الحصون — مكتبة مبرة الآل والأصحاب الرقمية — النص الموثّق والمصدر المصوّر
حسن الجوار في تراث الآل والأصحابالقراءة المتصلة
صفحة 9
حجم النص28
بحث في الكتاب

الصفحة الحالية: 9

حسن الجوار في تراث الآل والأصحاب

صفحة 1 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 2 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 3 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 4 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 5 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الفهرس

فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الموضوعالصفحة
مقدمة مبرة الآل والأصحاب9
مقدمة13
الفصل الأول17
المبحث الأول: الآل والأصحاب؛ نظرات في التعريف والفضل19
أولًا: تعريف مصطلح (الآل)19
التعريف اللغوي19
التعريف الاصطلاحي20
من حقوق آل البيت20
ثانياً: تعريف مصطلح الصحابة21
التعريف اللغوي21
التعريف الاصطلاحي22
حقوق الصحابة وواجب الأمة نحوهم23
فضائل آل البيت والأصحاب رضي الله عنهم24
أولًا: آيات الثناء من القرآن الكريم على الآل والأصحاب24
ثانيًا: باقة مختارة من السنة الشريفة المطهرة في بيان فضائلهم على العموم25
المبحث الثاني: الجوار نظرات تأصيلية: (مفهوم الجوار، وحدّه، وأنواعه، ومراتبه، ومكانته)27
أولًا: مفهوم الجوار27
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
ثانيًا: حد الجوار28
عند الحنفية28
عند المالكية29
عند الشافعية29
عند الحنابلة29
ثالثًا: أنواع الجار30
أ) بحسب الحقوق في الإسلام30
ب) بحسب المعاملة32
رابعًا: مراتب الجوار34
خامسًا: مكانة الجار في الإسلام35
الفصل الثاني: معالم حسن الجوار في تراث الآل والأصحاب39
وصايا نبوية في حق الجار41
1- خفض الجناح للجار والسماح له بما ينفعه41
2- الجار الأقرب أولى بالمعروف42
3- عدم حبس المعروف عن الجار42
4- الشهادة له بحق وإن كان كافراً43
5- محبة الخير وإرادته له44
6- التَّصدُّق عليه ومواساته بالمال45
المبحث الأول: الآل والأصحاب رواة أحاديث فضل حسن الجوار48
1- الجوار من معايير إحسان العبد وإساءته48
2- حسن الجوار طريق إلى محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم49
3- حسن الجوار من علامات تمكّن الإسلام من القلوب
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
49
4- حسن الجوار مناطٌ للخيرية عند الله تعالى50
5- حسن الجوار من معالم السعادة50
6- الجار الصالح سبب كل خير، يهديك بأفعاله وأخلاقه51
7- المهاجرون والأنصار خير جيران53
8- الأنصار خير جيران لرسول الله صلى الله عليه وسلم55
المبحث الثاني: كفُّ الأذى عن الجار في تراث الآل والأصحاب57
المبحث الثالث: تحمُّل أذى الجار في تراث الآل والأصحاب66
المبحث الرابع: إكرام الجار والإحسان إليه في تراث الآل والأصحاب72
1- الإهداء إليهم والتَّصدُّق عليهم75
2- مشاركتهم لجيرانهم في أفراحهم ومسراتهم78
3- عيادتهم مرضى جيرانهم، وتعزيتهم في مصائبهم79
4- التوسعة على الجيران80
5- الحرص على مصلحة الجار82
6- الذَّبُّ عن الجار82
7- الإيثار بين الجيران84
8- جارُ الدار أحقّ بالدار85
9- رفع الكُلْفة بين الجيران88
10- تفقد أحوال الجيران وقضاء مصالحهم88
11- مشاركة الجار الطعام لاسيما اليتيم89
12- العفو عن زلات الجار لاسيما إن كان ذا منزلة90
13- التسليم على الجار عند قدومه من سفر
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
91
14- التعاون على البر والتقوى91
15- وللحيوان نصيب من حسن الجوار92
16- حسن الجوار في العبادة92
أخيرًا...94
فهرس مراجع البحث97

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة مبرة الآل والأصحاب

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين الغر الميامين.

أ ما بعد؛

فلا ريب أن للقدوات الصالحة أثرًا بالغ الأهمية في الارتقاء بحياة الأمم والشعوب؛ وذلك أنهم هم الذين يقدمون الدليل الواقعي والتطبيق العملي للتعاليم التي تمثّل منظومة القيم والأخلاق التي تشكّل هوية تلك الأمم، وتعتبر مثالها السامي الذي تستهدف احتذاء حذوه والاهتداء بهديه.

وقد نبّه القرآن الكريم على ذلك المعنى وأشاد به في آيات كثيرة، مبينًا فضلَ الاقتداء بالأنبياء والصالحين، قال تعالى: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 21]، وقال عز وجل: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: 4]، وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ [الممتحنة: 6]، وقال عقب ذكر صفوةٍ من رسله وأنبيائه: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90]، وقال عزّ مِن قائل: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا

صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]، وغير ذلك مما يفهم من النصوص بأدنى تأمّل.

والواجب على أمتنا الإسلامية أن تصوغ رؤيتها الأخلاقية والقيمية والحضارية انطلاقًا من الوحي قرآنًا وسنةً، في تناغم مع معطيات العلم في جميع المجالات، ومواكبةٍ لمستجدات العصر الذي نعيش فيه وما يزخر به من تحدياتِ عظيمة. فلا يحسن أن نقتصر في تدبرنا للوحي على مجرد الأمور الدينية العبادية المحضة، فإن الوحي قد أنزله الله هدى ونورًا للإنسانية تنتفع به في معاشها ومعادها، وإن كان مقصوده الأساس الفلاح الأخروي وما يقرب إليه؛ إلا أنه لا شك في كونه يرشدنا بهداياته في جميع مناحي الحياة العملية، ولو في صورة ضوابط ومعايير وقيم كلية نافعة، نستلهم منه ما يرضي ربنا ويحقق فلاحنا في الدنيا، مع عدم إغفال البحث والعلم في جميع المجالات بأدواتها ووسائلها.

ونحن إذا ذهبنا نستلهم قيم الوحي على مختلف الأصعدة العلمية والسلوكية؛ لم نجد امتثالًا وتطبيقًا وتفعيلًا؛ خيرًا مما نجده عن صحابة النبي صلى الله عليه وسلم الأخيار وأهل بيته الأطهار، فهم الذين انتهجوا الوحي كتابًا وسنة في جميع جوانب حياتهم، فسادوا وقادوا، وصاروا أئمة أعلامًا هداة.

وقد أخذت مبرة الآل والأصحاب كعادتها على عاتقها مهمةَ تفعيلِ ذلك المعنى، وتقديمه في صورة بحثية توعوية منضبطة؛ لكونها مؤسسة متخصصة في تراث الآل والأصحاب حتى صار لها بفضل

الله الريادة في ذلك المجال.

وقد كان أصل هذا المشروع الذي بين أيدينا فكرةً من قِبل رئيس مجلس إدارة المبرة د. عبدالمحسن الجارالله الخرافي تتضمن توسيع نطاق الأبحاث المتعلقة بالآل والأصحاب لتضمّ مجالات جديدة ورحابًا أوسع ولا تقتصر على الموضوعات الدينية المألوفة، ثم أوعز بهذه الفكرة وبعض عناصرها إلى مركز البحوث والدراسات بالمبرة؛ فقام المركز مشكورًا مأجورًا بوضع خطة طموحة تتضمن العديد من الموضوعات الهادفة، العلمية والعملية؛ التي نستهدف أن نستضيء فيها بتراث الآل والأصحاب، ونكشف عن ملامح تطبيقهم الوحي على جميع الأصعدة والأنحاء، بشكل يتجلّى فيه الجانب الإبداعي من تخصص المبرة في خدمة تراث الآل والأصحاب، و«التخصص يقود إلى الإبداع» بحمد الله وتوفيقه، بحيث نقدم للمكتبة العلمية والدعوية تجميعًا غير مسبوق لبعض الجوانب الدقيقة في تراث الآل والأصحاب؛ ومِن ثَمَّ نسَّق المركز مع مجموعة من الباحثين ليقدموا جهودهم في تحويل تلك الأفكار والموضوعات إلى أبحاث علمية وفق منهجية مركز البحوث والدراسات المنضبطة، القائمة على التحقيق العلمي، والاستدلال الصحيح، والاسترشاد بكتب أهل العلم السابقين والمعاصرين، واستمر جهد المركز في متابعة الأبحاث ومراجعتها وتعديل ما يحتاج منها إلى تعديل، عبر خلية عمل تفرغت للمشروع تحت إشراف رئيس مركز البحوث والدراسات الشيخ محمد سالم الخضر مباشرة، فالشكر موصول لجميع الباحثين الكرام في المركز.

ثم

تضافرت جهود أقسام المبرة الأخرى كقسم الإعلام في إتمام العمل بتنسيق الكتب وإخراجها حتى تمويلها لطباعتها؛ فكانت هذه السلسلة من الموضوعات، التي تندرج في سلسلة (تراث الآل والأصحاب)؛ ثمرةً لهذا التعاون المبارك.

وقد أرفقنا في ذيل هذا الكتاب قائمةً بعناوين هذه المجموعة المتكاملة من الموضوعات الدقيقة والمهمة في تراث الآل والأصحاب.

نرجو من الله عز وجل أن يوفقنا في مسعانا، وأن يجعله خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجمع لنا الأجرين: أجر الاجتهاد وأجر الصواب، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

مَبَرَّة الآل والأصْحَاب

مقدمة

إنَّ الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وبعد...

فإن الأخلاق الحسنة الكريمة لها منزلة كبيرة في جميع الأديان السماوية، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا، وَخُلُقُ الإِسْلامِ الْحَيَاءُ»(1) ، ولهذا فقد أَوْلَى الإسلامُ الأخلاقَ مكانةً عظيمةً ومنزلةً رفيعةً، وجعلها من أفضل ما يتزيَّن به المرء، ومنهج حياة، يحيا به بينه وبين ربه تعالى، وبينه وبين الناس، حتى أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعلها بمنزلة أجلّ العبادات، كالصيام والقيام، فقال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ»(2) ، بل جعلها أكثر ما يُدخِل الناسَ الجنة، فلمَّا سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة قال: «تَقْوَى اللهِ وَحُسْنُ الخُلُقِ»(3) .

وإن مِن أهم صور حسن الخلق؛ حسن الجوار، كيف لا؟! وقد جعل

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الله تعالى للجار منزلة كبيرة في الإسلام، كما سيأتي بيانه، والعرب معروفون بحفظ الجوار، والإحسان إلى الجار، وأقوالهم في ذلك كثيرة، فأُكِّد ذلك في الإسلام؛ لأنه من محامد العرب التي جاء الإسلام لتكميلها من مكارم الأخلاق(4)

ولهذا كان حسن الخلق مع الجيران من صفات أهل الإيمان، ومن أحبِّ القربات إلى الرحمن، ومع هذا فقد انتشرت حوادث كثيرة لسوء الجوار، ووقعت الخصومات بين الجيران، ولم يعد هناك مَنْ يعرف للجار حقَّه ومنزِلَته، إلا قليلٌ من الناس في زماننا.

ولما كانت القدوة الحسنة من أفضل ما يعين العبد على الارتقاء بإيمانه، ودفع نفسه للمعالي، والنأْي بها عما يذُمُّها من أعمالٍ وأخلاقٍ، فقد شرفتُ باختيار خير نماذج يقتدي بها الناس، وهم آلُ بيت نبينا صلى الله عليه وسلم، وأصحابُه الكرام، رضي الله عنهم جميعاً، لِمَا لهم من فضائل عديدة، ومناقب كثيرة، جاء بها الوحي المُنزَّل من السماء.

لذا جاء هذا البحث تذكرة للمسلمين، ومساهمة في الحد من هذه الظاهرة، لتختفي من مجتمعاتنا.

وقد جاء البحث إلى في مقدمة استهلالية، وفصلين:

أما الفصل الأول : فجاء في مبحثين:

المبحث الأول : الآل والأصحاب؛ نظرات في التعريف والفضل.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المبحث الثاني : الجوار نظرات تأصيلية: (مفهوم الجوار، وحدّه، وأنواعه، ومراتبه، ومكانته).

وأما الفصل الثاني : معالم حسن الجوار في تراث الآل والأصحاب، فجاء في أربعة مباحث:

المبحث الأول : الآل والأصحاب رواة أحاديث فضل حسن الجوار.

المبحث الثاني : كفُّ الأذى عن الجار في تراث الآل والأصحاب.

المبحث الثالث : تحمُّل أذى الجار في تراث الآل والأصحاب.

المبحث الرابع : إكرام الجار والإحسان إليه في تراث الآل والأصحاب.

وسأستهلُّ حديثي عن كل حق أو معلم من معالم حسن الجوار بنماذج رائقة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ووصاياه، ونماذج عملية تطبيقية لكل حق من هذه الحقوق من سيرة الآل والأصحاب رضي الله عنهم، مراعياً في ذلك التنوع ما أمكن، والوفاء بما سبق؛ ما توفرت مادة إلى ذلك.

سائلاً المولى سبحانه أن ينفع به كاتبه وقارئه وناشره، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

صفحة 17 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الفَصْل الأوَّل

وفيه مبحثان :

المبحث الأول : الآل والأصحاب؛ نظرات في التعريف والفضل.

المبحث الثاني : الجوار نظرات تأصيلية: (مفهوم الجوار، وحدّه، وأنواعه، ومراتبه، ومكانته).

المبحث الأول: الآل والأصحاب؛ نظرات في التعريف والفضل

صفحة 19 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

أولًا: تعريف مصطلح (الآل)

التعريف اللغوي

قال ابن منظور : «آل الرجل أهله، وآل الله وآل رسوله أولياؤه، أصلها (أهل)، ثم أُبدلت الهاء همزة، فصار في التقدير (أأل)، فلما توالت الهمزتان أبدلوا الثانية ألفًا»(5) .

وعليه فأهل الشيء هم أخصُّ الناس به، كما أن لفظ أهل يدل في حقيقته على صلةٍ وثيقةٍ بينه وبين ما يضاف إليه. واشتق منه لفظ الآل، وهو لا يضاف إلا فيما فيه شرف غالبًا، فلا يقال: آل الإسكاف، وآل الخياط، خلافًا لأهل(6) .

وبيت الرجل داره وقصره وشرفه(7) ، وتعورف في أسرة النبي صلى الله عليه وسلم مطلقًا إذا قيل: أهل البيت(8) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التعريف الاصطلاحي

اختلف العلماء في تحديد مصطلح (آل) النبي صلى الله عليه وسلم على أقوال عدَّة، إلا أن جمهور العلماء قالوا: آل البيت هم الذين حرمت عليهم الصدقة(9) .

من حقوق آل البيت

بعد أن عرفنا من يشملهم مسمى الآل، فإنه يجدر بالمسلم أن يعلم أن هذا المسمى له أحكام شرعية بيَّنها النبي صلى الله عليه وسلم، بغية أن يكون المحب لهم على بينة في كيفية التعامل الشرعي مع ذلك النسب الشريف، ويعرف مقدار وشرف أولئك الآل المباركين الذين يتصل نسبهم بأشرف الخلق وهو النبي صلى الله عليه وسلم، فيتذكر أن لهم حقوقاً، ومن تلك الحقوق:

1-اليقين الجازم بأن نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أشرف الأنساب على الإطلاق؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ»(10) .

2-تكريمهم وتنزيههم عن أوساخ الناس وذلك بمعرفة أن الصدقة محرمة عليهم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ، وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ»(11) .

قال تقي الدين ابن تيمية رحمه الله: «وأما تحريم الصدقة فحرَّمها عليه وعلى

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أهل بيته تكميلاً لتطهيرهم، ودفعًا للتهمة عنه؛ كما لم يورث، فلا يأخذ ورثته درهماً ولا ديناراً»(12)

3-حق الموالاة والمحبة، فتجب محبتهم لإيمانهم، وتجب محبتهم لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وَأَهْلُ بَيْتِي أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي»(13) .

والحديث فيه دلالة واضحة على فضيلة أهل بيته صلى الله عليه وسلم، حيث جعلهم صلى الله عليه وسلم ثقلاً، وقرن الوصية بهم بالوصية بالالتزام والتمسك بكتاب الله تعالى، الذي فيه الهدى والنور، وهذا دليل واضح على عظيم حقهم، وارتفاع شأنهم، وعلو مكانتهم.

4-حق الدفاع والذب عنهم، وتبرئة ساحتهم مما ينسب إليهم كذبًا وزورًا.

5-مشروعية الصلاة عليهم، وذلك عقب الأذان، وفي التشهد آخر الصلاة، وعند الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.

ثانياً: تعريف مصطلح الصحابة

التعريف اللغوي: قال الراغب: «الصَّاحِب: الملازم، إنساناً كان أو حيواناً أو مكاناً أو زماناً، ولا فرق بين أن تكون مصاحبته بالبدن وهو الأصل والأكثر أو بالعناية والهمة،...، ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ملازمته، ويقال للمالك للشيء: هو صاحبه، وكذلك لمن يملك التصرف فيه(14) وكل من لازم شيئاً فقد استصحبه(15) والجمع: صَحْبٌ، وأصْحَابٌ، وصَحَابة(16)

والإصْحَابُ للشيء: الانقياد له، وأصله: أن يصير له صاحباً، ويقال: أَصْحَب فلانٌ، إذا كبر ابنه فصار صاحبه، وأصْحَبَ فلانٌ فلاناً: جعل صاحباً له(17) .

من خلال جولتنا في المعاجم اللغوية سالفة الذكر، يتبين لنا أن مدلول الصحابي في اللغة العربية يشمل عدة معان من أهمها:

1-الملازمة والمخالطة والمعاشرة، فكل من لازم شيئاً فقد استصحبه.

2-الانقياد والتبعية.

3-الحفظ والمنع.

وهذه أمور تفيد شدة المحبة بين الأصحاب، وشدة متابعة وملاصقة أحدهما لصاحبه.

