ابن حزم، ط1، 1427هـ=2006م، 2ج. د. الحارثي، جريبة بن أحمد (معاصر)، الفقه الاقتصادي لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب جدة، دار الأندلس الخضراء، ط1، 1424هـ=2003م. ابن أبي حافظ، أبو الفتح: نصر بن إبراهيم النابلسي الشافعي (ت490هـ)، تحريم نكاح المتعة تحقيق: حماد بن محمد الأنصاري، السعودية، دار طيبة، ط2. الحاكم، أبو عبد الله: محمد بن عبد الله النيسابوري (ت405هـ)، المستدرك على الصحيحين اعتنى به: صالح اللحام، بيروت، دار ابن حزم، ط1، 1428هـ=2007م، 4ج.

ابن حبان، محمد بن حبان البُستي (ت354هـ):

الثقات ، حيدر آباد الدكن، دائرة المعارف العثمانية، ط1، 1393هـ=1972م، 9ج. صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان ، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط2، 1414هـ=1993م، 18ج.

ابن حجر، شهاب الدين، أبو الفضل: أحمد بن علي العسقلاني (ت852هـ):

الإصابة في تمييز الصحابة تحقيق: عادل عبد الموجود- وعلي معوض، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1415هـ، 8ج. إنباء الغمر بأبناء العمر تحقيق: د. حسن حبشي، مصر، المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1389هـ=1969م، 4ج. التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1419هـ=1989، 4ج. تهذيب التهذيب الهند، مطبعة دائرة المعارف النظامية، ط1، 1326هـ، 12ج. الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة مراقبة: محمد عبد المعين خان، الهند، مجلس دائرة المعارف العثمانية، ط3، 1392هـ=1972م، 6ج. فتح الباري شرح صحيح البخاري ترقيم: محمد فؤاد عبد الباقي، إشراف: محب الدين الخطيب، بيروت، دار المعرفة، 1379هـ، 13ج. موافقة الخُبْرِ الخَبَرَ في تخريج أحاديث المختصر تحقيق: حمدي

عبد المجيد السلفي- صبحي السامرائي، الرياض، مكتبة الرشد، ط3، 1419هـ=1998م، 2ج.

الحجوي، محمد بن الحسن الثعالبي الفاسي (ت1376هـ)، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي ، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1416هـ=1995م. الحربي، أبو إسحاق: إبراهيم بن إسحاق (ت285هـ)، غريب الحديث ، تحقيق: د. سليمان إبراهيم محمد العايد، مكة المكرمة، جامعة أم القرى، ط1، 1405هـ، 3ج. ابن حزم، أبو محمد: علي بن أحمد الأندلسي الظاهري (ت456هـ):

أصحاب الفتيا من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على مراتبهم في كثرة الفتيا ، تحقيق: سيد كسروي حسن، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1415هـ=1995م. الإحكام في أصول الأحكام ، تحقيق: أحمد محمد شاكر، تقديم: د. إحسان عباس، بيروت، دار الآفاق الجديدة، 8ج. جمهرة أنساب العرب ، تحقيق: لجنة من العلماء، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1403هـ=1983م. الفِصَل في المِلَل والأهواء والنِّحَل ، القاهرة، مكتبة الخانجي، 5ج. المحلى بالآثار ، تحقيق: أحمد محمد شاكر، بيروت، دار الآفاق الجديدة، 13ج.

د. حسب الله، علي (ت1398هـ)، أصول التشريع الإسلامي مصر، دار المعارف، ط3، 1383هـ=1964م.

حسن، صهيب بن عبد الغفار (معاصر)، ببلوغرافيا لكتب الحديث والسنة باللغة الإنكليزية، المدينة المنورة، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف. الحسني، عبد الحي بن فخر الدين (ت1341هـ)، الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام بيروت، دار ابن حزم، ط1، 1420هـ=1999م، 8ج. ابن حسين، محمد بن علي (ت1367هـ)، تهذيب الفروق والقواعد السنية في الأسرار الفقهية مطبوع بحاشية أنوار البروق في أنواء الفروق بيروت، عالم الكتب، 4ج. الحطيئة، أبو مليكة: جرول بن أوس العبسي (ت45هـ)، الديوان تحقيق: نعمان أمين طه، القاهرة، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، ط1، 1378هـ=1958م. د. حَمادُو، نذير (معاصر)، الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي بيروت، دار ابن حزم، ط1، 1430هـ=2009م. ابن حمدان، أبو عبد الله: أحمد بن حمدان الحنبلي (ت695هـ)، صفة الفتوى والمفتي والمستفتي تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، بيروت، المكتب الإسلامي، ط3، 1397هـ. الحموي، شهاب الدين، أبو العباس: أحمد بن محمد مكي الحسيني الحنفي (ت1098هـ)، غمز عيون البصائر في شرح الأشباه والنظائر بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1405هـ=1985م، 4ج. الحموي، شهاب الدين، أبو عبد الله: ياقوت بن عبد الله الرومي (ت626هـ):

إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب تحقيق: إحسان عباس، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1414هـ= 1993م، 7ج.

معجم البلدان بيروت، دار صادر، ط2، 1995م، 7ج.

حميد الله، محمد الهندي الحيدرابادي (ت1424هـ)، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة ، بيروت، دار النفائس، ط6، 1407هـ. الحميدي، أبو عبد الله: محمد بن أبي نصر (ت488هـ)، جذوة المقتبس في ذكر ولاة الأندلس ، تحقيق: إبراهيم الأبياري، بيروت، دار الكتاب اللبناني، ط2، 1410هـ= 1989م، 2مج. الخرائطي، أبو بكر: محمد بن جعفر (ت327هـ)، مساوئ الأخلاق ومذمومها ، تحقيق: مصطفى بن أبو النصر الشلبي، جدة، مكتبة السوادي للتوزيع، ط1، 1413هـ=1993م. ابن خزيمة، أبو بكر: محمد بن إسحاق النيسابوري (ت311هـ)، الصحيح ، تحقيق: د. محمد مصطفى الأعظمي، بيروت، المكتب الإسلامي، 4ج. الخطَّابي، أبو سليمان: حمد بن محمد البستي (ت388هـ):

غريب الحديث ، تحقيق: عبد الكريم إبراهيم الغرباوي، بيروت، دار الفكر، 1402هـ =1982م، 3ج. معالم السنن ، حلب، المطبعة العلمية، ط1، 1351هـ=1932م، 2ج.

الخطيب البغدادي، أبو بكر: أحمد بن علي البغدادي (ت463هـ):

تاريخ بغداد دراسة وتحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1417هـ، 24ج. تقييد العلم تحقيق: يوسف العش، بيروت، دار إحياء السنة النبوية،

1949م. الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، تحقيق: د. محمود الطحان، الرياض، مكتبة المعارف، 1403هـ=1983م، 2ج. الفقيه والمتفقه تحقيق: عادل بن يوسف الغرازي، الرياض، دار ابن الجوزي، ط2، 1421هـ، 2ج. الكفاية في علم الرواية تحقيق: أبو عبد الله السورقي- إبراهيم حمدي المدني، المدينة المنورة، المكتبة العلمية.

ابن الخطيب، لسان الدين، أبو عبد الله: محمد بن عبد الله السلماني (ت776هـ)، الإحاطة في أخبار غرناطة بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1424هـ، 4ج. خلاف، عبد الوهاب بن عبد الواحد (1375هـ)، مصادر التشريع الإسلامي فيما لا نص فيه الكويت، دار القلم، ط6، 1414هـ=1993م. الخلال، أبو بكر: أحمد بن محمد الحنبلي (ت311هـ)، السنة تحقيق: د. عطية الزهراني، الرياض، دار الراية، ط1، 1410هـ=1989م، 7ج. ابن خلدون، ولي الدين، أبو زيد: عبد الرحمن بن محمد الإشبيلي (ت808هـ)، ديوان المبتدأ والخبر في تاريخ العرب والبربر ومن عاصرهم من ذوي الشأن الأكبر- المقدمة تحقيق: خليل شحادة، بيروت، دار الفكر، ط2، 1408هـ=1988م، 8ج. ابن خلكان، شمس الدين، أبو العباس: أحمد بن محمد البرمكي الإربلي (ت681هـ)، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان تحقيق: إحسان عباس، بيروت، دار صادر، ط1، 1994م، 7ج. د. الخن، مصطفى (ت1429هـ)، أثر الاختلاف في القواعد الأصولية في اختلاف الفقهاء بيروت، مؤسسة الرسالة، ط2، 1424هـ=2003م.

آل خنين، عبد الله بن محمد (معاصر)، توصيف الأقضية في الشريعة الإسلامية السعودية، دار ابن فرحون، 3ج. ابن خياط، أبو عمرو: خليفة بن خياط الشيباني (ت240هـ)، التاريخ تحقيق: د. أكرم ضياء العمري، دمشق، دار القلم- بيروت، مؤسسة الرسالة، ط2، 1397هـ. ابن أبي خيثمة، أبو بكر: أحمد بن زهير البغدادي (ت279هـ)، التاريخ الكبير تحقيق: صلاح بن فتحي هلال، القاهرة، الفاروق الحديثة للطباعة والنشر، ط1، 1427هـ= 2006م، 4ج. أبو خيثمة: زهير بن حرب البغدادي (ت234هـ)، العلم تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، بيروت، المكتب الإسلامي، ط2، 1403هـ=1983م. الدارقطني، أبو الحسن: علي بن عمر (ت385هـ):

السنن ، تحقيق: شعيب الأرنؤوط ورفاقه، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1424هـ= 2004م، 5ج. المؤتَلِف والمختَلِف ، تحقيق: موفق بن عبد الله بن عبد القادر، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط1، 1406هـ=1986م، 5ج.

الدارمي، أبو محمد: عبد الله بن عبد الرحمن (ت255هـ)، السنن ، تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، الرياض، دار المغني- بيروت، دار ابن حزم، ط1، 1412هـ =2000م، 4ج. أبو داود: سليمان بن الأشعث السجستاني (ت275هـ):

السنن الرياض، بيت الأفكار

الدولية. مسائل الإمام أحمد تحقيق: طارق بن عوض الله، مصر، مكتبة ابن تيمية، ط1، 1420هـ=1999م.

