الحصون — مكتبة مبرة الآل والأصحاب الرقمية — النص الموثّق والمصدر المصوّر
القول السديد في سيرة الحسين الشهيدالقراءة المتصلة
صفحة 11
حجم النص28
بحث في الكتاب

الصفحة الحالية: 11

القول السديد في سيرة الحسين الشهيد

صفحة 1 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثناء النشر

239.8 الشيباني ، محمد بن عبد الهادي .

القول السديد في سيرة الحسين الشهيد / محمد بن عبد الهادي الشيباني . - ط1. – الكويت: مبرة الآل والأصحاب، 2010

346 ص؛24 سم . – (سلسلة سير الآل والأصحاب ؛ 13)

ردمك: 4 – 6 – 955 – 999906 – 978

1- السيرة النبوية – أهل البيت 2- الحسين بن علي 3- الصحابة والتابعون

أ. العنوان ب- السلسلة

رقم الإيداع: 2010 / 112

ردمك: 4 – 6 – 955 – 999906 – 978

حقوق الطبع محفوظة لمبرة الآل والأصحاب

إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية

الطبعة الأولى

1431 هـ / 2010 م

مبرة الآل والأصحاب

هاتف: 22560203 – 22552340 فاكس: 22560346

ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت

E-mail: almabarrh@gmail.com

www.almabarrah.net

فهرس الموضوعات

صفحة 4 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 5 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 6 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
مقدمة المبرة : بين يدي الحسين ............................................11
مقدمة الكتاب ............................................................15
القسم الأول : الحسين نسباً وخُلقاً ومكانة ...............................17
الحسين بن علي رضي الله عنه نسباً وخُلقاً ومكانة .....................................19
مولده .....................................................................19
عناية النبي صلى الله عليه وسلم به ........................................................20
روايات في التسمية لا تصح ...............................................28
صفاته الخَلقية .............................................................34
لباسه وزينته ..............................................................36
﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ﴾ ...............................................39
فقهه وروايته للحديث ....................................................43
مشاركته في الفتوحات ....................................................45
أولاده ....................................................................46
* عليّ «الأكبر» : ..........................................................46
* «علي الأصغر» المعروف بـ «زين العابدين» : .............................46
* جعفر : .................................................................49
* عبد الله : ...............................................................49
* سُكينة : ................................................................51
* فاطمة : ................................................................54
* عمر : ..................................................................55
شعره .....................................................................56
وفاته .....................................................................57
مكانة الحسين ومنزلته عند صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم .........................58
القسم الثاني الحسين وفقه المعارضة
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
وقفات وتأملات63
الفصل الأول : معارضة الحسين .. الأسباب والأحداث .................65
تمهيد : ....................................................................67
المبحث الأول : في أخذ البيعة ليزيد : .....................................68
الأسباب التي دفعت معاوية رضي الله عنه لأخذ البيعة ليزيد .........................68
1 - السبب السياسي ( الحفاظ على وحدة الأمة ) .....................68
2 - السبب الاجتماعي ( قوة العصبية القبلية ) ........................72
3 - أسباب شخصية في يزيد .........................................75
معاوية رضي الله عنه وولاية المفضول مع وجود الفاضل .............................78
معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه والانتقادات التي وجهت إليه بشأن البيعة ليزيد ...83
المبحث الثاني : معارضة الحسين بن علي رضي الله عنه ............................96
أولاً: نقد المصادر التي تناولت معارضة الحسين رضي الله عنه : ..................96
تمهيد ......................................................................96
1 - أبو مخنف .......................................................97
2 - عمار الدهني ....................................................102
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
3 - عوانه بن حكيم .................................................103
4 - الحصين بن عبد الرحمن السلمي .................................103
5 - محمد بن عمر الواقدي ..........................................104
6 - أبو معشر السندي ...............................................105
المؤلفات المفقودة عن حركة الحسين ........................................106
ثانياً: موقف الحسين رضي الله عنه من تنازل الحسن رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه : ..111
ثالثاً: الحسن رضي الله عنه وخوفه على الحسين رضي الله عنه من أهل الكوفة : .............115
رابعاً: رفض الحسين بن علي رضي الله عنه البيعة ليزيد بن معاوية : ...............118
خامساً: خروج الحسين رضي الله عنه من المدينة إلى مكة : ........................124
الفصل الثاني : الحسين رضي الله عنه وفاجعة كربلاء ..............................133
أولاً: رسائل أهل الكوفة إلى الحسين رضي الله عنه : .............................135
ثانياً: خروج الحسين رضي الله عنه إلى الكوفة : ..................................138
أ- عزم الحسين رضي الله عنه على الخروج إلى الكوفة وإرساله مسلم بن عقيل إليها138
ب- نصائح الصحابة والتابعين ورأيهم في خروج الحسين إلى الكوفة ... ج- خذلان أهل الكوفة لمسلم بن عقيل: ..............................141 149
ثالثاً: الحسين رضي الله عنه ومعركة كربلاء «وصول الحسين إلى كربلاء وبداية المعركة» : .....................................................150
الفصل الثالث : وقفات حول مقتل الحسين ..............................173
أولاً : موقف يزيد بن معاوية من قتل الحسين رضي الله عنه ومن أبناء الحسين وذريته:173
ثانياً : من المسؤول عن قتل الحسين رضي الله عنه ؟ ..................................178
1 – أهل الكوفة : ....................................................178
2
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
أصحاب القيادة185
أ – عبيد الله بن زياد : ...............................................185
ب – عمر بن سعد بن أبي وقاص : ..................................188
ج – يزيد بن معاوية : ..............................................191
ثالثاً : التحقيق في مكان رأس الحسين : ...............................197
أولاً: كربلاء : ......................................................200
ثانياً: الرقة : ........................................................201
ثالثاً: عسقلان : .....................................................202
رابعاً: القاهرة : .....................................................203
خامساً: المدينة المنورة : ..............................................208
اعتقادنا في مقتل الحسين رضي الله عنه ...............................................214
الخاتمة : خلاصة ما ينبغي عمله في استشهاد الحسين .....................221

مقدمة المبرة : بين يدي الحسين

نقف في مبرة الآل والأصحاب من آل البيت والصحابة الكرام على مسافة واحدة ... حيث ننزلهم منازلهم التي أنزلهم الله سبحانه، فهم أعلام الهدى ... نجوم الدجى... لا يحتاجون في مكانتهم عند الخالق والخلق إلى تزكيتنا.

ونحن نتعبد الله سبحانه وتعالى بحبهم ... ونتلو في مديحهم قرآنا نؤجر على كل حرف فيه عشراً، آناء الليل وأطراف النهار .

وكم هو مؤثر في وجداننا أن نبتهل إلى الله تعالى بدعائنا:

« اللهم أحببنا فيك المصطفى صلى الله عليه وسلم » ، وأحببنا بحبه الآل والأصحاب الذي ناصروه ونقلوا عنه كتابك العظيم وسنة نبيك الكريم، فلولاهم بإذنك ما وصل إلينا الكتاب ولا السنة ولا الإسلام، فيا ربنا احشرنا معهم وفي زمرتهم خلف المصطفى صلى الله عليه وسلم .

يا ربنا قد اجتهدنا في نشر تراثهم ، وإبراز هديهم، والدفاع عنهم ورد الشبهات التي نالت منهم ، وحفظنا حقهم الذي شرعت علينا، وضحينا – وأنت أعلم بما ضحينا به – في سبيل ذلك بحظ النفس المشروع، فآثرنا أوقاتنا وأموالنا وجهودنا في سبيل ذلك على حساب أنفسنا وأهلنا وولدنا، و لك أنت وحدك سبحانك الفضل والمنة أن اصطفيتنا لهذا الفضل العظيم ذي الأجر العميم والأثر الكريم.

يا ربنا إنك قد قدرت ولا راد لقضائك الكريم الحكيم على أمة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم أن لا يسلموا من الضعف البشري والاختلاف في الأفهام وأنماط التفكير وحسن التقدير، فكان

منهم مجتهد مصيب ومجتهد مخطئ ومن رحمتك سبحانك أن شملت الاثنين برحمتك ومغفرتك لعلمك بنية كل منهما، ولكن جرى ما جرى بينهما من سنن الاختلاف التي خلقتها من لدن آدم عليه السلام حين اختلف أجدادنا قابيل وهابيل مع بداية خلق ذرية أبيهما وأبينا آدم.

اللهم إنك تعلم ما كان بسبب ذلك من فتن بين المسلمين ، وقد عصم الله منهما دماءنا، فأعنا يا ربنا على أن تسلم منها ألسنتنا.

اللهم لقد قدرت سبحانك ولا راد لتقديرك الحكيم أن يستمر الخلاف بين عبادك تبعاً لما أجريت بقدرك الكريم من اختلاف أفهامهم وعقولهم، وما يعرض لهم من فتن الهوى وحظ النفس ، فاللهم أخلص نياتنا وأهدنا إلى ما أختلف فيه من الحق بإذنك.

اللهم إنا نحمدك بما وفقتنا إليه من قبول بين عبادك في الكويت وخارجها ، فانتشرت رسالتنا بفضلك وكرمك حيث تلقفها القاصي والداني من كل من عرفها .

اللهم وقد قبلنا ما أجريت من سنن الاختلاف ، وصبرنا على من عادانا في فكرنا، ونال منا، وشكك في نياتنا، وأثار الغبار من حولنا، لأن منهجنا لا يحلو له، ويخالف معتقده... اللهم لا نقول إلا: اللهم أهد أولئك إلى سواء السبيل، وآت كل منا على قدر نيته واجمعنا وجميع أمة محمد صلى الله عليه وسلم في مستقر رحمتك.

اللهم إنا نشهدك أنا نحب فيك الحسين ، كما أحببنا من قبله فيك جد الحسين ووالدي الحسين وشقيقه الريحانة الأخرى الحسن.

اللهم هذا معتقدنا في عبدك الحسين رضي الله عنه قد اجتهدنا أن يؤخذ من مظانه كتب الثقات، مستخرجاً منها بعد عرضه على كتب التوثيق بالجرح والتعديل حتى لا نأخذ منه سطراً إلا

سائغاً سلسبيلاً سليماً من الضعيف والموضوع من الروايات، وما أكثرها مع الأسف بل وما أكبر أثرها السلبي في شق الصف الوطني ووحدة الأمة الإسلامية.

اللهم ارزقنا الأجرين: أجر الاجتهاد وأجر الصواب فيه

إنك نعم المولى ، ونعم النصير

وإنك أنت سبحانك الهادي إلى سواء السبيل

اللهم آمين

والحمد الله رب العالمين

مبرة الآل والأصحاب

صفحة 14 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

مقدمة الكتاب

الحمد لله أهل الحمد ومستحقه حمداً كثيراً، والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد الذي أرسله سراجاً منيراً، وعلى آله الذين أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وعلى أصحابه الغر الميامين ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم كان شره مستطيراً، أما بعد؛

فإني لا أخفي عنك سراً إن أخبرتك بأنّ قلمي قد احتار في الكلمات التي يكتبها عن شخصية مثل شخصية الحسين رضي الله عنه ، فهي شخصية اجتمعت فيها الأهمية والحساسية، كما اجتمع فيها الأمل والفرح مع المأساة والحزن.

نحن أمام رجلٍ لم يتخذ أسلوب المعارضة أسلوباً لتأجيج الفتن كما يُظن، ولكن غُرِرَ به من قومٍ طالبوه بالمسير إليهم فلما أتاهم خذلوه وأسلموه إلى عدوه وعدوهم.

قال لهم: (لم آتكم حتى انتهت إليّ كتبكم، فإن كان رأيكم على غير ما نطقت به كتبكم انصرفت)، ولكن القدر سبق العتب.

لا يمكنني أن أتخطى حادثة كربلاء ومأساة الطف حين أذكر الحسين رضي الله عنه ، لكني أرى أنّ اختزال تاريخ الحسين رضي الله عنه بحادثة مقتله إجحاف بحقه وبحق تاريخه كله.

إنّ الحسين رضي الله عنه الذي نريد أن نتعرف عليه عن كثب، هو حسين الآل والأصحاب، هو حسين التربية النبوية والعلوية.

وهو صحابيٌ جمع بين الصحبة والقرابة، وكفى بذلك شرفاً وفخراً.

والكتاب الذي بين يديك- عزيزي القارئ- قد قامت أركانه على رسالة علمية فريدة للدكتور محمد بن عبد الهادي الشيباني الذي تفضّل مشكوراً بقبول اقتباس أجزاء كبيرة من رسالته المعنونة بـ

«مواقف المعارضة في عهد يزيد بن معاوية 60 64 هـ» مع إضافات مني أو تصويبات اقتضاها الحال، فنسأل الله تعالى أن يجزي د. الشيباني المثوبة والرفعة في الدارين.

وأما القسم الأول من هذا الكتاب والذي يتناول التعريف بالإمام الحسين رضي الله عنه وتقليب صفحات سيرته العطرة، فمما حرره قلمي، سائلاً المولى عز وجل أن يتقبل مني عملي هذا ويلهمني فيه الإخلاص ويجزيني عليه حسن الثواب.

ولا أنسى في هذا المقام جهد إخواني في مركز البحوث والدراسات، الذين لم يألوا جهداً في إخراج هذا الكتاب بأفضل صورة، مراجعة وتدقيقاً، واقتراحاً وتهذيباً.

فجزاهم الله تعالى عنا وعن المسلمين خير الجزاء، وحشرنا جميعاً مع سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم في جنان الخلد، اللهم آمين .

والحمد لله رب العالمين

محمد سالم الخضر رئيس مركز البحوث والدراسات بالمبرة

القسم الأول : الحسين نسباً وخُلقاً ومكانة

محمد سالم الخضر

صفحة 17 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 18 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الحسين بن علي رضي الله عنه نسباً وخُلقاً ومكانة

هو الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشميّ القرشيّ، ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وسِبطه(1) وريحانته من الدنيا، المُكنّى بأبي عبد الله(2) .

ترجم له الحافظ الذهبي واصفاً إياه بـ «الإمام الشريف الكامل سِبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته من الدنيا، ومحبوبه، أبو عبد الله الحسين ابن أمير المؤمنين أبي الحسن علي بن أبي طالب ابن عبد المطلب(3) ...» .

وترجم له الحافظ أبو نُعيم فقال: «أبو عبد الله الحُسين بن علي بن أبي طالب، ريحانةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وشَبيهُهُ، أَذَّنَ رسول الله صلى الله عليه وسلم في أُذُنِه حين وُلِد، سَيِّدُ شباب أهل الجنَّة، خامس أهل الكساء، وابن سيِّدة النِّساء، أَبُوهُ الذَّائِدُ عن الحوض، وعمُّه ذوالجناحين، غَذَتْهُ أَكُفُّ النُّبوة، ونشأ في حِجْر الإسلام، أَرضعتهُ ثُدِيُّ الإيمان»(4) .

مولده

وُلد الحسين رضي الله عنه خامس شعبان في السنة الرابعة من الهجرة – على أشهر الأقوال- في المدينة النبوية على صاحبها أشرف الصلاة وأتم التسليم(5) .

وعن الفارق الزمني بين

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولادة الحسين رضي الله عنه وأخيه الحسن رضي الله عنه يقول الواقدي: قد عَلِقت فاطمة بالحسين بعد مولد الحسن بخمسين ليلة(6)

وقال قتادة: وُلد الحسين بعدَ الحسن بسنة وعشرة أشهر لخمس سنين وستة أشهر من التاريخ(7) .

وروى الطبراني وابن عساكر عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه الباقر قوله: (لم يكن بين الحسن والحسين إلا طهر)(8) .

يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني تعليقاً على الرواية: (قلت: لعلَّها وَلَدته لعشرة أشهرٍ، أو أبطأ الطُّهر شهرين)(9) .

عناية النبي صلى الله عليه وسلم به

أن يكون جدّك هو محمد صلى الله عليه وسلم وجدّتك هي خديجة بنت خويلد رضي الله عنها وأبوك هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأمك فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخوك الحسن رضي الله عنه ، فذاك الشرف كُله.

وأشرف ما في هذا النسب هو الانتساب لخير خلق الله تعالى محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن كيف كانت علاقة الحسين رضي الله عنه بجده صلى الله عليه وسلم، بل كيف كان جده صلى الله عليه وسلم ينظر إليه هو وأخيه الحسن رضي الله عنه .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

للوقوف على عمق علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بحفيديه الحسن والحسين رضي الله عنهما، أرى الزمان يعود بي وبك - أيها القارئ الكريم- إلى سيرة نبوية عطرة حافلة بالأحداث، حملت على أكُفِّها مشاعر النبي البشرية، بما ينتابها من أفراح وأتراح، ومسرات وأشجان.

ها هو النبي صلى الله عليه وسلم قد فَقَد كل أبنائه الذكور، القاسم وعبد الله وآخرهم إبراهيم.

ولعظيم قدر الأبناء عند الرجال لا سيما الذكور منهم، لما يُرتجى من ورائهم من حَملِ النسب حرص مشركو مكة على استخدام هذه الوسيلة للضغط على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى دعوته، حتى قال قائلهم(10) : إنّ محمداً أبتر، لا يعيش له ذكر، فأنزل الله تعالى دفاعاً عن نبيه صلى الله عليه وسلم قوله ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ(11) ﴾ .

ومرت السنون على النبي صلى الله عليه وسلم ليُرزق بابن من مارية القِبطية رضي الله عنها فيُسمّيه إبراهيم على اسم أبيه إبراهيم عليه السلام، فيُقول لأصحابه وهو فَرِحٌ مسرور بهذا المولود: (وُلِدَ لي الليلةَ غُلامٌ فَسَمَّيْتُهُ باسم أَبي إبراهِيم)(12) .

ولعله صلى الله عليه وسلم قد تأمل أن يُرزق من ابنه الصغير نسلاً ممتداً كما رُزق جده إبراهيم عليه السلام ذلك النسل الممتد الذي كان محمدٌ صلى الله عليه وسلم منه.

فإذ به صلى الله عليه وسلم يراه يجود بنفسه أمامه فيذرف على فقدانه الدمع، رحمةً به وتأثراً بفراقه.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يقول أنس بن مالك رضي الله عنه : دخلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سيف القين وكان ظِئراً(13) لإبراهيم عليه السلام فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف : رضي الله عنه وأنت يا رسول الله؟ فقال: يا ابن عوف، إنها رحمة. ثم أتبعها بأخرى فقال صلى الله عليه وسلم: (إنّ العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون)(14) .

هكذا أسدل التاريخ الستار على لحظات حزينة عاشها النبي صلى الله عليه وسلم أباً عطوفاً يتأثر لمصاب فلذات كبده.

لكنه كان يشْتَمُّ في ابني ابنته فاطمة رضي الله عنها: الحسن والحسين رضي الله عنهما عِطر الأبوة الفوّاح، فهما ريحانتاه من الدنيا.

وفي ذلك يروي البخاري في صحيحه بسنده عن ابن أبي نُعمٍ قال: كُنتُ شاهداً لابن عمر وسأله رجل عن دم البعوض فقال: ممن أنت؟ فقال من أهل العراق. قال: انظروا إِلى هذا يسألني عن دم البعوض، وقد قتلوا ابن النبيّ صلى الله عليه وسلم وسمعتُ النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول: «هما ريحانتاي من الدنيا»(15) .

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني تعليقاً: «شبههما بذلك؛ لأنّ الولد يُشم ويُقبل... وعند الترمذي من حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو الحسن والحسين فيشمهما ويضمهما إِليه»(16) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُحبهما حُباً عظيماً ويَعُدُ حبهما من حُبِّه وبغضهما من بُغْضِه.

روى أَحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أحبهما فقد أحبني، ومَنْ أبغضهما فقد أبغضني، الحسن والحسين»(17) .

وفي رواية أخرى عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه حسن و حسين ، هذا على عاتقه، و هذا على عاتقه، وهو يلثم هذا مرة، ويلثم هذا مرة، حتى انتهى إلينا، فقال له رجل: يا رسول الله! إنك تحبهما. فقال: من أحبهما فقد أحبني ومن أبغضهما فقد أبغضني(18) .

لم يكن الحسن والحسين رضي الله عنهما بالنسبة للنبي صلى الله عليه وسلم مجرد حفيدين، ينظر لهما الجَدُ نظرة حب وحنان واعتزاز فحسب، وإنما كانا بالنسبة إليه ابنيه حقاً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى.

فبعد أن انطوت سبعة أيام من ولادة سِبطيه سمّاهما النبي صلى الله عليه وسلم بالحسن والحسين وأمر بأن يُعقّ عن كل واحد منهما بشاتين(19) ، وأن يُحلق رأسيهما.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

روى النسائي في سننه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «عقَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين رضي الله عنهما بكبشين كبشين»(20) .

وروى ابن حِبان بسنده عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: «عَقَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حسنٍ وحسينٍ يوم السابع وسَمَّاهما، وأمر أن يُماط عن رأسه الأذى»(21) .

ها أنت تراه صلى الله عليه وسلم يعقُّ عن سِبطيه الصغيرين مع كون العقيقة عن الأبناء حين يولدون من واجبات الأب تجاه أبنائه لا الجد، لكن النبي صلى الله عليه وسلم نزّل نفسه الشريفة منزلة الأب المباشر، فعاش دوري الأب والجد في آن واحد وفي عاطفة واحدة، وكيف لا يكون ذلك وقد وصف سِبطيه في أكثر من حديث بأنهما ابناه(22) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فأي عناية هذه! وأي قلب أبوي حوى كل هذا الحنان، إنه النبي صلى الله عليه وسلم برحمته الواسعة ومشاعره المليئة بالحب والحنان.

ولقد بلغ من رعاية النبي صلى الله عليه وسلم لسِبطيه، وحرصه على وقايتهما من كل سوء وشرّ أنه كان كثيراً ما يعوّذهما من كل ما يخاف عليهما من شّره.

فقد روى البخاري في صحيحه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُعوِّذ الحسن والحسين ويقول: «إِنّ أباكما كان يعوِّذ بهما إسماعيل وإِسحاق، أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطانٍ وهامة ومن كل عينٍ لامة»(23) .

وتتجلى مشاعر الأبوة بشكلها الفائق حين يقف النبي صلى الله عليه وسلم خطيباً مُثقلاً بأعباء الدعوة والرسالة، حاضاً المؤمنين على لزوم التقوى وفِعل الخيرات، حتى يرى مِن على منبره ابنيه الصغيرين يعثران ويقومان ثم يعثران، فلا يجد نفسه إلا وقد نزل ليحملهما إلى منبره.

فيالله من نَفسٍ طُبِعت على الرحمة بالصغير، وعلى العطف الأبوي العميق.

روى أبو داود بسنده عن بُريدة رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل الحسن والحسين رضي الله عنهما عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل فأخذهما، فصعد بهما المنبر ثم قال: صدق الله ﴿ إِنَّمَآ أَمْوَٰلُكُمْ وَأَوْلَـٰدُكُمْ فِتْنَةٌ(24) ﴾ رأيتُ هذين فلم أصبر. ثم أخذ في الخطبة(25) .

ومن ذلك أيضاً عن أبي ليلى رضي الله عنه قال: (كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى صدره أو بطنه الحسن أو الحسين، قال: فرأيت بوله أساريع(26) فقمنا إليه، فقال: دعوا ابني لا تُفزعوه حتى

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يقضى بوله، ثم أتبعه الماء ثم قام فدخل بيت تمر الصدقة ودخل معه الغلام فأخذ تمرة فجعلها في فيه فاستخرجها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إنّ الصدقة لا تحل لنا)(27)

ولعظيم قدرهما عنده رضي الله عنهما كان يُركبهما معه أحياناً على بغلته الشهباء (الدُّلدل)(28) ، أحدهما قُدامه والثاني خلفه.

فقد روى مسلم في صحيحه بسنده من حديث إِياس عن أبيه قال: لقد قُدتُ بنبيّ الله صلى الله عليه وسلم والحسن والحسين بغلته الشهباء حتى أدخلتهم حجرة النبيّ صلى الله عليه وسلم هذا قُدامه وهذا خلفه(29) .

كان صلى الله عليه وسلم يحنو عليهما ويُقبّلهما من حين لآخر، ويروي لنا أبو هريرة رضي الله عنه من ذلك حادثة فريدة.

روى أبو داود بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ الأقرع بن حابس أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُقبل حسيناً فقال: إنّ لي عشرة من الولد ما فعلتُ هذا بواحدٍ منهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ لا يَرحم لا يُرحم»(30) .

وفي رواية «وما أملك لك أن نزع الله الرحمة من قلبك»(31) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفي صحيح ابن حِبان بسنده عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُدلع لسانه للحسين، فيرى الصبي حُمرةً فيهش إليه. فقال له عيينة بن حصن بن بدر: ألا أراه يصنع هذا بهذا، فوالله ليكون لي الولد قد خرج وجهه وما قبلته قط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من لا يرحم لا يُرحم»(32) .

ولا مانع من حدوث الواقعتين مع النبي صلى الله عليه وسلم أو أنّ التعليق منهما كان في حادثة واحدة، نقلها الرواة مُفرّقة كما يجوز أن يكون أحد الرواة قد وَهِم في اسم القائل، فجعل أحدهما مكان الآخر. فإنّ الأقرع بن حابس(33) رضي الله عنه ، لما قدِم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده ونادوه بصوت عالٍ من وراء حجرته أن اخرج إلينا يا محمد، فنزلت فيهم ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْحُجُرَٰتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ(34) ﴾ ، فقد كانوا من الأعراب الجفاة، وذلك طَبعٌ أملته عليهم طبيعة حياة الأعراب القاسية التي يصعب التحرر من آثارها وإن حَسُن إسلام المرء.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

روايات في التسمية لا تصح

حفلت بعض مصادر التاريخ والأخبار بروايات ضعيفة مُنكرة في تسمية النبي صلى الله عليه وسلم لسِبطه الحسين بهذا الاسم، اقتضى الحديث التنبيه عليها لشُهرتها بين الناس، وهي:

الرواية الأولى: ما رواه هانئ بن هانئ عن علي رضي الله عنه قال: «لما ولد الحسن سميته حرباً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أروني ابني ما سَمَّيْتُمُوهُ ؟ قال: قلت: حَرباً، قال: بل هو حَسن، فلما وُلِد الحسين سَمَّيْتُهُ حرباً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أروني ابني ما سَمَّيْتُمُوهُ؟ قال: قلت: حرباً، قال: بل هو حسين، فلما وُلِد الثالث سَمَّيْتُهُ حرباً، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أروني ابني ما سَمَّيْتُمُوهُ؟ قلت: حرباً، قال: بل هو مُحَسِّنٌ، قال: سميتهم بأسماء ولد هارون شَبَّرُ وَشَبِيرُ وَمُشَبِّرُ»(35) .

وهذه الرواية – فيما نحسب – لا نصيب لها من الصحّة، وذلك:

أولاً: لأنّ في سند الرواية «هانئ بن هانئ»، وقد قال عنه ابن سعد: مُنكر الحديث(36) ، وقال الإمام الشافعي: لا يُعرف، وأهل العلم بالحديث لا ينسبون حديثه؛ لجهالة حاله، وقال ابن المديني: مجهول(37) .

ثانياً: أنه يُستبعد من علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يرى من النبي صلى الله عليه وسلم مُجانبة لاسم «حرب» ثم يُصر على تسمية كل ابن يُولد له بهذا الاسم.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثالثاً: على فرض أنّ تسمية الثلاثة كانت في اليوم السابع، فهل يُعقل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مُنشغلاً عن تسمية أحفاده الثلاثة واحداً تلو الآخر، فيأتي كل مرة ليسأل: ما سَمَّيْتُمُوهُ؟ ثم يُغيّر الاسم؟!

رابعاً: أنّ زيادة «مُحَسِّنٌ » و «مُشَبِّرُ» ابناً لهارون عليه السلام من مناكير هانئ بن هانئ التي انفرد بذِكرها ولا يُتابع عليها، فللحديث طريق آخر عند الحافظ الطبراني في «معجمه» عن يحيى ابن عيسى الرملي التميمي: أخبرنا الأعمش عن سالم بن أبي الجعد قال: قال علي رضي الله عنه : كنت رجلاً أحب الحرب، فلما وُلِد الحسن هممت أن أسميه حرباً ، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم - الحسن ، فلما ولد الحسين هممت أن أسميه حرباً، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسين، وقال صلى الله عليه وسلم: «إني سميت ابني هذين باسم ابني هارون: شبراً وشبيراً» .

والرواية سندها: ضعيف منقطع؛ سالم بن أبي الجعد عن علي مرسل؛ كما قال أبو زرعة، والرملي صدوق يخطىء؛ كما قال الحافظ ابن حجر(38) .

وهي على ضعفها أدعى للقبول من سابقتها، فإنها ذكرت أنّ علياً رضي الله عنه همّ بتسمية الحسن حرباً لكنه لم يُسمّه إذ سبقه النبي صلى الله عليه وسلم إلى تسميته بالحسن، فاحترم رغبة النبي صلى الله عليه وسلم، وكذا الحال في تسمية الحسين رضي الله عنه .

كما أنّ رواية سلمان رضي الله عنه الآتية لم تتضمن ذِكر «مُحَسِّنٌ » هذا ولا «مُشَبِّرُ»، فتأمل.

خامساً: أنه لا يُعرف لهارون عليه السلام أبناء بهذه الأسماء، وكُل من يدّعي وجود أبناء له بهذا الاسم إنما يعتمدون على هذه الرواية وهي كما ترى لا تصلح شاهداً لرواية أخرى فضلاً عن أن تكون صالحة للاستدلال.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعند العودة إلى سِفر الخروج على سبيل الاستئناس وهو الكتاب الذي يدين به أهل الكتاب يهوداً ونصارى، نجد الإصحاح السادس منه يُعدد أبناء هارون عليه السلام فيقول: «وأخذ هارون أَليشَابَعَ بنت عَمِّينادَابَ أخت نحشون زوجة له، فولدت له: ناداب وأبيهو وأَلعازار وإيثامار»(39) .

فهؤلاء هم أبناء هارون عليه السلام عند أهل الكتاب، فمن أين جاء شَبر وشبير ومُشَبِّر؟!

سادساً: أنّ الرواية محل النقاش مُعارضة لما ثبت من أنّ الذي سمّى الحسن والحسين رضي الله عنهما هو النبي صلى الله عليه وسلم لا علياً رضي الله عنه .

الرواية الثانية:

عن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سَمَّيْتُهما – يعني: الحسن والحسين – باسم ابنيْ هارون: شَبراً وشبيراً»(40) .

وفي إسناد الرواية: بَرْذَعَة بن عبد الرَّحمن ، قال عنه ابن حبان: يروي أحاديث مناكير لا أصول لها، يهم فيها لا يجوز الاحتجاج به(41) ، وقال الذهبي: له مناكير(42) .

وفيه عمرو بن حُريث: ذكره البخاري في «التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»(43) ولم يذكرا فيه جرحاً ولا تعديلاً.

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولهذا قال البخاري في «التاريخ الكبير» عن هذا الحديث: إسناده مجهول(44) .

الرواية الثالثة:

عن سودة بنت مسرح قالت: «كنت فيمن حضر فاطمة رضي الله عنها حين ضربها المخاض في نسوةٍ، فأتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: كيف هي؟ قلت: إنها لمجهودة يا رسول الله، قال: فإذا هي وضعت فلا تسبقيني فيه بشيء. قالت: فوضعت، فسروه، ولفوه في خرقةٍ صفراء، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما فعلت؟ قلت: قد ولدت غلاماً وسررته ولَفَفْتُه في خرقةٍ، ائتيني به. فأتيته به، فألقى الخرقة الصفراء، ولفه في خرقةٍ بيضاء، وتفل في فِيه، وألبأه بريقه(45) ، فجاء علي رضي الله عنه فقال: ما سَمّيته يا علي؟ قال: سميته جعفراً يا رسول الله، قال: لا، ولكن حسن وبعده حسين، وأنت أبو حسن الخير»(46) .

قال الذهبي عن إسناد الرواية: عليُّ بن مُيسَّر، عن عُمَرَ بن عُميْر، عن ابن فيروز، إسنادٌ مظلمٌ، والمتن باطل(47) .

ونقل ابن حجر في «الإصابة» عن ابن عبد البر أنه قال: «إسناده مجهول»(48) .

وقال الألباني: وهذا إسناد مسلسل بالمجهولين : علي بن ميسر فمن فوقه(49) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفي السند غير الجهالة: ضرار بن صُرد التيمي ، وهو أبو نُعيم الطحان الكوفي ، قال ابن معين: كذّابان بالكوفة هذا – يعني: ضرار بن صرد – وأبو نعيم النخعي، وقال البخاري: متروك الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة، وقال الدارقطني: ضعيف(50) .

الرواية الرابعة:

عن علي رضي الله عنه قال: «لما وُلِد الحسن سماه حمزة، فلما وُلِد الحسين سماه بعمّه جعفر قال: فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُغَيِّرَ اسم هذين، فقُلت: الله ورسوله أعلم، فَسَمَّاهُما حَسَناً وحُسيناً»(51) .

وفي إسناد الرواية: عبد الله بن محمد بن عقيل، ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من أهل المدينة وقال: وكان منكر الحديث لا يحتجون بحديثه، وقال النسائي: ضعيف، وقال أبو زرعة يختلف عنه في الأسانيد. وقال أبو حاتم: ليّن الحديث، ليس بالقوي. وقال أبو معمر القطيعي: كان ابن عيينة لا يحمد حفظه، وقال أبو بكر بن خزيمة: لا أحتج به لسوء حفظه(52) .

وقال يحيى بن معين: ضعيف الحديث(53) ، وقال ابن حبان: ردئ الحفظ، يجئ بالحديث على غير سننه، فوجبت مجانبة أخباره(54) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفيه أيضاً محمد بن عقيل بن أبي طالب ، وهو ليّن الحديث، ولا يغترنّ أحدٌ بحُكم الحافظ ابن حجر في «التقريب» عليه بأنه مقبول، فإنّ المقبول عند الحافظ مشروط بوجود متابعة له وإلا فهو ليّن الحديث، وقد فصلّ ذلك في مقدمته على التقريب فقال: «السادسة: من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ: مقبول، حيث يتابع، وإلا فليّن الحديث»(55) .

وحيث لا يوجد متابع لمحمد بن عقيل على حديثه هذا فإنه يُحكم على حديثه بالضعف.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

صفاته الخَلقية

كان الحسن بن علي رضي الله عنه أشبه الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولوضوح هذا الشبه في ملامح وجهه ونحره رضي الله عنه كان أبو بكر رضي الله عنه يلاعبه صغيراً بقوله «بأبي، شبيه بالنبي لا شبيه بعلي» وعلي رضي الله عنه يضحك(56) .

أما أخوه الحسين رضي الله عنه فإنّ ثمة روايات تذكر أنّ جسده كان شبيهاً بجسد النبيّ صلى الله عليه وسلم دون ملامح وجهه.

فقد روى الترمذي بسنده عن هانئ بن هانئ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «الحسن أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه برسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان أسفل من ذلك(57) .

وروى الطبراني بسنده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه «مَنْ سَره أن ينظر إلى أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين عنقه إلى كعبه خلقاً ولوناً فلينظر إلى الحسين بن علي»(58) .

وذكر ابن عساكر عن فروة بن أبي المغراء عن القاسم بن مالك عن عاصم بن كليب عن أبيه قال: رأيت النبيّ صلى الله عليه وسلم في المنام فذكرته لابن عباس فقال: أذكرت الحسين بن علي حين رأيته؟ قُلتُ: نعم والله ذكرته بكفيه حين رأيته يمشي، قال: إِنا كنا نُشبِّهه بالنبي صلى الله عليه وسلم(59) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضَّحاك الحزامي قال: كان وجه الحسن يشبه وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان جسد الحسين يشبه جسد رسول الله صلى الله عليه وسلم(60) .

ولكني تأملت حديث أنس بن مالك رضي الله عنه الذي رواه البخاري، ونصه: «أُتِيَ عُبَيْدُ الله بن زياد برأس الحسين عليه السَّلَام فَجُعِلَ فِي طَسْتٍ فجعل يَنْكُتُ وقال في حُسْنِهِ شيئاً، فقال أنس: كان أَشْبَهَهُمْ برسول الله صلى الله عليه وسلم وكان مَخْضُوباً بالوَسْمة(61)(62) ...» .

وهو عند الترمذي بسند صحيح من طريق حفصة بنت سيرين أنّ أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كنت عند ابن زياد فجيء برأس الحسين فجعل يقول بقضيب له في أنفه ويقول: ما رأيت مثل هذا حسناً، قال: قلت: أما إنه كان من أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم»(63) .

فظهر لي أنّ الشبه بين النبي صلى الله عليه وسلم والحسين رضي الله عنه كان في ملامح الوجه أيضاً، لا كما دلت عليه الروايات الضعيفة السابقة التي حصرت الشبه في الجسد، وإلا فلماذا يذكر أنس رضي الله عنه شبه الحسين رضي الله عنه بالنبي صلى الله عليه وسلم في تعليقه على عبث الفاسق عبيد الله بن زياد بثغر الحسين رضي الله عنه وثناياه؟

فبان بذلك أنّ الحسين رضي الله عنه كان شبيهاً للنبي صلى الله عليه وسلم بل من أكثر أهل بيته شبهاً به.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولئِن كان ذلك النوع من الشبه بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم هو أمرٌ جُبِل عليه وليس من اختياره، فإنّ الحسين رضي الله عنه كان حريصاً على إتمام مظاهر المُشابهة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم على مستوى الخضاب وغيره.

