الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 197
عَدَمُ اسْتِقْلالِ الاجْتِهَادِ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ كَمَصْدَرٍ تَشْرِيعِيٍّ، حَيْثُ كَانَتِ المَصَادِرُ التَّشْرِيعِيَّةُ مُنْحَصِرَةً فِي الوَحْيِ كِتَابًا وسُنَّةً. بخِلافِ مَا بَعْدَ انْقِطَاعِ الوَحْيِ، حَيْثُ تَجَرَّدَ عُمَرُ يُعَاوِنُهُ الفُقَهَاءُ للاجْتِهَادِ، وأصْبَحَ مَصْدَرًا مُسْتَقِلاًّ لِمَعْرِفَةِ الأحْكَامِ، ومَنْهَجًا مُتَّبعًا لِتَكْييفِ التَّشْرِيعَاتِ.
جَاءَ فِي رِسَالَةِ القَضَاءِ: «الفَهْمَ الفَهْمَ فِيمَا أُدْلِيَ إلَيْكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ قُرْآنٌ ولا سُنَّةٌ. ثُمَّ اعْرِفِ الأمْثَالَ والأشْبَاهَ، فَقِسِ الأمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ بنَظَائِرِهَا، واعْمِدْ إلى أقْرَبِهَا إلى اللهِ، وأشْبَهِهَا بالحَقِّ، فِيمَا تَرَى»(468) .
كَانَ الاجْتِهَادُ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ ضَرُورَةً لا أصْلاً، يَلْجَأونَ إلَيْهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ النَّصِّ، أو تَمْرِينًا لأذْهَانِهِم وفَتْقًا لأفْهَامِهِم. بَيْنَمَا أمْسَى لاحِقًا مَصْدَرًا أصِيلاً ومُرْتَكَزًا رَئِيسًا يَلِي المَصَادِرَ الأصْلِيَّةَ فِي الرُّتْبَةِ، لا مَفْزَعَ عَنْهُ. كَتَبَ إلَى قَاضِيهِ شُرَيْحٍ: «... فإنْ لَمْ تَعْلَمْ كُلَّ مَا قَضَت بِهِ أئِمَّةُ المُهْتَدِينَ؛ فاجْتَهِدْ رَأيَكَ، واسْتَشِرْ أهْلَ العِلْمِ والصَّلاحِ»(469) . الاجْتِهَادُ فِي عَصْرِ النُّبُوَّةِ عَارِضٌ ومُؤَقَّتٌ، يَسُوغُ العَمَلُ بِهِ اسْتِنَادًا إلَى ظَرْفٍ زَمَنِيٍّ طَارِئٍ فَرَضَ نَفْسَهُ، فإذَا انْقَضَى لَزِمَ المَصِيرُ إلَى المُقْتَضَى الخِطَابِيِّ أوِ البَيَانِيِّ. ثُمَّ صَارَ الاجْتِهَادُ حَلاًّ دَائِمًا ولازِمًا لأهْلِهِ بَعْدَ صُدُورِهِ، لا يُنْقَضُ إلاَّ بشَرْطِهِ.
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.