التعريف الاصطلاحي

اختلفت أقوال العلماء في تحديد المصطلح الشرعي للصحابي، قال

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحافظ ابن حجر: وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على الإسلام، وإن تخللت ردة في الأصح(18)

حقوق الصحابة وواجب الأمة نحوهم

إن لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حقوقًا على الأمة تجب معرفتها، والإقرار بها، وهي إجمالًا تتمثل في عدة نقاط منها:

1-وجوب حبهم وتقديرهم والثناء عليهم.

2-وجوب الشهادة الصادقة بأن جيل الصحابة الكرام هو خير أجيال هذه الأمة، بل خير أجيال الأرض.

3-وجوب الاعتقاد بأن فَهْم الدِّين بعقلية سلف الأمة، وبما ورد عن الصحابة الكرام، هو الأمان للأمة من البدع والضلالات والفتن.

4-المساهمة قدر الإمكان في التعريف بهم، وإحياء سيرتهم.

5-الدفاع عنهم ضد من ينتقصهم، أو يحاول النيل منهم، أو التشهير بأحدهم.

6-غرس محبتهم في نفوس الناشئة حتى يشبوا عليها، فلا تهون مكانتهم في قلوبهم.

فضائل آل البيت والأصحاب رضي الله عنهم

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أولًا: آيات الثناء من القرآن الكريم على الآل والأصحاب

فقد وردت نصوص كثيرة من كتاب الله تعالى تدل على إكرام الله وثنائه على الصحابة، ويدخل فيهم آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك على سبيل الذكر لا الحصر:

قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۝٣٢ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 32 - 33].

وهذه الآية هي منبع فضائل أهل البيت النبوي، حيث شرَّفهم الله تعالى بها وطهَّرهم، وأذهب عنهم الرجس، من الأفعال الخبيثة والأخلاق الذميمة، ولما كانت هذه الآيات واردة في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن الفضل يشمل جميع آل البيت رضي الله عنهم، فإن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب.

ومن الآيات التي وردت في الثناء على الآل والأصحاب بصفة عامة، قوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143].

وقوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 18].

وقوله تعالى: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ

تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29].

وفي هذا المقام يجدر بنا التنبيه على أن قطاعاً كبيراً من آل البيت يدخل في دائرة الصحابة، فحين يذكر العلماء فضائل الصحابة رضي الله عنهم عموماً، فينبغي العلم بأن هذه الفضائل تشمل الآل والصحابة رضي الله عنهم جميعهم الذين كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في زمنه، لأنهم جميعاً مشمولون بهذه الفضائل؛ لنيلهم شرف الصحبة حين التقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وزاد الآل رضي الله عنهم على شرف الصحبة شرف الصلة بالنبي صلى الله عليه وسلم.

ثانيًا: باقة مختارة من السنة الشريفة المطهرة في بيان فضائلهم على العموم

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ»(19) .

وعن أبي بردة، عن أبيه رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ»(20) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيَقُولُونَ: فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، فَيَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ صَاحَبَ مَنْ صَاحَبَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ»(21) .

وعن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَآنِي وَصَاحَبَنِي، وَاللهِ لَا تَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ رَآنِي، وَصَاحَبَ مَنْ صَاحَبَنِي»(22) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المبحث الثاني: الجوار نظرات تأصيلية: (مفهوم الجوار، وحدّه، وأنواعه، ومراتبه، ومكانته)

أولًا: مفهوم الجوار

الجار في اللغة: وردت مادة (جَوَرَ) في اللغة تحت معانٍ عديدة تفيد في أغلبها معنى الملاصقة، والقرب البدني والقلبي.

قال ابن فارس : «[الجيم والواو والراء] أصل واحد، وهو الميل عن الطريق»(23) .

وقال ابن منظور تحت مادة جور: «الجَوْرُ: نقيضُ العَدْلِ، جارَ يَجُورُ جَوْراً. وَقَوْمٌ جَوَرَةٌ وجارَةٌ أَي ظَلَمَةٌ. والجَوْرُ: ضِدُّ القصدِ. والجَوْرُ: تركُ القصدِ فِي السَّيْرِ، وَالْفِعْلُ جارَ يَجُورُ، وَكُلُّ مَا مَالَ، فَقَدْ جارَ. وجارَ عَنِ الطَّرِيقِ: عَدَلَ. والجَوْرُ: المَيْلُ عَنِ القصدِ...، والجِوارُ: المُجاوَرَةُ والجارُ الَّذِي يُجاوِرُك، وجاوَرَ الرجلَ مُجاوَرَةً وجِواراً وجُواراً، وَالْكَسْرُ أَفصح: ساكَنَهُ. وإِنه لحسَنُ الجِيرَةِ: لِحالٍ مِنِ الجِوار وضَرْبٍ مِنْهُ. وجاوَرَ بَنِي فُلَانٍ وَفِيهِمْ مُجاوَرَةً وجِواراً: تَحَرَّمَ بِجِوارِهم، وَهُوَ مِنْ ذَلِكَ، وَالِاسْمُ الجِوارُ والجُوارُ...، الْجَارَةُ: الضَّرَّةُ، مِنَ المُجاورة بَيْنَهُمَا، أَي أَنها تَرَى حُسْنَها فَتَغِيظُها بِذَلِكَ...، وجارُكَ: الَّذِي يُجاوِرُك، والجَمع أَجْوارٌ وجِيرَةٌ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وجِيرانٌ...، وتَجاوَرُوا واجْتَوَرُوا بِمَعْنَى وَاحِدٍ: جاوَرَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا»(24)

وقال الراغب : «الجار: من يقرب مسكنه منك، وهو من الأسماء المتضايفة، فإن الجار لا يكون جارًا لغيره إلا وذلك الغير جار له، كالأخ والصديق...، وقد تُصوّر من الجار معنى القرب، فقيل لمن يقرب من غيره: جَارَهُ، وجَاوَرَه، وتَجَاوَرَ، قال تعالى: ﴿لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 60]، وقال تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ [الرعد: 4]»(25) .

وقال الإمام الشافعي رحمه الله: «كُلُّ مَنْ قَارَبَ بَدَنُهُ بَدَنَ صَاحِبِهِ قِيلَ لَهُ: جَار»(26) .

ثانيًا: حد الجوار

للعلماء كلام في حد الجوار سعة وضيقًا، فمنهم من قصره على الأقربين والملاصقين، ومنهم من توسَّع فيه حتى شمل أربعين دارًا، وفيما يلي إيضاح ذلك:

1-عند الحنفية: الجار هو الملاصق فقط، عند أبي حنيفة وزفر، وهو القياس؛ لأن الجار عند الإطلاق إنما يتناول الجار الملاصق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ»(27) أي بقربه، والمراد هو الملازق، وفي الاستحسان، وهو قولهما، هو من يسكن محلة الموصي ويجمعهم مسجد

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

محلته؛ لأن الكل يسمى جيرانًا عرفًا(28)

وقال أبو يوسف : الجيران أهل المحلَّة وإن تفرقوا في مسجدين، بعد أن يكونوا في مسجدين صغيرين متقاربين، فإذا تباعدوا فلكل مسجد جيرانُه دون الآخرين(29) .

2-عند المالكية: حقيقة الجار هو الملاصق من أي جهة من الجهات، والمقابل وبينهما شارع خفيف، فلو كان سوقًا أو نهرًا فليس بجار. وقيد بعضهم السوق بالمتسع(30) .

3-عند الشافعية: حد الجوار: أربعون دارًا من كل جانب. واستدلوا بحديث: «حَقُّ الْجِوَارِ أَرْبَعُونَ دَارًا، هَكَذَا وَهَكَذَا، وَهَكَذَا وَهَكَذَا، يَمِينًا وَشَمَالًا، وَقُدَّامًا وَخَلْفًا»(31) . وهذا نص عليه الإمام الشافعي(32) .

وقال أبو الحسين العمراني الشافعي بعد ما نقل الخلاف في حد الجوار: والصحيح: أنه ليس بتحديد، بل هو على سبيل التقريب، لاختلاف الدور والأماكن(33) .

4-عند الحنابلة: حدُّ الجوار أربعون دارًا من جانب(34) . وهذا أيضًا نص عليه الإمام أحمد(35) .

حواشي هذه الصفحة8 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال ابن قدامة بعد ما ذكر حديث «حَقُّ الْجِوَارِ أَرْبَعُونَ دَارًا...»: هذا نص لا ينبغي العدول عنه، إن صح، وإن لم يثبت الخبر، فالجار هو المقارب، ويرجع في ذلك إلى العرف(36) . وبمثله قال المرداوي في الإنصاف(37) .

قلتُ : الصحيح في حد الجار: أن يرجع تحديد ذلك إلى العرف، نظراً لاختلاف العلماء، والله أعلم.

وعليه يجدر بنا أن نقرر أن الجوار المراد في بحثنا هو: الجوار المبني على القرب في المسكن فقط، مثل جوار المنازل والدور، ويدخل فيه: الجيران في القرية، وفي القرى المجاورة، والجيران في القبيلة، وهكذا دون ما عداه من معان لا علاقة للبحث بها.

ثالثًا: أنواع الجار

للجار أنواع عديدة، ومراتب متفاوتة، بحسب حقِّه، وبحسب معاملته، وبحسب قُربه أو بُعده، وكلُّ ذلك دالٌّ على عِظم منزلته، ونذكر ها هنا بعضاً منها:

أ) بحسب الحقوق في الإسلام

1- جار له حق واحد: وهو الجار الكافر الذي على غير ملة الإسلام، فهذا له حق الجوار فقط، وهو حق عظيم لا يستهان به، حتى مع مفارقة صاحبه

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

في المعتقد.

2- جار له حقان: وهوالجار المسلم، له حق الإسلام، وحق الجوار، فهذا أعظم حقًّا من الجار الكافر.

3- جار له ثلاثة حقوق: وهو الجار المسلم الذي تجمعك به علاقة قرابة ورحم، فهذا له حق الإسلام، وحق القرابة أو الرحم، وحق الجوار، وهذا أعظم الجيران حقوقًا، نظرًا لتعدد الوشائج.

وقد وردت هذه الحقوق في روايات عن النبي صلى الله عليه وسلم من طرق، لكن لا يخلو أحد منها من مقال، فمن ذلك:

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ: جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ وَهُوَ أَدْنَى الْجِيرَانِ حَقًّا، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ، وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ وَهُوَ أَفْضَلُ الْجِيرَانِ حَقًّا، فَأَمَّا الْجَارُ الَّذِي لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ فَالْجَارُ الْمُشْرِكُ لَا رَحِمَ لَهُ وَلَهُ حَقُّ الْجِوَارِ، وَأَمَّا الَّذِي لَهُ حَقَّانِ فَالْجَارُ الْمُسْلِمُ لَا رَحِمَ لَهُ، وَلَهُ حَقُّ الْإِسْلَامِ، وَحَقُّ الْجِوَارِ، وَأَمَّا الَّذِي لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ فَجَارَ مُسْلِمٌ ذُو رَحِمٍ لَهُ حَقُّ الْإِسْلَامِ وَحَقُّ الْجِوَارِ وَحَقُّ الرَّحِمِ وَأَدْنَى حَقِّ الْجِوَارِ أَنْ لَا تُؤْذِي جَارَكَ بِقُتَارِ قِدْرِكَ إِلَّا أَنْ تَقْدَحَ لَهُ مِنْهَا»(38) .

إلا أنه وإن لم تصح مثل هذه الروايات، فإن النصوص العامة الواردة في الإحسان إلى الجار أولًا، ونصوص صلة الرحم، ونصوص الإحسان إلى الناس

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

على العموم، تؤكد على صحة المعنى الوارد في هذه الروايات.

ومما يؤكد ذلك أيضًا ما جاء في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36]، والشاهد فيها في قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾، قال ابن عباس رضي الله عنه في تفسيرها: «يَعْنِي: الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ»، وقال: «يَعْنِي: ذَا الرَّحِمِ»، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾، قال ابن عباس رضي الله عنه في تفسيرها: «الَّذِي لَيْسَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ»، وعلَّق ابن جرير على الخلاف في معنى الجار الجنب بقوله: «معنى الجنب في هذا الموضع: الغريب البعيد، مسلمًا كان أو مشركًا، يهوديًّا كان أو نصرانيًّا، لما بينَّا قبلُ أن الجار ذي القربى: هو الجار ذو القرابة والرحم، والواجب أن يكون الجار ذو الجنابة الجار البعيد، ليكون ذلك وصية بجميع أصناف الجيران؛ قريبهم وبعيدهم»(39) .

ب) بحسب المعاملة(40)

1-الجار النَّفيح: وهو الغريب الذي يجئ من بلدٍ إلى بلدٍ(41) .

2-الجار الصِّنارة: السَّيء الخلق. والصِّنْوَر: البخيل السيء الخلُق. والصنانير: البخلاء من الرِّجال وإن كانُوا ذَوي شرف. والصّنانير: السَّيِّئُو

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الآداب وإن كانُوا ذوِي نباهة(42)

3-الجار الدَّمِث: الحسَن الجوار. والدماثة: سهولة الخلق، مأخوذة من دمث المكان دمثاً، إذا لان وسهل(43) .

4-الجار اليَرْبوعِي: المنافق. وهو نسبة إلى اليربوع، فإنه يجعل لبيته بابَين، أحدهما القاصعاء، وهو الذي يستخدمه في دخوله وخروجه، والآخر النافقاء، وهو عبارة عن مخرجٍ ظاهرُه مغلقٌ، ولكن باطنه ممرٌّ إليه، وهوالذي يخرج منه إذا شعر بالخطر، ومنه أُخذ المنافق، لأن ظاهره خلاف باطنه، كالنفقاء(44) .

5-الجار البراقِشي: المتلوِّن فِي أَفعاله. يقال: برقش الشيء أي: نقشه بألوان شتى، وأصله من أبي براقش، وهو طائر يتلون ألواناً(45) .

6-الجار الحَسْدَلي: الذي عينه تراك، وقلبه يرعاك. نسبة إلى الحسدل، وهو القُراد، ومنه أُخذ: الحسدُ يقشر القلب، كما يقشر القُراد الجلد، فيمتص دمه(46) .

وقد روي أن داود عليه السلام كان يقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ جَارٍ عَيْنُهُ تَرَانِي، وَقَلْبُهُ يَرْعَانِي، إِنْ رَأَى خَيْرًا دَفَنَهُ، وَإِنْ رَأَى شَرًّا أَشَاعَهُ»(47) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رابعًا: مراتب الجوار

الجوار المراد ليس درجة واحدة، أو مرتبة جامدة، لا تفاوت فيها، بل إنه مراتب ودرجات، وبقدر علوِّ المراتب والدرجات تتأكد الحقوق والأعطيات.

ومن مراتب الجوار التي ذكرها العلماء: الملاصقة والمخالطة، قال ابن العربي رحمه الله: «والذي يتحصل عند النظر أن الجار له مراتب: الأولى: الملاصقة، الثانية: المخالطة، بأن يجمعهما مسجد، أو مجلس، أو تنُّور، ويتأكد الحق على المسلم ويبقي أصله مع الكافر والمسلم»(48) .

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «وَاسْمُ الْجَارِ يَشْمَلُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ، وَالْعَابِدَ وَالْفَاسِقَ، وَالصَّدِيقَ وَالْعَدُوَّ، وَالْغَرِيبَ وَالْبَلَدِيَّ، وَالنَّافِعَ وَالضَّارَّ، وَالْقَرِيبَ وَالْأَجْنَبِيَّ، وَالْأَقْرَبَ دَارًا وَالْأَبْعَدَ، وَلَهُ مَرَاتِبُ أَعْلَى مِنْ بَعْضٍ، فَأَعْلَى مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُوَلُ كُلُّهَا، ثُمَّ أَكْثَرُهَا، وَهَلُمَّ جَرَّا إِلَى الْوَاحِدِ، وَعَكْسُهُ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْأُخْرَى، فَيُعْطَى كُلٌّ حَقَّهُ بِحَسَبِ حَالِهِ، وَقَدْ تَتَعَارَضُ صِفَتَانِ فَتُرَجِّحُ أَوْ تُسَاوِي»(49) .

ويُلحق بذلك صور أخرى وثيقة الصلة نحو: جوار العمل، والسوق، والمزرعة، ومقعد الدراسة، والسفر، والجهاد،....، فكلُّ ما سبق نوعُ جوار.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

خامسًا: مكانة الجار في الإسلام

حظي الجار في الإسلام بمكانة عظيمة، ومنزلة رفيعة، دلّ عليها القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة:

فمن القرآن الكريم: قوله تعالى ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36].

ففي هذه الآية الكريمة أمر الله تعالى بعبادته وحده لا شريك له، وهو أعلى مطلوب، ومِن أجله خلق الله الإنس والجنّ، ثُمَّ عطف على هذا الأمر الجليل، الأمر بالإحسان إلى أصناف من الناس وهم: الوالدين، والأرحام، واليتامى، والمساكين، والجار، وابن السبيل.

فأدخل الجار فيمن وصَّى الله تعالى بالإحسان إليه، ولِمَا للجار من مكانة كبيرة، فقد ذكره بشيء من التفصيل، فقال سبحانه ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾، وقد سبق معنا ما قيل في تفسير الجار ذي القرى، والجار الجنب.

وأمَّا: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ﴾، فهو: الرفيق في السفر، وقيل: هو الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك(50) ، فهذا كله نَوْعُ جوار.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومما جاء في السنة الشريفة في بيان مكانة الجوار:

عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ»(51) .

ومثله عن ابن عمر رضي الله عنهما(52) .

وقد ورد في سبب ورود هذا الحديث: أن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما ذُبحت له شاةٌ، فجعل يقول لغلامه: أَهديتَ لجارِنا اليهودي؟ أَهديتَ لجارِنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ»(53) .

وفي رواية عن مجاهد قال: كنت عند عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، وغلامُه يسلخ شاة، فقال: يا غلام، إذا فرغت فابدأ بجارنا اليهودي! فقال رجل من القوم: اليهودي أصلحك الله؟ فقال: إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، فذكر الحديث(54) .

ولك أن تتأمل هذه المكانة العظيمة التي جعلها الله تعالى للجار، حتى تكثر الوصاة به إلى هذه الدرجة التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يظن أن آخر هذه الوصايا أن يكون للجار حق ونصيب في ميراث جاره بعد موته، مع أن الميراث يكون فقط لأولي الأرحام، فكأنَّ الله تعالى جعل الجار أحد الأقرباء، وأحد الأرحام، الذين تجب صلتهم، والذين تستمر العلاقة بينك وبينهم في الحياة

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبعد الممات.