روى أبو يَعلى بسنده عن سفيان قال: قُلتُ لعبيد الله بن أبي يزيد: رأيت حسين ابن علي؟ قال: أسود الرأس واللحية إِلا شعيرات هاهنا في مقدم لحيته فلا أدري أخُضِب وترك ذلك المكان تشبهاً برسول الله صلى الله عليه وسلم, أو لم يكن شاب منه غير ذلك(64) ... .

وقد كان الحسين رضي الله عنه شديد سواد الرأس واللحية، فقد نقل الحافظ الذهبي عن ابن جريج عن عمر بن عطاء قوله : رأيتُ الحسين يصبغ بالوسمة كان رأسه ولحيته شديدي السواد(65) .

لباسه وزينته

كان الحسين رضي الله عنه يلبس الخزّ من الثياب(66) ، شأنه في ذلك شَأن غيره من الصحابة(67) الذين ترفعّوا عن طلب الشُهرة والتميّز عن الناس.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

روى الطبراني بسنده عن السُّدي قال: رأيت الحسين بن علي وعليه عمامة خَزٍّ قد خرج شعره من تحت العمامة(68) .

وروى أيضاً بسنده عن الشعبيّ قال: دخلتُ على الحسين بن علي وعليه ثوب خز(69) .

وتُفيد رواية الشعبي عن تختّم الحسين رضي الله عنه حِرصه على التختم بشهر رمضان، والتختم من سُنن العادات لا العبادات.

فعن الشعبي قال: رأيت الحسين يتختم في شهر رمضان(70) .

والمروي عنه رضي الله عنه في طريقة تختّمه أنه كان يتختم باليسار.

روى ذلك الترمذي بسنده عن محمد الباقر قال: كان الحسن والحسين يتختمان في يسارهما(71) .

وعند الطبراني عن الباقر أيضاً أنّ الحسين بن علي رضي الله عنه كان يتختم في اليسار(72) .

وقد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تختّمه بيمينه وبشماله أيضاً.

فقد روى مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: «كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في هذه وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى»(73) .

وفي

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

جامع الترمذي عن الصلت بن عبد الله بن نوفل قال: «رأيت ابن عباس يتختم في يمينه ولا إخاله إلا قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه»(74)

وفيه أيضاً عن حماد بن سلمة قال: «رأيت ابن أبي رافع يتختم في يمينه فسألته عن ذلك، فذكر أنه رأى عبد الله بن جعفر يتختم في يمينه، وقال عبد الله بن جعفر: كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه»(75) .

وفي سنن النسائي عن أنس رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يمينه(76) .

قال الإمام النووي: «وأما الحكم فى المسألة عند الفقهاء، فأجمعوا على جواز التختم فى اليمين، وعلى جوازه في اليسار، ولا كراهة في واحدة منهما، واختلفوا أيتهما أفضل؟ فتختم كثيرون من السلف فى اليمين، وكثيرون فى اليسار(77) ...» .

ومما رُوي في زينته التي اعتاد عليها رضي الله عنه أنه كان يخضب بالوَسْمة؛ روى ذلك الطبراني بسنده عن قيس مولى خباب قال: رأيت الحسن والحسين رضي الله عنهما يخضبان بالسواد(78) .

وفي مصنف عبد الرزاق بسنده عن الزهريّ قال: كان الحسين بن عليّ يخضب بالسواد(79) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال الشوكاني في «السيل الجرار»: «وأما خضب الشيب فقد وردت به الأدلة الصحيحة، وورد ما يدل على تأكيد مشروعيته كما في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هُريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنّ اليهود والنصارى لا يصبغون فخالفوهم وأخرج أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي من حديث أبي ذر: إِنّ أحسن ما غيرتم به هذا الشيب الحناء والكتم، والأحاديث في الباب كثيرة وقد كانت هذه السنة مشتهرة بين السلف، حتى كانوا يذكرون في ترجمة الرجل في الغالب أَنه كان يخضب أو لا يخضب...»(80)

﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ ۚ ﴾

ناسب ذِكرنا السابق لِلباس الحسين رضي الله عنه وزينته الظاهرة أن نتحدث عن لِباسه وزينته الباطنة أي: إيمانه وتقواه.

والتلازم بين الظاهر والباطن سيما أهل الإيمان، وقد كان الحسين رضي الله عنه مثالاً للكُمِّل من الرجال إيماناً وخُلقاً وسمتاً.

يقول ابن قيّم الجوزية: «والقلب إذا استغنى بما فاض عليه من مواهب ربه وعطاياه السنية خلع على الأمراء والرعية خِلعاً تُناسبها، فَخَلَع على النفس خِلَع الطمأنينة والسكينة والرضا والإخبات، فأدت الحقوق سمحة لا كظماً بانشراح ورضا ومبادرة، وذلك لأنها جانست القلب حينئذ ووافقته في أكثر أموره واتحد مرادهما غالباً فصارت له وزير صدق بعد أن كانت عدواً مُبارزاً بالعداوة فلا تسأل عما أحدثت هذه المؤازرة والموافقة من طمأنينة ولذة عيش ونعيم هو دقيقة من نعيم أهل الجنة هذا ولم تضع الحرب أوزارها فيما بينهما بل عدتها وسلاحها كامن

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

متوار لولا قدرة سلطان القلب وقهره لحاربت بكل سلاح فالمرابطة على ثغري الظاهر والباطن فرض متعين مدة أنفاس الحياة»(81)

ويقول في «مدارج السالكين»: «وقد جمع سبحانه بين الجمالين أعني جمال الظاهر وجمال الباطن في غير موضع من كتابه.

منها: قوله تعالى ﴿ يَـٰبَنِىٓ ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَٰرِى سَوْءَٰتِكُمْ وَرِيشًا ۖ وَلِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ(82) ﴾ .

ومنها قوله تعالى في نساء الجنة ﴿ فِيهِنَّ خَيْرَٰتٌ حِسَانٌ(83) ﴾ فهن حسان الوجوه خيرات الأخلاق.

ومنها قوله تعالى ﴿ وَلَقَّىٰهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا(84) ﴾ فالنضرة جمال الوجوه والسرور جمال القلوب.

ومنها قوله تعالى ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ(85) ﴾ فالنضرة تزين ظواهرهم والنظر يجمل بواطنهم»(86) .

ولا شك أنّ ما ظهر من الحسين رضي الله عنه قُبيل معركة الطف وخلالها من صَبرٍ وجَلدٍ وتوكلٍ وثباتٍ أمام الأعداء، هو شاهد على ما في قلبه من الإيمان العميق بالله تعالى وبقضائه وقدره.

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفي هذا المعنى يقول ابن قيّم الجوزية: «وأما المصابرة فهي مقاومة الخصم في ميدان الصبر فإنها مُفاعلة تستدعي وقوعها بين اثنين كالمشاتمة والمضاربة. قال الله تعالى ﴿ يَـٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا۟ اصْبِرُوا۟ وَصَابِرُوا۟ وَرَابِطُوا۟ وَاتَّقُوا۟ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ فأمرهم بالصبر وهو حال الصابر في نفسه، والمصابرة وهي حاله في الصبر مع خصمه، والمرابطة وهي الثبات واللزوم والإقامة على الصبر والمصابرة، فقد يصبر العبد ولا يصابر، وقد يُصابر ولا يُرابط، وقد يصبر ويُصابر ويرابط من غير تعبد بالتقوى، فأخبر سبحانه أنّ ملاك ذلك كله التقوى وأنّ الفلاح موقوف عليها فقال ﴿ وَاتَّقُوا۟ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ فالمرابطة كما أنها لزوم الثغر الذي يخاف هجوم العدو منه في الظاهر، فهي لزوم ثغر القلب لئلا يدخل منه الهوى والشيطان فيزيله عن مملكته»(87) .

كان الحسين رضي الله عنه يعلم أنّ القوم يريدونه، لا يريدون غيره، فعرض على من معه النجاة بأنفسهم، على الهلاك معه، وأعدّ نفسه للقاء عدوه ولو مع بضعة نفر ممن سيبقى.

قال لأصحابه: مَنْ أحب أن ينصرف إلى أهله في ليلته هذه فقد أَذنتُ له، فإن القوم إِنما يريدونني. فقال مالك بن النضر: عليّ دَين ولي عيالٌ. فقال: هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جَملاً، ليأخذ كل رجل منكم بيد رجلٍ من أهل بيتي، ثم اذهبوا في بسيط الأرض في سواد هذا الليل إلى بلادكم ومدائنكم، فإِنّ القوم إنما يُريدونني فلو قد أصابوني لهوا عن طلب غيري فاذهبوا حتى يُفرج الله عز وجل....(88) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقبل ذلك يُذكر أنه قد رأى في مسيره إلى العراق رؤيا فاستيقظ منها وهو يقول بلسان المؤمن المطمئن: إِنَّا لله وإِنا إِليه راجعون والحمد لله رب العالمين. رأيت فارساً على فرس وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا تَسْرِي إِليهم فعلمتُ أنها أنفسنا نُعيت إِلينا(89) .

وفي أرض المعركة، حيث تتجلجل الأفئدة، تراه يلتجئ إلى خالقه مؤكداً ثقته به وتوكله عليه بقوله: «اللهم أنت ثقتي في كل كربٍ، ورجائي في كل شدةٍ، وأنتَ لي في كل أمر نزل بي ثِقةٌ وعِدَّةٌ، فكم مِن هَمٍّ يضعف الفؤاد، وتقل فيه الحيلة ويخذلُ فيه الصديق، ويشمتُ فيه العدو، فأنزلته بك، وشكوته إِليك رغبةً فيك إِليك عمن سواك، ففرجته، وكشفته، وكفيتنيه، فأنت ولي كل نعمةٍ وصاحب كل حَسنة ومنتهى كل غايةٍ»(90) .

يقول عبد الله بن عمار واصفاً حال الحسين رضي الله عنه في أرض المعركة: «رأيتُ الحسين حين اجتمعوا عليه يحمل على مَنْ على يمينه حتى انذعروا منه، فو الله ما رأيت مكثوراً قط قد قُتل أولاده وأصحابه أربط جأشاً منه، ولا أمضى جَناناً منه، والله ما رأيتُ قبله ولا بعده مثله...»(91) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فقهه وروايته للحديث

كان الحسين رضي الله عنه عالماً، فقيهاً، معدوداً في مفتي الصحابة. وقد عدّه الإمام ابن قيّم الجوزية في «إعلام الموقعين عن رب العالمين» من فقهاء الصحابة المقلين في الفتيا(92) .

وحال الحسين رضي الله عنه في الرواية كحاله في الفتيا، كان مُقلاً في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبيه علي رضي الله عنه وسائر الصحابة، شأنه في ذلك شأن كثير من الصحابة الذين لم يُعرفوا بكثرة الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم.

ولعل ذلك يرجع في ظني إلى أمرين:

أولهما: التورع عن الرواية

فقد كان كثير من الصحابة رضوان الله عليهم يتهيبون من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ويتورعون عنها خشية الغلط أو الوهم.

وقد ذكر الحافظ ابن عدي في «الكامل» تحت عنوان: «من كان منهم إذا حدث عنه فزع ، وقال : أو كما قال ، تحرجا من الزيادة» عن محمد قال: كان أنس قليل الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فزع منه قال : أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعن عمرو بن ميمون الأودي قال: كنت آتي ابن مسعود كل خميس فإذا قال: سمعت رسول الله انتفخت أوداجه ثم قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريب من ذلك، أو شبيه بذلك، أو كما قال(93) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفي صحيح البخاري عن السائب بن يزيد قال: «صَحِبتُ عبد الرحمن بن عوف وطلحة بن عبيد الله والمقداد وسعداً رضي الله عنهم، فما سمعت أحداً منهم يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أني سمعت طلحة يُحدّث عن يوم أحد»(94) .

فلعل الحسين رضي الله عنه كان مُقِلاً في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة لذلك.

الثاني: قِصر فترة لقاء الحسين رضي الله عنه بجده صلى الله عليه وسلم .

وقد ذكرنا أنه رضي الله عنه وُلد في السنة الرابعة من الهجرة، ويعني ذلك أنه كان يبلغ من العمر حين تُوفي النبي صلى الله عليه وسلم قُرابة الست سنوات.

وعلماء الحديث يقبلون رواية الراوي إذا تحمّل الرواية صغيراً بشرط كونه مميزاً أوان الرواية، وبالغاً أثناء تأديتها، وليس هذا مرادنا من الإشارة إلى قِصر فترة لقاء الحسين رضي الله عنه بجده صلى الله عليه وسلم.

وإنما المراد أنّ صِغر السن مظنة قلة الرواية عادة، وأنّ حِفظ القرآن من الصِغار ليس كتحمل الرواية، فإنّ حِفظ القرآن في هذا العمر يُعتمد فيه على التلقين وكثرة ترديد الآيات دون اشتراط فهم معاني القرآن بخلاف حِفظ الحديث الذي يُسمع مرة واحدة أو مرتين ويُعتمد فيه على حفظ الألفاظ وإدراك المعنى الإجمالي منها على الأقل.

وقد عدّه الإمام ابن حزم في كتابه «أسماء الصحابة الرواة وما لكل واحد من العدد» من أصحاب الثمانية رضي الله عنهم(95) ، أي: الذين رووا ثمانية أحاديث.

أما عن شيوخه في الرواية والرواة عنه، فيقول الحافظ ابن حجر: «روى عن جده وأبيه وأمِّه وخالِه هندِ بن أبي هالةَ وعمر بن الخطاب وعنه أخوه الحسن وبنوه: علي وزيد، وسَكينة

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفاطمة، وابن ابنه: أبو جعفر الباقر(96) والشعبي وعكرمة، وكُرْزٌ التَّيمي، وسنانٌ بن أبي سنان الدُّؤَلِيُّ، وعبد الله بن عمرو بن عثمان، والفرزدق(97) وجماعة»(98)

مشاركته في الفتوحات

شارك الحسين في الجيش الذي قصد جرجان تحت قيادة سعيد بن العاص الأموي، وكذا الجيش الذي غزا إفريقيه مع عبد الله بن أبي السرح(99) ، وكان في الجيش الذي ظفر في فتوحات شمال إفريقيه لما كان عبد الله بن أبي سرح والياً على مصر في حدود سنة سبع وعشرين من الهجرة(100) .

وشارك الحسين في الجيش الذي غزا طبرستان حوالي سنة ثلاثين من الهجرة مع أمير الجيش آنذاك سعيد بن العاص(101) ، وكان في الجيش من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعمر بن العاص وعبد الله بن الزبير(102) .

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كما شارك في الجيش الذي غزا القسطنطينية سنة إحدى وخمسين في عهد معاوية بن أبي سفيان وكان الجيش بقيادة يزيد بن معاوية(103) .

أولاده

* عليّ «الأكبر»

وقد قُتل في الطف كما قال ابن سعد في (الطبقات): «وأما علي الأكبر بن حسين فقتل مع أبيه بنهر كربلاء وليس له عقب»(104) .

وأمه ليلى بنت أبي مُرّة بن عُروة بن مسعود بن عامر ابن معتب الثقفي.

وليلى هذه أمها: ميمونة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية، وأمها بنت أبي العاص بن أمية، فابنها علي «الأكبر» هاشميّ من جهة أبيه ثقفي أمويّ من جهة أمه(105) .

* «علي الأصغر» المعروف بـ «زين العابدين»

وهو أشهر أولاد الحسين رضي الله عنه وأفضلهم، ولذلك قال عنه الإمام مالك: لم يكن في أهل البيت مثله، وهو ابن أَمة(106) .

قال الذهبي في ترجمته: «السيد الإِمام زين العابدين الهاشميّ العلويّ المدني يُكنى أبا الحسين ويقال: أبو الحسن، ويقال: أبو محمد ويقال: أبو عبد الله. وأمه أم ولد، اسمها سَلَّامة بنت ملك الفرس يزدجرد وقيل: غزالة وُلد في سنة ثمانٍ وثلاثين ظناً»(107) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد حكى ابن عِنبة في ترجمة علي بن الحسين الخلاف في اسم أمه ثم خَلُص إلى القول: «وقد أغنى الله تعالى علي بن الحسين « ع » بما حصل له من ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولادة يزدجرد بن شهريار المجوسي المولود من غير عقد على ما جاءت به التواريخ، والعرب لا تعد للعجم فضيلة وان كانوا ملوكاً ولو اعتدوا بالملك فضيلة لوجب أن يفضلوا العجم على العرب ويفضلوا قحطان على عدنان، ولكن ليس ذلك عندهم شيئاً يعتد به. وقد لهج بعض العوام وكثير من بني الحسين « ع » بذكر هذه النسبة وقالوا: جمع علي بن الحسين « ع » بين النبوة والملك . وليس ذلك بشئ ولو ثبت على ما عرفته . ثم إنّ فاطمة بنت الحسين « ع » أم أولاد الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب « ع » وهي فيما يقال من أم على زين العابدين ، فان كانت ولادة كسرى فضيلة فقد حصلت لأولاد الحسن أيضا ، على أن الحسن « ع » كان إماماً على أخيه الحسين « ع » يجب عليه طاعته ، ولم يكن الحسين إماماً للحسن قط وهي الفضيلة التي يلتجئ إليها بنو الحسن إن عورضوا بتلك الولادة أو بغيرها مما يقوله الإمامية»(108) .

ونَسل الحسين رضي الله عنه كله منه، إذ كان بقية أخوته الذكور بلا عقب .

قال أبو بكر بن البرقي: نَسلُ الحسين كُله من قِبل ابنه علي الأصغر، وكان أفضل أهل زمانه ويقال: إنّ قريشاً رغبت في أمهات الأولاد بعد الزهد فيهن حين نشأ عليّ بن الحسين والقاسم ابن محمد، وسالم بن عبد الله(109) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقصيدة الفرزدق مشهورة في مدح عليّ بن الحسين، ومنها قوله فيه:

هذا ابن خير عباد الله كلهم هذا التقي النقي الطاهر العلم

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته والبيتُ يعرفه والحِل والحَرم

يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

إذا رأته قريشٌ قال قائلها إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

إن عُدَّ أهل التقى كانوا أئمتهم أو قيل من خير أهل الأرض قيل: هم

هذا ابن فاطمة إن كُنتَ جاهله بجده أنبياء الله قد ختموا

وليس قولك مَن هذا بضائره العربُ تعرف مَنْ أنكرتَ والعجم

يغضي حياءً ويُغضى مِنْ مهابته ولا يكلم إلا حين يبتسم(110)

ولعليّ بن الحسين رضي الله عنه مواقف مشهورة، وأقوال مأثورة في الثناء على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والانتصار لهم، منها:

- أنه أتاه نفر من أهل العراق فقالوا في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنه فلما فرغوا قال: ألا تخبروني: أنتم المهاجرون الأولون الذين ﴿ أُخْرِجُوا۟ مِن دِيَـٰرِهِمْ وَأَمْوَٰلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَٰنًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ ۚ أُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ الصَّـٰدِقُونَ ﴾ ؟ قالوا: لا.

قال: فأنتم الذين ﴿ تَبَوَّءُو الدَّارَ وَالْإِيمَـٰنَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِى صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُوا۟ وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ ؟ قالوا: لا.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال: أما أنتم فقد تبرأتم أن تكونوا من أحد هذين الفريقين، ثم قال: أشهد أنكم لستم من الذين قال الله عز وجل فيهم: ﴿ وَالَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَـٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟(111) ﴾ اخرجوا فعل الله بكم(112) .

* جعفر

وأمه قضاعية فيما ذكر ابن الطقطقي(113) وقال مصعب: «وجعفر بن حسين لا بقية له وأمه من بَليّ»(114) .

* عبد الله(115)

وقد قُتِل صغيراً في «كربلاء» وأمه: الرباب بنت امرئ القيس بن عديّ الكلبية، وقد كان الحسين رضي الله عنه شديد المحبة لها ولابنته سَكِينة منها(116) .

وكانت هي أيضاً شديدة المحبة له رضي الله عنه حتى إنها لم تتزوج بعده.

وكانت تقول: لا أتخذ حمواً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل من جاء يخطبها.

ورثته بقولها:

إنّ الذي كان نوراً يستضاء به بكربلاء قتيل غير مدفون

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سِبط النبيّ جزاك الله صالحةً عنا وجنبت خسران الموازين

قد كنت لي جبلاً صعباً ألوذ به وكُنت تصحبنا بالرحم والدين

مَنْ لليتامى ومن للسائلين ومَنْ يغني ويأوي إليه كل مسكين(117)

* سُكينة(118)

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأمها الرباب بنت امرئ القيس بن عديّ الكلبية فهي أخت شقيقة لعبد الله السالف الذكر وقد شهدت سكينة كربلاء، وقدمت دمشق مع أهل بيتها بعد قتل أبيها ثم خرجت إلى المدينة(119) وهي تابعية جليلة محدثة قليلة الرواية.

قال الإمام الذهبي في «السير»(120) : «كانت بديعة الجمال، تزوجها ابن عمها عبد الله بن الحسن «الأكبر»، فقتل مع أبيها قبل الدخول بها، ثم تزوجها مصعب(121) أمير العراق، ثم تزوجت بغير واحد، وكانت شهمة مهيبة، دخلت على هشام الخليفة، فسلبته عمامته ومِطرفه ومِنْطقته، فأعطاها ذلك(122) ، ولها نظم جيِّد».

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال ابن سعد في «الطبقات» :

«تزوجها مصعب بن الزبير بن العوّام ابتكرها فولدت له فاطمة، ثم قُتِل عنها فخلف عليها عبد الله بن عثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام بن خويلف(123) بن أسد بن عبد العزى بن قصيّ فولدت له عثمان الذي يقال له قُرين؛ وحكيماً؛ وربيحة(124) ، فهلك عنها فخلف عليها زيد بن عمرو بن عثمان بن عفان فهلك عنها، فخلف عليها إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزّهري، كانت ولّته نفسها فتزوجها فأقامت معه ثلاثة أشهر، فكتب هشام بن عبد الملك إلى واليه بالمدينة أن فرّق بينهما، وقال بعض أهل العلم: هلك عنها زيد بن عمرو بن عثمان وتزوجها الأصبغ بن عبد العزيز بن مروان»(125) .

ذكرها ابن حِبان في «الثقات»(126) فقال: «تروي عن أهل بيتها وروى عنها أهل الكوفة» وقال ابن ماكولا: «لها أخبار مشهورة روت عن أبيها»(127) .

وكانت سُكينة من الفصاحة والبلاغة والأدب بمكان، وقد نقلت لنا كتب التاريخ والأدب ما يبين فصاحتها وعلمها بالأدب والشعر، نعم ينبغي الاحتراز مما ذُكر في كتب الأدب عن سكينة رحمها الله خاصة كتاب «الأغاني» لأبي الفرج الأصفهاني، ففيه أخبار شنيعة لا تليق بما عُلِم وعُرِف من تقوى وورع سُكينة بنت الحسين، وكذا قصة شنيعة جداً ذكرها عنها نعمة الله الجزائري في «الأنوار النعمانية»(128) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد تُوفيت سُكينة رحمها الله سنة سبع عشرة ومئة ودفنت بالمدينة، ولم يصح أنها نزلت مصر ولا دُفِنت بها، كما أنه لم يصح أنها دُفِنت بالشام.

قال الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» تحت عنوان «ذِكر مقابر أهل دمشق»: «فأما قبر سكينة بنت الحسين فيُحتمل، لأنها تزوجت بالأصبغ بن عبد العزيز بن مروان الذي كان بمصر ورحلت إليه فمات قبل أن تصل إليه، فيُحتمل أنها قدمت دمشق وماتت بها، والصحيح أنها ماتت بالمدينة وأمرهم الوالي أن لا يدفنوها حتى يحضرها وركب إلى بعض أمواله بنواحي المدينة وكان اليوم حاراً، فتغيرت رائحتها واشتري لها طيباً كثيراً ليغلب الرائحة فلم يغلب ثم بعث إليهم أن ادفنوها فإني مشغول فدفنت ولم يحضر»(129) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

* فاطمة

أمها أم إسحاق بنت طلحة بن عبيد الله التيمي، تزوجت أولاً ابن عمها الحسن «المثنى» ابن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما وولدت له عبد الله «المحض» وإبراهيم «الغمر» والحسن «المثلث», ثم خلف عليها عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان فولدت له محمداً «الديباج»(130) .

لها مواقف مشهورة، وقد حضرت كربلاء ومن مشهور قولها لأبنائها: «يا بنيّ إنه والله ما نال أحدٌ من أهل السفه بسفههم، ولا أدركوا ما أدركوه من لذاتهم، إِلا وقد أدركه أهل المروءات بمروءاتهم، فاستتروا بستر الله»(131) .

قال عنها الحافظ ابن كثير: «وأما فاطمة بنت الحسين بن عليّ بن أبي طالب، وهي أخت زين العابدين فحديثها مشهور، روى لها أهل السنن الأربعة وكانت فيمن قدم بها مع أهل البيت بعد مقتل أبيها إلى دمشق وهي من الثقات»(132) .

وترجم لها الحافظ ابن عساكر في «تاريخ دمشق» فقال: «روت عن جدتها فاطمة مرسلاً وأبيها حسين بن علي وعمتها زينب بنت علي وأخيها علي بن الحسين وعبد الله بن عباس وعائشة أم المؤمنين وأسماء بنت عميس وبلال المؤذن مرسلاً، روى عنها: بنوها عبد الله والحسن وإبراهيم بنو الحسن بن الحسن ومحمد بن عبد الله بن عمرو وشيبة بن نعامة ويعلى بن أبي يحيى وعائشة بنت طلحة وعمارة بن غزية وأم أبي المقدام هشام بن زياد وأم الحسن بنت جعفر بن الحسن بن الحسن، وكانت فيمن قدم بها دمشق بعد قتل أبيها ثم خرجت إلى المدينة(133) » .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومن شعرها في رثاء زوجها الحسن المثنى:

وكانوا رجاءً ثم أمسوا رزية لقد عظمت تلك الرزايا وجلّت(134)

* عمر

لا يوجد بين أيدينا الكثير عن هذه الشخصية، حتى سمِعت من بعض المهتمين بالأنساب أن ليس للحسين رضي الله عنه ولد بهذا الاسم ، وأنّ (عُمر بن الحسين بن علي) المذكور في تاريخ دمشق هو تصحيف ل(عمرو بن الحسن بن علي).

لكن الأمر ليس كذلك، فقد وقفت على عدة شواهد تُثبت وجود ابن للحسين رضي الله عنه باسم (عُمر).

قال ابن منده: (وممن اسمه محمد ويُكنى أبا عبد الله، أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، حدّث عن أبيه، قاله شباب العصفري)(135) .

وذكر ياقوت الحموي في (معجم البلدان) أنّ مشهد عمر بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في: (مدينة قديمة على دجلة فوق الموصل بينهما سبعة فراسخ وبينها وبين نصيبين ثلاثة وعشرون فرسخاً)(136) .

وروى الدولابي ( 310 هـ) في (الذرية الطاهرة النبوية) عن أحد أحفاده فقال: (أخبرني أبو عبد الله الحسين بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن الحسين بن علي بن أبي طالب(137) ..) .

وقد يقال إن ظاهر ذلك التعارض مع المشهور أن الحسين لم يكن له عقب إلا من جهة علي زين العابدين، ويجاب عنه بأنّ المراد بذلك عقبه الذي استمر إلى اليوم فإن بعض المؤرخين يطلقون القول أن من زين العابدين عقب الحسين أو كل عقب الحسين، ومنهم من يقول منه

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عقب الحسين إلى اليوم كابن المطهر في البدء والتاريخ وابن العبرى في تاريخ مختصر الدول وهو نصراني

شعره

لم يشتهر الحسين رضي الله عنه بإنشاء الشِعر أو إنشاده، لكن ذكر الرواة عنه أبياتاً من الشعر لا يمكن الجزم بصحة نِسبتها إليه، وإنما أنقلها استئناساً بها.

قال الحافظ ابن كثير: (فمن ذلك ما أنشده أبو بكر بن كامل عن عبد الله بن إبراهيم وذكر أنه للحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما:

اغنَ عن المخلوق بالخالق تَغْنَ عن الكاذبِ والصادقِ

واسترزق الرحمنَ من فضلهِ فليس غير اللهِ مِنْ رازق

مَنْ ظن أن الناس يُغنونهُ فليس بالرحمن بالواثق

أو ظن أن المال مِنْ كسبه زلتْ به النعلان من حالق(138)

- وعن الأعمش أن الحسين بن علي رضي الله عنه قال:

كلما زِيدَ صاحب المال مالاً زِيد في همه وفي الاشتغالِ

قد عرفناكِ يا منغصة العيش ويا دار كلِّ فانٍ وبالِ

ليس يصفو لزاهدٍ طلبُ الزُّهد إذا كان مثقلاً بالعيالِ(139)

- وعن إسحاق بن إبراهيم قال: بلغني أنّ الحسين رضي الله عنه زار مقابر الشهداء بالبقيع فقال:

ناديت سُكان القبور فأُسكِتوا وأجابني عن صمتهم تُرب الحصا

قالت أتدري ما فعلت بساكني مزقت لحمهم وخرقت الكسا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وحشوت أعينهم ترابا بعدما كانت تأذى باليسير من القذا

أما العظام فإنني مزقتها حتى تباينت المفاصل والشوا

قطعت ذا زاد من هذا كذا فتركتها رمماً يطوف بها البلا(140)

- وأنشد أبو القاسم علي بن محمد بن شهدك الأصبهاني من شعر الحسين:

لئن كانت الدنيا تعدُّ نفيسةً فدار ثواب الله أعلى وأنبلُ

وإن كانت الأبدان للموت أنشئت فقتل في سبيل الله بالسيف أفضلُ

وإن كانت الأرزاق شيئاً مقدراً فقلة سعي المرء في الكسب أجملُ

وإن كانت الأموال للتَّرك جُمعتْ فما بال متروك به المرء يبخلُ(141)

- وأنشد الزبير بن بكار من شعر الحسين رضي الله عنه في امرأته الرباب بنت امرئ القيس بن عديّ بن أوس الكلبي، أم ابنته سُكينة بنت الحسين:

لعمرك إنني لأحبُّ داراً تحلُّ بها سُكينة والرَّباب

أُحبهما وأَبذل جُلَّ مالي وليس للائمي فيها عتاب

ولستُ لهم وإن عتبوا مُطيعاً حياتي أو يغيبني الترابُ(142)

وفاته

أجمع المؤرخون إلا من شذ على أنّ وفاة الحسين رضي الله عنه كانت في سنة إحدى وستين من الهجرة في العاشر من المحرم ويتفق المؤمنون أنه كان يوم عاشوراء، وشذ بعضهم وهماً فقالوا آخر يوم من سنة ستين، وهو ضعيف.

وفي

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هذا يقول الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» «وأما الوهم في تاريخ موته: فأجمع أكثر أهل التاريخ أنه قُتل في المحرم سنة إِحدى وستين؛ إلا هشام بن الكلبي فإنه قال: سنة اثنتين وستين، وهو وهم أيضاً»(143)

واختلف في يوم مقتله على أقوال منها: أنه استشهد يوم السبت، وقيل: يوم الإِثنين، وقيل: يوم الأربعاء، وقيل: يوم الجمعة.

مكانة الحسين ومنزلته عند صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم

حين أرسلت قريشٌ عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه - حين كان مُشركاً - إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليصرفه عن العُمرة، رأى من إجلال الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وحرصهم على امتثال أمره عجباً، فرجع إلى قريش وهو يحكي له ما أذهله وأثرّ في نفسه قائلاً:

«أي قوم! والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله إن رأيت ملكاً قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمداً، والله إن تنخم نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم فدلك بها وجهه وجِلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وَضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيماً له وإنه قد عرض عليكم خطة رشد فاقبلوها..(144) » .

هؤلاء هم الصحابة كما رآهم أعداؤهم ... يحبون نبيهم صلى الله عليه وسلم ويُجلونه ويمتثلون أمره ويعظّمون أمره.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لقد سَمِع الصحابة الكرام نبيهم صلى الله عليه وسلم وهو يُثني الثناء العطر على سِبطيه الحسن والحسين رضي الله عنهما، وراقبوه وهو ينزل من على منبره خوفاً عليهما من التعثر والسقوط، رأوه وهو يحنو عليهما ويُظللهما بعطفه الأبوي، فماذا تُراهم سيفعلون مع الحسن والحسين رضي الله عنهما؟

يحكي لنا التاريخ قول الخليفة أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه : «ارقبوا محمداً في أهل بيته»(145) ، وقوله هذا لا يحتاج إلى بيان.

أما الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيروي عنه الزُّهري أنه كسا أبناء الصحابة، ولم يكن في ذلك ما يصلح للحسن والحسين فبعث إلى اليمن، فأتي بكسوة لهما فقال: الآن طابت نفسي(146) .

وروى الواقدي أَنَّ عمر ألحق الحسن والحسين بفريضة أبيهما؛ لقرابتهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل واحد خمسة آلاف(147) .

وقال الذهبي: «روى جعفر بن محمد عن أبيه: أَنَّ عمر جعل للحسين مثل عطاء علي خمسة آلاف»(148) .

وأما ابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فمعلوم نصحه للحسين رضي الله

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عنه قبل خروجه لأهل العراق، وقد قال له: «إنَّ جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم فخيَّره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنك بضعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك يريد منكم»(149)

وأما أبو هريرة رضي الله عنه فقد روى الحافظ ابن عساكر في تاريخه عن أبي المهزم أنه قال: كنا مع جنازة امرأة ومعنا أبو هريرة فجيء بجنازة رجل فجعله بينه وبين المرأة فصلى عليهما، فلما أقبلنا أعيا الحسين فقعد في الطريق، فجعل أبو هريرة ينفض التراب عن قدميه بطرف ثوبه، فقال الحسين: يا أبا هريرة، وأنت تفعل هذا؟!

قال أبو هريرة: دعني، فوالله لو يعلم الناس منك ما أعلم لحملوك على رقابهم(150) .

وأما عمرو بن العاص رضي الله عنه ، فمن مظاهر تقديره وإجلاله للحسين رضي الله عنه ما رواه ابن أبي شيبة عن الوليد بن العيزار قال: بينا عمرو بن العاص رضي الله عنه في ظل الكعبة إذ رأى الحسين بن علي مقبلاً فقال: هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء(151) .

وأما معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه فكان يُكرم الحسين ويجله، وكان الحسين يقبل جوائزه(152) .

يقول الحافظ ابن كثير: «لما استقرت الخلافة لمعاوية، كان الحسين يتردد إِليه مع أخيه الحسن فيكرمهما إكراماً زائداً ويقول لهما: مرحباً وأهلاً، ويعطيهما عطاءً جزيلاً، وقد أطلق لهما في يوم

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

واحد مائتي ألف، وقال: خذاها وأنا ابن هند(153) والله لا يعطيكماها أحد قبلي ولا بعدي، فقال الحسين: والله لن تعطي أنتَ، ولا أحد قبلك، ولا بعدك رجلاً أفضل منا. ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إِلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه(154)

- وشكى معاوية مرة من شدة ردِّ الحسين عليه، فقيل له: «اكتب إليه كتاباً تعيبه وأباه فيه، فقال: ما عسيتُ أن أقول فيه وفي أبيه إلا أن أكذب، ومثلي لا يعيب أحداً بالباطل، وما عسيتُ أن أقول في حسين ولست أراه للعيب موضعاً...»(155) .

وجُل أهل البيت ممن عاصروا الحسن والحسين رضي الله عنهما كانوا يكرمونهما فقد روى ابن عساكر بسنده عن مدرك بن عمارة قال: «رأيتُ ابن عباس آخذاً بركاب الحسن والحسين، فقيل له: أتأخذ بركابهما وأنتَ أسن منها؟ فقال: إنّ هذين ابنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أوليس من سعادتي أَنْ آخذ بركابهما»(156) .

وروى ابن عساكر بسنده عن رزين بن عبيد: كُنتُ عند ابن عباس فأتى علي بن الحسين فقال ابن عباس: مرحبا بالحبيب ابن الحبيب(157) .

تلك نظرة الصحابة رضوان الله عليهم لريحانة المصطفى صلى الله عليه وسلم الحسين بن علي رضي الله عنه ، وهذه مكانته عندهم.

القسم الثاني : الحسين .. وفقه المعارضة .. وقفات وتأملات ..

د. محمد بن عبد الهادي الشيباني

الفصل الأول : معارضة الحسين .. الأسباب والأحداث

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 62 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 63 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 64 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 65 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 66 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

تمهيد

مرت حياة الحسين رضي الله عنه بمحطات رئيسة وعلامات بارزة، خلفت وراءها كماً هائلاً من التساؤلات والاستفسارات لا زلنا نعاني آثارها إلى اليوم، ولعل من أبرز ملامح هذه المحطات والعلامات فقه المعارضة عند الحسين رضي الله عنه ، الذي تمثل في معارضته لبيعة يزيد, ثم خروجه إلى كربلاء استجابة لرسائل أهل الكوفة الذين غدروا به وبأهل بيته، وتركوهم يواجهون مصيرهم مع جيش ابن زياد، الأمر الذي انتهى بفاجعة كربلاء.

