الحصون — مكتبة مبرة الآل والأصحاب الرقمية — النص الموثّق والمصدر المصوّر
الدُّر الثمين من سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهاالقراءة المتصلة
صفحة 11
حجم النص28
بحث في الكتاب

الصفحة الحالية: 11

الدُّر الثمين من سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها

صفحة 1 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 2 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

إلا لمن أراد التوزيع الخيري بشرط عدم التصرف في المادة العلمية

الطبعة الأولى

1431هـ / 2010م

مبرة الآل والأصحاب

هاتف: 22560203 – 22552340 فاكس: 22560346

ص. ب: 12421 الشامية الرمز البريدي 71655 الكويت

E-mail: almabarrh@gmail.com

www.almabarrah.net

رقم الحساب: بيت التمويل الكويتي 201020109723

بسم الله الرحمن الرحيم

صفحة 4 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 5 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 6 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

فهرس الموضوعات

فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
الصفحة
المقدمة...........................................................................................................11
تمهيد.............................................................................................................13
الاسم والكنية والنسب................................................................................13
كنية السيدة عائشة رضي الله عنها ...........................................................................14
نسبها من أبيها..............................................................................................15
نسبها من أمها...............................................................................................16
الولادة............................................................................................................17
الطفولة..........................................................................................................19
الفصل الأول: الزواج الميمون........................................................................23
مهر السيدة عائشة رضي الله عنها ..............................................................................29
التاريخ الذي تزوجت فيه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ......................................30
هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة..........................................................................30
بناؤه صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين عائشة......................................................................32
أهم مميزات نكاحه صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين عائشة وبنائه بها...........................35
الفصل الثاني: عائشة رضي الله عنها في مدرسة النبوة.............................................37
الدراسة وطلب العلم......................................................................................39
من حِكم تعدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم .................................................................41
حزم أبي بكر في تربية أولاده......................................................................43
مراجعة أم المؤمنين عائشة النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يُشكل عليها................44
الشؤون المنزلية..............................................................................................52
فَرْض النبي صلى الله عليه
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
وسلم العطية لأزواجه بعد فتح خيبر..........................................54
زيادة عمر رضي الله عنه في أعطيات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في عهده .................................56
العشرة الزوجيَّة ونظر الإسلام إلى المرأة مقارنة بنظر الشرق والغرب........57
مكانة عائشة رضي الله عنها عند الرسول الله صلى الله عليه وسلم ................................................58
سبب حُبّه صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها .......................................................................60
مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند عائشة رضي الله عنها ...........................................................62
نماذج من غَيْرة عائشة رضي الله عنها على الرسول صلى الله عليه وسلم ..........................................63
مداراة الزوجة...............................................................................................65
الملاطفة والمؤانسة.........................................................................................67
المُواكلة........................................................................................................69
الصحبة في السفر.........................................................................................70
الدلال............................................................................................................71
غيرتها رضي الله عنها من خديجة رضي الله عنها ونماذج من تدللها........................................72
القيام بالأعمال المنزلية.................................................................................74
الطاعة واتباع الأحكام................................................................................75
النبي صلى الله عليه وسلم ربّاها على السخاء والكرم........................................................77
التَعَايُشُ الزوجي............................................................................................78
القيام بواجب النبوة في البيت.......................................................................80
الفصل الثالث: معاملتها مع الضّرائر والأقارب...........................................83
تنبيه على بعض الروايات الضعيفة...............................................................95
فهرس النسخة المطبوعةعرض الفهرس
علاقة السيدة عائشة الصديقة الوطيدة بالسيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها .....98
الفصل الرابع: آيات نزلت بسبب عائشة......................................................103
أولاً حديث الإفك..........................................................................................105
أهداف المنافقين من وراء حادث الإفك........................................................114
موقف المستشرق «وليم موير» من حديث الإفك..........................................116
ثانيا: مشروعية التيمّم..................................................................................117
الفصل الخامس: وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.ووفاتها رضي الله عنها .....................................119
أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ...........................................121
سببُ رغبته صلى الله عليه وسلم في التمريض في بيت عائشة.............................................121
رؤيا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ........................................................................124
وفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها ........................................................................126
الخاتمة .........................................................................................................129
صفحة 10 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

المقدمة

الحمد الله وحده والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه ومن اقتدى بهديهم إلى يوم الدين.

أما بعد ،،

فقد دأبت مبرتكم «مبرة الآل والأصحاب» على نشر تراث آل البيت والصحابة سواء كان بتأليفٍ منها أو باعتماد تآليف من خارجها، وقد ارتأينا في هذا الإصدار أن يكون من جهد رجل من آل البيت النبوي وهو «السيد سليمان الندوي» من علماء الهند رحمه الله ليحدثنا عن أم المؤمنين وزوجة سيد المرسلين عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها.

وقد انتخبنا من كتابه سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها هذه المادة الموجزة مع بعض الإضافات فيما يحتاج إلى إضافة، فكان الكتاب مبنياً من تمهيد وسبعة فصول عسى الله أن ينفع بها في الدنيا والآخرة.

مركز البحوث والدراسات بالمبرة

صفحة 12 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

تمهيد

الاسم والكنية والنسب

كان اسمها الذي عُرفت به عائشة(1) ، ولقبها الصّدِّيقة(2) ، وكانت تخاطب بأم المؤمنين وتكنى بأم عبد الله، وأحياناً كانت تلقب بالحميراء(3) ، وكثيراً ما ناداها النبي صلى الله عليه وسلم بـ «بنت الصِّديق»(4) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كنية السيدة عائشة رضي الله عنها

كما هو معروف فإن العرب يعدّون التكني من علامات الشرف، ورمزاً للفضل والافتخار، وعائشة رضي الله عنها لم تكن لها ذرية ولم تلد ولداً، ومع ذلك فلم يصبها حزن أو تأسف على ذلك، فلم تشتكِ طول حياتها، وكان من عادة أشراف العرب أنهم كانوا يكتنون بأسماء أولادهم، فلا يناديهم أحد بأسمائهم الأصلية، بل كانوا يخاطبون بكناهم، فقالت عائشة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كل صواحبي لهن كنى، قال: «فاكتني بابنك عبد الله، يعني ابن أختها، فكانت تكنى بأم عبد الله»(5) وقد أشكلت هذه الكنية على ابن الأعرابي، فروى أنها أسقطت ولداً سماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله، فكانت لهذا تكنى بأم عبد الله(6) ولكن هذه الرواية واهية، في غاية الضعف سنداً، والصحيح الثابت الذي نصت عليه الأحاديث أنها لم تلد(7) .

والمراد بعبد الله هو ابن أختها عبد الله بن الزبير أول مولود في الإسلام بعد الهجرة، وكانت اليهود تقول: قد أخذناهم فلا يولد لهم ولد ذكر، فكبّر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين وُلد عبد الله، ولما ولد أخذه الرسول صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره وأتى بتمرة فمصَّها ثم مضغها ثم وضعها في فيه فحنّكه بها، فكان أول شيء دخل بطنه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم(8) وقد تربى في كنف عائشة رضي الله عنها، وكانت تحبه حباً شديداً، وهو

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كذلك يحبّها أكثر من أمّه، كما أن عائشة رضي الله عنها كانت تربي أيتاماً آخرين في حضنها وتحت رعايتها.

روى عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه أنه قال: كانت عائشة تليني وأخاً لي يتيمين في حجرها، فكانت تخرج من أموالنا الزكاة(9) . وقصة تربيتها لبنت أنصارية وتزويجها مذكورة في كتب الأحاديث، تقول رضي الله عنها: كانت في حجري جارية من الأنصار فزوجتها، قالت: فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم عرسها فلم يسمع لعباً فقال: «يا عائشة هذا الحي من الأنصار يحبّون كذا وكذا»(10) .

وقد ظفر جماعة من الأفذاذ بالتخرج من مدرسة أم المؤمنين، فربتهم في حجرها وعلمتهم مما علمها الله ورسوله، فخرجت جيلاً من حفظة الإسلام وعلماءه منهم: أسماء بنت عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق(11) ، وعروة بن الزبير(12) ، وعمرة بنت عبدالرحمن الأنصارية(13) ، وعائشة بنت طلحة(14) ، ومن التابعين القاسم بن محمد ومسروق وغيرهم كثير جداً(15) .

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

نسبها من أبيها

عائشة بنت أبي بكر الصديق بن أبي قحافة بن عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن فهر بن مالك.

كان اسم والدها عبد الله، وكنيته أبا بكر، وقد اشتهر بلقب الصَّدَّيق، وأمها أم رومان.

نسبها من أمها

أم رومان بنت عامر بن عويمر بن عبد شمس بن عتاب بن أذينة بن سبيع بن وهبان بن حارث بن غنم بن مالك بن كنانة.

ويلتقي نسبها مع نسب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجدّ السابع، ومن قِبل الأم في الجد الحادي عشر أو الثاني عشر.

وقد توفّي أبوها أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه في سنة 13 هـ، واختلفوا في سنة وفاة أم رومان فقيل: إنها توفيت في السنة الخامسة أو السادسة من الهجرة(16) ، في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.

وهذا لا يصح، فقد أثبتت الروايات الصحيحة أنها كانت على قيد الحياة في خلافة أبي بكر رضي الله عنه، حيث ذكر اسمها في جملة الأحاديث الواردة في حادثة الإفك، كما صحّ أنها كانت حية تُرزق في السنة التاسعة من الهجرة، العام الذي وقع فيه حادث التخيير(17) .

وأورد الإمام البخاري في صحيحه رواية مسروق عنها بإسناد متصل(18) كما ذكرها في التاريخ الصغير ممن توفوا في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، واعترض على القول(19)

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الأول، وأيده الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله، وأثبت ذلك بدلائل مقنعة ودراسة تحقيقية وافية في كتابه «تهذيب التهذيب»(20) وانتهى منها إلى أن الصواب هو ما قاله البخاري.

الولادة

كانت أم رومان قبل بناء الصديق رضي الله عنه بها زوجاً لصاحبه في الجاهلية عبد الله ابن الحارث الأزدي، فلما توفي عبد الله تزوجها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وولدت له اثنين: عبد الرحمن وعائشة رضي الله عنها. هذا ولم ترو لنا كتب السير والتراجم تاريخ ولادة عائشة رضي الله عنها بالضبط، إلا أن بعض مؤلفي السير والتاريخ نقلوا عن ابن سعد قوله في الطبقات(21) : إن ولادتها كانت في بداية السنة الرابعة من النبوّة، وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة العاشرة من النبوّة في شوال وهي بنت ست سنين، وهذا لا يصحّ. لأنه لو قُدر مولدها في بداية السنة الرابعة من النبوة للزم أن يكون عمرها في السنة العاشرة سبع سنوات وليس ست سنوات.

والواقع أن هناك عدة أمور ثابتة في موضوع سنّها رضي الله عنها، وهي:

أنها تزوجت قبل الهجرة بثلاث سنوات، وهي بنت ست سنين. رسول الله صلى الله عليه وسلم أعرس بها في شوّال، في السنة الأولى من الهجرة وهي بنت تسع سنين. أن الرسول صلى

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الله عليه وسلم توفّي عنها في ربيع الأول، في السنة الحادية عشرة، وهي بنت ثماني عشرة سنة.

وعلى هذا وفي ضوء هذه الحقائق فيكون أصح تاريخ لولادتها هو شهر شوّال السنة التاسعة قبل الهجرة، الموافق يوليو «تموز» عام 614 م، وهو نهاية السنة الخامسة من البعثة.

وهناك أمر مهم يجب الإشارة إليه قبل الدخول في الوقائع التاريخية القادمة وهو: أن نَعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قضى في مكة ثلاثة عشر عاماً، وفي المدينة المنوّرة عشرة أعوام من حياته النبوية، وبمولد عائشة يكون قد مضى على البعثة النبوية أربعة أعوام، ودخلت في السنة الخامسة. هذا ولم تبلغ أسرة من الأسر المسلمة ما بلغته أسرة أبي بكر الصديق في جهادها وتضحيتها في سبيل نشر دعوة الإسلام.

فكان منزله هو ذلك المكان المبارك الذي يحمل في طيّاته أسمى معاني الشرف والسعادة والعزة والوقار، حيث سطع في هذا البيت المبارك نور الإسلام، وبالتالي فعائشة رضي الله عنها من سعيدات الحظ، اللاتي لم يقرع أذنيها صوت من أصوات الشرك أو الكفر.

تقول رضي الله عنها: «لم أعقل أبويّ إلا وهما يدينان الدين»(22) وقد أرضعتها زوجة وائل أبي القعيس، فكان أخو وائل أفلح عمَّها من الرضاعة يأتي أحياناً لزيارتها فتأذن له عائشة بإذن من الرسول صلى الله عليه وسلم، وتقول رضي الله عنها: «إن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها، وهو عمها من الرضاعة، بعد أن أُنزل الحجاب، قالت: فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله صلى

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الله عليه وسلم أخبرتُه بالذي صنعتُ، فأمرني أن آذن له»(23) كما أن أخاها من الرضاعة أيضاً كان يزورها في بعض الأحيان(24)

الطفولة

إنّ العباقرة تبدو معالم عبقريتهم منذ نعومة أظفارهم وتظهر جليةً في كل ما يصدر منهم من الأقوال والأفعال، وتتلمع آثار رفعتهم وعلامات سعادتهم على نواصيهم، تُنبئ عن المستقبل الباهر والرائع لهم وتوحي بأنهم يصنعون العظام.

وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت من هؤلاء العباقرة، فقد نشأت في بيت كان يزوره رسول الله صلى الله عليه وسلم يومياً، وفي بيتٍ انطلقت منه الهجرة النبوية التي غيّرت مسار التاريخ بلا شك، وكانت ترى من أبويها الصلاة وقراءة القرآن والأحداث اليومية للدين الإسلامي والنبي الكريم مما يصقل شخصيتها.

جاء عن عائشة رضي الله عنها «لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طرفي النهار بكرة وعشية، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتفق عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه وكان أبو بكر رجلاً بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن»(25) .

وقالت عائشة: «فبينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبو بكر: فداءً له أبي وأمي والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. قالت: فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له فدخل فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: أخرج من عندك، فقال أبو بكر:

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إنما هم أهلك بأبي أنت يا رسول الله، قال: فإني قد أذن لي في الخروج، فقال أبو بكر الصحابة(26) بأبي أنت يا رسول الله؟، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم، قال أبو بكر فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال صلى الله عليه وسلم: بالثمن، قالت عائشة: فجهزناهما أحسن الجهاز وصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، قالت: ثم لحق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر بغار في جبل ثور فقمنا فيه ثلاث ليال يبيت عندهما عبد الله ابن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن فيدلج من عندهما بسحر فيصبح مع قريش بمكة كبائت فلا يسمع أمراً يكتادان(27) به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام ويرعى عليهما عامر بن فهيرة مولى أبي بكر منحة من غنم فيريحها عليهما(28)

فسيما الرفعة وعلوّ الدرجة والسعادة كان يلوح منذ صباها في سائر أعمالها وحركاتها، لكن كما هو معروف فإن الطفل في فطرته وطبيعته، مهما بلغ أوج السعادة وقمة الشرف، فهو يحب اللعب نظراً لسنّ طفولته. وعائشة رضي الله عنها كذلك كانت تحب اللعب كثيراً، فكانت جواري الحيّ تجتمع عندها وتلعب معها، إلا أنها رغم هذه الطفولة وصغر السن لا يفوتها أن تراعي أدب النبي صلى الله عليه وسلم في كل لحظة، وغالباً ما يحدث أن تكون ملهوفة على لُعبها ومعها صواحبها، لكن الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم الذي كان حنوناً على الأطفال، مُحباً لهم، رؤوفاً بهم، وشفيقاً عليهم، يأمرهن أن يلعبن معها.

وتقول عائشة إنها كانت تلعب بالبنات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: «وكانت تأتيني صواحبي، فكن ينقمعن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسَرِّبُهُنّ(29) إليّ»(30) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ورأى بين البنات فرساً له جناحان من رقاع، فسألها: ما هذا يا عائشة؟ فقالت: فرس، فقال: وما هذا الذي عليه؛ قالت: جناحان: قال: فرس له جناحان!!؟ فردت عليه مرتجلة: أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟! فضحك الرسول صلى الله عليه وسلم(31) على هذا الرد الارتجالي المقنع، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على قوتها الطبيعية الفائقة في الإسراع في الجواب، والذكاء المتوقد، وسرعة إدراك الأمور.

إن طبيعة الأطفال في كل عصر تكون واحدة حيث إنهم لا يبالون بشيء، ولا يُهمهُّم أمر، ولا تلفت نظرهم قضية حتى سن السابعة والثامنة، إلا أن السيدة عائشة رضي الله عنها قد اختلفت طبيعتها عن الآخرين في هذا الشأن، فنرى أنها كانت تحفظ كل ما حدث أيام طفولتها، وتُخزنه في ذاكرتها، وتفقه من أحاديثه صلى الله عليه وسلم ما تيسر لها أن تفقه، ثم ترويه، وتستخرج منه الحكم والمصالح من واقعات الطفولة الجزئية، حتى لو قرعت أذنيها آية من كتاب الله أثناء لعبها فإنها كانت تذكرها.

تقول رضي الله عنها: لقد أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة وإني لجارية ألعب ﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ(32)(33) ﴾ )( .

وعندما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم تكن عائشة تجاوزت الثامنة من عمرها لكنها كانت تفهم وتعي وتحسن الحفظ لأسرار وقائع الهجرة النبوية والجزئيات المتعلقة بها، ولم يدانها أحد من الصحابة في حفظ هذه الوقائع بالترتيب المسلسل كما حفظته هي(34) .

الفصل الأول

الزواج الميمون

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 22 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 23 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 24 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الفصل الأول: الزواج الميمون

كانت السيدة خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضي الله عنها أولى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأحبهن إليه، وقد بنى بها الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في نحو الخامسة والعشرين، وهي في نحو الأربعين، وقد سعدت بالبقاء معه صلى الله عليه وسلم زهاء خمس وعشرين سنة إلى أن أوفت على الخامسة والستين فاستأثرت بها رحمةُ الله تعالى في شهر رمضان في السنة العاشرة بعد البعثة، أي قبل الهجرة بثلاث سنوات، وكان سن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ خمسين سنة.

لقد كانت السيدة خديجة رضي الله عنها أول من آمن به صلى الله عليه وسلم وأول مَنْ أسلم على وجه الأرض، وكانت نعم القرين له في السراء والضراء، وقد أغدقت عليه من حنان الأمومة ما فاته في بواكير الطفولة، وأدركه عطفها وهو يعالج من نوازع الدعوة النبوية ثورة مقيمة مقعدة في سريرة النفس، لا تزال بين الجلاء والغموض وبين الإقدام والإحجام. ولما توفيت رضي الله عنها، لم يُعرف عنه صلى الله عليه وسلم أنه حزن على أحدٍ قط أشد من حزنه عليها، ولا أطال الذكرى لأحد قط بعد وفاته كما أطال ذكراها، حتى إنه قد صعبت عليه الحياة من شدة ما أصابته من هموم الوحدة والتفرد، فشق ذلك على صحابته المخلصين رضي الله عنهم وآلمهم ما لحظوه من حزن النبي صلى الله عليه وسلم على زوجه العزيزة عليه، فجاءت خولة بنت حكيم رضي الله عنها – امرأة عثمان بن مظعون(35) - إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله ألا تتزوج؟ قال مَن؟ قالت: إن شئت بكراً، وإن شئت ثيباً قال: ومَن البكر ومَن الثيب؟ قالت: أما الثيب فهي سودة بنت زمعة، وأما البكر فهي بنت أحب الخلق إليك، عائشة بنت أبي(36) بكر الصديق رضي الله عنه.

قال «فاذكريها لي» فأتت بيت أبي بكر وذكرت ذلك له، - وكان الناس في الجاهلية لا يتزوجون بنات إخوانهم بالتآخي، ويظنون أن المؤاخاة تمنع قرابة المصاهرة مثل بنات الأشقاء – فقال لها أبو بكر: وهل تصلح له؟ إنما هي ابنة أخيه؟ فرجعت خولة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت له ذلك، فقال: «ارجعي فقولي له: إنه أخي في الدين، وهي لي حلال»(37) فلما علم ذلك أبو بكر قَبل.

هذا وكانت عائشة مخطوبة قبل ذلك لجبير بن مطعم بن عدي، فتحرَّج أبو بكر من نقض خطبته قبل مراجعته فيما ينويه، فلقي أبا الفتى، فأقبل الأب على امرأته يسألها ما تقولين؟ - وكانت أسرة جبير لم تعتنق الإسلام ذاك الحين - فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مصب صاحبنا - مدخله في دينك الذي أنت عليه - إن تزوج إليك!(38) .