فحرمة الجار عظيمة، كحرمة الأرحام، وحق الجار عظيم، كحق الرحم، فينبغي على كل مسلم أن يراعي هذه المنزلة، وهذه المكانة.

وقد فهم الصحابة الكرام العموم من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يحملوا الحديث على الجار المسلم دون غيره، بل إن ذلك يشمل كل من دخل في وصف الجوار، مهما كان دينه، أو اعتقاده، أو غير ذلك، وهذا دليل سماحة هذا الدين وعالميته.

صفحة 39 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الفصل الثاني: معالم حسن الجوار في تراث الآل والأصحاب

وفيه أربعة مباحث :

المبحث الأول : الآل والأصحاب رواة أحاديث فضل حسن الجوار.

المبحث الثاني : كفُّ الأذى عن الجار في تراث الآل والأصحاب.

المبحث الثالث : تحمُّل أذى الجار في تراث الآل والأصحاب.

المبحث الرابع : إكرام الجار والإحسان إليه في تراث الآل والأصحاب.

معالم حسن الجوار في تراث الآل والأصحاب

صفحة 41 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

قبل أن نشرع في بيان معالم حسن الجوار التي عُرف بها آل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، يجدر بنا أن نتحدث عن جملة من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم بالجار، وهذا مدخل لا بد منه لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو سيد الآل والأصحاب وسابقهم في كل فضل، ومحل اقتدائهم واقتداء من بعدهم.

وصايا نبوية في حق الجار

حفلت السنة النبوية بكثير من الأحاديث الدالة على فضل الجار، وحسن إكرامه وصلته، وجعلت له جملة من الحقوق، منها:

1-خفض الجناح للجار والسماح له بما ينفعه

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَمْنَعْ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ»(55) .

قال ابن حجر رحمه الله: «استُدل به على أن الجدار إذا كان لواحد وله جار فأراد أن يضع جذعه عليه جاز، سواء أذِن المالك أم لا، فإن امتنع أُجبر، وبه قال أحمد وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث، وابن حبيب من المالكية، والشافعي في القديم»(56) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

2-الجار الأقرب أولى بالمعروف

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا»(57) .

قال الحافظ رحمه الله: «أقربهما: أي أشدهما قربًا، وقيل: الحكمة فيه أن الأقرب يرى ما يدخلُ بيت جاره من هدية وغيرها فيتشوَّف لها، بخلاف الأبعد، وأن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات، ولا سيما في أوقات الغفلة. وقال ابن أبي جمرة: الإهداء إلى الأقرب مندوب، لأن الهدية في الأصل ليست واجبة، فلا يكون الترتيب فيها واجبًا»(58) .

وقال ابن بطال رحمه الله: «وفي حديث عائشة أن أقرب الجيران أولى بالصلة والبر والرعاية، وأن صلة الأقرب منهم أفضل من صلة الأبعد، إذ لا يقدر على عموم جميعهم بالهدية، وقد أكد الله تعالى ذلك في كتابه، فقال: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ [النساء: 36]، فدل هذا على تفضيل الأقرب»(59) .

قلت : ليس المراد من الحديث انحصار الإهداء إلى الأقرب كما هو ظاهر الحديث، بل المراد أن الجار الأقرب أنسب بالابتداء أو بمزيد الإحسان.

3-عدم حبس المعروف عن الجار

عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «لَقَدْ أَتَى عَلَيْنَا زَمَانٌ أَوْ قَالَ: حِينٌ وَمَا أَحَدٌ أَحَقُّ بِدِينَارِهِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وَدِرْهَمِهِ مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، ثُمَّ الْآنَ الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ أَحَبُّ إِلَى أَحَدِنَا مِنْ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «كَمْ مِنْ جَارٍ مُتَعَلِّقٌ بِجَارِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَقُولُ: يَا رَبِّ، هَذَا أَغْلَقَ بَابَهُ دُونِي، فَمَنَعَ مَعْرُوفَهُ»»(60)

قال المناوي رحمه الله: «فيه تأكيد عظيم لرعاية حق الجار، والحث على مؤاساته، وإن جار، وذلك سبب للائتلاف والاتصال، فإن أهان كل أحد جاره انعكس الحال»(61) .

وقال الصنعاني رحمه الله: «وتغليق الباب كناية عن عدم خروج خير منه إليه»(62) .

4-الشهادة له بحق وإن كان كافراً

عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ: «لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ؛ النَّجَاشِيَّ، أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللهَ تَعَالَى لَا نُؤْذَى، وَلَا نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ»(63) .

وقد حدَث ذلك لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم المسلمين بالهجرة الأولى إلى الحبشة، ليفروا بدينهم من الفتن ومن أذى قريش واضطهادها لهم، فقال لهم: «إِنَّ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، فَالْحَقُوا بِبِلَادِهِ، حَتَّى يَجْعَلَ اللهُ لَكُمْ فَرَجًا وَمَخْرَجًا مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ»(64) ، وكان النجاشي حينها يدين بدين النصرانية، لكنه أحسن جوار المسلمين وأكرمهم، ثم أسلم بعد ذلك، والحمد لله.

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

5-محبة الخير وإرادته له

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُحِبَّ لِجَارِهِ - أَوْ قَالَ: لِأَخِيهِ - مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»(65) .

ففي هذا الحديث الشريف جعل النبي صلى الله عليه وسلم حب الخير للجار كما يحب المرء ذلك لنفسه من كمال الإيمان، وهذا «فِي الْجَارِ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَالْفَاسِقِ، وَالصِّدِّيقِ وَالْعَدُوِّ، وَالْقَرِيبِ وَالْأَجْنَبِيِّ، وَالْأَقْرَبِ جِوَارًا وَالْأَبْعَدِ، فَمَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الصِّفَاتُ الْمُوجِبَةُ لِمَحَبَّةِ الْخَيْرِ لَهُ فَهُوَ فِي أَعْلَى الْمَرَاتِبِ، وَمَنْ كَانَ فِيهِ أَكْثَرُهَا فَهُوَ لَاحِقٌ بِهِ، وَهَلُمَّ جَرًّا، إلَى الْخَصْلَةِ الْوَاحِدَةِ، فَيُعْطَى كُلُّ ذِي حَقٍّ بِحَسَبِ حَالِهِ»(66) .

ومن فقه هذا الحديث: «أن ظاهره التسوية وباطنه التفضيل؛ لأن كل أحد يحب أن يكون أفضل، فإذا أحب لغيره ما يحب لنفسه، كان هو من المفضولين، وقد روى هذا المعنى عن الفضيل بن عياض أنه قال لسفيان بن عيينة رحمهما الله: إن كنت تريد أن يكون الناس كلهم مثلك، فما أديتَ لله الكريم نصيحة، فكيف وأنت تودُّ أنّهم دُونَك؟»(67) .

وفيه من الفقه أيضاً: «أن المؤمن مع المؤمن كالنفس الواحدة، فينبغي

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

له أن يحب له ما يحب لنفسه، من حيث أنهما نفس واحدة، ومصداقه قوله صلى الله عليه وسلم: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى)(68) ومن أفحش الأحوال أن يرى في موطن ضانًا على أخيه بأعمال الخير، إذا لم يُوفَّق هو لها، كما جرى لابني آدم، فإنه قتله من أجل أن تقبَّل الله قربانه، فإنه قال له: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ﴾، فلم يجبه المؤمن إلا أنه أخبره بالعلة التي ردَّ قربانه هو لأجلها، ما هي؟ وهي وقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، أي: فلو اتقيت الله، لتقبل منك قربانك»(69)

قال ابن الصلاح رحمه الله: «وهذا قد يعدُّ من الصعب الممتنع، وليس كذلك؛ إذ معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه من الخير، والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهةٍ لا يزاحمه فيها، بحيث لا تُنقص النعمةُ على أخيه شيئًا من النعمة عليه، وذلك يسهل على القلب السليم، وإنما يعسر على القلب الدّغِل»(70) .

6-التَّصدُّق عليه ومواساته بالمال

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلَّا فِي سَبِيلِ اللهِ، أَوِ ابْنِ السَّبِيلِ، أَوْ جَارٍ فَقِيرٍ يُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، فَيُهْدِي لَكَ أَوْ يَدْعُوكَ»(71) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد تتابع العلماء رحمهم الله في بيان مكانة الجوار، وتوضيح معالمها، من ذلك:

ما قاله ابن أبي جمرة رحمه الله: «وإِكْرَامُ الْجَارِ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ، وَالَّذِي يَشْمَلُ جَمِيعَ وُجُوهِ الْإِكْرَامِ إِرَادَةُ الْخَيْرِ لَهُ، وَمَوْعِظَتُهُ بِالْحُسْنَى، وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالْهِدَايَةِ، وَتَرْكُ الْإِضْرَارِ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، حِسِّيًّا كَانَ أَوْ مَعْنَوِيًّا، إِلَّا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْإِضْرَارُ بِالْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ، وَالَّذِي يَخُصُّ الصَّالِحَ هُوَ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ، وَغَيْرَ الصَّالِحِ كَفُّهُ عَمَّا يَرْتَكِبُهُ بِالْحُسْنَى، عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَيَعِظُ الْكَافِرَ بِعَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ، وَإِظْهَارِ مَحَاسِنِهِ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَالْفَاسِقَ بِمَا يَلِيقُ بِهِ بِرِفْقٍ، فَإِنْ أَفَادَ، وَإِلَّا هَجَرَهُ قَاصِدًا تَأْدِيبَهُ مَعَ إِعْلَامِهِ بِالسَّبَبِ، وَهُنَا تَنْبِيهٌ وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا أُمِرَ بِإِكْرَامِ الْجَارِ مَعَ الْحَائِلِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَرْعَى حَقَّ الْحَافِظَيْنِ اللَّذَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا جِدَارٌ، وَلَا حَائِلٌ، فَلَا يُؤْذِيهِمَا بِأَنْوَاعِ الْمُخَالَفَاتِ فِي مُرُورِ السَّاعَاتِ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُمَا يُسَرَّانِ بِالْحَسَنَاتِ، وَيَحْزَنَانِ بِالسَّيِّئَاتِ، فَيَنْبَغِي إِكْرَامُهُمَا وَرِعَايَةُ جَانِبِهِمَا بِالْإِكْثَارِ مِنْ عَمَلِ الطَّاعَاتِ، وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى تَجَنُّبِ الْمَعَاصِي، فَهُمَا أَوْلَى بِالْإِكْرَامِ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْجِيرَانِ»(72) .

وقال الغزالي رحمه الله: «إِنَّ الْبَلَدِيَّ فِي بِلَادِ الْغُرْبَةِ يَجْرِي مَجْرَى الْقَرِيبِ فِي الْوَطَنِ؛ لِاخْتِصَاصِهِ بِحَقِّ الْجِوَارِ فِي الْبَلَدِ»(73) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبعد بيان شواهد من وصايا النبي صلى الله عليه وسلم بالجار، نشرع الآن في بيان مدى التزام الآل والأصحاب بهذه الوصايا، وكيف حوَّلوها إلى واقع معاش؟ وكيف تخلَّلت صفحات سيرتهم ومسيرتهم الكريمة.

المبحث الأول: الآل والأصحاب رواة أحاديث فضل حسن الجوار

لعل من معالم إعمال الآل والأصحاب لحسن الجوار، واهتدائهم بآدابه، أنهم من رَوَوا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم الأحاديث الواردة في فضل حسن الجوار، بما تشتمل عليه من معالم وحقوق أوجبها الإسلام للجار، وهذا دليل على عنايتهم بالجار، وحفظهم لحقه، ومعرفتهم لفضله، وهذه أمثلة من مرويات الآل والأصحاب في حسن الجوار توضح المقصود.

1-الجوار من معايير إحسان العبد وإساءته

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ إِذَا أَحْسَنْتُ، وَإِذَا أَسَأْتُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَمِعْتَ جِيرَانَكَ يَقُولُونَ: قَدْ أَحْسَنْتَ، فَقَدْ أَحْسَنْتَ، وَإِذَا سَمِعْتَهُمْ يَقُولُونَ: قَدْ أَسَأْتَ، فَقَدْ أَسَأْتَ»(74) .

قال الدهلوي رحمه الله: «ينبغي أن يقيَّد بكون الجيران من أهل الحق والإنصاف، غير مفرطين في المحبة والعداوة»(75) .

وقال الصنعاني رحمه الله: «يحتمل أنه خص جيرانه هنا بالذكر وأنه إذا أحسن

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إليهم اغتفرت إساءته في غير ذلك لعظمة حق الجار وإذا أساء إليهم لم يعتد بإحسانه إلى غيرهم»(76)

وَقَالَ عُمَر بْن الْخَطَّابِ رضي الله عنه: «إِذَا حَمِدَ الرَّجُلَ جَارُهُ، وَذُو قَرَابَتِهِ، وَرَفِيقُهُ، فَلا تَشُكُّوا فِي صَلاحِهِ»(77) .

2-حسن الجوار طريق إلى محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم

عَنْ أَبِي قُرَادٍ السَّلَمِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «إِنْ أَحْبَبْتُمْ أَنْ يُحِبَّكُمُ اللهُ عز وجل وَرَسُولَهُ فَأَدُّوا إِذَا ائْتُمِنْتُمْ، وَاصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَحْسِنُوا جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكُمْ»(78) .

قال المناوي رحمه الله: «(وأحسنوا جوار من جاوركم): بكفِّ طرق الأذى عنه، ومعاملته بالإحسان، وملاطفته»(79) .

3-حسن الجوار من علامات تمكّن الإسلام من القلوب

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ كُنْ وَرِعًا، تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَكُنْ قَنِعًا، تَكُنْ أَشْكَرَ النَّاسِ، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكَ، تَكُنْ مُسْلِمًا، وَأَقِلَّ الضَّحِكَ،

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ»(80)

قال السندي رحمه الله: «(تكن مسلمًا): فإن الأخذ بالإسلام يقتضي المسالمة، أو المسلم وقد جاء «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، وأعظم ذلك مراعاة الجار»(81) .

4-حسن الجوار مناطٌ للخيرية عند الله تعالى

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُ الأَصْحَابِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الجِيرَانِ عِنْدَ اللهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ»(82) .

قال المناوي رحمه الله: «فكل من كان أكثر خيرًا لصاحبه أو جاره فهو الأفضل عند الله تعالى، وفي إفهامه أنَّ شرَّهم عند الله شرهم لصاحبه أو جاره»(83) .

5-حسن الجوار من معالم السعادة

عَنْ نَافِعِ بْنِ عَبْدِ الْحَارِثِ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ الْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ»(84) .

وَعَنْ سَعْدَ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَرْبَعٌ مِنَ

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

السَّعَادَةِ: الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ، وَالْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيءُ، وَأَرْبَعٌ مِنَ الشَّقَاوَةِ: الْجَارُ السُّوءُ، وَالْمَرْأَةُ السُّوءُ، وَالْمَسْكَنُ الضِّيقُ، وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ»(85)

كلُّ أمرٍ من هذه الأمور الأربعة فيه سعادةٌ لصاحبه، وسرُّ هذه السعادة أنَّ كلَّ أمرٍ من هذه الأمور الأربعة مُلازِم للإنسان؛ فلا يُفارِقه الإنسان تقريبًا إلا ويَعُود إليه مرَّة أخرى، فصُحبة الزوجة، أو المسكن، أو الجار، أو المركب، صُحبة حياة وملازمة دائمة، وهذه السعادة وإن كانت سعادة دنيويَّة، وثمرتها عاجلة، إلا أنَّ أسبابها ووجودها من أعظم ما يُعِين العبدَ على أمرِ دينه وآخرته.

6-الجار الصالح سبب كل خير، يهديك بأفعاله وأخلاقه

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللهُ القُرْآنَ، فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ، فَقَالَ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ، فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الحَقِّ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ، فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ»(86) .

قال الحافظ رحمه الله: «الحسد تمنِّي زوال النعمة عن المنعم عليه، وخصَّه بعضُهم بأن يتمنى ذلك لنفسه، والحق أنه أعمُّ، وسببه أن الطباع مجبولة على حب الترفع على الجنس، فإذا رأى لغيره ما ليس له أحبَّ أن يزول ذلك عنه له ليرتفع عليه، أو مطلقًا ليساويه، وصاحبه مذموم إذا عمل بمقتضى ذلك من

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تصميم، أو قول، أو فعل، وينبغي لمن خطر له ذلك أن يكرهه كما يكره ما وضع في طبعه من حب المنهيات،...، وأما الحسد المذكور في الحديث فهو الغبطة، وأُطلق الحسد عليها مجازًا، وهي أن يتمنَّى أن يكون له مثل ما لغيره، من غير أن يزول عنه، والحرص على هذا يسمى منافسة»(87)

ومما يوضِّح هذا المعنى ما رواه أيوب بن وائل الراسبي قال: «قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَأَخْبَرَنِي رَجُلٌ - جَارٌ لِابْنِ عُمَرَ - أَنَّهُ أَتَى ابْنَ عُمَرَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ، وَأَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْ قِبَلِ إِنْسَانٍ آخَرَ، وَأَلْفَانِ مِنْ قِبَلِ آخَرَ، وَقَطِيفَةٌ، فَجَاءَ إِلَى السُّوقِ يُرِيدُ عَلَفًا لِرَاحِلَتِهِ بِدِرْهَمٍ نَسِيئَةً(88) ، فَقَدْ عَرَفْتُ الَّذِي جَاءَهُ، فَأَتَيْتُ سُرِّيَّتَهُ(89) ، فَقُلْتُ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكِ عَنْ شَيْءٍ وَأُحِبُّ أَنْ تَصْدُقِينِي؟ قُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ أَتَتْ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْ قِبَلِ مُعَاوِيَةَ، وَأَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنْ قِبَلِ إِنْسَانٍ آخَرَ، وَأَلْفَانِ مِنْ قِبَلِ آخَرَ، وَقَطِيفَةٌ؟ قَالَتْ: بَلَى، قُلْتُ: فَإِنِّي رَأَيْتُهُ يَطْلُبُ عَلَفًا بِدِرْهَمٍ نَسِيئَةً، قَالَتْ: مَا بَاتَ حَتَّى فَرَّقَهَا، فَأَخَذَ الْقَطِيفَةَ فَأَلْقَاهَا عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ، فَوَجَّهَهَا ثُمَّ جَاءَ، فَقُلْتُ: يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ مَا تَصْنَعُونَ بِالدُّنْيَا، وَابْنُ عُمَرَ أَتَتْهُ الْبَارِحَةَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ وَضَحٍ(90) ، فَأَصْبَحَ الْيَوْمَ يَطْلُبُ لِرَاحِلَتِهِ عَلَفًا بِدِرْهَمٍ نَسِيئَةً»(91) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والمقصود: أن الرجل تأثَّر بفعل ابن عمر رضي الله عنهما، ووقع في قلبه موقعاً حسناً، فكيف يأتيه كل هذا المال الكثير، ثم يتصدَّق به كلّه، ولم يُبْق لنفسه شيئاً منه، مع حاجته إليه؟! فما كان من هذا الرجل الجار لابن عمر إلا أن ذهب إلى السوق متأسفًا على حال التجار، واعظًا لهم، وذلك لأن غالب التجار الحرص على الدنيا، وعلى المال، والشّح، وقلة الإنفاق في سبيل الله تعالى.