ولما لهذه المأساة من آثار متداعية على تاريخ المسلمين وواقعهم المعاصر، بل لا نغالي إذا قلنا وعلى مستقبلهم، ولكي نكون منصفين في العرض والحكم والاستدلال فيجب أن نعرض القضية من أصلها, وبدايتها، وأن نسير مع فصولها ونتابع أحداثها، بإخلاص المؤمن, وتحيّد الباحث عن الحقيقة.

وتبدأ القضية بأخذ معاوية رضي الله عنه البيعة ليزيد، بل لو أردنا الإنصاف فإن القضية تبدأ قبل ذلك، لكن لا يمنع أن تكون بيعة يزيد منطلقاً لحديثنا عن هذه الفترة بمحنها وإحنها، معرجين على ما قبلها من أحداث حسب ما تتطلبه طبيعة البحث، وخشية ألا نقع في إطناب يورث وحشة لدى القارىء وثقلاً عليه.

المبحث الأول : في أخذ البيعة ليزيد

بداية وقبل حديثنا عن معارضة الحسين لبيعة معاوية ليزيد فإنه يتحتم علينا أولاً الحديث عن هذه البيعة والأسباب التي دفعت معاوية إليها.

الأسباب التي دفعت معاوية رضي الله عنه لأخذ البيعة ليزيد

1- السبب السياسي ( الحفاظ على وحدة الأمة )

يجب أن نعرف أن الظروف التي بويع فيها أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنه تختلف اختلافاً واضحاً عن تلك الفترة التي أخذ فيها معاوية البيعة لولده يزيد.

فقد كانت خلافة الصديق خيراً عاما على الأمة، فأقام الله به الدين وجاهد المرتدين، وكان هو وعمر سائر أصحاب الرسول وآل بيته يداً على من ناوئهم، ولم يبرز في عصرهما خلاف، وشذ عن أمرهما مخالف، فكانت خلافتهما محل اتفاق فانعقدت لهما، وانقاد المسلمون لأمرهما فما خالفهما أحد.

ولما أصيب عمر رضي الله عنه أوصى بأن يكون الخليفة أحد الستة المبشرين بالجنة وهم: «عثمان ابن عفان – وعلي بن أبي طالب – والزبير بن العوام – وعبد الرحمن بن عوف – وسعد بن أبي وقاص – وطلحة بن عبيد الله» رضي الله عنه .

وهنا أصبحت الخلافة محصورة في واحد من هؤلاء الستة, حيث كان لهم من الأهلية والفضيلة والسابقة المحمودة في الإسلام والبشارة لهم بالجنة ما يجعل الناس تقر وتعترف لهم بالفضل والسابقة في الدين.

وبعد استشارة واستقصاء لآراء الصحابة رضي الله عنه وقع الاختيار على عثمان رضي الله عنه , وذلك باعتباره أفضل المرشحين الستة لخلافة المسلمين, وبرزت الفتنة في أواخر خلافته, وحوصر وقتل مظلوماً شهيداً رضي الله عنه .

وتولى الخلافة من بعده علي رضي الله عنه , ولم يجمع الناس على بيعته حيث برزت بعض التُّهم الموجهة له ولمن معه بأنهم تواطؤوا, أو تساهلوا مع الثوار حتى قتل عثمان رضي الله عنه بين أظهرهم.

وكانت بلاد الشام بقيادة معاوية رضي الله عنه تمثل هذا التيار المعارض, وكان يسيطر على أهل الشام شعور جارف بوجوب الانتقام من قتلة عثمان الذين يمثلون قطاعاً من جيش علي رضي الله عنه , وحدث القتال والفرقة وقُتل من قُتل من المسلمين, وهنا بدأ ظهور الفرق المختلفة كالخوارج وغيرها.

وأمام هذا التغير في بعض معتقدات وأفكار فئة من المجتمع الإسلامي حتمت الظروف وواقع المجتمع – في تلك الفترة – على معاوية أن يعيد النظر ويتبصر فيمن سيكون خليفة للمسلمين من بعده.

فأهل الشام أكثر ثباتاً وإخلاصاً لمبادئهم وأهدافهم, ولهذا حقق بهم – بإرادة الله – انتصاراته على أهل العراق.

وأهل العراق الذين ينضوي تحت قبائلهم الثوار المتهمون بقتل عثمان رضي الله عنه لم تربط بينهم روابط دينية محددة, علاوة على كثرة أهل الشقاق ومحبي الفتن في هذا الإقليم, والذين كانوا أحد الأسباب في خذلان علي رضي الله عنه وكانوا مصدر أذى وبلاء عليه وعلى أبنائه من بعده(158) وأما أهل الحجاز, ففيهم الصحابة وكبار التابعين, أهل الفقه والراسخون في العلم ويعتبر الحجاز في تلك الفترة المكان الذي يمثل الإسلام أحسن تمثيل, فلا يوجد فيه أصحاب العقائد الفاسدة, ولم تظهر فيه المنكرات والبدع, وكانت بيئة أهل الحجاز بيئة علم ودين وتقى لوجود الصحابة وأبنائهم في كل من مكة والمدينة.
حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
ويبرز من أهل الحجاز من أبناء الصحابة الكبار أمثال الحسين بن علي، وعبد الله ابن الزبير، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، كأفضل المرشحين ليتولى أحدهم الخلافة بعد معاوية رضي الله عنه.

وهنا يبرز سؤال ملح وهو, لماذا لم يرشح معاوية أحداً من هؤلاء الأربعة؟

وإجابةً على هذا السؤال نقول أن اجتماع كلمة المسلمين في جميع الأقطار على رجلٍ واحدٍ كان صعباً جداً, فالخلافات بينهم كانت كبيرة.

فأهل الشام ينظرون لأهل العراق كموطن للثوار الذين اغتالوا عثمان, وليس من المعقول أن يتنازل أهل الشام عن مكاسبهم ومبادئهم التي قاتلوا من أجلها، وهي نصرة الخليفة المظلوم والأخذ بثأره.

فكيف يمكن لأهل الشام أن يسمحوا بترشيح شخص يحظى بدعم أهل العراق.

وأهل المدينة خصوصاً وأهل الحجاز عموماً ينظر الشاميون لهم على أنهم يشتركون اشتراكاً فاعلاً في تحمّل المسؤولية عن قتل عثمان رضي الله عنه , فقد حوصر الخليفة أكثر من شهر ثم تسور الثوار المنزل عليه وقتلوه بين أظهر أهل المدينة, فإذاً ليس من المعقول – حسب نظرة أهل الشام – أن يقبلوا بمرشح من أهل المدينة(159) .

هذا تقريب لنظرة أهل الشام لمن سيكون مرشحاً للخلافة من هذه الأقاليم, ولا تبعد كثيراً نظرة أهل العراق عن نظرة أهل الشام فيمن سيكون خليفة بعد معاوية رضي الله عنه .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أهل العراق يؤيدون بقوة الحسين بن علي رضي الله عنه ، ومن الصعوبة أن يقتنعوا بشخصٍ آخر يحل محله.

ثم إن الأشخاص المرشحين لن يحظوا بتأييد كامل من أقرانهم, فالأمويون لا يرغبون في تحول الخلافة لشخص من غيرهم, فهم أكبر قبيلة في قريش, وهم أهل السيادة والإمارة(160) .

كما أنهم على خلافٍ مع بعض أبناء الصحابة في المدينة.

ثم إن نفس المرشحين للخلافة الذين يفترض أن الخلافة ستنحصر في أشخاصهم لم يجمعوا أمرهم على شخص بعينه, بل إن كل واحدٍ منهم يرى في نفسه الأحقية والأهلية التي تجعل منه خليفة للمسلمين.

وحتى ابن عمر الذي ربما اجتمعت عليه الآراء، ويجمع غالب المسلمين على ترشيحه، موقفه من الخلافة معروف, وهو من أزهد الناس فيها.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وحسماً للخلاف الذي ربما أدى بالأمة إلى نزاعات جديدة، وفتح ثغرات في كيانات الدولة، نظر معاوية إلى ابنه يزيد على أنه المرشح الذي سيحظى بتأييد أهل الشام الذين يمثلون الرأي العام الأقوى في استقرار الدولة.

وقد أبرز معاوية رضي الله عنه السبب الذي دعاه لاختيار ابنه يزيد وذلك أثناء جمع التأييد له من كبار أبناء الصحابة أثناء رحلته الأخيرة للحج. إذ كان الدافع لمعاوية رضي الله عنه عندما سارع في أخذ البيعة ليزيد هو خوفه من الاختلاف(161) ، الذي قد يطرأ على الأمة بعد موته، وربما تنخرط في قتالٍ جديدٍ لا يعلم سعته ومداه إلا الله عز وجل.

2- السبب الاجتماعي ( قوة العصبية القبلية )

لقد خاض معاوية رضي الله عنه الحرب, وتولى الخلافة بنصرة من أهل الشام, وكانوا من أشد الناس طاعة لمعاوية ومحبة لبني أمية(162) .

وكانت عندهم نظرة متأصلة تجاه أهل المدينة وأهل العراق بأنهم السبب في قتل خليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه .

ومن الدلائل على تلك الطاعة والمحبة هو أن معاوية رضي الله عنه لما عرض خلافة يزيد بن معاوية على أهل الشام وافقوا جميعاً ولم يتخلف منهم أحد, وبايعوا ليزيد بولاية العهد من بعد أبيه.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وما كان أهل الشام يرضون بأن يتولى الخلافة أحد غير بني أمية, مقابلة بشعور كثير من أهل العراق الذين كانوا يرفضون أن يتولى الخلافة رجل من غير آل البيت, ولقد كان هناك شعور قوي بأهمية بقاء الخلافة في بني أمية وفي بلادهم.

فمثلاً لما بايع أهل مكة لابن الزبير اعترض كثير من أشراف أهل الشام على ذلك وقالوا: إن الملك كان فينا فيتنقل إلى أهل الحجاز لا نرضى بذلك(163) .

وكانت الدولة الإسلامية في بدايتها أي في عصر الخلفاء الراشدين يسيطر عليها الوازع الديني إلا أنه منذ خلافة معاوية كانت العصبية قد قويت, والوازع الديني قد ضعف في النفوس واحتيج إلى الوازع السلطاني والعصبي, فلو عهد إلى غير من رضيته العصبية لردت ذلك العهد وانتقض أمره سريعاً, وصارت الجماعة إلى الفرقة والاختلاف(164) .

إن نظرة ابن خلدون هذه واستنتاجه لجدير بالاحترام والتأييد, وخصوصاً أن ابن خلدون خاض الحياة السياسية ودخل في غمارها, فاستنتاجه هذا مبني على تجربة, هو أدرى بظروفها ونتائجها.

ومنعطفات السياسة بالذات يكتنفها في الغالب الغموض وعدم الوضوح, فليس بوسع أي شخص أن يدرك هذه الحقائق منذ الوهلة الأولى.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثم لا ننسى قوة قبيلة كلب ودورها في تقرير السلطة – ما عمله حسان بن مالك ابن بحدل سيد قبيلة كلب – وهو من أخوال يزيد, هذا الزعيم القبلي هو الذي شد الخلافة لمروان بن الحكم فيما بعد(165) .

ويذهب شعوط إلى إعذار معاوية فيما اتخذه من العمل على أخذ البيعة ليزيد فيقول: «ولما كانت العصبية والقوة في بني أمية، فقد أصبح تصرف معاوية بتولية يزيد أمراً طبيعياً يقره المنصفون ويحرص عليه العقلاء(166) .

ثم إنه من الناحية العملية كان نقل الخلافة من الأمويين إلى غيرهم في ذلك الوقت مطلباً يكاد يكون مستحيلاً، فالولاة على الأقاليم كانوا من بني أمية أو من أتباعهم، وإسناد الخلافة إلى أحدٍ من أبناء الصحابة في الغالب هو عزل هؤلاء الولاة، وقد يرفض البعض قرار العزل، ثم ستتكرر معارك الجمل وصفين على نطاق واسع»(167) .

ومن الدلالة على قوة العصبية في بلاد الشام لبني أمية، أن مروان بن الحكم تمكن من الانتصار بأهل الشام على عمال عبد الله بن الزبير، ثم تبعه بعد ذلك ابنه عبد الملك بن مروان،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حتى تمكن من الانتصار بأهل الشام على ابن الزبير وقتله عام 73 هـ ومع ذلك لم نجد أهل الشام انقادوا لابن الزبير، بل إن أهل العراق غدروا بأخيه مصعب بن الزبير ومالوا مع عبد الملك بن مروان, وقد عبّرت سكينة بنت الحسين عن خيانة أهل الكوفة لزوجها مصعب بقولها: لعنكم الله يا أهل الكوفة أيتمتموني صغيرة وأرملتموني كبيرة(168) فلماذا لم تجتمع الأمة على ابن الزبير وهو في ذلك الحين لا يشاركه أحد في فضائله ومكانته؟ بل قد ترى العكس، فنجد أن عبد الملك بن مروان الذي يعتبر في السن كأحد أبناء عبد الله بن الزبير, تمكّن من تولي زعامة المسلمين.

3- أسباب شخصية في يزيد

لا شك أن الصحابة وأبناءَهم أفضل من يزيد وأصلح، ولكن مع ذلك فإن معاوية ربما رأى في ولده مقدرة لا تكون لغيره في قيادة الأمة، بسبب عيشته المتواصلة مع أبيه، ومناصرة أهل الشام وولائهم الشديد له, ثم اطّلاعه عن قرب على معطيات ومجريات السياسة في عصره.

رأى معاوية رضي الله عنه في يزيد بعض الصفات الحسنة من الكرم والمروءة والشجاعة والإقدام والقدرة على القيادة, هذه المزايا جعلته ينظر ليزيد نظرة إعجابٍ وإكبارٍ وتقدير.

وليس معاوية ذلك الرجل الذي يجهل صفات الرجال ومكانتهم, وهو ابن سلالة الإمارة والزعامة في مكة، ثم هو الذي قضى أربعين سنة من عمره وهو يسوس الناس، ويعرف مزايا القادة والأمراء والعقلاء ويعرف لكل واحدٍ منهم فضيلته.

وقد أنس معاوية رضي الله عنه من ولده يزيد حرصاً على العدل, وتأسياً بالخلفاء الراشدين، فقد كان يسأله عن الكيفية التي سيسير بها في الأمة فيرد عليه يزيد بقوله:

«كنت والله يا أبت

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عاملاً فيهم عمل عمر بن الخطاب»(169)

ولقد كان معاوية رضي الله عنه يدرك أن كثيراً من المزايا موزعة بين الشباب القرشي، وأن هذه المزايا مع تلك الطموحات الشخصية التي ظهرت فيما بعد ربما تدخل الأمة في حروبٍ وفتنٍ كثيرة، فمع أن يزيد يشارك بعضهم في بعض ما يمتازون به إلا أنه يمتاز عليهم بأعظم ما تحتاج إليه الدولة، أي القوى العسكرية(170) .

«بيد أن معاوية يرى هذا التدبير على ما فيه من غمط حقوق الكفاءة للخلافة أضمن لسلامة الدولة، وتُتقى به شرور قد تستطير بين الناس كلما مات لهم خليفة، أو قوي أعداؤه فأرادوا استلاب الخلافة منه، ويخشى إذا ظل المسلمون على تناحرهم أن يجمع أعداؤهم شملهم، ويعيدوا الكرة عليهم في صميم جزيرة العرب، والله أعلم بعواقب ذلك على الإسلام والمسلمين»(171) .

ولا يتهم الإمام في هذا الأمر وإن عهد إلى أبيه أو ابنه، لأنه مأمور بالنظر لهم في حياته، فأحرى ألا يحتمل فيها تبعته بعد مماته، خلافاً لمن قال باتهامه في الولد والوالد، أو لمن خصص التهم في الولد دون الوالد.

فإنه بعيد عن الظن في ذلك كله، لا سيما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه من إيثار مصلحة، أو توقع مفسدة, فتنفي الظن عند ذلك رأساً، كما وقع في عهد معاوية لابنه يزيد، وإن كان فعل معاوية مع وفاق الناس له حجة في الباب(172) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال ابن بطال: «وعقد الخلافة من الإمام المتولي لغيره بعده جائز على عامة المسلمين لإطباق الصحابة ومن معهم على العمل بما عهده أبو بكر لعمر، وكذا لم يختلفوا في قبول عهد عمر إلى الستة: وهو شبيه بإيصاء الرجل على ولده لكون نظره فيما يصلح أتم من غيره فكذلك الإمام(173) » .

لقد كان ابن عباس يشهد ليزيد بالفضيلة(174) وبايعه, وكذلك بايعه ابن عمر، ولم يبق إلا الحسين بن علي الذي كان أهل الفتن يحاولون التغرير به في حياة معاوية, ونهاه الحسن عنهم، وعزم على الذهاب إليهم بعد وفاة معاوية, وقد حذره الصحابة ونهوه عن ذلك فأبى عليهم وحدث ما حدث.

أما عبد الله بن الزبير رضي الله عنه فكان معاوية يحذره من تصرفاته, ثم تمنى أخيراً بعد الحصار لو أن معاوية رضي الله عنه حياً فيخلصه مما هو فيه(175) وندور المخالف معروف(176) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

معاوية رضي الله عنه وولاية المفضول مع وجود الفاضل

لقد عدل معاوية عن الفاضل إلى المفضول حرصاً على الاتفاق واجتماع الكلمة, الذي شأنه أهم عند الشارع، ولا يظن بمعاوية غير هذا فعدالته وصحبته مانعة من سوى ذلك»(177) .

لقد كان النجباء من أبناء الصحابة كثير، ومنهم: ابن عمر وابن عباس وابن الزبير والحسين بن علي وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم(178) ولم يكن أبناء الصحابة فيما بينهم يجمعون على شخصية واحدة، فهذا ابن عباس لم يبايع ابن الزبير بعد وفاة يزيد بن معاوية ومبايعة كثير من الأقطار له. بل كان يوجه إليه الانتقادات ويلومه في بعض أعماله(179) .

وكذلك محمد بن الحنفية وابن عمر لم يبايعا ابن الزبير. إذاً فمن الذي يضمن تراضي جميع الأطراف على شخصية واحدة.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لقد اشترط الفقهاء شروطاً عديدة فيمن يصلح للإمامة من ضمنها القرشية(180) والاجتهاد والعدالة والعلم والقوة، والسياسة، والحنكة، وحسن التدبير(181) وغيرها.

ويروى عن الإمام أحمد إسقاط اعتبار العدالة والعلم والفضل(182) .

والذي يظهر من سيرة عمر في عماله الذين كان يؤمرهم في البلاد، أنه كان لا يراعي الأفضل في الدين فقط, بل يضم إليه مزيداً من المعرفة بالسياسة مع اجتناب ما يخالف الشرع منها, فلأجل هذا استخلف عمر معاوية والمغيرة بن شعبة, مع وجود من هو أفضل من كل منهما في أمر الدين والعلم, كأبي الدرداء في الشام وابن مسعود في الكوفة(183) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إني لأبعث الرجل وأدع من هو أحب إلي منه, ولكن لعله يكون أيقظ عيناً وأشد بأساً أو قال: مكيدة(184) .

ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعمل خالد بن الوليد على الحرب مع أنه أحياناً يعمل ما ينكره النبي صلى الله عليه وسلم، وكان أبو ذر أصلح منه في الأمانة والصدق(185) ومع ذلك فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا ذر إني أراك ضعيفاً وإني أحب لك ما أحب لنفسي: لا تأمرن على اثنين, ولا تولين مال يتيم»(186) .

فنهى أبو ذر عن الإمارة والولاية: لأنه يراه ضعيفاً(187) .

وكذلك استعمل أبو بكر خالد بن الوليد، مع أنه يرى منه هفوات، ولم يعزله من أجلها، بل ذلك لرجحان المصلحة على المفسدة في بقائه(188) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ونزع شرحبيل بن حسنة(189) وقال: «تحرجنا من الله أن نقرك وقد رأينا من هو أقوى منك»(190) .

وعن ثابت مولى سفيان قال: سمعت معاوية وهو يقول: «إني لست بخيركم وإن فيكم من هو خير مني: عبد الله بن عمر, عبد الله بن عمرو, وغيرهما من الأفاضل, ولكني عسيت أن أكون أنكاكم في عدوكم وأعلمكم ولاية وأحسنكم خلقاً(191) .

فإذا تعين رجلان أحدهما أعظم أمانة, والآخر أعظم قوة, قدم أنفعهما لتلك الولاية وأقلهما ضرراً فيها, فيقدم في إمارة الحرب, الرجل القوي الشجاع وإن كان فيه فجور على الرجل الضعيف وإن كان أميناً(192) . فالواجب في كل ولاية الأصلح بحسبها.

«وسئل الإمام أحمد عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو, أحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف مع أيهما يغزى, فقال:

«أما الفاجر القوي, فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه, وأما الصالح الضعيف, فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين, يغزى مع القوي الفاجر»(193) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومعظم المقصود من نصب الأئمة حياطة المسلمين, ودفع عدوهم, والأخذ على يد ظالمهم وإنصاف مظلومهم وتأمين سبلهم, وتفريق بيت مالهم, على ما أوجبه الشرع, فمن كان ناهضاً بهذه الأمور ونحوها فيه يحصل على مقصود الإمامة, وينتفع الناس بولايته, ويشملهم الأمن والدعة, ويطيب عيشهم, ويأمنون فيه على أنفسهم وحرمهم وإن كان غيره أكثر علماً منه فلا يعود على المسلمين من علمه أو ورعه وعبادته فائدة, ولا ينفعهم كونه مريداً للإصلاح وإجراء الأمور الشرعية مع عجزه عن ذلك وعدم قدرته على إنفاذه(194) .

وقال الجويني: والذي صار إليه معظم أهل السنة أن يتعين للإمامة أفضل أهل العصر إلا أن يكون في نصبه هرج وهيجان فتن, فيجوز نصب المفضول, إذا كان مستحقاً للإمامة, كيف ولو تقدم المفضول في إمامة الصلاة لصحت الإمامة(195) .

وهكذا يتضح لنا من خلال النصوص السابقة أن ولاية المفضول ثابتة وجائزة شرعاً.

ويزيد بن معاوية لا شك أنه مفضول وليس بالأفضل مع وجود كبار الصحابة وأبنائهم رضي الله عنه . ولكن هناك بعض الأسباب التي حاولنا مناقشتها والتي ظهرت لنا من عزم معاوية على تولية يزيد, وأيضاً هناك بعض الأمور التي قد تخفى علينا والتي من أجلها أكد معاوية بيعة يزيد.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه والانتقادات التي وجهت إليه بشأن البيعة ليزيد

لقد حمّل كثير من المؤرخين السابقين والمعاصرين معاوية رضي الله عنه مسؤولية البيعة الكاملة, وبالتالي حمّلوه جميع الأخطاء التي يقع فيها الحكام من زمان معاوية حتى عصرنا الحاضر.

فمنهم من جعل معاوية هو المقرر الأصلي للمبدأ الوراثي في الملك(196) ومنهم من اتهمه بالخروج على نظام الشورى في الإسلام, فكان أول محطم لنظام الإسلام(197) . ومنهم من اتهمه بأنه أقرّ هذا النظام الذي يعتمد على السياسة أولاً وعلى الدين ثانياً(198) ، والبعض شبهه بالملوك الأقدمين من الفرس والروم(199) .

والبعض يجعل معاوية بهذه البيعة هو رائد المدرسة الميكافيلية(200) في السياسة القائمة على

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تسويغ الوسيلة من أجل الغاية(201) والبعض حكم على معاوية بارتكابه كبيرة أضافها إلى كبائره السابقة(202) والبعض اعتبره خارجاً عن إجماع المسلمين بهذه البيعة(203) .

ولمعرفة صحة هذه الاتهامات من عدمها يجدر بنا أن نعرف ماهية الشورى وكيفية تطبيقها وأبعاد سلطة أهل الحل والعقد ودور الخلفاء الراشدين في الاستعانة بأهل الحل والعقد وحتى نستطيع أن نخرج بتصور صحيح عن الشورى وعن معاوية رضي الله عنه ومدى مخالفته لنظام الشورى إن حدث فنقول: لا شك أن الشورى دعامة من دعائم الحكم في الإسلام وقاعدة صلبة من قواعده, كما أن اختيار الحاكم في الإسلام وتولي أمر الأمة المسلمة لا تعطيه صفة مقدسة أو سلطة مطلقة(204) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بل إنه مسؤول عن كل عمل يقوم به وينفذ فيه ما ينفذ في شعبه, وأما طريقة الشورى فلم يحدد لها نظاماً خاصاً, فتطبيقها إذا متروك للظروف والمقتضيات الجارية.

فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستشير المسلمين فيما لم ينزل فيه وحي. ويأخذ برأيهم فيما هم أعرف به ومن شؤون دنياهم, وكذلك سار الخلفاء الراشدون في استشارة المسلمين, واستشار أبو بكر المسلمين في شأن مانعي الزكاة, وأنفذ رأيه في محاربته, وكان عمر يعارض أولاً, ولكن رجع إلى رأي أبي بكر, واستشار أهل مكة في حرب الشام على رغم معارضة عمر.

وهكذا كانت الشورى لا على نظام مقرر مرسوم, لأن الظروف الواقعية كانت تعين أهل الشورى في كل فترة بحيث لا يلتبس الأمر في شأنهم.

ولكن عمومية الأمر تدع المجال مفتوحاً لأشكال متعددة من النظم والطرق لا يحددها الإسلام, اكتفاء بتقرير المبدأ العام(205) .

ولكن على الرغم من ذلك, فإنه ليس من العسير على المرء أن يخمن الأسباب التي حدت بالخلفاء الراشدين أن يتساهلوا أحياناً في الأخذ بمبدأ الشورى الذي حضت عليه الشريعة.

من هذه الأسباب: أن التطور السريع في كيان الدولة الإسلامية الأولى كنتيجة لاتساع الفتوحات جعل من المستحيل في بعض الأحيان أن تترك الكلمة الفاصلة في أمور الدولة لأناس على الرغم من حكمتهم ونبل مقاصدهم, إلا أنه لم تتجمع لديهم المعلومات الصحيحة أولاً بأول عن هذه الدولة التي ما فتئت تنزاح دائرتها, وتترامى حدودها يوماً بعد يوم.

من هذه الأسباب أيضاً: أن الخلفاء الراشدين كانوا يعلمون بأن الوعي السياسي بين جماهير العامة من المسلمين كان ما يزال في طفولة المهد, وأن هذه الحقيقة تخفي وراءها خطر تلون وجهات النظر في الأمور السياسية بألوان العصبية القبلية.

وعلى هذا فبينما أسس الخلفاء الراشدون مجالس شورى وابتغوا النصح والمشورة منها كلما دعت الحاجة إلى ذلك, فإنهم قد احتفظوا لأنفسهم بالحرية في العمل بمشورة مستشاريهم أو رفضها من حالة إلى أخرى(206) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولكن نرى أن الشريعة الإسلامية لم تحدد أهل الشورى تحديداً واضحاً, ولم تبين شروطهم بياناً شافياً يميزهم عمن سواهم(207) .

فمعاوية رضي الله عنه , طرح اسم المرشح «يزيد» واستشار المسلمين فأجمع أهل الشام وكبار أهل العراق وباقي الأمصار على قبوله, ولم يخالف إلا بعض أهل المدينة لأسباب مختلفة.

لقد قال عمر رضي الله عنه في حديثه الطويل عن السقيفة: «... فمن بايع أميراً من غير

مشورة المسلمين فلا بيعة له, ولا بيعة للذي بايعه تغرّة أن يقتلا...»(208) .

«إن معاوية لم يستبد بالأمر, بل طلب وفود الأمصار ورضوا بالبيعة»(209) .

إذاً ماذا يسمى طرح اسم يزيد كخليفة المستقبل بعد معاوية على أهل الشام, ثم موافقة أهل الشام على ذلك أليست هذه شورى أم سوى ذلك؟.

ماذا يسمى اجتماع الوفود عند معاوية وطرح فكرة مبايعة يزيد, أليست هذه شورى؟.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ماذا يسمى مجيء معاوية خصيصاً لأهل الحجاز واستشارة رؤوس المعارضة, وإقناعهم بصحة ما ذهب إليه.. أليست هذه شورى, أم أن هذه المشورة تحمل على أنها دس ومكيدة وتهديد وكذب.... كما يذهب إليه بعض الباحثين(210) .

نعم إنا نستطيع أن نقول بأن يزيد بن معاوية هو أول من عهد إليه أبوه بالخلافة(211) . فلا شك ولا ريب في ذلك.

ولكن لنتصور أن معاوية رضي الله عنه سلك أحد الأمور الثلاث الآتية:

1 – ترك الناس بدون خليفة بعده, مثلما فعل حفيده معاوية بن يزيد. 2 - نادى في كل مصر من الأمصار بأن يرشحوا لهم نائباً ثم يختار من هؤلاء المرشحين خليفة. 3 - جعل يزيد هو المرشح وبايعه الناس كما فعل.

ولنأخذ الأمر الأول:

كيف ستكون حالة المسلمين لو أن معاوية تناسى هذا الموضوع وتركه حتى توفي؟

أعتقد أن الوضع سيكون أسوأ من ذلك الوضع الذي أعقب تصريح معاوية بن يزيد بتنازله عن الخلافة وترك الناس في هرج ومرج, حتى استقرت الخلافة أخيراً لعبد الملك ابن مروان بعد حروبٍ طاحنةٍ, استمرت قرابة عشر سنوات.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثم لنتصور التصور الثاني:

نادى منادٍ في كل مصر بأن يرشحوا نائباً عنهم, حتى تكون مسابقة أخيرة ليتم فرز الأصوات فيها, ثم الخروج من هذه الأصوات بفوز مرشح من المرشحين ليكون خليفة للمسلمين بعد وفاة معاوية.

سيختار أهل العراق في الغالب الحسين بن علي.

وسيختار أهل الحجاز: إما ابن عمر أو عبد الرحمن بن أبي بكر أو ابن الزبير.

وسيختار أهل مصر: عبد الله بن عمرو بن العاص.

هل سيرضى كل مصر بولاية واحدٍ من هؤلاء, ويسلموا له؟ أم ستكون المعارضة واردة؟!.

أعتقد أن المعارضة ستظهر, وفي هذه الحالة هل يستطيع معاوية أن يلزم كل مصر بما اختاره أهل المصر الآخر؟

ستجد الدولة نفسها في النهاية أمام تنظيمات انفصالية, وسيعمد أدعياء الشر الذين قهرتهم الدولة بسلطتها إلى استغلال هذه الفوضى السياسية, ومن ثم الإفادة منها في إحداث شرخ جديد في كيان الدولة الإسلامية.

نحن نورد هذه الاعتراضات, وربما حصل ما أشرنا إليه, وربما حدث العكس من ذلك. ولكننا أوردنا ذلك حتى نتصور مدى صحة الآراء التي أحياناً يطلقها ويتحمس لها البعض دون الرجوع إلى الواقع التاريخي المحتم آنذاك.

لقد تعرض المجتمع المسلم إلى هزة عنيفة بعد استشهاد عثمان رضي الله عنه وترك كيانات وتيارات سياسية وعقدية خطيرة, استوجبت من معاوية أن يدرك خطورة الأمر والفرقة التي سوف تحصل للمسلمين إذا لم يسارع بتعيين ولي عهد له, ثم إن غلبة أهل الشام وقوة تعصبهم لبني

أمية ووجود الشك عندهم لأهل المدينة كان ذلك عاملاً مرجحاً لمعاوية على إقدامه على هذا الأمر.

ويبقى الأمر الثالث:

وهو أن ما فعله معاوية رضي الله عنه وقد أيده بعض الباحثين يسبب السلامة التي تنشأ من عدم التنازع على السلطة:

قال محمد كرد علي: «إن وضع قانون ولاية العهد في الإسلام يعطي بعض الحيطة التي تنجي من انقسام الكلمة, وربما يخطئ رأس الملة في تولية من يريد... ولكن العهد للأبناء والأخوة أو أبناء العم على شرط الكفاية في الجملة أقرب إلى سلامة الدولة من فتنة تنشب بين الأحزاب وأصحاب العصبيات, كل حزب يرشح خليفة بالحق والباطل حتى لا يكاد الصالح من المستخلفين يجد أدنى مما يجد الطالح من المعونة والمظاهرة»(212) .

ويقول شعوط:

«ونحن نعلم أنه إذا كانت دائرة اختيار الخليفة ضيقة كان ذلك أدعى للحفاظ على الوحدة كما يحفظ للدولة سيرها في طريق التقدم والنفوذ. كما أننا نعلم أنه كلما اتسعت دائرة الاختيار كثر الراغبون في ترشيح أنفسهم وبخاصة إذا راعينا اتساع رقعة الدولة وشمولها عناصر مختلفة من أجناس مختلفة، مع صعوبة المواصلات بين هذه البلاد المفتوحة»(213) .

كما أن ولاية العهد لا تنافي حق الأمة في الاختيار, والظاهر من أقوال الفقهاء أن التكليف الشرعي لولاية العهد لا تزيد على ترشيح من يصلح للخلافة لتبايعه الأمة بعد ذلك برضاها, فإن بايعته انعقدت له الإمامة, وإن رفضت بيعته أو بايعت غيره سقط الترشيح السابق له وكأنه

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لم يكن, وبهذا تبقى الأمة هي صاحبة القول الفصل في اختيار الحاكم(214) ويدل على صحة ما ذكرنا من أن ولاية العهد لا تعدو كونها ترشيحاً, ما قاله أبو يعلى: «يجوز للإمام أن يعهد إلى إمام بعده... ولأن عهده إلى غيره ليس بعقدٍ للإمامة, لأن الإمامة لا تنعقد للمعهود إليه بنفس العهد وإنما تنعقد بعقد المسلمين, بدليل أنه لو كان عقداً لها لأفضى ذلك إلى اجتماع إمامين في عصرٍ واحدٍ, وهذا غير جائز... إن إمامة المعهود إليه تنعقد بعد موته أي بعد موت الإمام القائم باختيار أهل الوقت»(215)

ولهذا قال تقي الدين ابن تيمية رحمه الله: ولا يصير الرجل إماماً حتى يوافقه أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة, فإن المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان, فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إماماً(216) .

وباعتبار ولاية العهد مجرد ترشيح وأنه يسبق بمشاورة أهل الحل والعقد وظهور رضاهم عن المرشح, فإنه لا شك مسلك سديد وحميد لاختيار الخليفة, ولا يناقض حق الأمة في اختيار الخليفة, بل وقد يرجح على طريقة انتخاب أهل الحل والعقد للخليفة دون عهدٍ منه إلى أحد لما في العهد من حسم لمادة الخلاف والنزاع(217) ولهذا رجّح هذه الطريقة الإمام ابن حزم فقال: «وهذا أي العهد هو الوجه الذي نختار ونكره غيره لما في هذا الوجه من اتصال الإمامة,

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وانتظام أمر الإسلام وأهله, ورفع ما يتخوف من الاختلاف والشغب مما يتوقع في غيره, من بقاء الأمة فوضى ومن انتشار الأمر وحدوث الأطماع»(218)

ثم إن مسالة الأسلوب الذي يحسن اتباعه لاختيار خليفة أو رئيس دولةٍ بوجهٍ عام هي من المسائل التي لم يعرض لها القرآن والسنة الصحيحة, ثم إن الخلفاء الراشدين لم يتم اختيارهم طبقاً لأسلوبٍ واحدٍ معين, بل جرى اختيارهم – كما هو معلوم – بناءً على أساليب مختلفة.

فمسألة الأسلوب الواجب اتباعه لتطبيق مبدأ من المبادئ أو لتحقيق هدف من الأهداف هي من المسائل التي تتأثر وتتغير بتغير ظروف الزمان والمكان(219) .

ثم إن هذا العمل الذي عمله معاوية ليس بدعة خرج بها عن نصوص الشرع, بل اجتهاد اجتهده في أمرٍ لم تجتمع الأمة على خلافه(220) .

وكان لتغير الزمن والظروف أثر كبير في أخذ معاوية البيعة من الناس لولده يزيد, فالوقت الذي كان المجتمع الإسلامي فيه محصوراً في المدينة وكان العدد قليلاً, حيث كان من الممكن اجتماع الناس وتشاورهم, وكانوا من التقوى والورع بالمكان الذي كانوا فيه, وكان من الميسور اتفاقهم أو إجماعهم – هذا الوقت قد انقضى وتفرق المسلمون في الأمصار - وكثرت الجماعات وتعددت المذاهب وظهرت العصبيات, فصار من المتعسر اجتماع الناس أو اتفاقهم على أمرٍ أو شخصٍ.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

«ومن يضع نفسه مكان معاوية ويدرك الخطر المحدق بالأمة لو ترك الأمر من غير اختيار, أو تُرك لأبناء علي بن أبي طالب أو غيره فالفتنة المتربصة بالأمة كانت تحتاج لامتداد حكم معاوية حتى تستقيم أمور الأمة, ولم يكن بد من اختيار ابن معاوية اجتهاداً من معاوية باستمرار عهده وحكمه أملاً في موت الفتن, ولكن قدر الله كان على غير ما اجتهد وقدر»(221) .

«وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح فيما عليه أهل السنة, فإنهم لا ينزهون معاوية ولا من هو أفضل منه من الذنوب, فضلاً عن تنزيههم عن الخطأ في الاجتهاد, بل يقولون: إن للذنوب أسباباً تدفع عقوبتها من التوبة والاستغفار والحسنات الماحية والمصائب المكفرة وغير ذلك. وهذا أمر يعم الصحابة وغيرهم»(222) .

