الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 186
الدَّقِيقُ فِي هَذِه المَسْألَةِ أنَّ الغَزَالِيَّ لَمْ يُرْجِعْ أصْلَ الخِلافِ بَيْنَهُمَا إلَى مُجَرَّدِ تَبَايُنِ نَظَرَيْهِمَا فِي الأدِلَّةِ! إنَّمَا عَادَ بالتَّأمُّلِ إلَى اخْتِلافِ طَبْعِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنِ الآخَرِ، فَقَالَ:
«فَمَنْ خُلِقَ خِلْقَةَ أبِي بَكْرٍ فِي غَلَبَةِ التَّألُّهِ، وتَجْرِيدِ النَّظَرِ فِي الآخِرَةِ؛ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ –لا مَحَالَةَ- مَا ظَنَّهُ أبُو بَكْرٍ، ولَمْ يَنْقَدِحْ فِي نَفْسِهِ إلاَّ ذَلِكَ. ومَنْ خَلَقَهُ اللهُ خِلْقَةَ عُمَرَ، وعَلَى حَالَتِهِ وسَجِيَّتِهِ، فِي الالْتِفَاتِ إلَى السِّيَاسَةِ، ورِعَايَةِ مَصَالِحِ الخَلْقِ وضَبْطِهِم، وتَحْرِيكِ دَوَاعِيهِم للخَيْرِ؛ فَلا بُدَّ أنْ تَمِيلَ نَفْسُهُ إلَى مَا مَالَ إلَيْهِ عُمَرُ. مَعَ إحَاطَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِدَلِيلِ صَاحِبِهِ»(453) .
ثُمَّ الَّذِي أضْفَى عَلَى اجْتِهَادَاتِ عُمَرَ عُنْصُرَ الجِدَّةِ والابْتِكَارِ، هُوَ (تَخَلُّقُهُ بمَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ)، وإدْرَاكُهَا فِي البَحْثَيْنِ: النَّظَرِيِّ، والتَّنْزِيلِيِّ. يَقُولُ الشَّاطِبِيُّ: «إنَّمَا تَحْصُلُ دَرَجَةُ الاجْتِهَادِ لِمَنْ اتَّصَفَ بوَصْفَيْنِ:
أحَدُهُمَا: فَهْمُ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ عَلَى كَمَالِهَا.
والثَّانِي: التَّمَكُّنُ مِنَ الاسْتِنْبَاطِ، بِنَاءً عَلَى فَهْمِهِ فِيهَا»(454) .
لَحَظَ هَذِهِ الخَاصِيَّةَ فِي المُجْتَهِدِ الإمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ (ت756هـ) رحمه الله(455) فَقَالَ فِي تَعْرِيفِ المُجْتَهِدِ: «هُوَ مَنْ هَذِهِ العُلُومُ مَلَكَةٌ لَهُ،
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.