الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 415
ذَلِكَ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عُمَرَ شَرِبَ الخَمْرَ فِي مِصْرَ، فحَدَّهُ وَالِيهَا، لَكِنَّهُ حَلَقَ رَأسَهُ لا عَلَى مَرْأًى مِنَ النَّاسِ، وكَانُوا إذْ ذَاكَ يَحلِقُونَ مَعَ الحَدِّ. فعَدَّ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ هَذَا تَهَاوُنًا! فبَعَثَ إلَى عَمْرِو بْنِ العَاصِ يُؤَنِّبُهُ عَلَى فِعْلَتِهَ، قَالَ: «ولَكِنْ قُلْتَ: هُوَ وَلَدُ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ! وقَدْ عَرَفْتَ أنْ لا هَوَادَةَ لأحَدٍ مِنَ النَّاسِ عِنْدِي فِي حَقٍّ يَجِبُ للهِ عَلَيْهِ. فَإذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا، فَابْعَثْ بِهِ». أرَادَ أنْ يُعَاقِبَهُ لِمَكَانِهِ مِنْهُ.
فَلَمَّا وَصَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إلَى المَدِينَةِ – وكَانَ مَرِيضًا- تَعلَّلَ لأبِيهِ بأنَّهُ سَيَمُوتُ إذَا أعَادَ ضَرْبَهُ! فَقَالَ لَهُ عُمَرُ –دُونَ أنْ تَغْلِبَهُ الهَوَادَةُ فِي مُدَارَاةِ شُعُورِ الأبُوَّةِ-: «إذَا لَقِيتَ رَبَّكَ فَأَعْلِمْهُ أنَّ أبَاكَ يُقِيمُ الحُدُودَ». ثُمَّ أرْسَلَهُ شَهْرًا، فَأصَابَهُ بَعْدُ قَدَرُهُ فمَاتَ(1070) .
لَقَدْ كَانَ بوِسْعِ عُمَرَ أنْ يَكْتَفِيَ بضَرْبِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ابْنَهُ فِي الشُّرْبِ، ثُمَّ يُحَمِّلَ مَسْؤُولِيَّةَ عَدَمِ الإعْلانِ عَلَيْهِ، لأنَّ الخَطَأَ خَطَؤُهُ. غَيْرَ أنَّ الرَّغْبَةَ فِي طَرْدِ مُقْتَضَيَاتِ العَدْلِ، دَفَعَتْهُ إلَى مُعَاوَدَةِ ضَرْبِهِ، وهِيَ مُعَاوَدَةٌ لا تَسْتَنِدُ إلاَّ إلَى الاجْتِهَادِ، فِي ضَوْءِ أصُولِ العَدْلِ المُطْلَقِ والشَّامِلِ(1071) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.