ومعاوية رضي الله عنه من خيار الملوك الذين غلب عدلهم على ظلمهم, وما هو ببرئ من الهنات والله يعفو عنه(223) .

والذي يجب أن نعتقده في معاوية أن قلوبنا لا تنضوي على غلٍ لأحدٍ من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بل نقول: ﴿ وَالَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَٰنِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَـٰنِ وَلَا تَجْعَلْ فِى قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ رَبَّنَآ إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ(224) ﴾ )) .

ونقول بأن معاوية اجتهد للأمة خوفاً عليها من الانقسام والفتن، ولا يمكن أن يحمل تبعات كل أخطاء الملوك والأمراء الذين جاؤوا بعده.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عن قيس قال: سمعت معاوية في مرضه الذي مات فيه: حسر ذراعيه كأنهما عسيبا نخل وهو يقول: والله لوددت أن لا أغبرفيكم فوق ثلاث فقالوا: إلى رحمة الله ومغفرته, فقال: ما شاء الله أن يفعل ولو كره أمراً لغيره, وهل الدنيا إلا ما عرفنا أو جربنا(225) .

والحقيقة أن بيعة يزيد قد قبلها الكثير حتى من الصحابة رضوان الله عليهم, فقد بايعه ستون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فيهم ابن عمر(226) .

ومع ذلك فقد كانت معارضة بيعة يزيد مثار انتقاد وتعجب من بعض الصحابة رضوان الله عليهم.

عن حميد بن عبد الرحمن قال: دخل على أُسير(227) رجل من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين استخلف يزيد في معاوية قال: يقولون: إن يزيد ليس بخير أمة محمد, ولا أفقهها فقهاً, ولا أعظمها شرفاً, وأنا أقول ذلك, ولكن والله لأن تجتمع أمة محمد صلى الله عليه وسلم أحب إلي من أن تفترق, أرأيتكم باباً لو دخل فيه أمة محمد صلى الله عليه وسلم وسعهم أكان يعجز رجل واحد لو دخل فيه؟ قال: قلنا: لا قال: أرأيتكم لو أن أمة محمد صلى الله عليه وسلم قال كل رجل منهم: لا أهريق دم أخي ولا آخذ ماله, أكان

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هذا يسعهم؟ قال: قلنا: نعم, قال: فذلك ما أقول لكم, ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يأتيك من الحياء إلا خير»(228)

توفي عبد الرحمن بن أبي بكر بعد خروج معاوية من المدينة أي حوالي سنة 53 هـ ولم يبق من المعارضين إلا ثلاثة هم ابن عمر وابن الزبير والحسين بن علي.

أما ابن عمر فلما رأى الناس مجتمعة على يزيد بايعه وأرسل بيعته بعد وفاة معاوية رضي الله عنه وقال: إن كان خيراً رضينا وإن كان بلاءً صبرنا(229) , وكذلك ابن عباس ومحمد ابن الحنفية.

وانحصرت المعارضة في شخص ابن الزبير والحسين بن علي رضي الله عنهما.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المبحث الثاني : معارضة الحسين بن علي رضي الله عنه

ويندرج تحت هذا المبحث عدة مسائل هي كالتالي:

أولاً: نقد المصادر التي تناولت معارضة الحسين رضي الله عنه

تمهيد

تمثل معارضة الحسين بن علي ليزيد بن معاوية نقطة تحول خطيرة في تاريخ المسلمين، وقد جرَّت هذه الحادثة من التبعات والانقسامات الشيء الكثير، وتنبع أهمية هذه الحادثة بالنسبة لهذا البحث في أنها أول معارضة تخرج بشكل عملي على خلافة يزيد بن معاوية.

وإن الظروف والمسببات التي تولدت عن هذه الحادثة جعلت هناك تحاملاً أو تجافياً إما مع الحسين أو عليه.

وكان خطر هذه الحادثة لا يقتصر على تأثيرها المباشر على المجتمع المسلم في ذلك الوقت فقط, بل يتعداه ليؤثر خلال قرون طويلة من تاريخ الإسلام حتى يومنا هذا.

ومن ثم تتخذ من هذه الحادثة مادة لتأجيج المشاعر وإثارة الأحقاد والضغائن من قبل الطائفيين ضد جمهرة المسلمين مما أدى إلى تضخيم هذه الحادثة حتى أخذت حجماً أكبر من واقعها, وهذا أمر يقصد من ورائه اتهام الخلافة الأموية, والتي أصبحت الدولة بسبب هذه الحادثة – في نظر الكثيرين – دولة لا تعترف إلا بمنطق العنف, حتى وإن كان هذا العنف مع أحفاد النبي صلى الله عليه وسلم. كان لهذه الحادثة وغيرها مؤثرات عكسية على الدولة الأموية, حيث أضحت الدولة في قفص الاتهام.

ثم إن هذه الحادثة هي أحد الروافد التي ساعدت على قيام الثورة ضد الأمويين, ولعل هذا هو الذي يفسر لنا سبب رفع ذلك الشعار «الرضا لآل البيت» في محاربة الأمويين حتى تم القضاء على دولتهم.

فكأن النظرة التي تبلورت وبالأخص في بلاد المشرق - وهي البلاد الأعجمية «الموالي»– عن أهل البيت: هي المعاناة والمآسي التي يتعرضون لها على أيدي الأمويين.

ولمعرفة وإدراك هذا المنعطف الخطير في التاريخ الإسلامي نحتاج إلى تعمق لمعرفة أبعاد هذه المعارضة, وسبر أغوارها من جميع الجهات, حتى نستطيع أن نقدم صورة أكثر وضوحاً من تلك الصورة التي قُدّمت لمقتل الحسين رضي الله عنه .

إن الروايات التي وصلت إلينا عن معارضة الحسين رضي الله عنه ثم خروجه إلى الكوفة ومقتله تتميز بأنها مباشرة عن رواة شاركوا في الأحداث, أو عن آخرين قريبين منها, وهي تعرض لأوضاع الكوفة الاجتماعية, وتتضمن – في بعضها – أدق التفاصيل عن مواقع البيوت والأزقة والأسواق, ومن أهم الرواة الذين وصلت إلينا رواياتهم:

1- أبو مخنف

- لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم الأزدي(230) «والمتوفى سنة 157 هـ».

وهو إخباري كوفي يتميز بغزارة تأليفه وتدوينه لأخبار العراق(231) .

وقد ذكر له ابن النديم أربعة وثلاثين كتاباً جلها في أخبار العراق(232) .

والذي يهمنا من كتب ورسائل أبي مخنف هو كتابه المسمى « مقتل الحسين» وقد اعتمد الطبري على هذا الكتاب حينما أرّخ لمقتل الحسين رضي الله عنه(233) .

وقد نقل عنه الطبري فيما يخص قتل الحسين رضي الله عنه أكثر من مائة ورقة من ص 351 – 470 وتتميز روايات أبي مخنف بالتسلسل الزمني وترتيب الأحداث, ولهذا فقد بيّن الطبري السبب الذي جعله يهتم برواية أبي مخنف فقال:

«وأما أبو مخنف فإنه ذكر من قصة مسلم بن عقيل وشخوصه إلى الكوفة ومقتله قصة هي أشبع وأتم من خبر عمار الدهني عن أبي جعفر التي ذكرناها»(234) .

لقد عرض أبو مخنف لمعارضة الحسين رضي الله عنه ثم مقتله بكربلاء بصورة موسعة, وقد ساعده في ذلك بيئته التي نشأ فيها, فهو عراقي, كوفي, الأمر الذي أعطاه تفرداً بخصوص أخبار العراق(235) .

ولقد تعددت مصادر أبي مخنف, فهو يروي في الغالب عن شهودٍ حضروا المعركة من أمثال زهير بن أبي الأخنس(236) وحميد بن مسلم(237) .

ولقد اتبع أبو مخنف منهجاً موثقاً خلال تناوله للروايات المتعارضة, فهو يورد الرواية بتمامها, ثم إذا كان هناك رواية أخرى معارضة لها يأتي بها, وأحياناً يتدخل في إبداء رأيه ويرجح ما يراه صحيحاً(238) .

حواشي هذه الصفحة9 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبالرغم من أن علماء السنة يضعفون أبا مخنف(239) , إلا أنهم اعتمدوا عليه في نقل الكثير من الأخبار, وبالأخص فيما يتعلق بقتل الحسين رضي الله عنه وقد نقل عنه الطبري والبلاذري وابن الأثير والذهبي وابن كثير وغيرهم.

وقد أبدى الطبري السبب في النقل عنه حينما ذكر أن روايته أكثر تفصيلاً وأشبع من غيرها.

وقد بيّن الذهبي السبب في النقل عنه حينما قال: «أبو مخنف ليس بثقة لكن له اعتناء بالأخبار»(240) .

وهذا ما أوضحه ابن كثيرٍ حين قال عنه: «وهو ضعيف الحديث عند الأئمة, ولكنه إخباري حافظ عنده من هذه الأشياء ما ليس عند غيره, ولهذا يترامى عليه كثير من المصنفين في هذا الشأن ممن بعده, والله أعلم»(241) .

ويبرز أبو مخنف المتوفى سنة 157 هـ كإخباري واسع التأليف في الحوادث التي وقعت في صدر الإسلام.

ولا أظن أن التآليف التي ألفت عن قتل الحسين – والتي سنعرض لها بعد قليل – هي من الأهمية والوضوح وتتبع الأحداث بمثل رواية أبي مخنف عن قتل الحسين, فالطبري (ت 310 هـ) وضع كتاباً تاريخياً لفترةٍ زمنيةٍ بعيدةٍ عنه, فوجد أن أبا مخنف يقدم عرضاً مفصلاً ومسهباً عن الحسين رضي الله عنه منذ خروجه من المدينة إلى مكة ثم إلى الكوفة, وحتى مقتله بكربلاء رضي الله عنه , وهو ما تفتقده التآليف الأخرى التي ألفها الثقات، حيث تبدو الفجوات وعدم تسلسل الحدث واضحاً خلال بعض النصوص التي وصلت إلينا.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فالطبري رحمه الله كان مضطراً حينما اعتمد على رواية أبي مخنف عن مقتل الحسين رضي الله عنه , وبخاصة أنه أوضح في مقدمة كتابه أنه لا يتحمل تبعة الأخبار التي يوردها, وتبقى المسؤولية على الراوي الذي نقل إليه الحدث(242) .

ومن الأدلة على غزارة المادة التي قدمها أبو مخنف أن البلاذري قد اعتمد عليه خلال استعراضه لخروج الحسين من مكة وحتى استشهاده رضي الله عنه .

ومن المؤكد أن البلاذري لم يجد من الروايات المسندة من غير طريق أبي مخنف ما يجعله يقدم صورة متكاملة وواضحة عن معارضة الحسين رضي الله عنه , وكان يستعمل كلمة «قالوا» بدلاً من ذكر أبي مخنف, ومن خلال تتبعي لروايات البلاذري التي صدرها بكلمة «قالوا» ومقارنتها بروايات أبي مخنف عند الطبري وجدت أن الروايات هي نفسها روايات أبي مخنف, ويتدخل البلاذري بالاختصار, أو بحذف بعض المقاطع من الرواية(243) .

وهذا الصنيع من البلاذري يقودنا إلى التساؤل عن السبب الذي جعل البلاذري يلجأ إلى عدم ذكر أبي مخنف؟

ويبدو أن ذلك مرده إلى أمرين اثنين:

الأمر الأول: هو علاقة البلاذري بالخليفة العباسي المتوكل على الله, فكان أحد ندمائه(244) وذلك دفعه لمراعاة العلاقات المتأزمة بين العباسيين والعلويين.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأمر الثاني: أن البلاذري سلك منهج المحدثين خلال تأليفه لكتابه أنساب الأشراف, وذلك عن طريق توثيق الروايات, وتوثيق الرواية في ذلك العصر لا يتم إلا بالتحديث والسماع من الراوي نفسه, وذلك من أجل بقاء السلسلة متصلة حتى الحدث.

ولكي يستطيع البلاذري تقديم منهج موثق لروايته فقد اعتمد على الإسناد في كل خبرٍ يورده, ويبدو أن كتب أبي مخنف لم تصل إليه إجازة عن طريق السماع, وإنما تحصل عليها وجادة, لذا تحرج من ذكر أبي مخنف ولكن قرنه بعوانة بن الحكم(245) . فيما يدلل على عدم ثقته بكتب أبي مخنف التي تحصل عليها وجادة, وبخاصة أن التحريف قد طال أبا مخنف. وقد شكك علماء الإمامية أيضاً في صحة ما ينسب لأبي مخنف مثل «كتاب مقتل الحسين...».

فقد قال عباس القمي: «وليُعلم أنّ لأبي مخنف كتباً كثيرة في التأريخ والسير منها كتاب مقتل الحسين «ع» الذي نقل منه أعاظم العلماء المتقدمين واعتمدوا عليه، ولكن الأسف أنه فُقد ولا يوجد نسخة منه، وأما المقتل الذي بأيدينا ويُنسب إليه فليس له بل ولا لأحد من المؤرخين المعتمدين، ومن أراد تصديق ذلك فليقابل ما في هذا المقتل وما نقله الطبري وغيره عنه حتى يعلم ذلك، وقد بنيت ذلك في «نفس المهموم» في طرماح بن عدي والله العالم»(246) .

ومع هذا كله فقد ضعفه بعض علماء الإمامية, كالسيد هاشم معروف الحسيني حيث قال بعد ذِكرْ رواية من طريق أبي مخنف: «و يكفي هذه الرواية عيباً أنها من مرويات أبي مخنف – لوط بن يحيى – وقد ضعفه السنة والشيعة ولم يثقوا بمروياته...»(247) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولكن مع ذلك فإن الصفة التي قدمها أبو مخنف لاستشهاد الحسين رضي الله عنه لا تخلو من الميل والعاطفة التي طغت على بعض الحقائق الثابتة.

وهذا هو الشيء الذي يجعلنا نتعامل مع تلك الروايات التي قدمها أبو مخنف عن قتل الحسين رضي الله عنه بكل حذر.

ولكن الذي يهمنا هي تلك المعلومات التي وصلت إلينا عن مقتل الحسين رضي الله عنه لأبي مخنف من طريق الطبري.

فبالنظر إلى روايات أبي مخنف ومقارنتها مع رواية عمار الدهني عن مقتل الحسين نجد أن التشابه القائم بين الروايتين كبير.

الأمر الذي يجعلنا نؤكد أن أبا مخنف لا يتدخل بالدس والتحريف في كل رواية يوردها وذلك حتى توافق ميوله العقائدية والسياسية.

بل إنه في بعض الأحيان يرجح أخباراً لا تتفق مع ما ينحى إليه(248) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

2- عمار الدهني

من الرواة المهمين الذين شاركوا في نقل أخبار حركة الحسين بن علي رضي الله عنه : أبو معاوية عمار ابن معاوية الدهني البجلي الكوفي.

وتتضح أهمية رواية عمار باعتبارها رواية عن أهل الحدث نفسه, فقد نقل خروج الحسين إلى الكوفة ثم مقتله رضي الله عنه عن طريق أبي جعفر الباقر، محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب(249) .

وقد نقل الطبري عن عمار الدهني فيما يخص معركة الجمل(250) ومعركة النهروان(251) ولما ترجم الذهبي لعمار الدهني وصفه بالإمام المحدث(252) .

ولعل هذا هو السبب الذي جعل ابن حجر يعتمد على رواية عمار الدهني عن حركة الحسين رضي الله عنه(253) .

وبالرغم من ضعف طريق رواية عمار الدهني(254) , إلا أنها تبقى مهمة من حيث الحكم على روايات أبي مخنف التي أوردها عن حركة الحسين رضي الله عنه , وذلك عند مقارنتهما مع بعضهما البعض.

3- عوانه بن حكيم

وهو إخباري صدوق(255) وقد نقل عنه الطبري في مقتل الحسين خمس روايات(256) لا تخلو من الأهمية, ولعله أخذها من كتابه «سيرة معاوية وبني أمية»(257) .

4- الحصين بن عبد الرحمن السلمي

أبو الهذيل الكوفي وهو ثقة(258) . المتوفى سنة 136 هـ وله ثلاث وتسعون سنة.

حواشي هذه الصفحة10 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد قدم عدة روايات مهمة بشأن القتال الذي جرى بين الحسين رضي الله عنه وبين ابن زياد(259) .

وتكمن أهمية الروايات التي أوردها كونه معاصراً للحدث, إضافة إلى نقله عن أناس شاهدوا الحدث واشتركوا فيه(260) .

5- محمد بن عمر الواقدي

المتوفى سنة 207 هـ, وكان من أوعية العلم, وسارت الركبان بكتبه في المغازي والسير(261) .

وقال عنه إبراهيم الحربي: «ناهيك به, إنه أمين الناس على أهل الإسلام, كان أعلم الناس بأمر الإسلام, فأما الجاهلية فلم يعلم بها شيئاً»(262) .

وقال عنه الخطيب: هو من طبق شرق الأرض وغربها(263) .

ولكن مع ذلك فإنه مجمع على ضعفه, وأجود الروايات عنه رواية ابن سعد في الطبقات فإنه كان يختار من حديثه بعض الشيء(264) .

والذي يهمنا رواية الواقدي عند ابن سعد في كتاب الطبقات, وقد اعتمد ابن سعد على رواية الواقدي فيما يخص قتل الحسين رضي لله عنه, وذلك حينما ترجم للحسين في الطبقة الخامسة من الطبقات الكبرى(265) .

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويبدو أن ابن سعد اعتمد في أخباره التي أخذها من الواقدي على كتابه المسمى كتاب «مقتل الحسين»(266) .

ولكن ابن سعد سلك في أخبار خروج الحسين رضي الله عنه ثم مقتله في كربلاء مسلكاً غريباً قلما يلجأ إليه خلال كتابه الطبقات الكبرى.

فقام بحشد أسانيد الواقدي الأربعة إضافة إلى خمسة أسانيد أخرى مستقلة، ومن ضمنها رواية أبي مخنف, وساق أخبار هذه الروايات بعدما أدخل بعضها في بعض بحيث أصبحت وكأنها رواية واحدة(267) .

وبهذا العمل من ابن سعد فقد فوت علينا القدرة على تمييز رواية الواقدي من غيرها.

6- أبو معشر السندي

واسمه نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني:

توفي سنة 170 هـ وهو ضعيف(268) .

وقد شارك أبو معشر بروايات عدة عن الحسين ومقتله رضي الله عنه .

وقد نقل عنه أبو العرب روايته المتعلقة بقتل الحسين رضي الله عنه(269) ، إضافة إلى إبراهيم البيهقي, فقد احتوى روايته ونقلها – كما يبدو – كاملة(270) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد نقل رواية أبي معشر هذه ابن عبد ربه في العقد الفريد, وإن لم يصرح باسم أبي معشر ولكنه أخذها من طريق أبي عبيد القاسم بن سلام(271) ، وبالتأكيد فإن كل من نقل عن أبي معشر فيما يخص حركة الحسين رضي الله عنه , كان اعتماده على كتابه «تاريخ الخلفاء».

وهذا الكتاب كان موجوداً حتى أيام الخطيب رحمه الله المتوفى سنة 463 هـ حيث حصل على إجازة روايته(272) .

ولكن مما ينتقد على رواية أبي معشر عن قتل الحسين رضي الله عنه أنها خالية من الإسناد حيث كان نقله «عن بعض مشيخته» ولم يسمهم.

هذه تقريباً الروايات التي وصلت إلينا عن حركة الحسين رضي الله عنه , وبالرغم من أنها تفتقر إلى صحة الأسانيد – في معظمها – إلا أن ورود الرواية من طرق متعددة وبمخارج مختلفة يعطينا إحساساً بأن هذه الرواية تحكي كثيراً من الحقيقة, وبالتالي يداخلنا الاطمئنان في قبول كثير منها وتحليلها.

المؤلفات المفقودة عن حركة الحسين

ولعل من الجدير ذكره ونحن نتحدث عن مصادر روايات حركة الحسين أن نشير إلى تلك الروايات التي فقدت, ولم تصل إلينا, وحتى أن المصادر التاريخية المتقدمة لا تذكر شيئاً عن تلك الروايات, وإن كان من الراجح أنها متوافرة في زمنهم.

ومن أولئك الإخباريين والمؤلفين الذين كانت لهم مؤلفات عن حركة الحسين رضي الله عنه ولم تصل إلينا:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

1 - جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي, أبو عبد الله الكوفي متوفى سنة 127 , وقيل: سنة 132 هـ(273) . ومن مؤلفاته مقتل الحسين(274) .

وهذا الكتاب لم يقتبس أحد من المؤلفين والمؤرخين السابقين أي رواية عنه.

2 - نصر بن مزاحم المتوفى سنة 212 هـ(275) . وذكر له ابن النديم «كتاب مقتل الحسين»(276) ولكن لم تصل إلينا روايات عن هذا الكتاب.

3 - أبو بكر عبيد الله بن محمد القرشي الأموي البغدادي المشهور بابن أبي الدنيا(277) .

وهو من المحدثين الكبار, وقد خلّف ثروة هائلة من المؤلفات المفيدة والتي تناولت غالب الفنون, وبخاصة فن التاريخ.

والذي يهمنا من مؤلفاته التاريخية كتابه «مقتل الحسين»(278) .

ويبدو أن هذا الكتاب كان موجوداً أيام ابن الجوزي المتوفى سنة 597 هـ فقد نقل عنه في موضعين(279) .

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويمكن لنا من خلال تتبع كتب المشيخات والفهارس أن نصل إلى أي الفترة التي كان هذا الكتاب موجوداً فيها.

وقد نقل عن هذا الكتاب ابن كثير(280) , ولا نستطيع الجزم أنه نقل عنه مباشرة, ولكن تقي الدين ابن تيمية أشار إلى هذا الكتاب, ومعروف أن تقي الدين ابن تيمية له اطلاع واسع على الكتب والمؤلفات في شتى الفنون, ومن نظر في إحدى مؤلفاته الكثيرة يتأكد له ذلك.

فقال رحمه الله: «والذين نقلوا مصرع الحسين زادوا أشياء من الكذب كما زادوا في قتل عثمان, كما زادوا فيما يراد تعظيمه من الحوادث, كما زادوا في المغازي والفتوحات وغير ذلك.

والمصنفون في قتل الحسين منهم من هو مِن أهل العلم, كالبغوي وابن أبي الدنيا وغيرهما ومع ذلك ففيما يروونه آثار منقطعة وأمور باطلة, وأما ما يرويه المصنفون في المصرع بلا إسناد فالكذب فيه كثير»(281) .

وهناك أمل كبير في أن يكون كتاب ابن أبي الدنيا «مقتل الحسين» لا يزال موجوداً في إحدى خزائن الكتب التي لم تفهرس بعد.

ومما يساعد على ترقب هذا الأمل أن الكثير من كتب ابن أبي الدنيا لا تزال تصلنا, وقد اكتشف الكثير منها(282) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

4 - محمد بن زكريا بن دينار الغلابي(283) , له مؤلف باسم مقتل الحسين»(284) ولكن هذا الكتاب لم يصل إلينا, وحتى إنه لم يصلنا من خلال الكتب الأخرى شيئٌ أخذ من هذا الكتاب».

5 - الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي(285) . ت 360 هـ وهو إمام محدث ذكر ياقوت أنه له كتاب «الريحانتين: الحسن والحسين»(286) وأظن أن هذا الكتاب لا يتناول الأحداث التاريخية التي جرت لكل من الحسن والحسين, وإنما هو عبارة عن جزء حديثي جمع فيه المصنف فضائل الحسن والحسين.

6 - أبو القاسم الحسين بن مسعود البغوي ت 516 هـ(287) وهو إمام محدث له كتاب «مقتل الإمام الحسين»(288) .

ويبدو أن هذا الكتاب قد فُقِد, وإن كانت هناك رواية عند ابن كثير صرح بأخذها من أبي القاسم البغوي, ولعل ابن كثير أخذ هذه الرواية من طريق آخر وليس من الكتاب مباشرة.

7 - أبو القاسم محمود بن المبارك بن الحسين, المعروف بالمحبر ت 592(289) . وقد صنف كتاباً في مقتل الحسين.

8 ضياء الدين أبو المؤيد موفق الدين أحمد الخوارزمي له كتاب عن «مقتل

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحسين».

وكان هذا الكتاب عند ابن الوزير اليماني المتوفى سنة 840 هـ وقال: «وهو عندي في مجلدين»(290) .

ويبدو أن صاحب هذا الكتاب لم يأت بشيء جديد, وإلا لنقله ابن الوزير في كتابه حين تكلم عن الحسين رضي الله عنه .

وكما يبدو أن هذه الكتب وغيرها من الكتب المؤلفة في مقتل الحسين رضي الله عنه من أمثال: نور العين بمشهد الحسين» للأستاذ الإسفراييني, وكتاب «دُرر السمط من أخبار السبط» لابن الأبار, ليس فيها شيء من التحقيق والنظرة الواقعية للحدث, بل غلب عليها الحزن والتباكي على الحسين رضي الله عنه , وذِكر فضائله, ولعن أعدائه, دون التعرض لجوهر القضية, ومناقشة الروايات ثم الخروج بتصور صحيح عن الحادثة. ولعل هذا هو السر في أن الطبري وغيره من المؤرخين اعتمدوا فقط على رواية أبي مخنف ورواية عمار بن معاوية الدهني, لقربهما من الحقيقة ولأنها تقدم سرداً واقعياً للحادثة.

ولعل هذا سبب صنيع ابن حجر حينما اعتمد على رواية عمار بن معاوية الدهني في حركة الحسين رضي الله عنه ثم قال: «وقد صنف جماعة من القدماء في مقتل الحسين تصانيف فيها الغث والسمين, والصحيح والسقيم, وفي هذه القصة التي سقتها غنى»(291) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثانياً: موقف الحسين رضي الله عنه من تنازل الحسن رضي الله عنه عن الخلافة لمعاوية رضي الله عنه

لقد كان الحسن بن علي من المعارضين لخروج أبيه من المدينة لأنه يعرف ما يترتب على ذلك من حروب وفتن, ولما أدرك علي رضي الله عنه ما حدث من النتائج المروعة لمعركة الجمل عرف أهمية نصح ولده في تلك اللحظة, فكان الحسن يقول:

«لقد رأيتني وهو يلوذ بي– أي أبوه علي– ويقول: ليتني مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة»(292) . ولما استشهد علي رضي الله عنه , اجتمع أهل الكوفة وبايعوا الحسن بالخلافة.

وعندما اتضح للحسن رضي الله عنه أن حربه مع معاوية رضي الله عنه ستفضي إلى سفك الدماء وتعطيل الجهاد في سبيل الله, ثم معرفته الأكيدة بأولئك الجند الذين ينضوون تحت لوائه, عزم على مبايعة معاوية رضي الله عنه بالخلافة والتنازل له بذلك(293) . وهو الأمر الذي بشر به من قبل جده صلى الله عليه وسلم, وقد جعل هذا الموقف الذي أقدم عليه الحسن مثالاً للمسلم الصادق الزاهد, الذي يتنازل عن الدنيا ويعرض عنها ابتغاء مرضاة الله وحده..

ولكن تنازل الحسن لم يحظ بموافقة الحسين, بل كان للحسين موقف مغاير لما أقدم عليه أخوه, فعندما عرض الحسن على الحسين رأيه الذي سيقرر بموجبه التنازل عن الخلافة لمعاوية جوُبه بمعارضة شديدة من الحسين, ولكن الحسن عزم على رأيه بكل حزم, ورد على أخيه محذراً من المخالفة قائلاً:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

«والله ما أردت أمراً قط إلا خالفتني إلى غيره, والله لقد هممت أن أقذفك في بيتٍ فأطينه عليك حتى أقضي أمري، فلما رأى الحسين غضبه تابعه، وقال: أمرنا لأمرك تبع»(294) .

ولم يكن هذا الصلح مفرحاً بالنسبة لأهل الكوفة, بل أظهروا الندم والحسرة على ترك القتال(295) . وحاولوا أن يثنوا الحسن عن رأيه, ولكن الحسن رفض مطالبهم وأجابهم بخلاف ما أرادوا(296) .

وأمام إصرار الحسن على رأيه في التنازل بالخلافة لمعاوية, لجؤوا إلى الحسين وعرضوا عليه مباغتة معاوية وجيشه وهم غارون, وذلك بعد الصلح مباشرة, ولكن الحسين أقنعهم بأنه قد بايع لمعاوية, ومن الاستحالة الإقدام على هذا الأمر(297) .

ولما أراد الحسين الرحيل من الكوفة إلى المدينة دخل عليه جندب بن عبد الله الأزدي, والمسيب بن نجبة الفزاري, وسليمان بن صرد الخزاعي, وسعيد بن عبد الله الحنفي, فلما رأى ما بهم من الكآبة تحدث إليهم وقال: «إن أمر الله كان قدراً مقدوراً, وإن أمر الله كان مفعولاً. وذكر كراهة ذلك الصلح وقال: كنت أفضل الموت على ذلك ولكن أخي عزم علي وناشدني فأطعته وكأنما يحز في نفسي بالمواسي ويشرح قلبي بالمدي. وقد قال الله عز وجل: ﴿ فَعَسَىٰٓ أَن تَكْرَهُوا۟ شَيْـًٔا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا(298)(299) ﴾ )( .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثم أكدوا أنهم شيعته وأتباعه وعرضوا عليه الرجوع عن الصلح مرة أخرى، ولكنه رفض هذا الطلب, ثم أبدى تحسره لفراقهم وفراق الكوفة(300) .

لقد كان الحسين كارهاً لحدوث هذا الصلح أصلاً, ولكن المبايعة لمعاوية قد تمت وأصبحت خلافته خلافة شرعية, فهو لا يريد أن يشق عصا المسلمين, ولهذا فقد أشار على مناصريه بعدم المعارضة مادام معاوية حياً, وأخذ أنصار الحسين بنصيحته واستمروا في التهدئة, وأخذ العطاء من الدولة(301) .

وبهذا يتبين لنا أن الجنود في جيش الحسن قد اعترضوا على الصلح لكن الحسين هو الذي طلب منهم الهدوء والموادعة حتى يموت معاوية, ولهذا قال الذهبي: بلغنا أن الحسين لم يعجبه ما عمل أخوه الحسن من تسليم الخلافة إلى معاوية, بل كان رأيه القتال, ولكنه كظم وأطاع أخاه وبايع(302) .

ولقد كان هدوء أهل الكوفة ومتابعتهم للحسن إنما هو نتيجة لما لمسوه من الحسين بأنه ممانع لهذا الصلح, ولذلك الوعد الذي وعدهم به الحسين إذا توفي معاوية.

وبعد تنازل الحسن بالخلافة لمعاوية انتقل الحسين مع أخيه إلى المدينة(303) .

ويبدو أن صلات الحسين بمعاوية كانت طيبة, واستمرت العلاقات بين الطرفين بكل احترامٍ وتقديرٍ, وكان معاوية دائم الوصل للحسين, ويسارع في تلبية مطالبه وحاجاته, وكان

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يغدق عليه العطاء حتى إنه أعطاه في بعض الأحيان أربعمائة ألف, كان من ضخامة هذا المبلغ أنه لم يتحصل عليه أحد قبل الحسين ولا بعده(304)

ولكن علاقة الكوفيين بالحسن والحسين لم تنقطع بعد خروجهما من الكوفة واستقرارهما في المدينة, بل استمرت العلاقة بين الجانبين عن طريق الرسائل التي كان يبعث بها الكوفيون باستمرار, ولقد كانت تلك الرسائل – كما يبدو – تحمل دعوة لمعارضة الحكم الأموي, كما تحمل تأكيداً بأحقيتهما في الخلافة, واستنهاض هممهما إليها. وما كانت تلك الكتب لتؤثر على الحسن بل أعطته انطباعاً وتصوراً واضحاً عن أهل الكوفة, وأنهم أهل شر وفتنة ولا يريدون اجتماع الأمة ووحدة كلمتها.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثالثاً: الحسن رضي الله عنه وخوفه على الحسين رضي الله عنه من أهل الكوفة

«قال يزيد بن الأصم: جاءت الحسن إضبارة(305) من الكتب, فقال: يا جارية هات المخضب, فصبت فيه الماء وألقى الكتب في الماء, فلم يفتح منها شيئاً ولم ينظر إليها, فقلت: يا أبا محمد: ممن هذه الكتب؟ قال: من أهل العراق من قوم لا يرجعون إلى حق ولا يقصرون عن باطل, أما إني لست أخشاهم على نفسي ولكني أخشاهم على ذلك وأشار إلى الحسين»(306) .

قال ابن عبد البر: «وروينا من وجوه أن الحسن بن علي لما حضرته الوفاة قال للحسين أخيه: يا أخي إن أبانا رحمه الله تعالى لما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم استشرف الأمر, رجاء أن يكون صاحبه, فصرفه الله عنه, ووليها أبو بكر, فلما حضرت أبا بكر الوفاة تشوف لها أيضاً فَصُرفت عنه إلى عمر, فلما احتضر عمر جعلها شورى بين ستة هو أحدهم, فلم يشك أنها لا تَعْدُوه, فَصُرفت عنه إلى عثمان فلما هلك عثمان بويع, ثم نوزع حتى جرّد السيف وطلبها, فما صفي له شيء منها, وإني والله ما أرى أن يجمع الله فينا أهل البيت, النبوة, والخلافة, فلا أعرفن ما استخفك سفهاء أهل الكوفة فأخرجوك»(307) .

ولما توفي الحسن بن علي رضي الله عنه اجتمع أهل الكوفة في دار سليمان بن صرد وكتبوا إلى الحسين كتاباً بالتعزية في وفاة الحسن وقالوا في كتابهم: إن الله قد جعل فيك أعظم الخلف ممن مضى, ونحن شيعتك المصابة بمصيبتك المحزونة بحزنك، المسرورة بسرورك, المنتظرة لأمرك(308) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فرد الحسين على كتابهم: «إني لأرجو أن يكون رأي أخي رحمه الله في الموادعة, ورأيي في جهاد الظلمة رشداً وسداداً, فالصقوا بالأرض وأخفوا الشخص, واكتموا الهوى, واحترسوا من الأظناء, مادام ابن هند حياً, فإن يحدث به حدث وأنا حي يأتكم رأيي إن شاء الله»(309) .

ولقد كانت مكانة الحسين رضي الله عنه من المسلمين بعد وفاة الحسن مكانة لا تنكر, وأصبح هناك شعور قوي بأن المرشح الوحيد بعد وفاة معاوية للخلافة هو الحسين بن علي, وقد كان يزوره كبار أهل الحجاز وزعماء الكوفة وهم لا يشكون في أنه سيكون الخليفة بعد معاوية(310) .

ولم تقتصر محاولات الكوفيين على طلب الحسين رضي الله عنه فقط, بل إنهم طلبوا من محمد بن الحنفية القدوم عليهم, فانتبه إلى خطورة أهل الكوفة عليه وعلى آل علي بن أبي طالب رضي الله عنه , فأخذ يحذر الحسين من الانجرار وراءهم وتصديق مزاعمهم, ومما قاله للحسين: «إن القوم يريدون أن يأكلوا بنا ويشيطوا دماءنا»(311) .

ولقد أثارت تلك الرسائل المتبادلة بين الحسين وأهل الكوفة مخاوف بني أمية في المدينة, فكتبوا إلى معاوية يستشيرونه بشأن الحسين. فكتب إليهم بأن لا يتعرضوا له مطلقا(312) .

ولا يمكن أن تخفى تلك الرسائل على معاوية, ولا العلاقات الوثيقة التي تربط بين الحسين وبين الكوفيين, لهذا فقد طلب معاوية من الحسين: أن يتقي الله عز وجل, وألا يشق عصا المسلمين, ويذكره بالله في

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أمر المسلمين(313)

ولعل تلك التأكيدات المتتابعة من أهل الكوفة والتي تؤكد جميعها مناصرة الحسين والوقوف معه, قد أثرت على الحسين وجعلته في حيرة من أمره أمام إغراءات زعماء الكوفة له(314) .

ومهما يكن من أمر تلك العلاقة الوطيدة بين الحسين وبين أهل الكوفة, فإن معاوية كان يتوقع خروج الحسين إلى الكوفة ولهذا فقد أوصى يزيد بقوله: «انظر حسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإنه أحب الناس إلى الناس, فصل رحمه, وارفق به يصلح لك أمره, فإن يك شيء فإني أرجو أن يكفيكه بمن قتل أباه وخذل أخاه(315) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رابعاً: رفض الحسين بن علي رضي الله عنه البيعة ليزيد بن معاوية

لقد كان موقف الحسين رضي الله عنه من بيعة يزيد بن معاوية هو موقف المعارض, وشاركه في المعارضة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ومن قبلهما عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.

فأما الحسين وابن الزبير رضي الله عنهما فلم يبديا أسباباً واضحة لممانعتهما بالبيعة, وأما عبد الرحمن ابن أبي بكر رضي الله عنه فقد كان نقده واضحاً لبيعة يزيد ففي تفسير ابن أبي حاتم بسنده عن عبد الله بن نُمير المدني قال: «إني لفي المسجد حيث خطب مروان، فقال: إنّ الله أرى أمير المؤمنين في يزيد رأياً حسناً، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر.

فقال عبد الرحمن بن أبي بكر : أهرقليّة ؟! إنّ أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده ولا أحد من أهل بيته، ولا جعلها معاوية في ولده إلا رحمة وكرامة لولده(316) ...» .

