الدُّر الثمين من سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهاالصفحة المطبوعة 108
الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، والله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول»(275)
هذه هي الصورة الحقيقية للواقعة، والتي تحدث في معظم الأحوال عندما يكون واحد في السفر، حتى في زمننا هذا الذي وصل فيه الرقيّ التكنولوجي إلى قمة التطور والنمو، وأبدعت شتى أنواع وسائل السفر والمواصلة والتنقل.
ثم ما حدث لعائشة رضي الله عنها وما قام به أصحاب القلوب الحاقدة ذوات الشحناء والبغضاء نحو هذه المُحْصَنة الغافلة التقية الزكيّة، ليس ذلك الوحيد من نوعه، وإنما هذا إعادة لما حدث من قبل لمريم البتول عليها السلام في بني إسرائيل.
فوجد الخبيث عدو الله عبد الله بن أُبَيّ متنفَّساً، فتنفس من كُرَب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه، فجعل يحيك الإفك ويوشّيه، ويشيعه ويذيعه، ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون إليه، ولما سمع المسلمون الصادقون وسادات الصحابة قالوا: هذا بهتان عظيم، وهذا أبو أيوب رضي الله عنه قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب أكنت يا أم أيوب فاعلة؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة خيرٌ منك(276) .
وليس أشد على نفس الفتاة خاصة ولا أوجع لضميرها من مطعن يَهْدم سمعتها، ويعصف بهناءتها، ويُفقدها الرجل الذي تحبه، والمكانة التي تبوّأتها، وأشد ما يكون ذلك على البريئة العزيزة التي يهولها الأمر على قدر ظلمها فيه وعلى قدر نكبتها بما تفقده من العزة والسمعة، لم تكن عائشة رضي الله عنها مطلعة على هذا الخبر المفجع المؤلم، ولم تشعر بالشرّ إذ خرجت مع أم مِسْطح قِبَل المناصع، تقول رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا
حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
- تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.