حسن الجوار في تراث الآل والأصحابالصفحة المطبوعة 65
إن عمر رضي الله عنه هنا يُذكِّر بوصايا النبي صلى الله عليه وسلم، ويُشدِّد عليها، ولا يُتوقَّع منه التَّذكير بشيءٍ هو مفتقده في نفسه.
وَعَنْ أَبِي عَامِرٍ الْحِمْصِيِّ قَالَ: «كَانَ ثَوْبَانُ رضي الله عنه يَقُولُ: مَا مِنْ رَجُلَيْنِ يَتَصَارَمَانِ(131) فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَيَهْلِكُ أَحَدُهُمَا، فَمَاتَا وَهُمَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمُصَارَمَةِ، إِلَّا هَلَكَا جَمِيعًا، وَمَا مِنْ جارٍ يَظْلِمُ جَارَهُ وَيَقْهَرُهُ، حَتَّى يَحْمِلَهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْ مَنْزِلِهِ، إِلَّا هَلَكَ»(132) .
إن هذا من أعظم الأذى، ومن أشد الظلم، وهو أن يؤذي الجار جاره، ويظلمه، حتى أنه لا يستطيع البقاء في منزله وجواره، فيضطر للرحيل من بيته الذي قد يكون أفنى عمره في جمع ثمنه، فيتركه لا رغبة عنه، وإنما رغبة عن جار السوء، فأي أذى أعظم من هذا الأذى؟!
وهذا أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه يمرُّ بولده عبد الرحمن وهو يماظُّ(133) جاراً له، فقال له: «لا تُماظِّ جارَكَ، فَإنَّ هَذا يَبْقَى، وَيَذْهَبُ النّاسُ»(134) .
يا له من تعبيرٍ أخَّاذٍ، ونصحٍ رشيدٍ، من أبٍ حانٍ لابنٍ بارٍّ، إنها عبارة لو عرفت طريقها إلى القلوب، ما وجد الشيطان سبيلاً إلى قلوب الجيران.
حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.