وإن تلك الممانعة الشديدة من قبل الحسين وابن الزبير قد عبرت عن نفسها بشكلٍ عمليّ فيما بعد.

فالحسين رضي الله عنه , كما مرَّ معنا, كان معارضاً للصلح, والذي حمله على قبوله هو متابعة أخيه الحسن بن علي.

ثم إن الحسين بن علي استمر في صلاته بأهل الكوفة, وقد كان يعدهم بالمعارضة ولكن بعد وفاة معاوية, والدليل على ذلك أنه بمجرد وفاة معاوية سارع زعماء الكوفة بالكتابة إلى الحسين, وطلبوا منه المسير إليهم على وجه السرعة.

ولا يختلف اثنان على أن الحسين رضي الله عنه قد جمع كل مقومات الخلافة، فليس من الغريب إذاً أن يقف الحسين في وجه بيعة يزيد, ويرفضها رفضاً شديداً وبكل قوة.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولما قابله معاوية بمفرده أخذ الحسين – فيما يبدو – يؤكد على حقه في الخلافة, وكان رد معاوية على ابنه يزيد حين استفسر عن سكوت أبيه عن الحسين لما أناخ براحلته ولم يرد عليه فقال: «لعله يطلبها من غيري فلا يسوغه فيقتله»(317) ولهذا قال الذهبي: «لما بايع معاوية ليزيد تألم الحسين»(318) .

ولقد كان معاوية رضي الله عنه يوصي يزيد بالحسين والرفق به, وذلك لقرابته من الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نعلم إن كانت هذه الوصية قد تعددت أكثر من مرة, أم هي التي كانت عند وفاة معاوية.

وسبب ذلك: أن بعض المصادر التي ذكرت وصية معاوية أشارت إلى وجود يزيد بجانب معاوية وهو في النزع عند الموت(319) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بينما الثابت والصحيح أن يزيد كان غائباً عن دمشق حين وفاة معاوية وقد كان بحوارين(320) .

وقد أبلغت الوصية إلى يزيد عن طريق الضحاك بن قيس الفهري ومسلم بن عقبة(321) .

قال عوانة: «إنّ معاوية لما حضره الموت وذلك سنة ستين وكان يزيد غائباً، فدعا بالضحاك ابن قيس الفهري وكان صاحب شرطته ومسلم بن عقبة المري, فأوصى إليهما فقال: بلغا يزيد وصيتي, انظر أهل الحجاز فإنهم أصلك, فأكرم من قدم عليك منهم, وتعاهد من غاب, وانظر أهل العراق, فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملاً فافعل, فإن عزل عامل أحب إليّ ِأن تشهر عليك مائة ألف سيف, وانظر أهل الشام فليكونوا بطانتك وعيبتك, فإن نابك شيء من عدوك فانتصر بهم, فإن أصبتهم فاردد أهل الشام إلى بلادهم, فإنهم إن أقاموا بغير بلادهم أخذوا بغير أخلاقهم, وإني لست أخاف من قريش إلا ثلاثة: حسين بن علي, وعبد الله ابن عمر, وعبد الله بن الزبير, فأما ابن عمر فرجل قد وقذه الدين, فليس ملتمساً شيئاً قبلك, وأما الحسين بن علي فإنه رجل خفيف, وأرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه, إن له رحماً ماسة, وحقاً عظيماً, وقرابة من محمد صلى الله عليه وسلم، ولا أظن أهل العراق تاركيه حتى يخرجوه, فإن قدرت عليه فاصفح عنه, فإني لو أني صاحبه عفوت عنه, وأما ابن الزبير فإنه خبٌّ(322) ضبٌّ, فإذا

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

شخص لك فالبد له, إلا أن يلتمس منك صلحاً فإن فعل فاقبل واحقن دماء قومك ما استطعت»(323)

لقد كان تصور معاوية لما يجري في دولته تصوراً صحيحاً, فإنه عندما أوصى يزيد بهذه الوصية جعل في اعتباره الأقاليم الثلاثة التي تمثل ثقل الدولة وهي الحجاز والعراق والشام، ثم ذكر له العلاج المناسب في التعامل مع ميول كل تلك الأقاليم, فأهل الحجاز هم: أهله وأصله وعشيرته, فأوصاه أن يرفق بهم, وأن يجزل لهم العطاء وأن يكرمهم ويُجلهم.

وأما أهل العراق فقد رسم معاوية ليزيد سياسة التعامل مع هذا الإقليم المضطرب غير المستقر نظراً لوجود القبائل العربية بشكلٍ كبير في هذا الإقليم, وتنامي النزعات القبلية فيما بينها ثم وجود شريحة كبيرة من الأعراب الذين لم يكن لهم نصيب وافر من تعاليم الإسلام ومعرفة أحكامه.

وعلاوة على ذلك فإن اختلاف عقائد بعض الفرق وتضاربها في هذا الإقليم قد أثر على زعزعة استقرار العراق.

وهذه العقبات في العراق جعلت معاوية رضي الله عنه يشير على يزيد بأن يتعامل مع العراقيين تعامل الحذر والمستجيب لمطالبهم, حتى وإن بلغ الأمر ذروته في تنصيب أمير وعزل أمير كل يوم كما أشار عليه أن يجدد صلته ويقويها بأهل الشام حيث إنهم يمثلون مركز الثقل للدولة والمناصرين لها منذ بدايتها, علاوة على حسن طاعتهم لأمرائهم, ولأنهم مأمونون من الغدر بعيدون عنه.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هذه الصفات التي تميز بها أهل الشام عن غيرهم جعلت معاوية يوصي يزيد بأن لا يستعين في أي حرب ضد أعدائه إلا بأهل الشام.

كما أمره بأن يحرص على أن تكون إقامة الشاميين في بلادهم «الشام» وأن لا يتفرقوا في الأقاليم الأخرى خشية عليهم أن يتأثروا بالتيارات الفكرية التي بدأت تؤثر في بعض الأقاليم ومن ثم يفقدون ميزتهم التي اشتهروا بها وهي الطاعة للحاكم.

ثم بيَّن معاوية ليزيد حالة المعارضين الثلاثة:

فأما ابن عمر الصحابي الجليل فإن معاوية لا يخشاه على الدولة لما هو معروف عنه من ورعٍ وعبادة وبعدٍ عن الدنيا وزخرفها, وخوفه من أن يراق دم امرئ مسلم بسببه(324) .

إن هذه الصفات التي يتميز بها ابن عمر عن غيره تجعله من الزاهدين في طلب الخلافة. الأمر الذي جعل معاوية يطمئن ولده يزيد من جهته.

وأما ابن الزبير, فقد وصفة معاوية بالدهاء ولا يأمن على يزيد من معارضته, ولهذا فقد نصحه معاوية بأن يتعامل معه بحرص وأن لا يخدعه, ونصح يزيد بأن يتعامل معه بحزمٍ أيضاً وذلك في حالة إبدائه المعارضة.

ولكن في حالة طلبه للصلح وجنوحه إليه فقد أمر معاوية ولده يزيد بأن يقبله منه.

وأما الحسين بن علي: فقد وصفه معاوية بأنه سريع التأثر, ونظراً لتلك المعلومات التي وصلت معاوية عن علاقته بالكوفيين فقد توقع معاوية خروجه للعراق بعد أن يقع تحت تأثيرهم.

ثم أكد على يزيد بأن يراعي في معاملته للحسين قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن يعفو عنه في حالة قيامه بالمعارضة.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كما توقع معاوية أن يلقى الحسين من أهل العراق – في حالة خروجه ومعارضته – كل خذلان كما لقي من قبل أبوه وأخوه منهم.

ثم كان التوجيه الأخير من معاوية ليزيد, بأن يسعى في المحافظة على قومه وأن يحقن دماء المسلمين ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

لقد كانت وصية معاوية ليزيد تنم عن معرفةٍ أكيدةٍ وخبرةٍ لمعاوية رضي الله عنه في مجال العمل السياسي, وليس هذا غريبا ً على معاوية فهو السياسي البارع الذي بلغت الدولة في عهده أوجها وقوتها.

خامساً: خروج الحسين رضي الله عنه من المدينة إلى مكة

توفي معاوية رضي الله عنه في رجب من سنة ستين للهجرة(325) . وقام الضحاك بن قيس فخطب وأثنى على معاوية وترحم عليه ثم صلى عليه, وأرسل إلى يزيد وقد كان بحوارين, فجاء إلى قبر أبيه وصف من كان معه وصلى على أبيه, ثم ذهب إلى داره وقال قصيدته المشهورة التي يقول فيها(326) :

جاء البريد بقرطاس يخب بهفأوجس القلب من قرطاسه فزعاً
قلنا لك الويل ماذا في صحيفتكمقال الخليفة أمسى مثبتاً وجعاً
فمادت الأرض أو كادت تميد بناكأن أغبر من أركانها انقطعا
لما انتهينا وباب الدار منصفقلصوت رملة ريع القلب فانصدعا
من لا تزل نفسه توفي على شرفتوشك مقادير تلك النفس أن تقعا
أودى ابن هند وأودى المجد يتبعهكأن يكونا جميعاً قاطنين معاً
أغر أبلج يستسقى الغمام بهلو قارع الناس عن أحلامهم فزعاً
وما أبالي إذا أدركت مهجتهمن مات منهم بالبيداء أو ظلعاً
لا يرقعُ الناس ما أوهى وإن جهدواأن يرقعوه ولا يوهون ما وقعا
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأمر فنودي بالصلاة جامعة, فاغتسل ولبس ثياباً حسناً, ثم خرج وخطب الناس فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:

«أيها الناس إن معاوية كان عبداً من عبيد الله, أنعم الله عليه ثم قبضه إليه، وهو خير ممن بعده ودون مَن قبله، ولا أزكيه على الله عز وجل فإنه أعلم به, إن عفى عنه فبرحمته, وإن عاقبه فبذنبه, وقد وليت الأمر من بعده, ولست آسى على طلب, ولا أعتذر من تفريط، وإذا أراد الله شيئاً كان اذكروا الله واستغفروه»(327) .

ثم قال: وإن معاوية كان يغزيكم في البحر، وإني لست حاملاً أحداً من المسلمين في البحر، وإن معاوية كان يشتيكم بأرض الروم، ولست مشتياً أحداً بأرض الروم، وإن معاوية كان يخرج لكم العطاء أثلاثاً وأنا أجمعه لكم كله»(328) . وافترق الناس عنه وهم لا يفضلون عليه أحداً(329) .

وكانت هذه أول خطبة خطبها يزيد بعد أن تولى الخلافة.

وكان الولاة على كل من: المدينة: الوليد بن عتبة بن أبي سفيان, والكوفة: النعمان ابن بشير، وأمير البصرة: عبيد الله بن زياد, وأمير مكة: عمرو بن سعيد بن العاص(330) .

وقد كتب يزيد بن معاوية إلى والي المدينة في أول عملٍ له, الوليد بن عتبة «أن ادع الناس فبايعهم وابدأ بوجوه قريش, وليكن أول من تبدأ به الحسين بن علي فإن أمير المؤمنين عهد إلي في

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أمره بالرفق به واستصلاحه»(331) وطلب منه أيضاً أن يأخذ البيعة من ابن الزبير وابن عمر(332) .

ولكن ثمة روايات تذكر أن خبر وفاة معاوية لما وصل الوليد بن عتبة والي المدينة استشار مروان بن الحكم فيما يتخذه من ترتيبات واحتياطات لقاء هذا الحدث, فأشار عليه مروان بأن يدعو ابن الزبير والحسين بن علي ويأمرهما بالبيعة(333) .

فكان الوليد بن عتبة هو صاحب هذه المبادرة – أي أخذ البيعة من هؤلاء النفر – ولكننا نستطيع أن نجمع بين الروايات التي تذكر أن يزيد بن معاوية هو الذي أرسل إلى الوليد ابن عتبة وطلب منه أن يأخذ البيعة من الحسين وابن الزبير وابن عمر, وبين الروايات التي تجعل هذا التصرف تصرفاً شخصياً محضاً من الوليد بن عتبة أملته عليه الظروف, والتطورات التي حدثت.

نستطيع أن نجمع بينهما: على أن خبر وفاة معاوية لما ورد إلى الوليد بن عتبة استشار مروان, فأشار عليه مروان بأن يأخذ البيعة من الحسين وابن الزبير.

وذلك لأن رواية أبي معشر تشير إلى هذا, فقد قال: «إن معاوية مات للنصف من رجب سنة ستين, وورد خبره على أهل المدينة في أول شعبان...»(334) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبهذا يكون البريد قد نقل الخبر بوفاة معاوية من بلاد الشام إلى الحجاز, خلال خمسة عشر يوماً تقريباً. وهو وقت مناسب لوصول الخبر في ذلك الوقت(335) .

ثم بعد أن تولى يزيد الخلافة أرسل رسالته والتي طلب فيها من الوليد بن عتبة أن يأخذ الحسين وابن عمر وابن الزبير ليبايعوا.

وخصوصاً إذا أخذنا في الحسبان أن يزيد كان غائباً عن دمشق حين وفاة والده, ثم رجع إلى دمشق واستقبل المعزيين, وربما استمرت التعزية مع البيعة ثلاثة أيام أو أكثر, ثم بعدها أخذ يدبر شؤون الدولة.

وهذا في نظري يستغرق وقتاً طويلاً نسبياً, فليس من المعقول أن يزيد بمجرد حضوره إلى دمشق كتب إلى الوليد, وطلب منه أن يأخذ البيعة من أولئك النفر الذين حدد أسماءهم.

فيكون الوليد طلب البيعة ابتداءً عندما بلغه خبر وفاة معاوية, ثم جاء خطاب يزيد يطلب منه أخذ البيعة من هؤلاء النفر.

ومما يدلل على صواب هذا الرأي, أن رسالة يزيد إلى الوليد بن عتبة فيها أمر بوجوب أخذ هؤلاء الثلاثة ولا يتركوا حتى يبايعوا(336) الأمر الذي يختلف معه سلوك الوليد مع المبايعين حين أذن لهم بالانصراف, ثم غادروا المدينة دون أن يتمكن الوليد من أخذ البيعة منهم, كما سنرى فيما بعد.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

استشار الوليد بن عتبة بن أبي سفيان مروان بن الحكم فأشار عليه مروان بأن يبعث في طلب الحسين وابن الزبير, فإن بايعا يخلِّ سبيلهما, وإن رفضا يقتلهما مباشرة(337) .

وتتضارب الروايات بعد ذلك, بينما تؤكد رواية البلاذري(338) أن الوليد لما بعث في طلب ابن الزبير والحسين تشاغلا عنه ورحلا في جوف الليل إلى مكة, وامتنعا امتناعاً قوياً من الوليد ابن عتبة(339) .

ولكن رواية خليفة(340) تذكر أن ابن الزبير حضر عند الوليد ورفض البيعة، واعتذر بأن وضعه الاجتماعي يحتم عليه مبايعته علانية أمام الناس, وطلب منه أن يكون ذلك في الغد في المسجد.

ولكن ذلك الطلب من ابن الزبير قابله رفض من مروان, وأمر مروان الوليد أن يكون حازماًَ معه – فاستبا, أي ابن الزبير ومروان.

ونظراً لأخلاق الوليد بن عتبة وسماحته والتي وصفته الرواية بأنه كان «رجلاً رفيقاً وسرياً كريماً»(341) فقد أمر بأن يخرجا – مروان وابن الزبير – من مجلسه.

واستدعى الحسين بعد ذلك, ويبدو أن الوليد تحاشى أن يناقش معه موضوع البيعة ليزيد فغادر الحسين مجلس الوليد من ساعته.

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فلما جنّ الليل خرج ابن الزبير والحسين متجهين إلى مكة, كل منهما على حدة.

ورواية خليفة هي الأقرب – في نظري – إلى الحقيقة فإضافةً إلى تسلسل الحدث فيها, فإن الراوية نفسها عن جويرية بن أسماء, وهو مدني ثم روايته عن مدنيين وقال: «سمعت أشياخنا من أهل المدينة ما لا أحصي يحدثون».

ثم إن ورودها من طريق آخر عن أبي معشر السندي يزيدها أهمية ووضوحاً(342) .

وتذكر رواية خليفة أن تسامح الوليد وثقته المطلقة بالحسين وابن الزبير قد أغضبت مروان ابن الحكم, وذكّر الوليد بأنه سيندم على فعلته وقال: لئن خرجا من البيت لا تراهما أبداً إلا في شر(343) .

وتجمع غالب الروايات على أن ابن الزبير والحسين بن علي خرجا ليلتهما إلى مكة, ولكن عوانة وأبا مخنف يذكران أمراً غريباً بشأن خروج الحسين رضي الله عنه .

فقد ذكرا أن الحسين مكث ليلته تلك في المدينة, ثم يومه ذلك حتى إذا كانت الليلة الثانية خرج بأهله جميعاً ولم يبق إلا محمد بن الحنفية(344) .

وهذا أمر مستبعد بالكلية, وذلك لأن الحسين استمهل الوليد بن عتبة حتى الصباح ليبايع, وليس من المعقول أن يبقى في المدينة ذلك اليوم حتى المساء, ثم ليس من المعقول أيضاً أن يرتحل بكل أهله وذلك على مرأى ومسمع من الوليد بن عتبة أمير المدينة.

لقد كان خروج الحسين وابن الزبير من المدينة مفاجأة للوليد بن عتبة, فأرسل في أثرهما ثلاثين راكباً من موالي بني أمية, ولكنهم فشلوا في اللحاق بهم(345) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد كان لسماحة الوليد بن عتبة أثر في ضعف شخصيته أمام أهل المدينة, فعندما أراد أن يتدارك الموقف ويحتوي الوضع أخذ أحد الشخصيات البارزة المناوئة للدولة من كبار المؤيدين لابن الزبير وهو ابن مطيع(346) , فأودعه السجن, فاجتمع فتية من بني عدي من عشيرة ابن مطيع فانطلقوا حتى اقتحموا السجن فأخرجوه, فلحق بابن الزبير(347) .

إن سياسة اللين التي اتبعها الوليد بن عتبة مع الحسين وابن الزبير جعلت مروان بن الحكم يسارع بالكتابة إلى يزيد بن معاوية وينبهه على خطورة الوضع بالحجاز بشكل عام وأدرك يزيد ضعف الوليد بن عتبة فعزله عن المدينة على أثر هذه الحادثة عن المدينة, وولى بدلاً منه عمرو بن سعيد بن العاص, وذلك في رمضان سنة ستين(348) .

خرج الحسين من ليلته تلك التي طلبه فيها الوليد بن عتبة, ويبدو أن الحسين وابن الزبير قد تواعدا على أن يلتقيا في مكان معين في الطريق إلى مكة, ولقد لقيهما ابن عمر و عبد الله ابن عياش(349) بالأبواء(350) وهما منصرفان من العمرة قادمين إلى المدينة, فقال لهما

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ابن عمر: «أذكركما الله إلا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس, وتنظران فإن اجتمع الناس عليه لم تشذا, وإن افترق عليه كان الذي تريدان»(351)

فلما قدما مكة - ابن الزبير و الحسين بن علي – اتخذ الحسين بن علي من دار العباس بن عبد المطلب سكناً له, ولزم ابن الزبير الحجر ولبس المعافري وجعل يحرض الناس على بني أمية(352) .

الفصل الثاني : الحسين رضي الله عنه وفاجعة كربلاء

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 132 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 133 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 134 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

أولاً: رسائل أهل الكوفة إلى الحسين رضي الله عنه

إن أهل الكوفة لما علموا بموت معاوية وخروج الحسين إلى مكة ورفضه البيعة ليزيد تذكروا وصية الحسين بأن لا يحدثوا أمراً حتى يموت معاوية، فاجتمعوا في منزل سليمان ابن صرد الخزاعي(353) فقال سليمان بن صرد:

«إن معاوية قد هلك, وإن حسيناً قد تقبض على القوم ببيعته وقد خرج إلى مكة وأنتم شيعة أبيه, فإن كنتم تعلمون أنكم ناصروه فاكتبوا إليه, وإن خفتم الوهن والفشل فلا تغروا الرجل من نفسه» فاجتمع أمرهم على نصرته. ثم كتبوا إليه.

«إنا لا نصلي مع النعمان بن بشير جمعة ولا نخرج معه إلى عيد، فأقبل علينا فإن أقبلت أخرجنا النعمان إلى الشام».

وهذا الكتاب من سليمان بن صرد، والمسيب بن نجبة، ورفاعة بن شداد، وحبيب بن مُظاهر.

وقد أرسلوا هذا الكتاب مع: عبد الله بن سبع الهمداني وعبد الله بن وال, ثم بعد يومين أرسلوا قيس بن مسهر الصيداوي, وعبد الرحمن الأرحبي, وعمارة بن عُبيد السلولي، وحملوا نحواً من ثلاث وخمسين صحيفة, وأرسلوها مع هانئ بن هانئ السبيعي، وسعد بن عبد الله الحنفي، وهذه الصحائف الثلاث والخمسون هي قوائم بأسماء المبايعين، والذين يطلبون من الحسين القدوم عليهم. فكل صحيفة من رجلٍ أو اثنين أو ثلاثة أو أربعة. ثم أتبعوا ذلك برسالة مع هانئ بن هانئ».

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثم كتب شبث بن ربعي, وحجار بن أبجر, ويزيد بن الحارث, وعزرة بن قيس, وعمر ابن الحجاج الزبيدي, ومحمد بن عمر التميمي فكتبوا إليه «أما بعد فقد اخضر الجناب وأينعت الثمار، وطمت الجمام, فإذا شئت فأقدم على جند لك مجند والسلام»(354) .

ومما يدل على كثرة عدد تلك الرسائل أن الحسين لما خرج إلى العراق ونصحه ناصح أشار إلى عيبته وقال: «هذه كتب وجوه أهل المصر»(355) .

وبعد توافد الكتب على الحسين وهو بمكة, وجميعها تؤكد الرغبة في حضوره ومبايعته, قام الحسين فكتب كتاباً قال فيه: «بسم الله الرحمن الرحيم: من حسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين والمسلمين, أما بعد, فإن هانئاً وسعيداً قدما عليَّ بكتبكم, وكانا آخر من قدم علي من رسلكم، وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم, ومقالة جلتكم: «إنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق». وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم, فإن كتب إلي أنه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قَدِمَت علي به رسلكم، وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكاً إن شاء الله, فلعمري ما الإمام إلا العامل بكتاب الله، والآخذ بالقسط, والدائن بالحق، والمحاسب نفسه على ذات الله والسلام»(356) .

ويتبين لنا من خلال رسالة الحسين لأهل الكوفة, أن الحسين قد فهم من تلك الرسائل المتلاحقة من الكوفة الرغبة الصادقة والمحبة الجامحة لشخصه في نفوس الكوفيين, وأنهم قد

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نابذوا إمامهم, ولم يعترفوا بيزيد وأنهم سُيخرجون أمير الكوفة النعمان بن بشير وأنهم في حاجة لإمام يجتمعون عليه, وهذا الإمام الذي يرغبون فيه هو الحسين بن علي رضي الله عنه

إن الحسين لم يفكر بالخروج إلى الكوفة إلا عندما جاءته الرسل من الكوفة إليه ليعترفوا له «إنه ليس علينا إمام(357) وأنهم يدعونه مرحبين به طائعين مسلمين إليه فاقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق»(358) .

ومع ذلك فإن الحسين بن علي قد توقف, واحتاط من تلك الرسائل وأولئك الرسل.

وأراد أن يتأكد من صحة هذه الأقوال ومدى مطابقتها لما ورد في الرسائل على ألسنة زعماء الكوفة, فقام بإرسال مسلم بن عقيل بن أبي طالب – ابن عمه – وكما قال عنه: «ابن عمي وثقتي من أهل بيتي»(359) وأمره أن ينظر في أهل الكوفة ويقف على الحقائق بنفسه, ويعطيه تفصيلاً وتجلية للوضع السائد في الكوفة(360) .

ثانياً: خروج الحسين رضي الله عنه إلى الكوفة

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أ- عزم الحسين رضي الله عنه على الخروج إلى الكوفة وإرساله مسلم بن عقيل إليها

كما مرّ بنا قبل قليل وأنه بعد توافد الرسائل من زعماء الكوفة على الحسين رضي الله عنه والتي تطلب منه المسارعة في القدوم إليهم, ولما كان العدد مشجعاً – أكثر من مئة ألف مبايع – أراد أن يطلع على حقيقة الأمر, فبعث ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبي طالب ليستجلي له حقيقة الخبر, ثم يكتب إليه بواقع الحال, فإن كان ما يقولون حقاً قدم عليهم(361) .

خرج مسلم بن عقيل بصحبة عبد الرحمن بن عبد الله الأرحبي, وقيس بن مسهر الصيداوي, وعمارة بن عبيد السلوكي. فلما وصل مسلم المدينة أخذ معه دليلين, وفي الطريق إلى الكوفة تاهوا في البرية ومات أحد الدليلين عطشاً, وكتب مسلم إلى الحسين يستعفيه, وذلك بسبب إحساسه النفسي لمدى الصعوبات التي تنتظره في الكوفة, ولكن الحسين رفض طلبه, وأمره بمواصلة المسير نحو الكوفة(362) .

وذكر أبو مخنف أن مسلم بن عقيل لما دخل الكوفة نزل عند المختار بن عبيد الثقفي(363) بينما تؤكد رواية حصين بن عبد الرحمن السلمي – الراوي – على أن مسلم نزل عند هانئ ابن عروة(364) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأما رواية أبي معاوية الدهني فتذهب إلى أن مسلماً نزل على رجل يُقال له: ابن عوسجة(365) .

ويمكن أن يزول الإشكال والتضارب بين هذه الروايات, إذا عرفنا أن مسلم بن عقيل قد أقام عند أولئك النفر على فتراتٍ معينةٍ, ولأسبابٍ أمنية ملحة.

فقد نزل عند المختار بن أبي عبيد(366) في أول قدومه إلى الكوفة, فلما جاء ابن زياد وتولى إمارة الكوفة, وأخذ يشدد على الناس, انتقل مسلم عند هانئ بن عروة وذلك خشية انكشاف أمره, ثم لمكانة هانئ وأهميته كأحد أعيان الكوفة(367) .

وبعد أن تم القبض على هانئ بن عروة, أو بالأحرى لما بدأ الشك يساور ابن زياد من هانئ ابن عروة خشي مسلم بن عقيل على نفسه, وانتقل أخيراً ولفترة قصيرة جداً عند مسلم ابن عوسجة الأسدي(368) .

ولما بلغ أهل الكوفة قدوم مسلم بن عقيل قدموا إليه فبايعه اثنا عشر ألفاً(369) .

وفي بعض الروايات تذكر أن عدد المبايعين أكثر من ثلاثين ألفاً(370) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لقد تمت تلك المبايعة بصورة سرية مع تحرص شديد, ولما تأكد لمسلم بن عقيل رغبة أهل الكوفة في الحسين وقدومه إليهم كتب إلى الحسين: «أما بعد، فإن الرائد لا يكذب أهله, إن جميع أهل الكوفة معك فأقبل حين تنظر في كتابي»(371) .

وهنا تأكد للحسين صدق نوايا أهل الكوفة وأنه ليس عليهم إمام كما ذكروا من قبل(372) .

فلا بد في هذه الحالة أن يفي لهم بما وعدهم به, حين كتب إلى أهل الكوفة: «وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي، وأمرته أن يكتب إلي بحالكم وأمركم ورأيكم، فإذا كتب إليَّ أنه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم، وقرأته في كتبكم, أقدم عليكم إن شاء الله....»(373) .

فلما وصل إلى الحسين كتاب مسلم بن عقيل والذي طلب منه القدوم إلى الكوفة وأن الأمر مهيأ لقدومه تجهز الحسين بن علي, وعزم على المضي إلى الكوفة بأهله وخاصته.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ب- نصائح الصحابة والتابعين ورأيهم في خروج الحسين إلى الكوفة

لما بلغ محمد بن الحنفية عزم أخيه الحسين على الخروج إلى الكوفة قدم عليه وقال: «يا أخي أنت أحب الناس إلي, وأعزهم علي, ولست أدخر النصيحة لأحدٍ من الخلق أحق بها منك, تنح ببيعتك عن يزيد بن معاوية وعن الأمصار ما استطعت, ثم ابعث رسلك إلى الناس فادعهم إلى نفسك, فإن بايعوا لك, حمدت الله على ذلك, وإن أجمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك ولا عقلك، ويذهب به مروءتك ولا فضلك, إني أخاف أن تدخل مصراً من هذه الأمصار وتأتي جماعة من الناس, فيختلفون بينهم, فمنهم طائفة معك, وأخرى عليك, فيقتتلون فتكون لأول الأسنة, فإذا خير هذه الأمة كلها نفساً, وأباً, وأماً, أضيعها دماً, وأذلها أهلاً, فقال له الحسين: فإني ذاهب يا أخي, قال: فانزل مكة فإذا اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك، وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال, وخرجت من بلدٍ إلى بلدٍ حتى تنتظر إلى ما يصير أمر الناس وتعرف عند ذلك الرأي فإنك أصوب ما تكون رأياً وأحزمه عملاً حين تستقبل الأمور استقبالاً, ولا تكون الأمور عليك أبداً أشكل منها حين تستدبرها استدباراً قال: يا أخي قد نصحت فأشفقت وأرجو أن يكون رأيك سديداً»(374) .

ولما بلغ خبر عزمه على الخروج أتاه ابن عمه عبد الله بن عباس وقال: «يا ابن عم إنك قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق, فبين لي ما أنت صانع؟ قال: قد أجمعت المسير في أحد يومي هذين إن شاء الله تعالى.

فقال له ابن عباس: فإني أعيذك بالله من ذلك, أخبرني رحمك الله أتسير إلى قوم قتلوا أميرهم, وضبطوا بلادهم, ونفوا عدوهم, فإن كانوا قد فعلوا ذلك فسر إليهم, وإن كانوا إنما

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

دعوك إليهم, وأميرهم عليهم, وعماله تجبي بلادهم, فإنهم إنما دعوك إلى الحرب والقتال, ولا آمن عليك أن يغروك ويكذبوك ويخالفوك ويخذلوك, وأن يستنفروا إليك أشد الناس عليك, فقال له حسين: وإني أستخير الله وأنظر ما يكون.

قال: فلما كان العشي من الغد أتى الحسين ابن عباس فقال: يا ابن عم إني أتطير ولا أصبر وإني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك والاستئصال, إن أهل العراق قوم غدر, فلا تقربنهم أقم بهذا البلد فإنك سيد أهل الحجاز، فإن كان أهل العراق يريدونك كما زعموا فاكتب إليهم فلينفوا عدوهم, ثم اقدم عليهم, فإن أبيت إلا أن تخرج فسر إلى اليمن فإن بها حصوناً وشعاباً وهي أرض عريضة طويلة, ولأبيك بها شيعة وأنت عن الناس في عزلة, فتكتب إلى الناس وترسل, وثبت دعاتك, فإني أرجو أن يأتيك عند ذلك الذي تحب في عافية, فقال الحسين: يا ابن عم, والله إني أعلم أنك ناصح مشفق ولكن قد أزمعت وأجمعت المسير, فقال له ابن عباس: فإن كنت سائراً فلا تسر بنسائك وصبيتك, فوالله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه»(375) .

وابن الزبير رضي الله عنه الذي اتهمته بعض الروايات أنه أحد المتسببين في إقناع الحسين بالخروج إلى الكوفة, هو نفسه ثبت عنه بأنه قد أسدى النصائح للحسين, وحذره من مغبة مغادرة مكة والذهاب إلى الكوفة.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد نصح الحسين قائلاً: «أين تذهب إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك, فقال الحسين: لئن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن تستحل بي – يعني مكة...»(376) .

وجاءه عمر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي(377) وقال: «يا ابن عم إنك تأتي بلداً فيه عماله وأمراؤه, ومعهم بيوت الأموال, وإنما الناس عبيد لهذا الدرهم والدينار، ولا آمن عليك أن يقتلك من وعدك ونصرك، ثم دعا له بخير وانصرف، ولما أخبر الحارث بن خالد بن العاص بن هشام بما قاله للحسين قال: نصحته ورب الكعبة»(378) .

وقد نظر بعض الصحابة إلى العمل الذي سيقدم عليه الحسين وما يحمله خروجه على أنه نذر شر وبلاء على الأمة مهما كانت النتائج لأيّ من الطرفين. فقال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه : «غلبني الحسين على الخروج», وقد قلت له: «اتق الله في نفسك, والزم بيتك, ولا تخرج على إمامك»(379) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال جابر بن عبد الله: «كلمت حسيناً فقلت له: اتق الله ولا تضرب الناس بعضهم ببعض, فوالله ما حمدتم ما صنعتم, فعصاني»(380) .

ونصحه ابن مطيع, وابن عياش, وحذراه من أهل الكوفة وغدرهم(381) .

ولم يقتصر الأمر على نصح الصحابة والتابعين المجاورين له في مكة، بل تعداه إلى أن أهل الرأي والحكمة في الأقاليم الأخرى لما سمعوا بعزمه على الخروج أرسلوا له الرسائل ونصحوه.

فقد كتب يزيد بن الأصم(382) إلى الحسين قائلاً: «أما بعد فإن أهل الكوفة قد أبوا إلا أن ينغصوك, وقل شيء نغص إلا قلق، وإني أعيذك بالله أن تكون كالمغتر بالبرق أو كالمسبق للسراب, واصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون»(383) . وكتب إليه الأحنف ابن قيس: «اصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون»(384) .

على أن هذه النصائح الغالية الثمينة لم تؤثر في موقف الحسين حيال خروجه إلى الكوفة, بل عقد العزم على الخروج, فأرسل إلى المدينة وقدم عليه من خف من بني عبد المطلب, وهم تسعة عشر رجلاً ونساءً وصبياناً من إخوته وبناته ونسائه, فتبعهم محمد بن الحنفية, وأدرك الحسين قبل الخروج من مكة فحاول مرة أخرى أن يثني الحسين عن خروجه هذا ولكن محاولته أخفقت, فأمر محمد بن الحنفية أبناءه بعدم الخروج إلى الكوفة, فقال له الحسين: أترغب بولدك

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عن موضع أُصاب فيه. فقال محمد: وما حاجتي أن تُصاب ويصابوا معك, وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم(385)

وجاءه ابن عباس ونصحه فأبى إلا الخروج إلى الكوفة, فقال له ابن عباس: «لولا أن يُزري بي وبك, لنشبت يدي في رأسك, فقال لئن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلي من أن أستحل حرمتها, يعني مكة, فقال ابن عباس– فيما بعد-: «وكان ذلك الذي سلى نفسي عنه» وكان ابن عباس من أشد الناس تعظيماً للحرم(386) .

أخذ الحسين رضي الله عنه يجهز ويعد العدة, فخرج يوم التروية الثامن من ذي الحجة من سنة ستين للهجرة, وخرج معه أهل بيته, وقيل: خرج معه ستون شيخاً من أهل الكوفة.

ولكن المحاولات الهادفة للحيلولة بين الحسين وبين الكوفة لم تتوقف فكتب إليه عبد الله بن جعفر بن أبي طالب(387) رضي الله عنه مع ابنيه محمد وعون «أما بعد, فإني أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي, فإني مشفق عليك من الوجه الذي توجهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك...»(388) .

ولكن الحسين رفض الرجوع, وهنا ظن عبد الله بن جعفر أن سبب خروج الحسين هو خوفه من الوالي عمرو بن سعيد بن العاص, فذهب إلى عمرو بن سعيد بن العاص وطلب منه

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أن يكتب كتاباً إلى الحسين يؤمَّنه فيه ويعده بالخير, وكان رد عمرو بن سعيد أن قال لعبد الله بن جعفر: «اكتب ماشئت وائت به أختمه».

فكتب ابن جعفر: «بسم الله الرحمن الرحيم من عمرو بن سعيد إلى الحسين بن علي، أما بعد، فإني أسأل الله أن يصرفك عما يوبقك، وأن يهديك لما يرشدك, بلغني أنك قد توجهت إلى العراق, وإني أعيذك بالله من الشقاق, فإني أخاف عليك فيه الهلاك, وقد بعثت إليك عبد الله ابن جعفر, ويحيى بن سعيد, فأقبل إلىَّ معهما, فإن لك عندي الأمان والبر والصلة وحسن الجوار لك, والله بذلك شهيد، وكفيل، ومراع ووكيل, والسلام عليك»(389) .

ولكن الحسين رفض هذا العرض وهذا الرجاء أيضاً وواصل مسيره نحو الكوفة.

ولما سمع أبو واقد الليثي(390) رضي الله عنه باقتراب الحسين من المدينة خرج إليه وأدركه بملل(391) , وناشده الله أن لا يخرج, وأكد له أن خروجه هذا فيه مقتله, ورفض الحسين هذا الطلب أيضاً(392) .

ولما علم ابن عمر شيخ الصحابة في عصره رضي الله عنه بخروج الحسين أدركه على بعد ثلاث مراحل من المدينة فقال للحسين: أين وجهتك؟ فقال أريد العراق, ثم أخرج إليه كتب القوم, ثم قال ابن عمر: أحدثك بحديث ما حدثت به أحداً قبلك: إن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم يخيره بين الدنيا والآخرة, فاختار الآخرة, وإنكم بضعة منه, فوالله لا يليها أحد من أهل بيته, ما صرفها

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الله عنكم إلا لما هو خير لكم, فارجع فأنت تعرف غدر أهل العراق وما كان يلقى أبوك منهم, فأبى, فاعتنقه, وقال: استودعتك من قتيل»(393)

وكان ابن عمر يقول بعد ذلك: غلبنا حسين على الخروج, فلعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة, رأى من الفتنة وخذلان الناس لهم ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس, فإن الجماعة خير(394) .

