الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 229
دَقِيقٍ لعَنَاصِرِهَا وظُرُوفِهَا ومُلابَسَاتِهَا، لِمَا لتَفَهُّمِ النَّصِّ ومَرَامِيهِ، ولِمَا للظُّرُوفِ المُحْتَفَّةِ بالوَاقِعَةِ، مِنْ عَمِيقِ الأثَرِ فِي تَكْيِيفِ التَّطْبِيقِ والتَّبَصُّرِ بمَسَالِكِهِ، عَلَى نَحْوٍ لا يُصَادِمُ هَدَفَ النَّصِّ، أو يَتَنَاقَضُ ومُقْتَضَى المَصْلَحَةِ العَامَّةِ الحَقِيقِيَّةِ للأمَّةِ.
فتَشْرِيعُ الحُكْمِ وَسِيلَةٌ لتَطْبِيقِهِ. والتَّطْبِيقُ مُظْهِرٌ للوَجْهِ المُرَادِ مِنَ التَّشْرِيعِ، وهُوَ ذَاكَ المَرْكُوزُ فِي المَقْصَدِ البَاعِثِ إلَيْهِ. ومَتَى عَادَ تَطْبِيقُ الحُكْمِ بنَقِيضِ الغَايَةِ المَرْجُوَّةِ مِنْهُ؛ دَعَا المَنْطِقُ السَّلِيمُ إلَى إيقَافِ العَمَلِ بِهِ، لأنَّ مُنَاقَضَةَ إرَادَةِ المُشَرِّعِ بَاطِلَةٌ(544) ، لتَخَلُّفِ المَقْصَدِ التَّشْرِيعِيِّ.
وبِالمِثَالِ يتَّضِحُ المَقَالُ:
فَرْضُ الخَرَاجِ عَلَى سَوَادِ العِرَاقِ وأرْضِ مِصْرَ:
رَأى عُمَرُ أنْ لا يُقَسِّمَ سَوَادَ العِرَاقِ، وأنْ يُبْقِيَ الأرْضَ – وقَدْ تَمَّ الاسْتِيلاءُ عَلَيْهَا بطَرِيقِ الحَرْبِ- بِيَدِ أهْلِهَا، ويَضَعَ عَلَيْهَا الخَرَاجَ، ليُنْفِقَ مِنْهُ فِي مَصَالِحِ المُسْلِمِينَ عَامَّةً، فِي كُلِّ جِيلٍ وزَمَانٍ.
وهُوَ فَهْمٌ صَائِبٌ للنَّصِّ القُرْآنِيِّ، تَعْضُدُهُ حَيْثِيَّاتٌ وقَرَائِنُ احْتَفَّتْ بالمَوْضُوعِ عَيْنِهِ، دَفَعَتْ بعُمَرَ إلَى اجْتِهَادٍ دَقِيقٍ، حَمِدَتِ الأمَّةُ صَنِيعَهُ حِينَ بَانَتْ لَهَا أرْجَحِيَّةُ مَأخَذِهِ، فِي الوَقْتِ الَّذِي كَانَ فِيهِ عُمَرُ مُسْتَبِقًا
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.