وعائشة رضي الله عنها كانت صبية في سنها الباكر، وقد تصدر منها بعض الأعمال والحركات التي لا ترضى بها أمها، فتعاقبها عليها، ويرى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فيحزنه، فيقول لأمها «يا أم رومان استوصي بعائشة خيراً واحفظيني فيها»(39) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 26 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

وذات مرة دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر رضي الله عنه، فوجد عائشة رضي الله عنها متسترة بباب أبي بكر تبكي بكاءً حزيناً، فسألها، فشكت أمها، وذكرت أنها تولع فدمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل على أم رومان فقال: «يا أم رومان ألم أوصك بعائشة أن تحفظيني فيها؟ فقالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها بلّغت الصديق عنّا، وأغضبته علينا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: وإن فعلت»(40) .

وقد ثبت في الأحاديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في المنام أن ملكاً يقدم إليه شيئاً في سَرَقَةٍ(41) من حريرٍ، فسأله الرسول صلى الله عليه وسلم فإذا هي عائشة.

روى البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أُريتُك قبل أن أتزوجك مرتين، رأيت المَلَكَ يحملك في سَرَقةٍ من حرير، فقلت له: اكشف، فكشف فإذا هي أنت، فقلت: إن يكن هذا من عند الله يمضه، ثم رأيتك يحملك في سرقة من حرير فقلت: اكشف، فكشف فإذا هي أنت، فقلت: إن يك هذا من عند الله يمضه»(42) .

ونكح صلى الله عليه وسلم عائشة وهي بنت ست سنين(43) وكان من أهداف هذا الزواج المبكر هو إحكام العلاقة وتوطيد الصلة وتوثيقها بين صاحبه أبي بكر، وإذا كان الجو الحار الذي يعيشه العرب في البلاد العربية يمهد الطريق إلى النمو غير العادي ويساعد في النشأة السريعة في النساء في جانب، فهناك جانب آخر وهو أن الشخصيات البارزة ذات الأهمية والمكانة العالية كما توجد لديهم مواهب خاصة واستعدادات غير عادية لتطوير وتنمية القوى الذهنية والفكرية، كذلك يتوافر فيهم استعداد كامل للنشأة والنضج المبكر من حيث الجسم، وعلى كلٍّ فإن موافقته صلى الله عليه وسلم على زواجه من عائشة رضي الله عنها في هذه السن

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المبكرة فيها دليل صريح وقاطع على ما كانت تتمتع به عائشة منذ صباها من غاية الذكاء المتوقد، وجودة القريحة، وقوة التفكير العالية، والبديهة الواعية، وبراعة في الاستنتاج والاستنباط.

وها هي عائشة تروي لنا قصة زواجها رضي الله عنها من رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: «تزوجني النبي صلى الله عليه وسلم وأنا بنت ست سنين فقدِمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن خزرجٍ فوعكت فتمرَّق(44) شعري فوفى جُميمةً فأتتني أمي أم رومان وإني لفي أُرجوحةٍ ومعي صواحب لي فصرخت بي فأتيتها لا أدري ما تريد بي فأخذت بيدي حتى أوقفتني على باب الدار وإني لأُنهج حتى سكن بعض نفسي ثم أخذت شيئاً من ماء فمسحت به وجهي ورأسي ثم أدخلتني الدار، فإذا نسوة من الأنصار في البيت فقلن على الخير والبركة وعلى خير طائرٍ، فأسلمتني إليهن، فأصلحن من شأني، فلم يرعبني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضُحى فأسلمتني إليه، وأنا يومئذ بنت تسع سنين»(45) .

هكذا تم حفل زفاف أم المؤمنين بكل تواضع وبأقصى درجات البساطة، ومما لا شك فيه أن فيه أسوة حسنة وقدوة طيبة لسائر البنات المسلمات، وفيه عبرة وعظة لأولئك الذين جعلوا الزواج في عصرنا الراهن من المشكلات، وأصبح رمزاً للإسراف والتبذير والإنفاق في اتباع الهوى وإرضاء الرغبات والشهوات، ومَعلماً للطقوس والتقاليد والعادات التي تعارض مبادئ الإسلام وديننا الحنيف.

أفلم يكن زواج الرسول صلى الله عليه وسلم تكذيباً عملياً لما اختلقه الناس وابتدعوه في حفلات زواجهم؟ واسمعوا إلى قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:«فما دريت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجني، حتى أخذتني أمي فحبستني في البيت عن الخروج، فوقع في نفسي أني تزوجت، فما سألتها حتى كانت أمي هي التي أخبرتني»(46) .

مهر السيدة عائشة رضي الله عنها

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يتبين من روايتي الإمام ابن سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دفع إلى عائشة ثمن المهر بيتاً قيمته خمسون أو نحو خمسين(47) ، وهذا لا يصح روايةً و لا درايةً، لأن المبلغ لا يمكن أن يُشترى به حتى بيت صغير، وجاء في رواية ابن إسحاق أن المهر كان أربعمائة درهم(48) .

وهناك رواية أخرى عند ابن سعد نفسه عن عائشة تقول:«كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنتى عشرة أوقية ونشاً، فذلك خمسمائة درهم، قالت عائشة:«الأوقية أربعون، والنش عشرون»(49) .

وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونشاً، قالت: أتدري ما النش؟ قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمئة درهم، فهذا صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه»(50) .كذا ثبت في مسند الإمام أحمد بن حنبل(51) .

هذا ولو قورن صداق عائشة بالمغالاة التي عمت في المهور في مجتمعنا اليوم لتبين لنا الفرق الشاسع بينهما، والأخطر من ذلك أن التقليل في المهور أصبح الآن رمزاً لإذلال وإهانة الأسر وتحقيرها، والحطّ من مكانتها الاجتماعية، ومن ثمَّ فالسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل توجد اليوم أسرة تفوق أسرة الصديق بل تدانيها في الفضل والشرف والسعادة والمكانة؟ وهل شهد العالم الإنساني اليوم بنتاً هي أرفع مكانة وأعلى شرفاً وأسمى منزلة من بنت الصديق؟ سيكون الجواب بالتأكيد النفي.

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التاريخ الذي تزوجت فيه أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

اختلفت الأقوال في تعيين التاريخ الذي نكح فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عائشة، فقال العلامة بدر الدين العيني:«تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة بسنتين، وقيل: بثلاث، وقيل: بسنة ونصف أو نحوها في شوال، وهي بنت ست سنين، وقيل: سبع، وبنى بها في شوال أيضاً بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة....»(52) .

بينما تقول بعض الروايات إن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوجها بعد وفاة خديجة رضي الله عنها بثلاث سنوات، ويقول أهل السير والتراجم إنها تزوجت في نفس العام الذي توفيت فيه خديجة رضي الله عنها.

وكان بإمكاننا أن نحدد تاريخ زواجها بتاريخ وفاة أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، لكن تاريخ وفاتها أيضاً مختلف فيه بين العلماء، فمن قائل: إنها توفيت قبل الهجرة بخمس سنوات، ومن قائل قبل الهجرة بأربع سنوات، ومن قائل قبل الهجرة بثلاث سنوات، حتى عائشة رضي الله عنها نفسها روت لنا روايتين مختلفتين في هذا الصدد كما في صحيح الإمام البخاري ومسند الإمام أحمد ابن حنبل، فرواية تقول «ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، قالت:«وتزوجني بعدها بثلاث سنين»(53) . وأخرى تقول:«إنه تزوجها في نفس السنة»(54) . والجمع بينهما بأن الأولى تعني أن خوَّل بها والثانية بمعنى العقد عليها، كما قال الإمام النووي، ونقله عنه في فتح الباري (7/136).

هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة

مكثت عائشة رضي الله عنها في بيت أمها بعد نكاحها حوالي ثلاث سنين، سنتان وثلاثة أشهر في مكة، وسبعة أشهر في المدينة المنورة بعد الهجرة.

ومعلوم تاريخياً أن المسلمين هاجروا من مكة مرتين، الهجرة الأولى كانت إلى بلاد الحبشة، والهجرة الثانية كانت إلى المدينة، وإن عائشة رضي الله عنها تابعت موضوع الهجرة

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقصتها بكل دقة وبراعة، وها هي تحكي لنا قصة هجرة أبي بكر رضي الله عنه وما أصابه من الأذى في سبيل دينه، حتى خرج من مكة مهاجراً قِبَل الحبشة، تقول رضي الله عنها:«حتى إذا بلغ بَرْك الغِماد لقيه ابن الدِّغِنّة، وهو سيد القارة(55) فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبوبكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدِّغِنّة: فإن مثلك لا يَخْرُج ولا يُخْرَج، إنك تكسِب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتقري الضّيف وتُعين على نوائب الحق، فأنا لك جار ارجع.....فرجع وارتحل مع ابن الدِّغِنّة، فطاف الدِّغِنّة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يَخرج مثله ولا يُخرج... الحديث»(56) ويحتمل أن تكون عائشة وأهلها كلهم كانوا مع أبي بكر في هذه الرحلة.

وأما الهجرة الثانية: فإنه لما اشتد الظلم على المسلمين في مكة، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وظلت المصائب والمشاق تزداد عليهم يوماً بعد يوم من قِبَل المشركين، وتعرّضوا لأقسى أنواع الأذى والاضطهاد نوى الرسول صلى الله عليه وسلم الهجرة إلى المدينة.

ولنسمع قصة هذه الهجرة من فم عائشة رضي الله عنها تقول: لم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم طَرَفَيْ النهار بُكرة وعَشَية، فبينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنّعاً في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبوبكر: فداءٌ له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر..... فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أَخرج مَن عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك، بأبي أنت يا رسول الله، قال: فإني قد أُذن لي في الخروج، قالت عائشة: فجهزناهما «الراحلتين» أحثَّ الجهاز، وصنعنا لهما سُفرة في جِراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب.....»(57) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهكذا هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر رضي الله عنه إلى المدينة، وتركوا أهاليهم بين هؤلاء الأعداء، وحلّ الركاب النبوي المبارك بالمدينة في الثاني عشر من شهر ربيع الأول من العام الرابع عشر من البعثة.

ولما استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة أرسل كلاً من زيد بن حارثة وأبي رافع إلى مكة لكي يأتيا بأهله، وبعث أبو بكر معها عبد الله بن أُرَيْقط الليثي، وكتب إلى ابنه عبد الله يأمره أن يحمل أهله أم رومان وعائشة وأسماء فخرج بهم عبد الله، وخرج زيد وأبو رافع بفاطمة وأم كلثوم وسودة وأم أيمن وأسامة، اصطحبوا جميعاً، حتى إذا كانوا في طريقهم إلى المدينة نفر بعير عائشة رضي الله عنها، فجعلت أمها تقول: وابنتاه، واعروساه، حتى أُدرك البعير وقد هبط، فقدموا المدينة، فنزلت عائشة مع عيال أبي بكر، ونزل آل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ يبني المسجد وأبياتاً حول المسجد فأنزل فيها أهله(58) .

بناؤه صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين عائشة

نزلت عائشة رضي الله عنها مع أهلها في حي بني الحارث بن الخزرج(59) وأقامت هناك مع أمها ما يقارب سبعة أو ثمانية أشهر، وكانت المدينة المنورة أرضاً وبئة، فتأثر المهاجرون بمناخها هذا لما سكنوا فيها، فمرض بعضهم بالحمّى والسقم حتى أجهدهم ذلك، وأصيب أبو بكر رضي الله عنه بالحمّى الشديد أيضاً، فكانت عائشة تعوده و تستخبر حاله، تقول رضي الله عنها: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وعك أبو بكر وبلال، فدخلت عليهما، فقلت: يا أبتِ كيف تجدك؟ قالت: فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كُلُّ امرئ مصبح في أهله والموت أدني من شراك نعله

قالت: فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال: «اللهم حبِّب إلينا المدينة كحبنا مكة، أو أشدّ وصحّحها، وبارك لنا في صاعها ومُدّها، وانقل حُمَّاها، فاجعلها بالجحفة»(60) .

ثم تأثرت عائشة رضي الله عنها نفسها بهذا المناخ الذي لم تألفه من قبل فمرضت، فكان أبو بكر رضي الله عنه يأتيها ويقبلها ويقول: كيف أنت يا بنية؟ وكان المرض شديداً حتى تمرق شعرها، تقول رضي الله عنها فقدمنا وهي تحكي لنا هذه القصة «فقدمنا المدينة فوعكت شهراً فوفى شعري جميمة»(61) .

ولما شُفيت أخذت أمها تهيؤها للزواج وتعالجها، ثم قال أبوبكر: يا رسول الله ما يمنعك أن تبني بأهلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الصداق، فأعطاه أبو بكر اثنتي عشرة أوقية ونشاً، فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عائشة(62) وفي هذا عبرة وعظة للذين يتساهلون في أداء المهور، مع أنه حق ثابت للمرأة، وألزم الله سبحانه وتعالى الزوج أن يقدمه لزوجته تعبيراً عن تقديره لها.

وها هي تصف لنا بنفسها قصة زفافها وبناء الرسول صلى الله عليه وسلم بها، فتقول: «تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم لست سنين، وبنى بي وأنا بنت تسع سنين، قالت: فقدمنا المدينة... فأتتني أم رومان وأنا على أرجوحة، ومعي صواحبي، فصرخت بي فأتيتها، وما أدري ما تريد بي، فأخذت بيدي، فأوقفتني على الباب، فقلت: هه، هه، حتى ذهب نفسي، فأدخلتني

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بيتاً، فإذا نسوة من الأنصار، فقلن: على الخير والبركة، وعلى خير طائر، فأسلمتني إليهن، فغسلن رأسي، وأصلحنني، فلم يرعني إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحى، فأسلمنني إليه(63)

وهذه أسماء بنت يزيد إحدى صديقات عائشة رضي الله عنها تحكي لنا عمّا قُدّم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أنواع القِري(64) عند حفل الزفاف، تقول: كنت صاحبة عائشة التي هيأتها وأدخلتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فو الله ما وجدنا عنده قِرى إلا قدحاً من لبن، قالت: فشرب منه، ثم ناوله عائشة، فاستحيت الجارية، فقلنا: لا تردّي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، خذي منه، فأخذته على حياء، فشربت منه، ثم قال: ناولي صواحبك، فقلنا: لا نشتهيه، فقال: لا تجمعن جوعاً وكذباً، قالت: فقلت يا رسول الله إن قالت إحدانا لشيء تشتهيه: لا أشتهيه، يعد ذلك كذباً؟ قال: إن الكذب يكتب كذباً، حتى تكتب الكذيبة كذيبة»(65) .

هذا وقد كان بناؤه صلى الله عليه وسلم بها نهاراً في شوال السنة الأولى من الهجرة على أصح الأقوال، بينما قال العلامة بدر الدين العيني في عمدة القاري: «وبنى بها في شوال أيضاً بعد وقعة بدر في السنة الثانية من الهجرة.....»(66) .

وهذا لا يصح، لأنه يقتضي أن يكون عمرها عند بنائه صلى الله عليه وسلم بها عشر سنين، مع أن كتب الأحاديث والتاريخ والسير مُجمعةٌ على أنها كانت بنت تسع سنين عند البناء.

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أهم مميزات نكاحه صلى الله عليه وسلم بأم المؤمنين عائشة وبنائه بها

وهكذا اتضحت لنا صورة واقعية لحفل زفاف عائشة رضي الله عنها، وكيفية أداء صداقها وبنائه صلى الله عليه وسلم بها، وكيف تم ذلك كله في غاية من السهولة والبساطة والتواضع دون أيِّ تكلّف أو تنعّم ولا إسراف ولا تبذير. ﴿ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ(67) ﴾ .

ومن أهم المميزات التي تميز بها زواجها أنه قضى على كثير من الطقوس والتقاليد غير الإسلامية، والعادات غير الشرعية، التي قد رسخت جذورها في المجتمع العربي، كما أنه استأصل تلك الجذور وأبدل بها خير طريقة وأحسن منهاج يتمتع بالسهولة والسماحة واليسر، ومن هذه الطقوس والتقاليد التي غيَّرها هذا النكاح:

1-أن العرب ما كانوا يستبيحون الزواج مع ابنة الصَدِيق الأخ ويظنون أن الصحبة والمؤاخاة تبلغ مبلغ القرابة التي تمنع المصاهرة، وتلك خولة بنت حكيم لما أخبرت أبا بكر رضي الله عنه عن رغبة النبي صلى الله عليه وسلم في زواجه من ابنته سألها أبو بكر مستغرباً: وهل تصلح له؟ لأنها بنت أخيه، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم على هذه النظرية، وقال: «هي حلال لي، وأنت أخ في الإسلام»(68) .

2-أن العرب ما كانوا يتزوجون في شهر شوّال في الزمن الأول، فقصد النبي صلى الله عليه وسلم رفع هذا الوهم والتوهم عند الناس في كراهية الدخول بالنساء في شوال(69) .

ولذلك كانت عائشة رضي الله عنها تحب أن تدخل النساء من أهلها وأحبتها في شوال، وتقول:«تزوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوّال، وبنى بي في شوّال، فأي نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت أحظى مني«وكانت عائشة تستحب أن تدخل نساؤها في شوال»(70) .

الفصل الثاني

عائشة رضي الله عنها

في مدرسة النبوة

الفصل الثاني: عائشة رضي الله عنها في مدرسة النبوة

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 36 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 37 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 38 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الدراسة وطلب العلم

كانت البيئة العربية خالية من التعلم والدراسة، ولم يكن هناك أي رواج لطلب العلم في صنف الرجال، فما بالك بالنساء ؟.

ولما جاء الإسلام كان في قريش بضعة عشر شخصاً يعرفون القراءة والكتابة، من بينهم امرأة واحدة، وهي الشفاء بنت عبد الله العدوية(71) .

إن تطوير فن القراءة والكتابة وترويجهما وإشاعتهما، وإيلاءهما اهتماماً كبيراً مع نشر دعوة الإسلام إنما يعتبر من أهم البركات الدنيوية التي أفاض بها الإسلام على الناس جميعاً، وهو الجميل العظيم والمنّ الكبير الذي أسداه الإسلام إلى البشرية جمعاء. وخير دليل على ذلك ما حدث يوم بدر، حيث أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الأسرى الذين لم يجدوا ما يفتدون به أنفسهم أن يعلّموا أولاد الأنصار الكتابة(72) ، كما أن أصحاب الصُّفّة الذين بلغ عددهم حوالي مئة شخص كانوا يركزون على جانب القراءة والكتابة ويتعلمونها، وكانوا يتعلمون الدين والأحكام الشرعية.

أما بالنسبة لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم فكانت حفصة وأم سلمة هما اللتان تعرِفان القراءة والكتابة، وكانت حفصة قد تعلّمت ذلك من الشفاء العدوية(73) .

وهناك بعض الصحابيات(74) الأُخريات اللواتي تعلمن القراءة والكتابة.

وعائشة رضي الله عنها قد نالت من هذا العلم الحقيقي حظاً وافراً ونصيباً كاملاً، ولم يقتصر مجال تعلمها ونطاق دراستها على حصول العلوم الدينية فحسبُ، بل كانت بارعة حتى في علوم التاريخ والطب(75) والأدب، وقد ورثته من أبيها(76) .

أما الطب فقد تعلمته من وفود العرب التي كانت تفد على الرسول صلى الله عليه وسلم وتنعت له الأنعات، لما سألها عروة فقال: أعجب من علمك بالطب كيف هو؟ ومن أين هو؟ فقالت: أي عُرَيّة إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسقم عند آخر عمره أو في آخر عمره، فكانت تقدم عليه وفود العرب من كل وجه فتنعت له الأنعات، وكانت أعالجها له فمن ثَمّ»(77) .

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 40 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

من حِكم تعدد أزواج النبي صلى الله عليه وسلم

لعله من حكمة الله في الأمور الدينية والدعوية أن تتعدد زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وتتعدد صلات المصاهرات بينه وبين مختلف القبائل في الجزيرة العربية، ولعل أكبر مصلحة دينية ودعوية في تعدد أزواجه صلى الله عليه وسلم، وزواجه من عائشة في السن المبكر هو أن مئات من الرجال قد سنحت لهم الفرصة لنيل شرف صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، فاقتبسوا من أنوار فيوضه، وارتووا من منهله العذب الفياض، واستضاؤوا من أنواره، وبلغوا قمة العز والسعادة والشرف.