ابن أبي داود، أبو بكر: عبد الله بن سليمان السِّجستاني (ت316هـ)، المصاحف ، تحقيق: د. محب الدين واعظ، بيروت، دار البشائر، ط2، 1423هـ=2002م، 2ج. د. ابن دريب، سعود بن سعيد، رسالة الفاروق لأبي موسى الأشعري والمبادئ العامة في أصول القضاء ، مجلة البحوث الإسلامية، ع: 7، رجب- شوال، عام 1403هـ، ص: 268-289. ابن دريد، أبو بكر: محمد بن الحسن الأزدي (ت321هـ)، جمهرة اللغة ، تحقيق: رمزي منير بعلبكي، بيروت، دار العلم للملايين، ط1، 1987م، 3ج. د. الدريني، فتحي (ت1435هـ):

بحوث مقارنة في الفقه الإسلامي وأصوله ، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط2، 1434هـ=2013م، 2ج. الحق ومدى سلطان الدولة في تقييده ، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط3، 1404هـ= 1984م. المناهج الأصولية في الاجتهاد بالرأي في التشريع الإسلامي ، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط3، 1434هـ=2013م. نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي ، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط4، 1408هـ=1988م.

الدميري، كمال الدين، أبو البقاء: محمد بن موسى الشافعي

(ت808هـ)، حياة الحيوان، بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، 1424هـ، 2ج. ابن أبي الدنيا، أبو بكر: عبد الله بن محمد البغدادي (ت281هـ):

الإشراف في منازل الأشراف ، تحقيق: د. نجم عبد الرحمن خلف، الرياض، مكتبة الرشد، ط1، 1411هـ=1990م. إصلاح المال ، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، بيروت، مؤسسة الكتب الثقافية، ط1، 1414هـ=1993م. العيال ، تحقيق: د. نجم عبد الرحمن خلف، الدمام، دار ابن القيم، ط1، 1410هـ= 1990م، 2ج. مكارم الأخلاق ، تحقيق: مجدي السيد إبراهيم، القاهرة، مكتبة القرآن.

أبو دَهْبَل: وهب بن زَمْعَة الجُمَحي (ت63هـ)، الديوان ، تحقيق: عبد العظيم عبد المحسن، النجف، مطبعة القضاء، ط1، 1392هـ=1972م. الدهلوي، شاه ولي الله، أحمد بن عبد الرحيم (ت1176هـ):

الإنصاف في بيان أسباب الاختلاف ، تحقيق: عبد الفتاح أبو غدة، بيروت، دار النفائس

ط2، 1404هـ.

حجة الله البالغة ، تحقيق: د. عثمان جمعة ضميريَّة، الرياض، مكتبة الكوثر، ط1، 1420هـ=1999م، 2ج.

أ.د. الدواليبي، محمد معروف، المدخل إلى علم أصول الفقه دمشق، مطبعة جامعة دمشق، ط4، 1383هـ=1963م. الدولابي، أبو بِشْر: محمد بن أحمد الأنصاري الرازي (ت310هـ)،

الأسماء والكنى تحقيق: أبي قتيبة نظر محمد الفاريابي، بيروت، ابن حزم، ط1، 1421هـ=2000م، 3ج. الدينوري، أبو بكر: أحمد بن مروان المالكي (ت333هـ)، المجالسة وجواهر العلم تحقيق: مشهور حسن سلمان، البحرين، جمعية التربية الإسلامية- بيروت، دار ابن حزم، 1419هـ، 10ج. الذهبي، شمس الدين، أبو عبد الله: محمد بن أحمد (ت748هـ):

تذكرة الحفاظ ، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1419هـ=1998م، 4ج. زغل العلم ، تحقيق: محمد بن ناصر العجمي، مكتبة الصحوة الإسلامية، 1404هـ. سير أعلام النبلاء ، تحقيق: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرنؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط3، 1405هـ=1985م، 25ج. العبر في خبر من غبر ، تحقيق: محمد السعيد بن بسيوني زغلول، بيروت، دار الكتب العلمية، 4ج. المعجم المختص بالمحدثين ، تحقيق: د. محمد الحبيب الهيلة، الطائف، مكتبة الصديق، ط1، 1408هـ=1988م.

الرازي، فخر الدين، أبو عبد الله: محمد بن عمر (ت606هـ)، المحصول في علم أصول الفقه تحقيق: د. طه جابر فياض العلواني، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط3، 1418هـ=1997م، 6ج. ابن رافع، أبو محمد: عبد الله بن عبد الحكم المصري (ت214هـ)، سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه تحقيق:

أحمد عبيد، بيروت، عالم الكتب، ط6، 1404هـ=1984م. الرامهرمزي، أبو محمد: الحسن بن عبد الرحمن الفارسي (ت360هـ)، المحدِّث الفاصل بين الراوي والواعي تحقيق: د. محمد عجاج الخطيب، بيروت، دار الفكر، ط3، 1404هـ. ابن راهويه، أبو يعقوب: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المروزي (ت238هـ)، المسند تحقيق: د. عبد الغفور بن عبد الحق البلوشي، المدينة المنورة، مكتبة الإيمان، ط1، 1412هـ=1991م. ابن رجب، زين الدين، عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي (ت795هـ):

جامع العلوم والحِكَم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم ، تحقيق: شعيب الأرنؤوط- إبراهيم باجس، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط7، 1422هـ=2001م، 2ج. ذيل طبقات الحنابلة ، تحقيق: د. عبد الرحمن بن سليمان العثيمين، الرياض، مكتبة العبيكان، ط1، 1425هـ=2005م.

ابن رشد الجد، أبو الوليد: محمد بن أحمد القرطبي (ت520هـ)، البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل لمسائل المستخرجة، تحقيق: د. محمد حجي وآخرون، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط2، 1408هـ=1988م، 20ج. ابن رشد الحفيد، أبو الوليد: محمد بن أحمد القرطبي (ت595هـ)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد القاهرة، دار الحديث، 1425هـ=2004م، 4ج. رضا، محمد (ت1369هـ)، الفاروق عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين اعتناء: د. أحمد عوض أبو الشباب، صيدا، المكتبة العصرية، 1430هـ=2009م.

رضا، محمد رشيد القلموني الحسيني (ت1354هـ)، تفسير المنار مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1990م، 12ج. الزبيدي، مرتضى الدين، أبو الفيض: محمد بن محمد الحسيني (ت1205هـ)، إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1414هـ= 1994م، 10ج. الزبيري، أبو عبد الله: مصعب بن عبد الله (ت236هـ)، نسب قريش تحقيق: ليفي بروفنسال، القاهرة، دار المعارف، ط3. د. الزحيلي، محمد مصطفى (معاصر)، القواعد الفقهية وتطبيقاتها في المذاهب الأربعة دمشق، دار الفكر، ط1، 1427هـ=2006م، 2ج. أ.د. الزحيلي، وهبة (ت1436هـ):

نظرية الضرورة الشرعية مقارنة مع القانون الوضعي ، دمشق، دار الفكر، ط6، 2005م. الوجيز في أصول الفقه ، دمشق، دار الفكر، ط1، 1419هـ=1999م.

أحمد بن محمد (ت1357هـ)، شرح القواعد الفقهية ، صحَّحه وعلَّق عليه: مصطفى أحمد الزرقا، دمشق، دار القلم، ط2، 1409هـ= 1989م. د. الزرقا، مصطفى محمد (ت1420هـ):

الزرقا، الاستصلاح والمصلحة المرسلة في الشريعة الإسلامية وأصول فقهها دمشق، دار القلم، ط1، 1408هـ=1988م.

المدخل الفقهي العام دمشق، دار القلم، ط2، 1425هـ=2004م، 2ج.

الزركشي، بدر الدين، أبو عبد الله: محمد بن عبد الله (ت794هـ):

البحر المحيط في أصول الفقه ، دار الكتبي، ط1، 1414هـ=1994م، 8ج. البرهان في علوم القرآن ، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، ط1، 1376هـ=1957م، 4ج. المنثور في القواعد الفقهية ، الكويت، وزارة الأوقاف الكويتية، ط2، 1405هـ= 1985م، 3ج.

الزركلي، خير الدين بن محمود الدمشقي (ت1396هـ)، الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين ، بيروت، دار العلم للملايين، ط15، 2002م، 8ج. الزمخشري، جار الله، أبو القاسم: محمود بن عمرو (ت538هـ)، الكشَّاف عن حقائق غوامض التنزيل ، بيروت، دار الكتاب العربي، ط3، 1407هـ، 4ج. الزنجاني، شهاب الدين، أبو المناقب: محمود بن أحمد الشافعي (ت656هـ)، تخريج الفروع على الأصول ، تحقيق: د. محمد أديب صالح، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط2، 1398هـ. ابن زنجويه، أبو أحمد: حميد بن مخلد النسائي (ت251هـ)، الأموال ، تحقيق: د. شاكر ذيب فياض، السعودية، مركز فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، ط1، 1406هـ= 1986م، 3ج. أبو زهرة، محمد بن أحمد (ت1394هـ):

تاريخ المذاهب الإسلامية في السياسة والعقائد وتاريخ المذاهب الفقهية ، القاهرة، دار الفكر العربي، 2ج. مالك: حياته وعصره- آراؤه وفقهه ، القاهرة، دار الفكر العربي.

د. أبو زيد، بكر (ت1429هـ)، الحدود والتعزيرات عند ابن القيم ، الرياض، دار العاصمة، ط2، 1415هـ. د. زيد، مصطفى، المصلحة في التشريع الإسلامي ونجم الدين الطوفي ، مصر، دار اليسر. الزيلعي، جمال الدين، أبو محمد: عبد الله بن يوسف الحنفي (ت762هـ)، نصب الراية لأحاديث الهداية ، تحقيق: محمد عوامة، بيروت، مؤسسة الريان- جدة، دار القبلة للثقافة الإسلامية، ط1، 1418هـ=1997م، 4ج. الزيلعي، فخر الدين، عثمان بن علي الحنفي (ت743هـ)، تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ ، القاهرة، المطبعة الكبرى الأميرية، ط1، 1313هـ، 6ج. السايس، محمد علي (ت1396هـ)، نشأة الفقه الاجتهادي وأطواره ، القاهرة، مجمع البحوث الإسلامية، 1389هـ=1970م. سبط المارديني، بدر الدين، محمد بن محمد الدمشقي (ت912هـ)، شرح الفصول المهمة في مواريث الأمة ، تحقيق: أحمد بن سليمان العريني، الرياض، دار العاصمة، 1425هـ= 2004م، 2ج. السبكي، تاج الدين، أبو نصر: عبد الوهاب بن علي (ت771هـ):

الإبهاج شرح المنهاج بيروت، دار الكتب العلمية، 1416هـ=1995م،

3ج. الأشباه والنظائر تحقيق: عادل عبد الموجود- علي عوض، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1411هـ=1991م، 2ج. جمع الجوامع في أصول الفقه علق عليه: عبد المنعم خليل إبراهيم، بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، 1424هـ= 2003م. طبقات الشافعية الكبرى تحقيق: د. محمود محمد الطناحي- د. عبد الفتاح محمد الحلو، دار هجر، ط2، 1413هـ، 10ج.

