الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 288
عَنِ انْدِفَاعِهِ الذَّاتِيِّ، والرَّغْبَةِ الشَّدِيدَةِ فِي إحْقَاقِ الحَقِّ... تَكْشِفُ عَنْ قُدُرَاتٍ إبْدَاعِيَّةٍ، اسْتَطَاعَ عُمَرُ أنْ يُطَوِّعَهَا فِي سَبِيلِ الإسْلامِ وصَالِحِ الإنْسَانِ.
مِنْ جِهَةٍ ثَانِيَةٍ، شَكَّلَ امْتِثَالُهُ المُبَاشِرُ لِسِلْسِلَةِ التَّكَالِيفِ الجَدِيدَةِ، أظْهَرَ صُوَرِ هَذَا التَّطْبِيقِ، كَمَا يتَّضِحُ لَنَا فِي الوَاقِعَةِ الآتِيَةِ:
تَقْبِيلُ الحَجَرِ الأسْوَدِ:
رُبَّ بَاحِثٍ يَتَسَاءَلُ: ألا يَتَعَارَضُ تَقْبِيلُ عُمَرَ للحَجَرِ الأسْوَدِ مَعَ مَبْدَأ سَدِّ الذَّرَائِعِ، الَّذِي رَسَّخَ العَمَلَ بِهِ، لِجِهَةِ التَّخَوُّفِ مِنِ اتِّخَاذِهِ صَنَمًا يُعْبَدُ؟! ولِمَاذَا لَمْ يَقْتَلِعْهُ مِنْ مَكَانِهِ، كَمَا اقْتَلَعَ شَجَرَةَ الرِّضْوَانِ مِنْ جُذُورِهَا؟
إذَا بَلَغَ الجَهْلُ بالنَّاسِ مَبْلَغًا، يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ إسَاءَتُهُم فَهْمَ النُّصُوصِ، والخَلْطُ بَيْنَ المَشْرُوعِ والمَمْنُوعِ... فإنَّ النَّصِيحَةَ تَقْتَضِي حِينَئِذٍ أنْ يَهُبَّ المُجْتَهِدُ لِبَيَانِ حُكْمِ اللهِ، وإيْضَاحِ شَرِيعَتِهِ، وكَشْفِ مَا قَدْ يُسَبِّبُ اللَّبْسَ والاشْتِبَاهَ عَلَى النَّاسِ. أمَّا أنْ يَسْتَسْلِمَ العَالِمُ لأفْهَامِ السُّذَّجِ مِنَ النَّاسِ، فيُغَيِّرَ فِي الشَّرِيعَةِ، ويُخْضِعَ بَعْضَ أحْكَامِهَا تَبَعًا لِهَذِهِ الأفْهَامِ الخَاطِئَةِ؛ فهَذَا مَا لا يَجُوزُ الالْتِفَاتُ إلَيْهِ إلاَّ بطَرِيقَةِ البَيَانِ والتَّوْجِيهِ والتَّصْحِيحِ.
مِنْ ذَلِكَ: قَوْلُ عُمَرَ حِينَ قَبَّلَ الحَجَرَ الأسْوَدَ: «أمَا واللهِ، إنِّي لأعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ؛ لا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ. ولَوْلا أنِّي رَأيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ»(710) حَيْثُ جَمَعَ بَيْنَ الأخْذِ بالسُّنَّةِ، ودَفْعِ مَا عَسَاهُ يَخْطُرُ فِي أذْهَانِ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.