7-المهاجرون والأنصار خير جيران

عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ، قَالَ: لَا. فَقَالُوا: تَكْفُونَا المَئُونَةَ، وَنَشْرَكْكُمْ فِي الثَّمَرَةِ، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا»(92) .

فالمهاجرون جيرانٌ بأحدِ معاني الجوار، وقد أحسن إليهم الأنصار، وأحسنوا وفادتهم وأكرموهم، حتى أنهم طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقسم نخيلهم بينهم وبين المهاجرين، وهذا جرى لما قدم المهاجرون المدينة، فإنهم قدموا فقراء، فمنحهم الأنصار من أموالهم الكثير، فلما فُتحت خيبر، أعادوا منائحهم عليهم(93) .

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: «لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم المَدِينَةَ أَتَاهُ المُهَاجِرُونَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ، وَلَا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ، مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، لَقَدْ كَفَوْنَا المُؤْنَةَ، وَأَشْرَكُونَا فِي المَهْنَإِ، حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالأَجْرِ كُلِّهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «لَا مَا دَعَوْتُمُ اللهَ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِمْ»»(94)

فتأمل كيف هو كرم الأنصار، وسخاء نفوسهم، وعظم الإيمان في قلوبهم، الأمر الذي جعلهم يبدأون إخوانهم بالإحسان، دون أن يُحْوِجوهم للسؤال.

وتأمل كيف كان إحسانُهم أنْ يتقاسموا أموالهم مع المهاجرين كأنهم شركاء في هذا المال، وما كان هذا منهم إلا لتعظيمهم لِحقِّ الجوار، ولِحقَّ إخوانهم عليهم.

وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: «قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَآخَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ كَثِيرَ المَالِ، فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ عَلِمَتِ الأَنْصَارُ أَنِّي مِنْ أَكْثَرِهَا مَالًا، سَأَقْسِمُ مَالِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ شَطْرَيْنِ، وَلِي امْرَأَتَانِ فَانْظُرْ أَعْجَبَهُمَا إِلَيْكَ فَأُطَلِّقُهَا، حَتَّى إِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ، فَلَمْ يَرْجِعْ يَوْمَئِذٍ حَتَّى أَفْضَلَ شَيْئًا مِنْ سَمْنٍ وَأَقِطٍ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى جَاءَ رَسُولَ اللهُ صلى الله عليه وسلم وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ(95) ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهُ صلى الله عليه وسلم: «مَهْيَمْ(96) ». قَالَ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ «مَا سُقْتَ إِلَيْهَا؟». قَالَ: وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ»»(97) .

ولنا أن

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نقف طويلاً عند هذا الأثر العجيب، ونتأمَّله جيداً؛ رجل يعرض على أخيه أن يتقاسم معه ماله ودوره، إن لم تكن هذه مكارم الأخلاق، فماذا يكون؟

لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إنه يعرض عليه زوجتيه أن يختار أيهما أحب إليه، أو أعجب إليه، ليطلقها له، ليتزوجها أخوه! فهذه مكارم أخلاق لا مثيل لها. كيف لا؟! والعرب مشهورون بالغَيْرة الشديدة على نسائهم ومحارمهم، فهذا أمر عجيب جدًّا، وإن دلَّ على شيء؛ فإنما يدل على عظم حق الجوار والأُخوَّة في قلب سعد بن الربيع رضي الله عنه، والأعجب منه عِفَّةُ عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه لما تعفَّف عن إحسان أخيه سعد، ودعاؤه له بالبركة في ماله وأهله، فهذا من أعظم وأروع الأمثلة في حسن الجوار بين المسلمين.

8-الأنصار خير جيران لرسول الله صلى الله عليه وسلم

عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: «ابْنَ أُخْتِي، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلَالِ ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم نَارٌ. فَقُلْتُ: مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ، كَانَ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ أَبْيَاتِهِمْ فَيَسْقِينَاهُ»(98) .

قال العيني رحمه الله: «منائح: جمع مَنِيحَة، بفتح الميم، وكسر النون، وسكون الياء آخر الحروف، وفي آخره حاء مهملة، وهي ناقة أو شاة تعطيها غيرك

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ليحتلبها ثم يردها عليك،...، وقال الفراء: منحتُه مَنيحة وهي الناقة والشاة يعطيها الرجل لآخر يحلبها ثم يردها»(99)

قال المهلب رحمه الله: «فيه الحض على التهادي والمتاحفة ولو باليسير؛ لما فيه من استجلاب المودة، وإذهاب الشحناء، واصطفاء الجيرة، ولما فيه من التعاون على أمر العيشة المقيمة للإرماق، وأيضًا فإن الهدية إذا كانت يسيرة فهي أدل على المودة، وأسقط للمئونة، وأسهل على المهدى لإطراح التكليف»(100) .

وهذه منيحة أخرى من منائحهم رضي الله عنهم :

عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعودٍ رضي الله عنه، قَالَ: أَصَابَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ضَيْفٌ، فَأَرْسَلَ إِلَى أَزْوَاجِهِ يَبْتَغِي عِنْدَهُنَّ طَعَامًا، فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ، فَقَالَ: «اللهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ، فَإِنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا إِلَّا أَنْتَ»، فَأُهْدِيَتْ لَهُ شَاةٌ مَصْلِيَّةٌ(101) ، فَقَالَ: «هَذِهِ مِنْ فَضْلِ اللهِ وَنَحْنُ نَنْتَظِرُ الرَّحْمَةَ»(102) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المبحث الثاني: كفُّ الأذى عن الجار في تراث الآل والأصحاب

للجار في الإسلام حقوق أوجبها له الإسلام، لعل أوَّلها كفُّ الأذى عنه، بكافة أنواعه وصوره.

وهو أوجب الحقوق للجار وآكدها، ويشمل عدم التعرض لماله وعرضه وعياله وداره بما يكره، مثل: التطلُّع إلى محارمه، والنظر إلى نسائه، وتتبُّع عوراته، والتصنُّت عليه، والتجسس على أحواله، وكشف أسراره، ونشر قالة السوء عنه، والوقيعة في عرضه، وإذاعة مثالبه، وطمس مناقبه، وتنغيص راحته برفع الأصوات المزعجة، لاسيما وقت نومه أو مرضه، والاستطالة عليه في البنيان لحجب الريح عنه، وإيذاء مشاعره ومشاعر عياله بتعمُّد إظهار مشترياتك من طعام ونحوه، إن كان فقيراً، والسخرية والانتقاص منه، والتكبر والترفع عليه.

كل هذه من صور كفِّ الأذى عن الجار، وما تُرِك أكثر مما ذُكِر، وكلها دالة على عظم حقه، فلينتبَّه.

وهذا ما حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على تعليمه آله وأصحابه، بل وأُمَّته كلها، من ذلك:

ما رواه أبو شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيَّ، رضي الله عنه، قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: الَّذِي لَا

يَأمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»(103)

وفي رواية: «فَقَالُوا: وَمَا بَوَائِقُهُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: شَرُّهُ»(104) .

بوائقه: جمع بائقة، بالباء الموحَّدَة والقاف، وهي الداهية والشيء المهلك، والأمر الشديد الذي يُوافي بغتة.

وقال قتادة: بوائقه: ظلمه وغشه. وقال الكسائي: غوائله وشره(105) .

في هذا الحديث تأكيدُ حق الجار لقسمه صلى الله عليه وسلم على ذلك، وتكريره اليمين ثلاث مرات، وفيه نفي الإيمان عمَّن يؤذي جاره بالقول أو الفعل، ومراده الإيمان الكامل، ولا شك أن العاصي غير كامل الإيمان(106) .

وقال الخطابي رحمه الله: «والحديث على معنى الزجر والوعيد، أو نفي الفضيلة وسلب الكمال، دون الحقيقة في رفع الإيمان وإبطاله، والله أعلم»(107) .

وقال ابن بطال رحمه الله: «وهذا الحديث شديد في الحضِّ على ترك أذى الجار، ألا ترى أنه عليه السلام أكَّد ذلك بقسمه ثلاث مرات أنه لا يؤمن مَنْ لا يؤمن جارُه بوائقَه، ومعناه أنه لا يؤمن الإيمان الكامل، ولا يبلغ أعلى درجاته مَن كان بهذه الصفة، فينبغي لكل مؤمن أن يحذر أذى جاره، ويرغب أن يكون في

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أعلى درجات الإيمان، وينتهي عما نهاه الله ورسوله عنه، ويرغب فيما رضياه وحضَّا العباد عليه. وقال أبو حازم المنزي: كان أهل الجاهلية أبرَّ بالجار منكم، هذا قائلهم يقول:

ناري ونارُ الجار واحدةٌوإليه قَبْلي يُرْفَع القِدْرُ
ما ضرَّ جارًا لي أجاورُهأن لا يكون لِبَابِه سِتْر
أعمى إذا ماجارتي بَرَزَتحتى يواري جارتي الخِدْرُ»(108) ( 108 )

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»(109) .

قال الملا علي قاري رحمه الله: «وفيه مبالغة، حيث جعل عدم الأمن من وقوع الضرر سببًا لنفي دخول الجنة، فكيف إذا تحقق لحوق الضرر والشر؟»(110) .

وقال المناوي رحمه الله: «معنى: لا يدخل الجنة: أي حتى يُطهَّر بالنَّار، أو يعفو عنه الجار»(111) .

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلَا يُؤْذِ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ»(112) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال الإمام النووي رحمه الله: «قال القاضي عياض رحمه الله: معنى الحديث أن من التزم شرائع الإسلام لزمه إكرام جاره وضيفه، وبرَّهما، وكل ذلك تعريفٌ بحق الجار وحث على حفظه»(113) .

وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا قَلِيلَ مِنْ أَذَى الْجَارِ»(114) .

قال المناوي رحمه الله: «أي أذى الجار لجاره غيرُ مغفورٍ وإن كان قليلًا، فهو وإن كان قليل القَدْر، لكنه كثير الوِزْر»(115) .

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ مَسْعودٍ رضي الله عنه، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: «أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ؟ قَالَ: أَنْ تَجْعَلَ لِلهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ. قُلْتُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ، قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: وَأَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ تَخَافُ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ. قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ: أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ»(116) .

قال النووي رحمه الله في شرح الحديث: «وذلك أفحش أي الزنا وهو مع امرأة الجار أشد قبحًا، وأعظم جرمًا؛ لأن الجار يتوقع من جاره الذبّ عنه وعن حريمه، ويأمن بوائقه، ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنا بامرأته، وإفسادها عليه، مع تمكُّنه منها على وجهٍ لا يتمكن غيره منه، كان

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

في غاية من القبح»(117)

وَعَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ رضي الله عنه، قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحَابِهِ: «مَا تَقُولُونَ فِي الزِّنَا؟ قَالُوا: حَرَّمَهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِأَصْحَابِهِ: لَأَنْ يَزْنِيَ الرَّجُلُ بِعَشْرَةِ نِسْوَةٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَزْنِيَ بِامْرَأَةِ جَارِهِ، قَالَ: فَقَالَ: مَا تَقُولُونَ فِي السَّرِقَةِ؟ قَالُوا: حَرَّمَهَا اللهُ وَرَسُولُهُ فَهِيَ حَرَامٌ، قَالَ: لَأَنْ يَسْرِقَ الرَّجُلُ مِنْ عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَسْرِقَ مِنْ جَارِهِ»(118) .

قال المناوي رحمه الله: «وذلك لأن من حق الجار على الجار أن لا يخونه في أهله، فإن فعل ذلك، كان عقاب تلك الزنية يعدل عذاب عشر زنيات. قال الذهبي في الكبائر: فيه أن بعض الزنا أكبر إثمًا من بعض، قال: وأعظم الزنا بالأم والأخت وامرأة الأب وبالمحارم وبامرأة الجار»(119) .

وهذا تحذير عظيم جدًّا من التعرض للجار بأي ضَرْبٍ من ضُروب الأذى، فكما أن حق الجار عظيم، فكذلك السيئة في حقه عند الله عظيمة.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: «يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلَاتِهَا، وَصِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّ فُلَانَةَ يُذْكَرُ مِنْ قِلَّةِ صِيَامِهَا، وَصَدَقَتِهَا، وَصَلَاتِهَا، وَإِنَّهَا تَصَدَّقُ بِالْأَثْوَارِ مِنَ الْأَقِطِ، وَلَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، قَالَ: هِيَ فِي الْجَنَّةِ»(120) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال الملا علي قاري : «(تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا): لَعَلَّ وَجْهَ التَّقْيِيدِ بِاللِّسَانِ أَنَّهُ أَغْلَبُ مَا يُؤْذَى بِهِ، وَأَقْوَى مَا يَتَأَذَّى لَهُ الْإِنْسَانُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

جِرَاحَاتُ السِّنَّانِ لَهَا الْتِئَامُوَلَا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ اللِّسَانُ»(121) ( 121 )

وقد قال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أَكْثَرُ خَطَايَا ابنِ آدَمَ فِي لِسَانِهِ»(122) .

وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ وَمَا بَيْنَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ»(123) .

فانظر لحال تلك المرأة صاحبة الصلاة الكثيرة، والصيام الطويل، والصدقة الكبيرة، لما تجرَّأت على حرمة الجار، كيف عاقبها الله بالنار، مع عظم هذه الأعمال عند الله تعالى، وعظم أجورها، إلا أنها لا تتعدى كونها نافلة، وأما كفُّ الأذى عن الجار ففرضٌ، فلم يشفع لها كثرة تنفُّلها مع تضييعها للفرض، فلينتبه المسلم لمثل هذا ألا يقع فيه.

وانظر لحال المرأة الثانية مع اقتصادها في تَنفُّلِها، وحفاظها على حرمة الجار، كيف جازاها الله عز وجل بالجنة.

قال عليٌّ القاري رحمه الله: «لأن مدار أمر الدين على اكتساب الفرائض واجتناب المعاصي، إذ لا فائدة في تحصيل الفضول، وتضييع

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأصول»(124)

وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَوَّلُ خَصْمَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ جَارَانِ»(125) .

والله لو لم يكن إلا هذا الحديث في التحذير من أذى الجار والترهيب منه، لكفى، فإن أمر الخصومة شديد جدًّا، ومخيف يوم القيامة، لأنه ليس هناك إلا الحسنات والسيئات، وليس هناك إلا الجنة والنار، فكيف إذا كانت الخصومة بينك وبين جارك، وقد علِمْتَ عِظَم حقِّه عليك؟

وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَعْظَمُ الْغُلُولِ عِنْدَ اللهِ عز وجل ذِرَاعٌ مِنَ الْأَرْضِ، تَجِدُونَ الرَّجُلَيْنِ جَارَيْنِ فِي الْأَرْضِ أَوْ فِي الدَّارِ، فَيَقْتَطِعُ أَحَدُهُمَا مِنْ حَظِّ صَاحِبِهِ ذِرَاعًا، فَإِذَا اقْتَطَعَهُ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»(126) .

قال القرطبيُّ رحمه الله: «فَمَنْ كَانَ مَعَ هَذَا التَّأْكِيدِ الشَّدِيدِ مُضِرًّا لِجَارِهِ، كَاشِفًا لِعَوْرَاتِهِ، حَرِيصًا عَلَى إِنْزَالِ الْبَوَائِقِ بِهِ، كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ دَلِيلًا عَلَى فَسَادِ اعْتِقَادٍ وَنِفَاقٍ، فَيَكُونُ كَافِرًا، وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ، وَأَمَّا عَلَى امْتِهَانِهِ بِمَا عَظَّمَ اللهُ مِنْ حُرْمَةِ الْجَارِ، وَمِنْ تَأْكِيدِ عَهْدِ الْجِوَارِ فَيَكُونُ فَاسِقًا فِسْقًا عَظِيمًا، وَمُرْتَكِبَ كَبِيرَةٍ يُخَافُ عَلَيْهِ مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَيْهَا أَنْ يُخْتَمَ لَهُ بِالْكُفْرِ، فَإِنَّ الْمَعَاصِيَ بَرِيدُ الْكُفْرِ، فَيَكُونُ مِنَ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ وَمَاتَ بِلَا

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تَوْبَةٍ، فَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ، وَقَدْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُبَالِغُونَ فِي رِعَايَتِهِ وَحِفْظِ حَقِّهِ»(127)

وبهذه الأخلاق العالية الرفيعة تمثل الآل والأصحاب، فكانوا أبعد الناس عن أذى الجار، وفيما يلي بيان ذلك:

قالَ عَليٌّ لِلعَبَّاسِ رضي الله عنهما: «ما بَقِيَ مِنْ كَرَمِ أَخْلاقِكَ؟ قالَ: الإِفْضالُ عَلى الإِخْوانِ، وَتَرْكِ أَذَى الجِيرانِ»(128) .

إن العباس عمَّ النبي صلى الله عليه وسلم يفاخر باجتنابه أذى الجار، ويعدُّه من كريم الأخلاق، وعظيم السجايا.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنِي، أَبِي قَالَ: قِيلَ لِعَلِيٍّ رضي الله عنه: «مَا شَأْنُكَ يَا أَبَا حَسَنٍ؟ جَاوَرْتَ الْمَقْبَرَةَ؟ قَالَ: إِنِّي أَجِدُهُمْ جِيرَانَ صِدْقٍ، يَكُفُّونَ السَّيِّئَةَ، وَيُذَكِّرُونَ الْآخِرَةَ»(129) .