أما النساء فلم يتيسر لهن ذلك، ولم تتوافر لديهن هذه الفرصة، نظراً إلى الفرق في الفطرة والجبلّة، وبالتالي فكان حظهن أقل بكثير من حظ الرجال ونصيبهم إلا الزوجات المطهرات فقد متعهن الله بهذه النعمة الكبيرة وأكرمهن بهذه السعادة العظيمة، وكان بإمكانهن أن يشاركن الرجال في هذه السعادة، ثم يقمن ببث هذه السعادة ونشرها وإبلاغها إلى صنف النساء، ويكنّ سفراءه صلى الله عليه وسلم إلى سائر نساء العالم، ويقمن بإعادة سيرته المطهرة، ينشرن تفاصيلها للناس، كأن الوحي لم ينقطع، وكأنهن من أنواره في شمس لا يُلِمّ بها أفول.

هذا وقد كانت الأزواج المطهرات اللاتي تزوجهن الرسول صلى الله عليه وسلم وأكرمهن الله تعالى به استفدن من فيوض النبوة وبخاصة عائشة رضي الله عنها، ولما دخلت في سن طلب العلم والدراسة غشيتها أنوار السعادة، وأخذت بها إلى دار مباركة، ألا وهي دار النبوة والرسالة، ولم يكن كل ذلك إلا لكي تبرز شخصيتها، وتصبح منارة نور وهداية، ومنبع خير وبركة تستقي منها النساء، ويرجعن إليها في كل ما تراجع فيه السنن النبوية من شؤون عامة وخاصة.

وكان أبوها أبو بكر الصديق رضي الله عنه أعلم قريش بأنسابها وبالشعر(78) ، وكان مستشاراً في الأنساب لشعراء الإسلام الذين انبروا للدفاع عن دينهم ورسولهم بأبلغ عبارة وأصدق بيان ضد من يحاولون النيل من شعراء قريش(79) ، فترعرعت عائشة في حضن هذا الوالد العظيم، وكانت بنت أبيها في أكثر من خصلة، ولكنها كانت أشبه ما تكون به في صفة الذكاء المتوقد، والبديهة الواعية، ولم تقصر فيها عن شأوه، بل لا نحسبها قصرت عن شأو واحد من معاصريها من الرجال والنساء على السواء في سرعة الفهم، وقدرة التحصيل، والإحاطة بكل ما يقع في متناول ذهنها، فكانت تقتدي بأبيها في حفظ الأخبار والأنساب، وكانت توّاقة إلى معرفة تواريخ الأمم. وغزارة العلم بيّنة في لغة السيدة عائشة، فقد كان لها أسلوب في اللغة لا يتهيأ بغير محصول كبير من أخبار العربية التي تستقى من أعرق مصادرها، وذلك لأنها كانت قد قبست من ميراث طِباع ومَلَكات أبيها الأدبية والشعرية(80) ، وذوقه الرفيع وجودة القريحة.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 42 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

حزم أبي بكر في تربية أولاده

كان أبو بكر رضي الله عنه حازماً في تربية أولاده، ومن حزمه في التربية أنه كان يغضب على أولاده من أجل أمور عادية وبسيطة(81) . وعائشة كانت تخاف أباها من أخطائها حتى بعد الزواج(82) ، وقد عاتبها أبو بكر رضي الله عنه في عدة مواضع(83) وقد حدث ذلك مرة أمام النبي صلى الله عليه وسلم فأنقذها صلى الله عليه وسلم(84) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

مراجعة أم المؤمنين عائشة النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما يُشكل عليها

هذا ولم يكن هناك ساعات محدّدة أو حصص خاصة لتحصيل العلم؛ لان معلّم الشريعة صلى الله عليه وسلم كان بنفسه موجوداً في البيت، وكانت تنال شرف صحبته ليل نهار، وحلقات العلم والدعوة والإرشاد تقام في المسجد النبوي يومياً، وحجرتها رضي الله عنها كانت ملاصقة للمسجد، ولذا فإنه كانت تتوافر لها فرص الاستفادة من تلك الدروس التي يلقيها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أمام الجماهير خارج البيت، وحين يُشكل عليها أمر من الأمور ولا تفهمه أو لا تسمعه جيداً فإنها كانت تستفسر من النبي صلى الله عليه وسلم عنه عندما يأتي البيت(85) ، أحياناً تقترب من المسجد حتى تسمع من قريب، كما أنه صلى الله عليه وسلم كان قد خصص يوماً في الأسبوع لتعليم النساء ووعظهن(86) ، فكانت تعي من سنن النبي صلى الله عليه وسلم في مختلف القضايا وشتى العلوم والمعارف في اليوم والليلة.

وكان من عادتها أنها كانت كثيرة السؤال، لا يهدأ لها بال حتى تُرضي طمأنينتها، وتجلو لنفسها كل خفي حتى تحيط به، فكانت ذات مرة قد سمعت قول الرسول صلى الله عليه وسلم:«مَن حوسبً عُذَّب» فقالت له: إن الله تعالى يقول: ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا(87) ﴾ فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: «إنما ذلك العرضُ، ولكنْ من نُوقِشَ الحسابَ هلك»(88) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وذات مرة تلت قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ(89) ﴾ - وفي رواية – قوله تعالى ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾.

وسألت أين الناس يومئذ يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «على الصراط»(90) .

ولمَّا سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «يُحشَرُ النّاسُ يومَ القيامةِ عُراةً»، سألت هل ينظر الرجال والنساء بعضهم إلى بعض؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: الأمرُ أشدُ من أن يهمَّهم ذاك»(91) ، وفي رواية مسلم: «يا عائشة! الأمرُ أشدُ من أن ينظرَ بعضُهم إلى بعض».

وسألت مرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: هل يذكر الحبيب حبيبه يوم القيامة؟ فقال: «يا عائشة أما عند ثلاث فلا، أما عند الميزان حتى يثقل أو يخفَّ، وأمَّا عند تطاير الكتب فإما أن يُعطى بيمينِه أو يُعطى بشمالهِ فلا، وحين يخرج عنق من النار فينطوي عليهم، ويتغيظ عليهم، ويقول ذلك العنق: وُكّلت بثلاثة.....»(92) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وسألته يوماً عن الكفار والمشركين إذا عملوا عملاً صالحاً في الدنيا فهل يثابون عليه أم لا؟ وذكرت عبد الله بن جدعان من مشركي مكة، الذي كان رجلاً صالحاً رفيقاً بالناس، وقد أنشأ مجلساً للتصالح، أطلق عليه «حلف الفضول» جمع فيه كل رؤساء قريش لإيقاف الحرب الناشبة والمستعرة فيما بين قريش وكنانة، قبل مجيء الإسلام، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم أحد أعضاء هذا المجلس، فسألت الرسول صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم، ويطعم المساكين، ويحسن الجوار، ويقري الضيف، فهل ذاك نافعه؟ قال: «لا يا عائشة! إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين»(93) .

وكما هو معلوم فإن الجهاد ذروة سنام الإسلام، وركيزة أساسية من ركائز ديننا الإسلامي الحنيف وأهم فرائضه، فكانت عائشة ترى أنَّ الجهاد فرض على النساء مثل الرجال، لعدم التفريق بين الصنفين في الفرائض الأخرى، فاستفسرت قائلة: هل عليهن جهاد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «جهادهن الحج»(94) .

كما سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن الجارية يُنكِحُها أهلها هل تُستَأمَرُ أم لا؟ فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم:«نعم تستأمر»، قالت عائشة: فقلت له: فإنها تستحي، فقال صلى الله عليه وسلم: «فذلك إذنها إذا هي سكتت»(95) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إن الإسلام قد أولى حقوق الجيران اهتماماً بالغاً وعناية كبيرة، والنساء أحظى الناس في أداء هذه الحقوق، حيث تتاح لهنّ الفرص لأداء هذه الحقوق أكثر من الرجال، فأشكلت على عائشة قضية الترجيح بين الجارين فسألته صلى الله عليه وسلم قائلة: إنَّ لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال:«إلى أقربهما منك باباً»(96) .

وذات مرة جاءها عمها من الرضاعة يستأذن عليها، فأبت أن تأذن له، فجاء الرسول صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك، فقال: إنه عمك فاذني له، قالت: فقلت: يا رسول الله إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل، قالت: فقال الرسول صلى الله عليه وسلم:« إنَّه عَمُّك فَلْيلجْ عَلَيْكِ»(97) .

وأشكل عليها مفهوم قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ(98) ﴾ فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت: يا رسول الله هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله؟ قال: «لا يا بنت أبي بكر يا بنت الصديق، ولكنه الذي يصلّي ويصوم ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل»(99) .

ولمّا سمعت قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه» قالت: فقلت: يا نبي الله أكراهية الموت فكلنا نكره الموت، قال«ليس كذلك، ولكنّ المؤمن إذا بُشّر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله، فأحبّ الله لقاءه، وإنَّ الكافر إذ بُشّر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه»(100) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهكذا لدينا عدد كبير من أمثال هذه الاستفسارات والإشكالات التي نجدها في ذخائر السنن النبوية وخزائن الأحاديث الشريفة، التي عرضتها عائشة على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم للكشف عن حقائقها، وإزاحة الستار عن واقعيتها، وإنها في واقع الأمر عدد من الدروس التي تلقتها عائشة رضي الله عنها من لسان الرسول صلى الله عليه وسلم في تعليمها اليومي حتى إنها رضي الله عنها لم يَفُتها أن توجه السؤال إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم في بعض المناسبات التي يُخاف فيها أن يجد(101) الرسول صلى الله عليه وسلم عليها، لكن من رحمته صلى الله عليه وسلم بها وحبه لها وشفقته عليها أنه لم يكن يتضايق من مناقشاتها وتوجيهها الأسئلة إليه، بل كان يُسَرّ بذلك.

ومثالاً لذلك فقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم مرة ألا يدخل على نسائه شهراً، وأقام في مشربة له تسعة وعشرين يوماً، وهجرهن خلال هذه الفترة، فشق ذلك عليهن كثيراً، ولما مضت تسع وعشرون دخل على عائشة فبدأ بها، ومما لا شك فيه أنها كانت مناسبة مباركة تبعث على الفرح والسرور بالنسبة لعائشة رضي الله عنها، وكان المفروض أن تسرّ عائشة وتنسى كل ما مضى، ولا تتفوه بكلمة تكاد تُغضب النبي صلى الله عليه وسلم ولكنها آثرت فهم الشريعة وحلّ عقدتها على هذه الفرحة، فماذا سمع منها الرسول صلى الله عليه وسلم أول ما سمع؟ قالت: إنك أقسمت ألا تدخل علينا شهراً، وإنا أصبحنا لتسع وعشرين ليلة أَعُدُّها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم «الشهر تسع وعشرون يوماً، وكان ذلك الشهر تسعاً وعشرين....»(102) .

واستأذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ائذنوا له، بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة، فلما دخل ألان له الكلام، فتعجبت عائشة من ذلك، فلما نهض قالت: يا رسول الله! قلت الذي قلت، ثم ألنت له الكلام؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «أي عائشةُ إنَّ شر الناسِ مَنْ تركه النَّاسُ، أو وَدَعَهُ النّاسُ إتقاء فُحْشِه»(103) .

كان النبي صلى

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الله عليه وسلم لا يقبل هدايا الأعراب وأصحاب البادية، لِما كان يعلم أنهم لا يتحرَّون في أطعمتهم وأشربتهم، ولا يحتاطون فيها، كما أنهم ليس لديهم علم كاف بشرائع الإسلام ومبادئ الدين، وذات يوم جاءت أم سُنبلة، وأهدت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لبناً، فلم تجده، فقالت لها عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يؤكل طعام الأعراب، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر فقال: ما هذا معكِ يا أم سُنبلة؟ قالت: لبناً أهديت لك يا رسول الله، قال: اسكُبي أمَّ سنبلة، فسكبت، فقال: ناولي أبا بكر، ففعلت، فقال: اسكُبي أمَّ سنبلة، فسكبت، فناولت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب، قالت عائشة: يا رسول الله كُنتُ حُدِّثتُ أنك قد نَهَيْتَ عن طعام الأعراب؟ فقال: «يا عائشة! إنهم ليسوا بالأعراب، هم أهل باديتنا ونحن أهل حاضرتهم، وإذا دعوا أجابوا، فليسوا الأعراب»(104) قصد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أنهم يعرفون أحكام الشريعة، وإذا دعوناهم إلى نصرة الدين فإنهم يجيبون ولا يترددون، إذن هم ليسوا من الأعراب.

ولما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:«سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لا يدخل أحداً الجنة عمله» استغربت من قوله:«فإنه لا يدخل أحداً الجنة عمله» لظنها أنَّ المعصومين يستثنون من هذه القاعدة العامة، فسألت: ولا أنت يا رسول الله؟ قال:«ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بمغفرةٍ ورحمةٍ»(105) .

ورأت مرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن ينام قبل أن يوتر، فقالت: يا رسول الله أتنام قبل أن توتر؟ قال: «يا عائشة إنَّ عيني تنامان، ولا ينام قلبي»(106) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قد تبدو هذه الأسئلة من قبيل سوء الأدب لأولئك الذين لا يدركون حقيقة الأمور، ولا يتعمقون في التفكير، لكن الواقع الذي لا ينازع فيه اثنان أنه لو لم تكن هذه الجرأة النسائية لتوجيه الأسئلة إلى النبي صلى الله عليه وسلم والاستفسارات عن الإشكالات، لما أمكن اليوم لأبناء الأمة المحمدية أن يطلعوا على حقيقية النبوة، وبغض النظر عن هذه الأسئلة والمناقشات العلمية والمباحث الدراسية فهناك جانب آخر مهم ألا وهو مراقبة النبي صلى الله عليه وسلم لكل أعمال وحركات عائشة رضي الله عنها وإيلاؤه إياها اهتماماً بالغاً، فكان صلى الله عليه وسلم ينبهها على زلّاتها، ويربيها ويعلمها بعناية فائقة، ولم يفتأ رويداً رويداً يشركها في العبء الذي ينبغي أن تنهض به زوجة النبي وأم المؤمنين وسفيرته الأولى إلى عالم النساء.

دخل رهط من اليهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: السام عليكَ – بدل السلام عليك – فقال صلى الله عليه وسلم «وعليكم»، وكانت عائشة رضي الله عنها تسمع ذلك فقالت: وعليكم السام واللعنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «مهلاً يا عائشة! إنَّ الله يحب الرفق في الأمر كله»(107) .

وسُرق لعائشة رضي الله عنها شيء، فجعلت تدعو على من سرقه – كما هي عادة النساء – فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم:«لا تسبخي عنه»(108) .

وذات مرة كانت عائشة مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فلعنت بعيراً لها – كعادة النساء في هذه المناسبات – فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم أن يرد، وقال «لا يصحبني شيء ملعون»(109) . فكان ذلك تعليماً لها عدم توجيه اللعن إلى البهائم.

وجاء مسكين إلى عائشة فتصدقت عليه بشيء، فأمرت بريرة أن تأتيها فتنظر إليه، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم «لا تحصي فيُحصى عليك»(110) .

وقال لها في مناسبة أخرى:«يا عائشة استتري من النار ولو بشق تمرة، فإنها تسدّ من الجائع مسدّها من الشبعان»(111) .

وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو «اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة» فقالت: لمَ يا رسول الله؟ قال: «إنهم يدخلون الجنة قبلَ أغنيائهم بأربعينَ خريفاً، يا عائشة! لا تردي المسكين ولو بشقَّ تمرة، يا عائشةُ! أحبِّي المساكين وقرِّبيهم، فإنَّ الله يقربك يوم القيامة»(112) .

فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمها الأحكام الدينية والمسائل الشرعية المنوطة في مختلف المجالات من الصلاة والذكر والدعاء، والحياة الاجتماعية، وهي تتعلمها بكل شوق ورغبة، وتستمع إليها بآذان صاغية وقلب واعٍ، وتعمل بها بكل مواظبة ومداومة(113) .

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 51 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الشؤون المنزلية

إن البيت الذي بنى فيه النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها لم يكن قصراً عالياً رفيعاً مفخَّماً، وإنما كان عبارة عن حجر وغرف صغيرة في حي بني النجار، مبنية حول المسجد النبوي الشريف، بناها النبي صلى الله عليه وسلم لتكون مساكن له ولأهله، وكانت مساكن قصيرة البناء قريبة الفناء، ومن بينها كانت حجرة عائشة رضي الله عنها بناها النبي صلى الله عليه وسلم شرقي المسجد(114) ، وكان بابه من هذه الحجرة واقعاً داخل المسجد النبوي على جهة الغرب، وكأن المسجد النبوي صار فِناءً لها.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصغي إلى عائشة رأسه وهو معتكف في المسجد، فترجّله(115) ، وأحياناً يطلب شيئاً فيمد يده من المسجد إليها فتناوله إياه، وكان عرض الحجرة ستة أو سبعة أذرع، وجدارها من الطين، وسقفها من جريد النخل، قصير حيث يناله كل من يقف، مغشاة من خارج بمسوح الشعر، لكي تكون وقاية من المطر، ولم يكن للباب مصراعان وإنما مصراع واحد من عرعر أو ساج(116) ، إلا أنه لم يُغلق على أحد ليوم واحد طوال الحياة.

وكان في جنب الحجرة مشربة أقام فيها الرسول صلى الله عليه وسلم شهراً كاملاً زمن الإيلاء(117) ، وكان جهاز بيت النبي صلى الله عليه وسلم وأثاث حجرته محتوياً على سرير وحصير، ووسادة من أدم حشوها ليف، وأُهُب معلقة، وقِرْبة، وإداوة للماء والتمر، وقطعةٍ لشُربْ الماء(118) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ومما لا شك فيه أن مسكن النبي صلى الله عليه وسلم كان منبعاً للأنوار الربانية، ومنهلاً للفيوض النبوية إلا أنه كان خالياً من المصابيح الدنيوية، فلم يكن هناك سراج ولا مصباح يضيء البيت وينوّره بالنور والضياء الظاهري، تقول عائشة رضي الله عنها: كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجليّ، فإذا قام بسطتهما، قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح(119) ».

هذا ولم يكن في البيت أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها، وبعد فترة جاءت جارية «بريرة» واشترطت أن يكون ولاؤها لها(120) . وفي بداية الأمر حينما لم تكن من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إلا سودة وعائشة، كان صلى الله عليه وسلم يبيت عند عائشة ليلة بعد ليلة، ولما تشرفت الأزواج والمطهرات الأخريات بهذا الشرف، وأكرمهن الله تعالى به، وكَبِرت سودة رضي الله عنها جعلت يومها من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم لعائشة يومين من تسعة أيام، يومها ويوم سودة(121) .

ولم يكن هناك اهتمام كبير بأمور البيت، ولم تعد لديهم حاجة إلى ذلك، وقلّما يوقد في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، تحكي لنا عائشة رضي الله عنها حياتها اليومية ومعيشتها فتقول: «ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز برّ مأدوم ثلاثة أيام حتى لحق بالله عز وجل»(122)

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وكانت تقول: «لَيَأتي على آل محمد صلى الله عليه وسلم الشهر ما يختبزون خبزاً ولا يطبخون قِدراً»، وفي رواية: «قد كان يأتي على آل محمد صلى الله عليه وسلم الشهر، ما يُرى في بيت من بيوته الدخان»(123) «كانوا يعيشون على التمر والماء»(124)

فَرْض النبي صلى الله عليه وسلم العطية لأزواجه بعد فتح خيبر

فَرَضَ النبي صلى الله عليه وسلم لنسائه بعد فتح خيبر عطية لتغطية المصاريف السنوية، كان مقدارها ثمانين وَسْقاً من تمر وعشرين وَسْقاً من شعير(125) ، إلا أن هذه العطية سرعان ما تنتهي لكثرة بذلهن وإنفاقهن، وما مُنحن من الله تعالى، من طبيعة فيّاضة، وما جُبلنَ عليه من السخاء والكرم والإحسان إلى مستحقيه، فلا تكفيهن هذه العطية للسنة الكاملة.

وكان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يبعثون بالهدايا والتحف إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وكانوا يتحرَّوْن بهداياهم – خاصة – يوم عائشة رضي الله عنها لما كانوا يعرفون من حبه صلى الله عليه وسلم إياها(126) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأحياناً يدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم وهو يأتي من الخارج فيسألها: «هل أصبح عندكم شيء تُطْعِمُونيه؟» فتقول: «لا، ما أصبح عندنا شيء»، فيقول: «إني صائم»(127) ، وفي بعض الأحيان: كان لهم جيران من الأنصار وكانت لهم ربائب فكانوا يبعثون إليه من ألبانها»(128) .

وبالرغم من هذه المكانة العالية والدرجة السامية التي كانت تحتلها عائشة رضي الله عنها في كل مجال من العلم والثقافة والفهم والإدراك وقدرة التحصيل والإحاطة والبديهة الواعية والذكاء المتوقد، رغم ذلك كله فإنها لم تكن مبرّأة معصومة عن الأخطاء التي تعتري البشر، لا سيما في صغر السنّ، فكانت جارية حديثة السن، تنام عن العجين، فتأتي الداجن فتأكله(129) . وذات مرة طحنت شيئاً من شعير فجعلت له قرصاً، فأقبلت شاة لجارها داجنة، فدخلت ثم عمدت إلى القرص، فأخذته ثم أدبرت به(130) .