ولكن هذه النصائح والتحذيرات لم تثن الحسين عن إرادته وعزمه على الخروج نحو الكوفة.

وهنا يبرز سؤال ملح، وهو كيف يجمع عدد من الصحابة وكبراؤهم، وكبار التابعين، ومن لهم قرابة بالحسين, على رأي واحد هو الخوف على الحسين من الخروج وأن النتيجة معروفة سلفاً, وفي المقابل كيف يصر الحسين على رأيه ويترك نصائح الصحابة وكبار التابعين ؟

والإجابة على هذا السؤال تكمن في أنّ الحسين رضي الله عنه أدرك أن يزيد بن معاوية لن يرضى بأن تكون له حرية التصرف والبقاء بدون حمله بالقوة على البيعة, لا يمكن أن يسمح يزيد بأكثر مما حدث, فرسل تأتي إليه, ورسل تذهب من عنده, ودعوة عريضة له بالكوفة, كل هذا سوف يجعل له يزيد حداً, وفي أقرب وقت ممكن.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولربما أحس الحسين بأن موقفه في مكة يزداد حرجاً, وهو يمانع البيعة للخليفة دون أن يكون هناك ما يبرر موقفه بشكلٍ واضح.

ثم إن خشية الحسين من وقوع مجابهة بينه وبين أتباعه من جهة وبين الأمويين من جهة أخرى في مكة جعله يفكر في الخروج من مكة سريعاً, وهو ما أكده لابن عباس عندما برَر له سبب خروجه, وأراد أن تكون أرض المجابهة الكوفة وليست مكة.

ولعل الأمر الذي جعل الحسين يسارع في الخروج إلى الكوفة, هي الصورة المشرقة والمشجعة التي نقلها له ابن عمه مسلم بن عقيل لحالة الكوفة بناء على ما سمعه ورآه من أهلها, وعليه فقد أوصل مسلم بن عقيل للحسين أن الكوفة كلها مبايعة, وأن النصر قاب قوسين أو أدنى, ولاستثمار هذا الإنجاز فلا بد من أن يسارع الحسين بالذهاب إلى هناك.

إن الحسين ربما فكر وخلص إلى أن الوضع العام في الكوفة سيكون لصالحه, حيث وجود أمير مسالم هو النعمان بن بشير, مع وجود تلك الرغبة لآلاف من الناس يتلهفون لرؤية الحسين والتشرف بنصرته.

ج- خذلان أهل الكوفة لمسلم بن عقيل

أما في الكوفة فقد دبر عبيد الله بن زياد مكيدة، تمكن من خلالها من الايقاع بهانئ بن عروة مستضيف مسلم بن عقيل وقام بحبسه في قصره، وبلغ الخبر مسلم بن عقيل فخرج بأربعة آلاف وحاصر قصر عبيد الله وخرج أهل الكوفة معه, وكان عند عبيد الله في ذلك الوقت أشراف الناس فقال لهم خذلوا الناس عن مسلم بن عقيل ووعدهم بالعطايا وخوفهم بجيش الشام, فصار الأمراء يخذلون الناس عن مسلم بن عقيل, فما زالت المرأة تأتي وتأخذ ولدها ويأتي الرجل ويأخذ أخاه, ويأتي أمير القبيلة فينهى الناس, حتى لم يبق معه إلا ثلاثون رجلاً من أربعة آلاف! وما غابت الشمس إلا ومسلم بن عقيل وحده, ذهب كل الناس عنه, وبقي وحيداً يمشي في دروب الكوفة لا يدري أين يذهب فطرق الباب على امرأةٍ من كندة فقال لها: أريد ماء, فاستغربت منه ثم قالت له: من أنت؟ فقال: أنا مسلم بن عقيل وأخبرها الخبر وأنّ الناس خذلوه, وأن الحسين سيأتي, لأنه أرسل إليه أن أقدم, فأدخلته عندها في بيت مجاور, وأتته بالماء والطعام ولكن ولدها قام بإخبار عبيد الله بن زياد بمكان مسلم بن عقيل, فأرسل إليه سبعين رجلاً فحاصروه فقاتلهم وفي النهاية استسلم لهم عندما أمّنوه, فأُخذ إلى قصر الإمارة الذي فيه عبيد الله بن زياد, فلما دخل سأله عبيد الله عن سبب خروجه هذا؟

فقال: بيعة في أعناقنا للحسين بن علي قال: أوليست في عنقك بيعة ليزيد؟

فقال له: إني قاتلك. قال دعني أوصي. قال نعم أوص فالتفت فوجد عمر بن سعد بن أبي وقاص, فقال له: أنت أقرب الناس مني رحماً تعال أوصيك, فأخذه في جانب من الدار وأوصاه بأن يرسل إلى الحسين بأن يرجع, فأرسل عمر بن سعد رجُلاً إلى الحسين ليخبره بأن الأمر قد

انقضى, وأن أهل الكوفة قد خدعوه. وقال مسلم كلمته المشهورة: «ارجع بأهلك ولا يغرنك أهل الكوفة فإن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لكاذب رأي»(395)

ثالثاً: الحسين رضي الله عنه ومعركة كربلاء «وصول الحسين إلى كربلاء وبداية المعركة»

كان مسلم بن عقيل قد بعث إلى الحسين كتاباً يقول فيه: «أما بعد فإن الرائد لا يكذب أهله, إن جميع أهل الكوفة معك. فأقبل حين تقرأ كتابي والسلام عليك».

وكان مسلم قد بعث بهذا الكتاب قبل أن يعتقل ويقتل بسبع وعشرين ليلة(396) .

وكان مقتل مسلم بالكوفة في ثمان من ذي الحجة سنة ستين, ويقال يوم الأربعاء لتسع مضين من ذي الحجة, أي بعد خروج الحسين من مكة إلى الكوفة بيوم(397) .

ولما خرج الحسين من مكة يوم التروية الموافق لثمان من ذي الحجة سنة ستين، أدرك والي مكة عمرو بن سعيد بن العاص خطورة الموقف فأرسل وفداً إلى الحسين وعلى رأسهم أخوه يحيي بن سعيد بن العاص, فحاولوا أن يثنوه عن عزمه ولكنه رفض فنادوه: يا حسين, ألا تتقي الله, تخرج عن جماعة المسلمين, وتفرق بين هذه الأمة, فتأول الحسين قول الله عز وجل:

﴿ لِّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ ۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعْمَلُ وَأَنَا۠ بَرِىٓءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ(398)(399) ﴾ )( .

فخرج الحسين متوجهاً إلى العراق في أهل بيته وستين شيخاً من أهل الكوفة.

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبعد أن فشل كبار بني أمية في إقناع الحسين بعدم الخروج إلى الكوفة كتبوا إلى ابن زياد يحذرونه من مغبة الغلط والخطأ في تقدير التعامل مع الحسين رضي الله عنه .

فكتب مروان إلى ابن زياد «أما بعد, فإن الحسين بن علي قد توجه إليك, وهو الحسين ابن فاطمة, وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتالله ما أحد يسلمه الله أحب إلينا من الحسين، وإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء ولا ينساه العامة, ولا يدع ذكره, والسلام عليك»(400) .

وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص ينهاه عن التعرض للحسين ويأمره بأن يكون حذراً في تعامله معه. قائلاً له: «أما بعد فقد توجه إليك الحسين وفي مثلها تعتق أو تعود عبداً تسترق كما يسترق العبيد»(401) .

وفي الطريق إلى الكوفة قابل الحسين الفرزدق الشاعر المشهور بذات عرق(402) .

فسأله الحسين بن علي عن تصوره لما يقوم به أهل الكوفة حياله, ثم أراد أن يعطي الفرزدق إيضاحا أكثر وقال: هذه كتبهم معي, فرد عليه الفرزدق: «يخذلونك فلا تذهب, فإنك تأتي قوماً قلوبهم معك وأيديهم عليك»(403) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهذا السؤال من الحسين يدل على الحيرة التي تملكته, وكأن التحذيرات التي حذره منها الصحابة أقلقت نفس الحسين رضي الله عنه , ثم كأنه يريد إجابة تشفي قلقه وتزيح همومه.

لقد صور الفرزدق وهو الشاعر المرهف الحس الذكي البليغ الوضع في الكوفة صورة صادقة معبرة, تدل على حقيقة الموقف في الكوفة كما تدل على طباع أهلها الذين يريدون مناصرة الحسين بن علي.

وعندما علم يزيد بن معاوية بخروج الحسين من مكة واتجاهه صوب الكوفة, كتب إلى ابن زياد يحذره ويقول: «بلغني أن حسيناً قد سار إلى الكوفة وقد ابتلي به زمانك من بين الأزمان, وبلدك من بين البلاد, وابتليت به من بين العمال, وعندها تعتق أو تعود عبداً كما تستعبد العبيد»(404) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهنا اتخذ ابن زياد بعض التدابير لكي يحول بين أهل الكوفة وبين الحسين, ويحكم سيطرته على الكوفة, فقام بجمع المقاتلة وفرق عليهم العطاء حتى يضمن ولاءهم(405) .

ثم بعث الحصين بن تميم الطهوي, صاحب شرطته حتى نزل بالقادسية, وقام بتنظيم الخيل ما بين القادسية إلى خفان(406) وما بين القادسية إلى القطقطان(407) والى لعلع(408) .

ثم أصدر أوامره إلى الحصين بن تيم بأن يقبض على كل من ينكره(409) .

ثم أمر ابن زياد بأخذ كل من يجتاز بين واقصة(410) إلى طريق الشام, إلى طريق البصرة فلا يترك أحد يلج ولا يخرج(411) . وأراد ابن زياد من الإجراء الأخير قطع الاتصال بين أهل الكوفة وبين الحسين بن علي. ومضى الحسين بن علي في طريقه إلى الكوفة, ولم يكن يعلم بتلك التغيرات التي حدثت في الكوفة وكتب معه إليهم:

«بسم الله الرحمن الرحيم, من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين المسلمين, السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو, أما بعد: فإن كتاب مسلم ابن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم, واجتماع ملئكم على نصرنا, والطلب بحقنا, فسألنا الله أن يحسن لنا الصنع, وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر, وقد شخصت إليكم من مكة يوم

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الثلاثاء لثمان من ذي الحجة يوم التروية, فإذا قدم عليكم رسولي فاكمشوا أمركم وجدوا فإنني قادم إليكم في أيامي هذه إن شاء الله, والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته»(412)

ولكن الحصين بن تميم قبض على قيس بن مسهر مبعوث الحسين حين وصوله إلى القادسية(413) .

ثم بعث به إلى ابن زياد فقتله مباشرة(414) . ثم بعث الحسين عبد الله بن بقطر(415) إلى مسلم, فوقع في يد الحصين بن تميم, وبعث به إلى ابن زياد, فقتله أيضاً(416) .

وكانت لتلك الإجراءات الصارمة التي اتخذها ابن زياد أثر كبير على نفوس أتباع الحسين فهم يرون أن من كان له علاقة بالحسين فإن مصيره القتل وعلى أبشع صوره, فأصبح من يفكر في نصرة الحسين فإن عليه أن يتصور نهايته على ذلك النحو المؤلم.

كان الحسين رضي الله عنه يحس أن الأمور تسير سيراً غير طبيعي في الكوفة وبخاصة عندما أخبره الأعراب أن أحداً لا يلج ولا يخرج من الكوفة مطلقاً(417) .

واستمر التحذير من بعض رجال القبائل العربية الذين مرَّ بهم, وبينوا له ذلك الخطر الذي يقدم عليه, ولكن الحسين كان يدلل على نجاح مهمته بالإشارة إلى ذلك العدد الهائل من أسماء التابعين التي كانت بحوزته(418) .

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لما بلغ الحسين زبالة(419) , وقيل: شراف(420) جاءه خبر مقتل مسلم بن عقيل وهانئ ابن عروة وعبد الله بن بقطر, إضافة إلى تخاذل أهل الكوفة عن نصرته(421) .

وهنا يختلف فيمن أوصل إليه الخبر، فرواية تذكر أن الذي أوصل الخبر هو رسول ابن الأشعث إلى الحسين، وذلك بأن مسلم بن عقيل لما قبض عليه طلب من ابن الأشعث أن يخبر الحسين على لسانه بقوله «ارجع بأهل بيتك, ولا يغرك أهل الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل, إن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لمكذب رأي, فقال ابن الأشعث, والله لأفعلن»(422) وتذكر رواية أخرى أن الذي أخبر الحسين هم رجال من قبيلة بني أسد(423) .

وليس هناك إشكال بين الروايتين فقد يكون رسول ابن الأشعث هو من قبيلة بني أسد, ولكن المشكل حقاً هو: لماذا لم تصل الرسالة إلى الحسين عن طريق عمر بن سعد الذي وصاه مسلم وكلفه بهذه المهمة قبل قتله. ثم لماذا رسول ابن الأشعث يتأخر في إبلاغ الخبر إلى الحسين حتى بلغ الحسين منطقة زبالة. ومعروفة أن زبالة أو شراف قريبة من الكوفة؟

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولا نعلم إن كان سبب التأخير يعود إلى صعوبة تجاوز تلك التدابير الحازمة من ابن زياد والتي منع خلالها الخروج والدخول إلى الكوفة أم يعود سبب التأخير إلى تأخر ابن الأشعث نفسه في إرسال رسوله إلى الحسين رضي الله عنه .

وكان لهذا الخبر المفجع المؤلم وقعه الشديد على الحسين رضي الله عنه , فهؤلاء أقرب الناس إليه قد قتلوا وأنصاره في الكوفة تخاذلوا في نصرته.

وقام الحسين نفسه بإعلان هذا الخبر على أصحابه, وأذن لمن أراد الانصراف, فانصرف أكثر الناس الذين معه ولم يبق معه إلا أصحابه الذين قدموا معه من الحجاز(424) .

وأمام هذه الفاجعة أخذ الحسين رضي الله عنه يراجع حساباته, وتوصل إلى وجوب الرجوع, وترجى أصحابه وبين لهم أهمية الرجوع, وشاركه في الرأي ولده الأكبر علي(425) .

ولكن أبناء عقيل أخذوا موقفاً مغايراً من طلب الحسين حيث أصروا على المضي إلى الكوفة, وذلك بدافع الألم الذي يعتصرهم ورغبة في إدراك ثأر أخيهم(426) .

وأمام هذا الضغط النفسي تنازل الحسين عن رأيه وقال «لا خير في العيش بعد هؤلاء»(427) ويقصد أبناء عمومته. لقد أدرك الحسين أنه إذا تخلى عن بني عقيل فإن القتل سيكون من نصيبهم، ولعل الحسين ظن أن في بقائه معهم فرصة ليجنبهم مخاطرة المجابهة مع ابن زياد, فضلاً على أن احترام الحسين ربما قد يكون مانعاً من وقوع الكارثة.

ومما شجع الحسين على أن يواصل مسيره نحو الكوفة أن أصحابه قالوا له «إنك لست مثل مسلم بن عقيل, ولو قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع»(428) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لقد أقدم ابن زياد على اتخاذ إجراء خطير لم يكن له أي داع سوى إثبات الذات والرغبة في الانتقام.

فقد أمر الحر بن يزيد الذي كان يقود ألف فارس, أمره بأن يعسكر في شراف, وعند رؤيته للحسين فعليه أن يلازمه ولا يأذن له بالانصراف حتى يدخله الكوفة(429) .

وقام الحسين وأخرج خرجين مملوءين بالكتب التي تطلب منه القدوم إلى الكوفة, فأنكر الحر والذين معه أي علاقة لهم بهذه الكتب(430) .

وهنا رفض الحسين الذهاب مع الحر إلى الكوفة وأصر على ذلك, فاقترح عليه الحر أن يسلك طريقاً يجنبه الكوفة ولا يرجعه إلى المدينة, وذلك من أجل أن يكتب الحر إلى ابن زياد بأمره, وأن يكتب الحسين إلى يزيد بأمره(431) .

وبالفعل تياسر الحسين عن طريق العذيب والقادسية واتجه شمالاً على طريق الشام(432) .

وأخذ الحر يساير الحسين وينصحه بعدم المقاتلة, ويذكره بالله, وبيّن له أنه إذا قاتل فسوف يقتل(433) .

ولما وصل الحسين إلى كربلاء أدركته خيل عمر بن سعد ومعه شمر بن ذي الجوشن, والحصين بن تميم(434) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وكان هذا الجيش الذي يقوده عمر بن سعد مكوناً من أربعة آلاف مقاتل، وكان وجهة هذا الجيش في الأصل إلى الري لجهاد الديلم، فلما طلب منه ابن زياد أن يذهب لمقاتلة الحسين رفض عمر بن سعد في البداية هذا الطلب، ولكن ابن زياد هدده إن لم ينفذ أمره بالعزل, وهدم داره، وقتله، وأمام هذا الخيار الصعب رضي بالموافقة(435) .

ولما بلغ الحسين كربلاء وأحاطت به الخيل, قال: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا كربلاء, قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها أرض كرب وبلاء(436) , ويطلق على المنطقة كلها اسم الطف(437) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

لقد بدأ الحسين بن علي بالتفاوض مع عمر بن سعد, وبيّن الحسين أنه لم يأت إلى الكوفة إلا بطلب من أهلها.

وأبرز لعمر بن سعد الدليل على ذلك وأشار إلى حقيبتين كبيرتين تضمان أسماء المبايعين والداعين للحسين, وكتب عمر بن سعد لابن زياد بما سمعه من الحسين وقال:

«بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فإني حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي, فسألته عما أقدمه وماذا يطلب, فقال: كتب إليَّ أهل هذه البلاد, وأتتني رسلهم فأنا منصرف عنهم» فلما قرىء الكتاب على ابن زياد تمثل قول الشاعر:

الآن إذا علقت مخالبنا به يرجو النجاة ولات حين مناص

ثم كتب ابن زياد لعمر بن سعد:

«بسم الله الرحمن الرحيم, أما بعد, فقد بلغني كتابك, وفهمت ما ذكرت, فاعرض على الحسين أن يبايع ليزيد بن معاوية هو وجميع أصحابه, فإذا فعل ذلك رأينا رأينا والسلام».

ولما اطلع عمر بن سعد على جواب ابن زياد ساءه ما يحمله الجواب من تعنت وصلف, وعرف أن ابن زياد لا يريد السلامة»(438) .

وللحسين الحق في أن يرفض هذا العرض, فالحسين قد رفض البيعة ليزيد وهو في المدينة معززاً مكرماً، وإنما اختار ما اختار من أمر, وأدى ذلك إلى قتل ابن عمه مسلم بن عقيل, ثم أعرض عن رأي الذين نصحوه, وبعد ذلك كله يبايع تحت تهديد السلاح.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رفض الحسين هذا العرض, ثم لما رأى جهامة الموقف وخطورته طلب من عمر ابن سعد مقابلته(439) , وعرض على عمر بن سعد عرضاً آخر يتمثل في إجابته واحدة من ثلاث نقاط(440) :

1 - أن يتركوه فيرجع من حيث أتى. 2 - وإما أن يتركوه ليذهب إلى الشام فيضع يده في يد يزيد بن معاوية(441) . 3 - وإما أن يسيروه إلى أي ثغر من ثغور المسلمين, فيكون واحداً منهم له ما لهم وعليه ما عليهم(442) . وقد أكد الحسين رضي الله عنه موافقته للذهاب إلى يزيد(443) .

لقد أدخل هذا العرض السرور على عمر بن سعد وتمنى أن يوافق ابن زياد وينتهي هذا الموقف الخطير, بل وكتب إلى ابن زياد بكتاب أظهر فيه أن هذا الموقف المتأزم قد حُل وأن السلام قد أوشك, وما على ابن زياد إلا الموافقة(444) .

وبالفعل فقد أوشك ابن زياد أن يوافق ويرسله إلى يزيد لولا تدخل شمر بن ذي الجوشن الذي كان جالساً في المجلس حين وصول الرسالة, فقد اعترض على رأي ابن زياد في أن يرسله إلى يزيد,

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبين لابن زياد أن الأمر الصائب هو أن يطلب من الحسين أن ينزل على حكمه أي ابن زياد حتى يكون هو صاحب الأمر, والمتحكم فيه(445)

وأعجب هذا الرأي ابن زياد وتابع شمر بن ذي الجوشن على رأيه, فأمر شمر بن ذي الجوشن أن يكون رسوله إلى عمر بن سعد, ويعرض على عمر بن سعد أن ينزل الحسين على حكم ابن زياد. ولا يقبل منه غير هذا, كما أعطى الصلاحيات لشمر بأن يقتل عمر بن سعد ويتولى القيادة بدلاً منه في حالة رفض عمر بن سعد لأمر ابن زياد(446) .

وأصبح عمر بن سعد بين ثلاثة خيارات, إما أن يرفض أمر ابن زياد فيقتل, وإما أن ينزل الحسين على حكم ابن زياد ويرضى بذلك وهو ما يتمناه عمر بن سعد, وإما أن يرفض الحسين فيقاتله.

فعرض عمر بن سعد على الحسين طلب ابن زياد, فكان رد الحسين بالرفض القاطع لهذا العرض.

وأراد الحسين أن يبين لقواد ابن زياد أنه راغب في السلام ولا يريد الحرب، وطلب منهم أن ينزل على حكم يزيد، ولكنهم رفضوا وطلبوا منه النزول على حكم ابن زياد فقط(447) .

فالحسين رضي الله عنه يعرف ابن زياد ويعرف قسوته, وهو الذي قتل ابن عمه وهانئ وعبد الله بن بقطر وقيس بن مسهر. ثم إن الحسين رضي الله عنه لم يحدث أمراً جليلاً حتى يطلب منه النزول على حكم ابن زياد, فلم يقتل ولم يقد الجيوش في مناصبة الدولة, كان رأيه صريحاً في سبب ذهابه للكوفة

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بل وعرض عليهم الانصراف منذ أن رأى الجيش, وخشي من القتال, فكان رضي الله عنه ورعاً في هذا الجانب، فقد خشي أن يراق محجم دم بسببه. إذاً ما هو المسوغ لنزوله على حكم ابن زياد، ثم كيف وهو ابن فاطمة, وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وابن علي بن أبي طالب رابع الخلفاء الراشدين رضي الله عنه ثم هو قد أشرف عمره على الستين ومقامه ومركزه يمنعه من النزول على حكم شاب يبحث عن الشهرة, فكان طلب الحسين أن ينزل على حكم يزيد، لأنه يعرف ما الذي ينتظره من يزيد، ويعرف أخلاقه وصفاته, وإلا ما طلب منذ البداية الذهاب إلى يزيد.

وليس الأمر كما ذهب إليه بروكلمان حينما جعل السبب المفضي لامتناع الحسين من التسليم لابن زياد هو ما يتمتع به من حصانة بوصفه حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم(448) .

ونظراً لخشية عمر بن سعد من وقوع القتال مع الحسين, فقد حاول أن يمهل الحسين, فجاءه من يخبره أن ابن زياد قد بعث إليه جويرية بن بدر التميمي, وأمره بضرب عنقه – أي عمر بن سعد – إن لم يقاتل الحسين(449) .

فقام عمر بن سعد وعرض على الحسين أن ينزل على حكم ابن زياد, وإلا القتال, وكان ذلك يوم الخميس التاسع من المحرم, فطلب الحسين مهلة حتى الصباح.

وأدرك الحسين أنه إن لم يوافق فسيكون مصيره القتل, عند ذلك عرض على أصحابه أنهم في حلّ من طاعته.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فأصرّ أصحابه على المقاتلة معه حتى النهاية(450) .

وأما ابن زياد فقد اتخذ إجراءً احترافياً احترازياً حين خرج إلى النخيلة(451) , واستعمل على الكوفة عمرو بن حريث, وضبط الجسر, ولم يترك أحداً يجوزه, وخاصة أنه علم أن بعض الأشخاص من الكوفة بدأوا يتسللون من الكوفة إلى الحسين(452) .

ولقد أثارت مواقف ابن زياد المتشددة أمام طلبات الحسين المرنة استياء عند الحر بن يزيد الحنظلي, أحد القواد الكبار لجيش ابن زياد، فانضم إلى الحسين بن علي, وخاطب جيش عمر ابن سعد قائلاً: «ألا تقبلون من هؤلاء ما يعرضون عليكم, والله لو سألكم الترك والديلم ما حل لكم أن تردوه»(453) .

وكان الحر بن يزيد انضم إلى الحسين ليكفّر عن عمله, حيث كان هو المتسبب في منع الحسين من الرجوع إلى المدينة.

وانضم إلى الحسين أيضاً ثلاثون رجلاً من جيش عمر بن سعد(454) .

فلما أصبح الصباح, وعزم الحسين على المقاتلة, نظّم أصحابه, وكان معه اثنان وثلاثون فارساً, وأربعون راجلاً, فجعل زهير بن القين في ميمنته, وحبيب بن مظاهر في الميسرة, وأعطى

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رايته العباس بن علي, وجعل البيوت وراء ظهورهم, وأمر الحسين بحطب وقصب فجعله من وراء البيوت, وأشعل فيه النار مخافة أن يأتوهم من خلفهم(455)

وأما عمر بن سعد فقد نظّم جيشه, وجعل على الميمنة عمرو بن الحجاج الزبيدي بدلاً من الحر بن يزيد الذي انضم إلى الحسين. وجعل على الميسرة شمر بن ذي الجوشن وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي, وعلى الرجال شبث بن ربعي الرياحي, وأعطى الراية ذويداً مولاه(456) .

وبدأت المعركة سريعة, وكانت مبارزة في بداية الأمر, وجوبه جيش عمر بن سعد بمقاومة شديدة من قِبَل أصحاب الحسين, حيث إن مقاتلتهم اتسمت بالفدائية, فلم يعد لهم أمل في الحياة(457) .

وكان الحسين رضي الله عنه في البداية لم يشترك في القتال, وكان أصحابه يدافعون عنه, ولما قتل أصحابه لم يجرؤ أحد على قتله, وكان جيش عمر بن سعد يتدافعون ويخشى كل فرد أن يبوء بقتله, وتمنوا أن يستسلم.

ولكن الحسين رضي الله عنه لم يبد شيئاً من الليونة, بل كان رضي الله عنه يقاتلهم بشجاعة نادرة, عندئذ خشى شمر بن ذي الجوشن من انفلات زمام الأمور ، فصاح بالجند وأمرهم بقتله, فحملوا عليه, وضربه زرعة بن شريك التميمي, ثم طعنه سنان بن أنس النخعي واحتز رأسه(458) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويقال: إن الذي قتله عمرو بن بطار التغلبي, وزيد بن رقادة الحيني(459) .

ويقال: إن المتولي للإجهاز عليه شمر بن ذي الجوشن الضبي, وحمل رأسه إلى ابن زياد خولي بن يزيد الأصبحي(460) .

ولا تعارض بين هذه الروايات إذا استطعنا الجمع بينها, فهؤلاء الذين ذكرتهم الروايات قد اشتركوا في قتل الحسين, ولكن الثابت أن الذي تولى عملية القتل هو سنان بن أنس, قال أسلم المنقري: «دخلت على الحجاج فدخل سنان بن أنس قاتل الحسين, فإذا شيخ آدم فيه حناء, طويل الأنف في وجهه برش, فأوقف بحيال الحجاج, فنظر إليه الحجاج, فقال: أنت قتلت الحسين؟ قال: نعم, قال: وكيف صنعت به؟ قال: دعمته بالرمح وهبرته بالسيف هبراً, فقال له الحجاج: أما إنكما لن تجتمعا في دار»(461) .

وكان قتله رضي الله عنه في محرم في العاشر منه سنة إحدى وستين(462) .

وقتل مع الحسين رضي الله عنه اثنان وسبعون رجلاً, وقتل من أصحاب عمر ثمان وثمانون رجلاً(463) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبعد انتهاء المعركة أمر عمر بن سعد بأن لا يدخل أحد على نساء الحسين وصبيانه, وأن لا يتعرض لهم أحد بسوء(464) .

وأرسل عمر بن سعد برأس الحسين ونسائه ومن كان معه من الصبيان إلى ابن زياد(465) .

وكان عدد الذين قتلوا مع الحسين من آل أبي طالب سبعة عشر شاباً(466) ولعل أدق قائمة هي التي ذكرها أبو مخنف(467) وهي الموافقة للأسانيد الصحيحة, وكذلك القائمة التي أوردها خليفة(468) «وهي لا تشمل المختلف فيهم(469) فقد قتل مع الحسين خمسة من

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إخوته وهم:

1 – العباس 2 - جعفر 3 – عبد الله 4 – عثمان 5 – محمد «الأصغر».

ومن أولاد الحسين :

6 – علي الأكبر 7 – عبد الله.

ومن أولاد أخيه الحسن :

8 – أبو بكر 9 – عبد الله 10 – القاسم.

وقتل من أبناء عقيل :

11 – جعفر 12 – عبد الرحمن 13 – عبد الله.

ومن أبناء مسلم بن عقيل :

14 – عبد الله 15 – محمد بن أبي سعيد بن عقيل.

ومن أبناء عبد الله بن جعفر بن أبي طالب :

16 – عون 17 – محمد.

وقد حمل عمر بن سعد ذرية الحسين من نساء وصبيان إلى ابن زياد, وكان من ضمن ذرية الحسين ابنه علي بن الحسين الذي لم يشترك في المعركة بسبب المرض الذي كان ملازمه, وكان أثناء احتدام المعركة طريح الفراش, فحمل إلى ابن زياد مع بقيه الصبيان والنساء(470) .

فلما وصل نساء الحسين وصبيانه, كان أحسن ما صنع بهم ابن زياد أن أمر لهم بمنزل في مكان معتزل, فأجرى عليهم الرزق, وأمر لهن بالكسوة والنفقة(471) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وتذكر بعض الروايات أن ابن زياد أمر بقتل كل من أنبت, ولعل مما يظهر كذب هذه الروايات حينما تذكر أن علي بن الحسين كشفوا عنه فوجدوه قد أنبت, فأمر ابن زياد بقتله, ولكن شفاعة أخته زينب وتعلقها به حالت دون قتله(472) .

ومن المعلوم أن علي بن الحسين توفي عام 94 هـ, وفي سنة الفقهاء, الأمر الذي يدل على أنه عندما قتل والده كان فوق العشرين, وإلا لما حاز على تلك المنزلة الرفيعة باعتباره أحد فقهاء المدينة المشهورين, ثم كيف لم ينبت وقد ولد له أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين, وأبو جعفر هذا قد لقي جابر بن عبد الله المتوفى سنة ثمان وسبعين وروى عنه(473) , وقد جزم ابن حجر بأن عُمْر علي بن الحسين حين قتل والده ثلاثة وعشرون سنة(474) .

ومن الكذب السمج ما ينقل عن أثر قتل الحسين رضي الله عنه على الطبيعة وعلى السماء والأرض, حتى يظن الجاهل عندما يقرأ تلك الروايات أن الحسين رضي الله عنه أعظم من الأنبياء والمرسلين, ومن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، معاذ الله أن ننتقص من حق الحسين رضي الله عنه باعتباره حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحبه, ونحن والله نحبه ويحزننا غاية الحزن مقتله رضي الله عنه , ولكن لا نغالي فيمن نحب, ولا نجافي فيمن نكره ومقياسنا دائماً وأبداً الكتاب والسنة.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولقد تنبه علماء الأمة لتلك الأكاذيب التي تتناقل, وتسبب بها مقتله رضي الله عنه(475) . فقال تقي الدين ابن تيمية رحمه الله: «وأكثر ما روي في قتله – أي الحسين – من الكذب من كون السماء أمطرت دماً, وأن الحمرة لم تظهر في السماء إلا بعد ذلك اليوم, فهذا من الترهات, فإن الحمرة لها سبب طبيعي, وما رفع حجر إلا وجد تحته دم عبيط, فهذا من الكذب البين, وأما قول الزهري: ما بقي أحد من قتلة الحسين إلا عوقب في الدنيا, فهذا ممكن, وأسرع الذنوب عقوبة البغي, والبغي على الحسين من أعظم البغي»(476) .

وقال الحافظ ابن كثير في معرض حديثه عن الروايات المكذوبة التي وردت بهذا الشأن: «فوضعوا أحاديث كثيرة كذباً وفحشاً، من كون الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم, وما رفع حجر إلا وجد تحته دم عبيط, وأن أرجاء السماء احمرت, وأن الشمس كان يطلع شعاعها كأنه الدم, وصارت السماء كأنها علقة, وأن الكواكب ضرب بعضها بعضاً, وأمطرت السماء دماً أحمر ولم يرفع حجر من أحجار بيت المقدس إلا وجد تحته دم... إلى غير ذلك من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة التي لا يصح فيها شيء»(477) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ونود أن نشير إلى معجزة النبي صلى الله عليه وسلم التي أخبر عنها بخصوص هذه الحادثة. فقد أخبر صلى الله عليه وسلم أن الحسين سوف يقتل بشط الفرات(478) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 171 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 172 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الفصل الثالث : وقفات حول مقتل الحسين

وقفات حول مقتل الحسين :

وبعدما تحدثنا عن فاجعة كربلاء التي راح ضحيتها الحسين بن علي وأهل بيته بقي لنا أن نتحدث عن عدة أمور متعلقة بمقتله، وهي كالتالي:

أولاً: موقف يزيد بن معاوية من قتل الحسين رضي الله عنه ومن أبناء الحسين وذريته

كتب عبيد الله بن زياد إلى يزيد بن معاوية يخبره بما حدث ويستشيره في شأن أبناء الحسين ونسائه, فلما بلغ الخبر إلى يزيد بن معاوية بكى وقال: «كنت أرضى من طاعتكم – أي أهل العراق – بدون قتل الحسين, كذلك عاقبة البغي والعقوق, لعن الله ابن مرجانة لقد وجده بعيد الرحم منه, أما والله لو أني صاحبه لعفوت عنه, فرحم الله الحسين»(479) . ولم يصل مبلغ الخبر بشيء. «أي لم يكافؤه بأي أعطيه».

وفي روايةٍ أنه قال:....... أما والله لو كنت صاحبه, ثم لم أقدر على دفع القتل عنه إلا ببعض عمري لأحببت أن أدفعه عنه»(480) .

فجاء رد يزيد على ابن زياد يأمره بإرسال الأسارى إليه, وبادر ذكوان أبو خالد فأعطاهم عشرة آلاف درهم فتجهزوا بها(481) .

ومن هنا يعلم أن ابن زياد لم يحمل آل الحسين بشكل مؤلم, أو أنه حملهم مغللين كما ورد في بعض الروايات(482) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد مرَّ معنا كيف أن ابن زياد قد أمر للأساري بمنزل منعزل, وأجرى عليهم الرزق والنفقة وكساهم.

فكيف يعقل أنه يحملهم بعد إنعامه عليهم بتلك الصورة التي ذكرت, ثم إن رد يزيد كان مخالفاً لما يطمع إليه ابن زياد, فلم يقرّه على عمله, بل سبه ونال منه بسبب تصرفه مع الحسين, وهنا يكون الداعي أكبر لأن يحمل ابن زياد الأسارى من أبناء الحسين على صورة لائقة لعلها تخفف من حدة وغضب يزيد عليه.

ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

«وأما ما ذكر من سبي نسائه والذراري والدوران بهم في البلاد وحملهم على الجمال بغير أقتاب فهذا كذب وباطل, ما سبى المسلمون ولله الحمد هاشمية قط, ولا استحلت أمة محمد صلى الله عليه وسلم سبى بني هاشم قط, ولكن كان أهل الجهل والهوى يكذبون كثيراً»(483) .

وتذكر رواية عوانة أن محفز بن ثعلبة هو الذي قَدِم بأبناء الحسين على يزيد(484) .

ولما دخل أبناء الحسين على يزيد قالت فاطمة بنت الحسين: يا يزيد: أبنات رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا؟ قال: بل حرائر كرام, ادخلي على بنات عمك تجديهن قد فعلن ما فعلت. قالت فاطمة:

«فدخلت إليهن فما وجدت فيهن سفيانية إلا ملتزمة تبكي»(485) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعندما دخل عليّ بن الحسين على يزيد قال: يا حبيب إن أباك قطع رحمي وظلمني فصنع الله به ما رأيت, فقال علي بن الحسين: ﴿ مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِى الْأَرْضِ وَلَا فِىٓ أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِى كِتَـٰبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(486) ﴾ .

ثم طلب يزيد من ابنه خالد أن يجيبه, فلم يدر خالد ما يقول, فقال يزيد: قل له ﴿ وَمَآ أَصَـٰبَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا۟ عَن كَثِيرٍ(487)(488) ﴾ ) ( .

وتحاول بعض الروايات أن تصور أبناء الحسين وبناته كأنهم في مزاد علني, جعل أحد أهل الشام يطلب من يزيد أن يعطيه إحدى بنات الحسين(489) .

فهذا من الكذب البيّن الذي لم يدعمه سند صحيح أو واقعة واحدة في تاريخ المسلمين, ثم إنها مغايرة لما ثبت من إكرام يزيد لآل الحسين, ثم إن يزيد لم يستعرض النساء ويجعلهن عرضة للجمهور من أراد فليختر ما يشاء(490) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثم كيف يحدث هذا في الصدر الأول ومع مسلمات, بل وأعز المسلمات لقرابتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم مع وجود الصحابة والتابعين؟.

