الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 417
ولَمَّا كَانَ عُمَرُ مِنْ جِهَةٍ مُجْتَهِدًا وفَقِيهًا، ومِنْ جِهَةٍ أخْرَى هُوَ وَلِيُّ أمْرِ المُسْلِمِينَ، يَسُوسُهُم بِمَا فِيهِ مَصْلَحَتُهُم، ويَسْعَى نَحْوَ التَّوْسِعَةِ عَلَيْهِم؛ كَانَ يتَخَيَّرُ مِنَ الأحْكَامِ مَا يتَنَاسَبُ والمَصْلَحَةَ العُلْيَا للأمَّةِ، بَعْدَ أنْ يتَعَرَّفَ الغَايَاتِ والثَّمَرَاتِ، انْطِلاقًا مِنَ القَاعِدَةِ الفِقْهِيَّةِ «تَصَرُّفُ الإمَامِ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بالمَصْلَحَةِ»(1075) .
وقَدْ ضَرَبَ عُمَرُ أرْوَعَ الأمْثِلَةِ عَلَى رِعَايَةِ المَصْلَحَةِ، وابْتِنَاءِ الأحْكَامِ عَلَيْهَا، ووَازَنَ بَيْنَهَا، وسَارَ فِي ضَوْئِهَا. يَقُولُ أحْمَدُ أمِين (ت1373هـ) فِي تَوْصِيفِ هَذِهِ المَنْهَجِيَّةِ العِلْمِيَّةِ لَدَى عُمَرَ: «كَانَ يَجْتَهِدُ فِي تَعَرُّفِ المَصْلَحَةِ الَّتِي لأجْلِهَا كَانَتِ الآيَةُ أوِ الحَدِيثُ، ثُمَّ يَسْتَرْشِدُ بتِلْكَ المَصْلَحَةِ فِي أحْكَامِهِ. وهُوَ أقْرَبُ شَيْءٍ إلَى مَا يُعَبَّرُ عَنْهُ الآنَ بالاسْتِرْشَادِ برُوحِ القَانُونِ لا بحَرْفِيَّتِهِ»(1076) .
والنَّاظِرُ فِي مَنْهَجِيَّةِ عُمَرَ بالاعْتِمَادِ عَلَى المَصْلَحَةِ، يَلْحَظُ أنَّه يُوَسِّعُ فِيهَا لجِهَةِ الإشْفَاقِ عَلَى النَّاسِ، ورَفْعِ الحَرَجِ عَنْهُم والتَّيْسِيرِ لَهُم، ودَفْعِ المَشَقَّةِ المُتَوَقَّعَةِ، مَا لَمْ تَضِقْ بِهِم إنْ زَاحَمَتْهَا مَصْلَحَةٌ كَانَ لَهَا ارْتِبَاطٌ وَثِيقٌ بالمُجْتَمَعِ كَكُلٍّ، أوْ بحَقٍّ لمُسْلِمٍ رَاجِحٍ. بمُوجِبِ
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.