الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 196
المَطْلَبُ الثَّالِثُ: تَمَايُزُ الاجْتِهَادِ بَيْنَ عَصْرِ النُّبُوَّةِ وخِلافَةِ عُمَرَ
انْحَصَرَتِ المَصَادِرُ التَّشْرِيعِيَّةُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الوَحْيِ بنَوْعَيْهِ: المَتْلُوِّ والمَرْوِيِّ، ثُمَّ اتَّسَعَتْ فِي عَهْدِ عُمَرَ لِتَشْمَلَ الأدِلَّةَ الثَّانَوِيَّةَ. ولا قِيمَةَ لأيِّ اجْتِهَادٍ حَاصِلٍ إلاَّ فِي ضَوْءِ هَذَيْنِ المَصْدَرَيْنِ تَسْدِيدًا وتَقْوِيمًا، بخِلافِ الحَاصِلِ فِي عَهْدِ عُمَرَ، حَيْثُ أصْبَحَتِ الاجْتِهَادَاتُ رَائِدَةَ العَمَلِيَّةِ التَّشْرِيعِيَّةِ.
بِنَاءً عَلَيْهِ، تَتَّضِحُ لَنَا أهَمُّ الفُرُوقِ الرَّئِيسَةِ، بَيْنَ عَصْرِ النُّبُوَّةِ وعَصْرِ عُمَرَ الرَّشِيدِ لِجِهَةِ الاجْتِهَادِ؛ مَوْضُوعًا، ومَوْرِدًا، فِي النِّقَاطِ الآتِيَةِ:
يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ مِنْ تَبِعَةِ الخَطَأ فِي الاجْتِهَادِ غَدَاةَ النُّبُوَّةِ مِن خِلالِ وُجُودِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ ظَهْرَانَيِ الصَّحَابَةِ رضي الله عنهم، فتُسَدِّدُهُ العِصْمَةُ، ويُوَجِّهُهُ الوَحْيُ. أمَّا فِي عَصْرِ عُمَرَ فمَنْ يُؤَمِّنُهُم جَانِبَ الخَطَأ؟ لذَلِكَ اشْتَهَرَ بَيْنَهُم التَّشَاوُرُ والتَّنَاصُحُ، فيَكْتُبُ عُمَرُ إلَى قَاضِيهِ أبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ رضي الله عنه: «لا يَمْنَعنَّكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ بالأمْسِ، فَرَاجَعْتَ اليَوْمَ فِيهِ عَقْلَكَ، وهُدِيتَ فِيهِ لرُشْدِكَ، أنْ تَرْجِعَ إلَى الحَقِّ، فإنَّ الحَقَّ قَدِيمٌ لا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ، ومُرَاجَعَةُ الحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي البَاطِلِ»(467)
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.