وكان بلال رضي الله عنه هو الذي يتولى مسؤولية الأمور المنزلية ونفقات أهل النبي صلى الله عليه وسلم، فهو الذي كان يوزّع الغلة عليهن، ويستقرض إذا دعت حاجة إلى الاستقراض لتغطية المصاريف(131) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

زيادة عمر رضي الله عنه في أعطيات أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في عهده

ولما توفّي النبي صلى الله عليه وسلم اتسعت رقعة الدولة المسلمة، وكانت الفتوحات، وبدأت ترِد الأموال الهائلة من مشارق الأرض ومغاربها إلى بيت مال المسلمين، وتدفقت الخيرات والثروات على خزانة الدولة بالألوف التي يحار فيها الإحصاء، إلا أن بيت عائشة رضي الله عنها لم يكن فيه طعام يومَ قُبض الرسول صلى الله عليه وسلم(132) .

ومازالت أمهات المؤمنين يُصرف لهن ما فُرض لهن من حصاد خيبر إلى زمن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ثم فرض عمر رضي الله عنه في عهده لكل واحدة منهن عشرة آلاف، وزاد عائشة رضي الله عنها ألفين(133) ، وفي رواية: خيّر عمر رضي الله عنه أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع لهن من الماء والأرض أو يمضي لهن، فمنهن من اختار الأرض، ومنهن من اختار الوسق، واختارت عائشة رضي الله عنها الأرض(134) ، إلا أن معظم ما كانت تستلمه أم المؤمنين من العطاء كان وقفاً لصالح الفقراء والمساكين.

وجرى الأمر على هذا المنوال حتى زمن الخليفتين عثمان وعلي رضي الله عنهما، وكذلك في زمن

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

معاوية رضي الله عنه. فلما تولى عبد الله بن الزبير ابن أخت عائشة رضي الله عنها خلافة الحجاز بعد معاوية رضي الله عنه كان هو المسؤول عن مصاريف خالته، فكانت لا تمسك شيئاً مما جاءها من رزق الله إلا تصدقت به(135)

العشرة الزوجيَّة ونظر الإسلام إلى المرأة مقارنة بنظر الشرق والغرب

يتباين تفكير الغرب والشرق تجاه المرأة تبايناً واضحاً، فأهل الشرق يعتقدون أن حبها وصمة عار على جبين القداسة، ووظيفتها هي التقيد بحدود البيت وعدم التجاوز عنه. بينما يرى الغرب أنها الإله أو مثل الإله، ويعتبرون رضا المرأة رضا الله تعالى، ويقولون: إن أي مذهب أو دين إذا أعطى للمرأة كامل حقوقها ومكانتها الحقيقية فذلك أكبر دليل وأسطع برهان على كونه معقولاً ملائماً للعقل البشري السليم.

وتختلف وجهة نظر الإسلام تجاه المرأة عن النظرتين السابقتين حيث يسلك فيها طريقاً وسطاً عدلاً لا إفراط فيه ولا تفريط، فكما أنه لا ينزلها منزلة الإله، فهو لا يعتبرها من سقط المتاع، أو حاجزاً وعائقاً في طريق الحياة، وقد أحسن الإسلام إذ عرّفها «أنها وسيلة للسكون، وذريعة لاطمئنان الإنسان في هذا العالم».

يقول الله تبارك وتعالى:﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً(136) ﴾ .

ولسنا في هذه المعالجة بصدد الحديث عن مكانة المرأة في الإسلام وحقوقها، وإنما الذي نقصد إليه هو إبراز جوانب العلاقات الزوجية، والعشرة الزوجية العملية في حياة عائشة رضي الله عنها.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يقول الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»(137) وخير تصديق عملي لهذا الحديث الشريف هو أن عائشة رضي الله عنها دامت حياتها الزوجية زهاء تسع سنين، ومن الحق أن توصف بأنها حياة زوجية سعيدة، ولا نعرف بين أزواج الهداة والعظماء من ظفرت بأسعد منها أو كانت أرضى من عائشة رضي الله عنها عن حياتها، فنرى أنه في طوال هذه السنين لم تمتزج هذه الحياة قط بكدر أو مساءة، ولم يعكّر صفاء علاقتها بالنبي صلى الله عليه وسلم طيلة حياتها في كنفه سوى واقعة الإيلاء، فكانت الحياة يسودها أسمى معاني الحب، وجوّ المودة واللطف والمؤانسة والوفاء العالي، لاسيما إذا تصوّرنا ما كانت عليه الأسرة النبوية من عسر وشدة وشظف في العيش، والصبر على ضروراته، والقناعة، ومغالبة الهوى، والبعد عن الترف ونَعمة العيش، فتزداد قيمة هذا الإخلاص والمودة وتسمو مكانة الحب والوفاء.

مكانة عائشة رضي الله عنها عند الرسول الله صلى الله عليه وسلم

كانت عائشة رضي الله عنها من أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الصحابة رضي الله عنهم أجمعين قد علموا حبه إياها وأقروا لها بذلك، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يُهْدِيَها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يتحرون يوم عائشة رضي الله عنها(138) وقد أثار ذلك غيرة أمهات المؤمنين، ووقعت الغيرة التي لا محيص منها بين الزوجات، فدَعَيْن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأرسلنها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: إن نساءك ينْشُدْنَك العدل في بنت أبي بكر، فكلَّمَتْه، فقال: «يا بنية ألا تحبين ما أحب؟ قالت: بلى، فرجَعَتْ إليهن فأخبرتهن، فقلن: ارجعي إليه فأبت أن ترجع»(139) ثم توسلن بأم سلمة رضي الله عنها أن تكلّم النبي صلى الله عليه وسلم، فلما دار

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عليها كلَّمَتْه، فقال:«لا تؤذيني في عائشة، فإنه لم ينزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن إلا في لحاف عائشة»(140)

وأهديت للنبي صلى الله عليه وسلم ذات مرة هدية فيها قلادة من جزع، فقال: «لأدفعنّها إلى أحبّ أهلي إليَّ»، فقالت النساء: ذهبت بها ابنة أبي قحافة، لكن حُبّ النبي صلى الله عليه وسلم الزكي الطاهر الخالص لم يظهر قط في لمعان الزينة الظاهرية وروعة المجوهرات الغالية، دعا أمامة بنت زينب فعلّقها في عنقها(141) .

وهذا عمرو بن العاص رضي الله عنه قد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم على جيش ذات السلاسل، فلما أتى سأل: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، فقال من الرجال؟ فقال أبوها»(142) .

دخل مرة عمر رضي الله عنه على حفصة فقال: «يا بنية لا يغرّنك هذه التي أعجبها حسنها حب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، يريد عائشة»(143) . ومرة شرد بها الجمل أثناء الطريق، فقلق النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول «واعروساه»(144) .

ودخل النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها قالت: وارأساه! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بل أنا وارأساه»، ومنذ ذلك الحين بدأ مرض النبي صلى الله عليه وسلم الذي توفي فيه(145) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وكان صلى الله عليه وسلم يتفقد في مرض موته - وفي رواية «ليتعذر» - أين أنا اليوم، أين أنا غداً، استبطاءً ليوم عائشة(146) ، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها، قالت عائشة:«فمات في اليوم الذي كان يدور عليّ في بيتي، فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحّري»(147) .

كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه فيعدل ويقول:« اللهم هذه قسمتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك، ولا أملك»(148) «يعني به حب عائشة».

سبب حُبّه صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها

لم يكن حب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها وتفضيلها كان لحسنها وجمالها وهذا مرفوض إطلاقاً، لان غيرها من الأزواج المطهّرات أمثال زينب وجويرية وصفية رضي الله عنهن، أيضاً كُنَّ ذوات حُسن وجمال، نعم كانت عائشة ذات حُسن ومما يدل على ذلك ما قاله عمر رضي الله عنه لحفصة رضي الله عنها «لا يغرنك هذه التي أعجبها حسنها حب رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها»(149) فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك تبسّم، غير أن السبب الحقيقي هو ما روته عائشة رضي الله عنها نفسها(150) ورواه أبو هريرة رضي الله عنه كما في صحيح مسلم وسنن أبي داود أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «تنكح المرأة لأربع، لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يداك»(151) وبالتالي فأحب نساء النبي صلى الله عليه وسلم هي: مَن تكون أنفع لخدمة الدين ونشر الإسلام من غيرها.

والشيء الذي يميّز أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على غيرها من أمهات المؤمنين هو بلوغ علمها ذروة الإحاطة والنضج في كل ما اتصل بالدين من قرآن وتفسير وحديث وفقه، والنظر في دقائق المسائل، واستنباط الأحكام للوقائع الجديدة، والاضطلاع فيها، فكان من الطبيعي أن تكون هي أحبَّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيرها(152) .

روى أصحاب الكتب الستة عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء: إلا مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام»(153) وهذا الحديث خير دليل على الباعث الحقيقي والسبب الواقعي الذي من أجله كان النبي صلى الله عليه وسلم يحب عائشة رضي الله عنها ويكرمها، ويرفع من مكانتها هل كان ذلك من أجل الحُسن والجمال الظاهري، أو بسبب الفضل والكمال الباطني، والتي تلي عائشة لفي الكمالات الداخلية والفضائل والمناقب هي أم سلمة رضي الله عنها، ولهذا فإنها كانت محبوبة لدى الرسول صلى الله عليه وسلم رغم كِبَر سِنّها، وها هي خديجة رضي الله عنها قد توفيت وهي بنت خمس وستين سنة، لكنها شغلت قلب النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاتها، فم يزل يذكرها، وهو شديد الكَلَف

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بها والتطلع إليها، حتى أثار ذلك غيرة عائشة رضي الله عنها(154) وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على حِلمه ربما يغضب أحياناً من ثورتها على ذكرى خديجة(155)

مكانة النبي صلى الله عليه وسلم عند عائشة رضي الله عنها

شغف قلب السيدة عائشة رضي الله عنها بالنبي صلى الله عليه وسلم وأحبته حباً ملك عليها زمام أمرها وتعددت مشاربه فكانت تحبه حب المسلمة لنبيها وحب الزوجة لزوجها، كما كانت معجبة بأدبه وعظمة قدره.

كما عاشرته بروحها وطويتها. ومن شدة حبها له صلى الله عليه وسلم أنها لو استيقظت من النوم ولم تجده جنبها يصيبها القلق والاضطراب، تقول:«كنت نائمة إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ففقدته من الليل، فلمسته بيدي، فوضعت يدي على قدميه وهو ساجد يقول: أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»(156) كما تحكي لنا قصة أخرى فتقول: افتقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسست ثم رجعت فإذا هو راكع أو ساجد

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

يقول: «سبحانك وبحمدك لا إله إلا أنت، فقلت: بأبي أنت وأمي، إني لفي شأن وإنك لفي آخر»(157)

نماذج من غَيْرة عائشة رضي الله عنها على الرسول صلى الله عليه وسلم

كذلك فقدته ذات ليلة وقد مضى من الليل نصفه، فبدأت تبحث عنه، حتى وجدته في البقيع، وهو رافع يديه يدعو ربه، فانحرفت، فلما سألها النبي صلى الله عليه وسلم:«فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ فقالت نعم»(158) .

وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث، فقالت لها حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري؟ وأركب بعيرك؟ تنظرين وأنظر؟ فقالت: بلى، فركبت، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلّم عليها ثم سار، حتى نزلوا، وافتقدته عائشة، فلما نزلوا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

جعلت رجليها بين الإذخر، وتقول: «يا رب سلّط عليّ عقرباً، أو حية تلدغني، ولا أستطيع أن أقول له شيئاً»(159)

وإذا تأملنا في الفقرة الأخيرة من الحديث تبيّنَ لنا مدى غيرتها الشديدة، والمنافسة القوية التي كانت فيما بين الضرائر.

ولما آلى النبي صلى الله عليه وسلم من نسائه لمدة شهر وأقام في مشربة له عند حجرة عائشة، واعتزلهن، كان لهذا أثر عميق على أمهات المؤمنين، وإذا هن يبكين من شدة ما أصابهن من حزن وقلق، حتى لم تستطع إحداهن أن تدخل عليه من دون أذن، وعائشة لكانت تعدّ الشهر عداً تنتظر انتهاءه، فلما كمل الشهر أول ما بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بعائشة رضي الله عنها(160) .

هذا وقد كانت أمهات المؤمنين على درجات متفاوتة من الناحية الاقتصادية في بيوت آبائهن، فبعضهن كُنّ من الأسر الثرية ذات الأموال والخيرات، وكنّ تربَّيْن في الترف ونعمة العيش، فنازعن النبي صلى الله عليه وسلم، وألحفن عليه بطلب المزيد من النفقة والزينة، فنزلت آية التخيير(161) فخيّرهن النبي صلى الله عليه وسلم بين التسريح والصبر على نصيبهن، فاخترن أجمل النصيبين بهن، وهو الصبر على سنّة الأنبياء، ورضين بهذه الحياة النبوية بكل فرح وسرور وسعادة، فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة أول امرأة من نسائه كلهن(162) فاختارته وقالت:

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

«يا رسول الله لا تخبر أزواجك أني اخترتك»(163) وهنا تظهر غيرتها واسئثارها به صلى الله عليه وسلم دون غيرها، وذلك لكي تنال فضل التقدم في الاختيار، وفي كلامها هذا إيحاء إلى الطبيعة النسائية وفطرة المرأة التي جبلَت عليها. وفي نهاية أيام هذا الحادث نزلت آية الإرجاء(164) حيث خُيّر النبي صلى الله عليه وسلم بإبقاء مَن أراد من أزواجه في كنفه، ومفارقة الأخريات، إلا أنه صلى الله عليه وسلم لم يرضَ بمفارقة أيِّ واحدة منهن، نظراً لما كان يحمل صلى الله عليه وسلم بين جنبيه من الرحمة والشفقة والحب والوفاء للأزواج المطهّرات.وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: «إن كان ذاك إليّ فإنّي لا أريد يا رسول الله أن أوثر عليك أحداً»(165)

مداراة الزوجة

لقد جعل الله سبحانه وتعالى من حياة النبي صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة للمجتمع الإنساني بأكمله، وكان صلى الله عليه وسلم خير الأزواج وألطفهم بأهله، فلم يعهد عنه صلى الله عليه وسلم أنه عنفهن أو اشتد عليهن، بل كان بهن رفيقاً رحيماً، يترضاهن إذا غضبن، ويعاملهن معاملة كريمة بأقصى غاية من المودة والمحبة، حرصاً منه على إكرامهن، وتعليماً لأمته كيف يتعامل الأزواج مع زوجاتهم.

سبق أن ذكرنا أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعاهد عائشة بما يسرّها، ويفرح حتى بلعبتها، كانت عائشة قد ربت في حضنها جارية من الأنصار، فلما حان عرسها زوّجتها عائشة رضي الله عنها بكل بساطة دون أي غِناء أو لهو، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك قال: «يا عائشة ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو»(166) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وكان الأحباش يلعبون بحرابهم بمناسبة أفراح العيد، فأرادت عائشة رضي الله عنها أن تنظر إلى لعبهم، فسترها النبي صلى الله عليه وسلم بردائه وهي تشاهد لعبهم، تقول رضي الله عنها:«رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد حتى أكون أنا التي أسأم»(167) .

وربما مرّ أبوها رضي الله عنه بالبيت فيسمع صوتها عالياً في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فيدخل غاضباً يتناولها ليلطمها وينهرها قائلاً: لا أراك ترفعين صوتك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يحجزه، وخرج أبو بكر مغضباً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين خرج أبو بكر: «كيف رأيتني أنقذتك من الرجل؟!(168) .

وجاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:« يا عائشة تعرفين هذه؟ قالت: لا، يا نبي الله، قال: هذه قَيْنة بني فلان، تحبين أن تغنّيك؟ قالت: نعم، فأعطاها طبقاً، فغنّتها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد نفخ الشيطان في مِنْخريها»(169) .

ومعنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كره مثل هذه الأغاني.

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الملاطفة والمؤانسة

من لطفه صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها وعطفه عليها أنه كان يمازحها ويضاحكها ويسْمَر معها مستمعاً إلى أحاديثها ملاطفة لقلبها، وإرضاءً لخاطرها، وذات مرة ذكر «خُرافة» أثناء الحديث، فسألها النبي صلى الله عليه وسلم:«أتدرين ما خرافة؟ إن خرافة كان رجلاً من أهل عذرة، أَسَرتْه الجن في الجاهلية، فمكث فيهم دهراً طويلاً، ثم ردوه إلى الأنس، فكان يحدِّث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة»(170) .

وكان صلى الله عليه وسلم يسمر معها مستمعاً إلى أحاديثها، وذات مرة حدثته عائشة رضي الله عنها حديث أم زرع قالت: جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهن شيئاً، قالت الأولى: زوجي لحمُ جملٍ غثّ على رأس جبل، لا سهل فيُرتقى، ولا سمين فيُنتقل، قالت الثانية: زوجي لا أبثّ خبره، إنّي أخاف أن لا أذَرَه، إنْ أذكُرْه أذكر عُجَره وبُجَره، قالت الثالثة: زوجي العَشَّنق، إن أنطق أُطلّق، وإن أسكُتْ أُعلّق، قالت الرابعة: زوجي كَلَيْلِ تهامة لا حَرّ ولا قرّ، ولا مخافة ولا سآمة، قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يُسأل عمّا عهد، قالت السادسة: زوجي إن أكل لفّ، وإن شرب اشتفّ، وإن اضطجع التفّ، ولا يُولج الكفّ ليعلم البثّ، قالت السابعة: زوجي غياياء أو عياياء طباقاء، كلّ داء له داء، شجّك أو فلّك أو جمع كُلّاً لك، قالت الثامنة: زوجي المسُّ مسُّ أرنب، والريحُ ريح زرنب، قالت التاسعة: زوجي رفيع العِماد، طويل النِّجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من النّاد، قالت العاشرة: زوجي مالك، وما مالك؟ مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، وإذا سمعن صوت المزهر أيقنّ أنّهن هوالك، قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع، وما أبو زرع، أناسَ من حليّ أذنيّ، وملأ من شحم عَضُديّ وبجّحني فبجَحتْ إليّ نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشقِّ، فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومُنقّ، فعنده أقول فلا أقبّح، وأرقد فأتصبّح، وأشرب فأتقنّح، أمُّ

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أبي زرع، فما أم أبي زرع؟ عكومها رداح، وبيتها فساح، ابن أبي زرع، فما ابن أبي زرع مضجعه كمسل شطبة ويشبعه ذراع الجفرة، بنت أبي زرع فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها وطوع أمّها، وملء كسائها وغيظ جارتها، جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع؟ لا تبث حديثنا تبثيثاً، ولا تنقّث ميرتنا تنقيثاً، ولا تملأ بيتنا تعشيشاً، قالت: خرج أبو زرع والأوطاب تُمخض، فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها بُرمّانتين، فطلقني ونكحها، فنكحتُ بعده رجلاً سرياً ركب شرياً وأخذ خطيّاً، وأراح علي نعماً ثريّاً، وأعطاني من كل رائحة زوجاً، وقال: كُلي أمَّ زرع وميري أهلك، قالت: فلو جمعت كل شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع، قالت عائشة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «كنت لك كأبي زرع لأم زرع»(171)

وفي الوقت الذي يكون صلى الله عليه وسلم مشغولاً في السمر مع أهله فإذا سمع النداء كان يسرع إلى الصلاة، تقول عائشة رضي الله عنها:«كان يكون في مهنة أهله، فإذا سمع الأذان خرج»(172) ، وفي رواية: قالت عائشة: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحدثنا ونحدثه فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه»(173) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

المُواكلة

كان النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها يتناولان الطعام من قصعة واحدة، والحديث الآتي يوضّح لنا مدى حبه صلى الله عليه وسلم لعائشة حتى في الأكل، تقول رضي الله عنها:«كنت أتعرق العظم وأنا حائض فأعطيه النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع فمه في الموضع الذي فيه وضعته، وأشرب الشراب فأناوله، فيضع فمه في الموضع الذي كنت أشرب منه»(174) .

وذات ليلة كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعشى مع عائشة رضي الله عنها في حجرتها إذ دخلت عليه أم المؤمنين سودة بنت زمعة رضي الله عنها وهي تشكو عمر، أنه يمنعها من الخروج حتى لقضاء الحوائج(175) . وكانا يمسكان قطعة واحدة من اللحم، لأنه لم يكن مصباح في البيوت يومئذٍ(176) .

كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم جار فارسي وكان طيّب المَرَق فصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جاء يدعوه، فقال: وهذه – لعائشة -؟ فقال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا. فعاد يدعوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه؟ قال: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه؟ قال: نعم في الثالثة، فقاما يتدافعان حتى أتيا منزله(177) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الصحبة في السفر

كان من الصعب أن تصحب جميعُ أمهاتِ المؤمنين النبي صلى الله عليه وسلم في السفر، كما أن ترجيح بعضهن على بعض أيضاً يكون خلاف العدل الذي أمر به الله تعالى، ولذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد السفر أقرع بين نسائه، فأيتهن يخرج سهمها خرج بها النبي صلى الله عليه وسلم(178) . وعلى هذا نالت عائشة رضي الله عنها شرف صحبة النبي صلى الله عليه وسلم في عدد من أسفاره، وقد ثبت في الأحاديث أنها تشرفت بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بني المصطلق(179) ، ومن الأسفار كذلك السفر الذي حدث فيه قصة ركوب حفصة على بعير عائشة وركوب عائشة على بعير حفصة كما سبق أن ذكرنا.

كما ثبت في الحديث السفرُ الذي سابقت فيه عائشةُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم(180) .

وكان في غزوة بني المصطلق من الحوادث قصتان عجيبتان، وكلتاهما كانتا شرفاً سرمدياً وسعادة أبدية، أكرم الله تعالى بهما عائشة رضي الله عنها، فالأولى منهما كانت سبباً لنزول حكم التيمّم، والأخرى فيها قانون براءة المحصنات الغافلات من النساء كما

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

سيأتي في الفصل الرابع-. وتدل رواية الإمام أحمد في «المسند» أن عائشة رضي الله عنها كانت خرجت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر الحديبية، أما حجة الوداع فمعظم أمهات المؤمنين كن مع النبي صلى الله عليه وسلم فيها، ومنهنّ عائشة رضي الله عنها.

الدلال

إن خصائص المرأة ومميزاتها النسوية تحمل في طياتها بحراً زاخراً تتبلور فيه موجات الحب والمودة والوفاء والملاطفة بأسمى معانيها وأحلى أشكالها، ومما لا شك فيه أن من الأنثويات الخالدة في طبيعة المرأة دلالها ومغاضبتها، وهي أشوق ما تكون إلى المصالحة وتقصير أمد المغاضبة، وقد يُشكل ذلك على عامة الناس حيث إنهم ينظرون إلى ما ورد في كتب الأحاديث مما يدل على الدلال والمغاضبة، ويرون في مخاطبة الرسول أزواجه بهذا الأسلوب أنه خطاب من الرسول لأمته، وينسون أنها زوجة تخاطب زوجها، أو زوجاً يخاطب زوجته، ولذا ينبغي بل يجب أن تدرس أمثال هذه الوقائع التي سجّلتْها كتب الأحاديث في بطونها، بالطريقة الصحيحة، وتحمل على محملها الصحيح.

ومن هذا قول عائشة رضي الله عنها: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقول: أتهب المرأة نفسها، فلما أنزل الله تعالى ﴿ تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ ۖ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ(181) ﴾ قلت: ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك(182) . فلم يكن قصد عائشة رضي الله عنها من ذلك الاعتراض أو الإشكال، وإنما كان ذلك نوعاً من التدلل والدعابة والانبساط من الزوجة لزوجها.

والكل يعرفون معنى كلام عائشة رضي الله عنها، وهو أن الله عز وجل يحقّق كل ما يتمناه حبيبه ويشتهيه، ويكون الهدف من وراء ذلك هو تثبيت قلبه وإحكامه على عمل الدعوة.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

إلا أننا رأينا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم تتغير عادته حتى بعد آية التخيير، فكان صلى الله عليه وسلم يستأذن أزواجه كلهن في نوبتهن ودورهن، تقول عائشة: «إن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستأذن في يوم المرأة منا بعد أن أُنزلت هذه الآية ﴿ تُرْجِي مَن تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَن تَشَاءُ ۖ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ(183) ۚ ﴾ .

غيرتها رضي الله عنها من خديجة رضي الله عنها ونماذج من تدللها

كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها كثيراً، نظراً للمقام الرفيع الذي كانت تحتله في قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يُعرف أنه حزن على أحد قط أشد من حزنه على خديجة رضي الله عنها، ولا أطال الذكر لأحد قط بعد وفاته كما أطال ذكرها.

وذات مرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكرها فقالت عائشة: «كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول: إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد»(184) .

وفي رواية عند أحمد قالت عائشة رضي الله عنها:«كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثناء، قالت، فغرت يوماً فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشدق، قد أبدلك الله عز وجل بها خيراً منها، قال: ما أبدلني الله عز وجل خيراً منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله عز وجل ولدها، إذ حرمني أولاد النساء»(185) .

وأصيبت عائشة رضي الله عنها مرة بالصداع في رأسها فقالت: وارأساه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أنا وارأساه- فكان ذلك ابتداء الوجع الذي توفّي فيه ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما ضرك لو

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

متِّ قبلي فغسّلتُكِ وكفّنتُكِ وصليت عليك ودفنتك، قالت: لكني، أو لكأني بك والله لو فعلتَ ذلك لقد رجعتَ إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك، قالت: فتبسّم النبي صلى الله عليه وسلم(186)

وكانت رضي الله عنها تفتخر بكونها البكر الوحيدة بين سائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وتدل أحياناً – إدلال الحبيب – أمام النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: يا رسول الله أرأيت لو نزلت وادياً فيه شجرةٌ قد أُكل منها ووجدت شجراً لم يؤكل منها، في أيها كنت ترتع بعيرك؟ قال: «في الذي لم يرتع منها». تعني أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتزوج بكراً غيرها(187) .

وفي واقعة الإفك – التي سيأتي ذكرها لاحقاً لما أنزل الله تعالى براءتها بالوحي قالت لها أمها: قومي إليه «تقصد النبي صلى الله عليه وسلم»، فقالت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله عز وجل الذي أنزل في براءتي وحياً يُتلى إلى يوم القيامة(188) .

وذات مرة قال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم إذا كنتِ عني راضية وإذا كنت عليّ غَضْبى، قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا وربّ محمد، وإذا كنت عليّ غَضْبى، قلت: لا ورب إبراهيم، قالت: أجل والله يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك(189) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

القيام بالأعمال المنزلية

رغم وجود الخادم في البيت فإن عائشة رضي الله عنها كانت تقوم بنفسها بخدمة الدار كلها وسائر حاجات النبي صلى الله عليه وسلم فكانت تطحن الدقيق(190) بيدها، وتطبخ بنفسها(191) وتفرّش(192) المفارش وتحضِّر له(193) الوَضوء، وتَفْتِل(194) قلائد هَدْي النبي صلى الله عليه وسلم بيديها، وترجّله(195) بيدها،

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وتطيّبه(196) وتغسل ثيابه(197) وتُعدّ له السّواك(198) عند المبيت، وتغسل سواكه اهتماماً بنظافته(199)

كما أنها كانت تقري الضيوف القادمين عليه صلى الله عليه وسلم في البيت، وتقوم بواجبهم، يقول الصحابي الجليل طخفة بن قيس الغفاري رضي الله عنه – وكان من أصحاب الصفة – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: انطلقوا بنا إلى بيت عائشة رضي الله عنها فانطلقنا، فقال: يا عائشة أطعمينا، فجاءت بجشيشة، فأكلنا، ....... ثم قال: يا عائشة اسقينا، فجاءت بعسّ من لبن فشربنا، ثم قال: يا عائشة اسقينا، فجاءت بقدح صغير فشربنا(200) .

الطاعة واتباع الأحكام

مما لا شك فيه أن طاعة الزوج واتباع أوامره من أهم وآكد الواجبات على الزوجة، وحياة عائشة رضي الله عنها خير أسوة وأحسن قدوة لذلك، فإنه لم تعهد منها أية مخالفة لأي

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

حكم من أحكام النبي صلى الله عليه وسلم طوال الفترة التي عاشتها في كنف النبي صلى الله عليه وسلم التي امتدت إلى تسع سنين، لدرجة أنه لو خطر على بالها أو عرفت ولو بالتلميح أن الشيء الفلاني يُغضب الرسول صلى الله عليه وسلم لتوقفت عنه فوراً وامتنعت منه كُلياً، تقول عائشة: «إنها اشترت نُمْرُقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على الباب، فلم يدخل، فعرفت في وجهه الكراهية، قالت يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله ماذا أذنبت؟ قال: ما بال هذه النمرقة؟ فقالت: اشتريتها لتقعد عليها وتوسدها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أصحاب هذه الصور يعذَّبون يوم القيامة، ويقال لهم: أَحْيُوا ما خلقتم، وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة(201)

وها هو الصحابي الجليل ربيعة الأسلمي رضي الله عنه قد تزوج، ولم يجد ما يولم به فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حزيناً، فقال: يا ربيعة مالك حزين؟ فقلت: يا رسول الله ما رأيت قوماً.....حديث طويل وفيه.... فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهب إلى عائشة فقل لها: فلتبعث بالمِكْتل الذي فيه الطعام، قال: فأتيتها فقلت لها ما أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: هذا المكتل فيه تسع آصع شعير، ولا والله إنْ أصبح لنا طعام غيره، خذه، فأخذته...... الحديث(202) .

هذا وقد كانت جميع أمهات المؤمنين يقمن بهذه الطاعة وتنفيذ أوامره صلى الله عليه وسلم مثل ما كانت تقوم به عائشة رضي الله عنها في حياته صلى الله عليه وسلم، إلا أن الطاعة الحقيقية والانقياد التام الأصلي هو القيام بهذا الواجب بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فيجب أن تنفذ كل أوامره وسائر أحكامه صلى الله عليه وسلم بعد وفاته مثلها في حياته.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

النبي صلى الله عليه وسلم ربّاها على السخاء والكرم

وقد سبق أن ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد علّمها الجود، وربّاها على السخاء والكرم، فكان من فضل هذه التربية العظيمة والتعليم النبوي المبارك أنها عضّت بنواجذها على هذا الواجب الكبير ولم تتخلَّ عنه حتى أتاها اليقين.

كما مرّ بنا أنها استأذنت من الرسول صلى الله عليه وسلم في الجهاد فقال لها الرسول صلى الله عليه وسلم: «جهاد النساء الحج»، فلما سمعت بهذا التعليم النبوي قلما مضى عام ولم تحج فيه(203) .

بعث إليها عبد الله بن عامر مرة بنفقة وكسوة، فقالت لرسوله: يا بنيّ إني لا أقبل من أحدٍ شيئاً، فلما خرج قالت: رُدّوه عليّ، فرَدُّوه، فقالت: إني ذكرت شيئاً قاله لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «يا عائشة من أعطاك عطاءً بغير مسألة فاقبليه، فإنما هو رزق عرضه الله لك»(204) .

ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر يوم عرفة على عائشة وهي صائمة يُرشّ عليها، فقال لها: أفطري، فقالت: أُفطر وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن صوم عرفة يكفّر العام الذي قبله»(205) .

ولما رأت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الضحى، بدأت تواظب عليها، ولم تتركها قط، وكانت تقول: «لو أن أبي نُشر فنهاني عنها ما تركتها»(206) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

التَعَايُشُ الزوجي

كان بيت أم المؤمنين عائشة مسكناً ومأوى لسيد المرسلين صلى الله عليه وسلم، حيث لم تكن الثروات الكبيرة ولا الأموال الهائلة ولا أغراض التنعم والعيش الهنيئ الرغيد، ولا هي كانت تبالي بهذه الأشياء الزائلة.

ومعلوم أن الإسلام دين يجمع بين الدين والدنيا، فما سبق في الصفحات الماضية من ذكر بعض الحقائق، وصور للجود والكرم والسخاء كانت علاقته بالفطرة البشرية والجِبِلّة الإنسانية.

ونتحول الآن لكي نعيش حياته صلى الله عليه وسلم ونطّلع على صور واقعية منها في ضوء الحقائق التالية:

تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل البيت تَمَثّل: «لو كان لابن آدم واديان من مالٍ لابتغى وادياً ثالثاً، ولا يملأ فَمه إلا الترابُ، وما جعلنا المال إلا لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ويتوب الله على من تاب»(207) .

كان غرضه صلى الله عليه وسلم من تكرار هذه الكلمات يومياً هو تذكير أهل البيت بفناء هذه الدنيا الزائلة، وعدم ثباتها واستقرارها، والحطّ من مكانة وأهمية المال في القلوب وتقليل قيمته.

وكان صلى الله عليه وسلم يدخل في الحجرة بعد صلاة العشاء فيستاك ثم ينام مباشرة، فاذا كانت وسط الليل يستيقظ من النوم ويتنهد، فإذا كان آخر الليل يوقظ عائشة رضي الله عنها لتصلي ثم

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

توتر(208) وإذا تبين له الفجر يصلّي ركعتي الفجر ويضطجع على شقه الأيمن(209) ويتحدث مع عائشة(210) حتى يأيته المؤذن للإقامة.

وأحياناً كانت لتقوم الليل كاملاً مع النبي صلى الله عليه وسلم تعبد ربها، تقول رضي الله عنها: كنت أقوم مع الرسول صلى الله عليه وسلم ليلة التمام فكان يقرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء، فلا يمرّ بآية فيها تخوّف إلا دعا الله عز وجل واستعاذ، ولا يمرّ بآية فيها استبشار إلا دعا الله عز وجل ورغب إليه(211) .

كما أنها كانت تقوم تصلي مع الرسول صلى الله عليه وسلم في الحالات الطارئة، مثل الكسوف وغيره.

وكانت تقتدي بالرسول صلى الله عليه وسلم في حجرتها(212) والرسول صلى الله عليه وسلم يؤم الناس في المسجد.

وكانت تواظب على الصلوات الخمس وقيام الليل، وكذلك صلاة الضحى، وتكثر من الصوم، وأحياناً يصومان معاً، وحينما ترى النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في المسجد في العشر الأواخر من رمضان، قد تشاركه في هذه العبادة، وتضرب الخيمة في المسجد فيصلّي الرسول صلى الله عليه وسلم الصبح ثم يدخلها(213) .

حواشي هذه الصفحة6 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وقد صحبت النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع سنة 11هـ، فلما قدمت مكة حاضت فلم تطف بالبيت، فشكت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: انقُضي رأسك وامتشطي وأَهِلّي بالحج ودعي العمرة، فلما قضت مناسك الحج، أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم مع شقيقها عبد الرحمن إلى التنعيم فأحرمت من هناك للعمرة واعتمرت، فقال صلى الله عليه وسلم: «هذه مكان عمرتك»(214) .

القيام بواجب النبوة في البيت

هذا هو المبحث الأخير في باب العلاقات الزوجية وما مرّ معنا من القصص والوقائع التي تدلّ على غاية الحبّ والمودة، وربما يخطر منها على بال البليد القليل الفطنة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغفل عن واجب النبوة في بيته، وحسبنا في الرد على ذلك قول عائشة رضي الله عنها: كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة قام إلى الصلاة(215) .

ولما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك فاتحاً استقبلته عائشة رضي الله عنها وعلّقت درنوكاً(216) فيه تماثيل فأمرها صلى الله عليه وسلم أن تنزعه فنزعته(217) .

وذات ليلة كان صلى الله عليه وسلم عند عائشة إذ خرج فانطلقت عائشة رضي الله عنها في إثره حتى جاء البقيع، فرفع يديه ثلاث مرات فأطال ثم انصرف، فانصرفت عائشة رضي الله عنها، تقول: فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر فأحضرت وسبَقَقْتُه فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت، فدخل فقال: مالك يا عائشة حشياً رابية؟ قالت: لا، قال: لتُخْبِرِيني أو ليخبِرَنّي اللطيف الخبير، قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي، فأخبرته الخبر(218) .

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وبالرغم من أن الإسلام قد أباح الحرير والذهب للنساء، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لا تعجبه مظاهر التنعُّم والعيش الهنيء والتزين الفاخر، فيكره أن يُرى مثل هذا التنعُّم في بيته، تقول عائشة: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى عليها مسكتَي ذهب فقال: ألا أخبرك بما هو أحسن من هذا، لو نزعت هذا، وجعلت مسكتين من وَرِق ثم صفّرتهما بزعفران، كانتا حسنتين»(219) .

وتقول رضي الله عنها: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خمس: لبس الحرير والذهب(220) والشرب في آنية الذهب والفضة، والمِيثَرة الحمراء، ولبس القِسِّيِّ، فقالت له: يا رسول الله شيء رقيق من الذهب يربط به المسك أو يُربط به، قال: «لا، اجعليه فضةّ وصفّريه بشيء من زعفران»(221) .

وكان العرب قد تعوّدوا على أكل الضّب، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرهه، فأُهدي إليه لحمه ذات مرة فلم يأكله فقالت عائشة رضي الله عنها: ألا نطعمه المساكين؟ قال: لا تطعموهم مما لا تأكلون(222) .

الفصل الثالث

معاملتها مع

الضرائر والأقارب

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 82 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 83 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 84 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الفصل الثالث: معاملتها مع الضّرائر والأقارب

لا يوجد شيء في حياة امرأة أشدّ مرارة وأنكى جرحاً من وجود ضرة لها، وكانت عائشة رضي الله عنها لها ثمان ضرائر، ولكن حياتهن كلها كانت صافية نظيفة، لم يعكّر صفوها شيء من الحقد أو الشَّحناء، وذلك لما أكرمهن الله تعالى بنبيه محمد صلى الله عليه وسلم ورفع من مكانتهن وأعظم من شأنهن.

وكان جملة من تزوج بهن الرسول صلى الله عليه وسلم بعد أم المؤمنين خديجة الكبرى رضي الله عنها عشر نساء، وقد كان زواجه صلى الله عليه وسلم بهؤلاء النسوة في مناسبات مختلفة، ولعدد من الأسباب والمصالح. ومن ضمنهن كانت أم المساكين زينب بنت خزيمة رضي الله عنها، التي تشرفت بالزواج بالنبي صلى الله عليه وسلم في سنة 3 هـ، وعاشت شهرين أو ثلاثة أشهر، أما التسع البواقي فقد قُدّر لهن العيش إلى ما بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، والجدول الآتي يوضّح سنوات زواج أمهات المؤمنين بالنبي صلى الله عليه وسلم، وبهذا تتبين لنا الفترة التي عايشت فيها عائشة رضي الله عنها صويحباتها وضرائرها.

أسماء أمهات المؤمنينسنة زواجهن
1-سودة بنت زمعةالسنة العاشرة من البعثة
2-حفصة بنت عمر الفاروقالسنة الثالثة من الهجرة
3- أم سلمةالسنة الرابعة من الهجرة
4-جويرية «من أثرياء قبيلة بني المصطلق»السنة الخامسة من الهجرة
5-زينب بنت جحش القرشيةالسنة الخامسة من الهجرة
6-أم حبيبة رملة بنت أبي سفيانالسنة السادسة من الهجرة
7-ميمونة بنت الحارثالسنة السابعة من الهجرة
8-صفية بنت حييالسنة السابعة من الهجرة

ولبيان علاقة السيدة عائشة أم المؤمنين مع باقي أمهات المؤمنين نأخذ كل واحدة منهن على حدة حسب أسبقية زواجهما من النبي صلى الله عليه وسلم:

1-أم المؤمنين

خديجة رضي الله عنها: هذا وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم رُزق حبَّ أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، وكان لها مكانة رفيعة في قلبه صلى الله عليه وسلم، وكان دائماً يذكرها بالخير عند عائشة رضي الله عنها رغم أنها انتقلت إلى رحمة الله تعالى قبل زواجه صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها فكانت تغار منها غَيْرة لم تنطو على مثلها لشريكاتها اللواتي يعشن معها، لأنها شَغَلت قلب النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاتها، فلم يزل يذكرها ويحب لحبها من كان يزورها أو يراها، وكان شديد الكَلَف بها والتطلع إليها، تقول عائشة رضي الله عنها:«ما غرت على امرأة للنبي صلى الله عليه وسلم ما غرت على خديجة، هلكتْ قبل أن يتزوجني، لما كنت أسمعه يذكرها، وأمره الله أن يبشّرها ببيت من قصب، وإن كان ليذبح الشاة فيُهدي في خلائلها منها ما يسعهن»(223)

وكل ما سجلته لنا كتب الأحاديث من مآثر وخدمات أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها الدينية والدعوية، من مواساتها للنبي صلى الله عليه وسلم ومساعدتها له ومؤازرتها إياه، كل ذلك مرويّ عن طريق عائشة رضي الله عنها.