يقصد عليٌّ رضي الله عنه: الإشارة إلى أخلاق الجار الصالح وأنه يكفُّ السيئة، أي يكفُّ شرَّه وأذاه عن جيرانه، وأنه يذكِّرهم بالآخرة، فقال هذا القول عن الأموات ليعتبر به الأحياء.

وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضي الله عنه: «مِنْ حَقِّ الجارِ أَنْ تَبْسُطَ إلَيْهِ مَعْرُوفَكَ، وَتَكُفَّ عَنْهُ آذاكَ»(130) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إن عمر رضي الله عنه هنا يُذكِّر بوصايا النبي صلى الله عليه وسلم، ويُشدِّد عليها، ولا يُتوقَّع منه التَّذكير بشيءٍ هو مفتقده في نفسه.

وَعَنْ أَبِي عَامِرٍ الْحِمْصِيِّ قَالَ: «كَانَ ثَوْبَانُ رضي الله عنه يَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلَيْنِ يَتَصَارَمَانِ(131) فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَيَهْلِكُ أَحَدُهُمَا، فَمَاتَا وَهُمَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمُصَارَمَةِ، إِلَّا هَلَكَا جَمِيعًا، وَمَا مِنْ جارٍ يَظْلِمُ جَارَهُ وَيَقْهَرُهُ، حَتَّى يَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِهِ، إِلَّا هَلَكَ»(132) .

إن هذا من أعظم الأذى، ومن أشد الظلم، وهو أن يؤذي الجار جاره، ويظلمه، حتى أنه لا يستطيع البقاء في منزله وجواره، فيضطر للرحيل من بيته الذي قد يكون أفنى عمره في جمع ثمنه، فيتركه لا رغبة عنه، وإنما رغبة عن جار السوء، فأي أذى أعظم من هذا الأذى؟!

وهذا أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه يمرُّ بولده عبد الرحمن وهو يماظُّ(133) جاراً له، فقال له: «لا تُماظِّ جارَكَ، فَإنَّ هَذا يَبْقَى، وَيَذْهَبُ النّاسُ»(134) .

يا له من تعبيرٍ أخَّاذٍ، ونصحٍ رشيدٍ، من أبٍ حانٍ لابنٍ بارٍّ، إنها عبارة لو عرفت طريقها إلى القلوب، ما وجد الشيطان سبيلاً إلى قلوب الجيران.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المبحث الثالث: تحمُّل أذى الجار في تراث الآل والأصحاب

لا يقتصر حق الجار على كفّ الأذى فقط، بأنواعه، بل يشمل الصبر على ما يصدر عنه من أذى، باختلاف أنواعه وموجباته.

وذلك لأنه كثيرًا ما يعرِض بين الجيران عوارض تضيق منها الصدور، وتنفر منها القلوب، فكان التوجيه بضرورة الصبر، وتحمُّل ما كان من الجار من سوءِ قالٍ، أو فعالٍ، أو أخلاق، وهذا خلقٌ محمودٌ مع الناس كلِّهم، فكيف مع الجار؟ لا شك أنه يكون آكد وأعظم.

ورائدنا في ذلك قول الله عز وجل: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199].

قال الشيخ السعدي رحمه الله: «هذه الآية جامعة لحسن الخلق مع الناس، وما ينبغي في معاملتهم، فالذي ينبغي أن يعامل به الناس، أن يأخذ العفو، أي: ما سمحت به أنفسهم، وما سهُل عليهم من الأعمال والأخلاق، فلا يكلِّفهم ما لا تسمح به طبائعُهم، بل يشكر من كل أحدٍ ما قابله به، من قولٍ وفعلٍ جميلٍ، أو ما هو دون ذلك، ويتجاوز عن تقصيرهم، ويغضُّ طرفه عن نقصهم، ولا يتكبَّر على الصغير لصغره، ولا ناقص العقل لنقصه، ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة بما تقتضيه الحال وتنشرح له

صدورهم»(135)

ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلِّم أصحابه تحمُّل أذى الجار:

فَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها، قَالَت: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لَا قَلِيلَ مِنْ أَذَى الْجَارِ»(136) .

والمقصود : أن أذى الجار كلَّه عند الله كبير وعظيم، فلا تستصغر أو تحقر شيئاً منه قطّ.

وَعَنِ ابْنِ الْأَحْمَسِيِّ، قَالَ: «لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّ رضي الله عنه، فَقُلْتُ لَهُ: بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ تُحَدِّثُ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم. فَقَالَ: أَمَا إِنَّهُ لَا تَخَالُنِي أَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم بَعْدَمَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ، فَمَا الَّذِي بَلَغَكَ عَنِّي؟ قُلْتُ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللهُ، وَثَلَاثَةٌ يَشْنَؤُهُمُ اللهُ، فذكر من الذين يحبهم الله تعالى: وَالرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الْجَارُ يُؤْذِيهِ جِوَارُهُ، فَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُ، حَتَّى يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا مَوْتٌ أَوْ ظَعْنٌ(137)(138) » .

فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الصبر على أذى الجار، وتحمل إساءاته، من موجبات محبة الله تعالى للعبد.

قال الإمام ابن رجب رحمه الله: «وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ أَنَّهُ يَمْنَعُ الْجَارَ أَنْ

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يَتَصَرَّفَ فِي خَاصِّ مِلْكِهِ بِمَا يَضُرُّ بِجَارِهِ، فَيَجِبُ عِنْدَهُمَا كَفُّ الْأَذَى عَنِ الْجَارِ بِمَنْعِ إِحْدَاثِ الِانْتِفَاعِ الْمُضِرِّ بِهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُنْتَفِعُ إِنَّمَا يَنْتَفِعُ بِخَاصِّ مِلْكِهِ، وَيَجِبُ عِنْدَ أَحْمَدَ أَنْ يَبْذُلَ لِجَارِهِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي بَذْلِهِ، وَأَعْلَى مِنْ هَذَيْنِ أَنْ يَصْبِرَ عَلَى أَذَى جَارِهِ، وَلَا يُقَابِلَهُ بِالْأَذَى»(139)

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَشْكُو جَارَهُ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَاصْبِرْ. فَأَتَاهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَقَالَ: اذْهَبْ فَاطْرَحْ مَتَاعَكَ فِي الطَّرِيقِ. فَطَرَحَ مَتَاعَهُ فِي الطَّرِيقِ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَسْأَلُونَهُ فَيُخْبِرُهُمْ خَبَرَهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَلْعَنُونَهُ: فَعَلَ اللهُ بِهِ وَفَعَلَ وَفَعَلَ، فَجَاءَ إِلَيْهِ جَارُهُ فَقَالَ لَهُ: ارْجِعْ، لَا تَرَى مِنِّي شَيْئًا تَكْرَهُهُ»(140) .

تأمل في هذا الحديث المبارك كيف أمر النبي صلى الله عليه وسلم الجارَ الشاكي بالصبر والتحمُّل، وأرشده إلى طريقة حكيمة، جنَّبَه فيها ردَّ الأذى بالأذى، والشرَّ بالشرِّ.

هذا وقد وردت نماذجُ رائقة في حث الآل والأصحاب على تحمُّل أذى الجار، والصبر على ما يبدر منه، بل وتطبيق ذلك على أنفسهم، ومن هذه النماذج:

فعن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن الحسين رضي الله عنهم، قال: «كان هشام بن إسماعيل يسيء جوارنا ويؤذينا، ولقي منه علي بن الحسين أذى

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

شديدًا، فلما عُزل، أمر به الوليد أن يوقف للناس، فقال: ما أخاف إلا من علي بن الحسين، فمرَّ به عليٌّ وقد وقف عند دار مروان، وكان عليٌّ قد تقدَّم إلى خاصته ألَّا يعرض له أحدٌ منهم بكلمة، فلما مرَّ ناداه هشام بن إسماعيل: الله أعلم حيث يجعل رسالاته»(141)

هذه أخلاق بيت النبوة، انظر كيف يصبر عليّ بن الحسين رضي الله عنه على سوء معاملة جاره، تعظيمًا منه لحق الجوار، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أوصى خواصَّه ألا يتعرض لهذا الجار أحدٌ منهم ولو بكلمة، وكيف عفا عنه مع قدرته عليه، وليس هذا بغريب على علي بن الحسين رضي الله عنه، فقد فاح عبير أخلاقه وفضله في الناس أينما حلَّ، وأثنى عليه معاصروه بجميل الثناء، فهذا محمد بن شهاب الزهري يقول عنه: ما رأيتُ قرشيًّا قطُّ أفضل من علي بن الحسين، ولا أفقه منه، وقال مالك بن أنس: لم يكن في أهل البيت مثله، وقال زيد بن أسلم: ما رأيتُ فيهم مثل عليِّ بن الحسين(142) .

وَعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: «إِنَّ خِلَالَ الْمَكَارِمِ عَشْرٌ، تَكُونُ فِي الرَّجُلِ، وَلَا تَكُونُ فِي ابْنِهِ، وَتَكُونُ فِي الْعَبْدِ، وَلَا تَكُونُ فِي سَيِّدِهِ، يَقْسِمُهَا اللهُ تَعَالَى لِمَنْ أَحَبَّ: صِدْقُ الْحَدِيثِ، وَصِدْقُ الْبَأْسِ، وَإِعْطَاءُ السَّائِلِ، وَالْمُكَافَأَةُ بِالصَّنِيعِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ، وَحِفْظُ الْأَمَانَةِ، وَالتَّذَمُّمُ لِلْجَارِ، وَالتَّذَمُّمُ لِلصَّاحِبِ، وَقِرَى الضَّيْفِ، وَرَأْسُهُنَّ الْحَيَاءُ»(143) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والشاهد قولها: «التَّذمُّم للجار»: والتذمُّم: يعني الاستنكاف والاستحياء، وتذمَّم لفلان: أي حفظ ذِمامه، أي: عهده وحرمته، وطرح عن نفسه ذمَّ الناس له؛ إن لم يحفظه(144) .

ولا يكون حفظ عهد الجار وحفظ حرمته إلا بالعفو عن هفواته وزلاته، والصبر على ما كان منه، فذلك أوقع في قلبه من مجرِّد كفِّ الأذى، وهو دليلٌ على حسن خلق رفيع، يوشك أن يؤتي ثماره.

ويروى أنّ رجلًا جاء إلى ابن مسعود رضي الله عنه فقال له: «إنَّ لي جاراً يُؤْذِينِي وَيَشْتُمُنِي وَيُضَيِّقُ عَلَيَّ، فَقالَ: اِذْهَبْ، فَإِنْ هُوَ عَصَى اللهَ فِيكَ، فَأَطِعِ اللهَ فِيهِ»(145) .

إنها دعوة صادقة من الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لتحمُّل أذى الجيران، وعدم مقابلة إساءاتهم بمثلها، وهذا هو معنى الصبر على أذى الجار.

وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَشَكَا إِلَيْهِ جَارًا لَهُ فَقَالَ: «إِنْكَ إِنْ سَبَبْتَ النَّاسَ سَبُّوكَ، وَإِنْ نَافَرْتَهُمْ نَافَرُوكَ، وَإِنْ تَرَكْتَهُمْ لَمْ يَتْرُكُوكَ، وَإِنْ فَرَرْتَ مِنْهُمْ أَدْرَكُوكَ، وَإِنَّ جَهَنَّمَ تُقَادُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسَبْعِينَ أَلْفِ زِمَامٍ، كُلُّ زِمَامٍ بِسَبْعِينَ أَلْفِ مَلَكٍ»(146) .

وهذا من فقه ابن مسعود رضي الله عنه، فقد بيَّن للرجل أن معاملةَ الناس بمثل معاملتهم في السوء والشرِّ، طريقةٌ غير سديدة، وليست من الحكمة في شيء،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وتنتهي بعواقب غير محمودة، وعلى غير مرادك منها ثم ذكَّره بِعِظَم جهنم، أعاذنا الله منها، وأنها مصير كل ظالم، يريد أن يحذره من الدخول في دائرة الخصومة والظلم مع الجيران.

المبحث الرابع: إكرام الجار والإحسان إليه في تراث الآل والأصحاب

الفاعلية مع الجار مطلوبة ومندوب إليها، والإيجابية طريقك إلى قلوب جيرانك، وذلك بمبادرته بالإحسان والإكرام بشتى صوره، وتعدُّد مجالاته.

وإكرام الجار والوصاة به قد كثرت فيه النصوص وتكرَّرت، ممَّا رفع منزلة الجار منزلة كبيرة في الإسلام، وهذا يشمل جميع وجوه الإكرام والإحسان له، ولأهله ولعياله، وفي داره وفي ماله.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصاً على تربية آله وأصحابه والمسلمين من بعدهم على إكرام الجار، والإحسان إليه، وهذا ما نلمحه واضحًا صريحًا في وصاياه صلى الله عليه وسلم.

ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ»(147) ، وفي رواية: «فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ»(148) .

وذلك بالبِشر، وطلاقة الوجه، وبذل النَّدى، وكفّ الأذى، وتحمُّل ما فرط منه، ونحو ذلك(149) ، مما سيأتي بيانه بعد قليل.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وينبغي التنبيه على أن الإكرامَ والإحسانَ شيءٌ زائدٌ على كفِّ الشر، ومنع الأذى(150) ، وإن كانا داخلَيْن في معنى الإحسان.

وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «يَا أَبَا ذَرٍّ إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ مَاءَهَا، وَتَعَاهَدْ جِيرَانَكَ».

وفي رواية: «إِنَّ خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم أَوْصَانِي: إِذَا طَبَخْتَ مَرَقًا فَأَكْثِرْ مَاءَهُ، ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ، فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ»(151) .

وفي رواية: «أَوْصَانِي رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا طَبَخْتُ قِدْرًا أَنْ أُكْثِرَ مَرَقَتَهَا، فَإِنَّهُ أَوْسَعُ لِلْجِيرَانِ»(152) .

قال القرطبي رحمه الله: «قَالَ الْعُلَمَاءُ: لَمَّا قَالَ عليه الصلاة والسلام: (فَأَكْثِرْ مَاءَهَا)، نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى تَيْسِيرِ الْأَمْرِ عَلَى الْبَخِيلِ تَنْبِيهًا لَطِيفًا، وَجَعَلَ الزِّيَادَةَ فِيمَا لَيْسَ لَهُ ثَمَنٌ وَهُوَ الْمَاءُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ: إِذَا طَبَخْتَ مَرَقَةً فَأَكْثِرْ لَحْمَهَا، إِذْ لَا يَسْهُلُ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ. وَلَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:

قِدْرِي وَقِدْرُ الْجَارِ وَاحِدَةٌوَإِلَيْهِ قَبْلِي تُرْفَعُ الْقِدْرُ

وَلَا يُهْدِي النَّزْرَ الْيَسِيرَ الْمُحْتَقَرَ، لِقَوْلِهِ عليه السلام: (ثُمَّ انْظُرْ أَهْلَ بَيْتٍ مِنْ جِيرَانِكَ فَأَصِبْهُمْ مِنْهَا بِمَعْرُوفٍ)، أَيْ بِشَيْءٍ يُهْدَى عُرْفًا، فَإِنَّ الْقَلِيلَ وَإِنْ كَانَ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مِمَّا يُهْدَى فَقَدْ لَا يَقَعُ ذَلِكَ الْمَوْقِعَ، فَلَوْ لَمْ يَتَيَسَّرْ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَلْيُهْدِهِ وَلَا يَحْتَقِرْ»(153)

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ»(154) .

الفِرسِن: بكسر الفاء والسين، من البعير بمنزلة الحافر من الدابة، والظلف من الغنم، والقدم من الإنسان، وربما يستعار للشاة(155) .

ومعنى الحديث: «النَّهْيُ عَنِ الِاحْتِقارِ، نَهْيٌ لِلْمُعْطِيَةِ المُهْدِيَةِ، ومَعْناهُ لا تَمْتَنِعُ جارَةٌ مِنَ الصَّدَقَةِ والهَدِيَّةِ لِجارَتِها لِاسْتِقْلالِها واحْتِقارِها المَوْجُودَ عِنْدَها، بَلْ تَجُودُ بِما تَيَسَّرَ وإنْ كانَ قَلِيلًا كَفِرْسِنِ شاةٍ وهُوَ خَيْرٌ مِنَ العَدَمِ...، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ نَهْيًا لِلْمُعْطاةِ عَنِ الِاحْتِقارِ»(156) .

وقال القرطبي رحمه الله: «لَوْ لَمْ يَتَيَسَّرْ إِلَّا الْقَلِيلُ فَلْيُهْدِهِ للجار، وَلَا يَحْتَقِرْ، وَعَلَى الْمُهْدَى إِلَيْهِ قَبُولُهُ»(157) .

وقال المهلَّب «فيه الحضّ على التهادى والمتاحفة ولو باليسير؛ لما فيه من استجلاب المودة، وإذهاب الشحناء، واصطفاء الجيرة، ولما فيه من التعاون على أمر العيشة المقيمة للإرماق، وأيضًا فإن الهدية إذا كانت يسيرة

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فهى أدل على المودة، وأسقط للمئونة، وأسهل على المهدى لإطراح التكليف»(158)

وباب إكرام الجار والإحسان إليه كبير، ولعله عنوان بحثنا هذا، ولهذا سنسهب فيه ونفصِّل موارده، من خلال سوق نماذج مشرقة من تراث الآل والأصحاب في إكرام الجار والإحسان إليه، موزعة على مواضيع رئيسة تدل على المطلوب، مستهلِّين كل مورد بنماذج من حياة سيد الآل والأصحاب، وسيد الأولين والآخرين، رسول الله صلى الله عليه وسلم، تالِين ذلك بنماذج من حياة آله وأصحابه رضي الله عنهم.

1-الإهداء إليهم والتَّصدُّق عليهم

من باب الإحسان إلى الجار الإهداء إليه والتَّصدُّق عليه، وهذا ما نلمحه واضحًا في حياة نبينا صلى الله عليه وسلم، وحياة آله وأصحابه.

فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «أَمَرَ أَنْ تُذْبَحَ شَاةٌ فَيَقْسِمَها بَيْنَ الجِيرانِ، قالَ: فَذَبَحْتُها فَقَسَمْتُها بَيْنَ الجِيرانِ، وَدَفَعْتُ الذِّرَاعَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَكَانَ أَحَبُّ الشَّاةِ إِلَيْهِ الذِّراعَ، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: مَا بَقِيَ عِنْدَنَا مِنْهَا إِلَّا الذِّرَاعُ، قالَ: كُلُّهَا بَقِيَ إِلَّا هَذَا يَعْنِي الذِّرَاعَ»(159) .

وَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنه: «أَنَّ فَاطِمَةَ رضي الله عنها بِنْتَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَصَدَّقَتْ بِمَالِهَا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، وَأَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه تَصَدَّقَ عَلَيْهِمْ، فَأَدْخَلَ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مَعَهُمْ غَيْرَهُمْ»(160)

وَعَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَقَامَ أَيَّامًا لَمْ يَطْعَمْ طَعَامًا حَتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَطَافَ صلى الله عليه وسلم فِي مَنَازِلِ أَزْوَاجِهِ، فَلَمْ يُصِبْ عِنْدَ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ شَيْئًا، فَأَتَى فَاطِمَةَ رضي الله عنها فَقَالَ: يَا بُنَيَّةَ هَلْ عِنْدَكِ شَيْءٌ آكُلُهُ فَإِنِّي جَائِعٌ؟ فَقَالَتْ: لَا وَاللهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بَعَثَتْ جَارَةٌ لَهَا بِرَغِيفَيْنِ وَقِطْعَةِ لَحْمٍ، فَأَخَذَتْهُ مِنْهَا فَوَضَعَتْهُ فِي جَفْنَةٍ لَهَا وَغَطَّتْ عَلَيْهَا، وقالت: وَاللهِ لَأُوثِرَنَّ بِهَذَا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى نَفْسِي وَمَنْ عِنْدِي، وَكَانُوا جَمِيعًا مُحْتَاجِينَ إِلَى شِبْعَةِ طَعَامٍ، فَبَعَثَتْ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا رضي الله عنهما إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَرَجَعَ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي قَدْ أَتَى اللهُ تَعالَى بِشَيْءٍ فَخَبَّأْتُهُ لَكَ. فَقالَ صلى الله عليه وسلم: هَلُمِّي بِهِ، فَأَتَتْهُ بِهِ فَكَشَفَ عَنِ الْجَفْنَةِ فَإِذَا هِيَ مَمْلُوءَةٌ خُبْزًا وَلَحْمًا، فَلَمَّا نَظَرَتْ إِلَيْهَا بُهِتَتْ وَعَرَفَتْ أَنَّهَا بَرَكَةٌ مِنَ اللهِ عز وجل، فَحَمِدَتِ اللهَ تَعَالَى، وَصَلَّتْ عَلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقَدَّمَتْهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا رَآهُ حَمِدَ اللهَ تَعالَى وَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا يَا بُنَيَّةُ؟ فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ: ﴿مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 37]، فَحَمِدَ اللهَ تَعَالَى وَقَالَ: الْحَمْدُ لِلهِ الَّذِي جَعَلَكِ يَا بُنَيَّةُ شَبِيهَةً لِسَيِّدَةِ نِسَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ إِذَا رَزَقَهَا اللهُ شَيْئًا، فَسُئِلَتْ عَنْهُ، قَالَتْ: ﴿مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. فَبَعَثَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى عَلِيٍّ رضي الله عنه، ثُمَّ أَكَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَعَلِيٌّ وَفَاطِمَةُ وَحَسَنٌ وَحُسَيْنٌ وَجَميعُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَهْلُ بَيْتِهِ رضي الله عنهم جَمِيعًا، حَتَّى شَبِعُوا، وَبَقِيَتِ الْجَفْنَةُ كَمَا هِيَ، قَالَتْ: فَأَوْسَعْتُ بِبَقِيَّتِهَا عَلَى جَمِيعِ جِيرَانِي، وَجَعَلَ اللهُ تبارك وتعالى فِيها بَرَكَةً وَخَيْرًا كَثِيرًا»(161) .

سبحان الله جارة تُهدي فاطمةَ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأكلون ويشبعون، ثم تُهدي فاطمة رضي الله عنها جيرانَها من نفس الهدية، والجَفنة كما هي لم تَنْقُص شيئاً، حقًّا إنه بيت مبارك، وهم أولى الناس بحسن الجوار.

وَعَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ قالَ: «كَانَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ المَدِيْنَةِ يَعِيْشُوْنَ لَا يَدْرُوْنَ مِنْ أَيْنَ كَانَ مَعَاشُهُم، فَلَمَّا مَاتَ عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ رضي الله عنه، فَقَدُوا ذَلِكَ الَّذِي كَانُوا يُؤْتَوْنَ بِاللَّيْلِ»(162) .

وفيه دليل على تصدُّقه على الفقراء والمحتاجين، ومنهم قطعًا جيرانٌ له، والجار القريب أولى بالمعروف.

وَعَنْ عَمْرِو بنِ ثَابِتٍ قالَ: «لَمَّا مَاتَ عَلِيُّ بنُ الحُسَيْنِ رضي الله عنه، وَجَدُوا بِظَهْرِهِ أَثَراً، فَسَأَلُوا عَنْهُ، فَقَالُوا: هَذَا مِمَّا كَانَ يَنْقُلُ الجِرَبَ بِاللَّيْلِ عَلَى ظَهْرِهِ إِلَى مَنَازِلِ الأَرَامِلِ»(163) .

وهذه المنازل كان منها قطعًا منازل جيران له.

وَقَالَ شَيْبَةُ بنُ نَعَامَةَ: «كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام يُبَخَّلُ، فَلَّمَا مَاتَ وَجَدُوهُ يَعُولُ مِائَةَ أَهْلِ بَيْتٍ بِالْمَدِينَةِ»(164) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وَعَنِ ابْنِ سِيْرِيْنَ: «أَنَّ رَجُلًا جَلَبَ سُكَّرًا إِلَى المَدِيْنَةِ، فَكَسَدَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللهِ بنِ جَعْفَرٍ رضي الله عنه، فَأَمَرَ قَهْرَمَانَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ وَيُنْهِبَهُ النَّاسَ»(165) .

ولا شك أنَّ من بين هؤلاء المنتفعين جيرانه.

وَعَنْ أَبِي إِسْحَقَ الْمَالِكُ، قَالَ: وَجَّهَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَرٍ رضي الله عنه مَالًا جَلِيلًا هَدِيَّةً لَهُ، قَالَ: فَفَرَّقَهُ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يُدْخِلْ مَنْزِلَهُ مِنْهُ شَيْئًا»(166) .

وبالتأكيد أن جيرانه كان لهم حظٌّ وافرٌ من هذا المال، خاصة وأن عبد الله يعرف فضل الإحسان إليهم.

2-مشاركتهم لجيرانهم في أفراحهم ومسراتهم

المشاركة الوجدانية والبدنية مع الجيران من بواعث تطييب الخواطر، وتأليف القلوب، حيث السمر المباح وتوزيع البسمات.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم خير من يفعل ذلك، ويأمر به، ويعلمه آله وأصحابه.

فَعَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ: أَنَّ نَفَرًا دَخَلُوا عَلَى أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه، فَقَالُوا: حَدِّثْنَا عَنْ بَعْضِ أَخْلَاقِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «كُنْتُ جَارَهُ، فَكَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ بَعَثَ إِلَيَّ فَأَكْتُبُ الْوَحْيَ، فَكُنَّا إِذَا ذَكَرْنَا الدُّنْيَا ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الْآخِرَةَ ذَكَرَهَا مَعَنَا، وَإِذَا ذَكَرْنَا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ مَعَنَا، فَكُلَّ هَذَا أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ»(167) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وَعَنْ أَيُّوبِ بْنِ سَيَّارٍ: أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعَثَ بِابْنَتِهِ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ جَعْفَر، فَقَالَ: إِنَّا نُرِيدُ أَنْ نُخْدِرَها، وَقَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ تَمْسَحَ بِيَدِكَ عَلَى نَاصِيَتِها وَتَدْعُوَ لَهَا بِالْبَرَكَةِ. قَالَ: فَأَقْعَدَهَا فِي حَجْرِهِ، وَمَسَحَ نَاصِيَتَها، وَدَعَا لَهَا بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ دَعَا مَوْلًى لَهُ فَسَارَّهُ بِشَيْءٍ، فَذَهَبَ الْمَوْلى ثُمَّ جَاءَ، فَأَتَاهُ بِشَيْءٍ، فَصَرَّهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَر فِي خِمارِ الفَتاةِ ثُمَّ دَفَعَهَا إِلَى الرَّسُولِ. قَالَ: فَنَظَرُوا فَإِذا لُؤْلُؤَةٌ، فأُخْرِجَتْ إِلَى السُّوقِ لِتُباعَ فعُرِفَتْ، وَقِيلَ: لُؤْلُؤَةُ ابْنِ جَعْفَر، حَبَا بِها ابْنَةَ جَارِهِ، قَالَ: فَبِيعَتْ بِثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَم»(168) .

3-عيادتهم مرضى جيرانهم، وتعزيتهم في مصائبهم

عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: «كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَمَرِضَ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعُودُهُ، فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ، فَقَالَ لَهُ: أَسْلِمْ، فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهُوَ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ: أَطِعْ أَبَا القَاسِمِ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْلَمَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ»(169) .

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه، قَالَ: «قَبَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يَعْنِي مَيِّتًا، فَلَمَّا فَرَغْنَا، انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، وَانْصَرَفْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا حَاذَى بَابَهُ وَقَفَ، فَإِذَا نَحْنُ بِامْرَأَةٍ مُقْبِلَةٍ، قَالَ: أَظُنُّهُ عَرَفَهَا فَلَمَّا ذَهَبَتْ، إِذَا هِيَ فَاطِمَةُ عليها السلام، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَا أَخْرَجَكِ يَا فَاطِمَةُ مِنْ بَيْتِكِ؟ فَقَالَتْ: أَتَيْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ فَرَحَّمْتُ إِلَيْهِمْ مَيِّتَهُمْ أَوْ عَزَّيْتُهُمْ بِهِ»(170)

4-التوسعة على الجيران

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: «كَانَتْ لِلْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ دَارٌ إِلَى جُنُبِ الْمَسْجِدِ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: هَبْهَا لِي أَوْ بِعْنِيهَا، حَتَّى أُدْخِلَهَا فِي الْمَسْجِدِ. فَأَبَى. قَالَ: فَاجْعَلْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ بَيْنَهُمَا. قَالَ: فَقَضَى أُبَيٌّ عَلَى عُمَرَ. قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ: مَا فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَحَدٌ أَجْرَأُ عَلَيَّ مِنْ أُبَيٍّ. قال: أَوَ أَنْصَحُ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ أَمَا عَلِمْتَ قِصَّةَ الْمَرْأَةِ أَنَّ دَاوُدَ لَمَّا بَنَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَدْخَلَ فِيهِ بَيْتَ امْرَأَةٍ بِغَيْرِ إِذْنِهَا، فَلَمَّا بَلَغَ حُجَرَ الرِّجَالِ مُنِعَ بِنَاؤُهُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ؛ إِذْ مَنَعْتَنِي فَفِي عَقِبِي مِنْ بَعْدِي. فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ، قَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: أَلَيْسَ قَدْ قَضَيْتَ لِي؟ قَالَ: بَلَى. قَالَ: فَهِيَ لَكَ قَدْ جَعَلْتُهَا للهِ».

وفي لفظ آخر: «أَمَّا إِذْ فَعَلْتَ هَذَا فَإِنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أُوَسِّعُ بِهَا عَلَيْهِمْ فِي مَسْجِدِهِمْ»(171) .

والشاهد أن العباس رضي الله عنه تصدَّق بهذا الجزء من داره، ليوسِّع على

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المسلمين في مسجدهم، لكنه فعل ذلك بطيب نفس، وليس بإجبار بعد أن قضى له أبيّ رضي الله عنه.

ومن باب التوسعة على الجار أن يسمح له بتشييد بيته، وغرس خشبه، ولو في جدار بيت جاره، وقد سبق معنا ذكر ما يدل على ذلك.

وَعَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رضي الله عنه، أَخِي عَبْدِ اللهِ، قَالَ: «كَانَ لِلعَبَّاسِ مِيزَابٌ عَلَى طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَلَبِسَ عُمَرُ ثِيَابَهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ كَانَ ذُبِحَ لِلعَبَّاسِ فَرْخَانِ، فَلَمَّا وَافَى الْمِيزَابَ، صُبَّ مَاءٌ بِدَمِ الْفَرْخَيْنِ، فَأَصَابَ عُمَرَ وَفِيهِ دَمُ الْفَرْخَيْنِ، فَأَمَرَ عُمَرُ بِقَلْعِهِ، ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ، فَطَرَحَ ثِيَابَهُ، وَلَبِسَ ثِيَابًا غَيْرَ ثِيَابِهِ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الْعَبَّاسُ، فَقَالَ: وَاللهِ إِنَّهُ لَلْمَوْضِعُ الَّذِي وَضَعَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ عُمَرُ لِلعَبَّاسِ: وَأَنَا أَعْزِمُ عَلَيْكَ لَمَّا صَعِدْتَ عَلَى ظَهْرِي حَتَّى تَضَعَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَفَعَلَ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ رضي الله عنه»(172) .

وَعَنْ أَبِي هَارُونَ الْمَدَنِيِّ، قَالَ: «كَانَ فِي دَارِ الْعَبَّاسِ مِيزَابٌ يَصُبُّ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَاءَ عُمَرُ فَقَلَعَهُ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم هُوَ وَضَعَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ: عُمَرُ: لَا يَكُونُ لَكَ سُلَّمٌ إِلَّا ظَهْرِي حَتَّى تَرُدَّهُ مَكَانَهُ»(173) .

فيُجمع بين الروايات أنه كان للدار المذكورة ميزابان: ميزاب يصب في المسجد، وميزاب يصب في الطريق، واتَّفق في كلٍّ منهما قصة، والشاهد أن عمر رضي الله عنه تراجع عن قراره بخلع ميزاب العباس رضي الله عنه، لأنه علم أن الذي وضعه هو النبي صلى الله عليه وسلم، وقد كان العباس جارًا للمسجد، فلم يؤذه عمر في داره.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

5-الحرص على مصلحة الجار

عَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ أَخَاهُ مَالِكًا قَالَ: «إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أَخَذَ جِيرَانِي، فَانْطَلِقْ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَدْ عَرَفَكَ وَلَمْ يَعْرِفْنِي، وَكَلَّمَكَ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ فَقَالَ: دَعْ لِي جِيرَانِي. فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا أَسْلَمُوا. فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ قالَ: أَرْسِلُوا لَهُ جِيرَانَهُ»(174) .

ولك أن تنظر إلى حرص مالك بن حيدة رضي الله عنه على جيرانه وحبِّه لهم، ومسؤوليته تجاههم، وما كان ذلك منه إلا لتعظيمه لحق الجوار، وعِلمه بعظم حقهم عليه.

6-الذَّبُّ عن الجار

عن دعبل بن علي: «عَبِثَ عَطَّارٌ اسْمُهُ فَيْرُوزٌ بِامْرَأَةٍ مِنَ الشَّامِ تَسُومُهُ عِطْرًا فَعَلَقَتْ بِقَلْبِهِ، فَقَعَدَ لَها عَلَى طَرَيقِهَا، فَلَمَّا أَضْجَرَهَا قالَتْ: وَاللهِ لَوْ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بنِ سَبْرَةَ بِقُرْبِي مِا طَمِعْتَ فَي هَذا مِنِّي. فَبَلَغَتْ عَبْدَ اللهَ بنَ سَبْرَةَ هَذِهِ الكَلَمَةُ وَهُوَ فِي البَعْثِ بِأَرْمِينِيَّةَ، فَتَرَكَ مَرْكِزَهُ وَأَقْبَلَ لَا يَلْوِي عَلى أَحَدٍ، حَتَّى وَقَفَ بَبابَها لَيْلًا، وَكانَ يُوصَفُ بَشَدَّةِ الغَيْرَةِ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْها، فَأَذِنَتْ لَهُ، فَقالَ لَها: أَيَّتُها المَرْأَةُ مَنْ هَذا الذِي عَبِثَ بِكِ حَتَّى تَمَنَّيْتِ أَنِّي بِقُرْبِكِ؟ قالَتْ: رَجُلٌ عَطَّارٌ، قالَ لَها: فَعِدِيهِ اللَّيْلَةَ القابِلَةَ، وَإِنَّي أَسْبِقُهُ إِلى بَيْتِكِ. فَبَعَثَتْ إِلَيْهِ تَقُولُ لَهُ: إِذْ أَبَيْتَ إِلَّا ما تُريدُ، فَهَلُمَّ إَلى بَيْتِي اللَّيْلَةَ عِنْدِي. فَأَقْبَلَ إِلَيْها وَقَدْ سَبَقَهُ ابنُ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سَبْرَةَ، فَلَمَّا دَخَلَ وَثَبَ عَلَيْهِ وَضَرَبَهُ ضَرْبَةً رَمَى بِرَأْسِهِ، ثُمَّ ناوَلَها مَائَةَ دَينارٍ، وَقالَ لَها: اشْتَرِي بِها خادِمًا، وَانْفِقِي باقِيها عَلَى نَفْسِكِ»(175)

نِعْم المروؤة، ونِعْم النَّجدة، من هذا الجار الذي يذُبّ عن عِرْض جارته كأنه عِرْضه، وكأنها من محارمه، لم لا؟ وللعِرض مكانة عظيمة عند العرب قبل إسلامهم، وكانوا يفتخرون بشرفهم وطهارتهم، وكانوا يحافظون على أعراضهم، ويفدونه بالغالي والنفيس، كما قال قائلهم:

أَصونُ عِرْضي بِمالي لا أُدنِّسُهلا باركَ اللهُ بعد العِرْض بالمالِ

فلما جاء الإسلام؛ أقرَّ العربَ على الحرص على العِرض، بل وجعل الموت دفاعًا عنه شهادة، فقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ»(176) ، فرضي الله عن عبد الله بن سبرة.

