الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 221
إزَاءَ هَذَا الوَاقِعِ، اخْتَارَ أنْ يَنْسُبَ القَوْلَ إلَى نَفْسِهِ، وأنْ يتَحَمَّلَ تَبِعَاتِ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ (ت728هـ): «كَانَ الصَّحَابَةُ إذَا تَكَلَّمُوا باجْتِهَادِهِم يُنَزِّهُونَ شَرْعَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِن خَطَئِهِم وخَطَأ غَيْرِهِم»(524) . أفْتَى فِي مَسْألَةٍ، فَكَتَبَ كَاتِبُهُ عَقِبَ الفُتْيَا: «هَذَا مَا أرَى اللهُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ». فَانْتَهَرَهُ عُمَرُ، وقَالَ: «لا، امْحُهُ، بَلِ اكْتُبْ: هَذَا مَا رَأى عُمَرُ. فَإنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللهِ، وإنْ كَانَ خَطَأً فَمِنْ عُمَرَ»(525) .
ولَهُ فِي هَذَا الفَهْمِ سَلَفٌ عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، حَيْثُ كَانَ إذَا أمَّرَ أمِيرًا عَلَى جَيْشٍ، أوْ سَرِيَّةٍ؛ أوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بتَقْوَى اللهِ، ومَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: «وإِذَا حَاصَرْتَ أهْلَ حِصْنٍ فَأرَادُوكَ أنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللهِ، فَلا تُنْزِلْهُم عَلَى حُكْمِ اللهِ، ولَكِنْ أنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإنَّكَ لا تَدْرِي أتُصِيبُ حُكْمَ اللهِ فِيهِم أمْ لا»(526) .
لِهَذِهِ المُسَوِّغَاتِ، كَانَ الاجْتِهَادُ مَنْهَجًا مُحَتَّمًا، لِضَمَانِ اسْتِمْرَارِ التَّشْرِيعِ الإسْلامِيِّ فِي صَلاحِيَّتِهِ ونَفَاذِهِ، ودَيْمُومَةِ آثَارِهِ أبَدًا، رَغْمَ تَنَاهِي النَّصِّ التَّشْرِيعِيِّ مُقَابَلَةً بحُدُوثِ الدَّقَائِقِ، وتَنَامِي الجُزْئِيَّاتِ بتَجَدُّدِ
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.