السخاوي، شمس الدين، أبو الخير: محمد بن عبد الرحمن (ت902هـ): فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ، تحقيق: علي حسين علي، مصر، مكتبة السنة، ط1، 1424هـ= 2003م، 4ج. السَّرَّاج، أبو العباس: محمد بن إسحاق الخراساني النيسابوري (ت313هـ)، حديث السَّرَّاج ، تحقيق: حسين بن عكاشة بن رمضان، الفاروق الحديثة، ط1، 1425هـ= 2004م، 4ج. السرخسي، شمس الأئمة، أبو بكر: محمد بن أحمد الحنفي (ت483هـ):

الأصول ، بيروت، دار المعرفة، 2ج. شرح السِّيَر الكبير ، الشركة الشرقية للإعلانات، 1971م، 5ج. المبسوط ، بيروت، دار المعرفة، 1414هـ=1993م، 30ج.

السرقسطي، أبو محمد: قاسم بن ثابت العوفي (ت302هـ)، الدلائل في غريب الحديث ، تحقيق: د. محمد بن عبد الله القناص، الرياض، مكتبة العبيكان، ط1، 1422هـ= 2001م، 3ج. ابن سعد، أبو عبد الله: محمد بن سعد (ت230هـ):

الطبقات الكبرى تحقيق: محمد عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1410هـ=1990م، 8ج.

الطبقات الكبرى- الجزء المتمم تحقيق: محمد بن صامل السلمي، الطائف، مكتبة الصديق، ط1، 1414هـ=1993م، 2ج. الطبقات الكبرى- متمم الصحابة/ الطبقة الرابعة تحقيق ودراسة: د. عبد العزيز عبد الله السلومي، الطائف، مكتبة الصديق، 1416هـ، ص: 834.

سعيد بن منصور، أبو عثمان، الخراساني (ت227هـ)، السنن ، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الهند، الدار السلفية، ط1، 1403هـ=1982م، 2ج. ابن السكيت، أبو يوسف: يعقوب بن إسحاق (ت244هـ)، الكنز اللغوي في اللَّسَن العربي ، تحقيق: أوغست هفنر، القاهرة، مكتبة المتنبي. ابن سلاَّم الجمحي، أبو عبد الله: محمد بن سلاَّم (ت232هـ)، طبقات فحول الشعراء ، تحقيق: محمود محمد شاكر، جدة، دار المدني، 2ج. أ.د. أبو سليمان، عبد الوهاب بن إبراهيم (معاصر)، فقه الضرورة وتطبيقاتها المعاصرة ، جدة، البنك الإسلامي للتنمية، 1993م. السمعاني، أبو سعد: عبد الكريم بن محمد (ت562هـ)، الأنساب ، تحقيق: عبد الرحمن بن يحيى المعلمي اليماني وغيره، حيدر آباد، مجلس دائرة المعارف العثمانية، ط1، 1382هـ=1962م، 13ج. ابن السمعاني، أبو المظفر: منصور بن محمد المروزي (ت489هـ)، قواطع الأدلة في الأصول ، تحقيق: محمد حسن الشافعي، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ= 1999م، 2ج. د. السنوسي، عبد الرحمن بن مُعَمَّر (معاصر):

الاجتهاد بالرأي في عصر الخلافة الراشدة ، الكويت، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ط1، 1432هـ=2011م. اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات ، الرياض، دار ابن الجوزي، ط1، 1424هـ.

السهيلي، أبو القاسم: عبد الرحمن بن عبد الله (ت581هـ)، الفرائض وشرح آيات الوصية ، تحقيق: د. محمد إبراهيم البنا، مكة المكرمة، المكتبة الفيصلية، ط2، 1405هـ. السيوطي، جلال الدين، عبد الرحمن بن أبي بكر (ت911هـ):

الإتقان في علوم القرآن ، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، مصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1394هـ=1974م، 4ج. الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية ، تحقيق: محمد حسن إسماعيل، بيروت، دار الكتب العلمية، ط3، 1426هـ=2005م، 2ج. تاريخ الخلفاء ، تحقيق: حمدي الدمرداش، الرياض، مكتبة نزار مصطفى الباز، ط1، 1425هـ=2004م. الحاوي للفتاوى ، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، صيدا، المكتبة العصرية، 1411هـ=1990م، 2ج. الدر المنثور في التفسير بالمأثور ، بيروت، دار الفكر، 8ج. طبقات المفسرين العشرين ، تحقيق: علي محمد عمر، القاهرة، مكتبة وهبة، ط1، 1396هـ. قطف الثمر في موافقات عمر ، مطبوع مع الحاوي للفتاوى .

الشاطبي، أبو إسحاق: إبراهيم بن موسى اللخمي الغرناطي (ت790هـ):

الاعتصام ، تحقيق: سليم بن عيد الهلالي، السعودية، دار ابن عفان، ط1، 1412هـ= 1992م، 2ج. الموافقات ، تحقيق: أبي عبيدة مشهور حسن سلمان، مصر، دار ابن عفان، ط1، 1417هـ=1997م، 7ج.

الشافعي، ناصر السنة، أبو عبد الله: محمد بن إدريس المطلبي (ت204هـ):

الأم ، بيروت، دار المعرفة، 1410هـ=1990م، 8ج. الرسالة ، تحقيق: أحمد شاكر، مصر، مكتبة الحلبي، ط1، 1358هـ= 1940م.

د. شاكر، منيب بن محمود (معاصر)، العمل بالاحتياط في الفقه الإسلامي الرياض، دار النفائس، ط1، 1418هـ=1998م. ابن شبة، أبو زيد: عمر بن زيد البصري (ت262هـ)، تاريخ المدينة تحقيق: فهيم محمد شلتوت، جدة، 1399هـ، 4ج. د. شامي، يحيى (معاصر)، موسوعة المدن العربية والإسلامية بيروت، دار الفكر العربي، ط1، 1993م. شُرَّاب، محمد بن محمد حسن (معاصر)، المعالم الأثيرة في السنة والسيرة دمشق، دار القلم، ط1، 1411هـ. د. الشرفي، عبد المجيد السوسره (معاصر)، الاجتهاد الجماعي في التشريع الإسلامي كتاب الأمة، قطر، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، ع: 62، 1418هـ، سنة 17، ط1، 1418هـ=1998م.

1418هـ=1998م. الشريف الجرجاني، علي بن محمد (ت816هـ)، التعريفات تحقيق: جماعة من العلماء، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1403هـ=1983م. الشريف الرضي، أبو الحسن: محمد بن الحسين (ت406هـ)، نهج البلاغة تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، وبهامشه: شرح الشيخ محمد عبده، مصر، المكتبة التجارية الكبرى، 1مج، 3ج. د. الشكعة، مصطفى محمد (معاصر)، مناهج التأليف عند العلماء العرب بيروت، دار العلم للملايين، ط15، 2004م. أ.د. شلبي، محمد مصطفى:

تعليل الأحكام ، بيروت، دار النهضة، ط2، 1401هـ= 1981م. المدخل في الفقه الإسلامي، بيروت، الدار الجامعية، ط10، 1405هـ=1985م.

شلتوت، محمود الإمام الأكبر (ت1383هـ)، تفسير القرآن الكريم ، القاهرة، دار الشروق، ط12، 1424هـ=2004م. الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد المختار (ت1393هـ):

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1417هـ=1996م، 10ج. مذكرة في أصول الفقه ، المدينة المنورة، مكتبة العلوم والحكم، ط5، 2001م.

أبو شهبة، محمد بن محمد (ت1403هـ)، السيرة النبوية على ضوء القرآن والسنة دمشق، دار القلم، ط8، 1427هـ، 2ج. الشهرستاني، أبو الفتح: محمد بن أبي القاسم (ت548هـ)، المِلَل والنِّحَل تحقيق: عبد العزيز الوكيل، مؤسسة الحلبي، 3ج.

الشوكاني، محمد بن علي القاضي اليمني (ت1250هـ):

إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول ، تحقيق: أحمد عزو عناية، بيروت، دار الكتاب العربي، ط1، 1419هـ =1999م، 2ج. البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ، بيروت، دار المعرفة، 2ج. نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار ، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، مصر، دار الحديث، ط1، 1413هـ=1993م، 8ج. العذب النمير في جواب مسائل عالم بلاد عسير ، وهو ضمن الفتح الرباني . الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني ، حقَّقه ورتَّبه: محمد صبحي حلاق، صنعاء، مكتبة الجيل الجديد، 12ج.

ابن أبي شيبة، أبو بكر: عبد الله بن محمد العبسي (ت235هـ)، المصنف في الأحاديث والآثار ، تقديم وضبط: كمال يوسف الحوت، بيروت، دار التاج، ط1، 1409هـ =1989م، 7ج. شيخي زاده، عبد الرحمن بن محمد داماد أفندي (ت1078هـ)، مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر ، بيروت، دار إحياء التراث العربي، بدون بيانات الطبع، 2ج. الشيرازي، جمال الدين، أبو إسحاق: إبراهيم بن علي الفيروزابادي (ت476هـ):

التبصرة في أصول الفقه تحقيق: د. محمد حسن هيتو، دمشق، دار الفكر، ط1، 1403هـ.

طبقات الفقهاء تحقيق: إحسان عباس، بيروت، دار الرائد العربي، ط1، 1970م. اللمع في أصول الفقه بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، 1424هـ=2003م. المهذَّب في فقه الإمام الشافعي بيروت، دار الكتب العلمية، 3ج.

