الاجتهاد الأصولي عند أمير المؤمنين عمر بن الخطابالصفحة المطبوعة 162
قَالَ ابْنُ تَيْمِيَةَ: «كَلامُ عُمَرَ مِنْ أجْمَعِ الكَلامِ وأكْمَلِهِ؛ فإنَّهُ مُلْهَمٌ مُحَدَّثٌ، كُلُّ كَلِمَةٍ مِنْ كَلامِهِ تَجْمَعُ عِلْمًا كَثِيرًا»(384) .
فامْتَازَت كُلُّ جُمْلَةٍ فِيهَا بمَدْلُولِهَا الدَّقيِقِ وإيجَازِهَا المُحْكَمِ. وهِيَ كَكُلٍّ أشْبَهُ بمَوَادَّ قَانُونِيَّةٍ مُتَلاحِقَةٍ، يُمْكِنُ تَعْدِيلُ مَوَاقِعِ بَعْضِهَا مِنْ غَيْرِ أنْ تَخْسَرَ شَيِئًا مِنْ مَضْمُونِهَا وفَائِدَتِهَا. إلَى هَذَا يُمْكِنُ أنْ نَعْزُوَ السَّبَبَ فِي تَصَرُّفِ الرُّوَاةِ فيها تَقْدِيمًا وتَأخِيرًا، ورِوَايَتِهَا بِاللَّفْظِ والمَعْنَى(385) . بَيْدَ أنَّ هَذِهِ الاستِقْلالِيَّةَ فِي الأفْكَارِ الفَرْعِيَّةِ لا تَعْنِي تَفَكُّكًا فِي بُنْيَةِ الرِّسَالَةِ، لأنَّ التَّرَابُطَ قَائِمٌ فِي الجَوِّ العَامِّ، والغَائِيَّةَ الَّتي تتَوَجَّهُ نَحْوَهَا المَفَاهِيمُ الجُزْئِيَّةُ وَاضِحَةٌ صَرِيحَةٌ(386) .
لَقَدْ صِيغَتْ هَذِهِ المُكَاتَبَةُ بلُغَةٍ مُنَاسِبَةٍ للمَوْضُوعِ، فهِيَ حُقُوقِيَّةٌ عِلْمِيَّةٌ، لا أدَبِيَّةٌ مُنَمَّقَةٌ. أمَّا الخِطَابُ الوِجْدَانِيُّ الَّذي يُطَالِعُكَ أحْيَانًا، فهَدَفُهُ تَخْفِيفُ وَطْأَةِ الحَزْمِ والتَّسَلُّطِ المُصَاغَةِ بأسْلُوبِ الأمْرِ والتَّحْذِيرِ، كَوْنُهَا صَادِرَةً مِنَ السُّلْطَةِ العُلْيَا فِي الدَّوْلَةِ، مِمَّا يَجْعَلُ التَّوْجِيهَ يَتَّخِذُ طَابِعَ النُّصْحِ والإرْشَادِ.
حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.