الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 355
وتُسْهِمُ فِي تَلْقِيحِ العُقُولِ(907) وتُفْسِحُ فِي تَلاقِي الأفْكَارِ، حَتَّى يَطَّلِعَ عَلَى حَاجَاتِ رَعِيَّتِهِ، فتَقْوَى حِبَالُ المَوَدَّةِ وتَشْتَدُّ بَيْنَهُم.
فَكَانَ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ فِي مُشَاوَرَتِهِ لأهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ مِنْ رَعِيَّتِهِ، يُحَرِّكُ الهِمَمَ الفَاتِرَةَ، ويُنَشِّطُ الشَّرِيحَةَ القَادِرَةَ، ويَسْتَثِيرُ الكَوَامِنَ عِنْدَ الفِئَةِ الجَدِيدَةِ، لِتَرْقَى رُقِيَّ مَنْ سَبَقَهَا.
يَقُولُ ابْنُ القَيِّمِ: «كَانَتِ النَّازِلَةُ إذَا نَزَلَتْ بِأمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه لَيْسَ عِنْدَهُ فِيهَا نَصٌّ عَنِ اللهِ، ولا عَنْ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم؛ جَمَعَ لَهَا أصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، ثُمَّ جَعَلَهَا شُورَى بَيْنَهُم»(908) .
مِنْ هُنَا، يُمْكِنُنَا أنْ نَفْهَمَ سِيَاسَةَ عُمَرَ الانْفِتَاحِيَّةَ، الَّتِي تَتَنَافَى والاسْتِبْدَادَ الفَرْدِيَّ، وتَدْعُو إلَى مُبَاشَرَةِ مَبْدَأ الشُّورَى، كَشَكْلٍ مِنْ أشْكَالِ تَنْظِيمِ الدَّوْلَةِ والنُّهُوضِ بِهَا. فلَمْ يَسْتَأثِرْ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ بالأمْرِ دُونَ المُسْلِمِينَ، ولا اسْتَبَدَّ عَلَيْهِم فِي شَأنٍ مِنَ الشُّؤُونِ العَامَّةِ. ذَلِكَ أنَّهُ إذَا نَزَلَتْ بِهِمُ الحُكُومَةُ، فلا يُبْرِمُ حُكْمًا حتَّى يَجْمَعَ المُسْلِمِينَ مُمَثَّلِينَ بأهْلِ الحَلِّ والعَقْدِ ويَسْتَشِيرَهُم، مَعَ فِقْهِهِ وجَلالَةِ قَدْرِهِ(909) .
فِي اعْتِمَادِهِ للشُّورَى إذًا، يَكُونُ عُمَرُ قَدْ خَطَّ لنَفْسِهِ مَنْهَجًا فِي
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.