وَعَنِ الْمَدَائِنِيِّ، قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنهما: «مَا الْمُرُوءَةُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ؟ قَالَ: فِقْهُ الرَّجُلِ فِي دِينِهِ، وَإِصْلاحُ مَعِيشَتِهِ، وَحُسْنُ مُخَالَقَتِهِ. قَالَ: فَمَا النَّجْدَةُ؟ قَالَ: الذَّبُّ عَنِ الْجَارِ، وَالإِقْدَامُ عَلَى الْكَرِيهَةِ، وَالصَّبْرُ عَلَى النَّائِبَةِ. قَالَ: فَمَا الْجُودُ؟ قَالَ: التَّبَرُّعُ بِالْمَعْرُوفِ، وَالإِعْطَاءُ قَبْلَ السُّؤَالِ، وَالإِطْعَامُ فِي الْمَحْلِ»(177) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

7-الإيثار بين الجيران

قالَ أَنَسُ بنُ مالِكٍ رضي الله عنه: «أُهْدِيَ لِبَعْضِ الصَّحابَةِ رَأْسَ شاةٍ مَشْوِيٍّ وَكانَ مَجْهودًا، فَوَجَّهَهُ إِلى جارٍ لَهُ، فَتَناوَلَهُ تِسْعَةُ أَنْفُسٍ، ثُمَّ عادَ إِلى الأَوَّلِ، فَأَنْزَلَ اللهُ سُبْحانَهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]»(178) .

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ: مَا مَعَنَا إِلَّا المَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ يَضُمُّ أَوْ يُضِيفُ هَذَا؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا، فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ، فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلَّا قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلَا يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلَانِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: ضَحِكَ اللهُ اللَّيْلَةَ، أَوْ عَجِبَ، مِنْ فَعَالِكُمَا، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9]»(179) .

لقد وصل الحال بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن آثروا إخوانهم بحياتهم، وهذا غاية الجود، ومنتهى البذل والعطاء.

ففي غزوة اليرموك يقول عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه: قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن، وأفرُّ منكم اليوم؟! ثمَّ نادى: مَن يبايع على الموت؟

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فبايعه عمُّه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور، في أربعمائة مِن وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدَّام فسطاط خالد حتى أُثْبِتُوا جميعًا جراحًا، وقُتِل منهم خلقٌ، منهم ضرار بن الأزور رضي الله عنهم،...، فلمَّا صُرعوا مِن الجراح استسقَوا ماءً، فجيء إليهم بشربة ماء، فلمَّا قُرِّبت إلى أحدهم نظر إليه الآخر، فقال: ادفعها إليه. فلما دُفِعَت إليه نظر إليه الآخر، فقال: ادفعها إليه. فتدافعوها كلُّهم مِن واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعًا، ولم يشربها أحد منهم، رضي الله عنهم أجمعين(180)

وهذا من معالم الإيثار بين الجيران أيضًا باعتبار الجوار المكاني، ووجود هؤلاء الكرام في موضع واحد، فهم جيران بأحد معاني الكلمة.

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه، قَالَ: «أُهْدِيَ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم رَأْسُ شَاةٍ، فَقَالَ: إِنَّ أَخِي فُلَانًا وَعِيَالَهُ أَحْوَجُ إِلَى هَذَا مِنَّا، قَالَ: فَبَعَثَه إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَبْعَثُ بِهِ وَاحِدٌ إِلَى آخَرَ، حَتَّى تَدَاوَلَتْهَا سَبْعَةُ أَبْيَاتٍ، حَتَّى رَجَعَتْ إِلَى الْأَوَّلِ، وَنَزَلَتْ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ»(181) .

8-جارُ الدار أحقّ بالدار

من معالم حسن الجوار التي أقرَّها الإسلام وحثَّ عليها أتباعه، وتمسَّك بها آل البيت والصحابة، أن جار الدار أحقُّ بها عند البيع.

فَعَنْ

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ رضي الله عنه، قَالَ: «وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه، فَجَاءَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيَّ، إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: يَا سَعْدُ ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ فِي دَارِكَ؟ فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا، فَقَالَ المِسْوَرُ: وَاللهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا، فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللهِ لَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ مُنَجَّمَةً، أَوْ مُقَطَّعَةً، قَالَ أَبُو رَافِعٍ: لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ، وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ»، مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَأَنَا أُعْطَى بِهَا خَمْسَ مِائَةِ دِينَارٍ، فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ»(182)

قال ابن المهلب : «لما كان الجارُ أحقَّ بالبيع، وجَب أن يكون أحقَّ مَنْ يُرْفَق به في الثمن، حتى لا يُغْبَن في شيء، ولا يدخله عروض بأكثر من قيمتها»(183) .

ولك أن تتأمل كيف كان آل البيت والصحابة يراقبون الله تعالى في أعمالهم، هذا أبو رافع رضي الله عنه يريد أن يبيع بيتَيْه، وقد عَرض عليه المشترون مبلغًا كبيرًا، فعرضه على جاره سعد رضي الله عنه بأقل من هذا الثمن، تعظيمًا لحق الجوار، وعملًا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرضي الله عن الصحابة الكرام.

وهذا الصنيع من أبي رافع يدل على حسن جواره، وإلزامه لنفسه بهذا الأمر، حتى وإن لم يكن واجبًا في الشرع، لأن مسألة ثبوت حق الشفعة للجار موضع خلاف بين العلماء.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بل بلغ الأمر بهؤلاء الأبرار أن يعرِض ثمن الجوار للبيع، ليبين للناس أثر الجوار، وعظيم فضله، وأن البيت يزيد ثمنه بالجار الطيب الصالح.

فهذا أبو الجهم العدوي رضي الله عنه يبيع داره، فلما أرادوا الإشهاد عليه قال: بكم تشترون مني جوار سعيد بن العاص؟ قالوا: سبحان الله! وهل رأيتَ أحدًا يشتري جوار أحد، أو يبيعه؟ قال: لا تشترون مني جوار إنسان إن أسأتُ إليه أحسن؟ لا أريد أن أبيعكم شيئًا، رُدُّوا عليَّ داري، فبلغ ذلك سعيدًا فبعث إليه بألف دينار.

وفي رواية: باع أبو الجهم العدوي داره بمائة ألف درهم، ثم قال: بكم تشترون جوار سعيد بن العاص؟ قالوا: هل يُشترى جوار قط؟ قال: رُدُّوا عليَّ داري، وخذوا مالكم، ما أدع جوار رجل إن قعدتُ سأل عني، وإن رآني رحَّب بي، وإن غبتُ حفظني، وإن شهدتُ قرَّبني، وإن سألتُه قضى حاجتي، وإن لم أسأله بدأني، وإن نابتني جائحة فرَّج عني. فبلغ ذلك سعيدًا فبعث إليه مائة ألف درهم(184) .

فانظر كيف كان سعيد بن العاص رحمه الله حسَنَ الجوارِ، وكيف كانت أخلاقه، وكيف بَذْله وإحسانه وحسن عشرته مع جاره، حتى إذا احتاج جاره لبيع داره واضطر لمفارقة هذا الجوار اشترط على المشترين ثمناً لهذا الجوار، غير ثمن الدار، بل انظر إلى سعيد كيف فعل مع جاره بعد عِلْمه بهذه الواقعة، والله إن مثل هذا الجوار لا يُقدَّر بثمن، فرضي الله عن سعيد.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

9-رفع الكُلْفة بين الجيران

عَنْ وَبَرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ شَيْخٍ مِنَ التَّيْمِ قَالَ: «كُنَّا مَعَ سَعْدٍ بِمِنًى فَلَمْ يُضَحِّ، ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى جِيرَانٍ لَهُ أَطْعِمُونَا مِنْ أُضْحِيَّتِكُمْ»(185) .

انظر كيف هي سماحة أخلاق سعد رضي الله عنه، وكيف لم يجد في نفسه حرجًا أن يسأل جيرانه في الموقف أن يُطعموه من أضحيتهم، ولم يتكلَّف أو يستحِ منهم، لِعِلْمه بمكانة الجوار، وأن الجيران إخوة، ولعله فعل ذلك تعليمًا لهم.

وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنها، قَالَتْ: «كَانَتْ يَدُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي مَالِ أَبِي بَكْرٍ وَيَدُ أَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً حِينَ حَجَّا»(186) .

والمقصود: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتصرَّف في مال أبي بكر رضي الله عنه كيف يشاء، دون حرج أو استحياء، وكأنه ماله، وليس مال أبي بكر، وكذا أبو بكر، ولم لا؟ وهما خير إخوة، وخير جيران، وخير أصحاب، والجوار بين النبي صلى الله عليه وسلم والصديق وإن لم يكن جوار بيت، فهو جوار قلب، وجوار مجلس، وجوار ملازمة.

10-تفقد أحوال الجيران وقضاء مصالحهم

رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه خَرَجَ لَيْلَةً فِي سَوَادِ اللَّيْلِ فَرَأَهُ طَلْحَةُ رضي الله عنه، فَذَهَبَ عُمَرُ فَدَخَلَ بَيْتًا، ثُمَّ دَخَلَ بَيْتًا آخَرَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ طَلْحَةُ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الْبَيْتِ، فَإِذَا بِعَجُوزٍ عَمْيَاءَ مُقْعَدَةٍ، فَقَالَ لَهَا: مَا بَالُ هَذَا الرَّجُلِ يَأْتِيكِ؟

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قَالَتْ: إِنَّهُ يَتَعَاهَدُنِي مُنْذُ كَذَا وَكَذَا، يَأْتِينِي بِمَا يُصْلِحُنِي، وَيُخْرِجُ عَنِّي الْأَذَى، فَقَالَ طَلْحَةُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا طَلْحَةُ أَعَثَرَاتِ عُمَرَ تَتْبَعُ؟»(187)

تخيَّل هذا الأمر، أمير المؤمنين يسعى بنفسه على قضاء حوائج جيرانه، مع عظم مسؤوليته تجاه الأمة جميعًا، وثقل الأعباء الملقاة على عاتقه، ويجد وقتًا وسط كل هذه الهموم والمشاغل؛ ليتفقَّد أحوال جيرانه، ويقضي حوائجهم، ويجِدّ في خدمتهم، وهذا مِن عِلْمه بِعظَم حق الجار، وعلمه بمنزلته ومكانته.

11-مشاركة الجار الطعام لاسيما اليتيم

عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ قَالَ: «كَانَ هَا هُنَا رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُقَالُ لَهُ صُؤَابٌ، كَانَ لَا يَضَعُ خِوَانَهُ إِلَّا دَعَا يَتِيمًا أَوْ يَتِيمَيْنِ»(188) .

سبحان الله!! يُوضع له الطعام، وينتظر حتى يجد يتيمًا أو يتيمَين يأكلان معه، وهذا دليل على أن بيوت هؤلاء اليتامى قريبةٌ من بيته، وبهذا يكون قد جُمِع له فضلان، فضل إكرام الجار، وفضل الإحسان إلى اليتيم، فرضي الله عن صؤاب.

وَعَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «لَا يَشْبَعُ الرَّجُلُ دُونَ جَارِهِ»(189) .

وَعَنْ ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

«لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَشْبَعُ وجارهُ جَائِع»(190)

إن هذه شواهد حية على جود آل البيت والصحابة وبخاصة على جيرانهم، وهذا أيضًا من معالم حسن الجوار.

12-العفو عن زلات الجار لاسيما إن كان ذا منزلة

في قصة زواج ربيعة بن كعب الأسلمي، قَالَ ربيعةُ رضي الله عنه: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَعْطَانِي بَعْدَ ذَلِكَ أَرْضًا، وَأَعْطَى أَبَا بَكْرٍ أَرْضًا، وَجَاءَتِ الدُّنْيَا فَاخْتَلَفْنَا فِي عِذْقِ نَخْلَةٍ، فَقُلْتُ أَنَا: هِيَ فِي حَدِّي، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هِيَ فِي حَدِّي، فَكَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ كَلَامٌ، فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ كَلِمَةً كَرِهَهَا وَنَدِمَ، فَقَالَ لِي: يَا رَبِيعَةُ رُدَّ عَلَيَّ مِثْلَهَا حَتَّى تَكُونَ قِصَاصًا، قَالَ: قُلْتُ: لَا أَفْعَلُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَتَقُولَنَّ أَوْ لَأَسْتَعْدِيَنَّ عَلَيْكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، قَالَ: وَرَفَضَ الْأَرْضَ وَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَانْطَلَقْتُ أَتْلُوهُ، فَجَاءَ نَاسٌ مِنْ أَسْلَمَ فَقَالُوا لِي: رَحِمَ اللهُ أَبَا بَكْرٍ، فِي أَيِّ شَيْءٍ يَسْتَعْدِي عَلَيْكَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ قَالَ لَكَ مَا قَالَ؟ فَقُلْتُ: أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ هَذَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، هَذَا ثَانِيَ اثْنَيْنِ، وَهَذَا ذُو شَيْبَةِ الْمُسْلِمِينَ، إِيَّاكُمْ لَا يَلْتَفِتُ فَيَرَاكُمْ تَنْصُرُونِي عَلَيْهِ فَيَغْضَبَ فَيَأْتِيَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَيَغْضَبَ لِغَضَبِهِ، فَيَغْضَبَ اللهُ عز وجل لِغَضَبِهِمَا فَيُهْلِكَ رَبِيعَةَ، قَالُوا: مَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: ارْجِعُوا، قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَتَبِعْتُهُ وَحْدِي، حَتَّى أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَحَدَّثَهُ الْحَدِيثَ كَمَا كَانَ، فَرَفَعَ إِلَيَّ رَأْسَهُ فَقَالَ: يَا رَبِيعَةُ، مَا لَكَ وَلِلصِّدِّيقِ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَانَ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كَذَا كَانَ كَذَا، قَالَ لِي كَلِمَةً كَرِهَهَا، فَقَالَ لِي: قُلْ كَمَا قُلْتُ حَتَّى يَكُونَ قِصَاصًا، فَأَبَيْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: أَجَلْ فَلَا تَرُدَّ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ قُلْ: غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ، قَالَ الْحَسَنُ: فَوَلَّى أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه وَهُوَ يَبْكِي»(191)

والله إن رجلًا له مقام كبير، ومنزلة رفيعة عالية، كأبي بكر الصديق رضي الله عنه، لَأولى الناس بالعفو إن صدرت منه زلة، أو وقعت منه هفوة، كيف لا؟! وقد أنزل الله فيه آياتٍ من الذكر الحكيم نبَّهتْ على فضله ومكانته، كيف لا؟! وقد قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ»(192) ، فكيف إذا جاورك، واجتمعت مع مكانته، مكانةُ الجوار؟ فهذا أولى بالتقدير من غيره.

13-التسليم على الجار عند قدومه من سفر

من حقوق الجار على جاره التسليم عليه عند قدومه من سفر.

فَعَنْ أَبي عَمَّارٍ، قالَ: حَدَّثَنِي جَارٌ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه، قَالَ: «قَدِمْتُ مِنْ سَفَرٍ فَجَاءَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ يُسَلِّمُ عَلَيَّ»(193) .

14-التعاون على البر والتقوى

فَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه، قَالَ: «كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ، وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ»(194)

نِعْم الجار الذي يعينك على طاعة الله، والتفقه في الدين، فهذا والله أعلى درجات الإحسان، فإن فضل العِلْم كبير عند الله، ودرجة أهله عالية، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»(195) ، فهذا جوارٌ عاقبتُه خيرٌ بإذن الله تعالى.

15-وللحيوان نصيب من حسن الجوار

فَعَنْ سَعِيدِ بْنِ شَيْبَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ رَأَى عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ رضي الله عنه: «يَفُتُّ الْخُبْزَ لِلنَّمْلِ»(196) .

هذا الكريم عدي رضي الله عنه هو ابن حاتم الطائي أشهر الناس كرمًا في الجاهلية، لما أسلم، وعاين بنفسه كيف كان كرم النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه يعطي عطاءَ من لا يخشى الفاقة؛ زاده الإسلام كرمًا وإحسانًا، فشمل كرمُه الإنسانَ والحيوانَ؛ حتى إنه يفتُّ الخبز للنمل ويعتقد أنّ لها حقاً في الجوار.

16-حسن الجوار في العبادة

عَنْ صَفْوان بنِ مُحْرِزٍ، قالَ: «كُنْتُ أُصَلِّي خَلْفَ المَقامِ وَإِلى جَنْبِي رَجُلٌ

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مِنْ أَصْحابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم نَحْسَبُهُ ثابِتَ بنَ مَسْعودٍ، قالَ: وَكُنْتُ إِذا جَهَرْتُ بِالقِراءَةِ، خَفَضَ صَوْتَهُ، فَلَمْ أَرَ جارًا أَحْسَنَ مِنْ جِوارِهِ، وَكُنْتُ إِذا تَتَعْتَعْتُ فَتَحَ عَلَيَّ، فَلَمَّا انْصَرَفْتُ دَخَلْتُ الطَّوافَ، فَلَحِقَنِي، فَأَخَذَ بَيَدِي، فَقالَ: إِنَّ الأَرْواحَ جُنودٌ مُجَنَّدَةٌ»(197)

انظر كيف يتسع مفهوم الجوار عندهم، ليشمل كل مكان يجمعك بأي أحد، سواء كان مكانًا للتجارة كالسوق، أو مكانًا للعبادة كالمسجد، أو غير ذلك.

فهذا ثابت بن مسعود رضي الله عنه يحسن جوار مَن يقف إلى جانبه، وهما يصليان، ويحفظ وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ عز وجل، فَلْيَنْظُرْ مَا يُنَاجِيهِ، وَلَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ»(198) .

أخيرًا...