وأرسل يزيد إلى كل امرأة من الهاشميات يسأل عن كل ما أخذ لها, وكل امرأة تدعي شيئاً بالغاً ما بلغ إلا أضعفه لها في العطية(491) .

وكان يزيد لا يتغذى ولا يتعشى إلا دعا علي بن الحسين(492) .

ولا نعرف كم مكث أبناء الحسين عند يزيد في دمشق, إلا أن ابن سعد يذكر أن يزيد بعث إلى المدينة فقدم عليه ذوو السن من موالي بني هاشم ومن موالي بني علي(493) .

وبالطبع فإن المسافة بين المدينة ودمشق تستغرق وقتاً طويلاً, أي أنهم مكثوا عند يزيد قرابة الشهر.

ولعل يزيد أراد باستقدامه لهؤلاء الموالي إظهار مكانة الحسين وذريته ويكون لهم موكب عزيز عند دخولهم المدينة.

وبعد أن وصل الموالي أمر يزيد بنساء الحسين وبناته أن يتجهزن, وأعطاهن كل ما طلبن حتى إنه لم يدع لهن حاجة بالمدينة إلا أمر بها(494) , ثم أمر النعمان بن بشير أن يقوم بمصاحبتهن(495) .

وقبل أن يغادروا قال يزيد لعلي بن الحسين: إن أحببت أن تقيم عندنا فنصل رحمك ونعرف لك حقك فعلت(496) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولكن علي بن الحسين اختار الرجوع إلى المدينة, وقال شيخ الإسلام عن يزيد: «وأكرم أبناء الحسين وخيّرهم بين المقام عنده والذهاب إلى المدينة فاختاروا الرجوع إلى المدينة»(497) .

وعند مغادرتهم دمشق كرّر يزيد الاعتذار من علي بن الحسين وقال: «لعن الله ابن مرجانة, أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبداً إلا أعطيتها إياه, ولدفعت الْحَتْفَ عنه بكل ما استطعت, ولو بهلاك بعض ولدي, ولكن الله قضى ما رأيت, كاتبني بكل حاجة تكون لك»(498) .

وأمر يزيد بأن يرافق ذرية الحسين وفد من موالي بني سفيان(499) , وكان عددهم ثلاثين فارساً(500) .

وأمر المصاحبين لهم أن ينزلوا بهم حيث شاءوا ومتى شاءوا, وبعث معهم أيضاً محرز ابن حريث الكلبي ورجل من بهرا, وكانا من أفضل أهل الشام(501) .

وخرج آل الحسين من دمشق محفوفين بأسباب الاحترام والتقدير حتى وصلوا إلى المدينة.

قال ابن كثير في يزيد «وأكرم آل بيت الحسين وردَّ عليهم جميع ما فُقِد لهم وأضافه, وردهم إلى المدينة في محامل وأهبة عظيمة, وقد ناح أهله في منزله على الحسين....»(502) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثانياً: من المسؤول عن قتل الحسين رضي الله عنه ؟

كما هو معلوم فإن الحكم على الشيء إنما هو فرع عن تصوره.

ولكي نستطيع الوصول إلى الحكم الصحيح بشأن المتسبب في مقتل الحسين فإنه يلزمنا أن نعرض لكل طرف من الأطراف المسؤولة عن قتله.

فالحسين رضي الله عنه اشتركت في مقتله عدة أطراف. فإذا تناولنا كل طرف على حدة, ثم حددنا المسؤوليات التي ارتكبها فإننا بعون الله سنوفق إلى الحقيقة. وهذه الأطراف المشتركة في مقتله رضي الله عنه تتألف من ثلاث فئات وهي:

1– أهل الكوفة(503)

إن أهل الكوفة هم الذين كاتبوا الحسين بن علي وهو في المدينة, ومنّوه بالخروج, حتى خرج إليهم بالرغم من تحذيرات الصحابة له بعدم الخروج.

ولما عُيّن ابن زياد أميراً على الكوفة, تأخر الناس عن نصرة الحسين وعن تأييده, بل وانخرطوا في الجيش الذي حاربه وقتله.

ولذا عبّر الحافظ ابن حجر عن موقف أهل الكوفة من الحسين بقوله «فخُذِل غالب الناس عنه فتأخروا رغبة ورهبة»(504) .

ولما تقابل الحسين ومن معه مع جند الكوفة نادى الحسين زعماء أهل الكوفة قائلاً لهم: «يا شبث بن ربعي, ويا حجار بن أبجر, ويا قيس بن الأشعث, ويا يزيد بن الحارث, ألم تكتبوا إليَّ أنه قد أينعت الثمار, واخضر الجناب, وطمت الجمام, وإنما تُقدمِ على جندٍ لك مجند, فأقبل».

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قالوا: لم نفعل فقال: «سبحان الله, بلى والله لقد فعلتم, ثم قال: هيا أيها الناس إذا كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم إلى مأمني»(505) .

نعم قد تكون تلك الكتب التي أرسلت بأسمائهم إلى الحسين مزورة عليهم, ولكن ماذا نقول في تلك الأعداد الغفيرة التي بايعت مسلم بن عقيل والتي بسببها كتب إلى الحسين يستحثه على القدوم.

ولعلهم بهذا التصرف الذي انتهجوه مع الحسين رضي الله عنه يستحقون وصف المختار بن أبي عبيد الثقفي حين جاء إلى ابن الزبير بعد مقتل الحسين وسأله ابن الزبير عن أهل الكوفة فقال: هم لسلطانهم في العلانية أولياء وفي السر أعداء.

فقال له ابن الزبير: هذه صفه عبيد السوء إذا رأوا أربابهم خدموهم وأطاعوهم, وإذا غابوا عنهم شتموهم ولعنوهم(506) .

وليس غريباً من أهل الكوفة أن يتصفوا بهذه الصفة من الغدر والخيانة, وخاصة إذا عرفنا أن الكوفة تحوي فئات كثيرة من الأعراب والزنادقة والناصبة والغلاة.

فهذه أم سلمة رضي الله عنها تقول لوفد من أهل الكوفة: «أنتم الذين تشتمون النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: ما علمنا أحداً يشتم النبي صلى الله عليه وسلم قالت: بلى, أليس تلعنون علياً, وتلعنون من يحبه, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه»(507) . فهؤلاء صنف الناصبة منهم.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومن الدلالة أيضاً على وجود فئات من الزنادقة ومن الجهلة الذين لا يعرفون حق الحسين رضي الله عنه في جيش ابن زياد, ما قام به رجل من الجيش, حيث قال لمعسكر الحسين رضي الله عنه : أمنكم حسين قالوا: نعم. قال: أبشر بالنار, فقال الحسين: بل أبشر بربٍ رحيمٍ وشفيعٍ مطاعٍ.

فقالوا: من أنت قال: أنا ابن حويزة, فقال الحسين رضي الله عنه : اللهم احزه إلى النار, فنفرت به الدابة, فتعلقت رجله في الركاب قال: فو الله ما بقي عليها منه إلا رجله(508) .

بل إن أفراداً من جيش ابن زياد أخذوا يرشقون الحسين بالسهام قبل أن يقدموا على قتله(509) .

ولما أحس الحسين بأنهم عازمون على قتله نادى في أصحابه أن يأتوه بثوب لا يرغب فيه حتى يلبسه تحت ثيابه, وذلك خشية أن يقدموا على تجريده من ثيابه.

ولما أتوه بالثوب خرّقه ولبسه تحت ثيابه, ثم لما استشهد رضي الله عنه تجرؤا عليه وجردوه من ثيابه(510) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومما يدلل أيضاً على صحة ما ذكرنا من فشو الزندقة والجهل بين أفراد الجيش الذي ذهب لمقاتلة الحسين وحتى أهل الكوفة أنفسهم, ما ذكره أبو رجاء العطاردي. من أن جاراً لهم قدم من الكوفة فقال: «ألم تروا إلى هذا الفاسق ابن الفاسق, إن الله قتله – يعني الحسين بن علي رضي الله عنهما, قال: فرماه الله بكوكبين في عينيه فطمس بصره»(511) .

وبالنظر إلى أقوال الصحابة – رضوان الله عليهم– فإن الاتهام موجه إلى أهل العراق, وذلك في المسؤولية المتعلقة بقتل الحسين رضي الله عنه , فهذه أم سلمة رضي الله عنها لما جاء نعي الحسين بن علي لعنت أهل العراق وقالت: «قتلوه قتلهم الله عز وجل, غروه وذلوه لعنهم الله»(512) .

وابن عمر رضي الله عنهما يقول لوفد من أهل العراق حينما سألوه عن دم البعوض في الإحرام فقال: «عجباً لكم يا أهل العراق تقتلون ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسألون عن دم البعوض»(513) .

وفي تلك الخطبة التي ألقاها سليمان بن صرد رضي الله عنه والتي اعترف فيها بأن المتسبب في قتل الحسين هم أهل الكوفة دلالة على عظم المسؤولية التي يتحملها أهل الكوفة بشأن قتل الحسين(514) . وقد حاول عبد المنعم ماجد أن يبرر موقف الكوفيين الانتهازي والضعيف من قتل الحسين رضي الله عنه فقال: «ولا نلقي باللوم على أهل الكوفة لتقاعسهم إذ لم يكونوا يستطيعون شيئاً أمام الحكم الأموي القوي»(515) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وكيف يكون ذلك وأهل الكوفة هم الذين كانوا قد قطعوا على أنفسهم عهداً أن ينصروا الحسين ويؤازروه, فلما حضر إليهم وقفوا متفرجين وعيونهم تذرف بالدمع عليه, كما عبر عنهم الفرزدق الشاعر حين قال للحسين: الناس قلوبهم معك وسيوفهم عليك(516) .

وأهل العراق لم ينفعوا والد الحسين وهم مبايعون له, وكانت له بيعة في أعناقهم, وهو عندهم أكثر من الحسين وجاهة.

وأما الحسين فلم تكن له بيعة, وكان في العراق عماله وأمراؤه فاغتر ببعض كتب كتبها دعاة الفتن ومحبو الشر فحمل أهله وأولاده, ولم يقاتله إلا أهل العراق وحدهم(517) .

وقال محمد كرد علي ملقياً بالمسؤولية في قتل الحسين على أهل الكوفة:

«إن أهل الكوفة بعدما خذلوا علياً وابنه الحسن, عادوا يزينون للحسين الرحيل إليهم ليعاونوه على إخراج الأمر من يزيد فاغتر بهم, فلما بلغ كربلاء غدروا به.....»(518) .

ولا نجد بحق في تعامل الكوفيين مع الحسين رضي الله عنه وسلوكهم معه حتى قتل رضي الله عنه أصدق من تلك الشهادة التي سجلها البغدادي واصفاً غلاة الكوفة قالاً: «وقد سار المثل بهم فيها, حتى قيل أبخل من كوفي, وأغدر من كوفي, المشهور من غدرهم ثلاثة أمور:

1 – بعد مقتل علي رضي الله عنه بايعوا الحسن, وغدروا به في ساباط المدائن, فطعنه سنان الجعفي....

2

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كاتبوا الحسين رضي الله عنه ودعوه إلى الكوفة لينصروه على يزيد, فاغتر بهم, وخرج إليهم, فلما بلغ كربلاء, غدروا به وصاروا مع عبيد الله يداً واحدة عليه. حتى قتل الحسين وأكثر عشيرته بكربلاء.

3 – غدرهم بزيد بن علي بن الحسين, نكثوا بيعته, وأسلموه عند اشتداد القتال»(519) .

وقد صرح كثير من المعاصرين سواءً من السنة أو من الشيعة بخذلان أهل الكوفة للحسين وبكونهم المسؤولين مسؤولية مباشرة عن مقتله ومن هؤلاء:

أ- كاظم الإحسائي النجفي:

قال: «إن الجيش الذي خرج لحرب الإمام الحسين عليه السلام ثلاثمائة ألف. كلهم من أهل الكوفة, ليس فيهم شامي ولا حجازي ولا هندي ولا باكستاني ولا سوداني ولا مصري ولا إفريقي, بل كلهم من أهل الكوفة, قد تجمعوا من قبائل شتى»(520) .

ب – حسين كوراني:

قال: «أهل الكوفة لم يكتفوا بالتفرق عن الإمام الحسين, بل انتقلوا نتيجة تلون مواقفهم إلى موقفٍ ثالثٍ, وهو أنهم بدأوا يسارعون بالخروج إلى كربلاء وحرب الإمام الحسين عليه السلام, وفي كربلاء كانوا يتسابقون إلى تسجيل المواقف التي ترضي الشيطان, وتغضب الرحمن»(521) .

وقال أيضاً:

«ونجد موقفاً آخر يدل على نفاق أهل الكوفة, يأتي عبد الله بن حوزة التميمي يقف أمام الإمام الحسين عليه السلام ويصيح: أفيكم حسين؟ وهذا من أهل الكوفة, وكان بالأمس من

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

شيعة علي عليه السلام ومن الممكن أن يكون من الذين كتبوا للإمام, أو من جماعة شبث وغيره الذين كتبوا ثم يقول: يا حسين أبشر بالنار»(522)

ج – آية الله مرتضى مطهري:

قال: «ولا ريب في أنَّ أهل الكوفة كانوا من شيعة علي, وأن الذين قتلوا الإمام الحسين هم شيعته»(523) .

د – جواد محدثي:

قال: «وقد أدت كل هذه الأسباب إلى أن يعاني منهم الإمام علي عليه السلام الأمرين, وواجه الإمام الحسين عليه السلام منهم الغدر, وقُتل بينهم مسلم بن عقيل مظلوماً, وقُتل الحسين عطشاناً في كربلاء قرب الكوفة, وعلى يدي جيش الكوفة»(524) .

هـ – حسين بن أحمد البراقي النجفي:

«قال القزويني: ومما نقم على أهل الكوفة أنهم طعنوا الحسن بن علي عليهما السلام, وقتلوا الحسين عليه السلام بعد أن استدعوه»(525) .

و – محسن الأمين:

«ثم بايع الحسين من أهل العراق عشرون ألفاً غدروا به, وخرجوا عليه, وبيعته في أعناقهم, فقتلوه»(526) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

2– أصحاب القيادة

الفئة الثانية المسؤولة عن قتل الحسين هم أصحاب القيادة في جيش الكوفة وهم على النحو التالي:

أ – عبيد الله بن زياد

لا شك أن عبيد الله بن زياد يتحمل قسطاً كبيراً من المسؤولية ؛ لأنه هو السبب المباشر فيها.

فعبيد الله بن زياد جاء إلى الكوفة بناءً على طلب يزيد بن معاوية, وعند دخول الكوفة وجد أن الأمر مضطرب, وأن انفلات زمام الأمور من يد الدولة أصبح وشيكاً.

فعمل ابن زياد وفق خطة ترمي إلى استعادة هيبة الدولة ؛ وذلك بالقضاء على مفتعل الأزمة الداخلية.

وقد تم له القبض على زعيمي الدعوة في الكوفة, وهما مسلم بن عقيل النائب الأول عن الحسين بالكوفة, وداعيته هانيء بن عروة الزعيم القبلي لقبيلة مراد المشهورة.

ونفذ ابن زياد حكم الإعدام بهاتين الشخصيتين, الأمر الذي كان له أثر كبير في استعادة هيبة الدولة, كما أن هذا الإقدام والحزم من ابن زياد كان بمثابة التحذير لأولئك المناصرين للحسين في الكوفة بأن مصيرهم سوف يكون أسوأ من مصير زعيميهما في حالة انكشاف تخطيط محتمل, أو افتعال دعوة ونشاط جديدين.

لقد استحسن يزيد بن معاوية ما فعله ابن زياد في الكوفة, بل إنه لم يخف إعجابه به وبحزمه على ما بيّناه, فقال في ردّه على رسالته: «أما بعد، فإنك لم تعد أن كنت كما أحببت, عملت عمل الحازم, وصلت صولة الشجاع الرابط الجأش, فقد أغنيت وكفيت, وصدقت ظني بك, ورأيي فيك..»(527) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهذا النجاح الذي حققه ابن زياد في الكوفة يعتبر في نظره نجاحاً جزئياً، وبخاصة عندما علم أن الحسين في طريقه إلى الكوفة.

وتبقى إرادة الله فوق كل شيء, فإن ابن زياد قبض على مسلم بن عقيل وقتله بعد خروج الحسين إلى الكوفة بيومٍ واحدٍ, وربما يتخذ الحسين موقفاً مغايراً لو علم بخبر القبض على مسلم وقتله قبل خروجه من مكة, ولكن قدر الله وما شاء فعل.

وأخذ ابن زياد يعمل ما في وسعه لصدَّ الحسين عن دخول الكوفة, لأن ابن زياد يعلم أن الحسين إذا تمَّكن من دخول الكوفة فإنه قد تتطور الأمور بصورةٍ يصعب تصورها.

ولهذا فقد أخذ في إعداد الترتيبات المناسبة للحيلولة بين الحسين وبين الكوفة, وأعدَّ ابن زياد خطته التي تمَّكن خلالها من إيقاف الحسين على مسافة بعيدة من الكوفة, وعَدَّ هذا انجازاً وانتصاراً كبيراً.

ولما بدأ الحسين يقدّم حلولاً واقعية, أن يرجع إلى المدينة أو يذهب إلى ثغرٍ من الثغور, أو يذهب إلى يزيد, أخذت ابن زياد نشوة الانتصار, وكاد بالفعل أن يجيبه إلى مطالبه, لولا تدخل شمر بن ذي الجوشن(528) الذي أشار عليه بأن يرفض مطالب الحسين هذه, وأن يطلب منه النزول على حكم ابن زياد.

وهنا أراد ابن زياد أن يسجل انتصاراً آخر, وإنجازاً جديداً في إمارته, فطلب من قائده عمر ابن سعد أن يلجئ الحسين إلى مطلبه هذا, وإن رفض أن يقتله.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولا شك أن إشارة شمر بن ذي الجوشن على ابن زياد قد صادفت هوى في نفس ابن زياد ورغبة في التسلط والقهر, وإلا لما انقاد إليها بتلك الصورة وبهذه السهولة.

لقد كان يتوجب على ابن زياد أن يلبي مطالب الحسين, وأن يتركه يذهب إلى يزيد أو أي مكان آخر، بخاصة أنه لن يدخل الكوفة.

ولهذا قال ابن كثير: «ومن جرأته إقدامه على الأمر بإحضار الحسين بين يديه وإن قتل دون ذلك, وكان الواجب عليه أن يجيبه إلى سؤاله الذي سأله..»(529) . وقال ابن الصلاح في فتاويه «والمحفوظ أن الآمر بقتاله المفضي إلى قتله إنما هو ابن زياد»(530) .

قال يوسف العش «وينبغي لنا أن نقول: إن المسؤول عن قتل الحسين هو أولاً شمر, وثانياً عبيد الله بن زياد»(531) .

بل إن ابن زياد قد وُجّهَ له اللوم على فعلته الشنيعة هذه من أقرب الناس إليه فقال له أخوه عثمان بن زياد: «لوددت أنه ليس من بني زياد رجل إلا وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة وأن حسيناً لم يقتل. قال: فوالله ما أنكر ذلك عليه عبيد الله»(532) .

وكان لإقدامه على قتل الحسين ردة فعل كبيرة عند المسلمين, وقد دفع حياته ثمناً لهذه الفعلة, فقد انتقم الله منه بنفس القتلة وفي ظروف مشابهة(533) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ب – عمر بن سعد بن أبي وقاص

إذا كان ابن زياد هو أمير الكوفة وهو صاحب القرار الأخير, فإن عمر بن سعد هو القائد المنفذ لأوامر ابن زياد.

فأبوه غنيُّ عن التعريف, وهو الصحابي الجليل أحد العشرة المبشرين بالجنة, وأحد فرسان الصحابة, وكان أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وعمر بن سعد هذا لم يولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم, وكان سعد عام حجة الوداع ليس له وريث إلا بنت واحدة, كما هو ثابت في الحديث المشهور(534) .

ويبدو أن عمر بن سعد قد ترقى في قيادة الجند, وكان أحد نصحاء الأمويين, ومن الموالين لهم, وكان قبل مجيء الحسين قد تجهز على رأس أربعة آلاف مقاتل من أهل الكوفة يريدون جهاد الديلم, فصرف ابن زياد هذا الجيش لمقاتلة الحسين.

وبالرغم من قرابته من الحسين رضي الله عنه إلا أن حُبَّ الإمارة والرياسة كانت هي الغالبة على موقفه.

وقد حاول أحد النصحاء أن يثنيه عن قيادة الجيش, ويبدو أنه اقتنع وعرض على ابن زياد أن يعفيه من إمارة الجيش المتجه إلى الحسين ويعين بدلاً منه أحد أشراف الكوفة.

ولكن ابن زياد لم يكن مغفلاً حتى يقبل عرض عمر بن سعد هذا, فإن وجود قائد كعمر ابن سعد على رأس الجيش المتَّجه إلى الحسين يحمل الكثير من الدلائل المهمة بالنسبة لذلك الجيش.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ولأجل أن يثنيه ابن زياد عن التفكير في الاستقالة من إمارة الجند فقد هدده بسحب القيادة منه إلى الأبد, وعند ذلك رضخ عمر بن سعد لمطالب ابن زياد وسار إلى الحسين.

ومما يؤكد محبة عمر بن سعد للرياسة وطموحاته في القيادة ما جرى بينه وبين والده رضي الله عنه . فعندما حدثت فتنة مقتل عثمان رضي الله عنه دخل المسلمون في حروب ونزاعات بعد شهادته رضي الله عنهما, واعتزل سعد كلا الفريقين – فريق علي وفريق معاوية رضي الله عنهما – وخرج في إبلٍ له عن المدينة, فأتاه ابنه هذا عمر بن سعد – فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب, فلما نزل قال لأبيه: نزلت في إبلك وغنمك, وتركت الناس يتنازعون الملك بينهم؟ فضرب سعد رضي الله عنه في صدره فقال: اسكت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يحب التقي الغني الخفي»(535) .

ويبدو من خلال الروايات التي وصلت إلينا أن عمر بن سعد كان شديد الحرص على أن يصل الحسين وابن زياد إلى حل مُرْضٍ يتجنب فيه عمر بن سعد قتال الحسين.

بل إن عمر بن سعد قد حاول التهرب من مسؤولية قتل الحسين, وجعلها ملقاة على ابن زياد, ورواية عوانة تصور هذا الأمر «قال عبيد الله بن زياد لعمر بن سعد بعد قتله الحسين يا عمر أين الكتاب الذي كتبت به إليك في قتل الحسين. قال: مضيت لأمرك وضاع الكتاب, قال: لتجيئن به, قال ضاع قال: والله لتجيئن به, قال: ترك والله يقرأ على عجائز قريش اعتذاراً إليهن بالمدينة, أما والله لقد نصحتك في حسين نصيحة لو نصحتها لأبي سعد ابن أبي وقاص كنت قد أدركت حقه»(536) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبالتأمل في رواية ابن سعد: والتي تذكر أن ابن مطيع عاتب عمر بن سعد على فعلته – قتل الحسين رضي الله عنه – رد عليه عمر بقوله «كانت أموراً قضيت من السماء, وقد أعذرت إلى ابن عمي قبل الواقعة فأبى إلا ما أبى»(537) .

وليس هناك من عذرٍ يمكن أن يقدمه عمر بن سعد إلى الحسين, إلا بأن يعرض عليه أن ينسحب تحت جناح الظلام ويذهب حيث شاء, على أن يتعهد عمر بن سعد بعدم تعقبه. ومما يعزز هذا الرأي أن الحسين قابل عمر بن سعد بعض الليالي وتحدثا طويلاً(538) .

ولكن كل هذا الندم الذي أظهره عمر بن سعد لا يعفيه من مسؤولية قتل الحسين كقائدٍ منفذٍ للأمر, ويعتبر أقرب شخص في ذلك الحين إلى الحسين رضي الله عنه , ولكن محبة الرياسة والقيادة والطاعة العمياء لابن زياد حملته على هذه الجريمة. قال عنه أحمد: لا ينبغي أن يحدث عنه لأنه صاحب الجيوش وصاحب الدماء(539) .

وقد انتقم الله من قتلة ابن بنت رسول صلى الله عليه وسلم, فسلط الله عليهم طاغية كذاب هو المختار ابن أبي عبيد الثقفي, فتتبع قتلة الحسين فقتلهم. وتحققت بذلك رؤيا الشعبي التابعي الشهير, حيث قال: رأيت في النوم كأن رجالاً من السماء نزلوا معهم حراب يتبعون قتلة الحسين, فما لبثت أن نزل المختار فقتلهم»(540) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ج – يزيد بن معاوية

إنّ الاتهام الموجه إلى يزيد بن معاوية بأنه المتسبب الفعلي في قتل الحسين رضي الله عنه يجعلنا أشد دقة في التحقق من هذا الاتهام.

فيزيد بن معاوية كما هو معروف أصبح واقعاً خليفة للمسلمين, وانقاد له الناس وظل معترفاً به من غالب الصحابة والتابعين وأهل الأمصار باستثناء اثنين من الصحابة هما: الحسين ابن علي رضي الله عنهما, وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما وأهل الكوفة الذين طالبوا الحسين بالقدوم إليهم.

وقد خرج الحسين إلى العراق بعد أن كتب إليه مسلم بن عقيل بكثرة المبايعين وأن الأمور تسير لصالحه.

ولو أننا لاحظنا موقف يزيد بن معاوية من الحسين بن علي طوال هذه الفترة التي كان خلالها الحسين معلناً الرفض التام للبيعة ليزيد, وهي الفترة التي استمرت «شهر شعبان – ورمضان وشوال – وذي القعدة» لوجدنا أن يزيد لم يحاول إرسال جيش للقبض على المعارضين «الحسين وابن الزبير» بل ظل الأمر طبيعياً وكأن يزيد لا يهمه أن يبايعا أو يرفضا.

وكما يبدو, فإن يزيد حاول أن يترسم خطى والده في السياسة, وأن يعمل بوصية والده, وذلك بالرفق بالحسين ومعرفة حقه وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد وجه يزيد اهتمامه نحو العراق, وبالأخص الكوفة التي بدأت مؤشرات الأحداث فيها تزداد سوءاً, وتنذر بانفتاح جبهة داخلية في الدولة(541) .

ولهذا تدارك الأمر وعيّن عبيد الله بن زياد أميراً على الكوفة واستطاع ابن زياد بدهائه أن يسيطر على الكوفة مما اعتبره يزيد إنجازاً مهماً(542) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفي المقابل, فإن يزيد بن معاوية لم يكن غافلاً عن تحركات الحسين, ولهذا لما عزم الحسين على التوجه إلى الكوفة كتب يزيد إلى ابن زياد رسالة قائلاً له فيها: «بلغني أن حسيناً سار إلى الكوفة وقد ابتلي به زمانك بين الأزمان وبلدك بين البلدان, وابتليت به بين العمال, وعنده تعتق أو تعود عبداً كما تعتبد العبيد»(543) «ضع المناظر والمسالح, واحترس على الظن, وخذ على التهمة, غير ألا تقتل إلا من قاتلك, واكتب إليِّ في كل ما يحدث من الخبر، والسلام عليك ورحمة الله»(544) .

وفي نفس الوقت الذي يوجه فيه يزيد عامله ابن زياد إلى أهمية الحسين بقوله «قد ابتلي به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلاد، وابتليت به بين العمال» يوجهه أيضاً إلى أخذ الحيطة والحذر, لأنه إذا تساهل في الأمر ولم يعالجه بالحكمة وتمكن الحسين من دخول الكوفة فإن السلطان سيكون بيده, وترجع إلى أصلك وأم أبيك التي هي أمةٌ في الأصل وستفقد هذه المميزات الإمارية وغيرها.

وليس في عبارات يزيد ما يدل على أنه طلب من ابن زياد الإجهاز والقضاء على الحسين.

بل إن رسالة يزيد الأخرى تلزم ابن زياد بعدم قتل أحد إلا في حالة مقاتلة المعتدي. كما أن فيها تأكيداً على ابن زياد بوجوب الرجوع إلى يزيد في كل حدثٍ يحدث, ويكون المقرر الأخير فيه هو يزيد نفسه.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إن تلك الرسالة التي ناقشنا مضمونها كانت مرسلة إلى ابن زياد أثناء مسير الحسين إلى الكوفة.

وبعد أن اقترب الحسين من الكوفة واجهه ابن زياد بالتدابير, والتي أن سبق أن ذكرناها, حتى أرسل إلى الحسين عمر بن سعد قائداً على أربعة آلاف مقاتل وألجؤوا الحسين إلى كربلاء, وكان وصول الحسين إلى كربلاء هو يوم الخميس الموافق الثالث من المحرم(545) .

واستمرت المفاوضات بين ابن زياد والحسين حتى قتل في العاشر من محرم.

وقال المدافعون عن يزيد: إنّ المفاوضات استمرت أسبوعاً واحداً تقريباً, ومن المعلوم أن المسافة التي تفصل بين دمشق والكوفة تحتاج إلى وقتٍ قد يصل إلى أسبوعين مما قد يفهم منه أن ابن زياد اتخذ قراراً فردياً, والذي يقضي بقتل الحسين, دون الرجوع إلى يزيد أو أخذ مشورته في هذا العمل الذي أقدم عليه.

كما استدلوا باعتذار يزيد لعلي ابن الحسين بأنه لم يكن يعلم بقتل الحسين ولم يبلغه خبره إلا بعد ما قتل.

كما استندوا إلى أقوال الصحابة التي ذكرناها سابقاً والتي تحمِّل المسؤولية في قتل الحسين لأهل العراق, قالوا : ولم نجد أحداً من الصحابة وجّه اتهاماً مباشراً إلى يزيد, وأما الذي في الصدور فالله وليه وهو أعلم به, ولسنا مخوّلين للحكم على الناس بما في صدورهم, بل حكمنا على الناس بما يثبت لنا من ظاهرهم, والله يتولى السرائر.

ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية في يزيد: «ولم يأمر بقتل الحسين ولا أظهر الفرح بقتله»(546) .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال أيضاً: «إن يزيد لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل، ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعه عن ولاية العراق, والحسين رضي الله عنه كان يظن أن أهل العراق ينصرونه ويفون له بما كتبوا إليه... فلما أدركته السرية الظالمة , طلب أن يذهب إلى يزيد, أو يذهب إلى الثغر, أو يرجع إلى بلده, فلم يمكنوه من شيء من ذلك حتى يستأسر لهم, فامتنع, فقاتلوه حتى قتل شهيداً مظلوماً رضي الله عنه .

ولما بلغ ذلك يزيد أظهر التوجع على ذلك وأظهر البكاء في داره، ولم يسب له حريماً أصلاً بل أكرم أهل بيته وأجازهم حتى ردهم إلى بلدهم»(547) .

وقال أيضاً: «والذي نقله غير واحدٍ أن يزيد لم يأمر بقتل الحسين, ولا كان له غرض في ذلك, بل كان يختار أن يكرمه ويعظمه, كما أمره بذلك معاوية رضي الله عنه(548) » .

وقال ابن طولون عن يزيد: «وما صح قتله للحسين, ولا أمره به, ولا رِضاه بذلك, ولا كان حاضراً حين قتل, ولا يصح ذلك منه, ولا يجوز أن يظن ذلك أبداً»(549) .

ولكن يزيد بن معاوية انُتقد على عدم اتخاذ موقف واضح من ابن زياد أو من الذين شرعوا في قتل الحسين رضي الله عنه .

فهذا تقي الدين ابن تيمية يقول: «ولكنه مع ذلك – أي مع إظهار الحزن على الحسين – ما انتصر للحسين, ولا أمر بقتل قاتله, ولا أخذ بثأره»(550) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال الحافظ ابن كثير: «....... ولكنه لم يعزله على ذلك, ولا عاقبه, ولا أرسل يعيب عليه ذلك, والله أعلم»(551) .

وكل الذي أبداه ابن تيمية وغيره من هذه الاعتراضات له قدر كبير من الوجاهة والأهمية, ولكن بعض من اعتذر عن يزيد أجابوا بأن الظروف التاريخية بالحدث تفسر عذره في ذلك.

فالكوفة بلدة غير مستقرة, معروفة بثوراتها, وفتنها, وطوائفها, وأحزابها, وعندما كان أمير الكوفة النعمان بن بشير رضي الله عنه كادت الأمور أن تنفلت من يده, فلما أرسل يزيد ابن زياد أميراً على الكوفة, استطاع ابن زياد في مدة قصيرة، أن يكبح جماح الثورة وسيطر سيطرة كاملة على الكوفة.

وقالوا أنه حتى بعد مقتل الحسين رضي الله عنه , فإن الوضع الأمني في الكوفة ازداد خطورة, وعليه فإنّ يزيد لن يجد قائداً بحزم ابن زياد, ثم إن أهل الكوفة لن يرضوا سواء عزل ابن زياد أم بقي, ولن يتغير ما في قلوبهم من حقد على الدولة نفسها.

ولو أقدم يزيد على إقالة ابن زياد فإنه سيدفع تكاليف هذه الخطوة كثيراً, وربما سوف يتحول الوضع إلى ثورة كبرى يقودها أهل الكوفة أنفسهم والمتأسفون لقتل الحسين, كما حدث بعد ذلك بفترةٍ وجيزةٍ, والمعروفة بحركة التوابين.

وبهذا يتضح السبب في عدم تتبع قتلة الحسين, وبالأخص من قِبَل الدولة الأموية. فليس الأمر بالهين فهم يتبعون قبائل كبيرة لها وزنها الاجتماعي والسياسي, ثم إن ما قام به هؤلاء إنما هو في خدمة الدولة نفسها.

فلربما أدى تصرف مثل هذا إلى زعزعة أمن الدولة, وبالأخص في منطقة العراق كلها, ثم إن يزيد لم يتفرغ لمحاسبة ولاته, بل كانت الثورات متتابعة, فمعارضة ابن الزبير أخذت تكبر وتنمو,

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأهل الحجاز قلوبهم ليست مع يزيد, إلى غير ذلك من مشاكل الدولة الخارجية, والتي تجعل يزيد عاجزاً عن اتخاذ موقف قوي مع ولاته أو الذين أخطأوا في حق الحسين رضي الله عنه

كان هذا مجمل قول جمع من المؤرخين في مسألة تورط يزيد بمقتل الحسين رضي الله عنه من عدمه.

وإن كان يزيد ليس معفواً في مسؤوليته وهذا أمر ظاهر.

ومقتل حفيد النبي صلى الله عليه وسلم وسبطه وريحانته أمر جلل لم يكن ليزيد أن يمر عليه بمثل هذه السهوله مكتفياً بالشجب الهزيل والإنكار الضعيف.

وأيّاً كان، فرأينا فيه يلخصه قول ابن تيمية رحمه الله: «لا نسبه ولا نحبه فإنه لم يكن رجلاً صالحاً فنحبه, ونحن لا نسب أحداً من المسلمين بعينه»(552) .

نسأل الله أن يرزقنا الإنصاف في القول والعمل.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثالثاً: التحقيق في مكان رأس الحسين

إنّ منشأ الاختلاف في موضع رأس الحسين رضي الله عنه عند عامة الناس إنما هو ناتج عن تلك المشاهد المنتشرة في ديار المسلمين- والتي أقيمت في عصور التخلف الفكري والعقدي – وكلها تدعي وجود رأس الحسين.

فقد ادعي وجود رأس الحسين رضي الله عنه في كل من دمشق والرقة وعسقلان والقاهرة وكربلاء والمدينة.

وسبب هذه الادعاءات هو الجهل بالمكان الحقيقي لرأس الحسين رضي الله عنه .

وإذا أردنا تحقيق هذه المسألة فيلزمنا تتبع وجود الرأس منذ انتهاء معركة كربلاء.

لقد ثبت أن رأس الحسين رضي الله عنه حُمل إلى ابن زياد, فجعل الرأس في طست وأخذ يضرب بقضيب كان في يده, فقام إليه أنس بن مالك رضي الله عنه , وقال: «لقد كان أشبههم برسول الله صلى الله عليه وسلم»(553) .

ثم بعد ذلك تختلف الروايات والآراء اختلافاً بيّناً بشأن رأس الحسين رضي الله عنه .

وسأعرض في أول الأمر ما ذكر في وصول الرأس إلى يزيد في الشام، فأقول:

أخرج الطبراني في المعجم الكبير(554) من طريق يحيى بن بكير قال: حدثني الليث قال: أبى الحسين بن علي رضي الله عنه أن يستأسر فقاتلوه فقتلوه وقتلوا ابنيه وأصحابه الذين قاتلوا معه بمكان يقال له الطف، وانطلق بعلي بن الحسين وفاطمة بنت حسين وسكينة بنت حسين إلى عبيد الله ابن زياد وعلي يومئذ غلام وقد بلغ فبعث بهم إلى يزيد بن معاوية، فأمر بسكينة فجعلها خلف سريره لئلا ترى رأس أبيها، وذو قرابتها وعلي بن الحسين رضي الله عنهما في غل فوضع رأسه فضرب

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

على ثنيتي الحسين رضي الله عنه فقال: نفلق هاماً من رجال أحبة إلينا وهم كانوا أعق وأظلما، ثم ذكر تمام الحديث.

وهذا الاسناد منقطع لأن الليث بن سعد رحمه الله لم يدرك تلك الحادثة، فإنه قد ولد في سنة أربع وتسعين(555) ، وحادثة كربلاء إنما وقعت في السنة الحادية والستين.

