الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 191
ثَانِيًا: مَعْقُولِيَّةُ التَّشْرِيعِ وتَأثِيرُهَا فِي تَوْسِيعِ دَائِرَةِ الاجْتِهَادِ:
انْطَلَقَ عُمَرُ فِي تَبَنِّيهِ للاجْتِهَادِ بالرَّأيِ مِنْ أنَّ الشَّرِيعَةَ مُعَلَّلَةٌ، وأنَّ أحْكَامَهَا تَسْتَمِدُّ مَشْرُوعِيَّتَهَا مِنْ وُجُودِ التَّطَابُقِ بَيْنَهَا وبَيْنَ عِلَلِهَا. فاتَّسَمَ اجْتِهَادُهُ بشُمُولِيَّتِهِ سَائِرَ مُتَعَلِّقَاتِهِ فِقْهًا: مِنْ تَأوِيلِ النُّصُوصِ وَفْقَ مَا يُوثِّقُ أحْكَامَهَا، ويَسْتَثْمِرُ دَلالَتَهَا. ومِنْ نَظَرٍ فِي الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ؛ النَّقْلِيَّةِ والعَقْلِيَّةِ.
فتَعْلِيلُ الأحْكَامِ هُوَ تَوْثِيقٌ لِمَنْهَجِ الاجْتِهَادِ المَقَاصِدِيِّ الَّذِي اشْتَهَرَ بِهِ عُمَرُ، وإذْ قَدِ ارْتَبَطَتْ مَعْقُولِيَّةُ التَّشْرِيعِ بالعِلَلِ ارْتِبَاطًا وَثِيقًا، نَظَرًا لأنَّهَا مَظَانُّ المَصَالِحِ المُعْتَبَرَةِ، فَقَدِ اسْتَمَدَّ عُمَرُ مَدَارِكَ هَذِهِ المَعْقُولِيَّةِ مِنْ تَعْلِيلاتِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ، وبَنَى عَلَيْهَا، وفَرَّعَ عَلَى أسَاسِهَا. فَنَتَجَ عَنْ ذَلِكَ العَمَلُ بالقِيَاسِ، ومُرَاعَاةُ الاسْتِصْلاحِ، والأخْذُ بالاسْتِحْسَانِ.
عَلَّلَ عُمَرُ كَثِيرًا مِنَ المَسَائِلِ، وقَضَى فِي أحْكَامٍ مُتَعَدِّدَةٍ، بِمَا يَتَوَافَقُ ومُقْتَضَيَاتِ التَّعْلِيلِ ودَوَاعِيهِ. فمِنْ دَلائِلِ وُجُودِ اسْتِعْمَالاتِ الرَّأيِ عِنْدَهُ بمَنْحَاهُ القِيَاسِيِّ: قَوْلُهُ فِي دِيَةِ الجَنِينِ: «إنْ كِدْنَا أنْ نَقْضِيَ فِي مِثْلِ هَذَا برَأيِنَا»(459) .
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.