نختم هذه الرحلة الماتعة في مسألة الجوار، وحسنه، وفضله، وآدابه، وما كان عليه السلف الصالح من الآل والأصحاب رضوان الله تعالى عليهم من تعظيم للجار، وإنزاله منزلة النفس، وغير ذلك، أقول نختم هذه الرحلة بحادثتين جليلتين لصحابيين جليلين نبين فيهما كيف أن الجوار لا يقتصر على الأحياء، بل يشمل ذلك الأموات، وأن الواحد قد يبذل الغالي والنفيس من أجل الحفاظ على هذا الجوار، وليس هناك أعظم من جوار الحبيب المصطفى بأبي هو أمي صلى الله عليه وسلم، فإن جواره أعظم الجوار حيًّا وميتًا، وهنيئًا لمن ظفر

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بذلك، فيا لسعادته، ويا لهناءته، ويا لبشراه.

أما الحادثة الأولى : فهي للفاروق عمر رضي الله عنه:

عندما طُعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أراد ألا يحرم من شرف الصحبة مع النبي صلى الله عليه وسلم، والجيرة له، فقال لابنه عبد الله: «انْطَلِقْ إِلَى عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ، فَقُلْ: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ السَّلَامَ، وَلَا تَقُلْ: أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، فَإِنِّي لَسْتُ اليَوْمَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَمِيرًا، وَقُلْ: يَسْتَأْذِنُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَسَلَّمَ وَاسْتَأْذَنَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهَا، فَوَجَدَهَا قَاعِدَةً تَبْكِي، فَقَالَ: يَقْرَأُ عَلَيْكِ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ السَّلَامَ، وَيَسْتَأْذِنُ أَنْ يُدْفَنَ مَعَ صَاحِبَيْهِ، فَقَالَتْ: كُنْتُ أُرِيدُهُ لِنَفْسِي، وَلَأُوثِرَنَّ بِهِ اليَوْمَ عَلَى نَفْسِي، فَلَمَّا أَقْبَلَ، قِيلَ: هَذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، قَدْ جَاءَ، قَالَ: ارْفَعُونِي، فَأَسْنَدَهُ رَجُلٌ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا لَدَيْكَ؟ قَالَ: الَّذِي تُحِبُّ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَذِنَتْ، قَالَ: الحَمْدُ لِلهِ، مَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ أَهَمُّ إِلَيَّ مِنْ ذَلِكَ»(199) .

وأما الحادثة الثانية : فهي لذي النورين عثمان رضي الله عنته:

في حادثة الخوارج الذين خرجوا على عثمان رضي الله عنه: قال معاوية لعثمان رضي الله عنهما غداة وَدَّعه وخرج: يا أمير المؤمنين انطلق معي إلى الشام قبل أن يهجم عليك من لا قِبَل لك به، فإن أهل الشام على الأمر، لم يزولوا عنه، فقال: أنا أبيع جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء؛ وإن كان فيه قطعُ خيط عنقي؟! قال: فأبعث إليك جنداً منهم، يقيم بين ظهراني المدينة لِنائبةٍ إنْ نابت المدينةَ أو إيَّاك، قال: أنا أُقَتِّر على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرزاق بجُندٍ يساكنهم، وأُضيِّق على

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أهل دار الهجرة والنصرة؟! قال: يا أمير المؤمنين لَتُغْتالَنَّ أولَتُغْزَنَّ، فقال: حسبي الله ونعم الوكيل(200)

أكثر هذه الأمة حياءً عثمان بن عفان رضي الله عنه يتعرَّض لفتنة عظيمة، ويخرُج عليه أناسٌ لا خلاق لهم، يريدون خلعه من الخلافة، بل قد يقتلونه، ويَعرِض عليه معاوية رضي الله عنه أن يتحوَّل معه إلى الشام لِيأْمن على حياته هناك، حيث أهل الشام وقتها لا يزالون على الطاعة، فيرفض عثمان رضي الله عنه أن يترك جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كان سيؤدي ذلك إلى قتله؛ حبًّا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولجواره الشريف، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»(201) ، فيعرض معاوية على عثمان رضي الله عنهما أن يبعث إليه جندًا يحمونه ويحمون المدينة من عبث هؤلاء الخوارج، فيرفض أيضًا خشية أن تضيق أرزاق أهل المدينة؛ جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا العدد من الجند، وخشية أن تضيق بهم الطرق، وتضيق عليهم الأرزاق!

هل سمعتَ بحفظ جوارٍ وتعظيمٍ لحق الجوار أفضل وأعظم من فعل عثمان رضي الله عنه؟! يُعرِّض نفسه للقتل مقابل حفظه لجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرضي الله عن عثمان.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 97 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

فهرس مراجع البحث

القران الكريم

الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (المتوفى: 354هـ)، شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1408 هـ - 1988 م.

إحياء علوم الدين، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505هـ)، دار المعرفة - بيروت.

الآداب الشرعية والمنح المرعية، محمد بن مفلح بن محمد بن مفرج، أبو عبد الله، شمس الدين المقدسي الرامينى ثم الصالحي الحنبلي (المتوفى: 763هـ)، عالم الكتب.

الأدب المفرد للإمام البخاري، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أبو عبد الله (المتوفى: 256هـ)، دار الصديق للنشر والتوزيع، الطبعة الرابعة، 1418 هـ - 1997 م

إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل، محمد ناصر الدين الألباني (المتوفى: 1420هـ)، المكتب الإسلامي - بيروت، الطبعة الثانية 1405 هـ - 1985م.

أساس البلاغة، أبو القاسم محمود بن عمرو بن أحمد، الزمخشري جار الله (المتوفى: 538هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1419 هـ - 1998 م.

أسد الغابة في معرفة الصحابة، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير (المتوفى:

630هـ)، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1415هـ 1994 م.

الإصابة في تمييز الصحابة، أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت، الطبعة الأولى، 1415 هـ.

الأم، الشافعي أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن عبد المطلب بن عبد مناف المطلبي القرشي المكي (المتوفى: 204هـ)، دار المعرفة - بيروت، الطبعة الأولى، 1410هـ/1990م.

الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي الحنبلي (المتوفى: 885هـ)، دار إحياء التراث العربي.

بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث، أبو محمد الحارث بن محمد بن داهر التميمي البغدادي الخصيب المعروف بابن أبي أسامة (المتوفى: 282هـ)، أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان بن أبي بكر الهيثمي (المتوفى: 807 هـ)، مركز خدمة السنة والسيرة النبوية - المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 1413 - 1992.

البناية شرح الهداية، أبو محمد محمود بن أحمد بن موسى بن أحمد بن حسين الغيتابى الحنفى بدر الدين العينى (المتوفى: 855هـ)، دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، 1420 هـ - 2000 م.

بهجة المجالس وأنس المجالس، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ).

البيان في مذهب الإمام الشافعي، أبو الحسين يحيى بن أبي الخير بن سالم العمراني اليمني الشافعي (المتوفى: 558هـ)، دار المنهاج - جدة، الطبعة الأولى، 1421 هـ - 2000 م.

تاريخ بغداد، أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت بن أحمد بن مهدي الخطيب البغدادي (المتوفى: 463هـ)، دار الغرب الإسلامي بيروت، الطبعة الأولى، 1422هـ

2002 م.

تاريخ دمشق، أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله المعروف بابن عساكر (المتوفى: 571هـ)، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1415 هـ - 1995 م.

تحفة المحتاج في شرح المنهاج، أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي، المكتبة التجارية الكبرى بمصر، الطبعة الأولى، 1357 هـ - 1983 م.

التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان وتمييز سقيمه من صحيحه، وشاذه من محفوظه، محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ، التميمي، أبو حاتم، الدارمي، البُستي (المتوفى: 354هـ)، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420هـ)، دار با وزير للنشر والتوزيع، جدة - المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1424 هـ - 2003 م.

تهذيب اللغة، محمد بن أحمد بن الأزهري الهروي، أبو منصور (المتوفى: 370هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى، 2001م.

التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب، خليل بن إسحاق بن موسى، ضياء الدين الجندي المالكي المصري (المتوفى: 776هـ)، مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث، الطبعة الأولى، 1429هـ - 2008م.

التوقيف على مهمات التعاريف، زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031هـ)، عالم الكتب - القاهرة، الطبعة الأولى، 1410هـ - 1990م.

تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي (المتوفى: 1376هـ)، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى 1420هـ - 2000 م.

التيسير بشرح الجامع الصغير، زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031هـ)، مكتبة الإمام الشافعي - الرياض، الطبعة الثالثة، 1408هـ - 1988م.

الجامع الكبير - سنن الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (المتوفى: 279هـ)، دار الغرب الإسلامي - بيروت، الطبعة الأولى، 1998 م.

الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه = صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة الأولى، 1422هـ.

الجامع لأحكام القرآن = تفسير القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671هـ)، دار الكتب المصرية، القاهرة، الطبعة الثانية، 1384هـ - 1964 م.

حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: 430هـ)، السعادة - بجوار محافظة مصر، الطبعة الأولى، 1394هـ - 1974م.

درر الحكام شرح غرر الأحكام، محمد بن فرامرز بن علي الشهير بملا - أو منلا أو المولى - خسرو (المتوفى: 885هـ)، دار إحياء الكتب العربية.

دقائق أولي النهى لشرح المنتهى المعروف بشرح منتهى الإرادات، منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051هـ)، عالم الكتب، الطبعة الأولى، 1414هـ - 1993م.

الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي (المتوفى: 581هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 1421هـ/ 2000م.

الزاهر في معاني كلمات الناس، محمد بن القاسم بن محمد بن بشار، أبو بكر الأنباري (المتوفى: 328هـ)، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى، 1412 هـ - 1992.

الزهد، أبو السَّرِي هَنَّاد بن السَّرِي بن مصعب بن أبي بكر بن شبر بن صعفوق بن عمرو بن زرارة بن عدس بن زيد التميمي الدارمي الكوفي (المتوفى: 243هـ)، دار الخلفاء للكتاب الإسلامي - الكويت، الطبعة الأولى، 1406ه.

سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420هـ)، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، 1995م.

سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420هـ)، دار المعارف، الرياض - المملكة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1412 هـ/ 1992 م.

سنن ابن ماجه ت الأرنؤوط، ابن ماجة - وماجة اسم أبيه يزيد - أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني (المتوفى: 273هـ)، دار الرسالة العالمية، الطبعة الأولى، 1430 هـ - 2009 م.

سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)، دار الرسالة العالمية، الطبعة الأولى، 1430 هـ - 2009 م.

السنن الكبرى، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان، الطبعة الثالثة، 1424 هـ - 2003 م

شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني المصري الأزهري، مكتبة الثقافة الدينية - القاهرة، الطبعة الأولى، 1424هـ - 2003م.

شرح السنة، محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي (المتوفى: 516هـ)، المكتب الإسلامي دمشق، بيروت، الطبعة الثانية، 1403هـ

1983م.

شرح صحيح البخارى لابن بطال، ابن بطال أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك (المتوفى: 449هـ)، مكتبة الرشد - السعودية، الرياض، الطبعة الثانية، 1423هـ - 2003م.

شرح مشكل الآثار، أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى - 1415 هـ، 1494 م.

شرف المصطفى، عبد الملك بن محمد بن إبراهيم النيسابوري الخركوشي، أبو سعد (المتوفى: 407هـ)، دار البشائر الإسلامية - مكة، الطبعة الأولى، 1424 هـ.

شعب الإيمان، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِردي الخراساني، أبو بكر البيهقي (المتوفى: 458هـ)، مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند، الطبعة الأولى، 1423 هـ - 2003 م.

الشمائل المحمدية، محمد بن عيسى بن سَوْرة بن موسى بن الضحاك، الترمذي، أبو عيسى (المتوفى: 279هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت، الطبعة الأولى 1987ه.

صحيح الجامع الصغير وزياداته، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين، بن الحاج نوح بن نجاتي بن آدم، الأشقودري الألباني (المتوفى: 1420هـ)، المكتب الإسلامي.

عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة، أبو محمد جلال الدين عبد الله بن نجم بن شاس بن نزار الجذامي السعدي المالكي (المتوفى: 616هـ)، دار الغرب الإسلامي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1423 هـ - 2003 م.

غريب الحديث، إبراهيم بن إسحاق الحربي أبو إسحاق (المتوفى: 285ه)، جامعة أم القرى - مكة المكرمة، الطبعة الأولى، 1405ه.

فتح الباري شرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر أبو

الفضل العسقلاني الشافعي، دار المعرفة بيروت، 1379ه.

فيض القدير شرح الجامع الصغير، زين الدين محمد المدعو بعبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الحدادي ثم المناوي القاهري (المتوفى: 1031هـ)، المكتبة التجارية الكبرى - مصر، الطبعة الأولى، 1356.

الكامل في التاريخ، أبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير (المتوفى: 630هـ)، دار الكتاب العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1417هـ/ 1997م.

كتاب العين، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (المتوفى: 170هـ)، دار ومكتبة الهلال.

كشف المشكل من حديث الصحيحين، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (المتوفى: 597هـ)، دار الوطن - الرياض.

الكشف والبيان عن تفسير القرآن، أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أبو إسحاق (المتوفى: 427هـ)، دار إحياء التراث العربي، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى 1422، هـ - 2002 م.

لسان العرب، محمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الرويفعى الإفريقى (المتوفى: 711هـ)، دار صادر - بيروت، الطبعة الثالثة - 1414 هـ.

المتواري علي تراجم أبواب البخاري، أحمد بن محمد بن منصور بن القاسم بن مختار القاضي، أبو العباس ناصر الدين ابن المنير الجذامي الجروي الإسكندراني (المتوفى: 683هـ)، مكتبة المعلا - الكويت.

مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، أبو الحسن نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي (المتوفى: 807هـ)، مكتبة القدسي، القاهرة، الطبعة الأولى 1414 هـ، 1994 م.

مختار الصحاح، زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الحنفي

الرازي (المتوفى: 666هـ)، المكتبة العصرية الدار النموذجية، بيروت صيدا، الطبعة الخامسة، 1420هـ/ 1999م.

المراسيل، أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شداد بن عمرو الأزدي السِّجِسْتاني (المتوفى: 275هـ)، مؤسسة الرسالة - بيروت، الطبعة الأولى، 1408ه.

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، علي بن سلطان محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي القاري (المتوفى: 1014هـ)، دار الفكر، بيروت - لبنان، الطبعة الأولى، 1422هـ - 2002م.

مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، إسحاق بن منصور بن بهرام، أبو يعقوب المروزي، المعروف بالكوسج (المتوفى: 251هـ)، عمادة البحث العلمي، الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1425هـ - 2002م.

مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241هـ)، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1421 هـ - 2001 م

مسند البزار المنشور باسم البحر الزخار، أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عبيد الله العتكي المعروف بالبزار (المتوفى: 292هـ)، مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة، الطبعة الأولى، 2009م.

المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري (المتوفى: 261هـ)، دار إحياء التراث العربي - بيروت

مشارق الأنوار على صحاح الآثار، عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)، المكتبة العتيقة ودار التراث.

المصنف في الأحاديث والآثار، أبو بكر بن أبي شيبة، عبد الله بن محمد بن إبراهيم

بن عثمان بن خواستي العبسي (المتوفى: 235هـ)، مكتبة الرشد الرياض، الطبعة الأولى، 1409ه.

معالم السنن، وهو شرح سنن أبي داود، أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب البستي المعروف بالخطابي (المتوفى: 388هـ)، المطبعة العلمية - حلب، الطبعة الأولى 1351 هـ - 1932 م.

معجم ابن الأعرابي، أبو سعيد بن الأعرابي أحمد بن محمد بن زياد بن بشر بن درهم البصري الصوفي (المتوفى: 340هـ)، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1418 هـ - 1997 م

معجم الصحابة، أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز بن المَرْزُبان بن سابور بن شاهنشاه البغوي (المتوفى: 317هـ)، مكتبة دار البيان - الكويت، الطبعة الأولى، 1421 هـ - 2000 م.

المعجم الكبير، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي، أبو القاسم الطبراني (المتوفى: 360هـ)، مكتبة ابن تيمية - القاهرة، الطبعة الثانية.

معجم مقاييس اللغة، أحمد بن فارس بن زكرياء القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ)، دار الفكر، الطبعة الأولى، 1399هـ - 1979م.

معرفة الصحابة، أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني (المتوفى: 430هـ)، دار الوطن للنشر، الرياض، الطبعة الأولى 1419 هـ - 1998 م.

مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي (المتوفى: 977هـ)، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1415هـ - 1994م.

المغني لابن قدامة، أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة الجماعيلي المقدسي ثم الدمشقي الحنبلي، الشهير بابن قدامة المقدسي (المتوفى: 620هـ)، مكتبة القاهرة، الطبعة الأولى، 1388هـ - 1968م.

المفردات في غريب القرآن، أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهاني (المتوفى: 50هـ)، دار القلم، الدار الشامية - دمشق بيروت، الطبعة الأولى، 1412 هـ.

مكارم الأخلاق ومعاليها ومحمود طرائقها، أبو بكر محمد بن جعفر بن محمد بن سهل بن شاكر الخرائطي السامري (المتوفى: 327هـ)، دار الآفاق العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1419 هـ - 1999 م.

منح الجليل شرح مختصر خليل، محمد بن أحمد بن محمد عليش، أبو عبد الله المالكي (المتوفى: 1299هـ)، دار الفكر - بيروت، الطبعة الأولى، 1409هـ/ 1989م.

النتف في الفتاوى، أبو الحسن علي بن الحسين بن محمد السُّغْدي، حنفي (المتوفى: 461هـ)، دار الفرقان/ مؤسسة الرسالة - عمان الأردن/ بيروت لبنان، الطبعة الثانية، 1404 - 1984.

النَّوادر والزِّيادات على مَا في المدَوَّنة من غيرها من الأُمهاتِ، أبو محمد عبد الله بن (أبي زيد) عبد الرحمن النفزي، القيرواني، المالكي (المتوفى: 386هـ)، دار الغرب الإسلامي، بيروت، الطبعة الأولى، 1999 م.

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، أبو العباس شمس الدين أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر ابن خلكان البرمكي الإربلي (المتوفى: 681هـ)، دار صادر - بيروت، الطبعة الأولى، 1900م.

صفحة 108 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 109 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
الحاشية
النسخة المصوّرة — حسن الجوار في تراث الآل والأصحاب
يُحمّل المصدر المصوّر…