الصدر الشهيد، حسام الدين عمر بن عبد العزيز البخاري (ت536هـ)، شرح أدب القاضي للخصَّاف ، تحقيق: محيي هلال السرحان، بغداد، مطبعة الإرشاد، ط1، 1397هـ=1977م، 4ج. الصفدي، صلاح الدين، خليل بن أيبك (ت764هـ)، الوافي بالوفيات ، تحقيق: أحمد الأرنؤوط- تركي مصطفى، بيروت، دار إحياء التراث، 1420هـ=2000م، 29ج. د. الصلابي، علي محمد (معاصر)، سيرة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: شخصيته وعصره ، بيروت، دار المعرفة، ط1، 1425هـ=2004م. الصنعاني، أبو بكر: عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت211هـ):

التفسير ، تحقيق: د. محمود محمد عبده، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1419هـ، 3ج. المصنف ، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، الهند، المجلس العلمي- بيروت، المكتب الإسلامي، ط2، 1403هـ، 11ج.

الضبي، أبو جعفر: أحمد بن يحيى (ت599هـ)، بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس القاهرة، دار الكتاب العربي، 1967م. ضيف، أحمد شوقي (ت1426هـ)، الأدب العربي المعاصر في مصر مصر، دار المعارف،

ط13. الطبراني، أبو القاسم: سليمان بن أحمد (ت360هـ):

المعجم الأوسط ، تحقيق: طارق بن عوض الله- عبد المحسن بن إبراهيم، القاهرة، دار الحرمين، 1415هـ، 10ج. المعجم الكبير ، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط2، 1405هـ=1985م، 25مج.

الطبري، أبو جعفر: محمد بن جرير (ت310هـ):

تاريخ الرسل والملوك ، بيروت، دار التراث، ط2، 1387هـ، 11ج. تهذيب الآثار ، تحقيق: علي رضا، دمشق، دار المأمون للتراث، ط1، 1416هـ= 1995م. تهذيب الآثار- مسند عمر ، تحقيق: محمود محمد شاكر، القاهرة، مطبعة المدني، 2ج. تهذيب الآثار- مسند ابن عباس ، تحقيق: محمود محمد شاكر، القاهرة، مطبعة المدني، 2ج. جامع البيان في تأويل القرآن ، تحقيق: أحمد محمد شاكر، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ=2000م، 24ج.

الطحاوي، أبو جعفر: أحمد بن محمد (ت312هـ):

شرح مشكل الآثار تحقيق: شعيب الأرنؤوط، بيروت، ط1، 1415هـ= 1994م، 16ج. شرح معاني الآثار تحقيق: محمد زهري النجار- محمد سيد جاد الحق، عناية: د. يوسف عبد الرحمن المرعشلي، بيروت، عالم الكتب، ط1، 1414هـ=1994م،

5ج.

الطريفي، سعود صالح محمد، مقومات العدل في رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري وأثرها في القضاء في محاكم المملكة العربية السعودية ، الرياض، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، كلية الدراسات العليا، 1425هـ=2004م. الطريفي، ناصر بن عقيل، تحقيق رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ، مجلة البحوث الإسلامية، ع: 17، ذو القعدة- صفر، عام 1406-1407هـ، ص: 195-254. الطوفي، نجم الدين، أبو الربيع: سليمان بن عبد القوي (ت716هـ)، شرح مختصر الروضة ، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1407هـ= 1987م، 3ج. الطيبي، شرف الدين، أبو محمد: الحسين بن عبد الله (ت743هـ)، الكاشف عن حقائق السنن ، تحقيق: د. عبد الحميد هنداوي، مكة، مكتبة نزار مصطفى الباز، ط1، 1417هـ=1997م، 13ج. ابن عابدين، محمد أمين بن عمر (ت1252هـ):

حاشية رد المحتار على الدر المختار ، بيروت، دار الفكر، ط2، 1412هـ= 1992م، 6ج. شرح منظومة عقود رسم المفتي ، مطبوع ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين ، دون ذكر بيانات الطبع. نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف ، مطبوع ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين ، دون ذكر بيانات الطبع.

عاشور، عبد اللطيف (معاصر)، موسوعة الطير والحيوان في الحديث النبوي

القاهرة. ابن عاشور، محمد الطاهر (ت1393هـ)، مقاصد الشريعة الإسلامية تحقيق ودراسة: محمد الطاهر الميساوي، الأردن، دار النفائس، ط2، 1421هـ=2001م. ابن أبي عاصم، أبو بكر: أحمد بن عمرو الشيباني (ت287هـ):

الآحاد والمثاني ، تحقيق: د. باسم فيصل الجوابرة، الرياض، دار الراية، ط1، 1411هـ=1991م، 6ج. السنة ، تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، بيروت، المكتب الإسلامي، ط1، 1400هـ =1980م، 2ج.

ابن عبد البر، أبو عمر: يوسف بن عبد الله النمري القرطبي (ت463هـ):

الاستذكار ، تحقيق: سالم محمد عطا- محمد علي معوض، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1421هـ=2000م، 9ج. الاستيعاب في معرفة الأصحاب ، تحقيق: علي محمد البجاوي، بيروت، دار الجيل، ط1، 1412هـ=1992م، 4ج. التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد ، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي- محمد عبد الكبير البكري، المغرب، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية، 1387هـ، 24ج. جامع بيان العلم وفضله ، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، السعودية، دار ابن الجوزي، ط1، 1414هـ=1994م، 2ج.

ابن عبد الحكم، أبو محمد: عبد الله بن عبد الحكم المصري (ت214هـ)، سيرة عمر بن عبد العزيز على ما رواه الإمام مالك بن أنس وأصحابه تحقيق: أحمد عبيد، بيروت، عالم الكتب، ط6، 1404هـ=1984م.

د. عبد الحميد، أحمد مختار (ت1414هـ)، معجم اللغة العربية المعاصرة بيروت، عالم الكتب، ط1، 1429هـ=2008م، 4ج. ابن عبد السلام، عز الدين، أبو محمد: عبد العزيز بن عبد السلام (ت660هـ)، قواعد الأحكام في مصالح الأنام تعليق: طه عبد الرؤوف سعد، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، 1414هـ، 2ج. عبد القادر، علي، الفقه الإسلامي، القضاء والحسبة المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط1، 1986م. عبد الله بن أحمد، السنة تحقيق: د. محمد بن سعيد بن سالم القحطاني، الدمام، دار ابن القيم، ط1، 1406هـ=1986م، 2ج. ابن عبد الهادي، جمال الدين، يوسف بن حسن الحنبلي (ت909هـ)، محض الصواب في فضائل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب تحقيق: عبد العزيز بن محمد بن عبد المحسن، المدينة المنورة، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، ط1، 1420هـ= 2000م، 3ج. ابن عبد الهادي، شمس الدين، محمد بن أحمد الحنبلي (ت744هـ)، تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق تحقيق: سامي بن محمد بن جاد الله- عبد العزيز بن ناصر الخباني، الرياض، أضواء السلف، ط1، 1428هـ=2007م، 5ج. ابن عبدويه، أبو بكر: محمد بن عبد الله البغدادي الشافعي (ت354هـ)، الفوائد (الغيلانيات) تحقيق: حلمي كامل عبد الهادي، الرياض، دار ابن الجوزي، ط1، 1417هـ= 1997م. أبو عبيد: القاسم بن سلاَّم الهروي البغدادي (ت224هـ):

الأموال تحقيق: خليل محمد هراس، بيروت، دار الفكر.

غريب الحديث تحقيق: د. محمد عبد المعيد خان، حيدر آباد- الدكن، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، ط1، 1384هـ=1964م، 4ج.

العجلي، أبو الحسن: أحمد بن عبد الله الكوفي (ت261هـ)، معرفة الثقات تحقيق: عبد العليم البستوي، المدينة المنورة، مكتبة الدار، ط1، 1405هـ=1985م، 2ج. ابن عدي، أبو أحمد: عبد الله بن عدي الجرجاني (ت365هـ)، الكامل في ضعفاء الرجال تحقيق: عادل أحمد عبد الموجود- علي محمد معوض، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ=1997م، 9ج. ابن العديم، كمال الدين، عمر بن أحمد العقيلي (ت660هـ)، بغية الطلب في تاريخ حلب تحقيق: د. سهيل زكار، بيروت، دار الفكر، 12ج. ابن العربي، القاضي أبو بكر: محمد بن عبد الله الإشبيلي المالكي (ت543هـ)، المحصول في أصول الفقه تحقيق: حسين علي اليدري- سعيد فودة، عمان، دار البيارق، ط1، 1420هـ=1999م. أبو عروبة: الحسين بن محمد الجَزَري الحرَّاني (ت318هـ)، كتاب الأوائل تحقيق: مشعل المطيري، بيروت، دار ابن حزم، ط1، 1424هـ=2003م. ابن عساكر، أبو القاسم: علي بن الحسن (ت571هـ)، تاريخ دمشق دراسة وتحقيق: علي الشيري، بيروت، دار الفكر، ط1، 1419هـ=1998م، 80ج. العطَّار، حسن بن محمد الشافعي (ت1250هـ)، حاشية العطار على

شرح الجلال المحلي على جمع الجوامع بيروت، دار الكتب العلمية، 2ج. العقاد، عباس بن محمود (ت1383هـ)، عبقرية عمر صيدا، المكتبة العصرية، ط3، 1431هـ=2010م. العقيقي، نجيب (معاصر)، المستشرقون القاهرة، دار المعارف، 1964م، 3ج. العكبري أبو علي: الحسن بن شهاب الحنبلي (ت428هـ)، رسالة في أصول الفقه تحقيق: د. موفق عبد القادر، مكة المكرمة، المكتبة المكية، ط1، 1413هـ=1992م. علاء الدين البخاري، عبد العزيز بن أحمد الحنفي (ت730هـ)، كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي وضع حواشيه: عبد الله محمود محمد عمر، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1418هـ=1997م، 4ج. العلائي، صلاح الدين، أبو سعيد: خليل بن كيكلدي الدمشقي (ت761هـ)، جامع التحصيل في أحكام المراسيل، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، بيروت، عالم الكتب، ط2، 1407هـ=1986م. ابن علان، محمد بن علي الصِّدِّيقي الشافعي (ت1057هـ)، دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين اعتناء: خليل مأمون شيحا، بيروت، دار المعرفة، ط4، 1425هـ= 2004م، 8ج. د. العلواني، طه جابر فيَّاض، أدب الاختلاف في الإسلام فيرجينيا، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1987م. د. علي، جواد (ت1408هـ)، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام

