الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 399
فبَلَغَ نَاسًا هَذَا التَّحْرِيمُ الأخِيرُ، وفَهِمُوهُ عَلَى التَّأبِيدِ. وبَلَغَ أنَاسًا آخَرِينَ، فظَنُّوهُ التَّحْرِيمَ الأوَّلَ الَّذِي تَبِعَتْهُ رُخْصَةُ التَّحْلِيلِ، فاسْتَمَرُّوا عَلَى الأخْذِ بِهِ(1018) !
وإنَّمَا أرَادَ عُمَرُ بذَلِكَ، أنَّهَا كَانَتْ مُبَاحَةً فِي أوَّلِ الإسْلامِ، فَنُسِخَتِ الإبَاحَةُ(1019) ، وحُرِّمَتْ مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وهَذَا مَضْمُونُ قَوْلِهِ: «كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم»، يَعْنِي: ثُمَّ نَهَى عَنْهُمَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم(1020) . وبالتَّالِي، فمَنِ اسْتَحَلَّهَا وفَعَلَهَا بَعْدَمَا حَرَّمَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ونَسَخَهَا؛ عَاقَبْتُهُ عَلَى ذَلِكَ.
وهَذَا وَاضِحٌ لا لَبْسَ فِيهِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: «ومَعْلُومٌ أنَّ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ لِيَنْهَى عَنْ شَيْءٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، أوْ أبَاحَهُ، أوْ أمَرَ بِهِ، ولا لِيُعَاقِبَ عَلَيْهِ، إلاَّ وقَدْ عَلِمَ أنَّ ذَلِكَ إمَّا خُصُوصٌ، وإمَّا مَنْسُوخٌ»(1021) . هَذا مَا لا شَكَّ فِيهِ لذِي لُبٍّ.
والمُسْتَنَدُ فِي ذَلِكَ الرِّوَايَةُ المُفَسَّرَةُ المُفَصَّلَةُ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ تُحْمَلَ عَلَيْهَا تِيكَ المُجْمَلَةُ، والَّتِي وَرَدَتْ عَنْ عُمَرَ نَفْسِهِ، أنَّهُ لَمَّا وَلِيَ، حَمِدَ اللهَ وأثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ:
«يَا أيُّهَا النَّاسُ، إنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.