الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 190
أوَّلاً: انْعِكَاسُ ثَقَافَةِ الأصُولِيِّ عَلَى الاجْتِهَادِ:
يَتَمَيَّزُ الاجْتِهَادُ الأصُولِيُّ بمَوْسُوعِيَّةِ صَاحِبِهِ، لأنَّهُ بَحْثٌ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةٍ وَاسِعَةٍ فِي مُخْتَلِفِ العُلُومِ. فعَمَلِيَّةُ الاجْتِهَادِ تَتَطَلَّبُ إلْمَامًا بمَصَادِرِ الشَّرِيعَةِ، وتَرْتِيبِهَا بحَسْبِ الحُجِّيَّةِ والقُوَّةِ، ومُسْتَلْزَمَاتِهَا. واطِّلاعًا مُعَمَّقًا عَلَى اللُّغَةِ وعُلُومِهَا، وأسَالِيبِ العَرَبِ البَلاغِيَّةِ. بالإضَافَةِ إلَى خِبْرَةٍ تَارِيخِيَّةٍ جَيِّدَةٍ بالظُّرُوفِ الَّتي وَرَدَت فِيهَا النُّصُوصُ، ومَعْرِفَةٍ بالقَرَائِنِ المُصَاحِبَةِ.
فيَأخُذُ المُفَكِّرُ الأصُولِيُّ مِنْ هَذِهِ الثَّقَافَةِ، المُسْتَمَدَّةِ مِنَ الحَضَارَةِ الإسْلامِيَّةِ ومُلاحَظَةِ البِيئَةِ، مَا يُحَقِّقُ التَّمَدُّنَ الَّذِي يَنشُدُهُ، فِي طَرْحِ قَضَايَا لَمَّا تَتَحَقَّقْ بَعْدُ، لَهَا آثَارٌ استِبَاقِيَّةٌ واستِتبَاعِيَّةٌ فِي الوَقَائِعِ الحَالِيَّةِ، مِنْ شَأنِهَا أنْ تَدْعُوَ المُجْتَهِدَ إلى مُعَاوَدَةِ النَّظَرِ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّصُوصِ، انْطِلاقًا مِنَ الاجْتِهَادِ فِيهَا تَنْزِيلاً عَلَى الوَاقِعِ، لَوْ لَمْ يُرَاعِهَا لَفَوَّتَت مَصَالِحَ مَرْجُوَّةً، نَتِيجَةَ التَّمَسُّكِ بفَهْمٍ لِنَصٍّ، يَغْفُلُ البَعْضُ عَنْ وَجْهٍ آخَرَ لَهُ فِي المَعْنَى.