دار الساقي، ط4، 1422هـ=2001م، 20ج. ابن عماد الدين الدمشقي، حامد بن علي الحنفي العمادي (ت1171هـ)، الدر المستطاب في موافقات عمر بن الخطاب وأبي بكر وعلي أبي تراب تحقيق: أ.د. مصطفى عثمان صميدة، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1417هـ=1996م. عياض، أبو الفضل: عياض بن موسى السبتي (ت544هـ)، مشارق الأنوار على صحاح الآثار المكتبة العتيقة ودار التراث، 2ج. آل عيسى، عبد السلام بن محسن (معاصر)، دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر المدينة المنورة، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، ط1، 1423هـ =2002م، 2ج. أبو العينين، بدران، تاريخ الفقه الإسلامي بيروت، دار النهضة العربية. أبو غدة، عبد الفتاح (ت1417هـ)، تحقيق ثبوت كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري في شأن القضاء وفيه العمل بالقياس الرياض، جامعة الإمام محمد بن سعود، مجلة الشريعة، ع: 4، 1402هـ. غزال، حسين يوسف (معاصر)، الميراث على المذاهب الأربعة دراسة وتطبيقًا بيروت، دار الفكر، ط1، 1417هـ=1996م، ص: 79-80. الغزالي، حجة الإسلام، أبو حامد: محمد بن محمد (ت505هـ):

إحياء علوم الدين ، بيروت، دار المعرفة، 4ج. المستصفى من علم الأصول ، دراسة وتحقيق: د. حمزة بن زهير حافظ، جدة، شركة المدينة المنورة للطباعة والنشر، 4ج.

الغزالي، محمد (ت1416هـ):

الإسلام والأوضاع الاقتصادية ، القاهرة، دار الصحوة، ط7، 1407هـ=1987م. فقه السيرة ، دمشق، دار القلم، ط1، 1427هـ.

الغزي، كامل بن حسين البالي الحلبي (ت1351هـ)، نهر الذهب في تاريخ حلب ، حلب، دار القلم، ط2، 1419هـ، 3ج. ابن فارس، أبو الحسين: أحمد بن فارس الرازي (ت395هـ)، معجم مقاييس اللغة ، تحقيق: عبد السلام هارون، بيروت، دار الفكر، 1399هـ =1979م، 6ج. الفاكهي، أبو عبد الله: محمد بن إسحاق المكي (ت272هـ)، أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه ، تحقيق: د. عبد الملك عبد الله دهيش، بيروت، دار خضر، ط2، 1414هـ، 6ج. الفرَّاء، أبو يعلى القاضي: محمد بن الحسين (ت458هـ):

الأحكام السلطانية ، بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، 1421هـ=2000م. العدة في أصول الفقه ، تحقيق: د. أحمد بن علي بن سير المباركي، ط2، 1410هـ= 1990م، 5ج.

ابن فرحون، برهان الدين، إبراهيم بن علي اليعمري (ت799هـ):

تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام ، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، ط1، 1406هـ=1986م، 2ج. الديباج المُذْهَب في معرفة أعيان علماء المذهب ، تحقيق: د. محمد الأحمدي أبو النور، القاهرة، دار التراث، 2ج.

الفسوي، أبو يوسف: يعقوب بن سفيان الفارسي (ت277هـ)، المعرفة والتاريخ ، تحقيق: أكرم ضياء العمري، بيروت، الرسالة، ط2، 1401هـ=1981م، 3ج. الفُلاَّني، صالح بن محمد المالكي (ت1218هـ)، إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار ، بيروت، دار المعرفة. الفِيروزابادي، مجد الدين، أبو طاهر: محمد بن يعقوب (ت817هـ)، القاموس المحيط ، تحقيق: مكتب تحقيق التراث، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط8، 1426هـ=2005م. الفيومي، أبو العباس: أحمد بن محمد الحموي (ت770هـ)، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير ، بيروت، دار الكتب العلمية. القاري، الملا علي بن سلطان محمد الهروي (ت1014هـ)، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح ، بيروت، دار الفكر، ط1، 1422هـ=2002م، 9ج. القاسمي، جمال الدين، محمد بن محمد (ت1332هـ)، إصلاح المساجد من البدع والعوائد ، خرَّج أحاديثه وعلَّق عليه: محمد ناصر الدين الألباني، بيروت، المكتب الإسلامي، ط5، 1403هـ=1983م. القالي، أبو علي: إسماعيل بن القاسم (ت356هـ)، الأمالي، عنى بوضعها وترتيبها: محمد عبد الجواد الأصمعي، القاهرة، دار الكتب المصرية، ط2، 1344= 1926م، 4ج. ابن قتيبة، أبو محمد: عبد الله بن مسلم الدينوري (ت276هـ):

الشعر والشعراء تحقيق: أحمد محمد شاكر، القاهرة، دار الحديث، 1423هـ،

2ج. عيون الأخبار تحقيق: د. يوسف علي طويل، بيروت، دار الكتب العلمية، 1418هـ، 4ج. غريب الحديث تحقيق: د. عبد الله الجبوري، بغداد، مطبعة العاني، ط1، 1397هـ، 3ج. ا المعارف تحقيق: ثروت عكاشة، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط2، 1992م.

ابن قدامة، موفق الدين، أبو محمد: عبد الله بن أحمد المقدسي (ت620هـ):

روضة الناظر وجنة المناظر ، بيروت، مؤسسة الريان، ط2، 1423هـ=2002م، 2ج. المغني ، القاهرة، مكتبة القاهرة، 1388هـ=1968م، 10ج.

القرافي، شهاب الدين، أبو العباس: أحمد بن إدريس المالكي (ت684هـ):

الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام ، اعتنى به: عبد الفتاح أبو غدة، حلب، مكتب المطبوعات الإسلامية- بيروت، دار البشائر، ط2، 1416هـ=1995م . أنوار البروق في أنواء الفروق ، بيروت، عالم الكتب، 4ج. شرح تنقيح الفصول في علم الأصول ، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، القاهرة، شركة الطباعة الفنية المتحدة، ط1، 1393هـ= 1973م.

د. القرشي، غالب بن عبد الكافي (معاصر)، أوليات الفاروق في الإدارة والقضاء صنعاء، مكتبة الجيل الجديد، ط1، 1410هـ=1990م، 2ج. القرشي، محيي الدين، عبد القادر بن محمد الحنفي (ت775هـ)، الجواهر المضية في طبقات الحنفية كراتشي،

2ج. د. القرضاوي، يوسف (معاصر)، الاجتهاد في الشريعة الإسلامية دمشق، دار القلم، ط1. القَسْطَلاَّني، شهاب الدين، أبو العباس: أحمد بن محمد المصري (ت923هـ)، إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري مصر، المطبعة الكبرى الأميرية، ط7، 1323هـ، 10ج. ابن القَطَّاع الصقلي، أبو القاسم: علي بن جعفر السعدي (ت515هـ)، كتاب الأفعال القاهرة، عالم الكتب، ط1، 1403هـ=1983م، 3ج. أ.د. قلعه جي، محمد رواس (ت1435هـ):

بين فقيهين ، مجلة البحوث الإسلامية- مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، 6/203-216، 88ج. الفقيه المفتي زيد بن ثابت رضي الله عنه من مفتي الصحابة ، مجلة البحوث الإسلامية- مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، 31/193-227. معجم لغة الفقهاء ، بالاشتراك مع قنيبي، حامد صادق، بيروت، دار النفائس، ط2، 1408هـ=1988م. موسوعة فقه عمر بن الخطاب: عصره وحياته ، بيروت، دار النفائس، ط4، 1409هـ=1989م.

القلقشندي، أبو العباس: أحمد بن علي (ت821هـ)، قلائد الجمان في التعريف بقبائل عرب الزمان تحقيق: إبراهيم الإبياري، القاهرة، دار الكتاب المصري، ط2، 1402هـ= 1982م. القِنَّوجي، أبو الطيب: محمد صديق خان الحسيني (ت1307هـ)، أبجد العلوم بيروت، دار ابن حزم، ط1، 1423هـ=2002م.

1423هـ=2002م. القونوي، قاسم بن عبد الله الرومي الحنفي (ت978هـ)، أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ المتداولة بين الفقهاء تحقيق: يحيى حسن مراد، بيروت، دار الكتب العلمية، 1424هـ=2004م. ابن قيم الجوزية، شمس الدين، أبو عبد الله: محمد بن أبي بكر (ت751هـ):

إعلام الموقعين عن رب العالمين ، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1411هـ= 1991م، 4ج. إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان ، تحقيق: محمد حامد الفقي، الرياض، مكتبة المعارف، 2ج. تحقيق تحفة المودود بأحكام المولود، تحقيق عبد القادر الأرناؤوط، دمشق، دار البيان، ط1، 1391هـ =1971م. الطرق الحكمية ، تحقيق: نايف بن أحمد الحمد، مكة المكرمة، دار عالم الفوائد، ط1، 1428هـ، 2ج.

الكاساني، علاء الدين، أبو بكر بن مسعود الحنفي (ت587هـ)، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ، بيروت، دار الكتب العلمية، ط2، 1406هـ=1986م، 7ج. أ.د. كبَّارة، عبد الفتَّاح محمد ظافر (معاصر)، التشريع الإسلامي، نشأته وتاريخه ومصادره ، الرياض، مكتبة الرشد، ط1، 1424هـ=2003م. الكَتَّاني، محمد عبد الحي بن عبد الكبير الحسني (ت1382هـ):

التراتيب الإدارية تحقيق: عبد الله الخالدي، بيروت، دار الأرقم، ط2، 2ج.

فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات تحقيق: إحسان عباس، بيروت، دار الغرب الإسلامي، ط2، 1982م، 2ج.

ابن كثير، أبو الفداء: إسماعيل بن عمر الدمشقي (ت774هـ):

البداية والنهاية ، بيروت، دار الفكر، 1407هـ=1986م، 15ج. تفسير القرآن العظيم ، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، السعودية، دار طيبة، ط2، 1420هـ=1999م، 8ج. مسند أمير المؤمنين عمر ، تحقيق: عبد المعطي قلعجي، المنصورة، دار الوفاء، ط1، 1411هـ=1991م، 2ج.