وكذا أخرج الطبري من طريق أبي مخنف عن أبي حمزة الشمالي خبراً فيه وصول الرأس إلى يزيد، ونكته كذلك بالقضيب بين ثناياه، وهذا أيضاً لا يصح لأن أبا مخنف متروك الحديث كما نص عليه أبو حاتم(556) وقال عنه يحيى بن معين ليس بثقة(557) ، ومنه أيضاً أبو حمزة الثمالي قال عنه النسائي: ليس بثقة(558) .

وقد روي أيضاً أن الرأس وصل إلى يزيد ولكن يزيد ترحم عليه وساءه ما فعل به، فقد أخرج البلاذري والطبري والجوزقاني(559) من طرق عن حصين بن عبد الرحمن بن مولى ليزيد ابن معاوية أنه قال: «لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد رأيته يبكي ويقول: ويلي على ابن مرجانة، فعل الله به كذا، أما والله لو كانت بينه وبينه رحم ما فعل هذا» واللفظ للبلاذري.

لكن في إسناد هذه الطرق جميعها مجهول، ألا وهو مولى يزيد، وقد نسب في روايتي الطبري والجوزقاني إلى معاوية، وهذا أيضاً يكون اضطراباً يؤثر في صحة الخبر. ولهذا حكم شيخ الإسلام وغيره من أئمة العلم برد الروايات التي فيها وصول رأس الحسين رضي الله عنه إلى يزيد، فقال رحمه الله(560)

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أن الذي ثبت في صحيح البخاري(561) أن الرأس حمل إلى قدام عبيد الله بن زياد وجعل ينكت بالقضيب على ثناياه بحضرة أنس بن مالك، وفي المسند أن ذلك كان بحضرة أبي برزة الأسلمي لكن بعض الناس روى باسناد منقطع أن هذا النكت كان بحضرة يزيد بن معاوية، وهذا باطل فإن أبا برزة وأنس بن مالك كانا بالعراق لم يكونا بالشام، ويزيد بن معاوية كان بالشام ولم يكن بالعراق حين قتل الحسين، فمن نقل أنه نكت بالقضيب ثناياه بحضرة أنس وأبي برزة قدام يزيد فهو كاذب قطعاً كذباً معلوماً بالنقل المتواتر.

إلى أن قال في « 27/479 » فقد تبين أن القصة التي يذكرون فيها حمل رأس الحسين إلى يزيد ونكته إياه بالقضيب كذبوا فيها، وإن كان الحمل إلى ابن زياد وهو الثابت بالقصة، فلم ينقل باسناد معروف أن الرأس حمل قدام يزيد، ولم أر في ذلك إلا إسناداً منقطعاً قد عارضه من الروايات ما هو أثبت منه وأظهر.

إلى أن قال بعد أن ذكر تألم يزيد لمقتل الحسين: فهذا ونحوه مما نقلوه بالأسانيد التي هي أصح وأثبت من ذلك الإسناد المنقطع المجهول ..... والمقصود هنا أن نقل رأس الحسين إلى الشام لا أصل له في زمن يزيد، فكيف ينقله بعد زمن يزيد، وإنما الثابت هو نقله من كربلاء إلى أمير العراق عبيد الله بن زياد بالكوفة، والذي ذكره العلماء أنه دفن بالكوفة.

وقد

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

جاءت روايات أخرى في وصول رأس الحسين رضي الله عنه إلى يزيد، ولكنها جميعاً لا تخلو من ضعف(562)

وبعد أن ترجح بأن الرأس لم يصل إلى يزيد، فقد ذكرت أماكن أخرى قيل بأن رأس الحسين رضي الله عنه دفن فيها وهذه الأماكن هي كالآتي:

1 – كربلاء 2 – الرقة 3 – عسقلان 4 – القاهرة 5 - المدينة.

ولكي نصل إلى تحديد دقيق بشأن مكان رأس الحسين, فإنا سنعرض إلى كل هذه المدن والتي ذكرت بأن الرأس موجود فيها, ثم نناقش الروايات التي ذكرت ذلك, ومن ثم نحدد مكان الرأس بعد النقد والتمحيص لهذه الروايات.

أولاً: كربلاء

لا يوجد أي دليل على أن الرأس قد دفن في كربلاء, إلا أن بعض القصص التي لا وزن لها عند التحقيق أصحابها مطعون فيهم وقد ذكروا منها بأن الرأس أُعيد إلى كربلاء بعد أربعين يوماً من القتل, ودفن بجانب جسد الحسين(563) رضي الله عنه ولم يقل بهذا القول عالم أو مؤرخ, وهو في

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الحكايات التي تُستغل للإثارة وتأجيج المشاعر. وقد أنكر أبو نعيم «الفضل بن دكين» على من زعم أنه يعرف قبر الحسين رضي الله عنه(564)

وقد ذكر ابن جرير وغيره أن موضع قتله عفى أثره حتى لم يطلع أحد على تعيينه(565) .

ثانياً: الرقة

لقد انفرد سبط ابن الجوزي بإيراد خبر يذكر أن الرأس قبر بالرقة وقال: إن الرأس بمسجد الرقة على الفرات, وإنه لما جيء به بين يدي يزيد بن معاوية قال: «لأبعثن إلى آل أبي معيط عن رأس عثمان» وكانوا بالرقة, فدفنوه في بعض دورهم, ثم دَخَلَتْ تلك الدار بالمسجد الجامع, وهو إلى جانب سور هناك(566) .

وهذا خبر مستبعد, فالرواية ليست مسندة، ولا نعلم أي مصدر اعتمد عليه سبط ابن الجوزي حينما نقل هذا الرأي, ثم إن سبط ابن الجوزي متأخر جداً عن الحدث «ت 654 ھ» ثم إضافة إلى ما سبق فإن الخبر فيه نكارة واضحة لمخالفته النصوص الصحيحة, والتي ثبت فيها حُسنُ معاملة يزيد لأسرة الحسين وتحسره وندمه على قتله, ثم إن سبط ابن الجوزي ليس بثقة فهو مطعون فيه, انظر ترجمته في لسان الميزان وميزان الاعتدال.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثالثاً: عسقلان

قال الشبلنجي: «ذهبت طائفة إلى أن يزيد أمر أن يطاف بالرأس في البلاد فطيف به حتى انتهى إلى عسقلان فدفنه أميرها بها»(567) .

ولعل الشبلنجي هو الوحيد الذي قدّم تفسيراً عن كيفية وصول الرأس إلى عسقلان, وأما غيرة فقد ذكروا بدون مسببات أن الرأس في عسقلان فقط(568) .

وتعتبر رواية الشبلنجي رواية منكرة, بعيدة عن التصور فكيف بالواقع المحتم في تلك الفترة بالذات.

فهي بالإضافة إلى مخالفتها للروايات الصحيحة, والتي تفيد أن يزيد تعامل مع أسرة الحسين تعاملاً حسناً, فإن الرواية تعطي تصوراً بعيداً جداً عن واقع المسلمين في ذلك الحين.

فكيف يعقل أن يقدم يزيد على هذا العمل و يطوف برأس الحسين رضي الله عنه في بلاد المسلمين, والمسلمون لا يتأثرون من هذا الصنيع برأس الحسين رضي الله عنه ؟.

ثم أي غرض لهم في دفنه بعسقلان, وكانت إذ ذاك ثغراً يقيم بها المرابطون؟ فإن كان قصدهم تعفية أثره, فعسقلان تظهره لكثرة من ينتابها للرباط, وإن كان قصدهم بركة البقعة فكيف يقصد هذا ممن يقول: إنه عدو له – أي يزيد - مستحل لدمه, ساع في قتله»(569) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهكذا: فقد ثبت من الجهة النظرية والعملية استبعاد, بل واستحالة دفن الرأس بعسقلان.

ولقد أنكر جمع من المحققين هذا الخبر فقال القرطبي: «وما ذكر أنه في عسقلان فشيء باطل»(570) .

وأنكر شيخ الإسلام ابن تيمية وجود الرأس بعسقلان(571) , وتابعه على ذلك ابن كثير(572) .

رابعاً: القاهرة

يبدو أن اللعبة التي قام بها العبيدون «الفاطميون» قد انطلت على الكثير من الناس.

فبعد أن عزم الصليبيون الاستيلاء على عسقلان سنه تسع وأربعين وخمسمائة, خرج الوزير الفاطمي الصالح طلائع بن زريك, خرج هو وعسكره حفاة إلى الصالحية, فتلقى الرأس ووضعه في كيس من الحرير الأخضر علي كرسي من الأبنوس, وفرش تحته المسك والعنبر والطيب, ودفن في المشهد الحسيني قريباً من خان الخليلي في القبر المعروف. وكان ذلك في يوم الأحد الثامن من جمادى الآخر سنة ثمان وأربعين وخمسمائة(573) .

وقد ذكر الفارقي أن الخليفة الفاطمي نفسه قد خرج وحمل الرأس(574) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وذكر الشبلنجي أن الوزير الصالح طلائع افتدى الرأس من الإفرنج, ونجح في ذلك بعد تغلبهم على عسقلان, وافتداه بمالٍ جزيل(575) .

ولقد حاول بعض المؤرخين أن يؤكدوا على أن الرأس قد نقل فعلاً من عسقلان إلى مصر وأن المشهد الحسيني في مصر إنما هو حقيقة مبني على رأس الحسين رضي الله عنه . والعجيب أن القلقشندي استدل على صحة وجود الرأس بمصر بالحادثة التالية:

أن القاضي محب الدين بن عبد الظاهر ذكر في كتابه خطط القاهرة «أن السلطان صلاح الدين الأيوبي حين استولى على قصر الفاطميين أمسك خادماً من خدام القصر, وعذبه بأن حلق رأسه وكفى عليه طاساً, وجعل فيه خنافس فأقام ثلاثة أيام لم يتأثر بذلك, فدعاه السلطان وسأله عن شأنه, هل معه طلسم وقاه ذلك فقال: لا أعلم شيئاً, غير أني حملت رأس الحسين على رأسي حين أتى إلى المشهد, فخلى سبيله وأحسن إليه»(576) .

وقد جاء أحد المتأخرين وهو حسين محمد يوسف, وأثبت أن الرأس الموجود في المشهد الحسيني هو حقيقة رأس الحسين وخَطَّأ من يقول بغير ذلك.

وكان الاستدلال الذي جاء به: هي تلك المنامات والكشوفات التي تجلت لبعض المجاذيب, فقد جاء في تلك المنامات أن الرأس هو في الحقيقة رأس الحسين.

ثم أورد تأييداً لهذا القول باستحداث قاعدة قال فيها «أن الرأس يوجد في القاهرة وذلك بسبب الشك الذي تعارض مع اليقين, واليقين «هم أصحاب الكشف»(577) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وكما يبدو فإن الوطنية لعبت دوراً كبيراً في التأكيد على أن رأس الحسين موجود في القاهرة وذلك لما ذكره السخاوي بهذا الصدد(578) .

وهكذا: فإن الاستدلال على وجود الرأس في القاهرة كان مبنياً على القول بأن الرأس كان في عسقلان, وقد أثبتنا قبل قليل بطلان وجود الرأس بعسقلان, وبالتالي يكون الرأس الذي حُمِل إلى القاهرة, والمشهد المعروف اليوم والمقام عليه والمسمى بالمشهد الحسيني هو كذب, وليس له أي علاقة برأس الحسين رضي الله عنه .

وإذا ثبت أن الرأس الذي كان مدفوناً بعسقلان هو ليس في الحقيقة برأس الحسين, فإذاً متى اُدِّعي أن رأس الحسين بعسقلان وإلى من يعود ذلك الرأس؟.

يقول النويري: إن رجلاً رأى في منامه, وهو بعسقلان أن رأس الحسين في مكان بها, عُيِّن له في منامه, فنبش ذلك الموضع, وذلك أيام المستنصر بالله العبيدي صاحب مصر, ووزارة بدر الجمالي, فابتنى له بدر الجمالي مشهداً بعسقلان(579) .

وقام الأفضل بعد ذلك بإخراجه وعطَّره ووضعه في مكان آخر من عسقلان وابتنى عليه مشهداً كبيراً(580) .

ولعلك تعجب من إسراع العبيدين لإقامة المشهد على هذا الرأس لمجرد رؤيا رجلٍ فقط؟ ولكن إذا عرفت تاريخ العبيديين فإن الأمر لا يُستغرب لهذا الحد.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فإحساسهم بأن الناس لا يصدقون نسبتهم إلى الحسين جعلهم يلجؤون إلى تغطية هذا الجانب باستحداث وجود رأس الحسين بعسقلان, ويظهرون من الاهتمام به وبناء المشهد عليه والإنفاق على ترميمه وتحسينه من الأموال الشيء الكثير حتى يصدقهم الناس، ويقولون: إنه لو لم يكن لهم نسب فيه لما اهتموا به إلى هذا الحد؟.

ثم إن هناك بُعداً سياسياً آخر باستحداث وادعاء وجود رأس الحسين بعسقلان دون غيرها من المناطق التي تقع تحت سيطرتهم, وهو محاولة مجابهة الدويلات المسلمة التي قامت في بلاد الشام, ومن المعروف أن حكومة المنتصر بالله العبيدي قد صادفت قيام دولة السلاجقة التي تَمكَّن قائدها طغرلبك السلجوقي من دخول بغداد سنة سبع وأربعين وأربعمائة(581) .

وأيضاً فإن العبيديين يَرْمُون من استحداث قبر الحسين بعسقلان حماية مصر, بوضع أقصى خط لها في شمالها, ثم يكون قبر الحسين محفزاً لجنودهم للقتال والدفاع عنه, وذلك إذا انحسر نفوذهم من بلاد الشام وخاصةً إذا تعرضوا لهجومٍ شامل من دولة السلاجقة البالغة القوة في ذلك الحين.

ولما أن غزا الصليبيون بلاد الشام, واستطاعوا اكتساح الدويلات الإسلامية وسيطروا على فلسطين, واستولوا على القدس خشي العبيديون من استيلاء الصليبيين على عسقلان, فأرادوا أن يجعلوا من القاهرة المكان المناسب لهذا الرأس, وحتى يَبدو أمام الناس بأنهم حريصون على رأس جدهم مما يدفع الشبهة عنهم أكثر فأكثر.

ومما يدل على أن استحداث وجود الرأس بعسقلان ونقله إلى مصر ما هو إلا خطة عبيدية أنه لم يرد بأن رأس الحسين وجد في عسقلان في أي كتاب قبل ولاية المستنصر الفاطمي. وهذا مما يعزز كذب العبيديين وتحقيق أغراض خاصة لهم بذلك.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أن هذا الرأس المزعوم بأنه رأس الحسين ليس في الأصل سوى رأس راهب(582) .

وأنكر عمر بن أبي المعالي أن يكون رأس الحسين قد وجد بعسقلان أو مصر وذلك «لأنه لم يوجد في تاريخٍ من التواريخ أنه – أي الرأس – نقل إلى عسقلان أو إلى مصر»(583) .

وقد نقل ابن دحية في كتابه «العلم المشهور» الإجماع أيضاً على كذب المشهد الحسيني الموجود في القاهرة, وذكر أنه من وضع العبيديين, وأنه لأغراضٍ فاسدة وضعوا ذلك المشهد وقد أزال الله تلك الدولة وعاقبها بنقيض قصدها(584) .

وقد أنكر وجود الرأس في مصر كل من: ابن دقيق العيد, وأبو محمد بن خلف الدمياطي وأبو محمد بن القسطلاني, وأبو عبد الله القرطبي, وغيرهم(585) .

وقال ابن كثير: «وادعت الطائفة المسماة بالفاطميين الذين ملكوا مصر قبل سنة أربعمائة إلى سنة ستين وخمسمائة أن رأس الحسين وصل إلى الديار المصرية ودفنوه بها وبنوا عليه المشهد المشهور بمصر, الذي يقال له تاج الحسين بعد سنة خمسمائة».

وقد نص غير واحد من أئمة أهل العلم على أنه لا أصل لذلك, وإنما أرادوا أن يروجوا بذلك بطلان ما ادعوه من النسب الشريف, وهم في ذلك كذبة خونة, وقد نص على ذلك القاضي الباقلاني وغير واحدٍ من أئمة العلماء في دولتهم, قلت: والناس أكثرهم يروج عليهم

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مثل هذا, فإنهم جاءوا برأس فوضعوه في مكان هذا المسجد المذكور, وقالوا: هذا رأس الحسين, فراج ذلك عليهم, واعتقدوا ذلك, والله أعلم»(586)

وقد شاء الله تعالى أن لا يقطع الوزر عن العبيديين فأبقى بعض المغررين بهذه المشاهد والقبور يدعونها ويطلبون منها ويتضرعون إليها و يعظمونها أعظم من تعظيمهم المساجد, بل أعظم من تعظيمهم بيت الله الحرام فينالهم الإثم, ويلحق هذا الإثم بالعبديين لأنهم هم من أسسوا هذه القبور, والله المستعان على ما يصفون.

قال تقي الدين ابن تيمية «وكان بعض النصارى يقول لبعض المسلمين: لنا سيد وسيدة, ولكم سيد وسيدة لنا السيد المسيح والسيدة مريم, ولكم السيد الحسين والسيدة نفيسة»(587) . فانظر إلى أي مدى بلغ الجهل بهؤلاء حتى تابعوا النصارى وخالفوا أهل الحق.

خامساً: المدينة المنورة

وهكذا فإن المدن التي مر ذكرها لم يثبت لدينا أدنى دليل على وجود الرأس بها. ولم يبق أمامنا سوى المدينة.

فقد ذكر ابن سعد بإسناد جمعي: أن يزيد بعث بالرأس إلى عمرو بن سعد والي المدينة, فكفنه ودفنه بالبقيع إلى حيث قبر أمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم(588) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال البلاذري: حدثنا عمر بن شبة, حدثني أبو بكر عيسى بن عبيد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب, عن أبيه قال: إن الرأس بَعث به يزيد إلى عمرو بن سعيد والي المدينة(589) .

وهذه الرواية عن واحدٍ من أهل البيت, ولا شك أن أحفاد الحسين هم أعلم الناس برأس الحسين رضي الله عنه , وبذلك يكون كلامهم مقدماً على كلام غيرهم بشأن وجود الرأس.

ثم بالنظر إلى حُسن تعامل يزيد مع آل الحسين وندمه على قتل الحسين رضي الله عنه يكون من المتَمات لما أبداه يزيد تجاه آل الحسين هو احترام رأس أبيهم, فبإرسال رأس الحسين إلى والي المدينة وأمره أن يدفن بجانب قبر أمه يكون يزيد قد أدى أقلّ ما يمكن حيال رأس الحسين وحيال آل الحسين, بل وحيال أقارب الحسين في المدينة وكبار الصحابة والتابعين.

«ثم إن دفنه بالبقيع هو الذي تشهد له عادة القوم, فإنهم كانوا في الفتن إذا قتل الرجل منهم – ولم يكن منهم – سلموا رأسه وبدنه إلى أهله, كما فعل الحجاج بابن الزبير لما قتله وصلبه, ثم سلموه إلى أهله, وقد علم أن سعي الحجاج في قتل ابن الزبير, وأن ما كان بينهما من الحروب أعظم بكثير مما كان بين الحسين وبين خصومه»(590) . كما أننا لا نجد انتقاداً واحداَ اُنتقد به يزيد سواء من آل البيت أو من الصحابة أو من التابعين فيما يتعلق بتعامله مع الرأس, فظني أن يزيد لو أنه تعامل مع الرأس كما تزعم بعض الروايات من الطوفان به بين المدن والتشهير برأسه لتصرف الصحابة والتابعين تصرفاً آخر إثر هذا الفعل, ولما رفض كبارهم الخروج عليه يوم الحرة ولرأيناهم ينضمون مع ابن الزبير المعارض الرئيسي ليزيد.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ويؤيد هذا الرأي قول الحافظ أبو يعلى الهمداني: «إن الرأس قبر عند أمه فاطمة رضي الله عنها وهو أصح ما قيل في ذلك»(591) .

وهو ما ذهب إليه علماء النسب مثل: الزبير بن بكار ومحمد بن الحسن المخزومي(592) .

وذكر عمر بن أبي المعالي أسعد بن عمار في كتابه «الفاصل بين الصدق والمَيْن في مقَر رأس الحسين» أن جمعاً من العلماء الثقات كابن أبي الدنيا, وأبي المؤيد الخوارزمي, وأبي الفرج ابن الجوزي قد أكدوا أن الرأس مقبور في البقيع بالمدينة»(593) .

وتابعهم على ذلك القرطبي(594) وقال الزرقاني: قال ابن دحية ولا يصح غيره(595) .

وتقي الدين ابن تيمية يميل إلى أن الرأس قد دفن في المدينة, والذي جعل تقي الدين ابن تيمية يرى ذلك هو: «أن الذين ذكروا أن الرأس نقل إلى المدينة هم من العلماء والمؤرخين الذين يعتمد عليهم مثل: الزبير بن بكار، صاحب كتاب الأنساب, ومحمد بن سعد كاتب الواقدي صاحب الطبقات, ونحوهما من المعروفين بالعلم والثقة والاطلاع, وهم أعلم بهذا الباب, وأصدق فيما ينقلونه من المجاهيل والكذابين وبعض أهل التاريخ الذين لا يوثق بعلمهم, وقد يكون الرجل صادقاً, ولكن لا خبرة له بالأسانيد, حتى يميز بين المقبول والمردود, أو يكون سيئ الحفظ, أو متهماً بالكذب أو بالتزايد في الرواية، كحال كثير من الإخباريين والمؤرخين»(596) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبذلك يكون رأس الحسين مقبوراً بجانب أمه فاطمة رضي الله عنه وهو الموافق لما ثبت في الروايات من حسن تعامل يزيد مع آل الحسين ثم هو الأقرب إلى الواقع الذي يملي على يزيد إرساله إلى المدينة ليقبر بجانب أمه رضي الله عنها وأرضاها.

فقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: «.... فإن جاء آخر ينازع فاضربوا عنق الآخر»(597) . لا يتناوله بسبب أنه عرض عليهم الصلح فلم يقبلوا, ثم كان مجيئه بناءً على طلب أهل البلد, وليس ابتداعاً منه.

قال النووي معلقاً على هذا الحديث وشارحاً له «قوله: فاضربوا عنق الآخر, معناه: ادفعوا الثاني فإنه خارج على الإمام, فإن لم يندفع إلا بحربٍ وقتالٍ فقاتلوه, فإن دعت المقاتلة إلى قتاله جاز قتله ولا ضمان فيه, لأنه ظالم معتدٍ في قتاله»(598) .

ويذلك يكون الظالم هو ابن زياد وجيشه الذين أقدموا على قتل الحسين رضي الله عنه بعد أن رفضوا ما عرض الحسين من الصلح.

ثم إن نصح الصحابة للحسين يجب أن لا يفهم على أنهم يرونه خارجاً على الإمام, وأن دمه حينئذ يكون هدراً, كما ذهب لذلك يوسف العش(599) بل إن الصحابة رضوان الله عليه أدركوا خطورة أهل الكوفة على الحسين وعرفوا أن أهل الكوفة كذبة, وقد حملت تعابير نصائحهم هذه المفاهيم.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

«فتبين بذلك غلط الحسين, إلا أنه في أمر دنيوي لا يضره الغلط فيه, وأما الحكم الشرعي فلم يغلط فيه, لأنه منوط بظنه, وكان ظنه القدرة على ذلك»(600) .

وأما الصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا بالحجاز ومصر والعراق والشام والذين لم يتابعوا الحسين رضوان الله عليه, فلم ينكروا عليه، ولا أثّموه, لأنه مجتهد, وهو أسوة للمجتهدين به(601) .

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم التي يأمر فيها بقتل المفارق للجماعة لم تتناوله, فإنه رضي الله عنه لم يفارق الجماعة, ولم يقتل إلا وهو طالب للرجوع إلى بلده, أو إلى الثغر, أو إلى يزيد, داخلاً في الجماعة, معرضاً عن تفريق الأمة, ولو كان طالب ذلك أقل الناس لوجب إجابته إلى ذلك, فكيف لا تجب إجابة الحسين(602) ولم يقاتل وهو طالب الولاية, بل قتل بعد أن عرض الإنصراف بإحدى ثلاث ...... بل قتل وهو يدفع الأسر عن نفسه, فقتل مظلوماً»(603) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 213 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

اعتقادنا في مقتل الحسين رضي الله عنه

وبعد أن توصلنا إلى تقرير الحقيقة السابقة من أن الحسين رضي الله عنه قتل مظلوماً شهيداً, فإن اعتقادنا في قتله رضي الله عنه كما قال تقي الدين ابن تيمية رحمه الله:

«وأما قتل الحسين رضي الله عنه , فلا ريب أنه قتل مظلوماً شهيداً, كما قتل أشباهه من المظلومين الشهداء, وقتل الحسين معصية لله ولرسوله ممن قتله أو أعان على قتله أو رضي بذلك, وهو معصية أصيب بها المسلمون من أهله وغيره, وهو في حقه شهادة له ورفعة درجة وعلو منزله.

فإنه هو وأخاه سبقت لهما من الله السعادة, التي لا تنال إلا بنوع من البلاء, ولم يكن لهما من السوابق ما لأهل بيتهما, فإنهما تربيا في حجر الإسلام في عزٍّ وأمان, فمات هذا مسموماً وهذا مقتولاً لينالا بذلك منازل السعداء وعيش الشهداء»(604) .

وهذا هو قول أهل الحق, وهو القول الوسط في هذه المسألة بين الغلو والتفريط(605) .

ونعتقد أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة(606) كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم.

ونعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحب الحسن والحسين ويقول: «حسين مني وأنا منه أحب الله من أحبه. الحسن والحسين سبطان من الأسباط»(607) ونحن نحب ما يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

البغدادي عن عقيدة أهل الحق في جماعة آل البيت:

«وقالوا بموالاة الحسن والحسين والمشهور من أسباط رسول الله صلى الله عليه وسلم كالحسين بن الحسن, وعبد الله بن الحسين, وعلي بن الحسين زين العابدين», ومحمد بن علي بن الحسين المعروف بالباقر, وجعفر بن محمد المعروف بالصادق.

وكذلك قولهم في سائر أولاد علي من صلبه كالعباس, وعمر, ومحمد ابن الحنيفة, وسائر من درج على سنة آبائه الطاهرين»(608) .

وقال صديق حسن خان:

«ويحبّون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال يوم غدير خم(609) «أذكركم الله في أهل بيتي مرتين»(610) .

وقال للعباس عمه حين اشتكى من بعض قريش لا يلقونه بوجهٍ طلق: «والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي»(611)(612) ) ( .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقال الحافظ ابن كثير: «وكل مسلم ينبغي أن يحزنه قتله – أي الحسين رضي الله عنه -, فإنه من سادات المسلمين وعلماء الصحابة وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي أفضل بناته, وقد كان عابداً شجاعاً سخياً(613) » .

ولا شك أن قتل الحسين رضي الله عنه من أعظم الذنوب, وأن فاعل ذلك والراضي به, والمعينُ عليه مستحِق لعقاب الله الذي يستحقه أمثاله.

وقد استشنع السلف قتل الحسين رضي الله عنه فقال إبراهيم النخعي: لو كنت فيمن قتل الحسين ودخلت الجنة لاستحييت أن أنظر إلى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم(614) .

لكنْ هناك أمرٌ يجب التفطن له, فإن قتله رضي الله ليس بأعظم من قتل الأنبياء, ولا السابقين الأولين, ومن قُتل في حرب مسيلمة, وكشهداء أحُد والذين قتلوا ببئر معونة, وكقتل عثمان, وقَتل علي(615) . كما أن اعتقادنا في الحسين يختلف عن اعتقاد الغلاة فيه, فإن الغلاة يعتبرون أن قتل الحسين أعظم مصيبة, ويظهرون الجزع والحزن الذي لعل أكثره تصنُّع ورياء(616) . وقد كان أبوه علي رضي الله عنه أفضل منه, وقد قتل يوم الجمعة وهو خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين, ومع ذلك لا يتخذون مقتله مأتماً كيوم مقتل الحسين.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وعثمان كان أفضل من علي عند أهل الحق, وقد قتل وهو محصور في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين, وقد ذبح من الوريد إلى الوريد(617) , وظلم عثمان كان أعظم من ظلم الحسين, وصبره وحمله كان أكمل, وكلاهما مظلوم شهيد(618) .

وإنكار الأمة لمقتل عثمان رضي الله عنه أعظم من إنكار الأمة لمقتل الحسين, ولا انتصرت للحسين رضي الله عنه من الجيوش مثل ما انتصرت لعثمان, ولا انتقم أعوانه من أعدائه كما انتقم أعوان عثمان من أعدائه, ولا حصل بقتله من الفتنة والشر والفساد ما حصل بقتل عثمان, ولا كان قتله أعظم إنكاراً عند الله وعند رسوله وعند المؤمنين من قتل عثمان, فإن عثمان من أعيان السابقين للإسلام, وهو خليفة المسلمين أجمعوا على بيعته, بل لم يشهر في الأمة سيفاً ولا قتل على ولايته أحداً.

وكان يغزو بالمسلمين الكفار بالسيف, وكان السيف في خلافته كما كان في خلافة أبي بكر وعمر مسلولاً على الكفار, مكفوفاً عن أهل القبلة, ثم إنه طُلِبَ قتله وهو خليفة فصبر, ولم يقاتل دفاعاً عن نفسه حتى قتل, ولا ريب أن هذا أعظم أجراً, وقتله أعظم إثماً, ممن لم يكن متولياً فخرج يطلب الولاية, ولم يتمكن من ذلك حتى قاتله أعوان الذين طلب أخذ الأمر منهم, فقاتل عن نفسه حتى قتل.

ولا ريب أن قتال الدافع عن نفسه وولايته أقرب من قتال الطالب, لأنه يأخذ الأمر من غيره. وعثمان ترك القتال دفعاً عن ولايته, فكان حاله أفضل من حال الحسين, وقتله أشنع من قتل الحسين ......

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

والمنتصرون لعثمان: معاوية, وأهل الشام, والمنتصرون من قتلة الحسين: المختار بن أبي عبيد الثقفي وأعوانه, ولا يشك عاقل أن معاوية رضي الله عنه خير من المختار, فإن المختار كذاب, ادعى النبوة(619) .

وكذلك عمر بن الخطاب وهو أفضل من عثمان وعلي، قتل وهو قائم يصلي بالمحراب صلاة الفجر. ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتماً, وكذلك الصديق كان أفضل منه ولم يتخذ الناس يوم وفاته مأتماً, ورسول الله صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة, وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله, ولم يتخذ أحد يوم موتهم مأتماً(620) .

ومن تدبر الكتاب والسنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واعتبر ذلك بما يجده في نفسه وفي الآفاق علم تحقيق قول الله تعالى ﴿ سَنُرِيهِمْ ءَايَـٰتِنَا فِى الْءَافَاقِ وَفِىٓ أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ(621) ۗ ﴾ )) .

فإن الله سبحانه وتعالى يُري عباده آيات في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أن القرآن حق, فخبره صدق وأمره عدل, ﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا ۚ لَّا مُبَدِّلَ لِكَلِمَـٰتِهِۦ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(622) ﴾ .

ومما يتعلق بهذا الباب أن يعلم أن الرجل العظيم في العلم والدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم القيامة, قد يحصل منه نوع من الاجتهاد مقروناً بالظن ونوع من الهوى الخفي, فيحصل بسبب ذلك ما لا ينبغي اتباعه فيه, وإن كان من أولياء

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الله المتقين.

ومثل هذا إذا وقع يصير فتنة لطائفتين, طائفة تعظِّمه وتريد تصويب ذلك الفعل واتباعه عليه, وطائفة تَذُمه فتجعل ذلك قادحاً في ولايته وتقواه ،...... بل في إيمانه حتى تخرجه عن الإيمان, وكلا هذين الطرفين فاسد(623) .

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 220 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الخاتمة : خلاصة ما ينبغي عمله في استشهاد الحسين

وبعد أن استعرضنا معاً سيرة الحسين رضي الله عنه والأحداث التي واكبتها حتى انتهى به الأمر إلى الشهادة الأبدية, يبقى لنا أن نبين أن المسلم وإن كان يحزن ويألم لما أصاب حفيد المصطفى صلى الله عليه وسلم إلا أن حزنه لا يخرجه عن التزامه بأوامر النبي صلى الله عليه وسلم، والتي كان فقهاء أهل البيت وعلماؤهم يحرصون عليها أشد الحرص ويتسابقون للتقيد بها والعمل بموجبها, ويأمرون الناس بالتزامها والعمل بها.

وها نحن ننقل لك بعض الأحاديث الواردة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والروايات المنقولة عن بعض فقهاء أهل البيت في النهي عن الجزع وتدعو إلى الصبر.

روى البخاري في صحيحه عن مسروق عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم «ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية»(624) .

وروى مسلم في صحيحه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «النائحه إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربالٌ من قَطرانٍ ودِرعٌ من جَرَبٍ»(625) .

وروى النسائي في السنن عن يزيد بن أوس عن أبي موسى أنه أغمى عليه فبكت أم ولد له فلما أفاق قال لها أما بلغك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألناها فقالت قال: «ليس منا من سلق وحلق وخرق»(626) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وروى ابن ماجه في السنن عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الخامشة ووجهها والشاقة جيبها والداعية بالويل والثبور(627) .

ومن طرق الإمامية : روى الكليني بسنده عن الإمام جعفر الصادق أنه فسر قول الله عز وجل: ﴿ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ(628) ﴾ بقوله: المعروف أن لا يشققن جيباً ولا يلطمن خداً, ولا يدعون ويلاً, ولا يتخلفن عند قبرٍ, ولا يسودن ثوباً, ولا ينشرن شعراً(629) .

وروى النوري الطبرسي عن الإمام جعفر الصادق أنه قال: «مَن أنعم الله عليه بنعمةٍ فجاء عند تلك النعمة بمزمار فقد كفرها, ومن أصيب بمصيبة, فجاء عند تلك المصيبة بنائحةٍ فقد أحبطها»(630) .

وفي مستدرك الوسائل أن جابراً الأنصاري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، في مرضه الذي قبض فيه لفاطمة رضي الله عنها: بأبي أنت وأمي أرسلي إلى بعلك» إلى أن قال, وفاطمة رضي الله عنها عنده, وهي تبكي وتقول: واكرباه لكربك يا أبتاه, فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تشقي عليَّ الجيب, ولا تخمشي علي الوجه, ولا تدعي عليَّ بالويل»(631) .

وفي المستدرك أيضاً عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود, وشق الجيوب»(632) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وروى النوري أن جعفراً الصادق رضي الله عنه أوصى عندما احتضر فقال: «لا يلطمن عليَّ خد, ولا يشقن علي جيب, فما من امرأة تشق جيبها إلا صدع, كلما زادت زيدت»(633) .

ولقد لخص لنا نور الدين السمهودي في كتابه «جواهر العقدين»(634) الموقف من استشهاد الحسين وما يتوجب علينا فعله فقال: «واعلم وفقني الله وإياك أن ما أصيب به الحسين رضي الله عنه من الشهادة في يوم عاشوراء إنما كان كرامة من الله عز وجل أكرمه بها, ومزيد حظوة ورفعة درجة عند ربه عز وجل, وإلحاقاً بدرجات أهل بيته الطاهرين, وليهين من ظلمه واعتدى عليه, وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل, يبتلى المرء على حسب دينه, فإن كان في دينه صلابة, زيد في بلائه, وإن كان في دينه رقة خفف عنه, ولا يزال البلاء بالمؤمن حتى يمشي على الأرض, وليس عليه خطيئة. فالمؤمن إذا حضره يوم عاشوراء, وذكر ما أصيب به الحسين رضي الله عنه , يشتغل بالاسترجاع ليس إلا كما أمره المولى عز وجل عند المصيبة، ليحوز الأجر الموعود به في قوله تعالى: ﴿ أُو۟لَـٰٓئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ ۖ وَأُو۟لَـٰٓئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ(635) ﴾ .

ولاحظ ثمرة البلوى وما أعده الله تعالى للصابرين، حيث قال: ﴿ يُوَفَّى الصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ(636) ﴾ ويشهد أن ذلك البلاء من المبتلي, فيغيب برؤيته عن وجدان مرارة البلاء وصعوبته, قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا(637) ﴾ .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقيل لبعض الشطار: متى يهون عليك الضرب والقطع؟ فقال: إذا كنا بعين من نهواه فعنده البلاء رخاء, والجفاء وفاء, والمحنة منحة, والعاقل يستحضر مثل هذا في الوقت نفسه, ويستصغر ما يرد عليه من مصائب الدنيا وشدائدها وبلائها, ويتسلى ويتعزى بما يصيبه من ذلك, ويشغل يومه ذلك بما استطاع من الطاعات والأعمال الصالحات لحثه صلى الله عليه وسلم على صوم عاشوراء, فيكمل ذلك بصرف زمانه في أنواع القربات عسى أن يكتب من محبي ذوي القربى, ولا يتخذه للندب والنياحة والحزن كفعل الجهلة, إذ ليس ذلك من أخلاق أهل البيت النبوي, ولا من طرائقهم, ولو كان ذلك من طرائقهم لا تخذت الأمة يوم وفاة نبيها صلى الله عليه وسلم مأتماً في كل عام فما هذا إلا من تزيين الشيطان وأعوانه».

نسأل الله تعالى أن يجمعنا وإياكم مع الحسين رضي الله عنه بجوار جده المصطفى صلى الله عليه وسلم.

الحاشية
النسخة المصوّرة — القول السديد في سيرة الحسين الشهيد
يُحمّل المصدر المصوّر…