الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 228
ثَانِيًا: هَلِ اجْتَهَدَ عُمَرُ فِي مَعْرِضِ النَّصِّ؟
كَمَا يَكُونُ الاجْتِهَادُ فِي استِنْبَاطِ الأحْكَامِ مِنْ مَوَارِدِهَا، كَذَلِكَ يَكُونُ فِي تَطْبِيقِهَا عَلَى الوَاقِعِ. فيَجُوزُ للمُجْتَهِدِ أنْ يَجْتَهِدَ فِي استِخْلاصِ الأحْكَامِ والتَّعَرُّفِ إلَيْهَا، كَمَا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَجْتَهِدَ فِي تَطْبِيقِهَا، بَلْ هَذَا النَّوْعُ مِنَ الاجْتِهَاِد أدَقُّ مِنْ سِوَاهُ.
لِذَا، فَقَدْ أبْعَدَ النُّجْعَةَ مَنْ أشْكَلَ حِينَ زَعَمَ أنَّ عُمَرَ كَانَ يَتْرُكُ الحَدِيثَ الَّذِي ثَبَتَتْ صِحَّتُهُ، ويُفْتِي فِي المُقَابِلِ برَأيِهِ! وادَّعَى عَلَيْهَ أنَّهُ كَانَ يَتْرُكُ بَعْضَ نُصُوصِ القُرْآنِ مُعْتَمِدًا فِي ذَلِكَ عَلَى رَأيِهِ، أوْ أخْذًا بالمَصْلَحَةِ(543) !
وهَذَا خَطَأٌ عِلْمِيٌّ، وَقَعَ فِيهِ مَنْ لَمْ يُمَحِّصِ الحَقَائِقَ، ويُلاحِظِ الوَقَائِعَ. وفِيهِ الطَّعْنُ بالصَّحَابَةِ إذْ شَهِدُوا ولَمْ يُنْكِرُوا أوْ يُصَوِّبُوا، حَاشَاهُم!
فمَا تَرَكَ عُمَرُ نَصًّا لرَأيِهِ، أوْ لمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا. فإنَّ المَصَالِحَ الَّتِي كَانَ يُفْتِي بالأخْذِ بِهَا لَمْ يُدَاخِلْهَا قَطُّ مَا يُعَارِضُ نَصًّا. إنَّمَا كَانَتْ تَطِبيقًا حَسَنًا للنُّصُوصِ، وفَهْمًا سَلِيمًا لمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ السَّمْحَاءِ، مِنْ غَيْرِ تَنَكُّبٍ أوِ انْحِرَافٍ عَنْ جَادَّتِهَا المُسْتَقِيمَةِ، ولا مُخَالَفَةٍ لأيِّ نَصٍّ مِنْ نُصُوصِهَا.
بَلِ اجْتَهَدَ للمُوَاءَمَةِ بَيْنَ الحُكْمِ وبَيْنَ الوَاقِعَةِ المَعْرُوضَةِ، بتَحْلِيلٍ
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.