كحالة، عمر بن رضا الدمشقي (ت1408هـ): معجم قبائل العرب القديمة والحديثة بيروت، مؤسسة الرسالة، ط7، 1414هـ= 1994م، 5ج. معجم المؤلفين بيروت، مكتبة المثنى- بيروت، دار إحياء التراث العربي، 13ج. الكفوي، أبو البقاء: أيوب بن موسى الحنفي (ت1094هـ)، الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية تحقيق: عدنان درويش- محمد المصري، بيروت، مؤسسة الرسالة. كولسون، ن. ج، في تاريخ التشريع الإسلامي- مقدمة المترجم ترجمة: محمد أحمد سراج، بيروت، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1992م. أ.د. اللاحم، عبد الكريم بن محمد (معاصر)، نقض الأحكام القضائية في الفقه الرياض، دار إشبيلية، ط1، 1419هـ=1998م.

اللالكائي، أبو القاسم: هبة الله بن الحسن (ت418هـ)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة تحقيق: أحمد بن سعد الغامدي، السعودية، دار طيبة، ط8، 1423هـ= 2003م، 9ج. ابن ماجه، أبو عبد الله: محمد بن يزيد القزويني (ت273هـ)، السنن الرياض، بيت الأفكار الدولية. ابن ماكولا، سعد الملك، أبو نصر: علي بن هبة الله (ت475هـ)، الإكمال في رفع الارتياب عن المؤتلف والمختلف في الأسماء والكنى والأنساب بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1411هـ=1990م، 7ج. مالك بن أنس، أبو عبد الله، الأصبحي المدني (ت179هـ):

الموطأ- رواية يحيى الليثي ، تصحيح وتعليق: محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1406هـ=1985م، 2ج. الموطأ- برواية محمد بن الحسن الشيباني ، تحقيق: عبد الوهاب عبد اللطيف، المكتبة العلمية، ط2.

الماوردي، أبو الحسن، علي بن محمد الشافعي (ت450هـ)، الأحكام السلطانية والولايات الدينية القاهرة، دار الحديث. المتقي الهندي، علاء الدين، علي بن حسام الدين الهندي (ت975هـ)، كنز العمال في سنن الأقوال والفعال تحقيق: بكري حياني- صفوة السقا، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط5، 1401هـ=1981م، 16ج. المجلة العلمية للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث ع: 2، كانون الثاني 2003م، ذو القعدة 1423هـ. مخلوف، محمد حسنين بن محمد العدوي (ت1355هـ)، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية بيروت، دار الفكر، 2ج.

المدني، محمد محمد (ت1388هـ)، نظرات في اجتهادات الفاروق عمر بن الخطاب بيروت، دار النفائس، ط1، 1410هـ=1990م. أ.د. مدكور، محمد سلام:

الاجتهاد في التشريع الإسلامي ، بيروت، دار النهضة العربية، ط1، 1404هـ= 1984م. المدخل للفقه الإسلامي ، القاهرة، دار الكتاب الحديث، ط2، 1996م.

المرداوي، علاء الدين، أبو الحسن: علي بن سليمان (ت885هـ)، التحبير شرح التحرير في أصول الفقه دراسة وتحقيق: د. أحمد بن محمد السَّراح ورفيقيه، الرياض، مكتبة الرشد، ط1، 1421هـ=2000م، 8ج. المرغيناني، أبو الحسن: برهان الدين، علي بن أبي بكر (ت593هـ)، الهداية في شرح بداية المبتدي تحقيق: طلال يوسف، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 4ج. المركز التربوي للبحوث والإنماء، التعليم الثانوي، السنة الأولى، الأدب العربي بيروت، مكتبة لبنان، ط1، 1998م. المزني، أبو إبراهيم: إسماعيل بن يحيى (ت264هـ)، مختصر المزني- ملحق بالأم للشافعي المزي، جمال الدين، أبو الحجاج: يوسف بن الزكي عبد الرحمن (ت742هـ)، تهذيب الكمال في أسماء الرجال تحقيق: د. بشار عواد معروف، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1400هـ=1980م، 35مج.

مسلم بن الحجاج، أبو الحسين، القشيري (ت261هـ)، الصحيح- مقدمته الرياض، بيت الأفكار الدولية، 1419هـ=1998م. مصطفى، إبراهيم (ت1382هـ)- ورفاقه، المعجم الوسيط استانبول، المكتبة الإسلامية، 2ج. مغلطاي، أبو عبد الله: علاء الدين، مغلطاي بن قليج الحنفي (ت762هـ)، الإعلام بسنته؛ (شرح سنن ابن ماجه) تحقيق: كامل عويضة، السعودية، مكتبة نزار مصطفى الباز، ط1، 1419هـ=1999م، 5ج. المقدسيُّ، ضياء الدين، أبو عبد الله: محمد بن عبد الواحد (ت643هـ)، الأحاديث المختارة تحقيق: أ.د. عبد الملك بن عبد الله بن دهيش، بيروت، دار خضر، ط3، 1420هـ=2000م، 13ج. ابن الملقن، سراج الدين، أبو حفص: عمر بن علي الشافعي المصري (ت804هـ):

البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير ، تحقيق: مصطفى أبو الغيط ورفيقيه، الرياض، دار الهجرة، ط1، 1425هـ=2004م، 9ج. تذكرة المحتاج إلى أحاديث المنهاج ، تحقيق: حمدي عبد المجيد السلفي، بيروت، المكتب الإسلامي، ط1، 1994م.

منصور، المستشار علي علي (معاصر)، نظام الحكم والإدارة في الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية بيروت، دار الفتح، ط2، 1391هـ=1971م.

1391هـ=1971م. ابن منظور، جمال الدين، أبو الفضل: محمد بن مكرم الإفريقي (ت711هـ)، لسان العرب بيروت، دار صادر، ط3، 1414هـ، 15ج. ابن بنت منيع البغوي، أبو القاسم: عبد الله بن محمد (ت317هـ)، معجم الصحابة تحقيق: محمد الأمين بن محمد الجكني، الكويت، مكتبة دار البيان، ط1، 1421هـ= 2000م، 5ج. د. موسى، محمد يوسف (ت1383هـ)، تاريخ الفقه الإسلامي: دعوة لتجديده بالرجوع لمصادره الأولى القاهرة، دار الكتب الحديثة. الموصلي، أبو يعلى: أحمد بن علي (ت307هـ)، المسند تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، دمشق، دار المأمون للتراث، ط1، 1404هـ=1984م، 13ج. موير، وليم (ت1323هـ=1905م)، الخلافة: نشأتها، وانحلالها وسقوطها نقلاً عن رضا، محمد، الفاروق عمر النجار، عبد الوهاب بن أحمد (ت1360هـ)، الخلفاء الراشدون صيدا، اعتناء: وليد الذكرى، المكتبة العصرية، 1428هـ=2007م. ابن النجَّار، محمد بن أحمد الفتوحي (ت972هـ)، شرح الكوكب المنير تحقيق: د. محمد الزحيلي- د. نزيه حماد، مكتبة العبيكان، 1418هـ=1997م، 4ج. ابن نجيم، زين الدين بن إبراهيم المصري (ت970هـ)، الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان علَّق عليه: زكريا عميرات، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1419هـ=1999م. الندوي، أبو الحسن: السيد علي الحسني (ت1420هـ)، المرتضى دار القلم، دمشق، ط2، 1419هـ=1998م.

النسائي، أبو عبد الرحمن: أحمد بن شعيب (ت303هـ):

السنن ، الرياض، بيت الأفكار الدولية. السنن الكبرى ، تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط1، 1421هـ=2001م، 12ج.

أبو نعيم: أحمد بن عبد الله الأصبهاني (ت430هـ):

تاريخ أصبهان ، تحقيق: سيد كسروي حسن، بيروت، دار الكتب العلمية، ط1، 1410هـ=1990م، 2ج. تثبيت الإمامة ، تحقيق: د. علي بن محمد بن ناصر الفقيهي، المدينة المنورة، مكتبة العلوم والحكم، ط1، 1407هـ=1987م. حلية الأولياء وطبقات الأصفياء ، القاهرة، دار السعادة، تصوير بيروت، دار الكتب العلمية، 1409هـ، 10ج. معرفة الصحابة ، تحقيق: عادل بن يوسف العزازي، الرياض، دار الوطن، ط1، 1419هـ=1998م، 7ج.

أبو نعيم، الفضل بن دُكَيْن الملائي (ت219هـ)، الصلاة ، تحقيق: صلاح بن عايض الشلاحي، المدينة المنورة، مكتبة الغرباء الأثرية، ط1، 1417هـ=1996م. أ.د. النملة، عبد الكريم بن علي (ت1435هـ)، المهذب في علم أصول الفقه المقارن ، الرياض، مكتبة الرشد، ط1، 1420هـ=1999م، 5ج. النووي، محيي الدين، أبو زكريا: يحيى بن شرف الدمشقي (ت676هـ):

تهذيب الأسماء واللغات بيروت، دار الكتب العلمية، 4ج.

تحرير ألفاظ التنبيه تحقيق: عبد الغني الدقر، دمشق، دار القلم، ط1، 1408هـ. رياض الصالحين تحقيق: شعيب الأرنؤوط، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط3، 1419هـ=1998م. المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج تصوير: بيروت، دار إحياء التراث العربي، ط2، 1392هـ، 18ج.

د. هارت، مايكل (ت2011م)، المئة الأوائل تعريب: خالد أسعد عيسى- أحمد غسان سبانو، دمشق، دار قتيبة، ط14، 1431هـ=2010م. الهروي، أبو إسماعيل: عبد الله بن محمد الأنصاري (ت481هـ)، ذم الكلام وأهله تحقيق: عبد الرحمن عبد العزيز الشبل، المدينة المنورة، مكتبة العلوم والحكم، ط1، 1418هـ=1998م، 5ج. ابن هشام، جمال الدين، أبو محمد: عبد الملك بن هشام (ت213هـ)، السيرة النبوية تحقيق: مصطفى السقا ورفيقيه، القاهرة، شركة ومكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده، ط2، 1375هـ=1995م، 2ج. ابن الهمام، كمال الدين، محمد بن عبد الواحد الحنفي (ت861هـ)، فتح القدير بيروت، دار الفكر، 10ج. هُوتْسْما، مارتن تيودور (ت1362هـ=1943م) ورفاقه، دائرة المعارف الإسلامية النسخة المعربة، الشارقة، مركز الشارقة للإبداع الفكري، ط1، 1418هـ=1998م، 33ج. الهيثمي، نور الدين، أبو الحسن: علي بن أبي بكر (ت807هـ)، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد بيروت، دار الفكر، 1412هـ، 10ج.

