حسن الجوار في تراث الآل والأصحابالصفحة المطبوعة 66
المبحث الثالث: تحمُّل أذى الجار في تراث الآل والأصحاب
لا يقتصر حق الجار على كفّ الأذى فقط، بأنواعه، بل يشمل الصبر على ما يصدر عنه من أذى، باختلاف أنواعه وموجباته.
وذلك لأنه كثيرًا ما يعرِض بين الجيران عوارض تضيق منها الصدور، وتنفر منها القلوب، فكان التوجيه بضرورة الصبر، وتحمُّل ما كان من الجار من سوءِ قالٍ، أو فعالٍ، أو أخلاق، وهذا خلقٌ محمودٌ مع الناس كلِّهم، فكيف مع الجار؟ لا شك أنه يكون آكد وأعظم.
ورائدنا في ذلك قول الله عز وجل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199].
قال الشيخ السعدي رحمه الله: «هذه الآية جامعة لحسن الخلق مع الناس، وما ينبغي في معاملتهم، فالذي ينبغي أن يعامل به الناس، أن يأخذ العفو، أي: ما سمحت به أنفسهم، وما سهُل عليهم من الأعمال والأخلاق، فلا يكلِّفهم ما لا تسمح به طبائعُهم، بل يشكر من كل أحدٍ ما قابله به، من قولٍ وفعلٍ جميلٍ، أو ما هو دون ذلك، ويتجاوز عن تقصيرهم، ويغضُّ طرفه عن نقصهم، ولا يتكبَّر على الصغير لصغره، ولا ناقص العقل لنقصه، ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة بما تقتضيه الحال وتنشرح له