القول السديد في سيرة الحسين الشهيدالصفحة المطبوعة 41
وفي هذا المعنى يقول ابن قيّم الجوزية: «وأما المصابرة فهي مقاومة الخصم في ميدان الصبر فإنها مُفاعلة تستدعي وقوعها بين اثنين كالمشاتمة والمضاربة. قال الله تعالى ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا۟ اصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَاتَّقُوا۟ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ فأمرهم بالصبر وهو حال الصابر في نفسه، والمصابرة وهي حاله في الصبر مع خصمه، والمرابطة وهي الثبات واللزوم والإقامة على الصبر والمصابرة، فقد يصبر العبد ولا يصابر، وقد يُصابر ولا يُرابط، وقد يصبر ويُصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى، فأخبر سبحانه أنّ ملاك ذلك كله التقوى وأنّ الفلاح موقوف عليها فقال ﴿ وَاتَّقُوا۟ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر، فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان فيزيله عن مملكته»(87) .
كان الحسين رضي الله عنه يعلم أنّ القوم يريدونه، لا يريدون غيره، فعرض على من معه النجاة بأنفسهم، على الهلاك معه، وأعدّ نفسه للقاء عدوه ولو مع بضعة نفر ممن سيبقى.
قال لأصحابه: مَنْ أحب أن ينصرف إلى أهله في ليلته هذه فقد أَذنتُ له، فإن القوم إِنما يريدونني. فقال مالك بن النضر: عليّ دَين ولي عيالٌ. فقال: هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جَملاً، ليأخذ كل رجل منكم بيد رجلٍ من أهل بيتي، ثم اذهبوا في بسيط الأرض في سواد هذا الليل إلى بلادكم ومدائنكم، فإِنّ القوم إنما يُريدونني فلو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري فاذهبوا حتى يُفرج الله عز وجل....(88) .
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.