د. هيكل، محمد حسين، عمر الفاروق صيدا، المكتبة العصرية، ط1، 1429هـ= 2008م، 2ج. ابن وضاح، أبو عبد الله: محمد بن وضاح القرطبي (ت286هـ)، البدع والنهي عنها تحقيق: عمرو عبد المنعم سليم، القاهرة، مكتبة ابن تيمية- جدة، مكتبة العلم، ط1، 1416هـ. وكيع، أبو بكر: محمد بن خلف الضبي (ت306هـ)، أخبار القضاة تحقيق: عبد العزيز مصطفى المراغي، مصر، المكتبة التجارية الكبرى، ط1، 1366هـ=1947م، 3ج. يحيى بن آدم، أبو زكرياء الكوفي الأحول (ت203هـ)، الخراج اعتنى به: أبو الأشبال أحمد محمد شاكر، القاهرة، المطبعة السلفية ومكتبتها، 1374هـ. أبو يوسف: يعقوب بن إبراهيم الأنصاري (ت182هـ):

الآثار ، اعتنى به: أبو الوفا، حيدر آباد الدكن، لجنة إحياء المعارف النعمانية، 1355هـ، تصوير: بيروت، دار الكتب العلمية. الخراج ، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد- سعد حسن محمد، مصر، المكتبة الأزهرية للتراث.