2-أم المؤمنين سودة رضي الله عنها: وقد تزوج الرسول صلى الله عليه وسلم عائشة وسودة في الوقت نفسه تقريباً، بفارق يسير من التقديم والتأخير، إلا أن دخوله بعائشة تأخر إلى ما بعد الهجرة، حيث إنها بقيت في بيت أمها بمكة لمدة ثلاث سنوات ونصف تقريباً، وفي هذه الفترة «فترة تأخير بنائه بعائشة» كانت سودة رضي الله عنها هي الزوجة الوحيدة للنبي صلى الله عليه وسلم. فلما بنى الرسول صلى الله عليه وسلم بعائشة كانت سودة «ضَرّتها» موجودة، وكان من المتوقع أن تكون هذه الفترة فترة المنافسة بينهما، ونيل الحقوق دون مشاركة غيرها، إلا أن الواقع يثبت عكس ذلك كلياً، فكل ما حدث في هذه الفترة يدل على وحدتهما ومودتهما وإخلاصهما ووفائهما، ولما كبرت سودة رضي الله عنها وأسنّت فَرِقَتْ أن يفارقها الرسول صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وضنَّتْ بمكانها منه، وعرفت من حُبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة فوهبت يومها لها، فقبل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منها(224)

كانت عائشة رضي الله عنها تمدح سودة كثيراً وتقول: ما رأيت امرأة أحبّ إليّ أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة من امرأة فيها حِدّة(225) .

3-أم المؤمنين حفصة رضي الله عنها: وقد تزوجها الرسول صلى الله عليه وسلم في السنة الثالثة من الهجرة، وعاشتا معاً في ظل حبيبهما المصطفى صلى الله عليه وسلم حوالي ثمان سنوات، فإحداهما كانت فلذة كَبد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، والأخرى كانت قرة عين عمر الفاروق رضي الله عنه، كانت حياتهما نموذجاً حياً صادقاً للتوادد والتلاطف والتحابب، يكون لهما رأي(226) واحد في الأمور المنزلية، وكانتا أصدق صديقتين تتفقان وتتكاشفان كلما وقع الخصام في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وتؤيد إحداهما الأخرى في كل الأمور بإزاء غيرهما من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك كله فبسبب نطاق الحبّ لا تكاد تتحمل فيه الواحدة الأخرى ولا ترضى بقسمة هذا الجوهر الغالي في غيرهما، ولما فيها من المنافسة والغيرة على أترابها.

وما كانت تتوقف هذه المنافسة بينهما حتى في السفر، وإلى هذا يُشير حديث عائشة الآتي:

«إن النبي صلى الله عليه وسلم

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كان إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة لعائشة وحفصة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث، فقالت حفصة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك، تنظرين وأنظر؟ فقالت: بلى، فركبت، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى جمل عائشة وعليه حفصة، فسلّم عليها، ثم سار حتى نزلوا، وافتقدته عائشة، فلما نزلوا جعلت رجليها بين الإذخر(227) وتقول: يا ربّ سلّط عليّ عقرباً أو حية تلدغني، ولا أستطيع أن أقول له شيئاً»(228)

4-أم المؤمنين أم سلمة رضي الله عنها: وكانت هي التي امتازت بصفات عالية من العقل وقوة الإدراك وملكة في الفهم وبُعد في النظر بين أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد عائشة رضي الله عنها، ومشورتها التاريخية التي أشارت بها على النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية بخصوص(229) نحر الهدي لتستحق أن تُسجَّل بأحرف من الذهب، وتبقى تذكاراً رائعاً في تاريخ النساء. ولذلك نراها قد احتلت مرتبة رفيعة لدى النبي صلى الله عليه وسلم رغم كبر سنّها، ولم يعكّر صفاء علاقتها مع عائشة طوال هذه الفترة إلا حادث واحد بسيط فقط، وهو ما حكته لنا عائشة رضي الله عنها تقول:«اجتمع صواحبي إلى أم سلمة، فقلن: يا أم سلمة والله إن الناس يتحرّون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أن يُهدوا إليه حيثما كان، أو حيثما دار، قالت: فذكَرَتْ ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم قالت «أم سلمة»: فأعرض عني، فلما عاد إليّ ذكرت له ذلك، فأعرض عني، فلما كان في الثالثة ذكرت له، فقال: يا أم سلمة لا تؤذيني في عائشة، فإنه والله مانزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها»(230)

5-أم المؤمنين جويرية رضي الله عنها: لم تذكر لنا كتب الأحاديث والسير أيَّ موقف بينها وبين عائشة رضي الله عنها، سوى أن عائشة قد انبهرت بجمالها لما رأتها لأول وهلة، ولنسمع وصفها بلسان عائشة تقول: «وكانت امرأةحلوة لا يكاد يراها أحد إلا أخذت بنفسه، فبينا النبي صلى الله عليه وسلم عندي إذ دخلت عليه جويرية تسأله في كتابتها، فوالله ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها على النبي صلى الله عليه وسلم، وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت.... الحديث»(231) . فخافت عائشة على نفسها علّها تسبّب نقصان مرتبتها، والتقليل من مكانتها وأهميتها، وسرعان ما زاحت هذه الفكرة وزالت هذه الوسوسة، وثبت أن ذلك كان خطأً، إذ لم تكن أسباب مكانتها العالية، وعظم مرتبتها وسموّ درجتها ورفعتها ذاك الجمال الظاهري أو الحسن الرائع الذي يبهر العقول ويجلب النفوس.

6-أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها: كانت بنت عَمَّةِ الرسول صلى الله عليه وسلم، أبيّة، أنوف، فيها شيء من الحِدّة من أجلها فارقها زوجها الأول، كانت رضي الله عنها أقرب النساء قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تقول عائشة رضي الله عنها وهي تصفها: «وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم(232) وقد أرسلها بعض الأزواج إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، قالت«عائشة»: ثم وقعت بي،

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فاستطالت عليّ، وأنا أرقب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرقب طَرْفه، هل يأذن لي فيها، قالت: فلم تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكره أن أنتصر، قالت: فلما وقعتُ بها لم أنشبها حتى أنحيتُ عليها، قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنها ابنة أبي بكر(233)

ولمّا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكفُ في العشر الأواخر من رمضان يُضرَب له الخباء، فيدخله صلى الله عليه وسلم، وكانت عائشة أيضاً يضرَب لها الخباء في فناء المسجد، وذات مرة ضرب لها الخباء، فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباءً فأذنت لها، فضربت خباءً، فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباءً آخر، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم رأى الأخبية، فقال: ما هذا؟ فأُخبر، فقال: آلبرّ تَرَوْن بهن؟ فترك الاعتكاف ذلك الشهر، ثم اعتكف عشراً من شوّال. وفي رواية مسلم «فأمر بخبائه فقُوِّض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان.....»(234) .

وذات ليلة جاءت زينب إلى بيت عائشة – ولم يكن يومئذٍ مصباح في البيوت – إذ دخل النبي صلى الله عليه وسلم فمدّ يده إليها، فقالت عائشة رضي الله عنها: هذه زينب، فكفّ النبي يده فتقاولتا، حتى استخبتا وأقيمت الصلاة، فمرّ أبو بكر على ذلك فسمع أصواتهما فقال: اخرج يا رسول الله إلى الصلاة، واحثُ في أفواههن التراب، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت عائشة: الآن يقضي النبي صلى الله عليه وسلم صلاته فيجئ أبو بكر فيفعل بي ويفعل، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته أتاها أبو بكر فقال لها قولاً شديداً، وقال: أتصنعين هذا(235) ؟.

ولا يظّنن ظان من هذه القصص أن قلوبهن لم تكن صافية تجاه بعضهن البعض وصواحبهن، فكانت العلاقات بينهن على أحسن ما تتسنى العلاقات بين أناس تجمعهم معيشة واحدة، فعائشة وزميلاتها كن يغرنَ ويتنافسن لا محالة كما تغار النساء في كل مكان، ولكنهن لم ينسين قط أنهن نساء نبيّ يتأدّبن بأدبه، ولا يجاوزن بالغيرة ما يجمل

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بهن في كنفه ورعايته، وإن تسع أخوات شقيقات من أب واحد وأم واحدة ليقع بينهن من شحناء الغيرة إذا اجتمعن في بيت أسرتهن أضعاف ما روي لنا من غيرة زوجات النبي صلى الله عليه وسلم في عشرتهن الطويلة.

ومما لا مراء فيه أن شرف الصحبة يجعل الإنسان يحتل مكانة عالية مرموقة ودرجة سامية، ولكنه لا يغيِّر من طبيعته وجبلّته شيئاً، كذلك حال المرأة فإنها بطبيعتها وفطرتها لا ترضى بأن تشاركها واحدة أخرى في حُبها، ولا تقبل فيه أية قسمة، ولكن حال زوجات النبي صلى الله عليه وسلم تختلف عن عامة النساء، فكن يحمن حول حمى المصباح الوحيد – وهو مصباح حب النبي صلى الله عليه وسلم - بينما قلوب جميعهن كانت تستضيء من سراج واحد، وتستنير من مصباح واحد، ورغم ذلك كله كن نموذجاً رائعاً ومثالاً نادراً للملاطفة والمداراة والتحابب فيما بين زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، سوى ما روى في بعض الأحوال الاستثنائية والمواضع العاطفية.

وهذه زينب بنت جحش رضي الله عنها لما بنى بها النبي صلى الله عليه وسلم هنّأتها عائشة رضي الله عنها وباركتها(236) .

ولما حاولت بعض القلوب المنافقة الحاقدة اتهام عائشة رضي الله عنها في حادث الإفك شاركتهم حمنة بنت جحش شقيقة زينب في هذه المؤامرة، إلا أن زينب رضي الله عنها لم تَزلّ قدماها عن طريق الصواب قِيد شبر لأية لحظة، وظلّت على موقفها ثابتة، ولمّا سألها الرسول صلى الله عليه وسلم عن أمر عائشة رضي الله عنها: يا زينب ماذا علمت أو رأيت؟ فاستعاذت بالله وقالت: «أحمي سمعي وبصري؛ والله ما علمت إلا خيراً»، وقد كان بوسعها أن تقول في هذه المناسبة ما تقوله الضرة المحنقة، وتسقط قرينتها وتخسّرها بكلمة واحدة، لكن شرف صحبة المصطفى صلى الله عليه وسلم جعلها أعلى وأرفع بكثير من هذه الدنايا، فلم ينبس فمها بكلمة

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

باطل، ولذلك نرى عائشة رضي الله عنها كانت تذكرها بكلمات من الشكر والامتنان، وتقول: «فعصمها الله بالورع»(237)

ومما لا شك فيه أن ذكر محاسن الأموات ومآثرهم يمنح حياتهم الخلقية الدوام والسرمدية وعائشة رضي الله عنها كانت خير مثال لذكر محاسن ضرائرها وقريناتها، تقول رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه: أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً، قالت: فكنا إذا اجتمعنا في بيت إحدانا بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم نمدّ أيدينا في الجدار نتطاول، فلم نزل نفعل ذلك حتى توفيت زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم وكانت امرأة قصيرة ولم تكن أطولنا، فعرفنا حينئذ أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أراد بطول اليد الصدقة، وكانت زينب امرأة صُنّاعة اليد، فكانت تدبغ وتخرز وتَتَصَدّق في سبيل الله عز وجل().(238)

وقد سبق أن ذكرنا ما حدث ذات مرة بين عائشة وزينب رضي الله عنها ووصل الأمر إلى غاية الضيق والكره والاستياء، وها هي عائشة رضي الله عنها تحكي لنا تلك القصة المرة بأسلوب حلو غنيّ بالحُب والإخلاص، لا يشوبه شيء من الحقد أو الكره أو الاشمئزاز، فهي تسرد القصة وتمدحها، تقول رضي الله عنها: «فأرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهي التي كانت تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم أر امرأة قطّ خيراً في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثاً، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالاً لنفسها في العمل الذي تصدَّق به وتقرَّب به إلى الله تعالى، ما عدا سَوْرة من حدة كانت فيها، تُسرع منها الفيئة....»(239) الحديث.

7- أم المؤمنين حبيبة

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رضي الله عنها: لم تسجّل لنا كتب الأحاديث عنها شيئاً في تعاملها مع عائشة رضي الله عنها بالموافقة أو المخالفة، إلا أن كتب أسماء الرجال تنصّ على أنها استدعت عائشة عند وفاتها فقالت: قد كان ويكون بيننا وبين الضرائر، فغفر الله لي ولك ما كان من ذلك، فقلت «القائلة هي عائشة»: غفر الله لك ذلك كله، وتجاوز، وحلّلك من ذلك، فقالت «أم حبيبة»: سَرَرْتِني سّرك الله(240)

8- أم المؤمنين ميمونة رضي الله عنها: لم تذكر لنا كتب الأحاديث شيئاً من تعاملها مع عائشة رضي الله عنها، وقد ثبت في كتب الرجال أنها لما ماتت قالت عنها عائشة رضي الله عنها: «أما إنها كانت من أتقانا لله وأوصلنا للرحم»(241) .

9- صفية بنت حُيَيّ رضي الله عنها: وقد نالت شرف صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وحظيت بالبقاء في كنفه لمدة ثلاث سنوات فقط، وكانت مختلفة عن بقية أمهات المؤمنين، لأنها كانت من خيبر ومن أسرة يهودية، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيبر، فلما دنَوْا من المدينة دفع رسول الله صلى الله عليه وسلم فعثرت الناقة العضباء وندر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام فسترها، وقد أشرفت النساء فقلن: أبعد الله اليهودية(242) .

وقد عُرفت أم المؤمنين صفية رضي الله عنها بجودة الطهي فنفست عليها السيدة عائشة هذه الإجادة، ولم تكتم غيرتها عليها، بل هي التي روتها، ومن حديثها عنها عرفناها، قالت: ما رأيت صانعة طعام مثل صفية، أهدت إلى النبي صلى الله عليه وسلم إناءً فيه طعام، فما ملكت نفسي أن كسرته، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن كفارته فقال: «إناء كإناء وطعام كطعام»(243)

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفي رواية البخاري: فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم بقصعة فيها طعام، فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام، وقال: كلوا، وحبس الرسول والقصعة حتى فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة وحبس المكسورة(244)

وكانت صفية رضي الله عنها قصيرة القامة، فذات مرة قالت عائشة رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا - تعني قصيرة - فقال: «لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته، قالت: وحكت له إنساناً، فقال: ما أحب أني حكيت إنساناً وأن لي كذا وكذا»(245) . والدليل على أن هذه المشاعر تجاه الضَّرّة كانت مؤقتة زائلة أن صفية رضي الله عنها كانت من حزب عائشة رضي الله عنها ومؤيدة لها في كل الأمور.

هذا وقد تبين لنا في ضوء ما قدمنا مدى اهتمام عائشة رضي الله عنها بصواحبها وضرائرها واحترامها إياهن وتوقيرهن، والنظر إليهن بنظرة العزة والإكرام والتعامل معهن بأقصى درجات اللطف والإخلاص والعدل، كما عرفنا كيف كانت تستقبلهن برحابة الصدر وسعة القلب، وتذكرهن بالخير، وتثني عليهن وعلى محاسنهن، وتُسرع إلى التوبة والرجوع إلى الله إذا صدر منها خطأ نظراً إلى الطبيعة البشرية، ولم يكن من عادتها أنها هي التي تبدأ الهجوم على ضرائرها في أمر ما، نعم إذا بادرت واحدة بالهجوم عليها فإنها كذلك لا تلزم الصمت، ومع ذلك كله فإنها تثني على كل واحدة وتمدحهن.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

تنبيه على بعض الروايات الضعيفة

كل منا يعلم أن الإخلاص والحب والوفاء بين الضرائر أصبح من الأشياء العزيزة النادرة والقليلة الوجود في مجتمعنا اليوم، إلا أن شأن أمهات المؤمنين في هذا الأمر كان مختلفاً عن غيرهنّ من نساء العالم، فقد كن على أعلى مستوى وأرفع مكانة في الخصائص والمميزات مما كان يتوقعه منهن العالم البشري، وقد حقّقن تلك الأحلام التي رأتها دنيا النساء تجاههن، ولم يخيّبن آمالهن في شيء والحمد الله على ذلك. ولكنهن لم ينسين قط أنهن نساء نبيّ، يتأدبن بأدبه، ويتطلّعن إلى رضاه، ويفزعن من غضبه.

ورغم أن معظم الأحاديث والروايات التاريخية التي سبق أن ذكرناها هي مستقاة من كتب الصحاح، إلا أنه يوجد فيها بعض من نقاط الضعف، أو تشويه للصورة الأصلية، ولو قمنا بعملية الفحص والتحقيق والدراسة سيتضح لنا ذلك بكل وضوح وفي صورة مشرقة، ومن الأمثلة والشواهد على ذلك ما يلي:

1- قصة كسر القصعة، فهذه القصة موجودة في سائر كتب الأحاديث تقريباً، إلا أن البخاري ومسلم لم ينصّا على أن التي كسرت القصعة هي عائشة رضي الله عنها، بينما الأحاديث الواردة في السنن والمسانيد تنصّ على أنها كانت عائشة، مثل سنن أبي داود، وسنن النسائي ومسند الإمام أحمد بن حنبل وغيرها، والغريب في الأمر أنهم يروون ذلك عن عائشة رضي الله عنها نفسها، وأول راوية لهذا السند هي جسرة بنت دجاجة، وهي وإن وثقها العجلي(246) وابن حبان(247) لكن يقول عنها البخاري: عند جسرة عجائب(248) ، وزعم ابن حزم أن حديثها باطل(249) .

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الراوي الثاني هو أفلت العامري، وهو وإن وثّقه بعض المحدثين إلا أن معظمهم اتفق على تضعيفه.

قال الإمام أحمد: ما أرى به بأساً(250) ، ونقل الخَطّابي عن أحمد قوله: إنَّ أفلت راوٍ مجهول، وقال البغوي في شرح السنة: ضعّف أحمد هذا الحديث، أي حديث: لا أحل المسجد لحائض ولا جنب، لأنه من رواية أفلت، وهو مجهول(251) ، وقال ابن حزم: غير مشهور ولا معروف بالثقة، وحديثه هذا باطل(252) .

2-وفي سنن الترمذي عن صفية بنت حيي رضي الله عنها قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغني عن حفصة وعائشة كلام، فذكرت ذلك له، فقال: «ألا قلتِ: فكيف تكونان خيراً مني؟ وزوجي محمد وأبي هارون وعمّي موسى، وكان الذي بلغها أنهم قالوا: نحن أكرم على رسول الله صلى الله عليه وسلم منها، وقالوا: نحن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبنات عمه»(253) قال الترمذي: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث صفية إلا من حديث هاشم الكوفي، وليس إسناده بذلك القوي.

هذه الرواية تناقلتها كل كتب السير ولكنها لم تذكر تعليق الإمام الترمذي على الرواة، وفيما يأتي نذكر أقوال المحدثين في هاشم الكوفي الذي عليه مدار الإسناد:

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

قال الإمام أحمد: لا أعرفه(254) ، وقال ابن معين: ليس بشيء(255) ، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث(256) ، وقال ابن عدي: مقدار ما يرويه لا يتابع عليه(257) ، ومع ذلك كله فإن رواية أنس رضي الله عنه التي في الترمذي(258) ليس فيها ذكر عائشة.

3-وفي مسند الإمام أحمد بن حنبل عن علي بن زيد عن أم أحمد امرأة أبيه عن عائشة قالت: كانت عندنا أم سلمة، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم عند جنح الليل، قالت: فذكرت شيئاً صنعه بيده، قالت: وجعل لا يفطن لأم سلمة، قالت: وجعلت أومئ إليه حتى فطن، قالت أم سلمة: أهكذا الآن، أما كانت واحدة منا عندك إلا في خلابة كما أرى، وسبّت عائشة وجعل النبي صلى الله عليه وسلم ينهاها، فتأبى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: سُبّيها، فسبّتها حتى غلبتها، فانطلقت أم سلمة إلى علي وفاطمة، فقالت: إن عائشة سبتها وقالت لكم وقالت لكم......... الحديث(259) .

والراوي الثاني لهذا الحديث هو علي بن زيد، يقول فيه ابن سعد: ولد وهو أعمى، وكان كثير الحديث وفيه ضعف ولا يحتج به، وقال صالح بن أحمد عن أبيه: ليس بالقوي، وقد روى عنه الناس، وقال أحمد: ليس بشيء، وقال حنبل عن أحمد: ضعيف الحديث، وقال يحيى: ضعيف، وفي رواية: ضعيف في كل شيء، وقال الجوزجاني: واهي الحديث، ضعيف، وفيه ميل عن القصد، لا يحتج بحديثه، وقال الحاكم أبو أحمد: ليس بالمتين عندهم، وقال أبو زرعة: ليس بالقوي، وقال البخاري: لا يحتج به، وقال سليمان بن حرب عن حماد بن زيد: حدثنا علي بن زيد وكان يقلب الأحاديث، وفي رواية: كان يحدثنا اليوم بالحديث ثم يحدثنا غداً، فكأنه ليس كذلك(260) .

حواشي هذه الصفحة7 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

علاقة السيدة عائشة الصديقة الوطيدة بالسيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها

كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع بنات كلهن من خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها وهن: السيدة زينب، رُقية، أم كلثوم، فاطمة الزهراء رضي الله عنهن، وكلّهن قد كن تزوّجن وانتقلن إلى بيوت أزواجهن قبل بناء الرسول صلى الله عليه وسلم بعائشة، إلا فاطمة الزهراء رضي الله عنها، وأما السيدة رقية رضي الله عنها فقد وافتها المنيّة بعد سنة من بناء الرسول صلى الله عليه وسلم بعائشة، وأما السيدة زينب وأم كلثوم رضي الله عنهما فقد عاشتا حوالي سبعة أو ثمانية أعوام مع زوجة أبيهما عائشة رضي الله عنها، ثم انتقلت إلى رحمة الله تعالى في السنة الثامنة والتاسعة من الهجرة على التوالي، ولم يحدث بينهن خلال هذه الفترة شيء يعكّر صفو علاقتهن، وهذه السيدة زينب رضي الله عنها أكبر بنات الرسول صلى الله عليه وسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هي أفضل بناتي أصيبت فيَّ»(261) وكانت لها بنت تسمى أمامة، يحبّها النبي صلى الله عليه وسلم، ومن حبه لها أنه كان يصلي وهو حاملها، فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها(262) . وذات مرة أهديت للرسول صلى الله عليه وسلم هدية فيها قلادة من جزع فقال:«لأدفعنَّها إلى أحب إهلي إليّ».

فقالت النساء: ذهبت بها ابنة أبي قحافة، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم أمامه بنت زينب فعلّقها في عنقها(263) .

أما السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها فإنها كانت بكراً عندما بنى الرسول صلى الله عليه وسلم بعائشة رضي الله عنها، ولكنها كانت أكبر سناً منها بحوالي خمس أو ست سنوات، وقد عاشت مع عائشة

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

رضي الله عنها سنة أو أقل، لأنها تزوجت في وسط السنة الثانية للهجرة، وكانت عائشة من اللاتي قمن بتجهيزها للعرس، وإعداد أغراض البيت وترتيب أمور الزواج، تقول رضي الله عنها: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نجهَّز فاطمة حتى نُدخلها على علي، فعمدنا إلى البيت، ففرشناه تراباً ليّناً من أعراض البطحاء، ثم حشونا مرفقتين ليفاً فنفشناه بأيدينا، ثم أطعمنا تمراً وزبيباً، وسقينا ماءً عذباً، وعمدنا إلى عود فعرضناه في جانب البيت ليُلقي عليه الثوب ويعلق عليه السقاء، فما رأينا عرساً أحسن من عرس فاطمة(264) والبيت الذي نزلت فيه فاطمة رضي الله عنها بعد الزواج كان يفصله جدار من حجرة عائشة رضي الله عنها، وكان بينهما مشربة تتكلمان منها.

هذا ولم تسجّل لنا كتب الأحاديث واقعة صحيحة تدل على أن واحدة منهما قد حملت شيئاً من الكراهية أو البغض في قلبها تجاه الأخرى، بل أجمع أصحاب السير وكتب الأحاديث على أن الصلة بين عائشة رضي الله عنها وبين فاطمة كانت على أكمل ما ترضاه السجية الإنسانية في كل صلة من قبيلها، وكانتا شريكتين في قلب واحد تتنافسان عليه ولكنها شركة بين كريمتين، وها هي فاطمة رضي الله عنها تأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى، وقد بلغها أنه جاءه رقيق فلم تصادفه فذكرت ذلك لعائشة...... الحديث(265) .

ومن أثر هذه المنافسة أن أمهات المؤمنين أوفدن السيدة فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ينشدن العدل في ابنة أبي قحافة، لكن لنرى كيف كان موقفها من ذلك، تقول: فكلَّمتْه فقال: يا بنية ألا تحبّين ما أُحب؟ قالت: بلى، فرجعت إليهن فأخبرتهن فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع(266) .

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وهذه عائشة رضي الله عنها تثني على فاطمة رضي الله عنها قائلة: ما رأيت أفضل من فاطمة غير أبيها صلى الله عليه وسلم(267) .

وتقول عائشة رضي الله عنها: «ما رأيت أحداً أشبه سمتاً ودلالاً وهدياً برسول الله صلى الله عليه وسلم في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالت: وكانت إذا دخلت على النبيّ قام إليها فقبّلها وأجلسها في مجلسه، وكان صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبّلته وأجلسته في مجلسها»(268) .

كما أن عائشة هي التي روت حديث فضل أهل البيت الذي يعتبر من أعظم مناقب فاطمة رضي الله عنها. والحديث الآتي يبين لنا مدى علاقتها الوطيدة مع فاطمة رضي الله عنها، وثنائها عليها في الوقت نفسه، تقول: كنّ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده لم يغادر منهن واحدة، فأقبلت فاطمة تمشي، ما تُخطئ مِشيتُها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً، فلما رآها رحب بها فقال: مرحباً بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارّها فبكت بكاءً شديداً فلما رأى جَزَعها سارّها الثانية، فضحكت، فقلت لها: خصّك رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين نسائه بالسّرار ثم أنت تبكين، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتها ما قال لكِ رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: «ماكنت أُفشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم سرّه، قالت: فلمّا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت: عزمت عليكِ بما لي عليكِ من الحق لما حدَّثتني ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: أما الآن فنعم، أما حين سارّني في المرة الأولى فأخبرني أن جبريل كان يعارضه القرآن في كل سنة مرة أو مرتين، وإنه عارضه الآن مرتين، وإني لا أُرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله واصبري، فإنه نعم السلف أنا لك، قالت: فبكَيْتُ بُكائي الذي رأيتِ، فلما رأى جَزَعي سارّني الثانية فقال: يا فاطمة أما ترضيْنَ أن تكوني سيّدة نساء المؤمنين أو سيّدة نساء هذه الأمة، قالت فضحكت ضحكي الذي رأيت»(269) .

هذا الحديث خير دليل على حسن علاقتهما الوطيدة، وكما نعلم أن هذا الحادث جرى في آخر عمر فاطمة رضي الله عنها، فاتضح من ذلك أن قضايا الميراث وفَدَك لم تؤثر شيئاً على علاقتهما الطيبة، ولم تدفع إلى حدوث أي توتر في الصلة التي تجمعهما بكل صدق وإخلاص، كما أنه لم يُعهَد منهما شيء من المضايقات حتى في الشؤون المنزلية والداخلية يعكّر صفر علاقتهما القلبية والروحية.

فظاهر هذا الحديث فيه منقبة لعائشة رضي الله عنها والثناء عليها، ولكن يبدو بعد إمعان النظر وتدقيقه أن الراوي قام بتقديم صورة مشوّهة مستكرهة لأخلاق أمهات المؤمنين، ومصدر هذه البلية هو علي بن زيد التيمي الذي ضعفه العلماء(270) .

الفصل الرابع

آيات نزلت

بسبب عائشة رضي الله عنها

الفصل الرابع: آيات نزلت بسبب عائشة

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 101 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 102 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 103 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 104 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

أولاً حديث الإفك

إن المصائب والمحن التي واجهها المسلمون بعد هجرتهم إلى المدينة المنورة كانت متباينة تماماً عما أصابهم في مكة المكرمة، وقد نشأ في المدينة رهط من المنافقين، كان شغلهم الشاغل التآمر ضد المسلمين ونسج خيوط المكر والدهاء للإيقاع في المسلمين.

ولا شك أن العِرض والناموس هو رأس مال الإنسان وأغلى متاع عنده، والهجوم على أعراض الناس والطعن فيها والنيل من نواميسهم لا يجترئ على ذلك إلا العدو اللئيم الحقير الخسيس، وكما أن المدينة المنورة كانت مأوى ومستقراً للمؤمنين الصادقين المتفانين في سبيل الله، أصحاب الإخلاص والوفاء، أولي الهمم العالية والتضحيات الجليلة العظيمة، كذلك نشأت هناك طائفة من الأعداء الخائنين الذين كانوا يكتمون النفاق في قلوبهم، وكان جل اهتمامهم الغدر والخيانة بالمسلمين والتآمر ضدهم بسائر الطرق المتاحة لديهم، وكان سلاحهم الأقوى والأكبر هو بث الإشاعات الكاذبة ونشر الأخبار المزورة التي تنال من حرمات المسلمين وأعراضهم، وتهتك حرماتهم، كما أنها تهيِّئ الأسباب والدوافع لإشعال الحروب الأهلية، وتوفّر مناخاً مناسباً وجواً ملائماً لها.

ولو لم يكن توفيق الله عز وجل حليفاً للمسلمين، والعناية الإلهية حافة بالنبي صلى الله عليه وسلم لتكللت جهودهم السيئة هذه بالنجاح، وأثاروا الفتن في المجتمع الإسلامي، ليس عن طريق التفريق بين الصحابة وتشتيت شملهم فحسب، بل بإيجاد أسباب ودوافع للتقاتل والتحارب وإسالة الدماء.

هذا ومن أسوأ وأقبح الأمثلة لهذه الجهود التي قامت بها القلوب الحاقدة ضد المسلمين حادثة الإفك، ولما كان سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه وسيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه من أكبر أعداء هذه القلوب الحاقدة المنافقة، صرفت هذه الطائفة الماكرة قسطاً كبيراً من مساعيها وجهودها الفاشلة إلى توجيه الطعن إلى حرم النبوة أمهات المؤمنين السيدة عائشة والسيدة حفصة رضي الله عنها.

كانت غزوة المريسيع

في شعبان سنة خمس للهجرة فنزل النبي صلى الله عليه وسلم على بئر لبني المصطلق يقال لها: «المريسيع» قريباً من نجد، فقاتلوا المشركين، وقد خرج معهم جماعة من المنافقين لم يخرجوا قط في غزاة قبلها؛ لأنهم ظنوا أنه لا يحدُثُ شيء، ولا تنشب معركة دامية، يقول ابن سعد: «وخرج معهم بشر كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قط مثلها»(271)

وقبل الخروج أقرع النبي صلى الله عليه وسلم بين أزواجه حسب عادته فأيهن خرج سهمها خرج بها الرسول صلى الله عليه وسلم، تقول عائشة رضي الله عنها: «فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم».

وكانت عائشة قد استعارت عِقْداً من أختها أسماء، وكان في عنقها وكانت سموطه(272) تسقط وتتقطع، فانقطع هذا العقد، وهي يومئذٍ في الرابعة عشرة من عمرها، فقلقت عليه كما هي عادة البنات في مثل هذا العمر، وهي تحسب وتعتبر الحلية المتواضعة البسيطة من أغلى الأشياء عندها، وتستعد لتحمل أي مشقة في سبيل الحصول عليها.

تقول رضي الله عنها: «فأقبل الذين يرحِّلون لي، فاحتملوا هودجي فرحّلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافاً لم يَثْقُلن ولم يَغْشَهُنّ اللحم، وإنما يأكلن العُلْقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثِقَلَ الهودج، فاحتملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا».

هذا وخلال رحلة العودة إلى المدينة المنورة قام المنافقون بإيقاد نار من الاضطرابات، وإحداث الغوغاء بين المهاجرين والأنصار، وكادوا أن يشهروا السلاح ويتقاتلوا فيما بينهم.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وكان المنافقون يحثون الأنصار على ألا ينفقوا على المهاجرين والمسلمين، ويتخلَّوْا عن مؤازرتهم ويتركوا مساعدتهم، فقال عبد الله بن أُبَيّ رئيس المنافقين: ﴿ يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ(273) ۚ ﴾ .

ولما سمع النبي هذه الغوغاء بين المهاجرين والأنصار خرج فقال: «ما بال دعوى الجاهلية؟ ثم قال: ما شأنهم؟ فأُخبر بما حصل بين المهاجرين والأنصار فقال: دعوها فإنها منتنة، ثم أمر بالرحيل وخرج بالناس، فقدم عبد الله بن عبد الله بن أُبَيّ حتى وقف لأبيه على الطريق، فلما رآه أناخ به وقال: لا أفارقك حتى تزعم أنك الذليل ومحمد العزيز(274) .

تقول عائشة: «حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته وقفل دَنَوْنا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل فقمتُ حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري، فإذا عِقد لي من جزع ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عِقدي فحبسني ابتغاؤه» وكانت على يقين تام أنها ستجد ضالتّها قبل رحيل السفر ولذلك لم تخبر أحداً ولم تطلب منهم أن ينتظروها- قالت: «وأقبل الرهط الذين كانوا يرحّلوني فاحتملوا هودجي، فرحّلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه.....، قالت: ووجدت عِقْدي بعد ما استمرّ الجيش، فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب، فتيمّمت منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطِّل السُّلَمي ثم

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمّرت وجهي بجلبابي، والله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة وهم نزول»(275)

هذه هي الصورة الحقيقية للواقعة، والتي تحدث في معظم الأحوال عندما يكون واحد في السفر، حتى في زمننا هذا الذي وصل فيه الرقيّ التكنولوجي إلى قمة التطور والنمو، وأبدعت شتى أنواع وسائل السفر والمواصلة والتنقل.

ثم ما حدث لعائشة رضي الله عنها وما قام به أصحاب القلوب الحاقدة ذوات الشحناء والبغضاء نحو هذه المُحْصَنة الغافلة التقية الزكيّة، ليس ذلك الوحيد من نوعه، وإنما هذا إعادة لما حدث من قبل لمريم البتول عليها السلام في بني إسرائيل.

فوجد الخبيث عدو الله عبد الله بن أُبَيّ متنفَّساً، فتنفس من كُرَب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه، فجعل يحيك الإفك ويوشّيه، ويشيعه ويذيعه، ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون إليه، ولما سمع المسلمون الصادقون وسادات الصحابة قالوا: هذا بهتان عظيم، وهذا أبو أيوب رضي الله عنه قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ قال: بلى، وذلك الكذب أكنت يا أم أيوب فاعلة؟ قالت: لا والله ما كنت لأفعله، قال: فعائشة خيرٌ منك(276) .

وليس أشد على نفس الفتاة خاصة ولا أوجع لضميرها من مطعن يَهْدم سمعتها، ويعصف بهناءتها، ويُفقدها الرجل الذي تحبه، والمكانة التي تبوّأتها، وأشد ما يكون ذلك على البريئة العزيزة التي يهولها الأمر على قدر ظلمها فيه وعلى قدر نكبتها بما تفقده من العزة والسمعة، لم تكن عائشة رضي الله عنها مطلعة على هذا الخبر المفجع المؤلم، ولم تشعر بالشرّ إذ خرجت مع أم مِسْطح قِبَل المناصع، تقول رضي الله عنها: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

أراد أن يخرج سفراً أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج بها معه، فأقرع بيننا في غزاةٍ غزاها، فخرج سهمي، فخرجت معه بعد ما أنزل الحجاب، فأنا أُحمل في هودج وأُنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلةً بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى الرَّحل فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفارٍ قد انقطع فرجعت، فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، فأقبل الذين يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفاقاً لم يثقلن ولم يغشهنَّ اللحم وإنما يأكلن العُلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم حين رفعوه ثِقل الهودج فاحتملوه، وكنت جاريةً حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عِقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منزلهم وليس فيه أحد، فأممت منزلي الذي كنت به، فظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليَّ، فبينما أنا جالسة غلبتني عيناي فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين أناخ راحلته، فوظئ يدها فركبتها فانطلق يقود بي الرَّاحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا معرَّسين في نحر الظهيرة، فهلك من هلك وكان الذي تولَّى الإفك عبد الله بن أبي بن سلول، فقدمنا المدينة فاشتكيت بها شهراً والناس يُفيضون من قول أصحاب الإفك ويَريبني في وجعي أني لا أرى من النبي صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أمرض، إنما يدخل فيسلَّم ثم يقول: كيف تيكم لا أشعر بشيء من ذلك حتى نقهت فخرجت أنا وأم مسطح قِبل المناصع متبرَّزنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليلٍ وذلك قبل أن نتخذ الكُنُف قريباً من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأُول في البرية أو في التنزه، فأقبلت أنا وأم مسطح بنت أبي رهم نمشي فعثرت في مِرطها فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلاً شهد بدراً؟، فقالت: يا هنتاه ألم تسمعي ما قالوا، فأخبرتني بقول أهل الإفك، فازددت مرضاً على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كيف تيكم، فقلت: ائذن لي إلى أبوي، وقالت وأنا حيئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلى

الله عليه وسلم، فأتيت أبوي، فقلت لأمي ما يتحدَّث به الناس، فقالت: يا بنية هوني على نفسك الشأن فو الله لقلَّما كانت امرأة قط وضيئة عند رجلٍ يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها، فقلت: سبحان الله ولقد يتحدث الناس بهذا، قالت: فبت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنومٍ، ثم أصبحت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار عليه بالذي يعلم في نفسه من الود لهم، فقال أسامة: أهلك يا رسول الله ولا نعلم إلا خيراً، وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيِّق الله عليك والنساء سواها كثير وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال: يا بريرة هل رأيت فيها شيئاً يريبك؟ فقالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمراً أغمصه عليها قط أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام على العجين فتأتي الدَّاجن فتأكله، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي ابن سلول فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يعذرني من رجلٍ بلغني أذاه في أهلي، فو الله ما علمت على أهلي إلا خيراً، وقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي، فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحميَّة فقال: كذبت لعَمْرُ الله لا تقتله ولا تقدر على ذلك، فقام أُسيد بن حضير فقال: كذبت لعَمْرُ الله، والله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيَّان الأوس والخزرج حتى هموا ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فنزل فخفَّضهم حتى سكتوا وسكتَ، وبكيتُ يومي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنومٍ فأصبح عندي أبواي وقد بكيت ليلتين ويوماً حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي، فبينما نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس ولم يجلس عندي من يوم قيل فيَّ ما قيل قبلها، وقد مكث شهراً لا يوحي إليه في شأني شيء قالت: فتشهَّد ثم قال: يا عائشة فإنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب

فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قَلصَ دمعي حتى ما أحس منه قطرة، وقلت لأبي أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأمي أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، قالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيراً من القرآن، فقلت: إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدَّث به الناس ووقر في أنفسكم وصدَّقتم به ولئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم إني لبريئة لا تصدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم بأمرٍ الله يعلم أني بريئة والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف إذ قال: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ(277) ﴾ ثم تحوَّلت على فراشي وأنا أرجو أن يبرئني الله، ولكن والله ما ظننت أن ينزل الله في شأني وحياً ولأنا أحقر في نفسي من أن يُتكلَّم بالقرآن في أمري، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤى يبرئني الله، فو الله ما رام مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أُنزل عليه الوحي، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء حتى إنه ليتحدَّر منه مثل الجُمان من العراق في يومٍ شات، فلما سُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال لي: يا عائشة احمدي الله فقد برَّأك الله، فقالت لي أمي: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله، فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ(278) ﴾ فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه: والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد ما قال لعائشة، فأنزل الله تعالى: ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(279)

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فقال أبو بكر: بلى والله إني لأحب أن يغفر لي فرجع إلى مسطح الذي كان يُجري عليه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش عن أمري فقال: يا زينب ما علمت ما رأيت، فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت عليها إلا خيراً، قالت: وهي التي كانت تُساميني فعصمها الله بالورع(280) .

ومما لا شك فيه أن أم المؤمنين كانت مبرّأة من كل الاتهامات براءة كاملة، إلا أن الحاجة كانت داعية إلى التحقيق والتمحيص لتسكيت ألسنة المتحدثين بالأقاويل، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علياً وأسامة رضي الله عنهما يستشيرهما في فراق أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه من الودّ، فقال أسامة: أهلك ولا نعلم إلا خيراً، وأما علي رضي الله عنه فقال: يا رسول الله لم يضيّق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة، فقال: أي بريرة هل رأيت شيئاً يريبك؟ «وبريرة لم تستوعب سؤال النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الواقع كان أصلاً مستبعداً ومستحيلاً وظنت أنه يستفسرها عن الأمور المنزلية» فردت: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمراً قط أغمصه غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله»(281) ، ثم سألها الرسول صلى الله عليه وسلم بألفاظ صرحية فقالت: أحمي سمعي وبصري، والله لعائشة أطيب من طيب الذهب(282) .

أما من الضرائر فكانت زينب بنت جحش رضي الله عنها هي التي تسامي عائشة رضي الله عنها من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم «فسألها الرسول صلى الله عليه وسلم عن أمر عائشة فقال: يا زينب ما علمت ما رأيت؟ فقالت: «يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عليها إلا خيراً».