فهرس المحتويات والموضوعات

فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الموضوعالصفحة
سُطُورٌ خَالِدَةٌ وقَالاتٌ رَائِدَةٌ5
الإهْدَاءُ6
بَاقَةُ شُكْرٍ وعِرْفَانٍ7
المُقَدِّمَةُ، وفيها9
لمَاذَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ بالذات؟10
تَحْدِيدُ مَوضُوعِ البحث13
إشْكَالِيَّةُ البحث14
أسْبَابُ اخْتِيَارِ المَوضُوعِ15
أهْدَافُ البَحْثِ17
أهَمِّيَّةُ البحث19
الدِّرَاسَاتُ السَّابِقَةُ وخَصَائِصُهَا20
- الفَجْوَةُ المُرَادُ تَغْطِيَتُها22
هَيْكَلِيَّةُ البَحْثِ23
مَنْهَجُ البَحْثِ27
المَصَادِرُ والمَرَاجِعُ المُعْتَمَدَةُ
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
31
الصُّعُوبَاتُ وكَيفِيَّةُ تَذْلِيلِهَا32
التَّمْهِيدُ: المَنْهَجُ الأصُولِيُّ فِي اجْتِهَادِ الصَّحَابَةِ ودَوْرُ عُمَرَ فِي التَّشْرِيعِ35
المَبْحَثُ الأوَّلُ: القَوَاعِدُ الأصُولِيَّةُ مِنَ السَّجِيَّةِ اللُّغَوِيَّةِ إلى الصِّنَاعَةِ العِلْمِيَّة37
المَبْحَثُ الثَّانِي: دَوْرُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ فِي التَّشْرِيعِ46
أوَّلاً: عُمَرُ شَارِحًا للوَحْيِ الإلَهِيِّ46
ثَانِيًا: مَوارِدُ عُمرَ بَيْنَ النَّصِّ والاستِنبَاطِ53
ثَالِثًا: آلِيَّةُ تَفْكِيرِهِ فِي تَتَبُّعِ الأحْكَامِ55
البَابُ الأوَّلُ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ومَعَالِمُ الاجْتِهَادِ لَدَيْهِ59
الفَصْلُ الأوَّلُ: عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ومَلامِحُ شَخْصيَّتِهِ العِلْميَّةِ61
المَبْحَثُ الأوَّلُ: عُمَرُ مِنَ الجَاهِليَّةِ إلى الإسْلامِ63
المَطلَبُ الأوَّلُ: بَاقَةُ أُنْسٍ وإطْلالَةُ نَسَبٍ64
أوَّلاً: بِطاقَتُهُ الشَّخْصيَّةُ64
ثَانِيًا: نَشْأتُهُ وأثَرُهَا فِي صَقْلِ شَخْصيَّتِهِ70
المَطْلَبُ الثَّانِي: عُمَرُ فِي عَهْدِ صَاحِبَيْهِ75
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
أوَّلاً: إسْلامُهُ واسْتِثْمَارُهُ فِي نُفُوسِ المُسْلِمِينَ75
ثَانِيًا: إغْنَاؤُهُ فِي حَيَاةِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم80
ثَالِثًا: مُشَارَكَاتُهُ فِي حَيَاةِ أبِي بَكْرٍ83
المَبْحَثُ الثَّانِي: عُمَرُ مِنَ الخِلافَةِ إلى الشَّهَادَةِ87
المَطْلَبُ الأوَّلُ: اسْتِخْلافُ عُمَرَ وإنْجَازَاتُهُ88
أوَّلاً: آلِيَّةُ استِخْلافِهِ88
ثَانِيًا: فَضْلُ خِلافَتِهِ93
ثَالِثًا: إنْجَازَاتُ الخِلافَةِ95
المَطْلَبُ الثَّانِي: اسْتِشهَادُ عُمَرَ وتَأثِيرُهُ فِي رَعِيَّتِهِ102
أوَّلاً: قِصَّةُ اسْتِشْهَادِهِ102
ثَانِيًا: أثَرُ استِشْهَادِهِ107
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: مَلامِحُ شَخْصِيَّةِ عُمَرَ العِلْميَّةِ113
المَطْلَبُ الأوَّلُ: صِفَاتٌ نَفْسَانِيَّةٌ أوْرَثَتِ اجْتِهَادًا شُمُولِيًّا114
المَطْلَبُ الثَّانِي: ثَقَافَتُهُ ودَوْرُهَا فِي تَكْوِينِ العَقْلِيَّةِ الاجْتِهَادِيَّةِ124
المَبْحَثُ الرَّابِعُ: عُمَرُ فِي فِكْرِهِ الأصُولِيِّ وآثَارِهِ الثَّقَافِيَّةِ151
المَطْلَبُ الأوَّلُ: رِسَالَةُ القَضَاءِ إلَى أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ154
أوَّلاً: نَصُّ الرِّسَالَةِ155
ثَانِيًا: تَوْثِيقُهَا والجُهُودُ المَبْذُولَةُ فِيهَا157
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
المَطْلَبُ الثَّانِي: لُغَةُ الرِّسَالَةِ وعَلاقَتُهَا بمَوْضُوعِهَا161
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: الفِكْرُ الأصُولِيُّ فِي رِسَالَةِ القَضَاءِ163
الفَصْلُ الثَّانِي: مَعَالِمُ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ179
المَبْحَثُ الأوَّلُ: الاجْتِهَادُ الأصُولِيُّ: مَضْمُونُهُ، شُمُولِيَّتُهُ، وتَمَايُزُهُ181
المَطْلَبُ الأوَّلُ: مَضْمُونُ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ182
أوَّلاً: تَعْرِيفُ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ182
ثَانِيًا: مَصَادِيقُ فِي بَلْوَرَةِ العَقْلِ الاجْتِهَادِيِّ184
ثَالِثًا: أنْوَاعُ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ187
المَطْلَبُ الثَّانِي: شُمُولِيَّةُ الاجْتِهَادِ الأصُولِيِّ190
أوَّلاً: انْعِكَاسُ ثَقَافَةِ الأصُولِيِّ على الاجْتِهَادِ190
ثَانِيًا: مَعْقُولِيَّةُ التَّشْرِيعِ وتَأثِيرُهَا فِي تَوْسِيعِ دَائِرَةِ الاجْتِهَادِ191
ثَالِثًا: قَصْرُ الاجْتِهَادِ عَنِ المَجَالِ العَقَدِيِّ193
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: تَمَايُزُ الاجْتِهَادِ بَيْنَ عَصْرِ النُّبُوَّةِ وخِلافَةِ عُمَرَ196
المَبْحَثُ الثَّانِي: مَوْقِفُ عُمَرَ مِنَ الاجْتِهَادِ ودَوَافِعُهُ199
المَطْلَبُ الأوَّلُ: مَوْقِفُ عُمَرَ مِنَ الاجْتِهَادِ200
أوَّلاً: الأمْرُ بالاجْتِهَادِ والنَّهْيُ عَنْهُ200
ثَانِيًا: آدَابُ الاجْتِهَادِ لَدَى عُمَرَ206
المَطْلَبُ الثَّانِي: دَوَافِعُ اجْتِهَادِهِ ودَوَاعِي انْتِشَارِهِ211
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
أوَّلاً: دَوَافِعُ الاجْتِهَادِ وتَوْسِيعِ نِطَاقِ الفَتْوَى213
ثَانِيًا: دَوَاعِي انْتِشَارِ اجْتِهَادِهِ223
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: تَكْييفُ اجْتِهَادِ عُمَرَ226
أوَّلاً: هَلِ اجْتِهَادُ عُمَرَ رَأيٌ مَحْضٌ؟226
ثَانِيًا: هَلِ اجْتَهَدَ عُمَرُ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ؟228
ثَالِثًا: تَصْنِيفُ عُمَرَ بَيْنَ مُجَدِّدِينَ ومُحَافِظِينَ239
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الخَصَائِصُ العَامَّةُ لاجْتِهَادِ عُمَرَ ورَوَافِدُهُ241
المَطْلَبُ الأوَّلُ: الخَصَائِصُ العَامَّةُ لاجْتِهَادِ عُمَرَ242
أوَّلاً: اتِّبَاعُهُ طَرِيقَةَ الشُّورَى فِي تَبَيُّنِ الحُكْمِ242
ثَانِيًا: اسْتِخَارَةُ الشَّارِعِ فِي الحُكْمِ الأنْسَبِ243
ثَالِثًا: عَدَمُ خُضُوعِ اجْتِهَادِهِ للمُوَاضَعَاتِ الاصْطِلاحِيَّةِ248
رَابِعًا: اقْتِصَارُ نِطَاقِ اجْتِهَادِهِ على النَّوَازِلِ الفِعْلِيَّةِ250
خَامِسًا: الحِرْصُ عَلَى تَوْظِيفِ المَصَادِرِ الأصْلِيَّةِ253
سَادِسًا: اعْتِمَادُ آلِيَّةِ الجَدَلِ والمُنَاظَرَةِ262
سَابِعًا: الاسْتِنَادُ إلى المَعَانِي العَامَّةِ ومُطْلَقِ المُنَاسَبَاتِ272
المَطْلَبُ الثَّانِي: رَوَافِدُ الاجْتِهَادِ لَدَى عُمَرَ279
أوَّلاً: مُعَاصَرَةُ الوَحْيِ تَنَزُّلاً وتَطْبِيقًا279
ثَانِيًا: مُشَارَكَتُهُ التَّطْبِيقَ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ284
ثَالِثًا: امْتِلاكُ لُغَةِ التَّشْرِيعِ سَلِيقَةً289
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
رَابِعًا: الخِبْرَةُ بشُؤُونِ الوَاقِعِ والمَعْرِفَةُ بطَبَائِعِ النَّاسِ298
البَابُ الثَّاني: المَنْهَجُ الأصُولِيُّ للاجْتِهَادِ بالرَّأيِ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ305
الفَصْلُ الأوَّلُ: مَظَاهِرُ الاجْتِهَادِ وأُسُسُهُ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ317
المَبْحَثُ الأوَّلُ: الاجْتِهَادُ الفَرْدِيُّ ومَظَاهِرُ تَطْبِيقَاتِهِ309
المَطْلَبُ الأوَّلُ: مَفْهُومُ الاجْتِهَادِ الفَرْدِيِّ ومَوْقِفُ عُمَرَ مِنْهُ310
أوَّلاً: مَفْهُومُ الاجْتِهَادِ الفَرْدِيِّ310
ثَانِيًا: مَوْقِفُ عُمَرَ مِنَ الاجْتِهَادِ الفَرْدِيِّ310
ثَالِثًا: أمْثِلَةٌ عَمَلِيَّةٌ عَلَى الاجْتِهَادِ الفَرْدِيِّ312
المَطْلَبُ الثَّانِي: دِرَاسَةٌ تَحْلِيلِيَّةٌ للقَضَايَا المَنْهَجِيَّةِ بَيْنَ عُمَرَ ومُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ317
أوَّلاً: ظَاهِرَةُ التَّوَافُقِ فِي الاجْتِهَادِ317
ثَانِيًا: ظَاهِرَةُ الاخْتِلافِ فِي الاجْتِهَادِ320
ثَالِثًا: الفَرْقُ بَيْنَ الابْتِنَاءِ عَلَى القِيَاسِ والمَصْلَحَةِ323
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: أسْبَابُ اخْتِلافِ الاتِّجَاهَاتِ التَّشْرِيعِيَّةِ بَيْنَ عُمَرَ ومُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ326
النَّوْعُ الأوَّلُ: مَا يَرْجِعُ إلى الكفاءة العلمية326
النَّوْعُ الثَّانِي: مَا يَرْجِعُ إلى التَّفَاوُتِ فِي مَدَارِكِ النَّظَرِ328
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
المَبْحَثُ الثَّانِي: الاجْتِهَادُ الجَمَاعِيُّ ودَوْرُ الخِلافَةِ فِي تَنْظِيمِهِ349
المَطْلَبُ الأوَّلُ: الاجْتِهَادُ الجَمَاعِيُّ وبَوَاعِثُهُ351
أوَّلاً: مُتَعَلِّقَاتُ الاجْتِهَادِ الجَمَاعِيِّ351
ثَانِيًا: مَنْهَجُ عُمَرَ مَعَ عُمَّالِهِ ودَلالَتُهُ الأصُولِيَّةُ فِي سِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ359
ثَالِثًا: مَوْضُوعُ الاجْتِهَادِ الجَمَاعِيِّ ودَوَافِعُهُ والتَّمْهِيدُ للإجْمَاعِ362
المَطْلَبُ الثَّانِي: عِنَايَةُ الخَلِيفَةِ بتَنْظِيمِ الشُّورَى365
أوَّلاً: تَسْمِيَةُ أعْضَاءِ المَجْلِس الاسْتِشَارِيِّ365
ثَانِيًا: دَوْرُ المَرْأةِ فِي الشُّورَى372
ثَالِثًا: مَأْخَذُ عُمَرَ فِي الشُّورَى375
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: نَمَاذِجُ مِنَ الاجْتِهَادِ الجَمَاعِيِّ381
النَّوْعُ الأوَّلُ: اجْتِهَادَاتٌ تَتَّفِقُ عَلَيْهَا الآرَاءُ381
النَّوْعُ الثَّانِي: اجْتِهَادَاتٌ تَخْتَلِفُ فِيهَا الآرَاءُ384
المَبْحَثُ الثَّالِثُ: الأسُسُ المَرْجِعِيَّةُ لاجْتِهَادِ عُمَرَ393
المَطْلَبُ الأوَّلُ: النُّصُوصُ المُفَسَّرَةُ394
المَطْلَبُ الثَّانِي: السَّوَابِقُ القَضَائِيَّةُ405
أوَّلاً: مَفْهُومُ السَّوَابِقِ القَضَائِيَّةِ405
ثَانِيًا: حُجِّيَّةُ السَّوَابِقِ القَضَائِيَّةِ406
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: مَقَاصِدُ التَّشْرِيعِ409
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
أوَّلاً: أصْلُ العَدْلِ409
ثَانِيًا: أصْلُ المَصْلَحَةِ416
الفَصْلُ الثَّانِي: مَجَالاتُ الاجْتِهَادِ لَدَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ433
المَبْحَثُ الأوَّلُ: مَجَالُ الاجْتِهَادِ فِي مَا فِيهِ نَصٌّ435
المَطْلَبُ الأوَّلُ: الإفَادَةُ مِنْ آفَاقِ النَّصِّ التَّشْرِيعِيِّ436
المَطْلَبُ الثَّانِي: تَحْدِيدُ نِطَاقِ التَّأوِيلِ باعْتِبَارِ دَلالَةِ النَّصِّ443
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: تَبْيينُ مُرَادِ الشَّارِعِ مِنَ الصِّيَغِ الشَّامِلَةِ454
أوَّلاً: التَّخْصِيصُ بالمَصْلَحَةِ454
ثَانِيًا: التَّخْصِيصُ بالقِيَاسِ461
المَطْلَبُ الرَّابِعُ: تَحْدِيدُ نَوْعِيَّةِ التَّكْلِيفِ مِنْ خِلالِ دَرَجَةِ الاقْتِضَاءِ465
المَطْلَبُ الخَامِسُ: التَّرْجِيحُ بَيْنَ النُّصُوصِ المُتَعَارِضَةِ478
أوَّلاً: تَخْصِيصُ الكِتَابِ بالكِتَابِ478
ثَانِيًا: تَخْصِيصُ الكِتَابِ بالسُّنَّةِ479
ثَالِثًا: تَرْجِيحُ العَامِّ على الخَاصِّ482
المَبْحَثُ الثَّانِي: مَجَالُ الاجْتِهَادِ فِي مَا لا نَصَّ فِيهِ489
المَطْلَبُ الأوَّلُ: الإلْحَاقُ عَنْ طَرِيقِ المَعَانِي القِيَاسِيَّةِ490
النَّوْعُ الأوَّلُ: إثْبَاتُ الاشْتِرَاكِ فِي المَعْنَى بنَفْيِ الفَارِقِ المُؤَثِّرِ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ490
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
النَّوْعُ الثَّانِي: إثْبَاتُ المُسَاوَاةِ بَيْنَ الأصْلِ والفَرْعِ495
النَّوْعُ الثَّالِثُ: إلْحَاقُ فَرْعٍ لَهُ أصُولٌ مُخْتَلِفَةٌ بأقْرَبِهَا شَبَهًا بِهِ501
المَطْلَبُ الثَّانِي: الإلْحَاقُ عَنْ طَرِيقِ البَدَائِلِ البَيَانِيَّةِ505
النَّوْعُ الأوَّلُ: الاسْتِصْلاحُ505
النَّوْعُ الثَّانِي: العُرْفُ510
النَّوْعُ الثَّالِثُ: الاحْتِيَاطُ516
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: الإلْحَاقُ عَنْ طَرِيقِ قَوَاعِدِ الاجْتِهَادِ الاسْتِثْنَائِيِّ521
النَّوْعُ الأوَّلُ: الاسْتِحْسَانُ521
النَّوْعُ الثَّانِي: سَدُّ الذَّرَائِعِ530
الخَاتِمَةُ، وفيها:547
أهَمُّ النَّتَائِجِ548
التَّوْصِيَاتُ550
مُلْحَقٌ بِبَعْضِ عَنَاوِينِ الدِّرَاسَاتِ الأكَادِيمِيَّةِ حَوْلَ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه553
فِهْرِسُ المَصَادِرِ والمَرَاجِعِ557
فِهْرِسُ المُحْتَوَيَاتِ والمَوْضُوعَاتِ609

نبذة عن الكتاب

ضم هذا الكتاب بابين وعدة فصول ومباحث، خصص المؤلف الباب الأول لدراسة معالم الاجتهاد لدى عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي انبثقت من تجارب الفاروق الحياتية، والتي كونت ملامح شخصيته العلمية، ثم شرح المؤلف هذه المعالم باستقراء جملة من الخصائص العامة للاجتهاد العمري، مع استخلاص روافد هذا الاجتهاد من القضايا والنوازل التي عرضت لعمر رضي الله عنه في خلافته.

أما الباب الثاني فعُني بدراسة المنهج الأصولي للاجتهاد بالرأي لدى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بإبراز جملة من مظاهر الاجتهاد العمري مع استخراج أصوله وأسسه، يليه استعراض مفصل لمجالات الاجتهاد عند الفاروق رضي الله عنه، سواء فيما ورد فيه نص، أو في المسائل التي خلت من النصوص.

وفي ثنايا الكتاب بحوث ودراسات ونقولات وشروحات واستقراء موسع للمنهج الذي سار عليه عمر رضي الله عنه في استنباط الأحكام، وتنفيذها، ومراعاة المصلحة، مع لزوم حدود الكتاب وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

الحاشية
النسخة المصوّرة — الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب
يُحمّل المصدر المصوّر…