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثم قام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أُبَيّ بن سلول فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، وقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي، فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه – وكانت العداوة بين الأوس والخزرج مستمرة من زمنٍ بعيدٍ، فلما أشرق فجر الإسلام قضى على هذه الفتنة – فلما سمع ذلك سعد بن عبادة «رئيس الخزرج» ساءه ذلك، ورأى أن ما قاله سعد بن معاذ هو تدخل منه في غير قبيلته من غير حق. فقام وقال: كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على ذلك، فقام أسيد بن حضير – وهو ابن عم سعد بن معاذ – فقال: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيّان الأوس والخزرج حتى همّوا أن يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت».

ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله عنها، وهي كانت مضطجعة على فراش المرض وأبواها جالسان عندها، ولا يرقأ لها دمع، إذ جلس عندها ثم قال: يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب، تاب الله عليه، فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، تقول رضي الله عنها: قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال، فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت لأميّ: أجيبي عنّي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال: فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: وأنا جارية حديثة السّن لا أقرأ في القرآن كثيراً، إني والله لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس، ووقر في قلوبكم وصدقتم به ولئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصّدقوني بذلك، ولئن اعترفت لكم

بأمر والله يعلم أني بريئة لتصدِّقُنّني، والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف إذ قال: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ(283)(284)

أهداف المنافقين من وراء حادث الإفك

وكان المنافقون قد استهدفوا من وراء هذ الفتنة العظيمة ما يأتي:

1-إهانة وتشويه سمعة أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وبيت الصديق رضي الله عنه والنيل من أعراضهما، والطعن في حرماتهما.

2-التفريق والتشتيت في الأسرة النبوية الكريمة.

3-تمزيق شمل المسلمين وتفريق جمعهم، وإحداث خلل في قوتهم ووحدتهم وغرس بذور الفُرقة في وحدة الأخوّة الإسلامية.

تقول عائشة رضي الله عنها: فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أُنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدّر منه من العرق مثل الجُمان وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أُنزل عليه، فسُرّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: يا عائشة أما الله فقد برّأك الله فأنزل الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝١١ لَّوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ ۝١٢ لَّوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَٰئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ۝١٣ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝١٤ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ ۝١٥ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ۝١٦ يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ۝١٧ وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ۝١٨ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ(285) ﴾ وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۝٢٣ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(286)

فقالت لها أمها: قومي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت عائشة: «والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله(287) ».

وروى البخاري عن مسروق قال: دخلنا على عائشة رضي الله عنها وعندها حسان بن ثابت ينشدها شعراً يشبّب بأبيات له وقال:

حَصَانٌ رَزَانٌ ما تُزَنُّ بِرِيْبَةٍ وتُصْبِحُ غَرْثَي مِنْ لُحُوْمِ الغَوَافلِ(288)

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

فقالت له عائشة: لكنك لست كذلك(289) ، «تشير إلى أنه كان أحد الخائضين في حديث الإفك».

موقف المستشرق «وليم موير» من حديث الإفك

هذا وقد وقع الكاتب المؤرخ المستشرق «وليم موير» فريسة أخطاء فادحة وفظيعة أدبية وتاريخية في حكايته لحديث الإفك. ولا يسعني في هذا الكتاب الموجز أن أستعرض كل أخطائه التاريخية والأدبية، وسأكتفي بذكر مثالٍ واحدٍ تظهر فيه الجناية التاريخية والأدبية التي قصدها هذا المستشرق.

يقول وليم موير:«لما قفل المسلمون من بني المصطلق ووصلوا المدينة، حملوا معهم هودج عائشة رضي الله عنها، فوضعوه عند الباب قرب المسجد النبوي أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فلما فتحوه لم يجدوا فيه عائشة، وبعد وقت قليل ظهر صفوان بن المعطِّل «الصحابي المهاجر» فكانت عائشة جالسة على البعير وهو يقودها».

ثم يقول: «لقد أسرع صفوان بن المعطل لكي يلحق بالجيش، لكنه لم يقدر عليه، فلما نزل الناس وضربوا الخيام جاءت عائشة ودخلت المدينة على مرأى من الناس، يقودها صفوان بن المعطل».

وكل من هذين التصريحين يخالف ما ورد في سائر كتب الأحاديث والسير، ولا شك أن غرض «وليم موير» من ذلك لهو بعينه غرض كل متشبث بحدث الإفك ليتخذ منه سبيلاً إلى الطعن في الإسلام، وتشويه صورة الواقعة بشكل أسوأ وأفضح؛ لأنه قد ثبت باتفاق علماء السير والتاريخ أن صفوان قد أدرك الجيش في الظهيرة قبل الوصول إلى المدينة، فلا علاقة للموضوع بالمدينة المنورة.

حواشي هذه الصفحةحاشية واحدة
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

ثانيا: مشروعية التيمّم

خرجت عائشة رضي الله عنها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في إحدى أسفاره، وكان في عنقها نفس العِقد الذي كان في غزوة بني المصطلق، فلما قفل المسلمون ووصلوا إلى ذات الجيش انسلَّ العقد من عنقها وذلك من السَّحَر(290) ، فحُبس رسول الله صلى الله عليه وسلم لالتماسه.

تقول عائشة رضي الله عنها وهي تحكي لنا القصة بتمامها: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عِقد لي، فأقام رسول الله على التماسه وأقام الناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبي بكر فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس معه، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبستِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، قالت عائشة: فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكانُ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم فتيممّوا(291) .

إن من خصائص الشريعة الإسلامية وميزات أحكامها أن الله عز وجل قد أنزلها في أوقات مناسبة وحسب الحاجات الإنسانية والمصالح البشرية، فالوضوء كان فرضاً للصلاة، لكن واجه المسلمون مشكلات في عشرات المواضع حيث لم يوفر فيها الماء، وهذا المكان كان من تلك المواضع التي لم يجد فيها المسلمون الماء، فأنزل الله تعالى حكم التيمّم نظراً لحاجتهم الشديدة ورحمة بهم وشفقة عليهم لكي يقيموا أكبر شعائر الإسلام وأهم فرائضه ألا وهي الصلاة، ونزلت الآية الكريمة: ﴿ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا(292) ﴾ فلما نزلت هذه الآية سُرعان ما تحوّل جوّ المعاتبة والغضب إلى جوّ من الفرح والسرور والبهجة والحبور، وبدأ المسلمون يرفعون أيديهم إلى فاطر السموات والأرض داعين لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، حيث أُكرم المسلمون بهذه النعمة الآلهية العظمى من أجلها، وقام أسيد بن حضير ووجهه متهلل بمعالم الفرح يقول: «ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر»(293) وهذا أبو بكر الصديق رضي الله عنه الذي لقيت منه عائشة رضي الله عنها ما الله به عليم من التعنيف والتأنيب، بدأ يقول حين جاء من الله ما جاء من الرخصة للمسلمين: «والله ما علمت يا بنيّة أنك لمباركة، ماذا جعل الله للمسلمين في حبسك إياهم من البركة واليسر»(294) ثم وجدوا العِقْد الذي افتقدته عائشة رضي الله عنها وكان تحت البعير.

الفصل الخامس

وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

ووفاتها رضي الله عنها

الفصل الخامس: وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم.ووفاتها رضي الله عنها

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 119 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
صفحة 120 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم

في السَّنَةَ الحَادِيَة عَشَرَة للهِجْرةِ

وها نحن الآن ندخل في المرحلة العصيبة النهائية، والنقطة الأخيرة من مصائب الحياة التي تعاني منها المرأة، ألا وهي مفارقة الزوج.

كانت عائشة رضي الله عنها في الثامنة عشرة من عمرها عندما التحق المصطفى صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، فكان يوماً من شهر صفر عام 11 هـ إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة فقالت: وارأساه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا وارأساه(295) . ومنذ ذلك الحين ابتدأ به صلى الله عليه وسلم وجعه في بيت ميمونة، وكان وجعاً في رأسه الكريم، وكان أكثر ما يعتريه صلى الله عليه وسلم الصداع، فجعل مع هذا يدور على نسائه فما إن شعر بالمرض حتى أخذ يسأل: أين أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ استبطاءً ليوم عائشة، فأذن له أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها(296) .

سببُ رغبته صلى الله عليه وسلم في التمريض في بيت عائشة

وربما يفهم البعض أن سبب رغبته صلى الله عليه وسلم في التمريض في بيت عائشة رضي الله عنها هو حبّه لها، ولكننا ذكرنا سابقاً أن الله عز وجل قد خصّ السيدة عائشة رضي الله عنها بكثير من الفضائل والمزايا الفطرية ووهبها حظاً وافراً من كمال العقل وقوة الذاكرة وسرعة الفهم والذكاء المتوقد والبديهة الواعية وقدرة التحصيل والإحاطة بكل ما يقع في متناول ذهنها، وملكة في الاستنباط والاستخراج، وقوة نادة للاجتهاد، إذن فلا غرابة أن يكون غرض الرسول صلى الله عليه وسلم من التمريض في بيت عائشة و الاستقرار فيه أن تقوم عائشة بحفظ كل الأقوال والأفعال الصادرة من النبي صلى الله عليه وسلم في أيامه الأخيرة، والحق الذي لا مراء فيه أن المسلمين قد عرفوا الكثير من أمر نبيهم وأمر دينهم، وأحواله صلى الله عليه وسلم عند الاحتضار، من أحاديث عائشة عن زوجها الرسول صلى الله عليه وسلم.

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

هذا واشتد المرض بالنبي صلى الله عليه وسلم على مرّ الأيام حتى لم يسعه أن يصلّي بالناس في المسجد وكانت هناك أدعية كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مرض نفث بها على نفسه، فكانت عائشة رضي الله عنها كذلك تنفث عليه بتلك المعوّذات والأدعية وتمسح بيده(297) ، وكان الناس عكوفاً ينتظرون النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد لصلاة العشاء، فكلما ذهب لينوء أُغمى عليه، فقال:«مروا أبا بكر فيصلّ بالناس»، قالت عائشة: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه، فلو أمرت غير أبي بكر، قالت: والله ما بي إلا كراهية أن يتشاءم الناس بأول من يقوم في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: فراجعته مرتين أو ثلاثاً، فقال: «ليصلّ بالناس أبو بكر، فإنكن صواحب يوسف»(298) .

وكان صلى الله عليه وسلم قد ترك شيئاً من الذهب عند عائشة رضي الله عنها قبل مرضه الذي مات فيه، فتذكّره في مرضه فقال لعائشة: يا عائشة ما فعلتِ بالذهب؟ فجاءت ما بين الخمسة إلى السبعة أو الثمانية أو التسعة، فجعل يقلِّبها بيده ويقول: ما ظنُّ محمد بالله عز وجل لو لقيه وهذه عنده، أنفقيها(299) .

وحانت اللحظة الأخيرة من حياة سيّد المرسلين صلى الله عليه وسلم، وكانت عائشة رضي الله عنها مسنِدةً رسول الله صلى الله عليه وسلم، تقول: دخل عليَّ عبد الرحمن وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحبّ السّواك فقالت: آخذه لك؟ فأشار

حواشي هذه الصفحة3 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

برأسه أن نعم، فتناولتُه فاشتد عليه، وقلت: أليّنه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فلّينته فأمرّه(300) وفي رواية: «فاستنّ بها كأحسن ما كان مستناً»(301)

فكانت عائشة رضي الله عنها تعتز وتفتخر بما نالت من هذه الفضيلة والكرامة وتقول: إن من نعم الله تعالى عليَّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفّي في بيتي وفي نوبتي وبين سَحْري ونحري، والله جمع بين ريقي وريقه(302) .

فلما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه أخذت عائشة رضي الله عنها بيده وذهبت لتقول: أذهب الباس ربَّ الناس واشفِ أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقماً، قالت: فنزع يده مني ثم قال: «اللهم اغفر لي واجعلني في الرفيق الأعلى»(303) .

وكانت رضي الله عنها تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو صحيح يقول: «إنه لم يُقْبض نبيّ قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يخيّر، فلما نزل به ورأسه على فخذي غُشي عليه ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت ثم قال: اللهم في الرفيق الأعلى، فقلت: إذاً لا يختارنا، وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا وهو صحيح»(304) .

ومما لا شك فيه أن من أعظم الفضائل وأعلى السعادة وأهم المناقب للسيدة عائشة رضي الله عنها أن حجرتها الشريفة كانت المسكن الأخير للنبي صلى الله عليه وسلم، ومكان دفنه ووفاته.

«فإنا لله وإنا إليه راجعون».

رؤيا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

كانت عائشة رضي الله

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

عنها قد رأت في المنام أن ثلاثة أقمار سقطت في حجرتها، قالت: فسألت أبا بكر رضي الله عنه فقال: يا عائشة إنْ تصدق رؤياك، يُدْفَنْ في بيتك خير أهل الأرض ثلاثة، فلما قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ودُفن قال لي أبو بكر: يا عائشة هذا خير أقمارك، وهو أحدها(305)

وقد أثبتت الوقائع القادمة أن القمرين الآخرين هما أبو بكر وعمر بن الخطاب رضي الله عنه، والآن صارت السيدة عائشة رضي الله عنها أرملة، وقضت من عمرها أربعين عاماً على هذه الحالة، لزمت حجرتها طول حياتها تعزي نفسها بجوار قبر المصطفى صلى الله عليه وسلم، وما برحت منذ تلك اللحظة تلازم البقعة الخالدة لا تفارقها إلا للعمرة أو الحج أو لزيارة قريبة، واتخذت سكنها في الحجرة المجاورة لقبره، وهي لا تحسب أنها قد فارقت منه غير مشهد جثمانه، فقد كانت تزوره زيارة الأحياء.

كما أنها كانت تزور القبر الشريف من دون حجاب ثلاثة عشرة سنة متوالية إلى أن توفّي عمر بن الخطاب رضي الله عنه(306) ، فلما دفن عمر معهما جعلت بعدها تنتقب وتلبس ملابس الحجاب، وهي تزور أولئك الأصحاب المتجاورين كأنهم على قيد الحياة.

وقد حرّم الله تعالى على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

قال رجل من سادات قريش: «لو توفّي رسول الله صلى الله عليه وسلم لتزوجت عائشة»(307) فلما كان هذا الأمر مخالفاً للمصالح الدينية والسياسية، وحطاً من شأن النبوة أنزل الله تعالى قوله: ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ(308) ﴾ وقوله تعالى قوله:

حواشي هذه الصفحة4 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

﴿ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَٰلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا(309)

والأصل في هذا أن الأزواج المطهّرات اللاتي أكرمهن الله تعالى بصحبة نبيّه الحبيب صلى الله عليه وسلم في حله وترحاله، عشن في كنفه حاملات لتعاليمه، حافظات لسننه، وبخاصة سنته عليه الصلاة والسلام في بيته، التي لم يطلع عليها في الأغلب أحد سواهن لم تكن بقايا حياتهن إلا لكي يقمن بواجب نشر وإشاعة الدروس والتعليمات التي تلقّينها من الحبيب المصطفى الزوج المبارك المعظّم طول حياتهن، وألا يصرفن شيئاً من حياتهن إلا في تأدية هذا الواجب، كن أمهات المؤمنين، فكانت مسؤوليتهن تعليم أبنائهن وتربيتهم، وكن المرجع الأول فيما حفظ عندهن من آي القرآن، وما حفظنه من السنن والأحاديث، حتى كانت بيوتهن مثابة الزوار من أبنائها وبناتها.

يقول الله عز وجل:

﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ۝٣٠۞ وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا ۝٣١ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا ۝٣٢ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ۝٣٣ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا(310) ﴾ .

حواشي هذه الصفحة2 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وفاة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها

توفيت عائشة رضي الله عنها في نهاية خلافة معاوية رضي الله عنه. وكانت قد بلغت من العمر سبعاً وستين سنة، ومرضت في شهر رمضان المبارك سنة ثمان وخمسين من الهجرة، فإذا سُئلت: كيف أصبحت؟ قالت: صالحة الحمد لله(311) ، وكل من يعودها يبشرها فتردّ عليه قائلة: يا ليتني حجراً، ياليتني كنت مدرة(312) .

واستأذن عليها ابن عباس رضي الله عنهما في مرضها فأبت أن تأذن له، فقال لها بنو أخيها: ائذني له، فإنه من خير ولدك، قالت: دعوني من تزكيته، فلم يزالوا بها حتى أذنت له، فلما دخل عليها قال: إنما سُمِّيتِ أم المؤمنين لتسعدي، وإنه لاسمك قبل أن تولدي، إنك كنت من أحب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليه، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب إلا طيِّباً، وما بينكِ وبين أن تلقَىْ الأحبة إلا أن تفارق الروحُ الجسد، ولقد سقطت قلادتك ليلة الأبواء، فجعل الله للمسلمين خيرة في ذلك، فأنزل الله تبارك وتعالى آي التيّمم، ونزلت فيك آيات من القرآن، فليس مسجد من مساجد المسلمين إلا يُتلى فيه عُذرك آناء الليل وآناء النهار، فقالت: دعني من تزكيتك لي يا ابن عباس، فوددت أني كنت نسياً منسياً(313) .

وقالت عند وفاتها: «لا تدفِنِّي معهم وادفني مع صواحبي بالبقيع، لا أزكَّى به أبداً»(314) ، وفي رواية ابن سعد: «إني قد أحدثت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فادفنوني مع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم»(315) كما أمرت أن تُدفن من ليلتها.

حواشي هذه الصفحة5 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.

وأخرج الإمام محمد في «الموطأ» قيل لعائشة رضي الله عنها: لو دُفنت معهم؟ قال: قالت: «إني إذاً لأنا المبتدأة بعملي»(316) .

وكل هذا أيها القارئ الكريم يدل دلالة صريحة على غضها من نفسها وازدرائها لعملها وشدة ورعها رضي الله عنها وأرضاها.

وتوفيت رضي الله عنها سنة ثمان وخمسين، ليلة سبع عشرة من شهر رمضان بعد الوتر، الموافق يونيو عام 678م، فاجتمع الناس وحضروا فلم تُر ليلة أكثر ناساً منها.

عن عثمان بن أبي عتيق عن أبيه قال: «رأيت ليلة ماتت عائشة وحمل معها جريد في الخرق فيه النار ليلاً، ورأيت النساء بالبقيع كأنه عيد»(317) وسمعت أم سلمة رضي الله عنها الصرخة فقالت لجارية: اذهبي فانظري، فقالت: وجبت، فقالت أم سلمة: والذي نفسي بيده لقد كانت أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أباها(318) ، وفي رواية الطيالسي: سمعت أم سلمة الصرخة على عائشة فأرسلت جاريتها: انظري ماذا صنعت؟ فجاءت فقالت: قد قضت، فقالت: يرحمها الله، والذي نفسي بيده لقد كانت أحب الناس كلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أباها(319) . وكان أبو هريرة رضي الله عنه والي المدينة بالنيابة فصلىَّ على عائشة رضي الله عنها، ونزّلها في القبر كل مِن القاسم بن محمد بن أبي بكر، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن عتيق، وعروة بن الزبير، وعبد الله بن الزبير، ودُفنت بالبقيع(320) ، وقامت القيامة في المدينة المنورة لأفول شمعة من شموع المدينة. يقول مسروق «التابعي الجليل»: لولا بعض الأمر لأقمت المناحة على أم المؤمنين(321) .

سُئل رجل من أهل المدينة كيف كان وَجْدُ الناس على عائشة؟ فقال: كان فيهم وكان، قال: إنه لا يحزن عليها إلا من كانت أمه(322) .

وقد تركت عائشة رضي الله عنها مما تركت غابة(323) ، فورثتها أختها أسماء رضي الله عنها ثم اشتراها منها معاوية رضي الله عنه بمئة ألف درهم، فوزّعتها أسماء في القاسم بن محمد وابن أبي عتيق(324) .

حواشي هذه الصفحة9 حواشٍ
  1. تظهر الحواشي الموثقة عند فتح هذا القسم.
صفحة 128 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة

الخاتمة

بعد أن ارتشفنا من عبق السيرة العطرة لأم المؤمنين وزوج سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وابنة صِدِّيق الأمة والتي دللت للتاريخ أن المرأة من الممكن أن تكون مدرسة متكاملة للأخلاق والعلم كما سلف من سيرتها رضي الله عنها.

لعلنا في ذلك نحيي في بناتنا أنموذجاً رائعاً للتأسي والاقتداء بأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم علماً وعملاً ينفعنا الله وإياكم بما في هذا الكتاب ولما فيه نصرة دين الله تعالى.

صفحة 130 فارغة أو فاصلة في النسخة المطبوعة
الحاشية
النسخة المصوّرة — الدُّر الثمين من سيرة السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها
يُحمّل المصدر المصوّر…